← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

صمت مسامعه عن غير نغمته ... فما تمر به الآيات والسور تلقاه كالعجل معبوداً بمجلسه ... له خوار ولكن حشوه خور وحوله كل مغتر وما علموا ... أن الذي زخرفت دنياهم غرر فقل لمن نام أصبحت، انتبه، فلقد ... مضى لك الليل بحتاً وانقضى السحر وانظر إلى الصبح سيفاً في يدي ملكٍ ... في الله من جنده التأييد والظفر يرعى الرعايا بطرفٍ ساهرٍ يقظ ... كما رعاها بطرف ساهرٍ عمر ردوا موارد قد أوردتم حنقاً ... بها الأنام ولكن ما لكم صدر كأنني بكم قد صرتم سمراً ... وما لكم في الورى عين ولا أثر أمانكم قبل موتٍ سوء فعلكم ... وكيف بالذكر إذ لم تحسن السير رجعت إلى إيراد فصول من ترسيل ذي الوزارتين المذكور فصول من رقعةٍ كتبها عنه إلى صاحب القلعة، قال فيها: ورد كتابك الذي أنقذته من وادي منى منصرفك من الوجهة التي استظهرت عليها [٥٢أ] بأضدادك، وأجحفت فيها بطارفك وتلادك، واخفقت من مطلبك ومرادك، فوقفنا على معانيه، وعرفنا المصرح به والمشار إليه فيه، ووجدناك تتجني وتثرب على من لم يستوجب التثريب

стр. 1192

وتجعل سيئك حسناً، ومنكرك معروفاً، وخطأك صواباً بيناً، وتقضي لنفسك بفلج الخصام، وتوليها الحجة البالغة في جميع الأحكام، ولم تنأول أن وراء كل حجةٍ أدليتها ما يدحضها، وإزاء كل دعوى أبرمتها ما ينقضها، وتلقاء كل شكوى صححتها ما يمرضها، ولولا استنكاف الجدال، واجتناب تردد القيل والقال، لنصصنا فصول كتابك أولاً فأولا، وتقريناها تفاصيل وجملاً، وأضفنا إلى كل فصل ما يبطله، ويخجل من ينتحله، حتى لا يدفع لصحته دافع، ولا ينبو عن قبول أدلته راءٍ ولا سامع، ولا يختلف اعترافاً به دانٍ ولا شاسع. وفي فصل منها: وننشدك الله الذي ما تقوم السماء والأرض إلا بأمره، ألم نكن عندما نزغ الشيطان بينك وبين أبي عبد الله محمد بن يوسف، ﵀، وفاقم الشنآن، قد توفرنا على ما كان بالحال من إقلاق، وتأخرنا عما كانت النصبة تستقدم إليه من بدارٍ أو سباق، ولم نمد الجهة حق إمدادها، ولا كثرنا فوق ما كان يلزم من جماهير أعدادها، ولا عدلنا

стр. 1193

عن جهاد المشركين، ولا أقبلنا إلا على ما يحوط حريم المسلمين، رجاء أن يثوب استبصار، أو يقع إقصار، وأنت خلال ذلك تحتفل وتحشد، وتقوم بحميةٍ وتقعد، وتبرق غضباً وترعد، وتستدعي ذؤبان العرب وصعاليكهم من مبتعد ومقترب، فتعطيهم ما في خزائنك جزافاً، وتنفق عليهم ما كنزه أوائلك إسرافاً، وتمنح أهل العشرات مئين وأهل المئين آلافاً، كل ذلك تعتضد بهم، وتعتمد على تعصبهم لك وتألبهم، وتعتقد أنهم جنتك من المحاذير، وحماك دون المقادير، وتذهل عما في الغيب من أحكام العزيز القدير. ونحن أثناء ما فعلت، وخلال ما عقدت وحللت، نؤم العدو - قصمه الله - فنجبهه ونكافحه، فنقدعه ونناطحه، ونتحفه من أقطاره، ونغزوه بدءاً وتعقيباً في عقر داره، إلى أن استجمعت أخيراً واستجشت، وترجعت إلى عرفانك وأجهشت، ولولا ماؤك الذي ثمدوه، وشارفوا إلى أن يستنفدوه، ما أووا لشكواك، ولزادوك ضغثاً على إبالة بلواك، وإنك لمتداوٍ منهم بسمٍ، ومستريح إلى غم، فبلغت معهم ما بلغت، وأرغت بهم ما أرغت، واستقبلتنا بما أثبت عن العدو ولقد أخذناه بمخنقه، وأضفنا

стр. 1194

أنشوطة وهق الخزي على عنقه، وأشفى على انقطاع ذمائه ورمقه، ففرجت عنه كربة لم يظنها تنفرج، ونهجت له منها وجه مخلص لم يحسبه ينتهج، وأخليت وجهه لأذى المسلمين يبدئه ويعيده، وبسطت فيهم يده وكانت في جامعة تقصره عما يريده، ولو أن صاحب رومة المشتمل معه بعباءة الكفر والشرك، المنتحل ما ينتحله من كلمة الزور والإفك، يكون مكانك من جوارنا، ويصاقب كما صاقبت قاصية دارنا، ما أتى من نصره فوق ما أتيت، ولا تولى من انتشاله، والسعي ف استقلاله، إلا بعض ما توليت، ولا أنحى على المسلمين من مضاره إلا بدون ما أنحيت، ولا بغاهم خبالاً بأكثر مما بغيت. وما في تلك الجزيرة - عصمها الله - من صالحٍ ولا طالح إلا ما يعرضك على الله تعالى، ويرفع إليه فيك عقيرته بالشكوى، وكل ما سفك من دم، وانتهك من محرمٍ، واستهلك من ذمم، فإليك منسوب، وعليك محسوب، وفي صحيفتك مكتوب، وموعد الجزاء غداً وإنه لقريب، فانظر ما أنجح أثرك، وأربح متجرك، وأصلح موردك ومصدرك. وله من أخرى عنه إلى الفقيه قاضي الجماعة [٥٢ب] بقرطبة أبي عبد الله بن حمدين: وصل كتابك فوقفنا على معانيه، وأحصينا المجمل والمفضل

стр. 1195

مما ذكرته فيه، والذي أومأت إليه من أن الأمر الذي وليته ذو شغوب مشغبة، واشغال على محاولها صعبةٍ، حق لا امتراء فيه، ولا غطاء عليه من محصليه، ولذلك ما اختير له، على وجه الزمان، أهل المنن من أولي الديانة والصيانة، الذين نرجو أن تكون منهم محسوباً، وفي صدر ديوانهم مكتوباً، فاستهد الله يهدك، واستعن بالله يعنك في صدرك ووردك، وتول القضاء القضاء الذي ولاكه الله بجد وحزم، وجلد وعزم، وأمض القضايا على ما أمضاها الله تعالى في كتابه وسنة نبيه، ولا تبال برغم راغم، ولا تشفق من ملامة لائم، وآس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع قوي في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، ولا يكن عندك أقوى من الضعيف حتى تأخذ الحق له، ولا أضعف من القوي حتى تأخذ الحق منه، وانصح لله تعالى ولرسوله ﵇، ولنا ولجماعة المسلمين. وقد عهدنا إلى جماعة المرابطين أن يسلموا لك في كل حق تمضيه، ولا يعترضوا عليك في قضاء تقضيه، ونحن أولاً وكلهم آخراً مذ صرت قاضياً، سامعون منك، غير معترضين في حق عليك، والعمال والعرية كافةً سواء في الحق، فإن شكت إليك بعامل وصح عندك ظلمه لها، ولا يتجه في ذلك عمل غير عزله، فاعزله، وإن شكا العامل من رعية خلافاً

стр. 1196

في الواجب فأشكه منها وقومها له، ومن استحق من كلا الفريقين الضرب والسجن فاضربه واسجنه، وإن استوجب الغرم في ما استهل فأغرمه، واسترجع الحق شاء أو أبى من لدنه، والأمر في استكفاء من يكفيك، ويغني في بعض الأمور عنك، إليك، ولا نشير بشيء عليك، وتصرفك أحياناً في إصلاح صنعتك وترقيح معاشك، غير مضيقٍ عليك فيه، فاعلمه. وله من أخرى عن المعتمد إلى ابن صمادح: إنما أشاركك - أيدك الله - في النعمة بأسوغها، وأطالعك في الهمة بأبلغها، لما أعلمه علم اليقين، وأتوسمه توسم الصبح المبين، إنك بكريم عهدك، وسليم ودك، تأخذ من ذلك بالحظ الأوفى، وتضرب في الارتياح له بالقدح المعلى، وأنفذته من حصن لييط - سها الله مرامه، وأعاد إلى يد المسلمين زمامه - وقد جرى بين فرسان من النصارى وبين سرعان من الجند - نصرهم الله - عند إطلالي عليه تناوش أطمع فيهم، ودل بأنه قد سقط في أيديهم، ثم صوبحوا يوم كذا بالحرب، وكوفحوا إلى أخرة بالغرب، بالطعن والضرب، وانصرفوا ولاذوا بالانجحار، واحتجزوا بالجدران والأسوار، ولم يكن واحد منهم يثور إلا إلى حمام، ولا يبدي جارحة إلا إلى سهم

стр. 1197

رام، وفي خلال ذلك ما أمرت بشربهم فغورت منابعه، وقطعت مشارعه، وحصلوا منا ومن العطش تحت محاربين: ظاهرٍ وباطن، وعرضةً لمجاولين: مستترٍ وعالن. وغير ذاهب على أحد ما تقتضيه هذه الحال المبهجة بما يخالفها على علو كعب الإسلام، وينصب على الشرك وأهله من سوء الانتقام، بعد البلوغ من الشكر لله تعالى إلى الغاية القصوى، من اختصاص أمير المسلمين وناصر الدين، أبي يعقوب حليفنا الأعز - أيده الله - بقسمٍ من الشكر وافر، وحظ من الثناء والنثر ظاهر، فإنه الذي نهج بنفسه الكريمة - سناها الله - هذه السبيل، وتجشم فيها المجاشم حتى أذل من المشركين العزيز وأعز من المسلمين الذليل، ثم لم يشغله - دام تأييده - عن صلة أيدينا بعد ذلك أمر، ولا ثناه عن النظر لنا عذر. وفي فصل منها: وكان نفوذي إليها من لورقة بعد أن تملكت قصابها، وتولجت على ما اقترحت أبوابها، وكان تخلي سعد الدولة أبي الأصبغ ابن لبون عنها على أفضل حال وأجمعها، بما [٥٣أ] شئت من إلطاف

стр. 1198

وإجمال: ياسر وتساهل، وتقاصر حيث كان له أن يتطاول، رأياً أدرك منه على صغره، وقصر ما قطعه من مسافة عمره، ما يعجز عنه الكهل المجرب، ويقصر دونه الحول القلب. وتأملت ذلك منه - أبقاه الله - حق التأمل، ونظرت إليه بعين الملتفت المحصل، فوفيته الجزاء، وسرت معه حسبما سار معي إلى ما شاء، فحصل لي من الناحية ما لا يضاهى معقلاً وبسيطاً، وعاد الشمل محوطاً والأمر مبسوطاً، والعاجز الكاسل حازماً نشيطاً، ورجع الضيق بها سعة، والهرج بحمد الله دعةً. ومن جواب ابن صمادح، من إنشاء ابن الوكيل كاتبه: إلى مخاطبتك - أيدك الله - تسكن النفس، وبمطالعتك يتمكن الأنس. فما تزال - والله يعلي كعبك، ويجعل الأيام والليالي أنصارك وحزبك - تطلع من الاهتبال، في وفق الإجمال، ما يبدو ويتبين مع البكر والآصال - لا أعدمك الله معلوةً تبديها، ومنقبةً تنافس همم الكرام فيها -. وورد كتابك مفتتحاً بما كان من صنعه تعالى الكفيل، وبلائه الجميل، ومنه المتتابع الموصول، في احتلالك بلييط - يسره الله، وأحل الهلاك بمن احتواه - وما كان من ذلك التناوش الذي أبدى مخايل الاعتلاء، وأذن بالملك والاستيلاء، ولا شك أن من سعى لله وحده، ولم يرد الظفر والظهور

стр. 1199

إلا بما عنده، أن حزبه منصور، وماله موصول بها التسهيل والتيسير، والحمد لله تعالى على ما منح متعين، وموضع الضراعة إليه في الازدياد ظاهر بين، على ما أولى من نعم، أظهرت الإسلام بعد خمول، والشكر له على قسمٍ، أعزت الدين وقد كان جد ذليل. وتوجه على ما ذكرت شكر أمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب، حليفنا الأعز - أيده الله - على ما أجرى إليه بدءاً من الخفوف بنفسه النفيسة - نسأها الله - وما اعتمده عوداً من الاهتبال الذي توخاه، فهو الذي نهج السبيل، وبرد اللوعة والغليل، وأعاد الحزب اللعين بعد عزته الحقير الذليل. ورأيت - أراك الله مناك - أن حركتك الميمونة كانت إلى هناك من لورقة بعد أن تملكت قصابها، وتولجت على اختيارك أبوابها، على الصورة التي وصفتها، من متابعة أهلها، وانطياع من فيها، نعمة يعلم الله تعالى أن نصيبي منها النصيب الأوفر، وذنوبي منها الذنوب الأكبر، وكل نعمة أناخت بجنابك، وحطت رحلها ببابك، فإني فيها الخليط المساهم، والمشارك المقاسم، على ما يقتضيه الإخاء، ويستدعيه الانتظام والصفاء.

стр. 1200

وله من أخرى عنه: قل ما ينفع صلاح الظاهر إذا فسدت الدخلة، ولا يغني اندمال الخارج ما كانت العلة، وكتابي هذا يوم كذا وفي ليلة طلع علي الخبر بما يستغربه من غدر أهل فلانة لي، وعقد السلم بيننا لم يجف مداده، وعهد التواثق لم يكد ينفصل أشهاده، فانظر فعلهم ما أقبحه، وتأمله فما أفضحه، واعلم أن غائلتهم لا تطفأ أبداً نائرتها، ولا يؤمن على حالٍ ثائرتها. وله عنه من أخرى، إثر دخول ابن عكاشة قرطبة، وقتله لابنه عباد، وقد وجدت هذه الرقعة في بعض التعاليق منسوبة لابن الباجي: كتبت على أثر النازل الشنيع، والرزء الفظيع، الذي صدع كبدي، وفت في عضدي، وأثكلني من كان القرة لعيني، ما جرى على الفقيد الشهيد عباد ابني مجلك - كان - رحم الله مصرعه، وبرد مضجعه، وقتل قاتليه، ووفر لي أجر المصاب فيه. وشرح هذه الفاجعة، والقاصمة الهاجمة: تسببت من مثابرة العدو المبين المفتون، جاري الذميم الجوار القبيح الآثار، ومجاهرة الفاسق المعروف بابن عكاشة، دليله في سبيل التسلط والعدوان، وسهمه إلى أغراض

стр. 1201

التمرد والطغيان، على السعي الخبيث الذي لا يصر على مثله إلا منحرف عن الملة، منسلخ عن [٥٣أ] الخبر بالجملة، طلب الغرة في قرطبة حتى أصابها، وارتقب الفرصة حتى ولج بابها، ليلاً في زمرة من أخابيث أصحابه، بعد أن هيئ له فتحه، ودخل المدينة، وصادف السرب آمناً غريراً، والعدد قليلاً نثيراً، ويمم موضع المطهر بالشهادة، فنذر بهم وخرج مطالعاً للأمر، فلم يبعد أن غشيه المردة فثبت لها مدافعاً عن نفسه حتى أفيظت - رحم الله موقعه فريداً مسلماً، وأقره في جواره العزيز سعيداً مكرماً. ثم عاث المذكور في البلد، واستثار أشباهه من السفلة الأراذل، في استباحه المنازل، فأجابوه وانضمو إليه، وصار جمعه منهم وبتوت أمره بهم، وأما سائر الأعلام والأسواط فرءاء من هذه القصة، ناؤون عن المشاركة في هذه الدنية، بغتهم من الحال ما لم يعلموا، ففوضوا وسلموا؛ وبادرت إلى عرض ما وقع على فضل تأملك، لترى جد هذا العدو المطالب، المشاق المناصب، وإكبابه على التسلط والتمرد، إلى أن انتهك الحرمة

стр. 1202

ووتر في الولد، غير مبال ببعيد ولا قريب، ولا ممسكٍ مخافة إنكارٍ، ولا تثريب، والرب لبغيه بالمرصاد، والقاطع بأمله في الانبساط والازدياد. ذكر الخبر عما دار به نجم قرطبة يومئذ، من ثعلب ابن ذي النون عليها، وعودة المعتمد بعد إليها قال ابن بسام: قد قدمت من عجب المعتمد بذاته، وتوفره - كان - على لذاته، وتقديره أنه يضبط أزمة البلاد، ويملك رقاب العباد، وخيله في الأجلال،وكأسه في يد الساقي المختال، على مكانه من العلم، ووفور حظه من الحلم، ما فيه كفاية لمن استغنى، وآية لمن تدبر واجتلى. وعندما أخرج قرطبة من أيدي بني جهور، في خبر قد شرح في القسم الأول وفسر، ولاها ابنه عباداً، وكان محش حربٍ، ونشأة طعنٍ وضرب، فتىً لا يبالي من لقي، ولا إلى أي شيء دعي، عاجم ابن ذي النون في بعض نهداته إلى قرطبة، وجيشه قد ملأ الفضاء، وفات الإحصاء، ففل أجناده، واستباح طارفه وتلاده، ونجا ابن ذي النون منجى أبي نصر، بعد ما أعطى على القسر، وترجح بين القتل والأسر، لا يحفل بما أخر، ولا يلوي على من تعذر.

стр. 1203

غير أن المعتمد لما تهيأت له على ابن ذي النون الجسرة، وأمكنته منه تلك الغرة، أدار أمر قرطبة، وأميرها ابنه، على أحد عبيده المتجندين، محمد بن مرتين، وكان شهاباً لا يصطلي بناره، وأسداً لا يستقر على زاره، إلا أنه كان من الإدلال ببأسه، والإهمال لنفسه، والإقبال على كيسه وكأسه، والغفلة عن عادة الله في جنسه، آيةً من آيات الله الذي وكله إلى سوء القدر، وقتله بيد أضعف البشر، أحد الرجالة المتلصصين، والدائرة المتمردين، المتصرفين في صغار المهن، النابتين في مدارج سيول الفتن، رجلٍ كان يعرف بابن عكاشة، لم تكن له سابقة قديمة، ولا نباهة معلومة، فراشة طارت حول نار الفتنة المبيرة، المهتكة لمحارم هذه الجزيرة، فترقى من سكنى الشعاب، والسكون إلى الذئاب، وانتهاز الفرصة إن أمكنته في الطارق المنتاب، إلى تسنم المعاقل، وتدبير الأمور الجلائل، وأذكاه ابن ذي النون عيناً على قرطبة، في أحد الحصون المصاقبة لها، وأبعد آماله كانت إخافة سبلها، وتحيف عملها؛ وكان إحدى الأعاجيب ذكاء لبٍ، وصرامة قلب، وتقدماً إلى ضرب، لا يحل إلا ريثما يرحل، ولا يقول إلا بعد ما يفعل، وابن مرتين في خلال ذلك خال بشيطانه، ساع في شانه، بين بطالته وطغيانه، كلما حدث عن ابن عكاشة بغرةٍ اهتبلها، وأشير عليه في أمره بنصيحةٍ كي

стр. 1204

يقبلها [٥٤أ] أعرض عن الصادق الخبير، ودفع في صدر الناصح المشير. حدثني من أثق بخبره، ممن كان بعض أبواب قرطبة يومئذ إلى نظره، أن ابن عكاشة كان يسري تحت الليل إلى أحد حراسها فيخرج إليه بعض مردتها، فيطعمهم ويسقيهم، ويدبر كيف يفتح البلد على أيديهم، ويوليهم الأعمال ويقطعهم النفوس والأموال، فأخبر بذلك عباد بن المعتمد، فقال له: الق ذا الوزارتين الأعلى ابن مرتين، وكان لا يستبد عليه، ولا يقطع أمراً إلا بين يديه، فأدى ما كان عنده من ذلك إليه، فأظهر السرور، ووعد الجد والتشمير، وقال له: تقدم إلى فلان وفلان، جماعةٍ كانت بالحضرة من الأعيان، فليكونوا عندك في العدد الوافر، والسلاح الظاهر، فأمرهم عنه فأتمروا، وتقدم إليهم بالحضور فحضروا: في ليلةٍ من جمادي ذات أنديةٍ ... لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا وأقاموا منتظرين لأمره حتى بدا النور، وتكلم العصفور، وهو مشغول بجر ذيوله، وعصيان عذوله، فيئسوا من نصره، وجعلوا بعد يلحدون في أمره، وتم لابن عكاشه تدبيره، واستوسق له عبيره ونفيره، فانتهك حرمة قرطبة، سنة سبع وستين، في شرذمةٍ قليلة، وشباةٍ كليلة، معلنين بشعارهم، متلبثين بين تغريرهم واغترارهم، لم تكن لهم همة

стр. 1205

إلا دار عباد، فثار إليهم عندما أحس بهم ولا أهبة إلا إقدامه، ولا صاحب إلا حسامه، فجادلهم بالسيف صلتاً، حتى أذاقوه الموت بحتاً؛ ثم نهدوا إلى دار ابن مرتين وهو في منزل راحته، غافلاً عما نزل بساحته. ذكر أنه كان ساعتئذٍ يلعب بين يديه بالكرج، فعول على الفرار، واستتر مديدةً في بعض الأقطار، حتى انفضت أيامه، وعثر عليه حمامه، أخرج من قرطبة كأنه يحمل إلى ابن ذي النون، وقد تقدم إلى حملته، فطووا خبره، ومحوا أثره. وبات ابن عكاشة ليلته يطرق دور الأعيان من أهل قرطبة، يتودد إليهم، ويعرض نفسه عليهم، فمن أجابه قبله، ومن أبى عليه لم يعرض له؛ وأصبح قد انضاف إليه من بني المحن، وطغام الفتن، من منع منه، وحسم الأطماع عنه. ودعا الكافة إلى المسجد الجامع فأتوه خفافاً وثقالاً، وبايعوه بطاءً وعجالاً، وانثالت إليه طوائف الأمداد، وقواد الأجناد، فانتظم له الأمر، واستوسق له المصر، ولحق ابن ذي النون بعد ذلك وهو يرى أنه قد وطئ صلعة النسر، وأخذ بمخنق الدهر، أملاً طالما عللته به المطامع، وهزته إليه المضاجع، ولم يزل في يوم دخوله قرطبة يعمل الحيلة في إقصاء ابن عكاشة من دولته، وإخراجه عن جملته. بلغني أنه دخل على ابن ذي النون يوماً، وقد رفل في الشارة، وتقلد مثنى الوزارة، فرحب به وأدناه، وهش إليه وناجاه، فلما خرج تنفس الصعداء، وأتبعه نظرةً شوهاء، وهينم بكلمةٍ عوراء

стр. 1206

فكأن بعض الحاضرين أنكر عليه وجعل يطري ابن عكاشة، ويذكر حسن بلائه، وينبه على مكانه من الدولة وغنائه، فلما أكثر قال له ابن ذي النون: دع عنك، من أجترأ على الملوك لم يصلح للملوك. ثم لم يلبث ابن ذي النون إلا شهراً لم تتعب كف العاقد، ولا أطالت غم الحاسد، حتى أتي من مأمنه، أغبط ما كان بسيئه وحسنه، وسقاه السم الوحي - زعموا - بعض ثقاته، فاستقل بجسده تابوته، وطار به إلى طليطلة جنه وعفاريته، وخلا وجه قرطبة بعد ذلك للمعتمد وعاد إليه ملكها، وانتظم في يديه سلكها، وأخذ بثار ابنه عبادٍ بقتله لابن عكاشة فلم يكن كما قال دريد بن الصمة: قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب ومما كتب عن المعتمد بعود قرطبة إليه، وقتل ابن عكاشة على يديه رقعة منها: وأنفذته عندما عادت الحضرة إلى يدي، وانتظمت ببلدي، على صورةٍ من التيسير ضاعفت [٥٤ب] حسن مواقع العارفة بها، وبشرت بلواحق النصر المترادف بعقبها، وذلك أن أهلها الصادقة في محبتنا أهواؤهم، المتفقة على طاعتنا آراؤهم، لم يزالوا على مثل الجمر تقلباً مما جرى قبل على غير اختيارهم، وتوجعاً لما كان انقضى علينا في جوارهم، نابين عمن ولي أمرهم بعدنا، مستقصرين لشانه عندنا، إلا النفر اليسير، والتافه الحقير، من سفهائهم الذين سببوا تلك الوهلة، وظاهروا على تلك الغفلة

стр. 1207

ولم يكن لهم أولاً علم بما سدوه وألحموا، ولا ضوا آخراً بما جنوه وارتكبوا فتحركت من وقتي، ولم أكد أطل على أفقهم إلا والإشارة علينا، بأثوابهم إلينا: أن أقدموا وصمموا، فاقتحمت من النهر مخاضةً توازي الربض الشرقي منها، وثار أهلها معي، داعين بشعاري، معلنين بانتصاري، وكلمة ثاري، يكسرون بين يدي كل غلق يعترضني، ويفتحون كل مرتج يتنصب دوني، وأحس ابن عكاشة ومن معه من الشيعة المفلوجة بمكاني ففروا بأرواحهم، وألقوا ما كان معهم من سلاحهم. وقد كنت أحطت بنواحي الحضرة خيلاً ترصدهم، وتقطع من النجاة سببهم، فوقعوا فيها وأتى على آخرهم، وسبق إليّ رأس ابن عكاشة؛ وكان الحبيب إليّ، أن يمثل بين يدي، فأبسط له من العذاب ما كان أشفى لنفسي، وأثلج لصدري. وفي هذا الفتح أنشده حسان بن المصيصي قصيدته التي يقول فيها، ووصف إشارة الناس يومئذ من سور المدينة: وليسوا بغرقي قد أشاروا لساحلٍ ... ولكنهم غرقى أشاروا إلى بحر وله عنه من أخرى إثر فتح مرسية على يدي ابن عمار، وإخراج بني طاهرٍ منها: لم يغب عنك من مجرى الحال بمرسية وجه أجلوه، ولا انطوى من فحواه أمر أنشره وأبديه، وها أنا أعرض عليك من باطنها ما ربما خفي، وأنهي إليك من نجواه ما لعله لم ينم على وجهه ولا أنهي

стр. 1208

وذلك أن الإفرنج أيام تلومهم على صاحبها، وإحداقهم بجانبها، أشخصوا إليّ من أعيانهم من قرب عليّ وجه مرامها، فاستجبت لندائهم، ولم يكد يختلج ببالي شك في صدق أنبائهم، وإذا الأمر بخلاف ما ذكروه، وعلى غير ما سهلوه، ووقع من المطاولة ما وقع، وآلت الحال معهم إلى ما قد فشا وسمع، فأعدت إليها الخيل مع فلان لإطالة حصرها، والإناخة بعقرها، وصاحبها مع ذلك عمٍ عن رشده، يقدم رجلاً ويؤخر أخرى في إعطاء صفقة يده، ليقضي الله تعالى قدره، ويبلغ أمره، فلما رأى أهلها الممتحنون بسوء نظره، المصابون من خطل تدبره، أن غماءهم لا تقرح، وظلماءهم لا تنجلي ولا تليح، أبدو إليه، ما كانوا ينطوون له عليه، فتألبةوا وثاروا وطيروا بالخبر من كان فيها من الأولياء إلى فلان، وكان على مقربة منها، غير متراخ عنها، فانصب إليها كالشؤبوب الماطر، وانقض عليها كالعقاب الكاسر، ووافاها وقد بولغ في حصاره، وانبسطت أيدي النهب في دياره، فكشفهم عن مكانه، ونفس عنه فانتشى ريح أمانه. ثم نقله وابن أخيه إلى أدنى معقلٍ إليهما، وآمنه عليهما

стр. 1209

وأخذ في ضبط الحصون، وما يغني به الحزم من وجوه التحصين، وأظهر أهل البلد [من] الاغتباط بمآلهم، والاستبشار بمفاتحة حالهم، ما يظهر من خرج من ضيقٍ إلى سعة، وانتقل من هرجٍ إلى دعةٍ. ومن أخرى له عنه: ومن أحدث نعم الله الممنوحة عهداً، وأبعدها في التمام والوفور حداً، ما أتاحه الله في المغالط المعجب، القوي المجيء والذهب، فلان - ضاعف الله إذلاله وإخزاءه، ووفاه على ذميم السعي جزاءه - فإن حاله جرت على ما أصفه: سلف من ضلالته في موالاة التعريض للحضرة وسائر أعمالها، ما أثاره الحسد المدوي لصدره، والقلق الغالب على صبره، واتفق له من [٥٥أ] إمهال الله تعالى إياه، وتنكيب الحوادث عن ذراه، مدةً عنه، اتفاق أجره رسنه، وأسلكه في الغواية سننه، حتى ظن أن الحوادث لا تريبه، والنوائب لا تنويه، وحسب أن الأيدي لا تمد إلى مطالبته، والآمال لا تطمح إلى معارضته، وقديماً خان هذا المعتقد أهله، وأبان لمن سكن إليه جهله. وفي فصل منها: ولم يبعد أن خرج في شهر رمضان على عادته من الاستخفاف بعظيم حرمته، وترك المراقبة لأهل الإسلام وذمته، بعد أن تأهب، واستنجد واستمد، والعجب قد أطغاه وأبطره، والشره قد غطى سمعه وبصره، والمطامع قد تشغبت عليه، وبسطت في

стр. 1210

انتهاز الفرصة يديه، فأخرجت ابني الظافر مستعيناً بالله معولاً عليه، متبرئاً من الحول والقوة إليه، فلما دنا من المحلة الذميمة واصطفوا إزاءها، اقتحم سرعان رجالنا نهراً كان بينهم، مبادرين غير هابين، ونشأت بين الفريقين حرب أجلت عن أعداد صرعى من أصحاب المخذول، ثم تلا ذلك عيون كافة العسكر وصدقت الحملة على الخائنين، فلم يلبثوا أن ولوا مدبرين، وألقوا بأيديهم منهزمين، والأسنة تحفزهم، والجلاد يزعجهم، فانحجزوا بالحصن وأسلموا محلتهم، فحيز جميعها، وغنم من كراعهم وسلاحهم وسائر أسلابهم جمل تفوت الحصر، وتعجز الوصف، وبقي المخاذيل إلى آخر النهار، ثم خرجوا مع المغيب، وشعر بفعلهم، فاتبعتهم الخيل إلى النهر، فتهافتوا فيه تهافت الفراش في النار، وفروا على عاجل البوار، وكان الشاذ منهم من سليم، والجم الغفير من غرق وتلف، والله حسيب من أورطهم وأغراهم، والمنتقم ممن قادهم إلى مناياهم. وأما المخذول المعهود خوره، والشديد تهوره، فإنه سقط عن مركبه في تلك الصدمة سقوطاً أوهنه وكلمه، ولولا من كر عليه حتى أقل واحتمل لحصل في ربقة الأسر، ولغلق رهنه إلى آخر الدهر. وله من أخرى: وقد كانت نشأت بيننا وبين فلان، النطف الود، السيء العهد - جزاه الله جزاء من خاس بذمامه، ونثر عقد الوفاء بعد انتظامه - مداخلة توسطها رؤساء، وتقلد وزراء، طالت زمناً لا ينتهج فيها

стр. 1211

إلى السلم سبيل، ولا يبدو من الوفاق دليل، ولا يلوح للنجاح وجه مقبول، بما كان السفراء يلقونه من تشطط في غير كنهه، ومقابلتي بما كان يأتي من شبهه، إلى أن تطأطأ من سموه، وتقاصر من علوه، ونضا عنه ثوب الرياء، وأبدى وجه حاجته إلى الانقياد والاستبقاء، فأنبت إنابة من يؤثر الهدنة على الفتنة، وتأتيت إرادة من يريد إدالة المودة من الإحنة، وأنا أعتقد أنه مصحح فيما أراه، صادق في الذي أعطاه، أقضي على الظاهر، ولا أتجاوز تصفح الحاضر، وإذا ما هو مصر غدرةً شوهاء، لو تهيأ مراده منها لأغصت بالريق، وللفت السوق بالسوق، ولكن الله بما عودنا من فضلة نبه على الغامض، وأبان عن برق الخلب الوامض، فرأيت مكنون الضمير، بعين التفكير، ونشرت مطوي الجوانح بيد التدبير، فإذا كل ما عقد منحل، وما أبرم مضمحل، فرددت عندما خلج عقده إليه، وقلبت غير مليم ظهر المجن إليه. ومن أخرى عنه: كنت قد هادنت أهل غرناطة - لا زالوا في أذيال مكرهم عاثرين، وفي أيدي غوائلهم مستأسرين - مهادنةً دعوني إليها فأجبت، واستدنوني نحوها فدنوت، فلما أشرقت على التمام، وآذنت بالانصرام، راسلوني في تماديها فساعدت، وأرادوني على اتصالها فانفعلت وأنفذت، وانعقد بيننا عقد بولغ في تأكيده، وتنوهي في إحكام مواثيقه وعقوده

стр. 1212

ولم تكد صحيفته تطوى، ولا شهيده يتولى، حتى غدروني في الحصن الفلاني باستنامة من كان فيه من قبل إلى السلم، وإضاعته استشعار الحزم، فلم أعجل بالتنكر، ولا سارعت بالتنمر، ورأيت الاستيناء، وآثرت الاستبقاء، رجاء أن يفكروا في العواقب، فيفيئوا إلى الواجب، ويعطفوا [٥٥ب] إلى الرأي الصائب، وأعدت إليهم من أمكنني إعادته من السفراء، فلقوا منهم بدهة وإباءً، والتواءً وانزواء، ولما رأيت ذاهب رشادهم لا يرجع، ودواء استصلاحهم لا ينجع، وثأي نصفتهم لا يرأب، وغائب فيأتهم لا يرتقب، عملت على الإيثار، واستجمعت لذي الانتصار، وسقيتهم بمثل كاسهم، ورميتهم عن نظائر قياسهم، فلم يطل أمد، ولا كثر من ماضي الأيام عدد، حتى حصل من وجوه قوادهم، ورؤوس أجنادهم، فلان وفلان، إلى ستةٍ وعشرين رجلاً أحيط بهم أسراً، وتقبض عليهم طراً، وجعلوا قراهم البث واللهف، وأبا مثواهم الهون والخسف. وله من أخرى عنه: شر الناس لنفسه من جهل مقدارها، ولم يتهم اختيارها، وقفا إذا شرهت وعميت آثارها، وطار بجناح طمعها، إلى

стр. 1213

ذميم طبعها، واتبع رائد جشعها، إلى وخيم مرتعها، وعاد إلى الصالح من خلطائه فاستفسده، وإلى الصفي فأحقده، وإلى المستنيم فأوحشه وشرده، ولا سيما في حال تحض على استدناء البعداء، وتبعث على مصادفة الأعداء، ومع نصبة قد أنذرت بمآلها، وحذت من بغتة اغتيالها، بل والله قد نفحت رجومها، ولفحت سمومها، وصرح بالبأساء شومها. وليس يذهب عنك أني، بما أشرت إليه وردت حواليه، إلى صاحب طليطلة ناظر، وإلى قبح ما عاملني به شاهر، وذلك أنه منذ زمن يتمرس بجانبي، ويقوم في وجه ما لا يريبه من مذاهبي؛ فمن ذلك ما نعلمه من خفوفه إلى بسطة للقاء فلان - أخذه الله بما ألبسته من حرمةٍ فجر دها، وأوليته من نعمةٍ فغمطها وجحدها - وبقائه هنالك يشجعه على غدري، ويشيعه من مخالفة أمري، وتوثق له أنه إذا انصرم مني، وانخزل ببعض عمله عني، كان له إن هممت به سنداً، ووصل به إن وصلت يداً، فحينئذ صنع فلان ما صنع، وحاول أن يطير فوقع، من تلك الجهة التي كانت انخرطت في سلك بلدي وعملي، واطردت في منابرها الخطبة

стр. 1214

لي، حتى انصات فيها فواق بكية حكمه، وذكر على أعوادها اسمه، " ولكن قليلاً ما بقاء التثاؤب " ووسمه، إلى غير ذلك من قوارص القول والفعل، وستصل إليك على ألسنة الرسل، وأنا في كل ذلك أحتمل الأذى، وأغضى على القذى، وأقبض يد الأنتصار، طمعاً في الاقتصار والاستبصار، وذهاباً مع عادة الأناة والإنظار. وربما ألمحت في بعض الأحايين بعتابٍ، وتكلمت بكلمات غضاب، فظن أن ذلك قصاري في إنكاري، ومنتهى وسعي واقتداري، فزاد الاعتداء والاستهداف، وعظم الازدراء والاستحفاف، ولولا نظري من هذه الجزيرة - عصمها الله - إلى ما ينظر إليه، وإشفاقي منها على ما لا يشفق عليه، لأسكنت أول انبعاثه ذلك النزوان، وردعت قبل احتفاله ذلك الاستنان. وفي فصل منها: ثم ختم تلك الهنات، وتلا تلك السيئات، بخبر صاحب فلانة، كنت أوطاته، على علمك رقاب أهلها، وجعلت إليه القبض والبسط فيها، ولم أشرك معه أحداً في معنى، فخان بما ائتمن، وفرط في ما احتجن، وخاف عاقبة ذلك فنغل واضطغن، وأراد أن يفوز ببطنته

стр. 1215

وما جمع، وينجو مما حذر عليه وتوقع، فأزمع على الانحراف والانزواء، واستجمع للخلاف والانتزاء، وداخل فلاناً يعرض عليه مما ذهب إليه، ليؤيده على قبوله بما في يديه، فنأى عنه بجانب النزيه الكريم، وأعرض إعراض الحر الصميم، فانصرف إلى المذكور وهو لمناها مستمطر متوكف، وإلى مثلها مستوقف مستشرف، فما دعاه حتى لباه، ولا أومي إليه حتى تهافت عليه، لا يتهيب حالاً، ولا يتوقع مآلاً، وبلغني الخبر وكفى به مزعجاً، ولا كمثله مبرماً محرجاً، فصبرت حتى أعذرت، وتأنيت حتى أبليت، ثم اعتزمت على الانتصار، وتقدمت لطلب، الثار، مستخيراً وعد الله لمن بغي عليه، مقتضياً حكمه العدل فيمن تسبب إليه، فتقدمت في معسكر ألفته يد الإعجال، [٥٦أ] وحالت البديهة بينه وبين الاحتفال، فأنخت به على بلده أياماً، قطعت فيها دونه كل الرفاق، ولم أبق حوله سقفاً على جدار ولا قائمةً على ساق، ثم مررت إلى جهة فلانة أجوس خلالها، وأتقرى بالنهب والإحراق أعمالها، وأتسنم معاقلها، وأجعل أعاليها أسافلها، إلى أن وقفت بجانبها منازلاً، وزحفت إلى بابها مقاتلاً، وصاحبها يرى الخوي ملء عينيه، ويقلب على خسارة صفقته كفيه، ولا يعاين إلا ناراً تضطرم عليها، وتصطلم حواليها، فلو أصغينا لسمعنا قعقعة أضراسه، واستشعرنا لوجدنا حر أنفاسه؛ وكل كمي عنده - وكانوا عدداً لفيفاً، وجمعاً كثيفاً - فد نسخ جباناً، ومسخ هداناً، لا يكاد يقبل حتى يدبر، ولا يبرز حتى ينجحر:

стр. 1216

تلقى الحسام على جراءة حده ... مثل الجبان بكف كل جبان ثم انكفأت، على غير الطريق التي كنت أنشأت، عائداً بمثل ما بدأت، واطئاً ما لم أكن قبل وطئت، فتخيل سبيلي، في وجهتي وقفولي، وتمثل أثري، في وردي وصدري. وكنت قد وجهت أسطولاً بلغ في ساحل بلده أقصى المبالغ من الإفساد والتدمير، والتغيير والتأثير، ثم انصرف بحمد الله كما انصرفت على غاية الوفور والظهور. وله عنه من أخرى: وإن فلاناً جارنا - لا أجاره الله من ريب الزمان، ولا صرف عنه صروف الحدثان - يأبى الله أن يراه حائداً عن فسادٍ، وعائداً إلى رشاد، ومقلعاً عن قبيح، ومستمعاً من نصيح، فهو - والأيام قد وعظته لو اتعظ، والأحوال قد نبهته لو انتبه واستيقظ، وحجة علو السن قد قامت عليه، ووجهوه غير الدهر قد سفرت إليه، بمنزلة الغر العابث، في مسلاخ السفيه العائث، ولا يقصر ولا يبصر، ولا يرعوي ولا بفكر. واتفق الآن، بمساعيه الخبيثة، ومحاولاته الذميمة، أن تسبب إلى مداخلة الحصن الفلاني، على يدي خبيث من أهلها، قد دبر الحيلة حتى اتجهت في مثلها، وأنفذ إليه قائداً من وجوه عبيده، واتصل بي الخبر، فطيرت من ناشبهم الحرب، فوهب الله لأوليائي الظهور، ووقى الله المحذور، من مضرةٍ

стр. 1217

كان الجاهل المطاول قرع بابها، وأحصد في ظنه أسبابها، فتأمل كيف دؤوب هذا الموصوف بحقائق صفاته، المتابع لقبائح هناته، على إضرام نار الفتن، باستثارة دواعي الإحن، وتعريض المسلمين - عصمهم الله - للحوادث والمحن، وكيف لا يزداد على الأيام إلا جماعاً في ميدانه، وانقياداً لشيطانه، واستكثاراً من سوء عمله، على قريب أجله؛ وليشكر الله حق شكره من لم يضعه هذه الضيعة الورهاء الشوهاء، ويشعره هذه البصيرة العمياء الصماء، ومن طبع على قلبه، بمجاهرة عصيان ربه، فشره أبداً عتيد، وشيطانه مريد. وفي فصل من أخرى: ورد كتابك مبيناً عن ود كماء المزن، وعهد كروض الحزن، مع بر حافلٍ وفيته، إلطاف بالغٍ أحفيته، مجلوين في معرض سيادة لاحظت ضميري لها عيون حور، وجاذبته منها ألفاظ أو انس نور، أرتني البيان كيف يدب سحره، والافتنان كيف يطم بحره، وزهر الآداب كيف يطلع من كمامه، ولؤلؤ الكلام كيف يتسق من نظامه، كل ذلك سافر عن وجهه طويةٍ سائلة غرة الإمحاض، سليمة جوهر الصفاء، مع علوقٍ مستحيلة الأعراض. وله عنه منه أخرى إلى صاحب المهدية: إنني - أيدك الله - على ما بيننا من لججٍ خضرٍ، وفياف غير، لمستكثر من إخائك، مستظهر بوفائك

стр. 1218

متوفر على إجمال ذكرك وثنائك، وقياماً بما يتعين من مجدك وسنائك، ويعلم الله انه ما أملي الأبعد، وعملي الأحمد، إلا أنه يؤم أفقك الطلق - صان الله بهاءه، وحسن أرجاءه - من الخواص النبلاء، والأعيان الفضلاء، من يبلغك كتابي، وينوب في إنهاء طاعتي إليك منابي. وكان فلان [٥٦ب] قد ألم بي زائراً، وتلوم لدي مجاوراً، فأقبلته وجه البشر، وألحفته جناح البر، وبخلال رائعة، وخصال بارعة، لنفائس المحاسن جامعة، منها - وهي أحظى وسائله لدي، وأدنى فضائله إليّ - إدمانه نشر نشر معاليك، وإعلانه بث أياديك، وكنت متى تشوف لمعاودة وطنه، واستشرف لمطالعة سكنه، أقوم في وجه زماعه، وأغض من طرف نزاعه، استمناحاً بما يثيره من ميامنك، واستدامةً لما يتلوه من آيات محاسنك، إلى أن جد به التوق، واستولى على مقادته الشوق، ولم يكن في صده عمل، ولا برده قبل، فأصبحته كتابي هذا إليك مجدداً رسم الوداد، وعامراً سبيل حسن الاعتقاد، ومعلماًبما بلوت من صدق تشيعه لمجدك، وخفة لسانه بحمدك، ومشيراً إلى ما عنده من كنه إجلال لك، وحقيقة استكثار منك، ثقةً بأنه يحسن إنهاءه، ويوفي أداءه إن شاء الله. قال ابن بسام: ومحاسن ذي الوزارتين أبي بكر أكثر من أن تحصى، وآياته أبين وأبهر من أن نستقصي، وإنما ظفرت منها بطرف، وحصلت

стр. 1219

منها على نتفٍ، ولم يقع إليّ من شعره ما أوشح هذا المجموع بذكره، ولا بأس باثباته إن حصل، وبالله أستعين وعليه أتوكل. ومنهم الوزير الفقيه الكاتب أبو القاسم محمد بن عبد الله بن الجد قريع وقتنا، وواحد عصرنا، ممن استمرى أخلاف النظم والنثر، فدرت له بالبيان أو بالسحر، فإن تكلم فأبو بحر، أو نظم فكلثوم بن عمرو، حتى إذا أخذ في الجدال، أو تفقه في علم الحرام والحلال، فرويدك حتى ترى الصبح كيف يسفر، وثبج البحر كيف يزخر وهو على نباهة الذكر، وعلو القدر وشرف المحل من فهر، قد لزم داره، وطوى أخباره، واقتصر على عفة من المعيشة رزقها، فهو يتبرض جميعها، لا بل يتزود نسيمها، والشمس، وأن سترها الضباب فغير خفية السناء، ولا مجهولة الغناء. وكان على عهد المعتمد قد تقلد وزارة ابنه يزيد، فلم

стр. 1220

يزل معه عليّ الشان، نابه المكان، حتى كان من أمره ما كان. وهو اليوم في وقتنا قد اضطر إليه أهل قاعدة لبلة فولوه خطة الشورى، وألقوا إليه مقاليد الفتوى، فمهد لذلك جانباً متن كفايته، واحتسب فيه جزءاً من عنايته، على كرهٍ منه شديد، ومرام في التزايد من العلم بعيد. وعلى ذلك فلم يدع مساجلة الإخوان، ومراسلة من يرتسم بهذا الديوان، من بني الأوان، بما يشهد له أنه بديع الزمان، وفارس الميدان، وقد أثبت له بهذا الديوان، ما يقيم له أوضح برهان. جملة من رسائله في أوصاف شتى فصول له من رقعة أنشأها على لسان من صدر من بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه ﵇: صلوات الله على خاتم الرسل، وناهج السبل، وناسخ جميع الملل، ومجلي الظلم والظلم، ومحيي القلوب بنور الهدى والحكم، ومقلد النذارة والسفارة إلى كواف الأمم، وعليه من لطائف التسليم، ما يربى على عدد النجوم، ويزري بالمسك المختوم، ويقتضي باتصاله واحتفاله رضى الحي القيوم. كتبت يا أكرام الأنبياء وسائل، وأعظمهم فضائل، وأعمهم فواضل، وأتمهم فرائض ونوافل، وقلبي بحبك معمور ومأهول، وعلى الإيمان بك مفطور ومجبول، ويتمثل ما عاينته من عظيم آثارك مهول مشغول

стр. 1221

ومن لي بمقولٍ [٥٧أ] لا يتخلله خلل، ولا يدركه في الصلاة عليك والدعاء لك ملل، ولا يشغله عن ذكر الله تعالى وذكرك سهو ولا خطل، حتى أقطع بذلك آناء ليلي ونهاري، وآصالي وأسحاري، وأجعله شعاري ودثاري، وهجيراي في إعلاني وغسراري؛ اللهم ألهمني من تحميدك وتسبيحك، والصلاة على رسولك الأمين ونصيحك، ما يشغل لساني، ويثقل ميزاني، ويبسط يوم الفزع الأكبر من أماني؛ اللهم وفر حظي من شفاعته، وأحسن عوني على طاعتك وطاعتهن واحشرني في عداد زمرته وجماعته. ولما صدرت يا رسول الله عن زيارتك الكريمة، وقد ملأت هيبتك ومحبتك أرجاء فكري، وفضاء صدري، وغشيني من نور برهانك ما بهر لبي، وعمر قلبي، لحقني من الأسف لبعد مزارك، والحنين إلى شرف جوارك، ما أودع جوانحي التهاباً، وأوسع جوارحي اضطراباً، وأشعر أملي عوداً إلى محلك المعظم وإياباً، وكيف لا أحن إلى قربك، وأتهالك في حبك، وأعفر خدي في مقدس تربك، وبك اقتديت فاهتديت، ولولاك ما صمت ولا صليت، ولا سعيت ولا طفت، بل كيف لا يتحرك نحوك نزاعي، ويتأكد انقطاعي، وبك استشفاعي، واليك مفزعي يوم الداعي. فلا تنس لي يا رسول الله عياذي بك ولياذي، وإسراعي إلى زيارتك وإغذاذي، واذكرني في اليوم العظيم المشهور، عند حوضك المورود، وظلك الممدود، ومقامك المحمود.

стр. 1222

اللهم كما أعنتني على حج بيتك المحرم، وزور نبيك المكرم، فاجعله لي شفيعاً، وتوفني على ملته مطيعاً، ويسر لي كرةً إلى مواطنه المقدسة ورجوعاً، إنك على ذلك قدير، وبحقيقة دعائي عليم خبير، والسلام المردد والمؤكد على نبي الرضوان، وصفي الرحمن، ما تعاقب الملوان، وتناوب العصران. وله من أخرى خاطب بها بعض من قدم من الحجاز: كتبت وقد هزني وافد البشرى، واستخفي رائد المسرة الكبرى، بما سناه الله من قدومك محوط الجوانب والأرجاء، منوط الفخار بذوائب الجوزاء، محطوط الآثار في مواطن الرسل ومواطئ الأنبياء، فيا لها حجةً مبرورة ما أتم مناسكها، وأوضح في مناهج البر مسالكها، لقد شهد فيه الميقات بخلوص إهلالك وإحرامك، واهتز البيت العتيق لطوافك واستلامك، ورضيت المروة والصفا عن كمال أشواطك، وتهلل بطن المسيل لسعيك فيه وانحطاطك ثم بالموقف الأعظم من عرفة سطع عرف تخشعك ودعائك، وارتفع خفض تضرعك واستخذائك، وفي البيت الأكرم من المزدلفة حظي تقربك وتزلفك، وزكا تهجدك وتنفلك، وعند الإفاضة فاضت الرحمة عليك، وكملت النعمة لديك؛ وأما منىً ففيها قضيت مناك وأوطارك، وقبلت هداياك وجمارك، وحطت خطاياك وأوزارك، فما صدرت عن تلك المعالم المكرمة، والشعائر المعظمة، وإلا وهي راضية عن عجك وثجك

стр. 1223

شاهدة لك بكمال حجك، مشفقة من فراقك وبعدك، متعلقة لو أمكنها ببردك، وقبل أو بعدما تأنست بك يثرب، ورفع لك جناحها مضرب، فشافهن منازل التنزيل، وطالعت معاهد الرسول، وقضيت من زيارة القبر الكريم واجباً، وقمت بينه وبين المنبر ضارعاً راغباً، فما حجب عنه ﵇ زورك وإلمامك، وقصدك وائتمامك، وصلاتك وسلامك، بل كان لكل ذلك راعياً سامعاً، ويكون لك بحول الله شاهداً شافعاً، فهنأك الله ما منحك من جزيل الأجر في مواقف الحرمين، وأطار لك من جميل الذكر في الخافقين. ولما قعد عن قصدك ما قعد، ولم يمكني الوفود عليك في جملة من وفد، استنبت كتابي منابي [٧٥ب] . وله من أخرى في صفة مطر بعد قحط: لله تعالى في عباده أسرار، لا تدركها الأفكار، وأحكام، لا تنالها الأوهام، تختلف والعدل متفق، وتفترق والفضل مجتمع متسق، ففي متحها نفائس المأمول، وفي منحها مداوس العقول، وفي أثناء فوائدها حدائق الإنعام رائقة، وبين أرجاء شدائدها بوارق الإنذار والأعذار خافقة، وربما تفتحت كمائم النوائب، عن زهرات المواهب، وانسكبت غمائم الرزايا، بنفخات العطايا، وصدع ليل اليأس صبح الرجاء، وخلع عامل البأس والي الرخاء، ذلك تدبير اللطيف الخبير، وتقدير العزيز القدير. ولما ساءت بتثبط الغيث الظنون، وانقبض بتبسط الشك اليقين

стр. 1224

واسترابت حياض الوهاد، بعهود العهاد، وتأهبت رياض النجاد، لبرود الحداد، واكتحلت أجفان الأزهار، بإثمد النقع المثار، وتعطلت الأنوار، من حلي الديمة المدرار، أرسل الله تعالى بين يدي رحمته ريحاً بليلة النجاح، سريعة الإلقاح، فنظمت عقود السحاب، نظم السخاب، وأحكمت برود الغمام، رائقة الأعلام؛ وحين ضربت تلك المخيلة في الأفق قبابها، ومدت على الأرض أطنابها، لم تلبث أن انهتك رواقها، وانبتك وشيكاً نطاقها، وانبرت مدامعها تبكي بأجفان المشتاق، غداة الفراق، وتحكي بنان الكرام، عند أريحية المدام، فاستغربت الرياض ضحكاً ببكائها، واهتزت رفات النبات طرباً لتغريد مكائها، فكأن صنعاء قد نشرت على بسيطها بساطاً مفوفاً، وأهدت إليها من زخارف بزها ومطارف وشيهاً ألطافاً وتحفاً، وخيل للعيون أن زواهر النجوم، قد طلعت من مواقع التخوم، ومباسم الحسان، قد وصلت بافترار الغيطان، فيا برد موقعها على القلوب والأكباد، ويا خلوص ريها إلى غلل النفوس الصواد؛ كأنما استعارت أنفاس الأحباب، أو ترشفت شنباً من الثنايا العذاب، أو تحملت ماء الوصال، إلى نار البلبال، أو سرت على أنداء الأسحار وريحان الآصال. لقد تبين للصنع الجميل

стр. 1225

من خلال ديمها تنفس ونصول، وتمكن للشكر الجزيل في ظلال نعمها معرس ومقيل؛ فالحمد لله على ذلك ما انسكب قطر، وانصدع فجر، وتوقد قبس، وتردد نفس، وهو الكفيل تعالى باتمام النعمى، وصلة أسباب الحياة، بعزته. وله من رقعة خاطب بها الوزير الفقيه أبا القاسم الهوزني إثر قدومه من حضرة أمير المسلمين، رحمه الله تعالى، غب نبوة خلصت إلى غربه، وروعةٍ كادت تطير بسربه: وكم نعمةٍ لا يستقل بشكرها ... إلى الله في طي المكاره كامنه قد يجتنى - أغرك الله - من شجر المساءة ثمر المسرة، ويجتلى وجه المحبوب غب المكروه مشرق الأسرة، وربما تجهم القدر وضميره مبتسم، وتصلب الزمن وعقده محتشم، وإنما ينظر إلى موقع الأقدار في الإصدار، وتحمد مجاري الأعمال عند المآل؛ وفي هذه المقدمة دلالة على النبوة التي ما اعتكر جنحها، إلا ريثما وضح صبحها، ولا نعب بالبعد غرابها، حتى التفت إلى سانح السعد ركابها، ولا استطار لها في قلب الولي صدع، حتى اشتمل منها على أنف العدو جدع؛ وما ذاك

стр. 1226

إلا لأن سلطان الحق أنجدك وأيدك، وبرهان الفضل قام معك وأطال يدك، وحاشا للعلم أن يلبس حامله خمولاً، أو يحث له نحو الاذالة حمولاً، فوشكان ما استقلت بك يدي الآثار، في صدر العثار، وخاصمت عنك ألسن السنن، عوارض المحن، وما سرت إلا وظل الكرامة عنك ظليل، وصنع الله لك رسيل وبك كفيل، فلئن أوحش مسيرك، لقد آنس ظهورك، ولئن حسن اقترابك، لقد سمج اغترابك، ولئن سخنت العين بعدك، لقد بين البين فقدك؛ فالحمد لله الذي أوشك مقدمك، وأعلى قدمك، ورفع في كل مكرمة ومأثورة علمك، [٥٨أ] وإياه تعالى أسأل أن يهنيك ويهنئ فيك عارفة السلامة، ويبقيك بعيد الصيت رفيع القدر في الظعن والإقامة، ولولا ترددي في عقابل ربعٍ لزمت جسمي شهوراً، واتخذته ربعاً معموراً، لما استنبت في التهنئة خطاباً، ولحثثت نحوك ركاباً، وأنت بسروك توسع العذر قبولاً، وتقبله وجهاً جميلاً. وله من أخرى يهنئ بمولود: إن أحق ما انبسط فيه للتهنئة لسان، وتشرف في ميادين معانيه بيان وبنان، أمل رجي فتأبى زماناً، واستدعي فلوى عناناً، وطاردته المنى فأتعبها حيناً، وغازلته الهمم فأسعرها حنيناً، ثم طلع غير مرتقب، وورد من صحبة المباهج في عسكر لجب، فكان كالمشير إلى ما يعده من مواكب الآمال، والدليل على ما وراءه

стр. 1227

من كواكب الإقبال، أو كالصبح افترت عن أنوار الشمس مباسمه والبرق تتابعت إثر وميضه غمائمه، وفي هذه الجملة ما دل على المولود المجدود، المؤذن بترادف الحظوظ وتضاعف السعود. فيا له نجم سعادةٍ، تطلع في أفق سيادة، وغصن سناء، تفرع من دوحة علاء، لقد تهللت وجوه المحاسن باستهلاله، وأقبلت وفود الميامن باستقباله، ونظمت له قلائد التمائم، من جوهر المكارم، وخص بالثدي الحوافل، بلبان الفضائل. وما كان منبت الشرف بانفراد تلك الأرومة الكريمة إلا مقشعر الربى، مغبر الثرى، متهافت أغصان الرضى، فأما وقد اهتز في أيكة السيادة قضيب، ونشأ من بيتة النجابة نجيب، فأخلق بذلك المنبت أن تعاوده نضرته، وترف عليه حبرته، ويراجعه رونقه وبهاؤه، وتضاحكه أرضه وسماؤه، فالحمد لله على ما أتاحه من انثناء الأمل بعد جماحه، واختيال الجذل في حلية غرره وأوضاحه، وهو المسؤول أن يهنيك منه صنعاً يحسن في مثله الحسد، ويتمنى لفضله النسل والولد. وله من أخرى خاطب بها ذا الوزارتين الكاتب أبا بكر بن القصيرة وقد قربت بينهما المسافة، حسبما ذكر، ولم يتفق التقاؤهما: لم أزل - أعزك الله - أستنزل قربك براحة الوهم، عن ساحة النجم، وأنصب لك شرك المنى، في خلس الكرى، وأعللك فيه نفس الأمل، بضرب سايق المثل:

стр. 1228

ما أقدر الله أن يدني على شحطٍ ... من داره الحزن ممن داره صول فما ظنك بي وقد نزل عىل مسافة يوم، وطالما نفر عن خياله نوم، ودنا حتى هم بالسلام، وقد كان من خدع الأحلام، وناهيك من ظمأي وقد حمت حول الورد الخصر، وذمت الرشاء بالقصر، ووقف ب ناهض القدر، وقفة العير بين الورد والصدر، فهلا وصل ذلك الأمل بباع، وسمح الزمان باجتماع، وطيت بيننا رقعة أميال، كما زويت مراحل أيام وليال، وما كان على الأيام لو غفلت قليلاً، حتى أشفي بلقائك غليلاً، وأتنسم من روح مشاهدتك نفساً بليلاً؛ ولئن أقعدتني بعوائقها عن لقاء حر، وقضاء بر، وسفرٍ قريب، وظفر غريب، فما تحيفت ودادي، ولا ارتشفت مدادي، ولا غاضت كلامي، ولا أحفت أقلاني، وحسبي بلسان النبل رسولاً، وكفى بوصوله أملاً وسولا، ففي الكتاب بلغة الوطر، ويستدل على العين بالأثر.

стр. 1229

على أني إنما وحيت وحي المشير باليسير، وأحلت فهمك على المسطور في الضمير، وإن فرغت للمراجعة ولو بحرف، أو لمحة طرف، وصلت صديقاً، وبللت ريقاً، وأسديت يداً، وشفيت صدىً، لا زالت أياديك بيضاً، وجاهك عريضاً، ولياليك أسحاراً، ومساعيك أنواراً. ثم ختم رقعته بهذه الأبيات: هو الدهر لا يفتا يمر ويحلو لي ... وسيان عندي ما يجد وما يبلي [٥٨ب] إذا أشكلت يوماً عليه ملمة ... فمن ظهر قلبي يستمد ويستملي سألقى بحد الصبر صم خطابه ... وإن صيغ فيها الشيب من حدق النبل وأعرض عن شكواه إلا شكيةً ... بها من هو مرآك ضرب من الخبل روى لي أحاديث المنى فيه غضة ... ولكنها لم تخل من غلط النقل وجاد بقرب الدار غير متممٍ ... ويا رب جودٍ قد من شيم البخل تراءى لي العذب النمير فليتني ... بردت لهاتي منه في نغبة النهل أتحجب شمس العلم بردة ليلةٍ ... ولو وصلت أردانها ظلمة الجهل ويخشن مسراها لموطئ أخمصي ... ولو نبتت في جنحها إبر النحل أجل قيد هذا الدهر أضيق حلقة ... وأقصر للخطو الوساع من الكبل سأبعث طيفي كل حين لعله ... يصادف من نجوى خيالك ما يسلي ودونك من روض السلام تحيةً ... تنسيك غض الورد في راحة الطل

стр. 1230

قوله: " ويا رب جود قد من شيم البخل " يشبه قول الآخر: الدهر ليس له صنيع يشكر ... شرب له يصفو وشرب يكدر يهب القليل وقد نوى استرجاعه ... هبة البخيل أقل منه وأنزر وكأن هذا من قول بشار: أما البخيل فلست أعذله ... كل امرئٍ يعطي على قدره فراجعه ذو الوزارتين برقعة نسختها: كتبت ولسان القلم يتلعثم، وقدم الكلم يتأخر أكثر مما يتقدم، هيبة لانتقادك، وعجزاً عن مواقع إصدارك وإيرادك، وإن متعاطي جرائك، ومناهض إعادتك أو إبدائك، لجدير بالتقصير، وخليق بحرمان حظ البسوق والظهور، والله يزيدك فضلاً، ويجعلك لكل جليلةٍ من الخصال ونبيلة من الأحوال أهلاً، بمنه. ووصل إليّ - وصل الله اعتلاءك، وأثل مجدك وسناءك - خطابك الكريم نظماً ونثراً، فأهدى براً، واقتضى ما لا يستطاع شكراً، ويعلم الله الذي لا ينطوي دونه سر، ولا يفوت إحصاءه أمر، أني أجد من الشوق إليك، مثل ما أخبرت به لديك، وأحس من التشوق إلى لقائك، بنحو ما أطلعته من تلقائك، والله وليك حيث كنت، وكلئك وكالئي
следующие страницы →