← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

الصحة بدليل، لاهتديت إلى ما يليق بقدره السامي الجليل. ومن أخرى: فما ظنه بأمد يوم يشيب الوليد، ويستخف الحليم الجليد، ولعمري لئن الوالدان من جهة شيبا، ليردن الشيخ اليفن من أخرى قشيبا. ومن المنظوم الذي ذكر فيها: يا حبذا قصد الوزي ... ر وإن تكلف في الهجير ذكري له ظل يرف ... وبشره ماء نمير نفسي الفداء لنفسه ... من كل دائرة تدور شهم حوى قصب العلا ... دون الورى ببها وخير وأقامها بيراعة ... أمضى من السيف الطرير يهني الأمير حصوله ... منه على العلق الخطير فعليه واقية ترد ... قنا اللهاذم تستطير يا سامياً وهو الصغي ... ر بعزمة الرجل الكبير مهلاً فضحت معاشراً ... خانوا الأمانة في الدهور وبنيت ما هدموا فهل ... خجلوا لذلك في القبور

стр. 1297

وعليك من كلف بما ... يسديه رأيك أو ينير عدد النجوم تحيةً ... ولربما قل الكثير وله من أخرى: يا سيدي الذي به أفاخر الشرفاء، وأكاثر منهم العدد الجم واللفاء، فمن أنوف تسعط بالرغام، ومن ألوف تسقط كحروف الإدغام، بلغني من ثنائك علي ما به أهرف، وبالتقصير في جميعه أعترف، ما يزيد منه [٧٠أ] النشر على مسك دارين، ويقل عليه الشكر عدد رمل يبرين. لله فضل نزه ذلك المنطق الشرف عن القدح، واستعمله فيما استولى عليه الشح، من التقريظ والمدح، لقد ألبسني من السرور بتكرمه أضفي جلباب، وكاد يطفئ المشيب في تضرمه بكرماء الشباب، لم تدنه الفضائل من الحسد، فشهدنا له فيها بقوة المسد، ولولا أن أكون مادح نفسه لقلت: شتان بين منصف ومتعسف، وطالع من بين الكلام ومنكسف؛ وقد لعمري كنت مضطراً، وكدت أحكم لنفسي على معاصريها طرا، وذلك بحكم معاشرة قوم، يستعذبون في جنب الغص من كلمي مر عض اللوم، أيقاظ هم أم رقود - أم ليس بين الشبه والذهب نقود - فيا مطلعي بقرة عين، لا منصفي لتعين دين، در در علائك حتى تصبح لك الجوزاء داراً، وتسحب بها البدر إزاراً، وتعقد

стр. 1298

عليك الشمس أزراراً، فتفوق محلاً وتهول مقداراً. وأنفذته من كتاب، غب قصد الخجل المرتاب، بنفسي فاديته، لينظر حين مشافهته، كيف عمل آلاتها، في شكر موالاتها، فكان من الشقاء، ما تعذر من محبوب اللقاء؛ وحملته المتطبب أبا فلان، كريمة رهطه، النابه الذكر في أعلام سبطه، زعيم يهود، المسود فيهم المسود، بحكم التوقف عن الملة الحنيفية، والتردد في المذاهب الأحبارية، وطويته على كلم جاش به صدر مكلوم، وهاجس بمقارعة أقران الهموم، مصدوع مثلوم، وأريد تحقق كيفية حسنه، بالنظر في مرآة ذهنه الصقيلة، وتعلم كمية وزنه، بسجية إربه الراجحة الثقيلة، فإن كلفت بعد هذا به العيون، ولم يشل منه الجرم الموزون، فبيمن الاقتداء به، والاهتداء بنجم أدبه، لا زال علماً نهتدي بمناره، ونعشو إلى ضوء ناره، والسلام عليه ما تلألأت الفور، وصر العصفور، تحيةً تزاحمها في سمعه تحيات السعود، وتملأ رحب ربعه بإنجاز مودود منها وموعد. وله من أخرى: أطال الله بقاء الفقيه الجليل ما زخرت أودية الكلام، وانتشرت أردية الغمام، وصرت في القراطيس الأقلام، وسرت إلى النائمين الأحلام، ولو علمت مزيداً له في البقاء، ومحلاً فوق أرفع الكواكب

стр. 1299

في الارتقاء، سألته ضارعاً إلى الخالق، ولو قرنت الإجابة فيه بالتردي من حالق، بادرت ذلك غير رعديد، وأقدمت منه على الخطب الشديد، والله ينير منار الأيام، وينسخ بإثبات عينه آثار اللثام. وإن العاقل والمتعاقل لينضج بصبابة صبره، حر لاعج الهم المعترض في صدره، فربما أدنى له ذلك نازح منى، وأثمر أحلى من ضرب العسل جنى؛ وقد آثرت هذا النوع من المعاشرة، وانتبذت بحمد الله من كل نزق ومعاسرة، مشبهاً بهما وإن كنت عن توقيهما بمعزل، كما ألفيت الجمجمة البيضاء ثالثة أثافي المنزل، فدعيت أثفيةً، وكم باتت بطارقها المستطعم حفية، فصبرت عن اقتضائه موعوده، وحميت لإرضائه كاذب طيفي المشفق أن يعوده، مبالغةً في أدب لا تنصفه الأيام، ولا تسعفه في أرب وقد جد به الهيام؛ وإني إلى لقائه - أعزه الله - لأشوق من الساجعة، ومن لذات الأرق براحة الهاجعة -! ولو شاء لأغنى بيسر إيماء، وأدال من غلظة الحرة برقة الإماء؛ والآن حين فعم الماء الحوض

стр. 1300

وغمر الترعة وشمل الروض، ومشيت على قدمي الأميال، ودست والله بهما ماء المنى السيال، وليت ببيعي صيدح، قضى عني ديناً فدح، ولكن شفع خمول العطلة، بخجل الرحلة، فقبض لي إصران، وخصصت بالشقوة من بين الأقران، وقد كان وعد في حالي بجميل نظر، ولما طال علي أمد ذلك الوعد المنتظر، رأيت أن أذكر: وإني لأدري كيف أرضى وأقتضي ... ولكنه الحرمان يقضي بأن ألحى [٧٠ب] وأصرف عن وردٍ قد غمر الندى ... خفيف عذارٍ والهبنقة الألحى ومن عجب أن يقطعا كل نخةٍ ... وأمنع للقرص الذي فاتني الملحا وليس - أعزه الله - قرص بر ولا شعير، فإنه قد يكون مرتع بعير، ومستوقد سعير، إنما عنيت أريضة ضيقةً الساحة، تكاد تشتمل بظل الراحة، وتلغى في كسور المساحة، ضعفت عن عمارتها، وطمس الكلأ عين إمارتها، فلولا ضدها من جنة جارٍ، خبيث الطعمة لئيم النجار، جرى له بالجرأة قدر جارٍ، فمتى صدئت له صفة أرض صقلها، ول اشتكت إليه نبو المنزل لنقلها، لأصبحت هذه اليابسة ضالة أنشدها في القرى، ولو وقع منها اليأس لانقطع مني القرا.

стр. 1301

كتبت وإنما يكتب الخلي، ولا يحس غير عويله الشجي، ومن لا يملك لجده زماماً، فأحرى بأن تصير يداه الباطشتان أكماماً، وكأني به - أعزه الله - قد قال: بل تنفع الأكمام وتضر، ويطرد بها الحر والقر، وإنما أردت الأهم والأعم، وما ينفي الغم، ويحرز المعنى الأتم، لا قراً صابرته حتى انصرم وتولى، ولا حراً ما أرم عندي ذبابه ولا تغنى، لأنه إنما يألف منازل أهل الترف، ويحوم على ما فيها من صنوف مآكل وضروب طرف، وإما لائك بسباس وحشيش، مؤتدم بزيتٍ مبارك وملح جريش، فما ضجر منها لغددة، ولا جاء نطاسياً شاكياً بردة، فمن حيث صح اعتراضه، لم يحل بإصابة الشاكلة مقراضه؛ وكنت أجدع هذا الماقل لو لم أخف عليه تطويلاً، وإن تطارد لي ما أمل منه شيئاً قليلاً، فسوف أعد في البلغاء، وأحسن سجع ذوات الأطواق بعد الرغاء. وله من أخرى: بيني وبين الفقيه النبيه - صنع الله له كل ما يشتهيه - ما لا زيادة لتنميق البيان فيه، من ود مضى عليه الأسلاف، ولم يعترض فيه على من تخلفوا بنوعٍ من أنواع التداني خلاف، إذ السبب في فساد أكثر الأشياء دنو وامتزاج، ولم يجن على الصعدة أن تبيت طعمة للنار إلا الزجاج، كبكر الراح، أمنت حولاً مجرماً من عاب التخليل، حتى منيت من الماء الفراح بأشأم خليل، فجرى لها مقدور التلاق، بكراهة

стр. 1302

مذاق، وشراسة أخلاق، وإنهما بلا مينٍ، لمن عنصرين كريمين، سلالة غمام، وسلافة مدام، وأي شيء اصطحب إلا انتخب -! الراحة - أعزك الله - في الانفراد، ولابد من الإصدار لذوي الإيراد، فاحمد الله على نوع من الوداد، غريب الميلاد، كأنما أصبح حبيساً على الأبناء، واستمر من الوفاء به على مثال حال البناء، فما تغيرت له حركة قط، وأنى ذلك ولا يرفع ولا يحط، بل تجدد نضارته، وتؤكد - وقد أجدب ثرى كل ودٍ - غضارته، فما شئت لروح ذلك العلاء من شذاً ذكي، وعرف من زهر الثناء مسكي، تندى بذكره ألذ الشفاه، وتحترم من الخلوف الأفواه. ومنهم ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار وكان غربي المطلع، شلبي المقطع، شنبوسي المصيف والمربع، إلا أن

стр. 1303

شعره غرب وشرق، وأشأم في نغم الحداة وعلى ألسنة الرواة وأعرق؛ لا جرم فإنه كان شاعراً لا يجارى، وساحراً لا يبارى، إذا مدح استنزل العصم، وإن هجا أسمع الصم، وإن تغزل، ولا سيما في المعذرين من الغلمان، أسمع سحراً لا يعرفه البيان، وكيف لا يرغب في شعره، ويتنافس فيما ينفث به من سحره، وهو يضرب في انواع الإبداع بأعلى السهام، ويأخذ من التوليد والاختراع بأوفر الأقسام، وقد أثبت منه في هذا الديوان، ما يشتمل على غرائب الحسن والإحسان، وأدرجت في أثناء مقطوعات أشعاره، نكثاً ولمعاً من نوادر أخباره، وذكرت آخر أمره مع المعتمد ومباشرة قتله [٧١أ] له بيده، وأجريت شرح صفة الحال، من المبدأ إلى المآل. وكان قد نشأ والشعر بأفقنا أنفق ما عهدت سوقه، وأعمر ما كانت إلى الجاه والمال طريقه، فاتخذه مدةً صناعته، ثم خلع بعد طاعته، رغبةً عن نحلةٍ سؤددها سؤال، وأجودها كذب ومحال، وكان أبو بكر من نقائذ البوس، ونوافض الجد اليبيس، أحد من امترى أخلاف الحرمان، وقاسى شدائد الزمان، وبات بين الدكة والدكان، واستحلس دهليز فلان وأبي فلان، جرت على رأسه من ذلك أحوال، دلت على أن الدنيا إدبار وإقبال، وأن عيش المرء فيها تهاويل وأهوال. بلغني عنه أنه لزته إحدى لياليه النكرات، في أيامه المنكرات، إلى انتجاع بعض أعيان شلب، أحد من طرفت عنه أعين النوب

стр. 1304

وسعد بما كان ابن عمار شقي به من الأدب، فاعتمده بأبيات عملها على سبيلٍ قد تنكرت له وتنكر لها، وبنفسٍ لولا نفاستها لقتلها، واتفق أن قصده بها يومئذ حين جنحت ذكاء، وصبغت الغيطان لونها السماء، ولم يبق من النهار إلا تعلة عليل، وبلغة ابن سبيل، أضيق من عذر الجبان في الفرار، وأقصر مما بين اللحية والعذار، فلما أنشده قطعة شعلاره، وهتك له الحجاب ساعتئذٍ عن وجه عذره، أسر إلى غلامه بكلامٍ قصير، فغاب عنه غير كبير، ثم خرج عليه وفي يده مخلاة شعير،وقال له: خذ ما حضر، وأنت أحق من عذر. فجاشت نفس ابن عمارٍ جيشةً أذهلته عن اسمه، وكادت تسيل عرقاً على جسمه، وهم بصرف نائله النزر إليه، ففكر في مهيرٍ كان يركب عليه، فاحتمل الغضاضة في قبول ذلك النيل، راجعاً بالملامة على هجوم الليل، محتجاً بكل بيتٍ كان حفظه في إيثار الخيل، وقام يخد الأرض برجليه، ويدمي بالعض يديه. فلما صار ابن عمار إلى الحال التي وسوست للعصفور بصيد العقاب، وسولت للكبير ارتجاع الشباب، هجم على منزل ذلك الرجل، وقد صارت إليه أعناق الدول، وغصت الأرض حواليه بالخيل والخول، فقام يفديه بماله، ويحسبه يومئذ خطرةً بباله، أو خلوةً بطيف خياله، فذكره ذلك الزمان، وقرره على ما كان، والرجل يتلاشى بين الوجل والحياء، ويتمنى لو ابتغى نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء، ولم يرمه أبو بكر، حتى أخرج إليه قطعة الشعر، فبرئ إليه ابن عمار من تلك الدنية، وأعطاه مخلاةً مملوءة بدراهم قاسمية، وقال له: لولا حرمتك

стр. 1305

لأوجعتك أدباً، ولو ملأت تلك أمس برا، لملأت لك اليوم هذه تبراً. فسبحان من لا منازع له في خلقه، ولا اعتراض عليه في قسمة رزقه، له النعمة السابغة، والحجة البالغة. ثم لحظ ابن عمار الإقبال، وحالت به الحال، وقلد الأعمال السلطانية فأتهم فيها وأنجد، وقام بأعبائها وقعد، ثم لحق آخر عمره، وبين يدي إدبار أمره، بثغر سرقسطة بعد خروجه من مرسية - في خبر سيأتي ذكره - ولم يزل بذلك الثغر يتردد، وفساد حاله عند المعتمد يتزيد، إلى أن كان من خبره ما كان، حسبما يأتي الشرح والتبيان. وأول تعلقه بالمعتمد كان حين وجهه لحرب شلب أبو المعتضد فنزع ابن عمار إليه، وبلغ من المنزلة لديه، أن غلب عليه؛ وبعد انتباذه شلب، وفراغه من تلك الحرب، صحبه بحضرة إشبيلية، وأحضره معه مجالس أنسه، إلى أن أوجس خيفةً في نفسه من أبيه المعتضد، ففر عن البلد، ولحق بشرق الأندلس، وتمكن بها من المؤتمن يوسف بن أحمد بن هود، فخاطب المعتمد بهذا القصيد الفريد، وقد أثبت أكثره لاشتماله على البدائع، فإنه من كلامه الرائق الرائع، وأوله:

стр. 1306

علي وإلا ما نياح الحمائم ... وفي وإلا ما بكاء الغمائم وعني أثار الرعد صرخة طالبٍ ... لثار وهز البرق صفحة صارم وما لبست زهر النجوم حدادها ... لغيري ولا قامت له في مآثم [٧١ب] وهل شققت هوج الرياح جيوبها ... لغيري أو حنت حنين الروائم خذوا بي إن لم تهدأوا كل سابح ... لريح الصبا في إثره أنف راغم من العابسات الدهم إلا التفاتةً ... إلى غرة أهدت له ثغر باسم طوى بي عرض البيد فوق قوائم ... توهمتني منهن فوق قوادم وخاض بي الظلماء حتى حسبته ... له مربط بين النجوم العواتم ألا قاتل الله الجياد فإنها ... نأت بي عن أرض العلا والمكارم أشلب ولا تنساب عبرة مشفق ... وحمص ولا تعتاد زفرة نادم كساها الحيا برد الشباب فإنها ... " بلاد بها عق الشباب تمائمي " ذكرت بها عهد الصبا فكأنما ... قدحت بنار الشوق بين الحيازم ليالي لا ألوي على رشد لائمٍ ... عناني، ولا أثنيه عن غي هائم أنال سهادي عن جفون نواعس ... وأجني عذابي من غصون نواعم وليل لنا بالسد بين معاطف ... من النهر ينساب انسياب الأراقم

стр. 1307

بحيث اتخذنا الروض جاراً تزورنا ... هداياه في أيدي الرياح النواسم يبلغنا أنفاسه فنردها ... بأعطر أنفاس وأذكى لناسم تسير إلينا ثم عنا كأنها ... حواسد تمشي بيننا بالنمائم سقتنا بها الشمس النجوم ومن بدت ... له الشمس في قطع من الليل فاحم وبتنا بلا واشٍ يحس كأنما ... حللنا مكان السر من صدر كاتم هو العيش لا ما أشتكيه من السرى ... إلى كل ثغرٍ آهلٍ مثل طاسم وصحبة قومٍ لم يهذب طباعهم ... لقاء أديب أو نوادر عالم صعاليك هاموا بالفلا فتدرعوا ... جلود الأفاعي تحت بيض النعائم ندامى وما غير السيوف أزاهري ... لديهم وما غير الغمود كمائمي يجري ابن عمار في أكثر ما له من الأشعار جري الجموح، ولا يقنع بالكناية عن مذهبه إلا بالتصريح، لأنه كان - سمح الله له - مع مكن في دهره من تدبير الإقليم، أو انبسطت بنانه في التأخير والتقديم، واجترأ على الأيام، واقتاد من الجماهير العظام، زير قيان وغلمان، وصريع راح وريحان، أمله - زعموا - كان بين شرب كاس، وشم آس، وجذله في نصب حبالة، لغزال أو غزالة، ترى ذلك كثيراً في أشعاره، وتسمعه أثناء أخباره، حتى ثل ذلك عرشه، وأوهن بطشه، وطأطأ من سموه، وساقه صاغراً إلى يد عدوه، ألا تراه كلما نظم أو نثر، بالناي

стр. 1308

والوتر، وتحلى بالحسن والحور، وعاب على أهل سرقسطة وأنكر، من هيئات الثغور ما عرف، ووصفهم بما وصف، كأنه لم يسمع قول الأول: ومن تكن الحضارة أعجبته ... فأي رجال باديةٍ ترانا ولا قول أبي العلاء: من كل أروع لم تأشر ضمائره ... للثم خد ولا تقبيل ذي أشر [٧٢أ] لكن يقبل فوه مسمعي فرسٍ ... مقابل الخلق بين الشمس والقمر إلى غير ذلك مما هو أوضح، من أن يشرح، في أكثر الأشعار؛ وما ينقضي عجبي من ابن عمار أن ينكر تلك الهيئة، على أهل ثغرٍ، أبناء قتلى وبقايا أسر، قلما خلوا من هيعةٍ من النصارى، إذ مسافة ما بينهم أقصر من إبهام الحبارى، وبلدهم مجر عواليهم، وموقد صاليهم، ومخفق أعلامهم، ودرية سهامهم. وفي هذه القصيدة يقول: وما حال من خلى بلاد أعارب ... وألقت به الأقدار أرض أعاجم

стр. 1309

يقبح لي قوم مقامي عندهم ... وقد رسفت رجل السرى في الأداهم يقولون لي دع أيدي العيس إنها ... تؤدي إلى أيدي الملوك الخضارم فديتهم لم يبعثوا حرص عاجزٍ ... ولا نبهوا إذ نبهوا طرف نائم ولكنها الأيام غير حوافلٍ ... بإرب أريب أو حزامة حازم وإني لأدعو لو دعوت لسامعٍ ... مجيب وأشكو لو شكوت لراحم أريد حياة البين، والبين قاتلي ... وأرجو انتصار الدهر، والدهر ظالمي ونبئت إخوان الصفاء تغيروا ... وذموا الرضى من عهدي المتقادم لقد عبتاو ظلماً على غير عاتبٍ ... عليهم ولاموا ضلةً غير لائم ولو أن عفواً من هنالك زارني ... لزرت وما عدو الزمان بدائم أجر ذيول الليل سابغة الدجى ... وأركب ظهر العزم صعب الشكائم فأورد ودي صافياً كل شامتٍ ... وألبس حمدي ضافياً كل شائم وأغضي لمن يلقى بوجه مكاره ... حياءً فألقاه بوجه مكارم وما هو إلا لثم كف محمد ... وتمكين كفي من نواصي المظالم إن اتفقت لي فالعدو مساعدي ... على كل حال والزمان مسالمي وأي حياء طيه أي سورةٍ ... كما كمنت في الروض دهم الأرقم وفيها يقول:

стр. 1310

له هزة في الجود معتضدية ... تهز إلى التشتيت شمل الدراهم إذا نشرت لخم بذكراه فخرها ... طوت طيء من خجلة ذكر حاتم أبى أن يراه الله غير مقلد ... حمالة سيف أو حمالة غارم ومن مثل عباد ومن مثل قومه ... ليوث حروب أو بدور مواسم ألكني بالتسليم منهم إلى فتى ... تهادى به جرد العتاق الصلادم إذا ركبوا فانظره أول طاعنٍ ... وإن نزلوا فارصده آخر طاعم أغر مكين في القلوب محبب ... إليها عظيم في نفوس الأعاظم تبوأ من لخم وناهيك مقعداً ... مكان رسول الله من آل هاشم أبا القاسم أقبلها إليك فإنما ... ثناؤك مسكي والقوافي لطائمي محملة عذراً فإنك جملة ... من الفضل لم أستوفها بتراجم [٧٢ب] أنا العبد في ثوب الخضوع لو أنني ... أرى البدر تاجي والنجوم خواتمي وما عز في الدنيا مراد لمجدب ... ولا اعتاص في الآفاق ورد لحائم ولكن ذاك الظل أندى غضارةً ... لضاحٍ وذاك البرق أشفى لشائم وإني إذا أنصفت بعدك خادم ... لدهري وكان الدهر عندك خادمي لعمري لقد أفحمت كل مفاخرٍ ... لما فيك من تلك السجايا الكرائم نازعه فيك الثناء فينثني ... كأني نازعت الكؤوس منادمي تراك تنسمت الذي قد أذعته ... فأرضاك أم غابت عليك مقادمي

стр. 1311

ولا غرو أن حيتك بالطيب روضة ... سمحت لها بالعارض المتراكم قال ابن بسام: أما معاني هذه القصيدة فمحجة مسلوكة، ومضغة ملوكة، قد كثر تجاذب الشعراء أهدابها، وقرعوا بابها، حتى صارت كالجمل المذلل، والمهيع من السبل. فممن سلك من أهل أفقنا هذا السنن، أبو الاصبغ عيسى بن الحسن، من شعر كتب به من سجن ابن أبي عامر، يقول فيه: وإن سمعت أذناك للورق رنةً ... فحزني يبكيها وفرط تفجعي وإن هطلت يوماً على الأرض مزنة ... فلي سمحت بالدمع في كل مربع وهو شعر ضعيف، بين التكليف. وقال يوسف بن هارون الرمادي: على كمدي تهمي السحاب وتذرف ... ومن شجني تبكي الحمام وتهتف

стр. 1312

وما أحسن قول أبي الوليد بن زيدون من قصيدة قد تقدمت، أولها: ألم يأن أن تبكي الغمام على مثلي ... ويطلب ثأري البرق منصلت النصل ولما قتل الوزير الفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بمدينة الأشبونة، رفع الله منازله، وقتل قاتله، قال بعض أهل العصر فيه يرثيه: عليك ابن إبراهيم تبكي الغمائم ... وفيك إذا ناحت تنوح الحمائم فلا يأمنوا رعد السماء وبرقه ... فما هي إلا أنصل وغماغم وقل لنعش سار شلوك فيه أن ... يرى لبني نعش عليك مآتم وأن تلبس الزهر النجوم حدادها ... عليك وتبكيك العلا والمكارم وتنثر الجوزاء من نظم عقدها ... وتسقط من كف الثريا الخواتم وقول ابن عمار: " لريح الصبا في إثره أنف راغم " هو أيضاً من متداولات المعاني، منها قول محمد بن هاني: وأجل علم البرق فيها أنها ... مرت بحاشيته وهي ظنون وقال المعري: ولما لم يسابقهن شيءً ... من الأشياء سابقن الظلالا

стр. 1313

وقوله: " من العابسات الدهم ... " كقول ابن نباتة يصف فرساً أغر محجل الأربع: وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه على أن ابن الرومي قرب له مرماه، وإن كان في غيره معناه، حيث يقول في صفة الشمول: [٧٣أ] أخذت من رؤوس قوم كرامٍ ... ثارها عند أرجل الأعلاج وقوله: " تسير إلينا ثم عنا " ... البيت، ينظر من طرف خفي، إلى قول الرضي: وأمست الريح كالغيرى تجاذبنا ... على الكثيب فضول الريط واللمم والذي عول عليه الرض ي قول ابن المعتز: والريح تجذب أطراف الرداء كما ... أفضى الشفيق إلى تنبيه وسنان وبهذا ألم ابن نباتة في قوله: إذا ما الصبح أسفر نبهتني ... جنوب مسها مس الشفيق

стр. 1314

وقوله: " تمكين كفي من نواصي المظالم " مغتصب من قول أبي الطيب: كأن رحيلي كان من كف طاهر ... فأثبت كوري في ظهور المواهب لا تغرنك هذه الأوجه الغر ... فيا رب حيةٍ في رياض وقوله: " إذا ركبوا فانظره أول طاعن " ... البيت، معنى قديم، وأول من أثاره، ورفع مناره، عنترة بقوله: يخبرك من شهد الوقائع أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم ولما قتل علي بن أبي طالب، ﵁، عمرو بن ود يوم الأحزاب وسقط وانكشف، قال: وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المقطر بزني أثوابي وقال أبو تمام:

стр. 1315

إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب وقال المعري: أدنى الفوارس من يغير لمغنم ... فاجعل مغارك للمكارم تكرم والتناسب في الألفاظ والمعاني حبل يتصل ولا ينفصل، وإنما نلمع منها باليسير اللطيف، وقد اندرج منها جملة وافرة في تضاعيف هذا التصنيف. وقال ابن عمار من قصيدة في المعتضد عباد أولها: حبيب برق أم جفاك حبيب ... فليلك فضفاض الرداء رحيب يقول فيها: إلى الله أشكو أن مالك في دمي ... شريك وما لي في هواك نصيب أتدرين من كلفت عينيك قتله ... وقلت: فتى لا يستفيد غريب ستنصره من مهرة الخيل ترتمي ... بأعلام نصر في الوغى وتؤوب تساموا بلخم فاستهلت سماؤهم ... بغيمين منها ذائب ومذيب بدور ولكن السماء محارب ... وأسد ولكن العرين حروب مزحت فإنني يا ابنة القيل لم أكن ... لأفشي سراً ضمنته قلوب سأشهد قومي أن طرفك من دمي ... بريء وإن كان الفتور يريب

стр. 1316

وكيف أرى في الغدر نهجاً لسالك ... وعهدي باللك الوفي قريب فتىً نسخ العذر اقتضاء وفائه ... فلا تحكمي أن الوفاء غريب أغر ينير الملك منه بكوكبٍ ... له في سماء المشكلات ثقوب [٧٣ب] وله فيه من أخرى: أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السرى والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استرد الليل منا العنبرا والروض كالحسنا كساه زهره ... وشياً وقلده نداه جوهرا أو كالغلام زها بورد رياضه ... خجلاً وتاه بآسهن معذرا روض كأن النهر فيه معصم ... صاف أطل على رداء أخضرا وتهزه ريح الصبا فتظنه ... سيف ابن عباد يبدد عسكرا عباد المخضر نائل كفه ... والجو قد لبس الرداء الأغبرا قداح زند المجد لا ينفك من ... نار الوغى إلا إلى نار القرى يختال أني من ذراه بجنةٍ ... لما سقاني من نداه الكوثرا وعلمت حقاً أن ربعي مخصب ... لما سألت به الغمام الممطرا من لا توازنه الجبال إذا احتبى ... من لا تسابقه الرياح إذا جرى

стр. 1317

ماضٍ وصدر الرمح يكسهم والظبا ... تنبو، وأيدي الخيل تعثر في البرى لا خلق أقرأ من شفار حسامه ... إن كنت شبهت المواكب أسطرا السيف أصدق من زياد خطبةً ... في الحرب إن كانت يمينك منبرا وإليكها كالروض زارته الصبا ... وحنا عليها الطل حتى نورا تمقتها وشياً بذكرك مذهباً ... وفتقتها مسكاً بحمدك أذفرا من ذا ينافحني وذكرك مندل ... أوردته من نار فكري مجمرا فلئن وجدت نسيم حمدي عاطراً ... فلقد وجدت نسيم برك أعطرا قوله: " لا خلق أقرأ من شفار حسامه " ... البيت، كأنه من قول محمد بن هانئ: ولم أر أنفذ من كتبه ... إذا جعل السيف حيث القلم وذكر أن المعتمد أقام برهة بقرطبة يرفع بعض الأمور السلطانية فسئم طلقه، وتذكر على عادته خلقه، ودعته دواعي نفسه، إلى قينته وكأسه، فاستشار يومئذ ابن عمار، وكان خاطبه في ذلك بشعر، وطن عنده أهبة

стр. 1318

إذا كانت عليه منه بعض الرقبة، فوجده أهتك ستراً، وأقل عن اللذات صبراً، وأشار عليه بتعطيل الثغر، وإضاعة الأمر، وجاوبه على ذلك بهذه الشعر: مولاي عندي لما تهوى مساعدةً ... كما تتابع خطف البارق الساري إن شئت في البحر فاركب ظهر سابحة ... أو شئت في البر فاركب ظهر طيار حتى تحل وحفظ الله يكلؤنا ... رحاب قصرك واتركني إلى داري وقبل خلع نجاد السيف فاسع إلى ... ذات الوشاح وخذ للحب بالثار ضماً ولثماً يغني الحلي بينكما ... كما تجاوب أطيار بسحار [٧٤أ] ومعنى البيت الرابع من هذه القطعة ينظر إلى قول عبد المحسن الصوري وأنشد الأبيات لحسنها: أفدي الذي زارني بالسيف مشتملاً ... ولحظ عينيه أمضى من مضاربه فما خلعت نجادي في العناق له ... حتى كساني نجاداً من ذوائبه وكان أسعدنا في نيل بغيته ... من كان في الحب أشقانا بصاحبه وقال ابن عمار للمعتضد: الكأس ظامئة إلى يمناكا ... والروض مرتاح إلى لقياكا والده جارٍ في عنانك لم تقل ... هات المنى إلا أجاب يهاكا فأدر بآفاق الزجاج كواكباً ... تخذت أكف سقاتها أفلاكا

стр. 1319

راحاً إذا هب النسيم حسبتها ... مسروقة الأنفاس من رياكا في مجلسٍ بسط الربيع بساطه ... زهراً ورقرقه عليك أراكاً سقط الندى فيه سقوط نداكما ... وجلت عليه الشمس مثل سناكا يسري على ريحانه نفس الصبا ... سحراً فيوهم أنه ذكراكا رد مورد اللذات عذباً صافياً ... فلقد وردت المجد قبل كذاكا قال ابن بسام وأخبرني الحكيم النديم أبو بكر ابن الاشبيلي، قال: حضرت مجلس أنس مع أبي بكر بن عمار بقصر الرشيد بن المعتمد، فلما دارت الكأس، وتمكن الأنس، وغنيته أصواتاً، وذهب به الطرب كل مذهب، قال ابن عمار ارتجالاً: ما ضر أن قيل إسحاق وموصله ... ها أنت أنت وذي حمص وإسحاق أنت الرشيد ودع من قد سمعت به ... وإن تشابه أخلاق وأعراق لله درك داركها مشعشعةً ... واحفز بساقيك ما قامت بنا ساق وقال في المعتمد في حين نزوله بعض الحصون: على اليمن والطائر السانح ... نزلت وغيرك للبارح وما اهتجت إلا وقد هيجتك ... دواعٍ إلى البلد النازحٍ وإلا فكم خف من خف جهلاً ... فما هز من حلمك الراجح

стр. 1320

تطلب حقوقك لا لائم ... فقد بين الصبح للامح ومن يعترضك بأوداجه ... فكله إلى سعدك الذابح وكم يزجرون وكم ينصحون ... فما يقبلون من الناصح وما كان أنصفهم لو رموا ... زناد الوغى ليد القادح ولا عجب لثبوت القلاع ... على بأسك الهادم الناطح فلولا امتناع الفتاة الكعاب ... لما كملت لذة الناكح [٧٤ب] خلعت الكرى في طلاب العلا ... على نائم دونها طافح هنيئاً فأنت مليك الملوك ... فقد صرح الجد للمازج وما أخرتني عنك النجوم ... يا غرة القمر اللائح ولا النهر لم يثني عن ورود ... ندى بحرك الزاخر الطافح وهذا البيت الأخير، كأنه إلى بيت المتنبي يشير: قواصد كافورٍ توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا وقوله: " ومن يعترضك بأوداجه " من قول الآخر في سعدٍ، حاجب ابن خاقان: يا حاجب الوزراء إنك عندهم ... سعد ولكن أنت سعد الذابح

стр. 1321

وفيه أيضاً يقول البحتري: سماه سعداً للتفاؤل باسمه ... حقاً لقد ألفاه سعد الذابح والمعري القائل ما هو شبيه به، وإن كان في غير مذهبه: يا سعد أخبية الذين تحملوا ... لما ركبت دعيت سعد المركب وقوله: " زناد الوغى ليد القادح، وقد بين الصبح، للامح " من المثلين المضروبين وهو قولهم: " قد بين الصبح لذي عينين " و " أعط القوس باريها ". وقوله: " فلولا امتناع الفتاة الكعاب " ... البيت، كقول كشاجم: لولا اطراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا وأصل هذا المعنى المثل السائر: " تمنعي أشهى لك ".

стр. 1322

ما وجد من شعره في النسيب وما يناسبه قال في غلام من عبيد ابن هود: وأحور من ظباء الروم عاط ... بسالفتيه من دمعي فريد نبيل الخلق جافي الخلق عبد ... هو المولى ونحن له عبيد بكيت وقد دنا ونأى رضاه ... " قد يبكي من الطرب الجليد " قسا قلباً وسن عليه درعاً ... فباطنه وظاهره حديد وإن فتى تملكه بنقدٍ ... وأحرز رقه لفتىً سعيد وسجن المؤتمن يوماً هذا الغلام لبعض الأمر فتخلف ابن عمار عن الركوب للقصر، وكتب إليه: أنا المطبق المسجون لا من سجنته ... وأطبقته فانظر لعبدك أو دع حرام حرام أن تراني عين من ... تراه فان شئت ارتجاعي فارجع ويا حسن حال الود إن سمحت يد ... ولقبت فيها بالشفيع المشفع فضحك المؤتمن وأخرج ذلك الغلام.

стр. 1323

وساير ابن عمار في بعض الأسفار غلامين من بني جهور، أحدهما أشقر والآخر عذاره أخضر، فكان يميل بحديث من ظهر دابته إلى الذي وصف منهما في هذه القطعة، وهي من ملحه النادرة، وغرائبه السائرة: تعلقته جهوري النجار ... حلو اللمى جوهري الثنايا من النفر البيض جروا الزمان ... رقاق الحواشي كرام السجايا [٧٥أ] ولا غرو أن تغرب الشارقات ... وتبقى محاسنها بالعشايا ولا وصل إلا جمان الحديث ... نساقطه من ظهور المطايا شنئت المثلث للزعفران ... وملت إلى خضرة في التفايا ومعنى البيت الثالث منها من مشهور المعاني، ومنها قول الطليق المرواني: وإذا ما غربت في فمه ... تركت في الخد منه شفقا ومعنى البيت الرابع يشبه قول البحتري، ويتعلق به خبر حكاه الصولي

стр. 1324

عن يحيى ابنه، قال: لما ابتدأ أبي بعمل قصيدته في أبي الصقر ويهجو أحمد ابن صالح، التي أولها: أمن أجل أن أقوى الغوير فواسطه ... قلت له: لم ركب هذه القافية الصعبة مع رجل لا حظ لك معه - اركب قافية سهلة، فقال: لعمري إن الكلام في القوافي السهلة أمكن، إلا أن الحاذق لا يعمل إلا جيداً في أي شيء أخذ، ثم رأيته قال في نسيبها: ولما التقينا واللوى موعد لنا ... تعجب رائي الدر حسناً ولاقطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه فطابت نفسي وقلت: ليقل بعد هذا ما أراد، فقد أجاد وزاد. وشبيه بهذا قول بعضهم: كلمتني فقلت: در سقيط ... فتأملت عقدها هل تناثر وازدهاها تبسم فأرتني ... نظم در من التبسم آخر وقال ابن عمار في مثل ما تقدم من صفته لأهل العذار:

стр. 1325

وهويته يسقي المدام كأنه ... قمر يدور بكوكب في مجلس متأرج الحركات تندى ريحه ... كالغصن هزته الصبا بتنفس يسقي بكأس في أنامل سوسنٍ ... ويدير أخرى من محاجر نرجس عنا بكأسك قد كفتنا مقلة ... حوراء قائمة بسكر المجلس يا حامل السيف الطويل المرتدى ... ومصرف الفرس القصير المحبس إياك إياك الوغى من فارس ... خشن القناع على عذار أملس جهم وإن حسر اللثام فإنما ... رفع الظلام عن النهار المشمس سلم فقد قصف القنا غصن النقا ... وسطا بليث الغاب ظبي المكنس ومعنى البيت الرابع منها كقول ذي الوزارتين ابن الحضرمي، في رثاء غلام وسيم وكان اسمه فعال، كان المتوكل يهواه، ومات الغلام فرثاه، فقال: أودى فعال فلهفي ... له ولهفي عليه غالته أيدي المنايا ... وكن في مقلتيه وكان يسقي الندامى ... بطرفه ويديه غصن ذوى وهلال ... جار الكسوف عليه

стр. 1326

وقال ابن عمار: غزا القلوب غزال ... حجت إليه العيون قد خط في الخد نون ... وآخر الحسن نون وكان له غلام وسيم إليه يميل إليه، فعتب في بعض الأمر عليه، وزال عنه إلى دار الوزير أبي المطرف ابن الدباغ، فشفع له أبو المطرف برقعة وصلها ذلك الغلام، فكتب ابن عمار إلى الوزير المذكور: [٧٥ب] قرأت كتابك مستشفعاً ... لوجه أبي الحسن من رده ومن قبل فضي ختم الكتاب ... قرأت الشفاعة في خده وقال من قصيدة: قالوا: أضر بك الهوى فأجبتهم ... يا حبذاه وحبذا إضراره قلبي هو اختار السقام لجسمه ... زياً فخلوه وما يختاره من قد قلبي إذ تثنى قده ... وأقام عذري إذ أطل عذاره أم من طوى الصبح المنير نقابه ... وأحاط بالليل البهيم خماره منها:

стр. 1327

عيرتموني بالنحول وإنما ... شرف المهند أن ترق شفاره فوحسنه لقد ابتديت لوصفه ... بالبخل لولا أن حمصاً داره بلد متى أذكره تهتج لوعتي ... وإذا قدحت الزند طار شراره ومن مقطوعاته الإخوانيات اجتاز على بني عبد العزيز ببلنسية، وكانوا يضمرون عداوته، فأخرجوا إليه ضيافات، وتخلفوا عن لقائه، وناب في ذلك عنهم أقوام عوام، فكتب إليهم: تناهيتم في برنا لو سمحتم ... بوجه صديق في اللقاء وسيم وسلسلتم راح البشاشة بيننا ... فما ضر لو ساعدتم بنديم سألتمس العذر الجميل عن العلا ... وأحتال للمجد احتيال كريم وأثني على روض الطلاقة بالجنى ... وإن لم أفز من طيبه بنسيم ضننتم بأعلاق الرجال على النوى ... فلم تصلونا منهم بزعيم

стр. 1328

واستهدى منه بعض إخوانه خمراً، فبعث بها مع تفاحتين ورمانتين وكتب مع ذلك: خذوها مثل ما استهديتموها ... عروساً لا تزف، إلى اللثام ودونكم بها ثديي فتاةٍ ... أضفت إليهما خدي غلام وأهدى إلى ذي الوزارتين ابن لبون تفاحاً وإجاصاً، وكتب معهما: خذها كما سفرت إليك خدود ... أو أوجست في راحتيك نهود حذراً من التفاح نشراً بينها ... ولها بأغصان الجنان عقود وشفعت بالإجاص قصداً إنه ... شكل الجمال وحده المحدود عذراً إليك فإنما هي أوجه ... بيض تقابلها عيون سود إيه وعندي من فراقك لوعة ... يعزى إليها ثابت ويزيد أفطرت من صومي بغرتك التي ... كانت هلالاً كان عنه العيد لله ليلتنا التي من أجلها ... هذا الزمان بمثله محسود وكتب إليه ابن لبون بهذه الأبيات: ختمت بعصرك أعصر الأجواد ... وعنت لذكرك ألسن الوراد وسبقت أملاك الزمان إلى مدىً ... ضلوه حتى كنت أنت الهادي

стр. 1329

وغدوت أكثرهم حسوداً في العلا ... إن الكريم طليبة الحساد [٧٦أ] وبدا بفضلك نقص كل معاند ... تتبين الأشياء بالأضداد وأتتك بمغناك العيون فقابلت ... أسد العرين به وبدر النادي وأتتك وافدة الركاب فقابلت ... أمل الحريص ومنية المرتاد وصدرن قد حملن عنك عوارفاً ... أصبحن كالأطواق في الأجياد فضل أرانا جود حاتم طيئٍ ... وفخار كعب في قبيل إياد إيه أبا بكر أتظلم ساحتي ... ظلماً وصبح العدل عندك بادي عجباً لوعدك كيف تمسكه يد ... موصولة الأفعال بالأوعاد ولسيب جودك كيف لم تسمح به ... لصحيح ظني أو صريح ودادي إني لمعتقد إخاءك موئلي ... وأرى وفاءك معقلي وسنادي وأصول منك على الزمان بمنصل ... جعل الطلى بدلاً من الأغماد فسقى ديارك نائياً أو دانياً ... صوب الغمام المستهل الغادي ولئن رحلت لقد حللت بمنزلٍ ... من نور عيني أو سواد فؤادي فأجابه ابن عمار بهذه القصيدة الفريدة التي برز فيها، وأحسن ما شاء في ألفاظها ومعانيها، وأولها: عطلت من حلي السروج جيادي ... وسلبت أعناق الرجال صعادي وثنيت عزمي عن مسير هزني ... سعدي إليه وحثني إسعادي

стр. 1330

وسللت من ثوب المروة والوفا ... ثوبي وحلت على بني عباد إن لم أحللك من فؤادي منزلاً ... ينبيك أنك مالك لقيادي وأخص جانبك الرفيع بخدمةٍ ... أسقيك صفو أحبةٍ وأعاد وأرد بذكرك من ثاني روضةً ... غناء حالية بنور ودادي حتى تبين أن غرسك قد دنا ... بجنى وزرعك قد أنى لحصاد قال ابن بسام: وكأن هذه الأقسام التي جرت على لسانه وحلف بها أجيبت عنه، فإنه لم يرجع إلى إشبيلية بعد سفرته تلك لشيء صفا له، ولا رفا لابن عباد ولا وفى له. وذكرت بهذه الفسام - إذ الشيء بالشيء يذكر، إذا كان من واديه، أو تعلق بألفاظه ومعانيه - خيراً نقلته من خط الوزير أبي عامر ابن مسلمة، في كتابه المترجم ب - " الحديقة " قال: كنا يوماً في مجلس أنس مع أبي جعفر ابن الأبار، فغني بشعر الأشتر في التحريض على معاوية، حيث يقول: بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن لم أشن على ابن هند غارةً ... لم تخل يوماً من نهاب نفوس

стр. 1331

قال أبو عامر: فسألت ابن الأبار الرد عليه، والإنضمام على السلامة من ذكر أحد، حمية للأموة وولاء إلى الحربية، فقال على الارتجال، وقد أخذت منه الجريال: غادرت عرضي عرضة وأبحته ... وتركت نهب نفائس ونفوس وقذفت أم المؤمنين تمرداً ... وكفرت من حرب بكل رئيس إن لم نصبحكم بكل مصممٍ ... وبكل ذمر في اللبوس عبوس خيل كأمثال الأجادل فوقها ... ليس غطارف غامدون لليس [٧٦ب] فإذا كسوناكم حداد مآتم ... أبنا بصافية الأديم عروس نسقيكم خمر الردى بصوارم ... ونعل من خمر المنى بكؤوس قال أبو عامر: وقد سلم ابن الأبار لتلك الطائفة المردود عليها، وتخلص ألطف تخلص، على أن الاشتر ما سلم ولا كرم. قال ابن بسام: والذي وصف الوزير أبو عامر من الحمية للأموية، وولائه لآل الحربية صحيح، لأن جدهم الأول أبان بن عبيد المعروف بالشرخ مولى لمعاوية بن أبي سفيان، أهدي إليه من سبي البربر، وأبان بن عبيد هو الداخل مع عبد الرحمن بن معاوية، فأنزله بربض الرصافة من حضرة قرطبة، وتلك النزل دور يتوارثها بنو مسلمة من تاريخ دخول عبد الرحمن إلى وقتنا هذا، لها بأيديهم نيف على أربعمائة سنة.

стр. 1332

وفي هذه القصيدة يقول ابن عمار: يا سيدي وأنا الذي ناديته ... لرضى فلبى منك خير منادي أعطاك فضل الإبتداء ولو جرى ... ظلم لأنكر أن تكون البادي لله در عقيلةٍ أبرزتها ... من خدر فكرك في حلى الإنشاد فرعاء عاطرة الذوائب واللمى ... غيداء حالية الطلى والهادي وصلت إليّ مع المساء فعارضت ... صلى الحبيب أتى بلا ميعاد خط من النظم البديع أفادني ... حظ الكرام وخطة الأمجاد يفدي الصحيفة ناظري فبياضها ... ببياضه وسوادها بسواد أهدى تحيتك الزكية طيبها ... كافور قرطاس ومسك مداد وشي سخت يدك الصناع برقمه ... فكسوتنيه مذهباً بأيادي ولقد تعين لو أعانت قدرة ... حسن الجزاء بها وهز النادي لكن عجزت فما استقل بنشأتي ... ماء الفرات ولا ثرى بغداد عذراً ففيك لكل طالب حجة ... خصم ألد ووجه عذر بادي بك فاخر القلم القصير فطاول ال ... رمح الطويل كتابةً بطراد فلك الفصاحة أو لسيفك كلما ... استمطيت متني منبر وجواد ثنيت عليك حلى الوزارة مثلما ... حمل الحسام عليه ثني نجاد وتتوجت منك القيادة بالذي ... ترك الرياسة مهنة القواد أنت الحلال الحلو رق طبيعةً ... وصفا مزاجاً كالسحاب الغادي

стр. 1333

امن معشر تتشرف الأذوا بهم ... كتشرف الأيام بالأعياد جلوا فحلوا في الأنام مكانةً ... كمكانة الآلاف في الأعداد أفديك من حر تعبد بره ... شكري وقل له الفدا والفادي ولقد ظفرت من اقتبالك بالمنى ... وبلغت أقصى غايتي ومرادي وأرحت من تعبي بعهدك في ندى ... ظل ونمت على وثير مهاد وشددت منك يدي بعلق مضنة ... ونفضتها بزعانف أنكاد يتعللون من الوفاء بعلةٍ ... ضحك الطبيب لها مع العواد جمحوا إلى ظلمي فسست جماحهم ... ولقيت شدته بلين قياد واستبطنوا حقداً وبين جوانحي ... طبع يسل سخائم الأحقاد ولكم دعي في الإخاء أعرته ... جذب ابن سفيان بضبع زياد حتى إذا رفض الوفاء رفضته ... واعتضت منه بطيب الميلاد لا ذنب لي في طر سائمة الهوى ... منه على السرح الوبيل الصادي أنا قد رضيتك فارضني وأعدني ... إن كنت محتاجاً إلى الإعداد إني لممن إن دعوت لنصرةٍ ... يوماً بساطي حجة وجلاد [٧٧أ] أذكيت دونك للعدا حدق القنا ... وخصمت عنك بألسن الأغماد صلني أصلك وصل فديتك بي أصل ... بك واعتمدني اتخذك عمادي ولئن بدرت إلى رضاي فربما ... وافيتني لرضاك بالمرصاد وعلى تظاهرنا الضمان بقلة ال ... أعداء ثم بكثرة الحساد

стр. 1334

إيه وقلت إلى الوفاء محركاً ... إيه فما خطرت بعطف جماد وزعمت تظلم ساحة ما بيننا ... ظلماً وصبح العدل عندي بادي كلاً فما التسويف من خلقي ولا ... لي الجميل بعادةٍ من عادي وهل التوت بهواك إلا لقية ... أحلى لعيني من لذيذ رقاد أخطرتها وأكر بعد إلى التي ... يدعو المطي لها ويشدو الحادي لابد من ذاك السفار وإن عدت ... عنه الليالي إنهن عوادي سفر إذا استبعدته فسأمتطي ... حرصي، وأجعل من ثنائك زادي خذها نتيجة منكر لودادها ... برم بها قال لها متفادي حذراً من الرد المخل فإنها ... بعث الزيوف إلى بدي نقاد وكان بينه وبين حسام الدولة أبي مروان بن رزين تمكن أنس، فاتفق أن اجتاز على مقربة من بلده، ولم يلتقيا، فعتب ابن رزين عليه، فكتب ابن عمار إليه: لقاؤك النجح لو أعقبته سفري ... ووجهك الصبح لو أقبلته نظري وقصرك البيت لو أني قصدت به ... حجمي ويمناك منه موضع الحجر لم تثن عنك عناني سلوة خطرت ... على فؤادي ولا سمعي ولا بصري

стр. 1335

لكن عدتني عنكم خجلة عرضت ... كفاني العذر فيها بيت معتذر " لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر " وما قيل في العجز عن الشكر، بكثرة البر، أحسن من بيت المعري هذا، وقد تضمنه ابن عمار أحسن تضمين. ونزل ابن عمار في بعض حركاته بحصن شقورة، وانقبضوا عن لقائه استيحاشا منه، فكتب إليهم: أإخواننا هل حال من دوننا أمر ... تراءى لكم أم وحشة جرها الدهر بخلتم بلقيانا وكان نزولنا ... على جفوة منكم وإن عظم البر وما هو إلا مقطع كهوائكم ... عصيب وخلق مثل منزلكم وعر ثقوا بي إذا عن اللقاء فما اعتزى ... إلى شيمتي غدر ولا بيدي سحر وكتب منه إلى أبي الفضل بن حسداي يصف حصن شقورة وحصانته: أدرك أخاك ولو بقافية ... كالطل يوقظ نائم الزهر فلقد تقاذفت الركاب به ... في غير موماة ولا بحر طفحت صحابته بلا سنة ... وتمايلت سكرا بلا خمر [٧٧ ب]
следующие страницы →