← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

نفار الشارد، ويتسلل من مجلسه تسلل الطريدة من يد الصائد؛ فلما أبى إلا اطراداً عن أصله، وطال ذلك عليه من فعله، تقدم إلى أصحاب سدته ليلة في ترقبه من مذهبه، وأنذر وتهدد، وأقام في ذلك وأقعد، وقام ابن عمار كعادته، فلم يحفل المعتمد ليلته بمكانه، لما كان قدم في شانه؛ فلما انفض من كان عنده، التمسه ففقده، وطلبه منتهى جهده فما وجده، وأحضر من كان أوصى فيه إليه، فأخبر أنه لم تقع له عين عليه، فرابه أمره، وخفي عنه سره، فشهر فيما بلغني سيفه وأخذ الشمع بين يديه وجعل يطلبه حيث يحسبه ولا يحسبه، فلما انتهى إلى بعض الدهاليز إذا بحصير مطوي، وابن عمار فيه أغمض من سرٍ خفي، عريان كالأفعوان، فأمر بحمله، وهو قد تعجب من فعله، فلما استقر بالمعتمد المجلس، جعل يبسط جانب ابن عمار ويؤنس، وابن عمار يبكي فيضحك، ويشكو فيشكك، فلما سكن قليلاً، وأفرخ روعه، ورقأ دمعه، سأله عن شأنه فأخبر أنه كلما كانت تأخذ منه الشمول سمع كأن قائلاً يقول: يا مسكين، هذا يقتلك ولو بعد حين، كلاماً هذا معناه، فلا يزال يطلب الأنس بوسعه فيبعد عليه ذلك ويمتنع، حتى يصنع ما يصنع، إلى أن كان له معه الذي قدر. ومن مقاله في أثناء اعتقاله هذه القطعة البديعة: يقول قوم إن المؤيد قد ... أحال في فديتي على نقده

стр. 1367

يا قوم ماذا الشراء ثانيةً ... ترى لمعنى يريب من عنده -! أوحشني والسماح عادته ... سماحه بالغلاء في عبده الحمد لله إن يكن حرجاً ... فليس في مثله سوى حمده وحيلة إن وصلت حضرته ... جعلتها رغبةً إلى جنده لو سامحوا في الفرند أرمقه ... من طرفه لم أخفه من غمده يا رب بشر برحمةٍ وحياً ... يؤنس من برقه ومن رعده ومنهم الوزير الكاتب أبو الوليد حسان بن المصيصي وهو أيضاً من شلب، ومن ذلك الأفق طلعت نجوم الكلام، فأضاءت البلاد، ونشأت غيوم النثار والنظام، فطبقت الهضاب والوهاد؛ إلا أن حساناً هذا وصاحبيه أبوي بكر: ابن عمار وابن الملح كانوا هنالك رؤساء الأمة، ورؤوس إجماع الأئمة، ونجمت دولة المعتمد ابن عباد بتلك البلاد وهم أغصان دوحةٍ، وأخدان غدوةٍ إلى طلب العلم وروحةٍ، يتدارسون

стр. 1368

آياته، ويتبارون إلى أبعد غاياته، ولكل دليل في السنا مشتهر، وسبيل إلى العلياء مختصر. ونهض تصريف المقدار منهم بابن عمار، فشب عن طوفه، بالحمل وأوقه، وبلغ المبلغ الذي استغنى باشتهاره عن تكراره، وتبعه هذان في الانقطاع إلى الدولة، يحسبان كل بيضاء شحمة، ويتخيلان كل ضوء نجمة، ولله في بريته أقدار يمضيها، ومن مشيئته أسرار يتفرد بها فيخفيها؛ فلم يحصلا إلا على لبس ما خلع [٨٤أ] والارتسام حيث أشار ووضع؛ فأما ابن الملح فإنه نفر نفرة الأنف، وفر فرار الحنق الأسف، مؤثراً للانزواء، على الاستخذاء، مكتفياً بالدون، من التصرف على الهون، وكانت له خلال ذلك مدائح يهديها، ورحل إلى الحضرة يحمل على نفسه الأبية فيها، فيطرأ جديداً، ويصادف عهداً بها بعيداً، فيؤوب ضخم العياب، محمود المقام والإياب. وأما حسان هذا فصدق الحملة، ولزم الجملة، مغتبطاً بما خول، جاعلاً نفسه حيث جعل، ورضي من ابن عمار بوطء عقبه، ولزوم مركبه، وابن عمار يرعاه لمكانه، ويخاف انتباه المعتمد لشانه، حتى زاحمه أخيراً بالأديب أبي محمد عبد الجليل، فأقرا له بالفرق، وأخذ منهما جميعاً قصبات السبق. وكان ابن عمار بعد ذلك كله

стр. 1369

كلما مر ذكر عبد الجليل ألقى بيديه، وشهد له بالفضل عليه، وليست الحظوظ بالأقدار، ولا الأمور على الاختيار، ولما أنشأ المعتمد لابنه الفتح، دولته بقرطبة المتقدمة الشرح، أصحبه حساناً هذا كاتب سره، وصاحب أكثر أمره. وقد أخذت من شعره أعدل شاهدٍ على ما أجريت من ذكره. جملة من شعره في المدح وما يتصل به له من قصيدة أولها: أضاء بك الأفق الذي كان أظلما ... وقد لحت في الإكليل بدراً متمما على أي وجهٍ لم يشعشع طلاقةً ... وفي أي ثغرٍ لم ينور تبسما وقد صغت من ذاك المحيا وحسنه ... صباحاً ومن تلك الخلائق أنجما إذا غبت عن ارضٍ تمثل أهلها ... " عسى وطن يدنو بهم ولعلما " ومنها: ألا قل لأرباب المخائض أهملوا ... فظل ابن عباد عليهن أينما فهل تقتدي الأعلام فيك بحارها ... لتحظى بعقد السلم منك فتسلما مع الله يمضو إن مضوا مع غيره ... ولله أحرى أن يفل ويغنما ولدت مع الإقدام في ساعةٍ معاً ... ففداك في الهيجاء كونك توأما

стр. 1370

ولله عادات لديك جميلة ... يفيدك أرياً حيث تحسب علقما ولو جبلي طي رميت بفرقةٍ ... لجاء أجا سلمى إليك مسلما لذاك ابن عمار ثنى اذفونش طائعاً ... بسعدك حتى لو أمرت لأسلما ولم يبق رومياً بفضلك مشركا ... وإن أشركوا بالله عيسى بن مريما تفاءلت باسم الفتح لما لقيته ... لتفتح أمراً خاله الناس مبهما تلاقيتما للسعد بدراً وكوكباً ... أباً لا يبارى في المكارم وابنما ومنها: أراه وأرجوه وأنشر فضله ... فيملأ مني العين والكف والفما ومعنى هذا البيت الأخير كقول ابن شرف: سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل وغلى هذا المعنى أيضاً ينظر قول الحسن على رأي بعض من فسر وهو: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... وقوله: " ولم يبق رومياً بفضلك مشركاً " كقول محمد بن هانئ:

стр. 1371

لم يشركوا في أنه خير الورى ... ولذي البرية عندهم شركاء [٨٤ب] وله من أخرى فيه، أولها: من استطال بغير السيف لم يطل ... ولم يخب من نجاح سائل الأسل أعدتك صحبتك الأرماح شيمتها ... فانفذ نفوذ القنا في الأمر واعتدل وإن أتتك أمور لم تعد لها ... فانهض برأيك بين الريث والعجل أقدم على عجل وارغب على زهد ... واغلظ على رقة واسفر على خجل حاز المؤيد مما قلت أفضله ... وزاد للفرق بين القول والعمل وهذا البيت الأخير مما بعد شأوه، وفات سروره، وتجاوز أكثر الحد عفوه. ملك تواصله الدنيا ويهجرها ... سراً ويلبس تقوى الله في الحلل لا تحمدن زهد من لم يعط رغبته ... لعلة غض من جفنيه ذو الحول وكم له سنة ضاء الزمان بها ... ضوءاً بلا لهب كالشمس في الطفل تعطي الهواء ومتن الأرض غرته ... نوراً ونوراً عطاء الشمس في الحمل وهذا البيت لحسان من حسنات شعره، وأبين آيات ذكره، فيه توليد، شهد أنه شاعر مجيد:

стр. 1372

تنهاه عفته عن أمر بطشته ... فالمشرتي عنده قاضٍ على زحل وهذا البيت أيضاً من مليح المنظوم، وله اختصاص حسن بأحكام النجوم؛ ومنها: يطوي على نور إيمان جوانحه ... فالنفس من كوكب والجسم من رجل لم يعق يوماً ولا احلولى لمسترطٍ ... وإنما هو بين الصاب والعسل جر الذيول ولكن من جحافله ... على القتاد ولكن من شبا الأسل وهذا البيت أيضاً مما برز في لفظه ومعناه، وأراده كثير من الشعراء فأعياه: فلم يطأ غير ما تحكي شمائله ... مع الجزالة من سهلٍ ومن جبل جلالة أدخلت أملاك أندلس ... تحت الخناعة والإحجام والفشل كأن ملكك أسنى من ممالكهم ... وأن دولتك العليا على الدول لما دعا الغادر المضعوف قال له ... أخوه عنك: أخي لا تبك في طلل صفحت عنه لآمال له سلفت ... وربما كره التفصيل للجمل قد يدخل المسلم المخطي الجنان غداً ... بنيتي أرتجي الغفران لا عملي وهذا البيت مما خلص فيه يقينه، وحسنت بخالقه ظنونه، وعسى الله أن يلقيه مآلها، فرب مرحومٍ بكلمة قالها. وما أحسن أيضاً ما أنشدته للحسن بن رشيق، وقد منح من التوفيق

стр. 1373

لسلوك هذا الطريق: إذ أتى الله يوم الحشر في ظلل ... وجيء بالأمم الماضين والرسل وحاسب الخلق من أحصى بقدرته ... أنفاسهم وتوفاهم إلى أجل ولم أجد في كتابي غير سيئةٍ ... تسوءني وعسى الإسلام يسلم لي رجوت رحمة ربي وهي واسعة ... ورحمة الله لي أرجى من العمل [٨٥أ] وفي هذه القصيدة يقول حسان: لولا الكتائب لم تنظم مواكبها ... نظم العقود لكان الدهر ذا عطل من كل معتقل بالبأس مخترطٍ ... للعزم، مدرع للحزم مشتمل يقودهم من بني قحطان ذو بدعٍ ... من الندى والمعالي لا من النحل ينبيك سؤدده عن صيد معشره ... فليس يزري أخير المجد بالأول لا تعجبنك عليا لا قديم لها ... ولا تخل غرة ما ابيض بالكفل بيض يمانون إن سلوا يمانيةً ... لم يعرف السيف في الهيجا من الرجل وكم جلوا بالندى من ليل مفتقرٍ ... كأنه دمعة في جفن مكتحل إذ كل نابتةٍ شوك بلا ثمرٍ ... وكل طائرةٍ شور بلا عسل طلبت مثلهم في غير حيهم ... فلم أجد غرر الأفراس في الإبل ما زال يندى على كفي بنائله ... حتى مسحت عللا عيني من بلل من مبلغ يده أني نظمت لها ... شكراً جعلت قوافيه من القبل شكراً ذكرت به من جوده سرفاً ... كأنه مفرغ في قالب العذل

стр. 1374

لعل عذري في ذا الغزو قد عرفت ... أسراره بلسان صادقٍ مذل وما الحروب ومثلي أن يشاهدها ... وإنما أنا حسان وأنت علي قال ابن بسام: وأظن حساناً هذا لم يكن له علم بالسير، ولا تصرف بعلم الخبر، وقد رأيت جماعةً من أهل الأدب ينسبون حسان ابن ثابت ﵀ إلى الجبن، ويخرجونه من أهل الضرب والطعن، يحتجون في ذلك بقعوده عن رسول الله، ﷺ ، في مغازيه وسراياه، وينشدون له في ذلك شعراً أظنهم نحلوه إياه، وهي هذه الأبيات على رواية بعض الرواة: أيها الفارس المشيح المطير ... إن قلبي من السلاح يطير ليس لي قوة على رهج الخي ... ل إذا ثور الغبار مثير أنا في ذا وعند ذاك بليد ... ولبيب في غيره نحرير ولا أمتري أنها منحولة إليه، ومفتعلة عليه؛ وبلغ من حججهم على ذلك حديثه في شأن اليهودي يوم الأحزاب المطيف بالأطم الذي كان النبي ﷺ ، أحرز فيه النساء والأبناء، وإن حساناً حض صفية بنت عبد المطلب على قتله وأخذ سلاحه، ويقولون لم تكن به قوة على سلبه، فضلاً عن حربه، وذهب عليهم أن حساناً، ﵀، كان

стр. 1375

قد أصيب في بعض حروبهم في الجاهلية، فقطع أكحله، وفي ذلك يقول: وخان قراع يدي الأكحل ... ومن أدل شيءٍ على ذلك أنه هاجى في الجاهلية والإسلام أكثر من ثمانين شاعراً، لم يصفه أحد بالجبن ولا عيره به، ولم يكن شيء يتعايرون به أشد. ولحسان أيام مشهورة، ومواطن في الحروب مذكورة، وكان ممن له كنيتان في السلم والحرب، كما كان الأبطال تفعل على عهده، كان يكنى في السلم بأبي الوليد، وفي الحرب بأبي نعامة. وقد أولع ابن المصيصي [٨٥ب] بهذا المعنى فأعاده وأبداه، وألحمه وأسداه، وأعجبه ما اتفق له منه، حتى أخرجه إلى ما كان في مندوحةٍ عنه، والشعر ميدان ربما دعا الأرن إلى المراح، وأخرج السابق إلى الجماح، فقال من قصيدة يمدح بها المعتمد، وذكر نفسه وابن عمار: كأن أبا بكر أبو بكر الرضى ... وحسان حسان وأنت محمد فأراد أن يعرب فأعجم، وأحب أن يضيء فأظلم، ونعوذ بالله من الخطل في القول، ونبرأ إليه من القوة والحول.

стр. 1376

وقول ابن المصيصي: " من مبلغ يده " ... البيت كقول ابن عبدون: بلغ سلام فمي يدي ملكٍ ... غاب الملوك عن العلا وشهد وكرره ابن عبدون في موضعٍ آخر، فقال: وبلغ عن فمي يده سلاماً ... كما أدنى الأزاهير الرباب وقول حسان: " ويلبس تقوى الله في الحلل " لفظ أبي الطيب: وكساني الدرع في الحلل ... وقوله: " لا تحمدن زهد من لم يعط رغبه " ... البيت، معنى قد أكثر الناس فيه، وإن كان لحسان فضل بزيادة التشبيه؛ ومن شهوره قول حبيب: إذا المرء لم يزهد وقد صبغت له ... بعصفرها الدنيا فليس بزاهد وقد أحسن فيه أبو الطيب بقوله: والظلم في خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم وقال بعض أهل عصري: تورعوا بين لا عزٍ ولا ظفر ... وأكثر الضعف محسوب على الورع

стр. 1377

وقوله: " كالشمس في الطفل " معنى بين النقصان، قصير الباع في مدى الإحسان، وفيه نقد أعرب عنه بعض أهل زماننا، ومن في طبقة ديواننا، وهو أبو حاتم الحجازي، وزاد فيه بقوله: فكفى من الدينار صفرة وجهه ... الشمس صفرتها من اجل زوالها وقد نقله بعض أهل عصري إلى النسيب، فقال: يعيبونها عندي لصفرة وجهها ... فقلت الهرقليات أوجهها صفر وقوله للمعتمد: " فلم يطأ غير ما تحكي شمائله ". البيت، أرى حساناً مما بلح فيه سيره، ووقع طيره، هذا يطأ المعتمد فليت شعري ما يطأ غيره -! وقوله: " من كل معتقل بالبأس مخترط " ... البيت من التقسيم المليح في القريض، الذي كثيراً ما يتفق في هذه العروض، وهو شبيه بقول أبي سعد المخزومي: ما يريدون لولا الحين من رجلٍ ... بالليل مدرعٍ بالجمر مكتحل وشبيه أيضاً بقول أبي تمام:

стр. 1378

تدبير معتصمٍ، بالله منتقم ... في الله مرتغب، لله مرتقب إلى غير ذلك مما لا يحصى، والإحاطة لله تعالى. وقال حسان من قصيدة أولها: بياض أياديك تحكي الصفاح ... ومثل نفاذك تحذو الرماح [٨٦أ] وأنبتت الحرب شوك القتاد ... وفتحت الورد فيها الجراح وكم لك في السلم وجه حيي ... وكم لك في الحرب وجه وقاح فما غير أصلك عود نضار ... ولا غير لخمك حي لقاح فجودك صرف عداه المزاج ... وطبعك جد عداه المزاح فلو كان خيمك من ماء كرمٍ ... لما شابه فيك ماء قراح ألم تر غادر اسطبة ... حوى الخسر صفقته لا الرباح سيدعى براقش أصحابه ... فقد دل منه عليهم نباح فداسوا على قصد الذابلات ... تبكي دماءً عليها الصفاح وغنى الحمام برقص الرؤوس ... ولذ اغتباق وطاب اصطباح أيخفى علاك على ذي جفون ... ويطمع يبدو إليه الصباح ولما زجرت بذكرك شعري ... تبين ينثال فيها المراح

стр. 1379

ولولا أياديك خابت يدي ... ولم يور من زند فكري اقتداح برقة معناه يسري كلامي ... إذا الخصر رق يجول الوشاح وجدت معاليك أصلاً لشعري ... وهل نظم الدر لولا النصاح لك الفضل أن طاب شكري ونشري ... بطيب الرياض تفوح الرياح وله فيه أيضاً من قصيدة: ليس العلا إلا على كرمٍ ... أيقوم خط ما له سطح من لخم أصلك يا مملك أم ... في الخط نبتك أيها الرمح كأس المسرة قد سكرت بها ... والحد يلزمني متى أصحو شد في الوغى لك منزلاً خشناً ... لا يهلك الديباج والصرح ودع الرياض لمن يلذ بها ... ما إن لغير مكارم نفح أذكى من الآس النضير قناً ... وأنم من ورد الربى جرح إن النصاح من الورى خلق ... حتى الكواكب بينها النطح قال أبو الحسن: وهذه المقطوعة له من التحريض الحسن، لولا اعتراض المقادير أن تمر بأذن.

стр. 1380

وقال فيه من أخرى: غنى الحمام ولو رآني ناحا ... وأعارني نحو الحبيب جناحا ونعم كلانا فاقد محبوبه ... قلق، ولكني كتمت وباحا ومنها: ثم انثنى ليعلمني ريقاً ومن ... قدمات سكراً كيف يشرب راحا فعففت عن رشفي مدام رضابه ... وجنيت من وجناته التفاحا وثلاثةٍ خالطتها بثلاثةٍ ... ما ينتشق منه المتيم فاحا المسك والشعر الملخلخ والدجى ... والوجه والكافور والإصباحا [٨٦ب] ليس الملاحة في الوجوه تروقني ... يوماً إذا الأخلاق كن قباحا سبحان من خص المؤيد بالعلا ... كملاً وعم بحبه الأرواحا ملأت بطاعته القلوب أناته ... أضعاف ما ملأت لهاه الراحا يا أهل قرطبة اغرفوا من بحره ... فطالما خضضتم الضحضاحا هل لي إلى الشعراء من ذنبٍ سوى ... سبقي إلى عليائك المداحا ومنابذ ناءٍ حذرت أناته ... ما غرني لما أتى وانزاحا لا تأمنن مكر العدو لبعده ... إن امرأ القيس اشتكى الطماحا قال ابن بسام: وخبر الطماح على ما ذكر الرواة: رجل من بني

стр. 1381

أسد كان امرؤ القيس قتل أخاه، فلما توجه إلى أرض الروم مع صاحبه عمرو بن قيثمة الذي يقول: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... ووصل إلى قيصر وأكرمه، ووجه معه جيشاً فيه أبناء الملوك، فلما فصل أتى الطماح فوشى بع إلى قيصر، وقال: إنه أعرابي عاهر يشبب بابنتك في شعره، ويشهرها عند العرب، فبعث إليه قيصر بحلة منسوجة بالذهب مسمومة، وقال: إني أرسلت إليك بحلتي تكرمةً، فالبسها باليمن والبركة، فسر بذلك ولبسها، فأسرع إليه السم، وسقط جلده، ولذلك سمي ذا القروح، وقال في ذلك: لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا ولو أنها نفسي تموت جميعةً ... ولكنها نفس تساقط أنفسا وقد كرر معنى هذا البيت وأوجزه بقوله: وإن كنت قد أزمعت قتلي فأجملي ... أي اقتليني جملة ولا تنوعيه. وإلى هذا المعنى ينظر من طرف مريب

стр. 1382

قول عبدة بن الطيب: فما كان قيس هلكه هلكٍ واحدٍ ... ولكنه بنيان قومٍ تهدما هذا على تفسير من جعل هلكه هلك جميع من اتبعه وعاش في رفده، كما قال الآخر: ولكن الرزية فقد قرمٍ ... يموت لموته خلق كثير وأبين منه وأولى بقول امرئ القيس قول المجنون: وعروة مات موتاً مستريحاً ... وها أنا ميت في كل يوم لا بل أشبههم عندي بقول امرئ القيس ذي القروح، قول قيس ابن الذريح: تساقط نفسي حين ألقاك أنفساً ... يردن فما يصدرن إلا صوايا وتمام الحديث عن امرئ القيس أنه رأى هنالك حين احتضر قبر امرأة من بنات الملوك، في سفح جبلٍ يقال له عسيب، وأخبر بقصتها فقال:

стр. 1383

أجارتنا إنا غريبان ها هنا ... وكل غريبٍ للغريب نسيب ومات فدفن إلى جنب تلك المرأة. وروي أن امرأ القيس دفن بأنقرة الروم، وأنهم اتخذوا صورته كما يفعلون بمن يعظمونه. وحدث المأمون أنه مر بأنقرة ورأى صورة أمرئ القيس قال: فإذا رجل مكلثم الوجه، يريد مستديره؛ وقيل المدفون بعسيب صخر أخو الخنساء، وهو القائل: وإني مقيم ما أقام عسيب ... رجع: وقال حسان بن المصيصي: روض الشباب تناوبت أزهاره ... وليّ بنفسه وجاء بهاره [٨٧أ] ود المها لو أن أسود لحظه ... أضحى خضاباً حين شاب عذاره قد كان يعجبهن خفة حلمه ... فالآن ساء الغانيات وقاره ترك الذي اشتمل الكثيب إزارها ... منه الذي اشتمل العفاف إزاره ومنها: إني على هذا لأسمع بالصبا ... فيسرني ممن صبا أخباره

стр. 1384

ومنها في المدح: هو أعرف الكرماء، إن سميتهم ... جهلوا، ودل على اسمه إضماره لا تعذلنه على إهالته اللهى ... في كيمياء المجد بان نضاره لا تغترر بالبشر من سطواته ... فالسيف فيه فرنده وغراره يأبى لمولاي الهوان وظلمه ... كأبي عرارٍ إذ أهين عراره لا يستطيع النكس ينطق باسمه ... وانظر كما حمل اسمه ديناره قل للمؤيد إذ تقليه ابنه ... إن الدجى متشابه أقماره يحكيك في شأو العلاء وإنما ... تجري إلى أمد الجواد مهاره إن تمضه رمحاً فأنت وشيجه ... أو توره قبساً فأنت عفاره وقال يداعب ابن جمهور: شكوت إليه بفرط الدنف ... فأنكر من علتي ما عرف وقال الشهود على المدعي ... وأما أنا فعلي الحلف

стр. 1385

فجئنا ابن جمهورٍ المرتضى ... فقيه الملاح وقاضي الكلف وكان بصيراً بحكم الملاح ... ويعلم من أين أكل الكتف فأومى إلى الخد أن يجتنى ... وأومى إلى الريق أن يرتشف وقال له جاهداً في انتصافي ... دعوا يا مخنيث هذا الصلف كذا تقتلون مشاهيرنا ... إذا مات هذا فأين الخلف -! وأرى حساناً أراد أن يسلك من هذه السبيل، مسلك ابن معمرٍ جميل، في قصيدته حيث يقول: وقلت لها: اعتديت بغير جرمٍ ... وغب الظلم مرتعه وبيل فجاء بين الشعرين ما بين الشاعرين، وبين القطعتين ما بين الزمانين؛ على أن محاسن حسانٍ كثيرة، وحسناته مشهورة، وإنما ألمعت منها بقليل، لزهدي في التطويل.

стр. 1386

ومنهم الوزير الفقيه أبو بكر بن الملح قال ابن بسام: وأبو بكر، فرد من أفراد العصر، وهو من بيت أصالة، وبحبوحة جلالة، وفارس ميداني الزهد والبطالة، وشاعر ناد، وخطيب أعواد، غبر صدراً من زمانه لا يحفل بعاذل، ولا يصغي في الفتوة إلى قول قائل، وكان في ذلك أحسن من التوريد في الخد، وبمكان الحلمة من النهد، والدين في أثناء [٨٧ب] تلك الوهلة، وبين خصاصات تلك الغفلة، يستطيل غيبته، وينتظر أوربته، فلما أقصر باطله، وأسمعه عذاله وعواذله، تلقاه باليمين، واشتراه بالثمن الثمين، فأصبح سجير عنزة ومنبر، وأمسى سمير مصحف ودفتر؛ وفي ذلك يقول من أبيات: وكنت فتى الكاس عهد الشباب ... فصيرني الشيب شيخ الدعاء ومد لأبي بكر هذا العمر وعاش إلى وقت تحريري هذا المجموع سنة خمسمائة، وتوفي ﵀ في شهر رمضان منها؛ وقد أثبت من شعره ما يملأ الأسماع بياناً، ويبهر الطباع حسناً وإحساناً.

стр. 1387

ما أخرجته من شعره في النسيب وما يناسبه قال: حسب القوم أنني عنك سالي ... أنت تدري سريرتي ما أبالي قمري أنت كل حين وبدري ... فمتى كنت قبل هذا هلالي أنت كالشمس لم تغير ولكن ... حجبت ليلها حذار الملال ما مللنا فكان ذا غير أنا ... قد حسبناه من صروف الليالي وقال: ظبي يموج الهوى بناظره ... حتى إذا ما رنا به انبعثا مبتدع البخل لا كفاء له ... يعد شكوى صبابتي رفثا أنكر سقمي وما قصدت له ... وما تعرضت للهوى عبثا أقسم في الحب أن أموت به ... فما قضى بره ولا حثا وقال: حبيب إلينا أن نراك على طيب ... حراماً بشرب الراح من كل تأنيب تكسبك الصهباء فضل خلائقٍ ... وعندك فضل آخر غير مكسوب

стр. 1388

ومن قصائد ابن الملح المطولات في المدح قال من قصيدة في المعتمد أولها: سكن اشتياقك ما عدا عما بدا ... أرويت أم حمت الخطوب الوردا لم يطف وجدك إنما هي شعلة ... كالسيف جرده المقام وأغمدا والعضب يستره القراب وربما ... خشنت مضاربه الرقاق من الصدا والروض يبعث بالنسيم كأنما ... أهداه يضرب لاصطحابك موعدا سكران من ماء النعيم وكلما ... غناه طائره وأطرب رددا يأوي إلى زهرٍ كأن عيونه ... رقباء تقعد للأحبة مرصدا زهر يفوح به اخضرار نباته ... كالزهر أسرجها الظلام وأوقدا ويبيت في فنن توهم ظله ... بالصبح في عين القرارة مرودا قد خف موقعه لديه وربما ... سمح النسيم بعطفه فتأودا أعلى محل الشعر أن قصائدي ... جعلت مديحك بالمعاني مقصدا [٨٨أ] خطبته تركب بطن كفي منبرا ... ودعتك تعمر ظهر كفك مسجدا أثقلت أعناق المآرب لؤلؤاً ... وملأت آماق البصائر إثمدا

стр. 1389

كم قد ركبت إليك كاهل همةٍ ... كادت تغالط في أخيه الفرقدا أبغي لديك العيش أخضر يانعاً ... فأجوب جنح الليل أسفع أسودا يقظان تحسبني الكواكب ناظراً ... فيها يراقب للغزالة مولدا وإذا تكنفني النهار لبسته ... وهجاً لفوحاً أو سراباً مزبدا رطب الجوانح في اليباب كأنما اس ... تهديت في الماء الخفي الهدهدا قال ابن بسام: لو قطع المفازة التي اهتدى فيها أصحاب رسول الله، ﷺ ، ببيت الضليل حيث يقول: تيممت العين التي عند ضارجٍ ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي ما زاد على ما وصف، فكيف في رقعة من الأرض مساحتها يومان، لراكب أتان، أكثر بلاد الله ماءً، وأرطبها هواء، إلا أنه والله قال فأجاد، وخيل فسحر وزاد. ولبس هذا البيت في شعر امرئ القيس في أكثر الروايات. وفي العرب عشرة رجال يسمون كلهم بامرئ القيس. وروى ابن الكلبي قال: جاء قوم إلى النبي ﷺ ، فضلوا في طريقهم ووقفوا على غير ماء، فمكثوا ثلاثاً لا يقدرون على الماء، فجعل رجل منهم يستذري فروع السمر والطلح، فبينما هم كذلك إذ أقبل رجل راكب على بعير، فأنشد بعض القوم بيت امرئ القيس المتقدم الذكر، فقال الراكب: ما كذب، هذا والله ضارج عندكم، وأشار إليه، فأتوه

стр. 1390

فإذا ماء غدق غطاه العرمض، والظل يفيء عليه، فشربوا منه وارتووا، فلما بلغوا النبي، ﷺ ، وأخبروه القصة، قال لهم: ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، خامل في الأخرى منسي فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار. وقال ابن الملح من أخرى في المعتضد بالله: نشرت للحمد طيباً عن شذا نفسٍ ... بعثته عن ضمير غير متهم فنورت بالقوافي روضة أنف ... في تربة العقل تسقى وابل النعم لي الثواب فلم أرجع لمشكلةٍ ... عن اليقين ولم أعكف على صنم لي همة ما يزال الدهر يطلبها ... وما تزال من التأميل في حرم وما تحملتها في ظهر فاحشةٍ ... ولا وقفت بها في برزخ التهم ما لي وللناس عمت لي منابتهم ... تباين اللمس ولم تضغط بمزدحم تمزقت بردة الإنصاف بينهم ... في منكبي ولم تضغط بمزدحم ليقصر الدهر خصمي لست مكترثاً ... من الخصوم وفي بيت الندى حكمى وله فيه من أخرى: قد صرت في أخرى المقاصد فانصرف ... وشرعت في شتى الموارد فاصدر [٨٨ب] واختر لهذا الدر أجياد العلا ... يزدن فحسن الجيد زين الجوهر واشهد صروف الدهر تظفر عندها ... بالظافر ابن أبي الكرام وتنصر فصغير مرأى العين عن بعد المدى ... كالنجم أصغره تنائي المنظر

стр. 1391

وهذا كقول المعري: والنجم تستصغر الأبصار صورته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر وقال منها: حاز السناء وما أسن وإنما ... نمت الفروع بطيب ماء العنصر من معشر يمسي ويصبح طفلهم ... من حب [ ... ] العلا في معشر ألفوا مضاجعة الظبا بمهودهم ... وولوا مطاولة الوشيج الأسمر فلتحفظ الأيام منهم عصبةً ... سكنت بأرجاء الوغى والمنبر ثبتوا على الأصل القديم فأثبتوا ... نسب الكواكب في قبائل حمير وبنوا على السعي الجميل فبينوا ... أن المكارم في تراث المئزر ولتحفظ الأيام سالف أمةٍ ... ملأت مفاخرهم فروج الأعصر بقي الثناء عليهم فكأنما ... ركبوا المنابر في بطون المقبر ومنها: أهدى إليك الود عبد يدعي ... شرفاً بصهر في بنات المحبر طابت موارده لديك كأنما ... وقفت ركائبه بريف الكوثر وسما يبلغه إليك كأنما ... قطع المراحل في بروج المشتري

стр. 1392

نقل الوداد على قطار قصائدٍ ... رتعت زماناً في جناب الدفتر يحملن طيب الحمد فيك كأنما ... ينشرن بالفلوات طيب العنبر وله فيه من أخرى: ضمانك ملء الأرض كالأخذ باليد ... لذلك هول الأمر بالغد في الغد لذلك يبدو الموت ناراً ولجةً ... على صفحتي صمصامك الواقد الندي لذلك مادت بالرماح صعادها ... وليست لوهي في الكعوب بميد يهز بها أعطافه كل باسلٍ ... رحيب ذراع أو طويل مقلد على شزبٍ لو سايرتها خطوبها ... عرضن عليها من وجوه التجلد يصلن السرى والماء غور كأنما ... حملن عصا موصى على كل جلمد ومنها: له جدول من صارم متسلل ... إلى غصن من ذابل متأود هناك ربيع للسيوف مرجس ... قريب أوان من ربيع مورد وهذا كقول أبي العلاء: روض المنايا على أن الدماء بها ... وإن تخالفن أبدال من الزهر وقال ابن شهيد من شعر قد تقدم: [٨٩أ] :

стр. 1393

فذا جدول في الغمد تسقى به المنى ... وذا غصن في الكف يجنى فيثمر وقال المتنبي: أأخلع المجد عن كتفي وأطلبه ... وأترك الغيث في غمدي وأنتجع وقال ابن الملح من أخرى: أوطأن في ظبة الحسام توسدي ... ومزجن كأسي في لهاة الأرقم وإليك من نار الحياء بوجنتي ... وهجاً تحف به عيون المرزم ولكم لقيت الهم يملأ أرضه ... بأحم طامي اللجتين عرمرم وتركت ذاك الجيش نهباً للظبا ... متخاذل الأنصار مطلول الدم حتى إذا رمت الليالي جانبي ... من كل ناحية بكل الأسهم خطمت بحبل الشيب أنف شبيبة ... قد كان قبل صروفها لم يخطم لو كنت أقدر قادرٍ لم أجزها ... إني لأزهد في عقاب المجرم إني لأقبض في مراجعها يدي ... ولو احتديت بها فروع الأنجم وأرد عزمي والحقيقة مطلبي ... وأبيح حظي والكريمة مغنمي أنا ضاحك للدهر ضحكة شامتٍ ... إن كان يعبس للندى المتبسم قصد الزمان الآملين بحربه ... وأتيت في الغمرات أول مقدم وعلمت أني إن أصل بمحمد ... أنفذ على ضيق المكر وأسلم الله أكبر لو قضى لخليفةٍ ... بمزية العلم الذي لم يعلم

стр. 1394

لرووا حديث النفس غير مرجمٍ ... وتيقنوا التنزيل غير مترجم يا أيها البشر المنزه جملةً ... للمجد قبل إشارة المتكلم خذ بالندى والبأس أعدل وجهةٍ ... وافرض ليومك بالمآثر واقسم واحطم عداك مكايداً ومكابداً ... واثأر بسيفك للقنا المتحطم واقنع بعذر من قناك فإنه ... نبأ لرمح ربيعة بن مكدم بيديك صعدته، وكل قبيلة ... جثم وكل الأرض وادي الأخرم وله من أخرى في المعتضد بالله: سروا تحت ليلٍ في الظلام بهيم ... مكلل آفاق كليل نجوم تواصوا بأعمال الشقاوة بينهم ... وعاذروا بشيطان هناك رجيم مقامة شربٍ ما قضوا حق مجلسٍ ... ولا فرحوا في سكرهم بنديم ولا وجدوا برد السرور كأنما ... أديرت على الأقوام كأس حميم مذاهب سوء غيرت من معاشرٍ ... نفوساً فلم تسلم لها بجسوم تحاموا بلاداً مزقتهم كأنما ... مضت في رباها عاصف بهشيم [٨٩ب] سروا تحت أطراف الرماح كأنها ... شياطين ضلت تحت رصد نجوم ومالوا على حد السيوف كأنما ... تميل إلى آذانهم بنميم كأن المنايا دانت نفوسهم ... فحلت على عسر حلول غريم

стр. 1395

ومنها: ألا فخاطبوا للعقول فإنها ... وإن رخصت يوماً بنات كريم ولا تبخسوها في المهور فإنها ... إباء سنيٍ في الملوك عظيم وقال من أخرى أيضاً: كم قصر أنس لهونا في مطالعه ... قد عاد والعهد دانٍ موحش الطلل فمن مغن بألحان المنى غرد ... وشارب بين طاسات الهوى ثمل وغافل بالصبا عن قطع مدته ... قد راش أجنحة الأيام بالجذل حتى إذا جئت آمالي تحرف لي ... خطب دفعت به في غرة الأمل إذا الهوى فاض طوفاناً ركبت له ... فلك العزاء ولم آوي إلى جبل لولا الحياء وقد شبت معاركه ... لقد كشفت لثام الصبر عن بطل ومنها: ضاق الزمان بما حطت من قضب ... في رعيهن وما قصدت من أسل لا تغمد البيض إلا في ضرائبها ... حتى لقد عادت الأغماد للقلل رواق ملكك بالأسياف ذو طنب ... وبرد مجدك بالأرماح ذو خمل وباب حربك مفتوح لقارعه ... عن قسور أهرت الشدقين ذي عصل كأنه بكم والله يكلؤكم ... يقضي على الدهر أو يختار للدول لو كانت الشمس من خدام دولتكم ... والعدل ما العدل لم تبرح من الحمل

стр. 1396

قال ابن بسام: ولم أسمع بمثل هذا البيت لمن سبق، فإن كان اتباعاً فما أحسن ما أرق، وإن يكن اختراعاً فما أولى وأخلق. وفي هذه القصيدة يقول: كم حطتم من ضياع في الأنام وكم ... وصلتم من شتيت غير متصل بسنة كسنان الرمح ماضيةٍ ... ومذهب كقناة الرمح معتدل مدحتكم حيث لا فخر أزيدكم ... فقد كحلت عيوناً جمة الكحل كما أن هذا البيت أشار فيه أبو بكر إلى التقصير، فلعله أراد أن يجعله في شعره تميمة من الفتور، وأحسن مما انتحاه، قول بعضهم في معناه: لم أفدك المديح إلا لنفسي ... ليس للسيف إربة في الصقال وقال ابن الملح: لا حد للوجد إلا أنت عارفه ... كأن قلبك للأشواق ميزان ولا صبابة إلا أنت واسعها ... كأن صدرك للأشجان ميدان [٩٠أ] ومنها: سرنا نراقب إعلان الصباح بنا ... كأننا في ضمير الليل كتمان وهذا كقول الصاحب بن عباد: كأني سر والظلام ضمير ...

стр. 1397

وقال أبو الطيب: سريت وكنت السر والليل كاتمه ... وقال أبو الوليد بن زيدون: سران في خاطر الظلماء يكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يفشينا وفيها يقول ابن الملح في المدح: هو المقر العلا والخيل سارحة ... واللابس الحمد والصمصام عريان والمبصر الرشد في أقصى مطالبه ... والناس من فتنة الأهواء عميان تاهت بمجدك قحطان وعدنان ... وقد تخاضع يونان وساسان وسار ذكرك والأفواه تنقله ... حتى تطارح فيه الإنس والجان وشك في العصر أقوام فقلت لهم ... فلان في ثقليها لا سليمان ذكيت جودك حربا والعدا جزر ... وسيفك النار والأطيار ضيفان همى عليها من الموت الزعاف حيا ... مجلجل بصليل البيض حنان وماج فيه وريح البأس تنسجه ... جيش هو اليم والأسياف خلجان وللدماء غدير فوق ضفته ... للجيش دوح وسمر الخط أغصان وله من أخرى يصف حلبة الخيل: خوافق قد ريشت بأجنحة الهدى ... فطارت ببحر الروم كل مطار فهن بشد الجري عقبان شاهق ... وهن بألحان الصهيل قماري

стр. 1398

بكل مباه بالسلاح كأنما ... يجر من الخطي فضل إزار مهين لدنياه يظن حياته ... إذا لم يمت في الله دار بوار تسنم جدران المكاره فانتهى ... مآثر لم تحجب له بجدار سقى من قليب الحرب أشجار مفخر ... تدلت له من ساعة بثمار ومنها: فمن سابح ورد تجلبب خلقة ... بنسج دم قبل النتاج ممار وأبلق كالريم المدمى مفضض ... تخال بشقيه مسال نضار وأشهب تجلوه المعاني كأنما ... تزين منه زندها بسوار وأشقر نوري يهب كأنه ... وقد قدحته الحرب مقبس نار وأدهم كالليل البهيم تعلقت ... به تحت كم الفجر كف نهار إذا ما علاه راكب فكأنه ... بغرته تحت المطالب سار بلبته خيط المجرة فصلت ... له موهنا أوساطه بدراري سفينة بر سخرت غير أنها ... تجوب من الإلهاب لج غبار [٩٠ ب] تطأطأ من عون الطباع بحاذف ... وتهنأ من لون الأديم بقار له خلق لولا توارد غيره ... على عتقه لم ينحرف لنفار ومن الحسن في تشبيه الخيل بالبحر، قول بعض أهل العصر، وهو الأديب أبو بكر ابن العطار اليابسي، من شعر أنشدنيه لنفسه ببطليوس

стр. 1399

سنة ست وثمانين: والجيش قد جعلت أبطاله مرحا ... تختال عن خيلاء السبق العتق إذا تسعرت الهيجاء أخمدها ... ما في معاطفها من ندوة العرق هي البحور ولكن في كواثبها ... عند الكريهة منجاة من الغرق والشيء يذكر بالشيء إذا ناسبه أو قاربه؛ كان للمتوكل فرس أخضر أغر محجل، وعلى كفله ست نقط بيض، فتناغت لمة من الشعراء يومئذ ببطليوس في صفته، فكل جهد جهده، وبذلك ما عنده، فما سبق إلى الغاية، ولا أخذ الراية إلا النحلي، على أنه مزجى البضاعة، في هذه الصناعة، فقال: حمل البدر جواد سابح ... تقف الريح لأدنى مهله لبس الليل قميصا سابغا ... فالثريا نقط في كفله وكأن الصبح قد خاض به ... فبدا تحجيله من بلله كل مطلوب وإن طالت به ... رجله، من أجله في أجله بيته الثاني أراه أخذ من قول ابن صاحب الاسفيريا معناه:

стр. 1400

لبس الظلام أديمه فبدا لنا ... من بين عينيه سنا جوزائه والثالث نبه عليه ابن نباتة ببيته: وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه وما أراه نقل إلا لفظ ابن شهيد ومعناه، من جملة قصيد له قد أنشدناه، وهو قوله: وكأنما خاض الصباح فجاء مبيض القوائم ... وقال فيه أبو بكر الداني: لله طرف جال بابن محمد ... فحوت به حوباؤه التأميلا لما رأى أن الظلام أديمه ... أهدى لأربعة الهدى تحجيلا وكأنما في الردف منه مباسم ... تبغي هناك لوجهه تقبيلا ولأبي عبد الله بن عبد البر الشنتريني فيه جملة أبيات: فعلى المحيا كوكب متلألئ ... وعلى القطاة بنات نعش تسطح وكأنما عمر على صهواته ... قمر تسير به الرياح الأربع

стр. 1401

ولم يحضرني من شعر أهل العصر في وصف هذا الطرف إلا ما أثبت، وكانت لهم عندي في صفته عدة مقطوعات وجملة أبيات، سقطت من ذكري، وطارت من شرك صدري، وتعلق بحفظي أشعار لمن تقدمهم من أهل هذا الأفق، ممن تقدم زمانه، وشهر إحسانه بالقول، في صفة الخيل، رأيت إثباتها، إذ لها موقع بهذا الموضع. قال يوسف بن هارون الرمادي: [٩١ أ] . وأبلق من شرط الطراد لزينة ... وأخوان ميدان ويوم قتال فخضرته ثلث وثلثاه شهبة ... فأخضر قدام وأشهب تال له لهب من دهمة فيه شبهة ... كعام صدود فيه يوم وصال تدرع بدر التم حسنا وبهجة ... فألزم في حيزومه بهلال وقال أبو عامر بن عبدوس في صفة أشهب، حاشا عرفه كان أحمر: يا حسن هذا الجواد حين بدا ... في شية لم تكن لذي بلق قام عليه النهار مدعيا ... فاعترفت عرفه يد الشفق

стр. 1402

وقال أبو بكر بن حجاج: وأشهب صافي بياض الأديم ... له شية زانها عرفه كبدر سماء بدا زاهرا ... وقد مس في شفق طرفه وقال ابن فتوح: طرف يفوت الطرف شأوا عدوه ... ويضيق وسع الأرض عند مجاله بيدي سواد الليل في إدباره ... ويريك وجه الصبح في إقباله متبخرا تيها كأن لجامه ... إكليل كسرى لاح فوق قذاله عقد الجياد بشأوه وجرى على ... عرق نماه علا إلى عقاله ذرعت متن الأرض منه بذراع ... كادت تكون الأرض من أمياله تعيا الرياح وراءه في لأيه ... ويكل شأو الدهر دون كلاله وقال الرمادي: ومعارض للريح في حركاته ... لولا اللجام لجال كل مجال ذو منظر حسن تضمن مخبرا ... حسنا وكان لزينة وقتال حسنت به الحركات والمعشوق لا ... يصبي لغير براعة ودلال حطمت حوافره السلام صلابة ... فكأنه من أوجه البخال

стр. 1403

وهذا كقول حبيب: أيقنت إن لم تثبت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان وأخذه البحتري فقال: ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حموديه الأحوال وقال القسطلي: سامي التليل كأن عقد عذاره ... في رأس غصن البانة المياد يهدي بمثل الفرقدين وناب عن ... رعي السماك بقلبه الوقاد فكأنما أطأ الأباطح والربى ... بعقاب شاهقة وحية وادي [٩١ ب] وكأنه من تحت سوطي خارجا ... في الروع شعلة قادح بزناد وقال يحيى بن هذيل: في خضرة مفترة في غرة ... كالصبح كشف عنه ليل أليل يمشي العرضنة فهو يحكي بالطلى ... كيف الصدود عن الحبيب فيقبل

стр. 1404

وقال أبو تمام بن رباح من أهل عصرنا: وأقب تنقد البروق إذا جرى ... من غيظها حسدا بأن لم تلحق ملك الرياح قوائما فجرى بها ... فيكاد يأخذ مغربا في مشرق وقال فيه: وتحتي ريح تسبق الريح إن جرت ... وما خلت أن الريح ذات قوائم لها في المدى سبق إلى كل غاية ... كأن لها فيه نفوذ عزائم وهمة نفس نزهتها عن الوجى ... فيا عجبا حتى العلا في البهائم رجع: بقية ملح ابن الملح: له من قصيدة عتاب قال فيها: لقد ظلمتني أمة ما خمشتها ... بلحظ وقد عمت حشاي ندوبا توهمتهم سلما فسولمت ظاهرا ... وشبوا على ظهر المغيب حروبا وثقت بهم في النائبات فأخلوا ... وكانوا إلى جنب الخطوب خطوبا فكم صاحب منهم يبيت بقلبه ... بعيدا ويغدو باللسان قريبا إذا لاح خير ذادني عن حياضه ... كما ذادت الزجر العرامس نيبا وإن عن شر قادني نحو ضنكة ... جنيبا وأنى لي أقاد جنيبا

стр. 1405

وآخر قد فاجأته الود أولاً ... بديهة ساعٍ ماجدٍ وأديبا سريت له من حسن ظني بطالعٍ ... أمنت له حتى الممات غروباً وكنت أذا بل الوداد بلفظةٍ ... أدرت عليه بالمحبة كوبا جفاني ولكني أهب بعشرتي ... شمالاً إذا هب الصديق جنوباً وآخر لم أسأل به من ولا ابن من ... فلست لما يرتاب منه طلوبا نشرت له برد الإخاء كأنما ... خضبت بها في العارضين مشيبا وكنت إذا رثت من الود بردة ... عليه صرفت الاهتبال قشيبا سقى كأس حقدٍ فوق لحق نميمةٍ ... تشق قلوباً لا تشق جيوبا فماذا يرى العبدان في ذنب أمة ... رأت حسناتي في الوفاء ذنوبا ومن ينكر الشكوى إلى الله منهم ... وقد ملأوا الصدر الرحيب وجيبا سأغفر لا عجزاً ولكن سجية ... نمتني نجيبا أو ورثت نجيبا ومن شعره في الأوصاف قال يصف سوار فضة مذهباً، وأخبر عنه: أنا من الفضة البيضاء خالصةً ... لكن دهتني خطوب غيرت جسدي [٩٢أ] علمت عضي بما أحوي فأحسدني ... جري الوشاح فهذي صفرة الحسد وقال في شمامة فضة منيلة:
следующие страницы →