← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

إلا لأن سلطان الحق أنجدك وأيدك، وبرهان الفضل قام معك وأطال يدك، وحاشا للعلم أن يلبس حامله خمولاً، أو يحث له نحو الاذالة حمولاً، فوشكان ما استقلت بك يدي الآثار، في صدر العثار، وخاصمت عنك ألسن السنن، عوارض المحن، وما سرت إلا وظل الكرامة عنك ظليل، وصنع الله لك رسيل وبك كفيل، فلئن أوحش مسيرك، لقد آنس ظهورك، ولئن حسن اقترابك، لقد سمج اغترابك، ولئن سخنت العين بعدك، لقد بين البين فقدك؛ فالحمد لله الذي أوشك مقدمك، وأعلى قدمك، ورفع في كل مكرمة ومأثورة علمك، [٥٨أ] وإياه تعالى أسأل أن يهنيك ويهنئ فيك عارفة السلامة، ويبقيك بعيد الصيت رفيع القدر في الظعن والإقامة، ولولا ترددي في عقابل ربعٍ لزمت جسمي شهوراً، واتخذته ربعاً معموراً، لما استنبت في التهنئة خطاباً، ولحثثت نحوك ركاباً، وأنت بسروك توسع العذر قبولاً، وتقبله وجهاً جميلاً. وله من أخرى يهنئ بمولود: إن أحق ما انبسط فيه للتهنئة لسان، وتشرف في ميادين معانيه بيان وبنان، أمل رجي فتأبى زماناً، واستدعي فلوى عناناً، وطاردته المنى فأتعبها حيناً، وغازلته الهمم فأسعرها حنيناً، ثم طلع غير مرتقب، وورد من صحبة المباهج في عسكر لجب، فكان كالمشير إلى ما يعده من مواكب الآمال، والدليل على ما وراءه

стр. 1227

من كواكب الإقبال، أو كالصبح افترت عن أنوار الشمس مباسمه والبرق تتابعت إثر وميضه غمائمه، وفي هذه الجملة ما دل على المولود المجدود، المؤذن بترادف الحظوظ وتضاعف السعود. فيا له نجم سعادةٍ، تطلع في أفق سيادة، وغصن سناء، تفرع من دوحة علاء، لقد تهللت وجوه المحاسن باستهلاله، وأقبلت وفود الميامن باستقباله، ونظمت له قلائد التمائم، من جوهر المكارم، وخص بالثدي الحوافل، بلبان الفضائل. وما كان منبت الشرف بانفراد تلك الأرومة الكريمة إلا مقشعر الربى، مغبر الثرى، متهافت أغصان الرضى، فأما وقد اهتز في أيكة السيادة قضيب، ونشأ من بيتة النجابة نجيب، فأخلق بذلك المنبت أن تعاوده نضرته، وترف عليه حبرته، ويراجعه رونقه وبهاؤه، وتضاحكه أرضه وسماؤه، فالحمد لله على ما أتاحه من انثناء الأمل بعد جماحه، واختيال الجذل في حلية غرره وأوضاحه، وهو المسؤول أن يهنيك منه صنعاً يحسن في مثله الحسد، ويتمنى لفضله النسل والولد. وله من أخرى خاطب بها ذا الوزارتين الكاتب أبا بكر بن القصيرة وقد قربت بينهما المسافة، حسبما ذكر، ولم يتفق التقاؤهما: لم أزل - أعزك الله - أستنزل قربك براحة الوهم، عن ساحة النجم، وأنصب لك شرك المنى، في خلس الكرى، وأعللك فيه نفس الأمل، بضرب سايق المثل:

стр. 1228

ما أقدر الله أن يدني على شحطٍ ... من داره الحزن ممن داره صول فما ظنك بي وقد نزل عىل مسافة يوم، وطالما نفر عن خياله نوم، ودنا حتى هم بالسلام، وقد كان من خدع الأحلام، وناهيك من ظمأي وقد حمت حول الورد الخصر، وذمت الرشاء بالقصر، ووقف ب ناهض القدر، وقفة العير بين الورد والصدر، فهلا وصل ذلك الأمل بباع، وسمح الزمان باجتماع، وطيت بيننا رقعة أميال، كما زويت مراحل أيام وليال، وما كان على الأيام لو غفلت قليلاً، حتى أشفي بلقائك غليلاً، وأتنسم من روح مشاهدتك نفساً بليلاً؛ ولئن أقعدتني بعوائقها عن لقاء حر، وقضاء بر، وسفرٍ قريب، وظفر غريب، فما تحيفت ودادي، ولا ارتشفت مدادي، ولا غاضت كلامي، ولا أحفت أقلاني، وحسبي بلسان النبل رسولاً، وكفى بوصوله أملاً وسولا، ففي الكتاب بلغة الوطر، ويستدل على العين بالأثر.

стр. 1229

على أني إنما وحيت وحي المشير باليسير، وأحلت فهمك على المسطور في الضمير، وإن فرغت للمراجعة ولو بحرف، أو لمحة طرف، وصلت صديقاً، وبللت ريقاً، وأسديت يداً، وشفيت صدىً، لا زالت أياديك بيضاً، وجاهك عريضاً، ولياليك أسحاراً، ومساعيك أنواراً. ثم ختم رقعته بهذه الأبيات: هو الدهر لا يفتا يمر ويحلو لي ... وسيان عندي ما يجد وما يبلي [٥٨ب] إذا أشكلت يوماً عليه ملمة ... فمن ظهر قلبي يستمد ويستملي سألقى بحد الصبر صم خطابه ... وإن صيغ فيها الشيب من حدق النبل وأعرض عن شكواه إلا شكيةً ... بها من هو مرآك ضرب من الخبل روى لي أحاديث المنى فيه غضة ... ولكنها لم تخل من غلط النقل وجاد بقرب الدار غير متممٍ ... ويا رب جودٍ قد من شيم البخل تراءى لي العذب النمير فليتني ... بردت لهاتي منه في نغبة النهل أتحجب شمس العلم بردة ليلةٍ ... ولو وصلت أردانها ظلمة الجهل ويخشن مسراها لموطئ أخمصي ... ولو نبتت في جنحها إبر النحل أجل قيد هذا الدهر أضيق حلقة ... وأقصر للخطو الوساع من الكبل سأبعث طيفي كل حين لعله ... يصادف من نجوى خيالك ما يسلي ودونك من روض السلام تحيةً ... تنسيك غض الورد في راحة الطل

стр. 1230

قوله: " ويا رب جود قد من شيم البخل " يشبه قول الآخر: الدهر ليس له صنيع يشكر ... شرب له يصفو وشرب يكدر يهب القليل وقد نوى استرجاعه ... هبة البخيل أقل منه وأنزر وكأن هذا من قول بشار: أما البخيل فلست أعذله ... كل امرئٍ يعطي على قدره فراجعه ذو الوزارتين برقعة نسختها: كتبت ولسان القلم يتلعثم، وقدم الكلم يتأخر أكثر مما يتقدم، هيبة لانتقادك، وعجزاً عن مواقع إصدارك وإيرادك، وإن متعاطي جرائك، ومناهض إعادتك أو إبدائك، لجدير بالتقصير، وخليق بحرمان حظ البسوق والظهور، والله يزيدك فضلاً، ويجعلك لكل جليلةٍ من الخصال ونبيلة من الأحوال أهلاً، بمنه. ووصل إليّ - وصل الله اعتلاءك، وأثل مجدك وسناءك - خطابك الكريم نظماً ونثراً، فأهدى براً، واقتضى ما لا يستطاع شكراً، ويعلم الله الذي لا ينطوي دونه سر، ولا يفوت إحصاءه أمر، أني أجد من الشوق إليك، مثل ما أخبرت به لديك، وأحس من التشوق إلى لقائك، بنحو ما أطلعته من تلقائك، والله وليك حيث كنت، وكلئك وكالئي

стр. 1231

فيك أقمت أو ظعنت، وإياه أسأل أن يبلغك أوطارك، ويؤتيك من كل أمل وفي كل مورد ومصدرٍ اختيارك، بعزته. وأنا أعتذر من الاقتضاب، وأن لا ألم في النظم بجواب، بما لا يذهب عليك من الأعذار ولا يستتر دونك من الأسباب، وأنت بمعاليك تقبل العذر، وتتأول أجمل تأول الأمر. وله من أخرى: لم أزل مذ جد اغترابك، ونعب غرابك، أتعجب من تحولك، وأتشوف إلى ما يراد من قبلك، فلم أظفر من خبرك بيقين، ولا حصلت من كيفية مقرك على ثلج مبين، إلى أن ورد جهينة أخبارك، وعيبة أسرارك، فلان، فكشف من صورة أمرك ما التبس، ووصف من جملة حالك ما سر وأنس، وذكر أن ذلك القطر - حرسه الله - رحبت بك معاهده، وعذبت لك موارده [٥٩أ] واشتملت عليك أفياؤه، وتهللت إليك أرجاؤه، ولا غرو من نفاقك حيث احتللت، وقبولك أيما انتقلت، فمن تحلى بمثل حلاك، لم يضع كيف تصرف، ولا عدم اللطف أينما انحرف؛ والله تعالى يصنع لك جميلاً، وينيلك حيثما كنت أملاً وسولا. ووصل خطابك الخطير فجلا وجه برك وسيماً، وشخص عهدك عميماً، وأهدى إليّ من رياض ودك نسيماً، ومن عرار حمدك شميماً، فيا حسن موقعه من الضمير، ويا نبل منزعه الجميل المشكور. وله من أخرى: قد يرد من تحف الإخوان ما لم يراقب له مورد، ولا

стр. 1232

ضرب فيه موعد، ولا غازله ضمير، ولا تقدم فيه بشير، فيكون لجامع الأنس أجلب، ولمجامع النفس أذهب، وعلى صفحات الفؤاد أندى وأبرد، وإلى تلعات الوداد أهدى وأقصد، لا سيما إذا ورد وللوحشة جثوم، وبين الجوانح كلوم، كمورد خطابك، فإنه هجم ولا تأهب له خلد، ونجم وفي جفن الأنس رمد، فأذكرني حسنه زمن الصبا، ونفس الصبا، وأنساني عهده زهر الربى، وثمر المنى، وجدد من رسم الصبابة والمقة قديماً، وأحيا من شخص القرابة رفاتاً رميماً، ونشر من واشجها ما دفنته الأيام خمولاً، ووصل من مقطوع أسبابها ما لم يكن قبل موصولا، فلله در عهدك ما أجمل محياه، وأنم في روض الوفاء رياه، وسقياً لمغرس مجدك فما أذكى ثراه، وأطيب جناه، وصل الله ما بيننا يوم تقطع الأسباب والأنساب، وجعله ميراثاً في الأخلاف والأعقاب، وأبقاك أنساً لذوي الألباب، ومعدنا للكرم اللباب، بمنه. وتلقيت المنزع الجميل في جهة فلان، المسند إلى مجدك بأحسن وجوه الإجمال، وأتم معاني البر المتوال، وأقبلت عليه، إقبال المصغي إليه، المستوفي ما لديه، فنشر من أياديك الجميلة مآثر، وشب بمندل ذكرك الطيب مجامر، وعمر بأوصاف معاليك مشاهد ومحاضر، وجعلت أهتز لسماعها طرباً، وأستعيد من أغانيها نوباً، وأستزيده من محاسنها عجباً وعجباً، فأمتع بشهيها أذني، وأذكر بلذيذها معسف زمني، ورأيته حسن الأداء، لمعاني الثناء، متصرف اللسان، في شكر الإحسان، والله يعمر بوفود الأمل جنابك، ويمد في ساحة الكرم أطنابك، بعزته.

стр. 1233

وله من أخرى: قد كنت - أدام الله عزك - بتواتر السماع، وتظاهر الإجماع، أتقلد فضلك، وأشهد بالسبق لك، وأود أن يسفر بيننا خطاب، ويتفق للمفاتحة أسباب، رغبةً في الانتظام، ولو بسفارة الأقلام، واجتلاء بالإخاء، ولو بالرقم صفح الماء، إلى أن وافاني خطابك ففتح للمداخلة باباً، وأوضح في المواصلة شعاباً، وتضمن من أدلة الود ما لا يكذب رائده، ولا يحرج شاهده، بل يقضى بشهادته ويحكم، ويقطع على عدالته ويختم. فأما ما نحلتنيه من الوصف الجميل، ومنحتنيه من الغرر والحجول، فإنما هي حلاك، أعرتها أخاك، وأوصافك تبرع، بها إنصافك، وسماتك، تجافت عنها مكرماتك، وقد تقلدتها حلية جمالٍ، ورفلت منها في حلة أجمال، واعتقدتها ذخيرة أيام وليال. والله تعالى يؤكد بيننا دواعي الوداد، ويجعل خلتنا من عدد المعاد، ويعين على شكر برك المبدأ المعاد. واجتليت منه افشارة الكريمة في جهة فلان، فمهدت له عندي كنفاً رحيباً، وبوأته لدي محلاً قريباً، وشغلت لحظي برعاية أمره، وبسطت يدي في شد أزره؛ ومما أكد حقوقه علي تشيعه في علائك، وتحدثه بآلائك، وتقلبه برهةً من الزمن في ظل حرمك وفنائك، والله تعالى يبقيك مؤثراً للحسنة، محموداً بجميع الألسنة، ولا يخليك من الشيمة الدمثة والكلمة اللينة. وله من أخرى: إذا عددت [٥٩ب] أعزك الله - أعيان الزمان، وأفاضل

стр. 1234

الإخوان، ثنيت عليك خنصري، وطمحت إليك ببصري، وطرت في جوك ووقعت، وانحططت في شعبك وربعت، لأنك - والله يبقيك - حامل آداب ومعارف، ولابس من خلع الفضل مطارف، ومتميز بفضول محاسن منحت جمالها، ومتفرد بخواص فضائل جمعت كمالها، لا أعدمني الله منك جملة فضل، وزهرة نبلٍ، وذخر وفاء، وعلق سناء، بمنه. وطلع علي خطابك مع فلان عبدك، ولسان حمدك، فأهب من روح الأنس بك نسيماً، وجدد عهود سلفت ورسوماً، وأجناني من رياض برك نوراً عطراً، وسقاني من حياض ودك عذباً خصراً. فيا شبعي برونقه وريي ... وأنهى إليّ المذكور ما تنسمه من أرج ثنائك، واجتلاه من تبلج إخائك، فاتصل البر واتسق، وتتابع الفضل على نسق، ثم استطرد إلى شكر ما أوليته من غر أياد، وإجمال متمادٍ، واستنفد في ذلك جهد لسانه، وجرى في ميدانه ملء عنانه، فأحمدت مقطعه ومنزعه، ووجدت العرف واقعاً فيه موقعه، وأنت بسروك تؤكد فضلك عنده، وتصل إجمالك معه، لا أخلاك الله من بث صنائع، في أصناف مواقع، وأشتات مواضع. ومن أخرى له: كتبت وأنا في عقابل شكوى سدكت بي منذ أشهر

стр. 1235

سدك الغريم، وعركتني بأكف آلامها وأيدي سقامها عرك الأديم، حتى لقد فغرت علي فاها المنون، واستوت في اليأس مني الظنون، إلا أنه تعالى بلطفه من بالإقالة والإرجاء، ونقلني عن جهة اليأس إلى جانب الرجاء، له الحمد متواترا، والشكر أولا وآخرا، وهو المسؤول، عز وجهه، أن يمليك أطول الأعمار، ويزوي عنك مكروه الأقدار، بمنه. وكان خطابك قد وافى في عنفوانها، وصد رنزوانها، فخفف من أوصابها، وخلع بعض أثوابها، وكأنما ورد عائدا ملطفا، أو وفد زائرا متحفا، ورمت المراجعة فلم تساعدني يد، ولا نهض بي جلد، ولما نضوت برد الاعتلال، وشمت برق الإبلال، وجب إنهاء العذر المعترض، وتعين قضاء الحق المفترض. وأما شكري لما تضمنه الكتاب الكريم من لطائف البر والثناء، ونتائج الفضل والسناء، فمسحوب الأذيال، في طريق الاحتفال، مأخوذ الأنفاس، من زهر الرملة الميعاس، ويعلم الله تعالى المطلع على خواطر الضمير، وهواجس الصدور، استنامتي إلى كرم نواحيك، وثقتي بشرف مناحيك، واغتباطي بما أحكم بيننا من نظام التآلف، ورفع لنا من أعلام التعارف؛ واجتليت من مختم الكتاب سلام الوزير الكاتب ناثر درره

стр. 1236

وراقم حبره، ولك الفضل في إبلاغه من تحيتي ما يضاهي تنفس الأزهار، في وجوه الأسحار. وكتب كعتنياً بأحد الأدباء الشعراء: لئن كانت الأيام - أعزك الله - قد قلصت أذيال أحوالك، وسلطت هجيرها على برد ظلالك، وكدرت بأقذاء صروفها صفو زلالك، فما استلانت نبعك، ولا أحالت عن عادة الجميل طبعك، ولا عفت في منازل السناء والثناء ربعك، فقد يجري الجواد وهو منكوب، ويتجمل الحر وبه ندوب، والله تعالى يجبر الصدع، ويجمل الصنع، بعزته. ويتأدى من يد فلان، وفي علمك ما دهي به وطني من خطوب الزمن، وضروب المحن، وتقلب عباد الوثن، ودفعته الضرورة إلى استرفاد الأحرار، والتكسب بالأشعار، وهو ممن يتصرف في الصناعة بلسانٍ صنع، ويأوي فيها إلى طبع غير طبع، وله في قبول عفو المنيل إجمال، وعنده في شكر العرف المختصر احتفال. ولما عرف ما بيننا من عهدٍ لا يفارق نصابه كرم، ولا يلحق شبابه هرم، اتخذ خطابي هذا عنوان شعره، ولسان أمره، ودليلاً على موضعه، ومشيراً إلى مقصده ومنزعه، وأنت بسروك تصدق أمله، وتبيض وجه [٦٠أ] الصنيعة قبله. وله من أخرى في مثله: العهد وإن قدمت أحكامه، وسلفت أيامه

стр. 1237

إذا استجد عاد جديداً، ونشأ حميداً، لا سيما إذا غرس في تربة وفاء، وسقي بنطفة صفاء، وتردد في نصاب كرم، وتشبث بأطناب ذمم؛ وكان بين سلفنا ما لا ينسى ماضيه، وإن خلت لياليه، ولا يهجر حسنه، وإن بعد زمنه، وإنه لمسطور في صحيفة تذكري، وملحوظ بعين تصوري، ولئن لم يجمعنا مكان، ولا سلف للمداخلة عنوان، فإن ذلك غير قادحٍ في الضمير، ولا مكدر من العذب النمير. وموصله فلان، ونشأة نعمتك، توسم رعايتك لها فسألها، وتخيل تحفيك بنواحيها فرغب فيها، وما أجبته إليها إلا وقد علمت أنك تشفع شفيعها، وتؤثر ترفيعها، وبوروده، عليك تجتلي وجه منزعه ومذهبه، وتقف على جليه أمله ومطلبه، وأنت بفضلك تصدق مخيلته، وتراعي وسيلته، وتتجمل معه، وتضع العرف موضعه، مقتضياً بذلك من شكري أبرعه، ومن ذكري أطيبه وأضوعه. ومن أخرى في مثله: أما وكنفك وساع، وشرفك يفاع، والتحدث يتدفق أدبك ونشبك إجماع، فلا غرو أن تقصد بتحف القصيد، وتطوى نحوك صحف البيد، ويجري من يعتمدك في مضمار تأميلك إلى الأمر البعيد، لا سيما من قد اعتمدك، فأحمدك وانتقدك، كفلان، فإنه رتع في برك، واكتحل برهة ببشرك، واشتمل بضافي عطافك، وكرع في صافي نطافك، فهو إذا عد غرر العصر ولمع الدهر، بدأ بذكرك وختم، وطار في جوك وجثم، وله في نشر المحاسن والفضائل لسان ذرب، وعنده شكر الصنائع والودائع مقام درب، ولما عضه العسر

стр. 1238

ومسه الضر، وجب أن ينتجع جنابك، ويستمطر سحابك، ويؤم فناءك، ويجبر ثناءك، وهو بانتحائك مسرور، وبين يديه من رجائك نور، وقد سفر له قناع السفر، عن أسرة الظفر، وجليت عليه صورة الأمل، في معارض النص والزمل، فما أجدره بأن يجد ظلك سجسجا، ومحلك منبجا، ويجتني رباك غضة النور والزهر، وينثني عن مشرب نداك حامد الورد والصدر؛ لا زال مقرك معتمد الزوار، ومنزع الأحرار، ومحصب جمار الأشعار. وله من أخرى في مثل ذلك: كتبت عن كلال ذهن، واتصال وهن، وركود خلد، وفتور جلد، لترددي في أذيال العلة التي عرفت صفتها، واجتليت من خطابي المتقدم صورتها، ولا مزيد عى ما عندي من الإجمال لذكرك، والاحتفال في شكرك، والتسحب على حواشي مجدك، والانحطاط في غورك ونجدك. وموصله فلان، لم يتفق له في غير الجهة الحالية بك أمل، ولا اعتلق به في سواها عمل، فحن إلى ما عهده فيها من حسن رائك، وكريم اعتنائك، ورحب جنابك وخصب فنائك، واستنهض مخاطبتي لتبوئه تحت ظلك كنفا، وتؤكد له سببا مؤتنفا.

стр. 1239

وله من أخرى: كتبت وريحان العهد بمائه، ويتأود في غلوائه، لم يلم به مع القدم ذبول، ولا انسحب عليه للزمن ذيول، وكيف لا يرف ورقه، وينم عبقه، وفي روض وفائك يرتع أسحار وأصلا، ومن ثغب صفائك يشرب عللا ونهلا، ولذلك ما يقع الإعتاب بالخطاب، ويجتزى بتناجي القلوب وتصافي الغيوب عن الكتاب؛ والله يبقي ما بيننا معقودا بذوائب النجوم، محجوبا عن كلفة العبوس والوجوم. وفلان لم يجد من ذلك الأفق بدلا، ولا غرس في سواه أملا، ولا ألفى في تربة غيره ترى ولا بللا، فعاد إليه يحمد عهده، ويذم ما لقي بعده، وسألني مخاطبتك بهذه الحروف، ليتزيد بها من رأيك الشريف وفضلك المعروف. وله في مثله إلى الفقيه أبي القاسم ابن المناصف بقرطبة: أما وأحاديث فضلك صحيحة الإسناد، وأدلة سروك مزلة العناد، ومطالب علمك وفهمك ساطعة الأنوار [٦٠ أ] ومناهج هديك وسعيك واضحة الصوى والمنار، فلا عجب أن تحوم على شرعة مداخلتك حوائم الألباب، وتنتهز في التماس مواصلتك فرص الدواعي والأسباب. ولم أزل أولع برائق صفاتك، وألتمس سبب معرفتك، حرصا على التجمل بختلك، ورغبة في التيمن بصلتك، لأنك - والله يبقيك - أحق من احتذي على

стр. 1240

مثاله، واقتدى بصالح أعماله، واستقريت آثار البر من مواقع خطاه، وانتسخت أخبار الزهد والقصد من صحائف هداه، وأحر بمن اتخذك صاحبا، وسلك من سبلك أثرا لاحبا، أن يأمن في جدد مسالك العثار، ويعدم في جوارك نقع الفتن المثار، والله يبقيك لأشتات الفضائل نظاما، وفي كل صالحة إماما، ويوسع النعمة بك وفيك سبوغا وتماما. ولما اتفق شخوص فلان إلى الحضرة، وعلمت أن انجذابه إلى جنباتك، ووعيت عنه جملا حسانا من صفاتك، رأيت أن أصحبه خطابا، وأمد في ساحة الانتظام بك أطنابا، حرصا على أن يتأكد في ذات الله إخاؤنا، وتتفق في سبل مرضاته وطرق طاعته أنحاؤنا؛ وحملته مع ذلك من لطائم الحمد، ونخائل الود، ما إذا أعرته ناظري تأملك، وصادق تخيلك، علمت به خلوص ضميري، وصفاء نميري، وسلامة عهودي، ودماثة تهائمي ونجودي. وهذا الرجل يشكر إجمالك معه شكر روض الحزن، لعارفة المزن، ويود أن يستظهر على ذلك بكل لسان، ويستنجز فيه كل ناء ودان، وقد جاريته في مضمار شكرك طلقا، وسعيت معه في ميدان الثناء عليك خببا وعنقا، فبيني وبينه من شابك القربى، ما يقتضي أن آخذ من مشاركتك له بالقسم الأوفى والسهم الأعلى؛ وقد عرفت ما مني به من عض الزمان، ومس الحرمان، ورأى أن يصرف وجه همته إلى تلك الحضرة ليدرك بها أملا، ويعلق من أعمالها عملا، ومعوله في موارده ومصادر عليك

стр. 1241

ونظره في مطامح أغراضه وألحاظه إليك، وأنت بمجدك تسدد سهمه، وتؤيد عزمه، متمما يدك البيضاء، ومتبعا دلوك الرشاء. وله في مثله إلى الفقيه القاضي بها: إن كانت المداخلة بيننا لم يفتح لها باب، ولا علقت بها أسباب، ولا رمي لنا في محصبها جمار، ولا عطف بنا نحو كعبتها اعتمار، فقد جمعتنا في معرف المعروفة مواقف، وضمتنا من معالم العلم معاهد ومآلف، ووشجت بيننا من أواصر الأدب أنساب، وضربت علينا في مدارج الطلب قباب، ولا غرو من تداني القلوب على تنائي الديار، وإئتلاف النفوس مع اختلاف النجار، فقد يتعارف الأنداد على البعاد، ويتناكر الأضداد مع قرب السواد والوساد، وربما ألف تشاكل الشيم والأخلاق، بين مستوطن الش وساكن العراق، ودأباً حن زهر الغور إلى نسيم نجد، وامتزج عبر الشحر بمسك الهند. على أني لا أدعي رتبتك في فنون العلم والآداب، ولا أتعاطى صحبتك إلا بشرط الانقياد والإصحاب، ومن يضاهي محل الفرقد، بمنبت الغرقد، أو يشبه رتبة التقليد، بدرجة النظر والوليد، أو يقرن بين الالتباس والبيان، ويعارض قوة القياس بضعف الاستحسان -! لكني وإن لم أعد في رعيلك، ولا أضيف مبرمي إلى سحليك، فعندي من بضائع الكلم ما نفق في

стр. 1242

سوقك، ولدي من سوامي الهمم ما يعبق ببسوقك، وعل بعض كلامي يسجد في ذراك، ويحظى برضاك، ويادف عندك رأياً جميلاً، ويستوقف لحظك لو قليلاً، بقيت حليةً للدهر فائقةً، وغرةً في وجه الزهر رائقة. ولما علم فلان، أن القيم عندك بحسب الإنسان، وعلى قدر تصرف اليد واللسان، وأن أحظى ما قرع به بابك، ورفع له حجابك، رقعة تشير بها إلى علم وأدب، ولا يخل بوجهها وشم ندب، استنهضني شفيعاً، فأجبته سريعاً، حرصاً على المداخلة أسم غفلها، والمواصلة أفتح قفلها، ورغبة في مشاركة الرجل المذكور ول بشفعة الكلام، وسفارة الأقلام، فبيني وبينه نسب موصول، وثرى مبلول، وآصرة رحم، وعاطفة سهم. وكان له بتلك الحضرة النيرة بعدلك فيما سلف ظهور، وتصرف [٦١أ] مشهور، ثم ألقت عليه العطلة ثقل جرانها، وجرت به ملء عنانها حتى انسفت ما كان بيده، وحلت جميع عقده؛ وقد دفعته الأيام إلى جميل نظرك، وطيب مكسرك؛ وهو بكرم الصنيعة خليق، ولحمل المنن مطيق، وغرضه ن يصرف في بعض وجوه العمل، ويختبر حاله في الشد والزمل، وأنت بمجدك تفرص له من شرف عنايتك نصيباً، وتوليه من رعايتك وجهاً خصيباً؛ وما أسديت إليه فلي فيه مفخر، وهو عند الله مدخر، والله يبقيك للحسنات تعرس بأبكارها، والمآثرات تخلد كرم آثارها، منه. وله من أخرى يشفع لبعض الشعراء: لا غرو أن يقصدك - أثل الله

стр. 1243

سؤددك - مهدي حمدٍ، ومقتضي رفد، ويلم بك مستوجب معروف، ومعاني صروف، فقديماً غشيت منازل الكرماء، وثبيت فضائل العلماء، وهزت أعطاف الكبراء، بنغم الثناء والإطراء، وقد أصغى إلى الأشعار، جلة الأخيار، وأثاب على المديح، من بعد عن التجريح، ومثلك سلك تلك السبيل، وآثر الجميل، وراعى التأميل. وموصله - وصل الله اعتلاءك، وحرس أرجاءك - فلان، وهو ممن اضطره كلب الحرمان، ونوب الزمان، إلى اعتماد الكرام واستفرفاد الأعيان، وه من صناعة القريض، وبضعة التفريض، حظ موفور، ونده لأوجه الصنائع إذ برقعها الكفور، ظهور وسفور، وقد قصد تلك الجهة فيما سلف منتجعاً، وارتضع من أفاويق درها جرعاً، وما عدم منك تنويلاً، ورأياً جميلاً، لكن العود أحمد، ورب العرف أوجب وأوكد، ولا يذهب العرف بين الله والناس، وليس ممن يسأل شططاً، ويتعسف غلطاً، وإنه ليتبلغ بالنسيم، ويستنجز الوعد بالتسليم، وحسبه ما يرقع جانب خلته، وينقع بعض غلته، وأنت بفضلك تشفق لما مني به من الاغتراب والاضطراب، وتحافظ على ما قبله من الوسائل والأسباب.

стр. 1244

وله من أخرى إلى الفقيه أبي الحسن ابن الأخضر: إذا كان عهد الإخاء مما رقمته يد الطلب، في صفحة الأدب، لم يسنخ له الدهر حكماً، ولا أحال الزمن منه رسماً، بل يتجدد على تقادم الأحقاب، ويتردد أبداً في عصر الشباب، وإنما هو في الحقيقة نسب لا يخفى، ورحم لا يجف له ثرى، وذمام تثنى عليه الخناصر، والتحام تشير إليه الأوار، فالأديب صنو الأديب، وكفى بتمازج القلوب، وفي علمك ما سلف بيننا من العهد، المزري حسنه بزمن الورد، سقاه الله صوب العهاد، ولا زال مخضر الماد، فما كان إلا غرةً انتهزت من تهاتف البيض الغرائر، ولمعةً كأنما اقتبست في تضاحك الترائب تحت سود الغدائر. ولما علم فلان، حليف شكرك، وأليف برك، ما بيننا من المناسب الروحانية، والمذهب الأدبي، استنهضني لشكر ما خصصته له من تقريب محل، وتخفيف كل، فنهضت في ذلك نهوض المبدي المعيد، واحتبيت برداء الثناء عليك في المحفل الشهود، وسرني كون هذا الفتى الدميث الخليقة، السديد الطريقة، من إنشاء تخريجك وتفهيمك، وأغصان تثقيفك وتقويمك، فإنه ممن ستصور مقدار ما تسدي إليه، ويفي بصون ما تودعه لديه، وليس كل من أولي جميلاً يشكر، ولا كل شجر وإن سقي يثمر، وأنت بسروك توسع قريحته ذكاء، وصحيفته جلاء،، حتى يخلص خلوص

стр. 1245

الذهب، ويتخصص بحلية الأدب، محرزاً في ذلك ذكراً يشيع خبره، ويفوح عنبره، والله يبقيك لهذا الشان تذيع أسراره، وترفع مناره، بعزته. وله من أخرى عناية بأحد الأدباء الشعراء: من دفعته الأيام - أعزك الله - إلى التقلب في الأقطار، والتكسب بالأشعار، لم يخف عليه مواضع الأحرار، في النجود والأغوار، على أن رسم الشعر قد درس أو كاد، ومرتاد البر قد عدم المراد والمراد، إلا أن صاحب هذا الشأن لابد أن يتصرف، أنجح أو أخفق، ويتسوق كسد أو نفق. وممن دخل ذلك الصقع فأحمده، وتخيل بمن معاودته [٦١ب] فاعتمده، فلان، وله في صنعة القريض باع، وبشكر ما يوالاه اضطلاع، وبين فكيه لسان كشقة مبرد، أو ظبة حسام فرد، ولما كنت - أعزك الله - مقدماً في أعلام مصرك، وأعيان عصرك، وعلم ما بيننا من سهم الوداد، وكرم الاعتداد، سألني مخاطبتك راغباً في أن تسدد له هنالك غرضاً، وتسهل من حياض أمله فرضاً، وترفع له في سبيل التزكية مناراً، وتقلده من صوغ التحلية طوقاً وسواراً، فأجبته لما يمت به إليّ من وكيد ذمامٍ

стр. 1246

وحميد إلمام، والثقة بنزول رغبتي لديك على طرف ثمام، وشرف اهتمام، وأنت بسروك تدنيه من كنفي قبولك وإقبالك، ولا تخليه من الأنس بتهممك واهتبالك، حتى يصدر وهجيراه شكر إجمالك، ونشر صنيعة من جاهك أو مالك، إن شاء الله. وله من أخرى في مثله: من عهد - أعزك الله - أنس فنائك، وحسن اعتنائك، وألف برد أفيائك، ولين أرجائك، لم يحبسه عنك سكن ولا وطن، ولا لذ له في غير حجرك وظلك وسن، فمولي الجميل محبوب، ومكان الأنس مطلوب، والنفوس على علمك تلتمس الرجحان، وتعتمد الفضل حيث كان. وفلان، ممن قيده إحسانك، واستعبده امتنانك، فهو لا يعدل بك أحداً، ولا يحل عن عصمة تأميلك يداً، فإذا بعد عن جنابك لم يسغ له قرار، ولا اطمأنت به دار، وقد بعثه صدق الانقطاع إليك على حسم العلق الموجبة لبعده عن ظل جناحك، وأنس التماحك، ولم يبق له في غير مكانك سيب يجذمه، ولا أمل يصدقه أو يكذبه، وأنت بمجدك توالي اصطناعه، وتراعي انقطاعه، وتلحظ بعين تهممك ضياعه.

стр. 1247

وله فصل من جواب خاطب به بعض الأدباء الشعراء: وردتني لك قطعتان من القريض، كقطع الروض الأريض، أو نغم معبد والغريض، تبسمتا عن ثغر وفاء، وأهتدتا إليّ روح شفاء، فأشعلت بذكر تهممك مجمراً، ووضعت عليه من ثنائي نداً وعنبراً، ورأيت ما ذكرته من إزماعك على الرحيل، واستجماعك لركوب ظهر السبيل، فاسترجعت بذكر البين، ما وهبت من أنس السعدين، والله يرد ذلك الصعب ذلولاً، والحزن سهولاً، ولا يعدمك ممن ترجوه ترحيباً وتسهيلاً. وله أيضاً من جواب على كتاب في مثله: تكلفت المراجعة وحسي القريحة مثمود، وفي جو الذهن ركود وجمود، وبين أثناء الضمائر خطوب مثول، وفي صفائح الخواطر ثلوم وفلول، وما قصدت معارضة التبريز بالتقصير، ولا حاولت مناهضة الخطو الوساع بالباع القصير، وإني لممن ينصف ويعترف، ويرى مدى السابق فيقف، ولست ممن يجهل فضل ما بين النبع والغرب، ويذهل عن فرق ما بين الشبه والذهب، على أن عذري في الصناعة مقبول، ونبي في ساحة القريض محمول، فإني لم أقرع له باباً، ولا شددت به عصاباً، وإنما يعد من أهله، من سلك مضايق سبله، ويكتب في فرسانه، من تصرف في ميدانه.

стр. 1248

ومن رسائله في التعزيات نسخة رقعةٍ كتب بها إلى الوزير الفقيه أبي القاسم الهوزني يعزيه عن أخيه: لا بد من فقدٍ ومن فاقد ... هيهات ما في الناس من خالد كن المعزى لا المعزى به ... إن كان لا بد من الواحد إذا لم يكن بد من تجرع الحمام، وتشتت النظام، وانصداع شمل الكرام، فمن الاتفاق السعيد، والقدر الحميد، أن يرث أعمار البيتة الكريمة مشيد علاها، وتسلم من القلادة وسطاها، فمدار الكفاية على معلاها، وفخار الحلبة بمحرز مداها. وفي هذه النبذة إشارة إلى من فرط من الإخوة الفضلاء، ودرج من السادة النجباء، فإنهم وإن كانوا في رتبة الفضل صدوراً، وغدوا في سماء النبل بدوراً، فإن شمس علائك أبهر أضواء وأزهر أنواراً، وظل جنابك على بنيهم ومخلفيهم أندى آصالاً وأبرد أسحاراً [٦٢أ] . ونعي إليّ - أوشك الله سلوانك، ولا أخلى من شخصك الكريم مكانك - الوزير أبو فلان - برد الله ثراه وأكرم مثواه - فكأنما طعن ناعيه في كبدي، وظعن باكيه بذخيرة خلدي، لا جرم أني دفعت إلى غمرةٍ من

стр. 1249

التلدد لو صدم بها النجم لحار، أو دهم بمثلها الحزم لخار، ثم ثابت إليّ نفسي وقد قذها الجزع، وعضها الوجع، فأطلت الاسترجاع، وجمعت الجلد الشعاع؛ وها أنا عند الله أحتسيه جماع فضائل، وجمال محافل، وحديقة مكارم صوجت، وصحيفة محاسن درست وامحت، وما اقتصرت من رسم التعزية المألوفة، على القليل المحذوف، إلا لعلمي، بأن المعزي لا يورد عليك غريباً، ولا يسمعك من موعظة عجيباً، فبك يقتدي اللبيب، وعلى مثلك يحتذي الأديب، وإلى غرضك في كل موطنٍ يرمي المصيب، وفي تجافي الأقدار عن حوبائك، وسقوطها دون فنائك، ما يدعو إلى حسن العزاء، ويهون جلائل الأرزاء، لا صدع الله جمعك، ولا قرع بنبأة المكروه سمعك، بعزته. وله من أخرى في مثله: وردني - أعزك الله، وأشعرك الصبر لما قضاه - خطابك الخطير، فاستقبلني، أوله ببشرٍ وسيم، وبر جسيم، وتلقاني آخره بوجه شتيم، ورزء أليم، فيا قرب ما انصرفت عن نهج الاستبشار، إلى سمت الاعتبار والاستعبار، وانقلبت من مطالعة صفحة العهد الواضحة، إلى ملاحظة صورة الوجد الكالحة، فما وقع سانح البشرى، حتى أطاره بارح المنعى، ولا افتر صغر النعمى، حتى اكفهر وجه البوسي، بما ختمت به الكتاب الكريم، وكان أحق بالتقدم، من ذكر وفاة الحسيب الأديب، أخيك، ومحل صنوي، كان ﵀، وألحفه رضاه - فيا له رزءاً، حملني عبئاً، ومصاباً، جرعني صاباً، وعند الله أحتسبه جملة عفافٍ، وبقية أشراف. ومما أوقد لوعتي، وأكد روعتي، أن درج وللشباب عليه سربال

стр. 1250

وللأمل في تراخي مدته مجال، فاغتبط النفوس أفجع، وبغت المقادير أوجع وأشنع، وهي الآجال: فمعمر إلى أقصاها، ومختضر دون مداها، ولا يزال المؤجل تتحيف نواحيه، وتختطف أدانيه، ويفجع بأحبائه، ويروع بأترابه، حتى يكون هو الغرض المصاب، والمحل المنتاب، والسواد المخترم، والخيال المستقدم. فمن تصور الدنيا تصورك، وأوسعها تدبرك، لم يرعه هاجم كرب وإن كلح وجلح، ولا هزه واقع خطب وإن طمح وجمح، ولعلمي بمضاء جنانك، على مصادرة زمانك، واتساع صدرك، لمضايقة دهرك، سلكت في التعزية مسلك التخفيف، واقتصرت من معاني التسلية على اليسير اللطيف، ولو شهدت لحملت عنك بعض الأتراح، وشاركت في زيارة الغدو والرواح، والله يعوضك العزاء الجميل، ويضفي على ساقته - جبرها الله - ظلك الظليل، ويديم إمتاعك بمن بقي معك من أخٍ كريم، وقريبٍ حميم، بعزته. وله من أخرى في مثله: محن الدنيا - وسع الله لاحتمالها ذرعك، وأنس في إيحاشها ربعك - ضروب، ولسان العبر بها خطيب، ونوائبها أطوار وفنون، ومصائبها أبكار وعون، والمرء غرض لأخياف سهامها، ومعرض لاختلاف أحكامها، فإن أخطأه منها صائب الحمام، وتخطاه واثب الاخترام، رشقته بنبل أرزائها، وطرقته بمضل أدائها

стр. 1251

وعرقته بعصل أنيابها، وأشرقته بمر شرابها، وأودعته من صنوف التصاريف، آلاماً وأوصاباً، وجرعته من فراق الأحبة صبراً وصاباً؛ فمن فهم معاني صروفها فهمك، وعجم عود خطوبها عجمك، لم يتضعضع منه لصدمتها جلد، ولا تروع له عند ظلمتها خلد، ولا شقت لصبره في مآتها جيوب، ولا طار بقلبه في ملامحها وجيب، بل وجدته مشيع الجنان، ثابت الأركان، متهلل الجبين، مشرق اليقين، متسع الجوانب، لزحام النوائب، مستقل الكاهل، بأعباء النوازل. فلئن نفذ القدر بوفاة من كنت تأنس بحياتها، وتتيمن على القرب والبعد بيمن صلاتها وصلاتها، وتضاعف الوجد بما افترق من فرقة المنون، وحرقة [٦٢ب] النوى الشطون، وانتظم من شحط المزار، ونفوذ حتم المقدار، ففي تجلدك لتحامل الخطبين محتمل، ولتصبرك في سوم الخطتين تصرف وعمل، وبجسيم عظيم المصاب، وكرم الاحتساب، يكون حسن الثواب، ويمن المآب، فللرزايا قيم وأثمان، وللحسنات في موازنتها خفوف ورجحان، فلا تمكن من يد الجزع مقادك، ولا تسكن زفرة الأسف فؤادك، واعتصم عند الصدمة الأولى بعروة الصبر

стр. 1252

الوثقى، وتجنب ما يقدح في كرم النصاب، ويقبح عند ذوي الألباب، واحتسب فقيدتك - قدس الله روحها، وأنس ضريحها - حديقة أنس، نقلت إلى جنة قدس، وذخيرة إيمان، ضمنت أكرم صوان، ولا تذهب نفسك حسراتٍ، ولا يتدارك نفسك زفرات: فقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب وإذا كنا أهداف المنايا، وأخلاف الرزايا، وأبناء الأحلام، وأنداء الغمام، فاي معنىً في الجزع على من فرط، والتوجع لمن شحط، ونحن عن قريب نقدم على من تقدم ونلحق بمن سبق. وهذه جملة من شعره خاطبه بعض الأدباء والشعراء بنظم ونثر، فراجعه بقوله من جملة أبيات: لئن راق مرأىً للحسان ومسمع ... لحناؤك الغراء أبهى وأمتع عروس جلاها مطلع الفكر فانثنت ... إليها النجوم الزاهرات تطلع زففت بها بكراً تأرج طيبها ... وما طيبها إلا الثناء المضوع

стр. 1253

لها من طراز الحسن وشي مهلهل ... ومن صيغة الإحسان تاج مرصع تبغيت منها متعة اللحظ فانزوت ... وقالت أدون المهر يبغى تمتع لئن لم تجد نقداً لمثلي عاجلاً ... فما لكم عن قيمة البضع منزع فدونك ذاك الحكم منها فانه ... تضاء لعمري عادل ليس يدفع ولي همة لو طاوع الدهر حكمها ... لكنت بفتوى الجود في ذاك أقطع وخاطبه أيضاً بعض أدباء العصر بشعر، فراجعه بقوله: سلام كعرف المسك أو عبق الندّ ... على من عدا بالفضل فذاً بلا ندّ سلام كأنفاس الأحبة موهناً ... سرت بشذاها العنبري صبا نجد سلام كإيماض الغزالة بالضحى ... إلى الروضة الغناء غب الحيا العد على من تحداني بمعجز شعره ... فأعجز أدنى عفوه منتهى جهدي غزاني من حوك اللسان بلأمةٍ ... مضاعفة التأليف محكمة السرد دلاص من النظم البديع حصينةٍ ... ترد سنان النقد منثلم الحد عليها من الإحسان والحسن رونق ... كما ديس متن السيف من صدأ الغمد وفيها على الطبع الكريم دلالة ... كما افتر ضوء السقط من كرم الزند إذا خف منها جانب الهزل كفه ... ووقر من أعطافه ثقل الجد أبا عامرٍ لا زال ربعك عامراً ... بوفد الثناء الحر والسؤدد الرغد

стр. 1254

لقد سمتني في حومة القول خطةً ... " لففت لها رأسي حياء من المجد " [٦٣أ] زففت هدياً من ثنائك حرةً ... يقصر ملك الأرض عن مهرها عندي عقيلة مجدٍ أتلع الفخر جيدها ... فأغناه ذاك الحلي عن حلية العقد وكلفتني أن أستقل بحقها ... وهيهات من إدراك أيسره وحدي فلم أر براً أرتضيه لقدرها ... سوى الود محمولاً على كاهل الحمد فعذراً فما عذري بمحتجب السنا ... ولا وجهه عند الجلاء بمسود فإن كنت قد أحجمت عنك مقصراً ... فلا غرو في الإحجام عن أسدٍ ورد وكتب إليه أيضاً الأديب أبو عامر الذي ذكره بشعر أوله: أعدها علينا أيها الناس الحبر ... هدي قواف مسك صفحتها الحبر فأجابه الوزير أبو القاسم بقوله: أما ونسيم الروض طاب به فجر ... وهب له من كل زاهرةٍ نشر تجافي له عن سره زهر الربى ... ولم يدر أن السر في طيه جهر ففي كل سهبٍ من أحاديث طيبه ... نمائم لم يعلق بحاملها وزر

стр. 1255

لقد فغمتني من ثنائك نفحة ... ينافسني في طيب أنفاسها العطر تضوع منها العنبر الورد فانثنت ... وقد أوهمتني أن منزلي الشحر سرى الكبر في نفسي بها ولربما ... تجانف عن مسرى ضرائبي الكبر وشيب بها معنىً من الراح مطرب ... فخيل لي أن ارتياحي لها سكر أبا عامر أنصف أخاك فإنه ... وإياك في محض الهوى الماء والخمر أمثلك يبغي في سمائي كوكباً ... وفي جوك الشمس المنيرة والبدر ويلتمس الحصباء في ثغب الحصى ... ومن بحرك الفياض يستخرج الدر عجبت لمن يهوى من الصفر تومةً ... وقد سال في أرجاء معدنه التبر تطلبتها مردودةً اللحظ برزةً ... تردد في أسمال أثوابها الدهر هي الثيب استعصت عليّ وإنما ... تطوع لمن يحوي ولايتها البكر فدونكها عذراء لم يعد وجهها ... حجاب ولم يهتك لحرمتها ستر بذلت لها نقداً من الدر غالياً ... فلم يجزها مهر ولم يخزها صهر وإني لصب بالتلاقي وإنما ... يصد ركابي عن معاهدك العسر أذوب حياءً من زيارة صاحبٍ ... إذا لم يساعدني على بره الوفر قوله: " ففي كل سهب من أحاديث طيبه " كقول أبي المغيرة ابن حزم:

стр. 1256

ورنت بألحاظٍ تدبر كؤوسها ... فينا فنشربها حلالاً مسكرا وقوله: " أمثلك يبغي " ... البيت، كقول الآخر: أعندك الشمس تسري في مطالعها ... وأنت مشتغل الألحاظ بالقمر [٦٣ب] واراه عكس قول حبيب: إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر ... وقال أبو الطيب: خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل انتهى ما أثبته من كلام الوزير أبي القاسم، وهو أبهى من النجوم وأبهر، وأسرى من النسيم وأسير، وكنت جديراً باستقصاء أخباره، وحميد آثاره، لا سيما ومزاره كثب، وبيني وبينه من ذمام الأدب، والتزام الطلب، سبب ونسب، ولكن النوائب زاحمت ضائري، وضربت وجوه خواطري، فما دفع إليّ عفواً تلقيته ووعيته، وما كانت فيه أدنى كلفة رجوته وأرجيته، ولا بأس من الزيادة إن انتهجت سبيل، ولله نظر جميل، وفيه مطمع وتأميل.

стр. 1257

فصل في ذكر ذي الوزارتين الكاتب أبي القاسم محمد بن عبد الغفور صاحب المعتمد وكانا قبل تمكن السلطان، رضيعي لبان، أمهما الكأس، وفرسي رهان، ميدانهما الأنس؛ فلما أفضى الأمر إليه، وأديرت رحى التدبير عليه، أرعاه تلاعه، وعصب به خلافه وإجماعه. وتوفي ذو الوزارتين في عنفوان شباب ذلك الملك، وهو منه بمكان الواسطة من السلك، فقال المعتمد فيه من جملة أبيات يرثيه: أبا قاسم قد كنت دنيا صحبتها ... قليلاً، كذا الدنيا قليل متاعها وقد وجدت لأبي القاسم شعراً إن لا يكن شديد المتن، أزور الركن، فإنه مليح الاطراد، سلس القياد، يقرب من متناوله، ويدل على قائله، ولم يقع إليّ وقت تحريري هذه النسخة شيء من نثره؛ وفيما

стр. 1258

أثبت هنا من مقطوعات شعره، شاهد صادق على ما أجريت من ذكره. فمن شعره يخاطب أحد أعبان بني الدب: يا وزيراً تعنو له الوزراء ... ضاق ذرعي وبان مني العزاء أمن الحق أن أكون سقيماً ... لست أرجى وفي يديك الشفاء يا كبيري وسيدي وظهيري ... كن نصيري على أناس أساءوا قد توقفت في الشهادة حتى ... حرم اليأس ما أحل الرجاء ولقد تعلمن محض ودادي ... وثنائي، وقل فيك الثناء ولكم سائل أطال سؤالي ... هل على الأرض من لديه وفاء فجعلت الجواب منه مقالي ... ليس يخفى على العيون ذكاء إن جهلت الوفاء في أهل حمصٍ ... فبنو الدب سادة زعماء فيهم عفة وفيهم وفاء ... ولهم ذمة وفيهم حياء وزراء أكابر كرماء ... علماء أفاضل حلماء أي قومٍ وأي أعلام مجدٍ ... أنجبتهم إلى العلا آباء يفخر الدهر منهم بأناسٍِ ... ليس إلا لهم يد بيضاء [٦٤أ] من يجار الوزير أعني أبا مر ... وان في الفضل طال منه العناء من يجاريه فغي متانة دينٍ ... وعليه من الحياء رداء أورث المجد والمكارم نجلاً ... منه هامت بمثله العلياء

стр. 1259

فات أهل الزمان فضلاً ومجداً ... وذكاءً وأين منه الذكاء ألمعياً مهذباً لوذعياً ... للمروءات في يديه لواء وإذا ما اعتزى لأكرم خالٍ ... وقف الفضل عنده والسناء ولعمر العلا وسمر العوالي ... إنه خير من تظل السماء يا عمادي ومن عليه اعتمادي ... عش كما شئت مدركاً ما تشاء ولئن كانت النفوس فدائي ... إن نفسي لمثلكم لفداء في ذكر الوزير الكاتب أبي محمد عبد الغفور، ابن ذي الوزارتين أبي القاسم المذكور، واجتلاب قطع من شعره، ولمع من نثره وأبو محمد هذا في وقتنا عارض إذا همع استوشلت البحار، ونجم إذا طلع تضاءلت الشموس والأقمار، وهو أحد من آوى من الحسب باشبيلية إلى ثبجٍ عظيم، ومشى من الأدب على منهج قويم، سابق

стр. 1260

لا يسمح وجهه إلا بهيادب الغيوم، وصارم لا يحلى غمده إلا بأفراد النجوم؛ وكان نشأ بين يدي أبيه من دولة المعتمد، بحيث يفيء عليه ظلالها، ويتشوف إليه قبولها وإقبالها، وانشفت تلك السماء قبل أن ينوب مناب سلفه في سرجها، ويحل بيت شرفه من أبرجها، ولله هو، فلئن كان نبا به الأوان، وضاق عنه السلطان، فلقد نهض به جنان يتدفق بالغرائب، ولسان يفري شبا النوائب، وإحسان يملأ أقاصي المشارق والمغارب. وقد أخرجت من غرائب نظمه ونثره ما يخجل الخدود، ويعطل السوالف الغيد. فصول من كلامه في أوصاف شتى له من رقعة خاطب بها بعض أهل عصره، وافتتحها بهذين البيتين: لولا عدىً غاظوا الصدي - ... ق بنفيهم عني الكتابه لم أوذ سمعك بالهرا ... ء ولا انحرفت عن المهابه لعمري - وإن كان نفى منفياً، وتقرع صديقاً حفياً - لرب أعجم ضجر فأفصح، وأجذم عير فقدح؛ وإن لم يستألفا بعد

стр. 1261

الإفصاح، وما شق من كلفة التحامل في الاقتداح، لم يؤمنا على ذكر ميت، وإحراق بيت؛ فلله من احتال لتخلصه، ولم يعجب بتخصصه، ودفع بيد جلده، في صدر حسده. وفي هذه الجملة بلاغ لو ارتضيت بها متنقصاً، ولم يرني بالاقتصار عليها متخرصاً، في الكتابة متلصصاً، إذ لعله ممن يظن الإيجاز حصراً وانقطاعاً، ولا يعتقد الإجادة مع الاسهاب شيئاً موجوداً ولا مستطاعاً. لا جرم أني بحكم هذه التقية سأطيل قصصاً، وأتطلب فيما لم يطرق من القول قنصاً، ليعلم من ناف، ومن جلف جافٍ، بل من نزرٍ حقيرٍ خافٍ، أنني من كتابه وقته، وإن زعم أنف مقته، والله ما عرفته إلى اليوم، ولعلي سأعثر عليه في النوم، فأعرفه: من أرعن ناقص الوزن والصرف فأصرفه، بسمةٍ من الهون تشغله بنفسه، وتخجله في رمسه، والله يفنيه، [٦٤ب] ولا يعرفنيه، وينزه عن شخصه الوضر الدنس عائر سهامي، ومن عرضه القذر النجس طاهر كلامي. وكأني بفارس هذه الصناعة، ومالك أزمة البلاغة والبراعة، قد سمع هذري، وضحك من ضجري، وعجب كريمة وده

стр. 1262

وعقيلة عهده، من خاطبٍ، بسخفٍ مخاطب، في ليلٍ من الجهل حاطب، لم يأت خطبتها من بابها، ولا رفق في طلابها، وهيهات لمرتقب الشعرى، من ملابسة الكرى، ولمثل أملي في ذلك السماء، من تقصير في الاحتفاء، ولكن صدر التحبير، بما يشتمل على الضمير، فمتى سمح لغيره بمكانه، فقد صرم فجاء قبل أوانه، وكلف نضجاً ولات حين أبانه وسأمهرها من جميل الثناء مهراً تشمه زهراً، وتختمه نجوماً زهراً، وترده كوثراً، وتحمده عيناً وأثراً، وتحمل من بهائه تاجاً تعنو الشمس لضيائه، وتغرق في لجة لألائه، فيكون بدعاً من المهور، ويفخر دهره على سائر الدهور، بمقتضى ما التزمت شروط الوفاء فيه، وحرمت من غدر بني الأيام صحة مبانيه، ولو اكتفيت بما مضى عليه سلفنا الكريم، وتبعت ولم ترم مركزها منه أعظمهم البالية الرميم، من صفاء ودّ يعدي الجار فضلاً عن البنين، ووفاء عقد يثني النار عن أن تحرق بالطبع أو بالمماسة عدد سنين، أحرزت من الفضل نصاباً تجب فيه الزكاة، وحويت من الفصل قصاباً لا تدركها الكفاة، ولا تبلغها العفاة؛ على أنه لا شيء أغرب من عقلٍ يمتار ما في يديه، ولا يحتاج إلى صدقة عليه، ولا من فضل يتجاوز غلوة سهمٍ، فضلاً عن غاية شهم. وكنت قد استغنيت بما أصلوا، ولم أقطع بهذا الاستئناف ما وصلوا، إلا أني وجدت نسب أدبه قد كل، ورسم سببه قد اضمحل، والكلالة

стр. 1263

في الآداب، أمس منها في الأنساب، فاعتمدت بهذه النأمة سداد خلل، وعمارة طلل؛ وشائع مجده كان أولى بهذه الرتبة من التهمم، وأهدى إلى سنن التفضل والتكرم، إذ كان أفسح في القول طلقاً، وأحسن في در كلمه العذب سرداً ونسقاً، فكيف تزل لي عن صهوة الانتداب، وتوفر علي خطة الاقتداء، هذا إذا قدرت، وما أراها إلا كأختها قد تعذرت، ليس إلا لمكاني من الحرمان والخمول، وكل عذر يدفع به في نحر هذا الصدق فغير مقبول. وقد حطبت وخطبت، وسببت بل ضربت، وتكاتبت حتى كتبت، ولو خططت في صفحة البدر، بأنملي العشر، أو في الشمس، بالمعهودة الخمس، وصغت لفظاً للرقعتين، محاسن الجديدين، لقيل رمى الغرض فكاد، ولو نسج على منوال فلان وفلان لأجاد، وفلان إذا نقل الأقاويل توسط، وإذا رفع إلى فطرته الفطيرة تورط، فإن رأى أن يراجع بالقبول، وبما لديه من الرأي الحسن الجميل، بشرط العدول عن التفريط المخجل، واللفظ المشترك المحتمل، واعتقاد تجريحي في الصناعة بمجرد التبصير، وتنزيه خطوه الوساع فيها عن معارضة خطوي القصير، دل على موضعي من إيثاره، وطار اسمي الواقع بيمن جواره، عمر الله ربعه بالتأمل

стр. 1264

وسمعه بالتكريم والتبجيل، وصدأ هذا الزمان معدٍ كل عقلٍ، وفي ما أتوكف من جوابٍ كريمٍ مدوس إمهاء وصقل، وأزال جاهل شبحي لما عليه من الأقذاء، حتى أجتلي صورة حقيقته في رونق الجلاء، وحبذا تعجيله قبل استيلاء العجب القبيح، وتكاتف حجب الغي على متن الصفيح، فيعز صقاله، ويعجز انتقاله، فرأيك انتقاله، فرأيك في ذلك مسدداً إن شاء الله. فتخلف المخاطب عن المجاوبة، فأعاد عليه ثانيةً بخطابٍ قال فيه: وكنت أعتقد أنه - أعزه الله - بجوابه لا يبخل عليّ، وقد بسطت لنيلي به الأمل يدي، ومددت لاجتلاء السرور عيني، وحتى الآن فلم يرتد طرفي الشيق إليّ، بل قيد بشطور، تشوفاً إلى بهجة تلك السطور، فما ظنه بصفر اليدين من الأمل، ناظر إلى [٦٥أ] أحد الشقين كالمختبل، بل ما ظنه بقومٍ يكثرون عنه السؤال، ويضربون فيه الأمثال، يودون لو قعد تحت الريبة من تأخر الجواب، وأطاع داعي الظنة في قطع رحم الآداب، لشد ما قدحوا زند الوحشة فصادفوه - والحمد لله - جد شحاحٍ، وأكبوا لنار الفرقة فلم يستضيئوا منها بمصباح، وظنوا أنه قد

стр. 1265

ورد من جواب كريمٍ فكتمته كتم الأرض، ولم أهش لنافلة الشكر عليه فضلاً عن الفرض، وهيهات لوجه الصبح المتبرج من كتم، ولنسيم زهره المتأرج من ختم؛ غير كلمه العذب، بل لؤلؤه الرطب، يجهل للخمول سراه، فلا يفضل عن ستر الراح سناه، ولا يحمل مثقلات الرياح من طيب شذاه، فليحينا منه بقطف يجنينا ثمر السرور، ويعفينا من وصمة التقصير بنا والقصور، فما زلت - أراه الله ما تمناه - أكرم بني الأيام عهداً، وأحكمهم عقداً، وأبعدهم من الآفات وداً، وأحمدهم قرباً حميداً وبعداً، وأصبعهم على الزمان الغادر مراماً، وأشدهم أنفه وعراماً، من أن ينقاد طوع زمامه، ويتصرف - وقد جئت خاطب وده في تضريح أنفي بدمٍ - على أحكامه، لا هم إلا أن يكون ذلك منه - صرف الله صروف الليالي والأيام عنه - ستراً على ما عهده من تأخر كلمي، وتعثر قلمي، واستعجام بناني، وقيام بناني، وقيام ظل البلادة دون إحساني؛ فهل شعر أنه قد نبل الناس، وظهر النسناس، وكلم الرمل الهزج، وسيط غير ما شيء فامتزج! ! ولذلك ما أقدم بي قدم الاعجاب، واستؤذن لي على دولة الكتابة بعد طول حجاب، فافتتحت مطالعة حضرته البهية، أراني بنيل هذه الرتبة العلية للنجم راكباً، وللسعد مواكباً، وإن كنت متكاتباً لا كاتباً، وقاعداً حين تطارد فرسان الكتابة لا جائياً معهم ولا ذاهباً؛ ما ضره لو قارضني على الجد ولو هازلاً، وسابقني إلى غاية الود وأنا الراكب المنبت فيسبق مستريحاً نازلاً، بل ما ضره لو فتق لهاتي وقد همت، وسدد سهام كلماتي وقد ألمت، بمكنون الدر، من ألفاظه الغر، ومخجل الزهر، من حكمه الزهر، فيدني من ذي حرص عليه
следующие страницы →