Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
الإفصاح، وما شق من كلفة التحامل في الاقتداح، لم يؤمنا على ذكر ميت، وإحراق بيت؛ فلله من احتال لتخلصه، ولم يعجب بتخصصه، ودفع بيد جلده، في صدر حسده. وفي هذه الجملة بلاغ لو ارتضيت بها متنقصاً، ولم يرني بالاقتصار عليها متخرصاً، في الكتابة متلصصاً، إذ لعله ممن يظن الإيجاز حصراً وانقطاعاً، ولا يعتقد الإجادة مع الاسهاب شيئاً موجوداً ولا مستطاعاً. لا جرم أني بحكم هذه التقية سأطيل قصصاً، وأتطلب فيما لم يطرق من القول قنصاً، ليعلم من ناف، ومن جلف جافٍ، بل من نزرٍ حقيرٍ خافٍ، أنني من كتابه وقته، وإن زعم أنف مقته، والله ما عرفته إلى اليوم، ولعلي سأعثر عليه في النوم، فأعرفه: من أرعن ناقص الوزن والصرف فأصرفه، بسمةٍ من الهون تشغله بنفسه، وتخجله في رمسه، والله يفنيه، [٦٤ب] ولا يعرفنيه، وينزه عن شخصه الوضر الدنس عائر سهامي، ومن عرضه القذر النجس طاهر كلامي.
وكأني بفارس هذه الصناعة، ومالك أزمة البلاغة والبراعة، قد سمع هذري، وضحك من ضجري، وعجب كريمة وده
стр. 1262
وعقيلة عهده، من خاطبٍ، بسخفٍ مخاطب، في ليلٍ من الجهل حاطب، لم يأت خطبتها من بابها، ولا رفق في طلابها، وهيهات لمرتقب الشعرى، من ملابسة الكرى، ولمثل أملي في ذلك السماء، من تقصير في الاحتفاء، ولكن صدر التحبير، بما يشتمل على الضمير، فمتى سمح لغيره بمكانه، فقد صرم فجاء قبل أوانه، وكلف نضجاً ولات حين أبانه وسأمهرها من جميل الثناء مهراً تشمه زهراً، وتختمه نجوماً زهراً، وترده كوثراً، وتحمده عيناً وأثراً، وتحمل من بهائه تاجاً تعنو الشمس لضيائه، وتغرق في لجة لألائه، فيكون بدعاً من المهور، ويفخر دهره على سائر الدهور، بمقتضى ما التزمت شروط الوفاء فيه، وحرمت من غدر بني الأيام صحة مبانيه، ولو اكتفيت بما مضى عليه سلفنا الكريم، وتبعت ولم ترم مركزها منه أعظمهم البالية الرميم، من صفاء ودّ يعدي الجار فضلاً عن البنين، ووفاء عقد يثني النار عن أن تحرق بالطبع أو بالمماسة عدد سنين، أحرزت من الفضل نصاباً تجب فيه الزكاة، وحويت من الفصل قصاباً لا تدركها الكفاة، ولا تبلغها العفاة؛ على أنه لا شيء أغرب من عقلٍ يمتار ما في يديه، ولا يحتاج إلى صدقة عليه، ولا من فضل يتجاوز غلوة سهمٍ، فضلاً عن غاية شهم.
وكنت قد استغنيت بما أصلوا، ولم أقطع بهذا الاستئناف ما وصلوا، إلا أني وجدت نسب أدبه قد كل، ورسم سببه قد اضمحل، والكلالة
стр. 1263
في الآداب، أمس منها في الأنساب، فاعتمدت بهذه النأمة سداد خلل، وعمارة طلل؛ وشائع مجده كان أولى بهذه الرتبة من التهمم، وأهدى إلى سنن التفضل والتكرم، إذ كان أفسح في القول طلقاً، وأحسن في در كلمه العذب سرداً ونسقاً، فكيف تزل لي عن صهوة الانتداب، وتوفر علي خطة الاقتداء، هذا إذا قدرت، وما أراها إلا كأختها قد تعذرت، ليس إلا لمكاني من الحرمان والخمول، وكل عذر يدفع به في نحر هذا الصدق فغير مقبول.
وقد حطبت وخطبت، وسببت بل ضربت، وتكاتبت حتى كتبت، ولو خططت في صفحة البدر، بأنملي العشر، أو في الشمس، بالمعهودة الخمس، وصغت لفظاً للرقعتين، محاسن الجديدين، لقيل رمى الغرض فكاد، ولو نسج على منوال فلان وفلان لأجاد، وفلان إذا نقل الأقاويل توسط، وإذا رفع إلى فطرته الفطيرة تورط، فإن رأى أن يراجع بالقبول، وبما لديه من الرأي الحسن الجميل، بشرط العدول عن التفريط المخجل، واللفظ المشترك المحتمل، واعتقاد تجريحي في الصناعة بمجرد التبصير، وتنزيه خطوه الوساع فيها عن معارضة خطوي القصير، دل على موضعي من إيثاره، وطار اسمي الواقع بيمن جواره، عمر الله ربعه بالتأمل
стр. 1264
وسمعه بالتكريم والتبجيل، وصدأ هذا الزمان معدٍ كل عقلٍ، وفي ما أتوكف من جوابٍ كريمٍ مدوس إمهاء وصقل، وأزال جاهل شبحي لما عليه من الأقذاء، حتى أجتلي صورة حقيقته في رونق الجلاء، وحبذا تعجيله قبل استيلاء العجب القبيح، وتكاتف حجب الغي على متن الصفيح، فيعز صقاله، ويعجز انتقاله، فرأيك انتقاله، فرأيك في ذلك مسدداً إن شاء الله.
فتخلف المخاطب عن المجاوبة، فأعاد عليه ثانيةً بخطابٍ قال فيه:
وكنت أعتقد أنه - أعزه الله - بجوابه لا يبخل عليّ، وقد بسطت لنيلي به الأمل يدي، ومددت لاجتلاء السرور عيني، وحتى الآن فلم يرتد طرفي الشيق إليّ، بل قيد بشطور، تشوفاً إلى بهجة تلك السطور، فما ظنه بصفر اليدين من الأمل، ناظر إلى [٦٥أ] أحد الشقين كالمختبل، بل ما ظنه بقومٍ يكثرون عنه السؤال، ويضربون فيه الأمثال، يودون لو قعد تحت الريبة من تأخر الجواب، وأطاع داعي الظنة في قطع رحم الآداب، لشد ما قدحوا زند الوحشة فصادفوه - والحمد لله - جد شحاحٍ، وأكبوا لنار الفرقة فلم يستضيئوا منها بمصباح، وظنوا أنه قد
стр. 1265
ورد من جواب كريمٍ فكتمته كتم الأرض، ولم أهش لنافلة الشكر عليه فضلاً عن الفرض، وهيهات لوجه الصبح المتبرج من كتم، ولنسيم زهره المتأرج من ختم؛ غير كلمه العذب، بل لؤلؤه الرطب، يجهل للخمول سراه، فلا يفضل عن ستر الراح سناه، ولا يحمل مثقلات الرياح من طيب شذاه، فليحينا منه بقطف يجنينا ثمر السرور، ويعفينا من وصمة التقصير بنا والقصور، فما زلت - أراه الله ما تمناه - أكرم بني الأيام عهداً، وأحكمهم عقداً، وأبعدهم من الآفات وداً، وأحمدهم قرباً حميداً وبعداً، وأصبعهم على الزمان الغادر مراماً، وأشدهم أنفه وعراماً، من أن ينقاد طوع زمامه، ويتصرف - وقد جئت خاطب وده في تضريح أنفي بدمٍ - على أحكامه، لا هم إلا أن يكون ذلك منه - صرف الله صروف الليالي والأيام عنه - ستراً على ما عهده من تأخر كلمي، وتعثر قلمي، واستعجام بناني، وقيام بناني، وقيام ظل البلادة دون إحساني؛ فهل شعر أنه قد نبل الناس، وظهر النسناس، وكلم الرمل الهزج، وسيط غير ما شيء فامتزج! ! ولذلك ما أقدم بي قدم الاعجاب، واستؤذن لي على دولة الكتابة بعد طول حجاب، فافتتحت مطالعة حضرته البهية، أراني بنيل هذه الرتبة العلية للنجم راكباً، وللسعد مواكباً، وإن كنت متكاتباً لا كاتباً، وقاعداً حين تطارد فرسان الكتابة لا جائياً معهم ولا ذاهباً؛ ما ضره لو قارضني على الجد ولو هازلاً، وسابقني إلى غاية الود وأنا الراكب المنبت فيسبق مستريحاً نازلاً، بل ما ضره لو فتق لهاتي وقد همت، وسدد سهام كلماتي وقد ألمت، بمكنون الدر، من ألفاظه الغر، ومخجل الزهر، من حكمه الزهر، فيدني من ذي حرص عليه
стр. 1266
أمله، ويبعث جذله، ويكون جمال إصابته له؛ فلم حرمني جوابه، وتغافل عني وقد قرعت بيد الثقة بابه، ألا سلم للأيام، في إحالتها طباع الكرام، وأنشد:
ومن صحب الدنيا طويلاً تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذباً كلا، لا أسلم لها فيه، ولا أوجدها السبيل إلى شين معاليه، ولو ضاعت هذه الثانية ضياع سراجٍ في شمس، ولقيت من إعراضه عنها ما لقيت أختها بالأمس، فليصل من وصله، وليعذر في الاقتضاء من مطله، ولو غيره عاملني مثل هذا الانزواء، وقابلني بأيسر كبر وجفاء لنظرت إلى كلمة أبي الطيب:
لا تحسبوا ربعكم ولا طلله ... أول حيٍ فراقكم قتله فكنت أقول:
لا تحسبوا قولكم ولا عممه ... أول ركنٍ بناصلٍ هدمه ورب كاتب أثقف مبانٍ، وأشرف أبيات معان؛ ولكنه عيني التي بها أبصر، وعضدي التي بها أنتصر، فمن ذا الذي يعتمد بسوء بصره
стр. 1267
ويقلع نابه حين يجني عليه أو ظفره.
وله من رقعة: توفي الصبر فهششت لإقامة رسم العزاء، ثم تذكرت فتأخرت، وأن نفسي - فاديته - عيرتني ترك المقال، وقالت: أين ما ذخرت لهذه الحال - فقلت: أحسن الله عزاء من بكاه، وأرضى بقبض ذلك الظل من اشتكاه، حتى يهدي إليه غفراناً، يلحقه رضواناً، ويحفه روحاً شهياً وريحاناً، ليعلم الهالك ﵀ حيث تصفو العقول، وتنسى الحسائف السالفة والذحول، أن الباقي بعده قد عطف على الأول، وإلى ما يقربه إلى الله زلفى، فأهدى سنا المغفرة، إلى عظامه النخرة، وكره الشمات، ولم يحقد على من مات، وإن كانت العرب قد هجت قتلاها، وشمتت على مر الدهور بموت عداها. قال الحصين يهجو من قلته.
[٦٥ب] فلما علمت أنني قد قتلته ... وقال غيره يشمت:
وإن بقاء المرء بعد عدوه ... ولو ساعةً من عمره لكثير
стр. 1268
وقال حبيب:
يا أسد الموت تخلصته ... من بين لحيي أسد القاصره وقال أبو الطيب:
قالوا لنا: مات اسحق فقلت لهم: ... هذا الدواء الذي يشفي من الحمق والله يعمر السيد حتى يرث أولياءه وأعداءه، ويقتضي على الأيام علاءه وسناءه، فليس لهذه المدة منتهى، ولا يبلغ منها مدى.
ومن أخرى: وإنما هو دأب فلكي، وجري سليكي، يتأكد ويتصل، وتتولد أسبابه فلا تفني ولا تنفصل؛ قال الأول:
فيوماً على سربٍ نقي جلوده ... ويوماً على بيدانةٍ أم تولب وتلك المنى لو أننا نستطيعها ... وأنا أقول: فيوماً في سوق فليق، ويوماً في طحن دقيق، ويوماً أقتات فيه بسخت السويق، ويوماً أقطعه على الريق، ويوماً في شهيق، ويوماً
стр. 1269
بالجامدة ويوماً بالسليق، سبعة ألقاب، لسبعة تأكل شلو الأحقاب، تسع جميع الشهر، وتجري كالروح في هذا الدهر، فأنا آلم من السليم بوجعه، وأشغل بهذا الكد منه بأشجعه، حتى آوي إلى عجوز، لنوبها المترادفة من يجوز، آونة تطلب بمبيت سور، وآونة ببنيان جسور، وما في إناء رزقها المكسور، منت بلالة سور، ولم يبق على هذا القياس بعد مغرم الثغور والدروب، إلا أن تشمر عن ساق للحروب، وإنما عليهن جر الذيول، وعلينا إجراء الخيول، فإن رأى - أعزه الله - أن يعفيها ويكفيها، فلها أمثال، في ربات الحجال، وفي ذوي اليسار من الرجال، وقد تقدم أمر الأمير بإعفاء النساء، بيمن فالقوادم فالحساء، فما شأن هذه المرأة تخص بالغرامة، وتستثنى بهذه الحضرة من الكرمة - أفتراها التي دلت على ضيف لوط، فتسعط من قاتل الظلم هذا السعوط -! كلا ولكنها أم كاتب هذه الرقعة التي لو فسرت لفصحاء يونان، لعضوا من حسرة التقصير عنها البنان.
وله من أخرى: جعلت فداك، هل ظفرت بمطلوب يداك - كلا ولكنك رأيت سراباً، فحسبته شراباً، وغرتك دمائة، تحتها غثاثة
стр. 1270
وسكون، لا يصلح إلى جانبه ركون، وبحكم الرغبة والحرص، كانت فراستك في ذلك اللص، وإلا فصموت عيي، لا يذهب على ألمعي، ودمع فاجر، لا تروى منه المحاجر: وإذ قد نبا حد عتابك من قرع ذلك الحجر الصلد، كما أعيا قبل ذلك على ذي مرة جلد، فمن العناء معاناته، ومن الدناءة قربه ومداناته، فاستشعر اليأس منه، واصرف عنان التثريب والعذل عنه، فإنما هو كذئب في ثلة، بأرض مذلة، في ليلة بعيدة مسافة الصباح، قعيدة روعات الصراخ والنباح، يتملأ من دمائها، ويهزأ هذا الخبيث من ثغائها، بل هو أعق من ضب حرب، في حجر خرب، يخاف على حرشائه من الحرش، ولا يعتصم من أعدائه كعقرب الخرش، فهو إلى عقوقه أنزق من ذي خرق، وقع في حبالة ثم أبق، أحسن الله فيه العزاء حيا، وطوى بيد السلو لهجي بشكياته طيا
стр. 1271
حتى أنساه، ولا أعرفه حين أراه، وفراستي في سواه أصدق من نار الفرس في الصدق، وأبصر في ظلمة الاشتباه من طالع الأفق.
وله من أخرى: وصل جوابك فشفى عليلا، وبرد غليلا، ونسم من روح الظفر بالأمل نفسا بليلا، وما كان لشرب ودادك العذب أن يستحيل صابا، ولا لمحل مجدك الموفي على الشهب أن ينحط نصابا، ولا لوفاء منك رسا ثبيرا، أن يذهب مع الرياح هباء مستطيرا؛ عقدة ودك أحصف، وحجاب مجدك أضفى من أن يسترق وأكثف، بقيت لغماء تجليها، ونعماء توليها، وعلياء تنافس فيها، وإن أتبع سيدي فرس البر بي لجامها، وقرع عارض المسرة تكاتفها والتئامها، فقد أمكن من الإحضار، وروى ظماء آمالي بمنهل القطار [٦٦أ] .
وله من أخرى: من الأمور الشائعة، والمعاني المتفقة الواقعة، ما يعدل له في الكتب عن قصد السبيل، ويؤخذ في أساليب التطويل، وشعاب التمثيل أو التعليل، فيقوم عذر الكاتب، ويرجى الفلاح للمكاتب؛ كالرأي المستحكم مني في جانبك - أعزك الله - دون سبب أحكمه، وأرب قضى لما عن فأبرمه، ولكن فطرة في الميلاد، وحكمة من خلاق العباد، خفيت عن أذهان منا حداد، وضرب بيننا وبين سرها المكتوم بسد بل بعدة أسداد، فمنا - معشر الإنس - من يجيب المار الأجنبي لسلامه، ويبغض البار الحفي من أخواله وأعمامه، وربما زاد سوء المقدار، في
стр. 1272
ذميم هذا الاختيار، فهجر أحد أبويه أو كليهما، وقد علم أن طلب الجنة تحت قدميها، ففضله النوع البهيمي بقفو أثر مرضعه، وقد غني عن رضاعها، وزاد على خطوة باعها، وتبرأ منه الجنس الإنسي بموجب عقله، ومقتضى دليلي برهانه عن الله تعالى ونقله، فلا هو من البشر في شكر المحسن إليه، ولا من البقر في إلف القائم ولا من الشجر، بل هو أقسى من الحجر، ﴿وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾ (البقرة: ٧٤) فيكون بإذن الله موردا، وتلطف منه الأجزاء فيكحل إثمدا.
وقد لعمري منيت بهذا النوع من الولد، وكمدت به أبرح كمد، واشتغال نفسي بقسوه، بعد حنوه، وببعده بعد طول دنوه، مزج شكيتي، بالبسط لأمنيتي، حتى هرفت بما لم أعقد عليه نيتي، ولا قصدته في هذا المقام برويتي: كالهارف: " اصبحوا الركب أغبقوا الركب "، والهارفة: " زوجوني زوجوني ".
إن اللسان على الفؤاد دليل ... والله يحسن فيه العزاء حيا، ويطوي بيد السلو نهجي بهذه الشكاية طيا، حتى أنساه، ولا أعرفه حين أراه، وفراستي في سواه، أصدق من نار الفرس في الصدق، وأبصر في ظلمة الاشتباه من طالع الأفق.
стр. 1273
وفي فصل منها: وإذا اتفق من المشاكلة ما صدرنا الكتاب به، المماثلة ما قد ائتلفت نفوسنا بسببه - وهي كما قال ﵇: " أجناد مجندة " - فمن حقنا أن نأتلف ولا نختلف، ونتعاون أعضاء وآراء، وأقوالا وأفعالا، ونطيب نفوسنا، ونستوي في حسن العشرة أقداما ورؤوسا، فنصرف على الأيام جمال أنبائها، ونرتسم في جريدة وفائها، ونتسربل من الحمد لبوسا، ونقمع من استيلاء الذم معرة وبوسا.
ومن أخرى: من طال - أعزك الله - أمد ارتياده، ودوم به جناح جده واجتهاده، في طلب كريم الأخلاق، ثم قدر له به تلاق، فما أحراه وقد وجده، أن يشد على علق منه يده، حتى إذا اعتمد اختياره، وأحمد في كل الضرائب آثاره، شد عليه بالعشر، وسجد له سجدة الشكر، وصان منه بعد تميمة تاج، وفارج رتاج، فأسكنه في جفن ناظر كريم، وربأ به عن جفن متحذ من الأديم.
وأنت حقيقة ذلك العلق الشريف المشدود عليه، ومجازا شبه العضب المشرفي المشار إليه، من أحرزك أغنيته، أو هزك شفيته، أو استكفاك خطبا مستليما كفيته، ولتناهي ودادي فيك، وتشيعي الشائع لمعاليك، أقتصر معك على لقية في العام، وأعتمدها في سني الإنعام.
стр. 1274
وفي فصل منها: وإنما يثابر على عمارة ما غرس، ويترجح في الإقامة على ما أسس، من استراب بخبث التربة التي احتلها بغرسه، واختطها لوقاية نفسه، وأما من أحمد ثراه، فقد طابت يقظته وكراه؛ على أن لقاء سيدي ومشافهته، ومحادثته ومفاكهته، كان أحب إلي، وأمتع لمسمعي، وأجلب لقرة عيني، ولكني مشغول بيومي، مدفوع إلى تقويت قومي:
" أحارب خيلا من فوارسها الدهر " ... ولا عدة إلا التجلد والصبر قد عدت أعرى من نواة، وكنت أكسى من قطاة، فإذا لقيت ذا هيئة خجلت خجل بخراء [٦٦ ب] اضطرت إلى سرار، وفوهاء همت بافترار، ووزير بل أمير دفع بعد ركوب الفاره إلى ركوب حمار.
ومن أخرى: ربما كان من الالطاف ما لا سبب له، إلا تنفيق كتب كاسدة، وتسويق سلع فاسدة، لا أن الملطف أحوج بسوء عشرة إلى تقويم، أو غلظ قشرة إلى ترقيق أديم، ولا أن الشيء المهدى يسمن ولا يغني من جوع، فيمنع بالفرح له أو الترح عليه عينا من الهجوع
стр. 1275
لا هم إلا أن يكون طلوع ذلك الشيء النزر، من ودود بر، أو مودود رفيع القدر، فهو أوفر ما يقني، وأبعد ما يتمنى.
وفي فصل منها: فالمودات، ما خلت من تهاد مكررة، كطبيخ خلا من اللحم يدعى مزورة، والمهدى بين يدي هذه الأحرف عدد كذا من سفرجل، وتصحيفه عندي سفرجل، وإذا سفر عن ثغره جل، فالظفر بطارق الهم مجل، يشبه صور العذارى ضمخت بالعبير، وثديهن بالتقييس والتقدير، كأنما لبست من الحرير سرقا، أو شكت بألوانها وجدا قد برح بها وأرقا، بل كأنما سرقت الثدي طوابع مسك أحم، ضمت عليه جوانحها إذ خافت الذم، أقداح غرب، علت بماء ذهب، طبع من العنبر نواها، وناب عن شذاها الفائح للشرب ساطع شذاها، وربما
стр. 1276
فضلت شهي التفاح، وفتكت بأدواء المعد فتكة السفاح، وإن فاكهة تشبه الثدي، وتشرك في بعض صفاتها الهدي، لجديرة بأن يحفظها عناقا، ولا يعدل بالواحدة منها عناقا، بل يجعل فدية قضمها أن تشد وثاقا، وتضرب أعناقا. وإن محلك من نفسي لخصيب جناب الصفاء، نقي جلباب الوفاء، فصيح طير الثناء، نصيح جيب الصناعة والولاء، ودادا لا يبلغ مداه، ولا توبس هواجر البعد ثراه، والله يلحفه من التمهيد ظلالا، ويزيد يانع روضة نضرة وجمالا، حتى لا تكرى عيون أزهاره، ولا تعيا ألسنة أطياره، ولا يعرى من ورق عوده، ولا تخشى من حل نظام عقوده.
وفي فصل: وعذب شيم، لو أنطقها الله لقالت: معشر الأنيس على شفا، لن تجدوا في غيري مرتشفا، فردوا نميرا سائغا، وتفيأوا ظلا سابغا.
وغرضت عليه رسالة أبي عمر الباجي وأبي القاسم بن الجد المتقدمين في صفة المطر بعد القحط، فعارضهما برقعة قال فيها:
ولله جلت عظمته أوامر تحيل المنيرة عن طابعها، وتسلب من حصى المعزاء فضل شعاعها، وترد في خلف تمريه حلب ارضاعها، لا
стр. 1277
تلحق بسوابق الرهان، في ميادين الأذهان، ولا تدرك بقداح القمار، من معليات الأبصار، تطلع المنح من ثنيات المحن، وتخول العاجز الزمن، منفسات الزمن، وقد تذهب بما تهب، وتغير على ما به تغير، حكمة بهرت حقيقتها زواهر الأفكار، وغمرت دقيقتها زواخر بحار الاعتبار، له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر؛ وإن أحق النعم بشكر لا تنضب مدوده، وحمد تتجاوز حد المعهود حدوده، نعمى أحيت بالسقيا أرضا مواتا، وأنشرت بدر الحيا أملا رفاتا؛ وقد غبط طير الماء ضباب اليهماء، وحجب كاسف الرجاء نيرات النعماء، وشابت مفارق الرياض، وغاضت مفعمات الحياض، واقشعرت الربى، وحل نبت الحاجر عقد الحبا، وباتت أزهار الغيطان، عليلات الأجفان، تستقي نجوم السماء، وتتوسل بالشبه إلى ذوات الأنواء، فعندما أمست البسيطة على شفا، وأجبل المحتفر ولم يجد مرتشفا، أرسل الله تلك النعمة، بين يدي الرحمة، ريحا لينة هبوب النسيم، في الروض الهشيم، شديدة حفز الغمائم، لتدارك ما في الكمائم، فنسجت بإذنه ملاءها، ورمت أمراسها ودلاءها، فلما لمت قزعها، ووصلت بقدرة الخلاق قطعها، سفحت عيون تلك النجوم، بمكفهر الغيوم، رحمة لعليل النبات، ورقة لأليل المهجات، فنمنم وشي التلاع، بيد لطيفة [٦٧ أ] صناع، ورصع
стр. 1278
تيجان الأكام، بنطف الغمائم السجام، فاهتزت القطارية لذلك القطار، واشتملت على محسنها من الأوطار، وضحك ثغر الروض بعد عبوس، ونقل إلى سعة الرحمة من ضنك البوس، وسحبت فواهق الأنهار مذانبها، ونشرت عرائس الأزهار ذوائبها، ناظمة من لآلئ الطل عقودها، مالئة لبتها من جوهره الرائق وجيدها، تفوح مجامر أزهارها، وتلوح خفيات خفيات أسرارها، في مرائي أنوارها، فترمي الذاهل برياها، وتحيي النائم وما حياها، مؤذنة بادراكها، على لسان مسكها في ساحة مداكها، وقام من مترنم الأطيار، على منابر الأشجار، خطيب يتلو ما جر من الثناء، على سابغ النعماء، وسائغ رحيق الآلاء. فيا لها نعمة ما أحسن موقعها، ورحمة ما ألطف محلها، من النفوس وموضعها، لقد بردت حر الأكباد، وشفت غليل القلوب الصواد، وفديت بنفائس النفوس والأولاد، نفست خناق الآمال، وحلت عقال الإقبال، وكادت تجري الأرواح في الرمم البوالي والحمد كما لله حض عليه منتهى الحمد، ومبلغ الوسع والجهد، وما لا يحصره العد، وما شاء تعالى من شيء بعد.
стр. 1279
ووصف له أحد إخوانه امرأة ومدحها وحضه على أن ينكحها، وكان لذلك الصديق امرأة سوادء، فكتب إليه ابن عبد الغفور:
بينما كنت ناظرا في المرآة من شعر أحم، ورأس أجم، لا أخاف معه الذم، إذ تقدم رسولك إلي، يخطب بنت فلان علي، ويرغب منها في سعة مال، وبراعة جمال، ويقسم أنها لبرة بالزوج بالزوج بريكة، لا تحوجه عند النوم إلى أريكة، ولو يسرت - وعياذا بالله - لهذا النكاح، لرزقت قبل الولد منها آلة النطاح، ولا حاجة لي بعد الدعة والسكون، إلى حرب زبون، وقراع بالقرون، ولو حملت إلي تاج كسرى وكنوز قارون. فاطلب لهذه السلعة المباركة مشتريا غيري، ولا تسوقها ولا في النوم على أيري، وابتعها ولو بأرفع الأثمان لنفسك، وأضف عاجها النفيس إلى أبنوس عرسك، ولا عذر لها في النشوز والإعراض، فإنما حسن السواد الحالك بالبياض، والله يمدك بقرنين قبل الحين، ويصنع لك صنعين وبيلين، فيسقطك بهذا النكاح الثاني كما أسقطك بالأول لليدين.
стр. 1280
ومن أخرى: بلغني من ثناء الوزير الجليل، النقاب العلامة النبيل، سيدي وسيد أهل مصره، بل وقته وأعصار خالية قبل عصره، ما فغم أنوف النجوم، وأرغم معطس حاسدي بمذلة الوجوم، وإنما يثني من رهين شكره، ومعظم شأنه الرفيع وقدره، على سهم ذربه، أو شهم قد دربه، أو تلميذ أدبه وعلمه، فكان له الفضل الأكمل بأن كلمه، فكأنه - أعزه الله، بحكم جلاله - أمير شهد لنفسه فتوقف بين حد القبول، وبين ما في رد شهادته من خوف الخبول، وهبه من كلم مكلوم الهاجس، مكدوم السيات والمعاجس، قد صحت فيه الدعوى لصاحب، ومحت الشبهة في سبقه بأوضح لاحب، أي خلل سد، وأي سلب استرد، لا بل أي خطب درأ، ووطب ملأ -! فإذ قد اعترض على ما قد انحل من الإحسان، مقدور الحرمان، فإذا في حيرتي به حسرتي، وفي الفقرة الطالعة فاقرتي، وفي حطي لها حظي، ولا فائدة لهذه الأسجاع، سوى تحيرك أشجان وتوليد أوجاع، فإن رأى - أعزه الله - أن أنبذها بالعراء، وأطلق منها داعية الضراء، فقد وافق إرادتي، واختار لي أجدى من مكذوب إجادتي، والله يقدر الوزير الجليل - سيدي وسيد أهل عصره - حتى يشكي من شكا، كما لم يزل يرق لمن بكى، ويصيخ للمكروب إذا شكا، بعزته.
стр. 1281
وكان الوزير أبو الحسين بن سراج قد خاطب بعض أهل العصر برقعة يشفع لرجل يعرف بالزريزير يقول في فصل منها:
كتبت أحرفي هذه، والود صقيل الوذائل، مطلول الخمائل، جميل البكر [٦٧ ب] والأصائل، والله تعالى يزيد أزهاره وضوحا وأطياره صدوحا، وظباءه تيامنا وسنوحا، بمنه.
ويصل به - وصل الله علوك، وكبت عدوك - شخص من الطيور يعرف بالزريزير، أقام لدينا أيام التحسير، وزمان التبلغ بالشكير، فلما وافى ريشه، ونبت بأفراخه عشوشه، أزمع عنا فطوعا، وعلى ذلك الأفق اللدن تدليا ووقوعا، رجاء أن يلقى في تلك البساتين معمرا، وعلى تلك الغصون حبا وثمرا، وأنت بجميل تأتيك، وكرم معاليك تصنع له هنالك وكونا، وتستمع من نغم شكره على ذلك أغاريد ولحونا، دون أن يلتقط في فنائك حبة، أو يسترط من مائك غبة:
وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله وانتهت هذه الرقعة إلى الوزير أبي القاسم ابن الجد فعارضها برسالة قال فيها:
стр. 1282
حسنت لك يا سيدي أبا الحسين ضرائب الأيام، وتشوفت نحوك غرائب الكلام، واهتزت لمكاتبتك أعطاف الأقلام، وجادت على محلك ألطاف الغمام، وأشادت بفضلك ونبلك أصناف الأنام، فإن كان روض العهد - أعزك الله - لم يصبه من تعهدنا طل ولا وابل، ولا سجعت على أيكه ورق الوفاء ولا بلابل، فإن أزهاره على شرب الصفاء نابتة، وأشجاره في ترب الوفاء راسخة ثابتة، وقد آن الآن لعقم شجره أن تطلع من الثمر ألونا، ولعجم طيره أن تسمع من النغم ألحانا، بما سقط إلي، ووقع علي، من طائر شهي الصفير، مبني الاسم على التصغير، فإنه رجع بذكرك حنينا، وابتدع في نوبة شكرك تلحينا، وحرك من شوقي إليك سكونا، ودمث في قلبي لودك وكونا، ثم أسمعني أثناء ترنمه كلاما وصف به نفسه، لو تغنت به الورقاء، لأذنت له العنقاء، أو ناح بمثله الحمام، لبكى لشجوه الغمام، أو سمعه قيس بن عاصم في ناديه، وبين أعاديه، لحل الزمع حباه، واسترد الطرب صباه، فتلقيت فضل صاحبه بالتسليم، واعترفت بسبقه اعتراف الخبير العليم.
وبعد فإني أعود إلى ذكر ذلك الحيوان الغريد، والشطيان المريد فأقول: لئن سمي بالزريزير، لقد صغر للتكبير، كما قيل " حريقيص "، وسقطه
стр. 1283
يحرق الحرج، و " دويهية " وهي تلتهم الأرواح والمهج؛ ومعلوم أن هذا الطائر الصافر يفوق جميع الطيور في فهم التلقين، وحسن اليقين، فإذا علم الكلام لهج بالتسبيح، ولم ينطلق لسانه بالقبيح، ثم تراه يقوم كالنصيح، ويدعو إلى الخير بلسان فصيح، فمن أحب الاتعاظ، لقي منه قس إياد بعكاظ، أو مال إلى سماع البسيط والنشيد، وجد عنده نخب الموصلي للرشيد، فطورا يبكيك بأشجى من مراثي أربد، وحينا يسليك بأحلى من أغاني معبد، فسبحان من جعله هاديا خطيبا، وشاديا مطربا مطيبا.
ولما طار ببلاد الغرب ووقع، وزقا في أكنافها وصقع، وعاين ما اتفق فيها هذا العام من عدم الزيتون، في تلك البطون والمتون، أزمع عنها فرارا، ولم يجد بها قرارا، لأن هذا الثمر بهذا الأفق هو قوام معاشه، وملاك انتعاشه، إليه يقطع، وعليه يقع، كما يقع على العسل الذباب، وتقطع إلى العراد الضباب، فاستخفه هائج التذكار، نحو تلك الأوكار، حيث يكتسي ريشه حريرا، ويحتشي جوفه بريرا، ويحتسي قراحا
стр. 1284
نميرا، ويغتدي على رهطه أميرا. فخذه إليك، نازلا لديك، ماثلا بين يديك، يترنم بالثناء، ترنم الذباب في الروضة الغناء، وقد هز قوادم الجناح، لعادة الاستمناح، وحبر من لمع الأسجاع، ما يصلح للانتجاع، واثقا بأن ذلك القطر الناضر ستنفحه حدائقه، ولا تلفحه ودائقه، لا سيما وفضلك دليله إلى ترع رياضه، وفرض حياضه، مع أنه لا يعدم في جنابك حبا نثيرا، وخصبا كثيرا، وعشا وثيرا: [٦٨ أ] :
فإذا ما أراد كنت رشاء ... وإذا ما أراد كنت قليبا والله تعالى يكفيه، فيما ينويه، شر الجوارح، ويقيه شؤم الجابه والبارح، بمنه.
وبعد هذا الهزل العجاب، جد كالظلام المنجاب، وبروز صفحة الشمس من الحجاب، أخطب به من رسائلك بكرا، أجعل نقدها شكرا، وأبذل بها لها من ودي مهرا، وأمتع بها لحظي دهرا، فإن فرجت لحظتي بابا، ووصلت في مواصلتي أسبابا، جددت للعهد شبابا، واستوجب من الحمد محضا لبابا. واقرأ على سيدي سلاما أعطر من مسك دارين، وأكثر من رمل يبرين، يحييه مع العشي شروقا، ومع النجم طروقا، والسلام المعاد الموصول، ما عضدت الفروع الأصول، وألفت الجفون النصول، على سيدي، ورحمة الله.
стр. 1285
وله من أخرى: إن عجبا بر الوزير بالزعانف والزرازير، وحظره على قلب يكاد من الشوق إليه يطير، ومن الظمأ يتشكى قطعا ويستطير، وإنه مع عرضه على نار الجفاء غدوا، ونبو مضجع الاحتفاء به هدوا، ووصمة التقصير في جزائه، وممارسة، جرع أرزائه واختزائه، إن لهج فبذكره، أو هزج فبأفانين شكره؛ فكيف به لو ضاحك من خفي بره فرض شؤبوب شنان، غمر بذوب عزاليه نوع الإنسان -!
ثم نبدأ من شأن الحيوان بزرزور، لا يعرف حقا من زور، مشهور في الطير بالضرع، كثير العادية قليل الورع، كأنما رهطه عبيد للبلابل، ولغطه وقع الحصى المتقابل، وفي غيره من ذوات الريش، النازحة بكل ضراء وعريش، أنجب منه على اللغن، وأحسن تصريف لسان وذقن، كببغا لا تلعثم في عويص اللغى، وشفنين، يثير اللوعة بالرنين، كأنما عاسرته عند التلقين الراء، وداخله بعد الظفر بها امتراء، فاستظهرها بالنكير، استظهار قين بكير، وبهمة في المصاع بكرير؛ وورق كالقيان، خضبت أرجلها بالعقيان، فوارت لآلئ في الأجياد، وزبرجدا أنعلت به حوافر الأجياد، تستتر بورق الغصون، وتشهر بحرق الوجد
стр. 1286
المصون، ويصقع مشتاقها كالخطيب، ويقع على قاس من الأيك ورطيب، فيلين لشجوه ويميد، ويكاد يذوب له العميد؛ ورب عصفور، صفر لذات سفور، فحكت نقر الزير، وبعثت العين على الدمع الغزير، وبلبل حرك بلابل واقدات، وشك القلوب بمعابل نافذات، وكائن من غرد، حران قلب أو صرد، يفوت مدى العد، ويملأ ديار معد، ولو تقصينا لما أحصينا، ونضب عد الكلام على ثرارته، وعصب ريق الأقلام على غزارته، فلتسهب بما تشهد لفضله رجاح الألباب، ولتغرب من مدارك ثمره بلباب اللباب، حتى تبر على الغريض، بنسق كالاغريض، وتدل بسر التعريض، على سر الأضرب والأعاريض، على أني قد تحوميت وما نوغيت، أي كأني من الحقارة ألغيت، ولا نعيم لعين الوهم وقد وضحت شاكلة اليقين للمتوهم، وسأطفل على السمع، وأبذل مذخور الدمع، فأبث شجونا، وأنبذ النواة مجونا، فلا أرق البهارة، ولا أخفض الجهارة، ولا أصف أزاهر، ولا أنعت القمر الزاهر، بل أندب ربوعا، وأحرز العمر أسبوعا:
стр. 1287
وأبكي على فقد الدراهم إذ لها ... أبا قاسم غيري من الناس يكرم وما سلف للأدب مع الذهب إخاء، ولا هاله منه انتخاء، هذا خالد موجود، لا يلحق جوهره بيود، وذلك قد راب منه الشحوب، وأخلق ذيل عمره المسحوب، فيا لمياه أسجاع هذا النقاب تطرد لغير حائم، ولأجناء ثمر منها مع ذوات الثقاب تتهدل على غير طاعم، ولعرائس نورها تضاحك ثغرا عابسا، وتستدر جلمدا يابسا، تبرج وليس من فعل النوار، وتأرج لأنف لا يعرف فضل الصوار، وتعاظم على أكفائها، وتسرع إلى ما دون الحضيض لانكفائها، وحسبك من نهودها ليهودها، وشرودها تعثر في أذيال برودها، فعلة والله ينكرها الشرف، وينبل عنها المنصرف، فلتحدث العلياء منها متاباً، ولتكتف بقرع هذه العصا عتاباً. فشد ما منحت البر عقوقاً، ومنعت التشيع لها حقوقاً.
طالعت - أعزك الله - بهذه الشكاية مستريحاً، ومثلت لها قلباً قريحاً، وهو بحكم جلالها يودعها من الكتمان ضريحاً، ويرضعها من أخلاف التجاوز محضاً صريحاً، فيسره الله لبر حر، وجعله بنجوة من كل ضر.
وله من رقعة شفاعة للزريزير المذكور: لله قطر باهي بك على الأقطار، واستغنى بخضل ظلك عن صوب القطار، أذكر نعيم الجنان بنضرته، وسكن نافر الجنان، بلألاء زهرته، أي محسب أنيس وطير، ومائحٍ
стр. 1288
من النعم زخارٍ من الخير، وآها لقاطعٍ، قطع به مع الفجر الساطع، وبحي خلص من بحرٍ لجي، فاهتاج طرب الجذل النجي، لهفاً يعثر في البيت على الجني، سبح فقبح للشرب الصبح، وصدح فقدح لهم من نار الغي ما قدح، ولربما نطق بالتوحيد، ويحيد عن سجدة الشكر كل محيد، ويهزج ويسنح، وإلى رهطين من الطير يجنح، مرهوب الصقع في الديار، ومحبوب السجع بأعالي الأشجار، يمتع بشتى أفانين، ويخجل البلابل والشفانين.
وفي فصل منها: حتى اشتد منه الفقار، واسود فرعه والمنقار، ولم يكن به العول افتقار، فنهض وكسب، وأعرب عن نجرته وانتسب، وأخذ بالطباع في التوليد، وصدح غرداً ببيت الوليد، إلا ما غير منه وأحال، ولا يعرف الممكن ولا المحال:
لك الله عشاً ليلاً بأفرخٍ ... بعلياء فرع الأثلة المتهدل فيا للعجب العجيب، ولسان هذا الزرزور النجيب، أنطقه فضل الوزير بلسانٍ، نقله من نوع الزرازير إلى نوع الانسان، فشكر وشعر
стр. 1289
حتى غلا مرجل أشره استعر، وأخذ عن وكنه في الرحيل، وباع مبرماً من العيش بسحيل، فرشق السماح من جسمه بسهم، وسبق الرياح عن عزمه بمثل الوهم، فما احتل من الجانب الغربي شرقاً، حتى اعتقد إلى الجناب المرضي منصرفاً، وشغل عن النظر في عطفيه، بالنظر في أسرار كفيه، يا له من عازم، خوافي عادت باللائمة على القوادم، يتمنى لغرغرته بالندم، أن يخضب من أوداجه بدم، لأنه سقط من شجر زيتونه، بعقم بطونه، في هذا العام ومنونه، على خاليات من المير، موحشاتٍ مثل جوف العير. ولما نشر جناحاً للإياب وخفت، وتنفس الصعداء والتفت، أشفقت منه لغريب غربيب، وصعدت فيه وصوبت نظر المستثيب، فشفعت له بهذا الكتاب، يقيه من السيد الأوحد حر العتاب، وقد تقلده تميمةً تكفيه اختطاف الجوارح في الهواء، وتثنيه عن إطاعة البوارح في الالتواء، وهو بمجده الصميم، وبره العميم، يشفع ويرفع ويسوغه قراحاً وقرواحاً، ليمرح في هذه مراحاً، وينال من هذه الربى مغدىً ومراحاً، ولو اقتصر من مذنب على مقتضى المتاب، لغني عند سيده عن شفاعة الكتاب.
وفي فصل منها: ولو صرفت فيها الأنفاس كلاماً، والأشجار أقلاماً
стр. 1290
والبسيطة قرطاسا، والدجنة أنفاسا، لرأيتني مقصرا لم أبلغ ما أريد، وكنت أسأل عونا واستزيد، وبودي لتناهي المحبة والولاء، واعترافي بالأيادي الجسيمة والآلاء، لو أضحي مكان كتابي، فاسعد بالوفود عليه، وأخترم من حيف الزمن الغشوم بالمثول بين يديه، ولكنه قد حيل بين عبده لبائس وبين مراده، وشغل بقوت يومه لنفسه الشقية وأولاده، فتأخر عن حضرته السنية تأخر الكسير، ونظر إلى سنا حوزته البهية نظر الأسير.
وله من أخرى: مثلك من لم يعدل [به] شح التجارة، عن كرم الوزارة، ولا شره المكسب، عن شرف المنتسب، فرأى الخطير بعين نزاهة نفسه حقيرا، والجليل [٦٩ أ] بحكم جلالة منتسبه فتيلا؛ ولم أوقظك بهذا التنبيه من سنة، ولا نفسي عن إباء المنية بالعاجزة الزمنة، وقد أوفيت رسولك الميزان حتى رضي، وإنه لمحض النصيحة فليحظ عندك فيمن حظي، بصرنا الله الرشد فيمن بصره، وحبب إلينا تجنب ما مقته من الشح وحظره.
وفي فصل من أخرى: ورد لسيدي أي كتاب، بل أي قطف من ثمرات الألباب، حيا به على البعاد، وبرد غلة قلوب صواد، فهجرنا له الزلال، وحسبناه السلسبيل الحلال، ودر دره من كاتب أقسم بالطور، لقيد عيني بشطور، تشوقا إلى بهجة تلك السطور، وفيها من شغف بها أقول:
стр. 1291
سطور أفادت كل خال بوجنة ... كما خطفت منها لماها المباسم سحبت ذيلا على بلاغة سحبان، وسرت ليلا فيا فوح ما بين قرطبة وبينه أن ييبس، لما ناضلت فائز كلمه بمعراض، ولا ضاهيت جواهره الخالدة بأعراض، والله يصله في الأحفاد، ويحرسه في حوادث الآباد، ويعمر ببشره بشرة الجماد، ويعلم به مجاهل الأجياد.
وفي فصل منها: شفع الله تلك الغزوة الميمونة بغزوات، وكتب لنا في ساحات أعدائه عدة مواطئ وعدوات، حتى يحرز أسيرا ذا التاج، ويفرج عن شخصه مغلق الرتاج، ونؤوب بغير رضى الكندي، بل على وصف النابغة سمي الجعدي، راضين عن كل عقيلة، نيرة أسرة القسمات صقيلة، كريمة مثل الديمة، تذري دمعا على الأجفان، وتخفي ترائب كترائب الجفان، صقلت بالنعيم، وصافح عنهن الصفيح كل بطريق زعيم، إن اصطفيت لم تجئ بفسل، وتنجب بإذن الله النسل، كعلي بن الحسين وسالم، والمعتصم المشهور العين في المكارم، وغيرهم
стр. 1292
من أمير وخليفة، وذي منزلة في الفضل منيفة، ورب فخور مختال، يدفع في هذا ببيت القتال:
- أما الإماء فلا يدعونني ولدا ... إذ ترامى بنو الإموان بالعار وليس كما زعم، من عار، لابس ثوب الكبر المستعار:
لا تزرين بفتى من أن تكون له ... أم من الروم أو سوداء دعجاء
فإنما أمهات الناس أوعية ... مستودعات وللأبناء آباء ما كل الحرائر، ببريات من الجرائر، ولا كل الإماء بمخلات في الانتماء، وإني مع ذلك لأتوفر على الرهط، ولا أرغب في رقي عنه ولا هبط، وأنشد:
إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها والله يصرف المعترضات دون الواجبات، ويسمع عنا الخير في المحيا والممات.
стр. 1293
وفي فصل: وما زلت معتزيا إلى أدبه ونسبه، منفقا من غرب كلمه الرائق وذهبه، مقرا بفضله، معترفا بتبريز خصله، مرتسما في جريدة من أدبه ودربه، وأرهفه وذربه، ولقنه وعلمه، وكان له الفضل الأكمل بأن كلمه: فليصل مني ولدا ثانيا " وليجبر كسيرا وانيا، وليأس بالكلام العذب، بل اللؤلؤ الرطب، كلما داميا، أصاب والعذار مبقل، وما أجلب والشيب علي مشتمل. وليمن على وليه، وغذي وسميه، برقعة يضمنها وجه الحيلة، في مداخلة تلك الدولة الجليلة، أيد الله سلطانها، ووطد أركانها، ليبني على ما أسس، ويجتني من ثمر النجاح ما رشح وغرس.
وله من أخرى: ما ظنه بعليل ذلة وقلة، وهما أشد مرض وعلة، علم داؤه ودواؤه، وتعذر برؤه وشفاؤه، وقد أوجب النظر الطبي والقياس الصناعي إذا علم الداء ووجد الدواء، ولم تعترض منية أن يكون الشفاء، فهو بحكم وصبه، وتقطع أسباب الفرج به، أنزق من فحل مخفور، أو ذئب محصور، قد ثقل على ذويه، وأبغضه محبه
стр. 1294
فضلاً عن مجتويه، ولم ألهج بذكر قلةٍ على الإطلاق، ولا خشيت مع القنوع من إملاق، فأنا رأس الأغنياء، وعندي من كيميائه فوق الكيمياء، وفي ذلك قلت: [٦٩ب]
عيرتني بفقار عاطلٍ ... حليت جداً بدمعٍ سجما
بفمي عزة نفسٍ لكتها ... ملأت مني بطناً وفما وجعلت مدة باب صلت بكتبه، ضراً من النظر لقلبه، ولقلبي المنقطع القرين، في حبه، إذ كنت لا أخلي أجوبتها من صحيح الشكاة، ولا أقتصر على ما عنده من سقيم الحكاة، فأكون قد صدعت صميمه بتعديدٍ ألقاه، وبت غريمه بما عسى أن يتكلفه من السعي ويتولاه.
وله من أخرى: جائز ف حكم الثقة بقدر الله أن ترجى الممتنعات، وتترقب بطلوعها الساعات، مع استيلاء اليأس على انفس، كعقد هذا البيع، الذي عقد الصيف بالربيع، فكأنما وقف الزمان فلا جزؤه الواقع وقع، وماضيه انقطع، ومنتظره اطلع، وإنما هو جزء دائم، ونفوس على الورد حوائم، وعهدي بعزة الفقيه مطلع بشائر، فلا يذكر المثل السائر:
وحتى يؤوب القارظان كلاهما ... وينشر في الموتى كليب لوائل
стр. 1295
وفي فصل من أخرى: سألت الفقيه - أعزه الله - حاجة منذ عامين، وأخرى مذ شهرين، ولم تكونا بكبيرتين، وفي كليهما نفض من ودي اليدين، فليت شعري على أي ود بعد ودي يشدهما، أو إلى أي عقد مثل وثيق عقدي مدهما، تالله ليدفعن من بني الأيام، إلى لئام غر كرام، أغر من السراب، وأغدر من الذئاب، وأعق من الضباب، وأوهى حبلاً من مضمحل الضباب، وسأسأله ثالثةً والثالثة الصادقة، فإن قضاها شكرته ما ذرت شارقة، وإن أباها فخيل عتابي إليه سارية طارقة.
وفي فصل من أخرى: أنا في فرط بري بالوزير الجليل - صنع الله له كل صنع جميل - إذا رماني ببهي شخصه الطريق، عصب من استحيائه بفي الريق، فلم أكد في التسليم عليه أبين، وجعلت معترضات حاجاتي إليه تفرق وتبين، حتى كأني ما بت لها أرقا، ولا طويت بها كشحا محترفا. وكيف لا أستحييه - أعزه الله - وإنما ألقاه باسط راحة، أو سائل إراحة - ولولا بشر له يؤنس، وتهلل من وصمة الود يعصم ويؤيس، لما انبسطت عليه في أمر، ولو مسني مهمه بألذع من جمر، وكنت قد أعددت لسعة كرمه أربع حوائج، ولعلها عند حرصه على الفضل أربع نتائج، سلاهيب او مرابيع، أشباهها للجري ينابيع، ونأمت بعد بهذا المنظوم وجعا، وإن كنت متصرفا لا مضطجعا، ولو سريت من
стр. 1296
الصحة بدليل، لاهتديت إلى ما يليق بقدره السامي الجليل.
ومن أخرى: فما ظنه بأمد يوم يشيب الوليد، ويستخف الحليم الجليد، ولعمري لئن الوالدان من جهة شيبا، ليردن الشيخ اليفن من أخرى قشيبا.
ومن المنظوم الذي ذكر فيها:
يا حبذا قصد الوزي ... ر وإن تكلف في الهجير
ذكري له ظل يرف ... وبشره ماء نمير
نفسي الفداء لنفسه ... من كل دائرة تدور
شهم حوى قصب العلا ... دون الورى ببها وخير
وأقامها بيراعة ... أمضى من السيف الطرير
يهني الأمير حصوله ... منه على العلق الخطير
فعليه واقية ترد ... قنا اللهاذم تستطير
يا سامياً وهو الصغي ... ر بعزمة الرجل الكبير
مهلاً فضحت معاشراً ... خانوا الأمانة في الدهور
وبنيت ما هدموا فهل ... خجلوا لذلك في القبور
стр. 1297
وعليك من كلف بما ... يسديه رأيك أو ينير
عدد النجوم تحيةً ... ولربما قل الكثير وله من أخرى: يا سيدي الذي به أفاخر الشرفاء، وأكاثر منهم العدد الجم واللفاء، فمن أنوف تسعط بالرغام، ومن ألوف تسقط كحروف الإدغام، بلغني من ثنائك علي ما به أهرف، وبالتقصير في جميعه أعترف، ما يزيد منه [٧٠أ] النشر على مسك دارين، ويقل عليه الشكر عدد رمل يبرين. لله فضل نزه ذلك المنطق الشرف عن القدح، واستعمله فيما استولى عليه الشح، من التقريظ والمدح، لقد ألبسني من السرور بتكرمه أضفي جلباب، وكاد يطفئ المشيب في تضرمه بكرماء الشباب، لم تدنه الفضائل من الحسد، فشهدنا له فيها بقوة المسد، ولولا أن أكون مادح نفسه لقلت: شتان بين منصف ومتعسف، وطالع من بين الكلام ومنكسف؛ وقد لعمري كنت مضطراً، وكدت أحكم لنفسي على معاصريها طرا، وذلك بحكم معاشرة قوم، يستعذبون في جنب الغص من كلمي مر عض اللوم، أيقاظ هم أم رقود - أم ليس بين الشبه والذهب نقود - فيا مطلعي بقرة عين، لا منصفي لتعين دين، در در علائك حتى تصبح لك الجوزاء داراً، وتسحب بها البدر إزاراً، وتعقد
стр. 1298
عليك الشمس أزراراً، فتفوق محلاً وتهول مقداراً.
وأنفذته من كتاب، غب قصد الخجل المرتاب، بنفسي فاديته، لينظر حين مشافهته، كيف عمل آلاتها، في شكر موالاتها، فكان من الشقاء، ما تعذر من محبوب اللقاء؛ وحملته المتطبب أبا فلان، كريمة رهطه، النابه الذكر في أعلام سبطه، زعيم يهود، المسود فيهم المسود، بحكم التوقف عن الملة الحنيفية، والتردد في المذاهب الأحبارية، وطويته على كلم جاش به صدر مكلوم، وهاجس بمقارعة أقران الهموم، مصدوع مثلوم، وأريد تحقق كيفية حسنه، بالنظر في مرآة ذهنه الصقيلة، وتعلم كمية وزنه، بسجية إربه الراجحة الثقيلة، فإن كلفت بعد هذا به العيون، ولم يشل منه الجرم الموزون، فبيمن الاقتداء به، والاهتداء بنجم أدبه، لا زال علماً نهتدي بمناره، ونعشو إلى ضوء ناره، والسلام عليه ما تلألأت الفور، وصر العصفور، تحيةً تزاحمها في سمعه تحيات السعود، وتملأ رحب ربعه بإنجاز مودود منها وموعد.
وله من أخرى: أطال الله بقاء الفقيه الجليل ما زخرت أودية الكلام، وانتشرت أردية الغمام، وصرت في القراطيس الأقلام، وسرت إلى النائمين الأحلام، ولو علمت مزيداً له في البقاء، ومحلاً فوق أرفع الكواكب
стр. 1299
في الارتقاء، سألته ضارعاً إلى الخالق، ولو قرنت الإجابة فيه بالتردي من حالق، بادرت ذلك غير رعديد، وأقدمت منه على الخطب الشديد، والله ينير منار الأيام، وينسخ بإثبات عينه آثار اللثام. وإن العاقل والمتعاقل لينضج بصبابة صبره، حر لاعج الهم المعترض في صدره، فربما أدنى له ذلك نازح منى، وأثمر أحلى من ضرب العسل جنى؛ وقد آثرت هذا النوع من المعاشرة، وانتبذت بحمد الله من كل نزق ومعاسرة، مشبهاً بهما وإن كنت عن توقيهما بمعزل، كما ألفيت الجمجمة البيضاء ثالثة أثافي المنزل، فدعيت أثفيةً، وكم باتت بطارقها المستطعم حفية، فصبرت عن اقتضائه موعوده، وحميت لإرضائه كاذب طيفي المشفق أن يعوده، مبالغةً في أدب لا تنصفه الأيام، ولا تسعفه في أرب وقد جد به الهيام؛ وإني إلى لقائه - أعزه الله - لأشوق من الساجعة، ومن لذات الأرق براحة الهاجعة -! ولو شاء لأغنى بيسر إيماء، وأدال من غلظة الحرة برقة الإماء؛ والآن حين فعم الماء الحوض
стр. 1300
وغمر الترعة وشمل الروض، ومشيت على قدمي الأميال، ودست والله بهما ماء المنى السيال، وليت ببيعي صيدح، قضى عني ديناً فدح، ولكن شفع خمول العطلة، بخجل الرحلة، فقبض لي إصران، وخصصت بالشقوة من بين الأقران، وقد كان وعد في حالي بجميل نظر، ولما طال علي أمد ذلك الوعد المنتظر، رأيت أن أذكر:
وإني لأدري كيف أرضى وأقتضي ... ولكنه الحرمان يقضي بأن ألحى [٧٠ب]
وأصرف عن وردٍ قد غمر الندى ... خفيف عذارٍ والهبنقة الألحى
ومن عجب أن يقطعا كل نخةٍ ... وأمنع للقرص الذي فاتني الملحا وليس - أعزه الله - قرص بر ولا شعير، فإنه قد يكون مرتع بعير، ومستوقد سعير، إنما عنيت أريضة ضيقةً الساحة، تكاد تشتمل بظل الراحة، وتلغى في كسور المساحة، ضعفت عن عمارتها، وطمس الكلأ عين إمارتها، فلولا ضدها من جنة جارٍ، خبيث الطعمة لئيم النجار، جرى له بالجرأة قدر جارٍ، فمتى صدئت له صفة أرض صقلها، ول اشتكت إليه نبو المنزل لنقلها، لأصبحت هذه اليابسة ضالة أنشدها في القرى، ولو وقع منها اليأس لانقطع مني القرا.
следующие страницы →