← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

قال أبو عامر: فسألت ابن الأبار الرد عليه، والإنضمام على السلامة من ذكر أحد، حمية للأموة وولاء إلى الحربية، فقال على الارتجال، وقد أخذت منه الجريال: غادرت عرضي عرضة وأبحته ... وتركت نهب نفائس ونفوس وقذفت أم المؤمنين تمرداً ... وكفرت من حرب بكل رئيس إن لم نصبحكم بكل مصممٍ ... وبكل ذمر في اللبوس عبوس خيل كأمثال الأجادل فوقها ... ليس غطارف غامدون لليس [٧٦ب] فإذا كسوناكم حداد مآتم ... أبنا بصافية الأديم عروس نسقيكم خمر الردى بصوارم ... ونعل من خمر المنى بكؤوس قال أبو عامر: وقد سلم ابن الأبار لتلك الطائفة المردود عليها، وتخلص ألطف تخلص، على أن الاشتر ما سلم ولا كرم. قال ابن بسام: والذي وصف الوزير أبو عامر من الحمية للأموية، وولائه لآل الحربية صحيح، لأن جدهم الأول أبان بن عبيد المعروف بالشرخ مولى لمعاوية بن أبي سفيان، أهدي إليه من سبي البربر، وأبان بن عبيد هو الداخل مع عبد الرحمن بن معاوية، فأنزله بربض الرصافة من حضرة قرطبة، وتلك النزل دور يتوارثها بنو مسلمة من تاريخ دخول عبد الرحمن إلى وقتنا هذا، لها بأيديهم نيف على أربعمائة سنة.

стр. 1332

وفي هذه القصيدة يقول ابن عمار: يا سيدي وأنا الذي ناديته ... لرضى فلبى منك خير منادي أعطاك فضل الإبتداء ولو جرى ... ظلم لأنكر أن تكون البادي لله در عقيلةٍ أبرزتها ... من خدر فكرك في حلى الإنشاد فرعاء عاطرة الذوائب واللمى ... غيداء حالية الطلى والهادي وصلت إليّ مع المساء فعارضت ... صلى الحبيب أتى بلا ميعاد خط من النظم البديع أفادني ... حظ الكرام وخطة الأمجاد يفدي الصحيفة ناظري فبياضها ... ببياضه وسوادها بسواد أهدى تحيتك الزكية طيبها ... كافور قرطاس ومسك مداد وشي سخت يدك الصناع برقمه ... فكسوتنيه مذهباً بأيادي ولقد تعين لو أعانت قدرة ... حسن الجزاء بها وهز النادي لكن عجزت فما استقل بنشأتي ... ماء الفرات ولا ثرى بغداد عذراً ففيك لكل طالب حجة ... خصم ألد ووجه عذر بادي بك فاخر القلم القصير فطاول ال ... رمح الطويل كتابةً بطراد فلك الفصاحة أو لسيفك كلما ... استمطيت متني منبر وجواد ثنيت عليك حلى الوزارة مثلما ... حمل الحسام عليه ثني نجاد وتتوجت منك القيادة بالذي ... ترك الرياسة مهنة القواد أنت الحلال الحلو رق طبيعةً ... وصفا مزاجاً كالسحاب الغادي

стр. 1333

امن معشر تتشرف الأذوا بهم ... كتشرف الأيام بالأعياد جلوا فحلوا في الأنام مكانةً ... كمكانة الآلاف في الأعداد أفديك من حر تعبد بره ... شكري وقل له الفدا والفادي ولقد ظفرت من اقتبالك بالمنى ... وبلغت أقصى غايتي ومرادي وأرحت من تعبي بعهدك في ندى ... ظل ونمت على وثير مهاد وشددت منك يدي بعلق مضنة ... ونفضتها بزعانف أنكاد يتعللون من الوفاء بعلةٍ ... ضحك الطبيب لها مع العواد جمحوا إلى ظلمي فسست جماحهم ... ولقيت شدته بلين قياد واستبطنوا حقداً وبين جوانحي ... طبع يسل سخائم الأحقاد ولكم دعي في الإخاء أعرته ... جذب ابن سفيان بضبع زياد حتى إذا رفض الوفاء رفضته ... واعتضت منه بطيب الميلاد لا ذنب لي في طر سائمة الهوى ... منه على السرح الوبيل الصادي أنا قد رضيتك فارضني وأعدني ... إن كنت محتاجاً إلى الإعداد إني لممن إن دعوت لنصرةٍ ... يوماً بساطي حجة وجلاد [٧٧أ] أذكيت دونك للعدا حدق القنا ... وخصمت عنك بألسن الأغماد صلني أصلك وصل فديتك بي أصل ... بك واعتمدني اتخذك عمادي ولئن بدرت إلى رضاي فربما ... وافيتني لرضاك بالمرصاد وعلى تظاهرنا الضمان بقلة ال ... أعداء ثم بكثرة الحساد

стр. 1334

إيه وقلت إلى الوفاء محركاً ... إيه فما خطرت بعطف جماد وزعمت تظلم ساحة ما بيننا ... ظلماً وصبح العدل عندي بادي كلاً فما التسويف من خلقي ولا ... لي الجميل بعادةٍ من عادي وهل التوت بهواك إلا لقية ... أحلى لعيني من لذيذ رقاد أخطرتها وأكر بعد إلى التي ... يدعو المطي لها ويشدو الحادي لابد من ذاك السفار وإن عدت ... عنه الليالي إنهن عوادي سفر إذا استبعدته فسأمتطي ... حرصي، وأجعل من ثنائك زادي خذها نتيجة منكر لودادها ... برم بها قال لها متفادي حذراً من الرد المخل فإنها ... بعث الزيوف إلى بدي نقاد وكان بينه وبين حسام الدولة أبي مروان بن رزين تمكن أنس، فاتفق أن اجتاز على مقربة من بلده، ولم يلتقيا، فعتب ابن رزين عليه، فكتب ابن عمار إليه: لقاؤك النجح لو أعقبته سفري ... ووجهك الصبح لو أقبلته نظري وقصرك البيت لو أني قصدت به ... حجمي ويمناك منه موضع الحجر لم تثن عنك عناني سلوة خطرت ... على فؤادي ولا سمعي ولا بصري

стр. 1335

لكن عدتني عنكم خجلة عرضت ... كفاني العذر فيها بيت معتذر " لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر " وما قيل في العجز عن الشكر، بكثرة البر، أحسن من بيت المعري هذا، وقد تضمنه ابن عمار أحسن تضمين. ونزل ابن عمار في بعض حركاته بحصن شقورة، وانقبضوا عن لقائه استيحاشا منه، فكتب إليهم: أإخواننا هل حال من دوننا أمر ... تراءى لكم أم وحشة جرها الدهر بخلتم بلقيانا وكان نزولنا ... على جفوة منكم وإن عظم البر وما هو إلا مقطع كهوائكم ... عصيب وخلق مثل منزلكم وعر ثقوا بي إذا عن اللقاء فما اعتزى ... إلى شيمتي غدر ولا بيدي سحر وكتب منه إلى أبي الفضل بن حسداي يصف حصن شقورة وحصانته: أدرك أخاك ولو بقافية ... كالطل يوقظ نائم الزهر فلقد تقاذفت الركاب به ... في غير موماة ولا بحر طفحت صحابته بلا سنة ... وتمايلت سكرا بلا خمر [٧٧ ب]

стр. 1336

ومنها في صفة الحصن: وحش تناكرت الوجوه به ... حتى استربت بصفحة البدر متجبر سال الوقار على ... عطفيه من كبر ومن كبر عال كأن الجن إذ مردت ... جعلته مرقاة إلى السر وكتب في ذلك إلى ابن المطرز: تراء لعيني إن أردت مبرتي ... وسبب إلى الحسنى ولو بقسيم فما شم عرف المسك دون تنشق ... ولا اهتز عطف الغصن دون نسيم وكان في ضيافة المعتصم صاحب المرية، بالمنية الصمادحية، فلما أزمع على الرحيل استسرحه بهذه الأبيات: يا واثقا وصل السماح الجود في فضل السماح ... ومطابقا يأتي وجوه الجد من طرق المزاح ... أسرفت في بر الضياف فجد قليلا بالسراح ... فأجابه المعتصم: يا فاضلا في شكره ... أصل المساء مع الصباح هلا رفقت بمهجتي ... عند التكلم بالسراح إن السماح بمثلكم ... والله ليس من السماح

стр. 1337

فلما أزمع على الرحيل، وشرع في سلوك السبيل، وحضر المعتصم لوداعه، أنشده عمار جوابا على أبياته الثلاثة: ألفظك أم كأس الرحيق المعتق ... وخطك أم روض الربيع المنمق ونظمك أم سلك من الدر ناصع ... يروق على جيد العروس المطوق بعثت بها يا قطعة الروض قطعة ... شممت بها عرف النسيم المخلق ثلاثة أبيات وهيهات إنما ... بعثت بها الجوزاء في صفح مهرق هي السحر أسرى في النفوس من الهوى ... وكيف يكون السحر في لفظ متق أمعتصما بالله والحرب ترتمي ... بأبطالها والخيل بالخيل تلتقي دعتني المطايا للرحيل وإنني ... لأفرق من ذكر النوى والتفرق وإني إذا غربت عنك فإنما ... جبينك شمسي والمرية مشرقي وكتب إليه المعتصم يوما بنثر وشعر يقول فيه: وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحبا بعد صاحب فلم ترني الأيام خلا تسرني ... مباديه إلا ساءني في العواقب ولا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلا كان إحدى المصائب فأجابه ابن عمار بقوله:

стр. 1338

فديتك لا تزهد وثم بقية ... سترغب فيها عند وقع التجارب [٧٨ أ] وأبق على الخلصان إن لديهم ... على البدء كرات بحسن العواقب تكنفتني بالنثر عاتبا ... وسقت علي القول من كل جانب وقد كان لي لو شئت رد وإنما ... أجر لساني ذكر تلك المواهب ولا بد من شكوى ولو بتنفس ... يسكن من حر الحشا والترائب كتبت على رسمي وبعد نسيئة ... قرأت جوابي من سطور المواكب ثلاثة أبيات وهيهات إنما ... بعثت إلى حربي ثلاث كتائب وكيف يلذ العيش من عتب سيد ... وما لذتي يوما على عتب صاحب وقبل جرت عن بعض كتبي جفوة ... ألحت على وجهي بغمز الحواجب سلكت سبيلي للزيارة إثرها ... فقابلت دفعا في صدور الركائب وما كنت مرتادا ولكن لنفحة ... تعودت من ريحان تلك الضرائب ولو لمعت لي من سمائك برقة ... ركبت إلى مغناك هوج الجنائب فقبلت من يمناك أعذب مورد ... وقضيت من لقياك أوكد واجب وأبت خفيف الظهر إلا من النوى ... وخليت للعافي ثقال الحقائب سواك يعي قول الوشاة من العدا ... وغيرك يقضي بالظنون الكواذب

стр. 1339

تلخيص التعريف بآخر أمره وكيفية مقتله كان حب الرياسة في رأسه يدور، وأما انتزاؤه بمريسة فمشهور، وأفضت الحال بالرشيد هنالك إلى الاعتقال، بأيدي نصارى الإفرنجة، في جملة من المال كانوا أكثروا بها، فحبسوا الرشيد بسببها، إلى أن افتكه أبوه المعتمد في خبر طويل، وابن عمار صاحب ذلك الرعيل، والملوم في المعلوم من أمره والمجهول، وفساد حاله عند المعتمد يتزايد، وتدابره يتساند. وفي أثناء ما وقع من تدبير تلك الأمور، ونجوم ذلك الاستيحاش والتغيير، خاطبه المعتمد عاتبا متمثلا بهذين البيتين، وكان قد خرج عنه: تغير لي في من تغير حارث ... وكل خليل غيرته الحوادث أحارث إن شوركت فيك فطالما ... نعمنا وما بيني وبينك ثالث فأجابه ابن عمار بقوله:

стр. 1340

لك المثل الأعلى وما أنا حارث ... ولا أنا ممن غيرته الحوادث ولا شاركت الشمس في وإنه ... لينأى بخطتي منك ثان وثالث فديتك ما للبشر لم يسر برقه ... ولا نفحت تلك السجايا الدمائث أظن الذي بيني وبينك أذهبت ... حلاوته عني الرجال الأخابث تنكرت لا أني لفضلك ناكر ... لدي ولا أني لعهدك ناكث ولكن ظنون ساعدتها نمائم ... كما ساعدت مثنى المثاني المثالث أبعد مضت خمس وعشرون حجة ... تجافت بنا تلك الخطوب الكواررث [٧٨ ب] مضت لم ترب مني أمور شوائب ... ولا تليت مني مساع خبائث حللت يدا بي هكذا وتركتني ... نهابا وللأيام أيد عوابث وهل أنا إلا عبد طاعتك التي ... إذا مت عنها قام بعدي وارث أعد نظرا لا توهن الرأي إنه ... قديما نبا هاف وأدرك رائث ستذكرني إن بان حبلي وأصبحت ... تئن بكفيك الحبال الرثائث وتطلبني إن غاب للرأي حاضر ... وقد غاب مني للخواطر باعث أعوذ بعهد نطته بك أن ترى ... تحل عراه العاقدات النوافث قوله: " قديما نبا هاف وأدرك رائث " معنى مشهور، القول فيه كثير، ومن أشهره قول عبيد:

стр. 1341

قد يدرك المبطئ من حظه ... والخير قد يسبق جهد الحريص وقال القطامي: قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل ولما سمعه أعرابي قال: هذا ضبط الناس، هلا قال بعد هذا: وربما ضر بعض الناس بطئهم ... وكان خيرا لهم لو أنهم عجلوا وفي ثناء تلك الحال، التي أفضت بالرشيد إلى الاعتقال، كتب إلى المعتمد بهذه الأبيات: أصدق ظني أم أصيخ إلى صبحي ... وأمضي عزيمي أم أعوج مع الركب إذا انقدت في رأيي مشيت مع الهوى ... وإن أتعقبه نكصت على عقبي وإني لتثنيني إليك مودة ... يغيرها ما قد تعرض من ذنب فما أعجب الأيام في ما قضت به ... تريني بعدي عنك آنس من قربي أخافك للحق الذي لك في دمي ... وأرجوك للحب الذي لك في قلبي وهذا البيت على سهولة مبناه، من أحسن ما قيل في معناه، وبمثله

стр. 1342

فلتنخدع الألباب، وتستعطف الأعداء للأحباب، إلا أن المصراع الأول كأنه شيء تكهنه من شأنه، وطيرة ألقاها الله تعالى على لسانه، وصدق كان له في عنقه ربق، وفي دمه حق، احتال له فناله، والمرء يعجز لا المحالة. وفيها يقول: وكم قد فرت يمناك بي من ضريبة ... ولا بد يوما أن يفلل من غربي ولا بد ما بيني وبينك من ثنا ... يطبقها ما بين شرق إلى غرب وأعلم أن العفو منك سجية ... فلم يبق إلا أن تخفف من عتب فلي حسنات لو أمت ببعضها ... إلى الدهر لم يرتع لنائبة سربي فأجابه المعتمد بقوله: تقدم إلى ما اعتدت عندي من الرحب ... ورد تلقك العتبى حجابا العتب متى تلقيني تلق الذي قد بلوته ... صفوحا عن الجاني رؤوفا على الصحب سأوليك مني ما عهدت من الرضى ... وأصفح عما كان إن كان من ذنب فما أشعر الرحمن قلبي قسوة ... ولا صار نسيان الأذمة من شعبي [٧٩ أ] تكلفته أبغي به لك سلوة ... فليس يجيد الشعر مشترك اللب

стр. 1343

فلم يزده جواب المعتمد هذا إلا توحشا ونفارا، وتوقفا عن اللحاق به وازورار، ولله در أبي الطيب في قوله: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم وعادى محبيه لقول عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم ونقله المتنبي من قول أعرابي: أسأت إلي فاستوحشت مني ... ولو أحسنت ما استبعدت عني أسأت فساء ظنك بي لجاجا ... وما أولى المسيء بسوء ظن وقول المعتمد: " تكلفته أبغي به لك سلوة "، صدق فيما وصف، وزاد على التكلف. وقول ابن عمار: " فلي حسنات لو أمت ببعضها، إلى الدهر " مما ردد لفظه ومعناه، وأصله فيما أراه من قول الفيلسوف: " قد تكلمت بكلام لو مدح به الدهر لما دارت علي صروفه "، وأخذه الناجم فقال: ولي في أحمد أمل بعيد ... ومعنى حين أنشده ظريف مدائح لو مدحت بها الليالي ... لما دارت علي لها صروف وقال المتنبي:

стр. 1344

في فيلق من حديد لو رميت به ... صرف الزمان لما دارت دوائره وكانت حال ابن عمار، حين تردد بتلك الأقطار من بلد بني هود، قد تمكن منهم بالمؤتمن، إلا أن بني عبد العزيز كانوا يشرقونه بريقه، ويوعرون عليه السهل من طريقه، ويبلغه عنهم ما تتوقد له ضلوعه، وتنسكب منه دموعه. بلغه عنه وعن ابن طاهر أنهما ندرا فيه بسبب خاتمين كان المؤتمن ختمه بأحدهما، والآخر اذفونش بن فرذلند، فكتب ابن عمار إلى ابن عبد العزيز: قل للوزير وليس رأي وزير ... أن يتبع التندير بالتندير إن الوزارة مذ لبست رداءها ... وقف على التغيير والتزوير وأرى الفكاهة جل ما تأتي به ... رحماك في التعجيز والتصدير بلغت دعابتك التي أهديتها ... في خاتم التأمين والتأمير وأظنها للطاهري فإن تكن ... فجديرة التقديس والتطهير

стр. 1345

فرسا رهان أنتما فتجاريا ... بالقول في التقديم والتأخير وإذا سلكت سبيله فحقيقة ... كي تتبع التصفير بالتصفير وأرى بلنسية وأنت قدارها ... سينالها التدمير من تدمير وفي بني عبد العزيز أيضاً يقول مغريا بهم، خاطبا لنفسه، ونحلها ابن المطرز الشاعر: بشر بلنسية وكانت جنة ... أن قد تدلت في سواء النار جازوا بني عبد العزيز فإنهم ... جروا إليكم أسوأ الأقدار ثوروا بهم متأولين وقلدوا ... ملكا يقوم على العدو بثار هذا محمد أو فهذا أحمد ... وكلاهما أهل لتلك الدار [٧٩ ب] جاء الوزير بها يكشف ذيله ... عن سوءة سوأى وعار عار وأوى لينصر من نبا المثوى به ... ودهاه خذلان من الأنصار

стр. 1346

نكث اليمين وحاد عن سنن التقى ... وقضى على الإقبال بالادبار ما كنتم إلا كأمة صالح ... فرماكم من طاهر بقدار هذا وخصكم بأشأم طائر ... ورمى دياركم بألأم جار بر اليمين ولم يعرض نفسه ... ونفوسكم بمصارع الفجار لا بد من مسح الجبين فإنما ... لطمته غدرا غير ذات سوار هيهات يطمع بالنجاة لطالب ... ساع إذا ونت الكواكب سار كيف التفلت بالخديعة من يدي ... رجل الحقيقة من بني عمار رجل تطعمه الزمان فجاءه ... طرفين في الإحلاء والامرار سلس القياد إلى الجميل وإن يهج ... فدع العنان لهبة التيار طبن بأعراض الأمور مجرب ... فطن لأسرار المكايد دار ماض إذا برزت إليه مصمم ... حول إذا التفت عليه مدار ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... فسما فأدرك خمسة الأشبار كشاف مظلمة وسائس أمة ... نفاع أهل زمانه ضرار عجبا لأشمط راضع ثدي الوغى ... منه، وطود في القنا الخطار شارب أكواس المدام وتارة ... شراب أكواس الدم الموار جرار أذيال القنا، ظنوا به ... قد زاركم في الجحفل الجرار وكأنكم بنجومه ورجومه ... تهوي إليكم من سماء غبار وأنا النصيح فإن قبلتم فاتركوا ... آثارها خبرا من الأخبار قوموا إلى الدار الخبيثة فانهبوا ... تلك الذخائر من خبايا الدار

стр. 1347

وتعوضوا من صفرةٍ خبيثة ... بأغر وضاح الجبين نضار ولما سمع العتمد هذا القصيد، وقرع سمعه فخار ابن عمار، قال هذه الأبيات، وهي من مليح التعريض، ومقلوب التقريض، وأضافها إلى بيت ابن عمار حيث قال عن نفسه: كيف التفلت بالخديعة من يدي ... رجل الحقيقة من بني عمار فقال المعتمد: الأكثرين مسوداً ومملكاً ... ومتوجاً في سالف الأعصار المكثرين من الكباء لنارهم ... لا يوقدون بغيره للساري والمؤثرين على العيال بزادهم ... والضاربين لهامة الجبار الناهضين من المهود إلى العلا ... والمنهضين الغار بعد الغار إن كوثروا كانوا الحصى أو فوخروا ... فمن الأكاسر من بني الأحرار يضحي مؤملهم يؤمل سيبه ... ويبيت جارهم عزيز الجار تبكي عليهم شنبوس بعبرةٍ ... كأتيها المتدافع التيار يبكي بها القصر المنيف تلألأت ... شرفاته في خضرة الأشجار ما ضاحكته الشمس إلا خلته ... نضحت جوانبه بماء نضار يا شمس ذاك القصر كيف تخلصت ... فيه اليك طوارق الأقدار [٨٠أ] لما تنلك شعوب حتى جاوزت ... غلب الرجال وسامي الأسوار كم كان من أسدٍ هنالك خادرٍ ... لك حارس بأسنة وشفار

стр. 1348

من قومك الزهر الوجوه إذا الوغى ... كست الوجوه الغر ثوب القار من كل أشوس خائض في لجةٍ ... نحو الكماة بشعلة من نار لما نماهم للعلا عمارهم ... تركوا العداة قصيرة الأعمار وشنبوس التي ذكر هي اسم قرية ببادية شلب، كانت مقر سلف ابن عمار. وقوله: " يا شمس ذاك القصر " كانت والدة ابن عمار - زعموا - تدعى بشمس مصغرة. فلما بلغ ابن عمار شعر المعتمد هذا، وقد بلغ من التندير فيه الغاية، وتجاوز من الطنز عليه النهاية، فل حد صبره، ولم يشك أنه من شعره، فشاعت في اناس أشعار، عزيت إلى ان عمار، في القدح في المعتمد وآله وذويه وعياله، منها قصيدة أولها: ألا حي بالغرب حيا حلالا ... أناخوا جمالا وحازوا جالا وعرج بيومين أم القرى ... ونم فعسى أن تراها خيالا لتسأل عن ساكنيها الرماد ... ولم تر للنار فيها اشتعالا وبعده ما أضربت عنه، رغبةً بكتابي عن الشين، وبنفسي أن

стр. 1349

أون أحد الهاجيين، فقد قالوا: الراوية أحد الشاتمين. وقوله: " وعرج بيومين " هي أيضا اسم قرية بقطر إشبيلية كانت أولية بني عباد منها. فلم قرعت الأسماع تلك الأشعار، ونسبت لابن عمار، اشتد حنق المعتمد عليه، ونفوذ المقدور يتسبب لموته على يديه، فلم يزل المعتمد يرتصد فيه الغوائل، وينصب له الحبائل، إلى أن لاح لابن عمار عند صاحب شقورة برق خلب، وكان قد تجاوز بطمعه في الرئاسة طمع أشعب، فول للمؤتمن ابن هود امتطاء صهوتها، وسهل له تسم ذروتها، وإنما أراد أن يخدعه كما خدع ان عباد، فدفع في صدره، وحاق به سيء مكره؛ فلما طرق إليه ولحق بحصنه، لم يلبث أن حصل في سجنه، غدراً به، فجعل ابن عمار لاطفه ويسترحم، وينشده الله في حقن الدم، ووعده في نفسه وضمن له أموالاً، فلم يصغ إليه وشد صفاده اعتقالاً، وطير إلى المعتمد بالخبر، واتفق أن اجتاز الوزير أبو جعفر ابن جرج بذلك الأفق، وابن عمار في المطبق، فخاطبه بهذه الأبيات: كأني أراك أبا جعفر ... تقول وتبسم نحوي مشيرا سفرت ليرجع هذا معي ... وزيراً فلم أر إلا أسيرا

стр. 1350

وهل يملك المرء من أمره ... قبيلاً فينفذه أم دبيرا هو القدر الحتم يعمي الفتى ... وإن كان بالدهر طباً بصيرا واتفق أيضاً وقت القبض عليه يومئذ دخول المعتمد حصن بياسة، وتطارح أهلها عليه، وحصول تلك الجهة في يديه، ورأيت رقعة صدرت عنه في ذلك إلى أحد بينه، وذكر الخائن ابن عمار في فصل منها قال فيه: كتابي يوم كذا، وفي أمسه ورد كتاب المأمون أخيك من داخل حصن بياسة، وأن أهلها لما بلغهم تأهبي لمحاصرتهم، واحتفالي لمنازلتهم، وعلموا أن تدبيرهم قد اضمحل في أيديهم، وأن صريخهم قد خرس عن إجابة داعيهم، وتيقنوا أني إذا نويت مضيت، وإذا لججت حججت، خامرهم الفزع، وضاق بهم المتسع، ومشى بعضهم إلى بعض يتشاورون كيف المصنع، وأين المنزع، فلم يروا لأنفسهم طريقاً أنجى، ولا مهرباً أجدى [٨٠ب] بالخلاص وأحجى، من الترامي علي، والاستسلام إليّ، فبادروا نحوي رجالاً وركباناً، وتسربوا قبلي زرافات ووحداناً، ولم أرد حضرة قرطبة إلا وقد لحق بها منهم أفواج، وسالت بمن وراءهم أباطح وفجاج، كل يستعطف ويستنزل، ويسأل لمن وراءه عفواً يعم ويشمل، فأقبلت وقبلت، وعذرت واغتفرت، وبالغت في تأنيسهم، وتطبيب نفوسهم، والحمد لله على ما من وتطول، وأنعم وأفضل. ووافى هذا الصنع الجميل، والفتح الجليل، آخر تقدمه خطا

стр. 1351

وكان له - ونعم ما كان - فرطاً، وذلك بقبض عتاد الدولة ابي محمد ابن سهيل على الغادر الملحد ابن عمار، قطع الله به وبمن أوى إليه وآل بكل من سعى سعيه او نزع منزعه مآله، بحبائل نصبناها له هنالك حتى علقته، وغوائل أرصدناها حتى أوبقته، وتلك عادة الله الحسنى عندنا، في من غمط نعمتنا ونكث عهدنا، فله الحمد دائباً، والشكر واصباً. قال ابن بسام: وكان القبض على ابن عمار بشقورة يوم الجمعة لست بقيت لربيع الآخر سنة سبع وسبعين، وورد على المعتمد غير ما خطابٍ في معناه ووجه الشفاعة فيه، وجبر صدعه وتلافيه، فسد بابا الشفاعة في ذلك، وشد صفاده هنالك. وممن كان شفع له يومئذ ذو الوزارتين ابن محقور صاحب شاطبة، بخطاب مشهور معروف، ورأيت عليه الجواب من إنشاء ابي الوليد ابن طريف، قال فيه: وقفت على الإشارة الموضوعة من قبلك على أخلص وجوه السلامة، المستنام فيها شرف محتدك وصفاء معتقدك أكرم

стр. 1352

استنامةٍ، في الشفاعة في من أساء لنفسه حظ الاختيار، وسبب لها سبب النكبة والعثار، بغمطه لعظيم النعمة، وقطعه لعلائق العصمة، وتخبطه في سنن غيه واستهدافه، وتجاوزه في ارتكاب الجرائم وإسرافه، حتى لم يدع للصلح موضعاً، وخرق ستر الإبقاء بينه وبين مولى النعمة عنده فلم يترك مرقعاً، وقد كان قبل استشراء دائه، وكشفه لصفحة المعاندة وإبدائه، عذره في جميع جناياته مقبول، وجانب الصفح له معرض مبذول، لكن غيرته الغواية، عن طريق الهداية، فاستمر على ضلاله، وزاغ عن سنن اعتداله، وأظهر المناقضة، وتعرض - بزعمه - إلى المساورة والمعارضة، فلم يزل يريغ الغوائل، وينصب الحبائل، ويركب في العناد أصعب المراكب، ويذهب منه في أوعر المذاهب، حتى علقته تلك الأشراك الني نصبها، وتشبث به مساوئ المقدمات التي جرها وسببها، فذاق وبال فعله ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾ (فاطر: ٤٣) ولم يحصل في الأنشوطة التي تورطها، والمنحسة التي اشتملت عليه وتوسطها، إلا ووجه العفو له قد أظلم، وباب الشفاعة فيه قد أبهم، ومن تأمل أفعاله الذميمة، ومذاهبه اللئيمة، رأى أن الصفح عنه بعيد، والإبقاء عليه داء حاضر عتيد؛ ومثلك في رجاحة ميزانه، ومعرفته بأبناء زمانه، لم يجهل بدأة حاله من القل والضعة، وارتقاءه منها إلى الرفعة والسعة، وإنشائه من ذل الخمول، إلى العز العريض الطويل، وتسويغه عقائل الأموال، وجلائل الأحوال. وفي فصل منها: ففوق لمناضله الجولة نباله، وأعمال في مكايدتها

стр. 1353

جهده واحتياله، ثم لم يقتصر على ذلك، بل تجاوزه إلى إطلاق لسانه بالذم الذي صدر عن لؤم نجاره، والطعن الشاهد بخبث طويته وإضماره، ومن جهل مقدار تلك النعمة التي كان سوغها أولاً، أخلق به أن لا يعرف مقدار العفو عنه آخراً، ومن فسد هذا الفساد كيف يرجى استصلاحه - ومن استبطن مثل غله كيف يؤمل فلاحه، ومن لك بسلامة الأديم النغل، وصفاء القلب الدغل -! وعلى ذلك فلا أعتقد عليك [٨١أ] فيما عرضت به من وجه الشفاعة غير الجميل، ولا أتعدى فيه حسن التأويل، ولو وفدت شفاعتك في غير هذا الأمر الذي سبق فيه السيف العذل، وأبطل غافل الأقدار فيه الألطاف والحيل، لتلقيت بالإجمال، وقوبلت ببالغ المبرة والاهتبال. ما أخرجته من سري نظمه وجزل مقاله مدة اعتقاله من ذلك أبيات خاطب بها صاحب المرية يقول فيها: أصبحت في السوق ينادى على ... رأسي بأنواعٍ من المال فهل فتىً يبتاعني ماجد ... أخدمه مدة إمهالي تالله لا جار على نقده ... من ضمني بالثمن الغالي

стр. 1354

أربح بها مولاي من صفقةٍ ... في سلعة من برك العالي وكتب أيضاً إلى المعتمد: نفسي نحن إلى فداء ... تفديك نفسي من شراء فاسبق بنقدك وعدهم ... مسترخصاً لي بالغلاء ثم امض في على اختيا ... رك من فناءٍ او بقاء والله ما أدري إذا ... قالوا: غداً يوم اللقاء ما أقتل الحالين لي ... إن كان خوفي أو حيائي وكتب إليه أيضاً: سجاياك إن عافيت أندى وأسمح ... وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح وإن كان بين الخطتين مزية ... فأنت إلى الأدنى من الله أجنح حنانيك في أخذي برأيك لا تطع ... عداي ولو أثنوا علي وأفصحوا فإن رجائي أن عندك غير ما ... يخوض عدوي اليوم فيه ويمرح ولم لا وقد أسلفت وداً وخدمةً ... يكران في ليل الخطايا فيصبح وهبني قد أعقبت أعمال مفسدٍ ... أما تفسد الأعمال ثمت تصلح

стр. 1355

أقلني لما بيني وبينك من رضى ... له نحو روح الله باب مفتح وعف على آثار جرمٍ سلكته ... بهبة رحمى منك تمحو وتصفح ولا تلتفت رأي الوشاة وقولهم ... فكل إناء بالذي فيه يرشح سيأتيك في أمري حديث وقد أتى ... برأي بني عبد العزيز موشح تخيلتهم لا در لله درهم ... أشاروا تجاهي بالشمات وصرحوا وقالوا: سيجزيه فلان بذنبه ... فقلت: وقد يعفو فلان ويصفح ألا إن بطشاً للمؤيد يرتمي ... ولكن حلماً للمؤيد يرجح وماذا عسى الواشون أن يتزيدوا ... سوى أن ذنبي ثابت متصحح نعم لي ذنب غير أن لحلمه ... صفاةً يزل الذنب عنها فيسفح سلام عليه كيف دار به الهوى ... إليّ فيدنو أو علي فينزح ويهنيه إن مت السلو فإنني ... أموت ولي شوق إليه مبرح وبين ضلوعي من هواه تميمة ... ستنفع لو أن الحمام يجلح

стр. 1356

قال ابن بسام: بلغني أنه لما وصلت هذه القصيدة إلى المعتمد جعل من بحضرته [٨١ب] من أعداء ابن عمار ينتقدونه، ويطلبون به عيباً لو يجدونه، فجعلوا يقولون: أي معنى أراد، ما قال شيئاً ولا كاد، فقال لهم المعتمد: مهما سلبه الله من المروة والوفاء، فلم يسلبه الشعر، إنما قلب بيت الهذلي فأحسن، وهو قوله: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع فسكت القوم في ناديهم، وسقط في أيديهم. فير أن أبا سالم العراقي جعل يتمضغ بقوله: " يكران في ليل الخطايا " وقال: ما معناه - وهلا بدل هذا اللفظ بسواه - فقال له المعتمد، وأراه طنز عليه، وأشار بالتقصير إليه: أبا سالم، أنزله، وإن استطعت بفضلك فأبد له! فأحجم وتلعثم، ولم يتأخر ولا تقدم. وكذلك قوله: " فماذا عسى الواشون أن يتزيدوا "، وهو لفظ المجنون: وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا إنني لك عاشق وإن كان المعنى مختلفاً فحذو اللفظ واحد. ولحق بشقورة بعد القبض على ابن عمار يزيد بن المعتمد الملقب بالراضي

стр. 1357

فكتب إليه ابن عمار: قالوا أتى الراضي فقلت لعلها ... خلعت عليه من سمات أبيه فأل جرى فعسى المؤيد واهب ... لي من رضاه ومن أمان أخيه قالوا نعم، فوضعت خدي في الثرى ... شكراً له وتيمناً ببنيه يا أيها الراضي وإن لم يلقني ... من صفحة الراضي بما أدريه هبك احتجبت لوجه عذرٍ بينٍ ... بذل الشفاعة أي عذر فيه خفف على يدك الكريمة أسطراً ... في من أسرت فتنثني تفديه ثم صدر عن شقورة، وجاء به إلى قرطبة يوم الجمعة السادس من رجب من العام، وقد برز الناس لدخول الراضي، وابن عمار في ذلك الحفل، في قيوده، على دابى هجينة، حاسراً في ثوب خلق بين عدلي تبنٍ، عظةً لمن اعتبر مجاري الليالي والأيام، ولعبها بالأنام، فكم دخل قرطبة قبل في أبهة الرؤساء، يسحب ذيل الكبرياء، فسبحان من يبسط للمحسن والمسيء عدله، ولا تدوم العزة إلا له. حدثني الوزير أبو عمر الفرضي كاتب حشم المتوكل أنه شهد دخول ابن عمار يومئذ قرطبة، فلم ير زعيماً من زعماء البلد، ولا عظيماً من أهل دولة المعتمد، إلا وهو يمسح عطفه، ويمشي بين يديه أو خلفه، توقعاً

стр. 1358

لكرته، واستدفاعاً لمضرته، فقد كان أكثرهم لا يشك أن غضب المعتمد عليه، نار يطفئها نظره إليه، وتيار يكفه مثوله بين يديه، فقد كان من قلبه بمكان، ومن إيثار قربه في شان. وأخبرني الوزير المذكور أن ابن عمار كان يباهي يومئذ بذلته وقلته، عدد آسره الراضي وعدته، ويقاوم بهوانه وامتهانه بأسه وشدته، حتى كأنه أحد خدمه، أو بعض حشمه. قال: وكتب في أثناء ذلك إلى المأمون بهذه القصيدة الفريدة، وهي من حر النظام، وجزل الكلام، وأولها: هلا سألت شفاعة المأمون ... أو قلت ما في نفسه يكفيني ما ضر لو نبهته بتحيةٍ ... يسري النسيم بها على دارين وهززت منه فقد يقلب سيفه ... يوم الجلاد الحين بعد الحين [٨٢أ] ما لي أنبه ناظراً لم يغف عن ... حظيه من دنيا ولا من دين وأهز من عطفٍ ثناه عطفه ... حتى خشيت عليه فرط اللين بيدي من المأمون أوثق عصمةٍ ... لو أن أمري في يد المأمون أمري إلى مولى إليه أمره ... وكفاك من فوق كفاك ودون حيث استوى الخصمان حقاً والتقى ... عز الغني بذلة المسكين ملك طوى سر المهابة شخصه ... لولا أسرة وجهه الميمون

стр. 1359

جبل سما بذوائبه إلى العلا ... ورسا بهضبته على التمكين متوقد الجنبات كلل دوحه ... بجنى وفجر صفحه بعيون ذلت لأيدي المجتنين قطوفه ... ودنا إليهم من ظلال غصون ونأى لأبصار العصاة فإنما ... يتوهمون نعيمه بظنون بحر إذا ركب العفاة سكونه ... وهب الغنى في عزةٍ وسكون وإذا طمى للذنب لم يسمع به ... إلا الدعاء يعان بالتأمين كم أسكب العذب الفرات على فمي ... ورمى يدي باللؤلؤ المكنون واليوم قد أصبحت في غمراته ... إن لم تغثني رحمة تنجيني بعدت سواحله علي وأدركت ... أمواجه فتلاعبت بسفيني لا شك في أني غريق عبابه ... إن لم يمد الفتح لي بيمين يا فتح جردها عناية فارسٍ ... بطلٍ على حرب الولي أمين متقدم من جده بكتيبة ... مستظهر من لفظه بمكين واقرن شفاعتك الكريمة عنده ... بتواضعٍ عن عزةٍ لا هون في شكة من هيبة وسكينةٍ ... وبضجةٍ من رحمةٍ وحنين فأبوك من تغشى الملوك بساطه ... شوساً فما يرمونه بعيون ما يعرض الجبار منه لحاجةٍ ... إلا برفع يدٍ ووضع جبين يا فتح إن نازلته مستنزلاً ... فاهنأ بفتح من رضاه مبين

стр. 1360

وليخلصن إليك من أعلاقه ... علق يشد عليك كف ضنين وكان قد كتب أيضاً يومئذ إلى الرشيد بهذا القصيد، وهو من قصائده الحرة وقلائده المبرة: قل لبرق الغمام مطو البريد ... قاصداً بالسلام قصر الرشيد فتقلب في جوه كفؤادي ... وتناثر في صحنه كالفريد وانجذب في صلاصل الرعد تحكي ... ضجتي في سلاسلي وقيودي فجزاك الإله من ملكٍ حر ... بقاء التمكين والتمهيد من مطيع عهد الوفاء مطاعٍ ... وودودٍ على النوى مودود [٨٢ب] كنت أشدو عليك يا دوحة المج ... د ويا روضة الندى والجود إذ جناحي ندٍ بظلك طلق ... ولساني رطب على التغريد وأنا اليوم تحت ظل عقابٍ ... لقوة مخوت الجناح صيود

стр. 1361

أتقيها بناظرٍ خافق اللح ... ظ مروعٍ وخاطر مزؤود غير أني سأصطفي لم جهدي ... من ثنا طيبٍ وذكرٍ حميد في قليل من القوافي كثيرٍ ... وذلول من المعاني شرود كلماتٍ كأنها الدر نظماً ... طوقت منك أي طوق وجيد أنت بدر النجوم تحت سنا الشم ... س أتتكم على سماء السعود أنت ريحانة العلا لبني عبا ... د السادة الكرام الصيد أنت إما اعترضتم درة التا ... ج فرند الحسام وسطى الفريد وإذا ما مدحتم نكتة الخط ... بة فص الحديث بيت القصيد وإذا ما ركبتم الخيل صدر الجي ... ش عين اللواء قلب الحديد أنت فيهم إن يعتموا ليلة القدر ... وإذ يصبحون يوم العيد فهنيئاً أبا الحسين خلال ... وصفات جلت عن التحديد وشفوف على الجميع بسن ... وسناء إلى سنا ممدود وهنيئاً من المؤيد حظ ... لا مزيد عليه للمستزيد لك في نفسه العزيزة حب ... شاب فيه حلاوة التوحيد وعلى لحظه النزيه طلوع ... كطلوع البشير بالتأييد وإذا ما شدا بذكرك شادٍ ... قال أحسنت هزة المستعيد فعلام السرى بصبح رضاه ... مع سنا وجهك الأغر السعيد وإلى أين في الشفيع إذا ما ... لم ألذ منك عنده بالرشيد بفتىً نازح المكان مطلٍ ... غائب الشخص ذي اعتناء عتيد

стр. 1362

مشفقٍ يستجيب لي من قريبٍ ... وأنا أستغيثه من بعيد لو أطلت علي رحمة عيني ... هـ انجلت شدتي وذاب حديدي قال ابن بسام: فصدرت هذه الأشعار، يومئذ عن ابن عمار، وهو في قيود الحديد، وقالها على البديه والارتجال، في تلك الحال، من شدة الاعتقال، وبالٍ يناجيه البلبال، قد تيقن أنه لا يفلت، ولا ينظر إلا إلى عدو يشمت، والموت يلاحظه من حيث لا يلتفت، إذ كان المعتمد قد أحضره في تلك الحال غير ما مرة بين يديه، ويعدد ذنوبه عليه، ولو قال كل قصيد ورواه حولاً كاملاً، في أكن ودعة، وفرط شهوة أو شدة حمية وعصبية، لما زاد على ما أجاد، فكانت هذه القصائد القلائد، مع ما تشتمل من البدائع الروائع، رقىً لم تنفع، ووسائل لم تنجع، وإذا سبق القدر، فلا ورد ولا صدر. [٨٣أ] . أخبرت عمن صحب الراضي في وجهته يومئذ من شقورة وكان ممن رقب على ابن عمار، فجعل يكلأوه في طريقه، خوفاً على نفسه ومراعاةً أيضاً لسالف حقوقه، فلما انتهى إلى قرطبة وسلم للقصر، دعي ذلك الرجل مع أصحابه بعد العصر، في سلاح شاكٍ وتعبئة ظاهرة ليصحبوه إلى إشبيلية، فبينما هم عند باب السدة ينتظرون إلى أن يسلم إليهم ابن عمار، وقد انسلخ النهار، إذ أوجسوا نبأةً، فإذا المعتمد قد خرج والشمع بين يديه

стр. 1363

وخدمه حواليه، وابن عمار بينهن على بغلٍ يهزأن به ويتضاحكن، فأعربت حاله يومئذٍ بمباديها، على سوء العاقبة فيها. وحدثني أبو بكر الخولاني المنجم قال: لما وصل المعتمد إلى إشبيلية من وجهته تلك، سجن ابن عمار داخل القصر على قرب منه، وأحضره مراراً بين يديه، يعدد ذنوبه عليه، فبقي مدةً كذلك، في سجنه هنالك، لا يتنفس ولا يتحرك إلا تحت سمعٍ وعينٍ، فاستدعى يوماً سحاءة ودواةً فبعث إليه بزوجٍ كاغدٍ، فكتب إلى المعتمد شعراً استرحمه فيه، فعطف عليه، وأحضره ليلته تلك، ووعده بالعفو عنه، فخاطب ابن عمار من حينه الرشيد بذلك، فلمح تلك المخاطبة عيسى بن الأعلم وزيره يومئذ، فتحدث بالأمر، وذاع السر، وانتهى الخبر إلى الوزير أبي بكر بن زيدون صاحب الدولة وقته، وعداوته لابن عمار أوضح من أن تشرح، فدمغته من ذلك دامغة، وبات بليلة النابغة، وتخلف عن الركوب إلى القصر صبيحة الغد، حتى ورده رسول المعتمد، وحدس أن مجلس سره مع ابن عمار وصل إليه، واستفهمه فوجد نص المجلس عنده

стр. 1364

فازداد حنقاً على ابن عمار الحائن، وحرك ضغنه الساكن، فقال لأحد الصقالب: سل ابن عمار كيف وجد السبيل، مع عظيم الترقيب، إلى إفشاء ما أخذت معه فيه، فلما سأله أنكر، قال المعتمد: فما أراد بالكاغد الذي طلب - قال: إنه أخبر أنه كتب إليك فيه بشعر، قال: هو في ورقة مفردة، فما فعل بالأخرى من الزوج الكاغد المبعوث به إليه - قال: كتب مسودة ذلك الشعر، قال المعتمد: خذها منه لأقف على ذلك؛ فلما لم يجد بداً من النطق بالصدق، رجع إلى الحق، وقال: إني خاطبت الرشيد بما وعدني به مولانا من العفو، فاتقد المعتمد، وقام من فوره كما كان، وأخذ طبرزيناً، وجاء إلى موضع ابن عمار الذي كان فيه مسجوناً، ودخل إليه، ففزع - كما كان في قيوده - إلى تقبيل رجليه، فضربه به، ثم أمر بأن يم عليه، وأخرج ووري في قيوده، خارج باب القصر المبارك المعروف في إشبيلية بباب النخيل، فمضى ﵀ على هذا السبيل. واتفق بأن وقع حفر بموضع رمسه من ذلك المكان، لبنيان عرض فيه بعد نيف على عشرين سنة من مقتله، فأخبرني من شهد إخراج جمجمته وأعظم ساقيه بكبله وهي رميم، " وعند الله تجتمع الخصوم ". وما وقفت في

стр. 1365

تأبين ابن عمار على شعر لأحدٍ من أهل العصر، غير بيت مفردٍ شهد أن المعتمد باشر قتله بيده، وهو لعبد الجليل حيث يقول: عجباً لمن أبكيه ملء مدامعي ... وأقول لا شلت يمين القاتل وكان عبد الجليل متعصباً لابن عمار، مائلاً إليه بطبعه، إذ كان الذي جذب بضبعه، ونوه بذكره، ونفق من شعره، وعرفه بالمعتمد حتى استخلصه لنفسه، وأحضره مجالس أنسه. ويتعلق بهذا القتل الشنيع، خبر غيب المسموع، في ذلك الأوان، وحديث ظريف من الحدثان، أخبرت به عن غير واحد من وزراء المعتمد، وذلك أنه لما مضت لقتل ابن عمار أيام،، حضروا مع المعتمد في مجلس أنس، فلما طابت الأنفس، وأخذت [٨٣ب] منهم حميا الأكؤس، وارتاح المعتمد وهز عطفه، وبدا على قسماته عطفه، سئل عن هذا الخبر المستظرف، الذي كانوا سمعوه من بعض السلف، وأقسموا عليه بتخليد ملكه في أن يحدثهم بحديثٍ كان إليه ينسب، وقالوا: هو من فم مولانا أطيب، فقال لهم كلاماً معناه لعل هذا الاستخبار عن شأن ابن عمار، قالوا: أجل، وطفقوا يفدونه بالأنس، وأكثروا في وداده من شربٍ الأكؤس، فأخبرهم أنه كان أيام مقامه بشلب، قد غلب ابن عمار على نفسه، وأخذ بمجامع أنسه، فأمره وأخذ عليه - إذا دعا أصحابه - أن يكون أول داخلٍ وآخر خارج، ليانس به ويتمتع بأدبه، فيجده ينفر

стр. 1366

نفار الشارد، ويتسلل من مجلسه تسلل الطريدة من يد الصائد؛ فلما أبى إلا اطراداً عن أصله، وطال ذلك عليه من فعله، تقدم إلى أصحاب سدته ليلة في ترقبه من مذهبه، وأنذر وتهدد، وأقام في ذلك وأقعد، وقام ابن عمار كعادته، فلم يحفل المعتمد ليلته بمكانه، لما كان قدم في شانه؛ فلما انفض من كان عنده، التمسه ففقده، وطلبه منتهى جهده فما وجده، وأحضر من كان أوصى فيه إليه، فأخبر أنه لم تقع له عين عليه، فرابه أمره، وخفي عنه سره، فشهر فيما بلغني سيفه وأخذ الشمع بين يديه وجعل يطلبه حيث يحسبه ولا يحسبه، فلما انتهى إلى بعض الدهاليز إذا بحصير مطوي، وابن عمار فيه أغمض من سرٍ خفي، عريان كالأفعوان، فأمر بحمله، وهو قد تعجب من فعله، فلما استقر بالمعتمد المجلس، جعل يبسط جانب ابن عمار ويؤنس، وابن عمار يبكي فيضحك، ويشكو فيشكك، فلما سكن قليلاً، وأفرخ روعه، ورقأ دمعه، سأله عن شأنه فأخبر أنه كلما كانت تأخذ منه الشمول سمع كأن قائلاً يقول: يا مسكين، هذا يقتلك ولو بعد حين، كلاماً هذا معناه، فلا يزال يطلب الأنس بوسعه فيبعد عليه ذلك ويمتنع، حتى يصنع ما يصنع، إلى أن كان له معه الذي قدر. ومن مقاله في أثناء اعتقاله هذه القطعة البديعة: يقول قوم إن المؤيد قد ... أحال في فديتي على نقده

стр. 1367

يا قوم ماذا الشراء ثانيةً ... ترى لمعنى يريب من عنده -! أوحشني والسماح عادته ... سماحه بالغلاء في عبده الحمد لله إن يكن حرجاً ... فليس في مثله سوى حمده وحيلة إن وصلت حضرته ... جعلتها رغبةً إلى جنده لو سامحوا في الفرند أرمقه ... من طرفه لم أخفه من غمده يا رب بشر برحمةٍ وحياً ... يؤنس من برقه ومن رعده ومنهم الوزير الكاتب أبو الوليد حسان بن المصيصي وهو أيضاً من شلب، ومن ذلك الأفق طلعت نجوم الكلام، فأضاءت البلاد، ونشأت غيوم النثار والنظام، فطبقت الهضاب والوهاد؛ إلا أن حساناً هذا وصاحبيه أبوي بكر: ابن عمار وابن الملح كانوا هنالك رؤساء الأمة، ورؤوس إجماع الأئمة، ونجمت دولة المعتمد ابن عباد بتلك البلاد وهم أغصان دوحةٍ، وأخدان غدوةٍ إلى طلب العلم وروحةٍ، يتدارسون

стр. 1368

آياته، ويتبارون إلى أبعد غاياته، ولكل دليل في السنا مشتهر، وسبيل إلى العلياء مختصر. ونهض تصريف المقدار منهم بابن عمار، فشب عن طوفه، بالحمل وأوقه، وبلغ المبلغ الذي استغنى باشتهاره عن تكراره، وتبعه هذان في الانقطاع إلى الدولة، يحسبان كل بيضاء شحمة، ويتخيلان كل ضوء نجمة، ولله في بريته أقدار يمضيها، ومن مشيئته أسرار يتفرد بها فيخفيها؛ فلم يحصلا إلا على لبس ما خلع [٨٤أ] والارتسام حيث أشار ووضع؛ فأما ابن الملح فإنه نفر نفرة الأنف، وفر فرار الحنق الأسف، مؤثراً للانزواء، على الاستخذاء، مكتفياً بالدون، من التصرف على الهون، وكانت له خلال ذلك مدائح يهديها، ورحل إلى الحضرة يحمل على نفسه الأبية فيها، فيطرأ جديداً، ويصادف عهداً بها بعيداً، فيؤوب ضخم العياب، محمود المقام والإياب. وأما حسان هذا فصدق الحملة، ولزم الجملة، مغتبطاً بما خول، جاعلاً نفسه حيث جعل، ورضي من ابن عمار بوطء عقبه، ولزوم مركبه، وابن عمار يرعاه لمكانه، ويخاف انتباه المعتمد لشانه، حتى زاحمه أخيراً بالأديب أبي محمد عبد الجليل، فأقرا له بالفرق، وأخذ منهما جميعاً قصبات السبق. وكان ابن عمار بعد ذلك كله

стр. 1369

كلما مر ذكر عبد الجليل ألقى بيديه، وشهد له بالفضل عليه، وليست الحظوظ بالأقدار، ولا الأمور على الاختيار، ولما أنشأ المعتمد لابنه الفتح، دولته بقرطبة المتقدمة الشرح، أصحبه حساناً هذا كاتب سره، وصاحب أكثر أمره. وقد أخذت من شعره أعدل شاهدٍ على ما أجريت من ذكره. جملة من شعره في المدح وما يتصل به له من قصيدة أولها: أضاء بك الأفق الذي كان أظلما ... وقد لحت في الإكليل بدراً متمما على أي وجهٍ لم يشعشع طلاقةً ... وفي أي ثغرٍ لم ينور تبسما وقد صغت من ذاك المحيا وحسنه ... صباحاً ومن تلك الخلائق أنجما إذا غبت عن ارضٍ تمثل أهلها ... " عسى وطن يدنو بهم ولعلما " ومنها: ألا قل لأرباب المخائض أهملوا ... فظل ابن عباد عليهن أينما فهل تقتدي الأعلام فيك بحارها ... لتحظى بعقد السلم منك فتسلما مع الله يمضو إن مضوا مع غيره ... ولله أحرى أن يفل ويغنما ولدت مع الإقدام في ساعةٍ معاً ... ففداك في الهيجاء كونك توأما

стр. 1370

ولله عادات لديك جميلة ... يفيدك أرياً حيث تحسب علقما ولو جبلي طي رميت بفرقةٍ ... لجاء أجا سلمى إليك مسلما لذاك ابن عمار ثنى اذفونش طائعاً ... بسعدك حتى لو أمرت لأسلما ولم يبق رومياً بفضلك مشركا ... وإن أشركوا بالله عيسى بن مريما تفاءلت باسم الفتح لما لقيته ... لتفتح أمراً خاله الناس مبهما تلاقيتما للسعد بدراً وكوكباً ... أباً لا يبارى في المكارم وابنما ومنها: أراه وأرجوه وأنشر فضله ... فيملأ مني العين والكف والفما ومعنى هذا البيت الأخير كقول ابن شرف: سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل وغلى هذا المعنى أيضاً ينظر قول الحسن على رأي بعض من فسر وهو: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... وقوله: " ولم يبق رومياً بفضلك مشركاً " كقول محمد بن هانئ:
следующие страницы →