Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
ولم يحضرني من شعر أهل العصر في وصف هذا الطرف إلا ما أثبت، وكانت لهم عندي في صفته عدة مقطوعات وجملة أبيات، سقطت من ذكري، وطارت من شرك صدري، وتعلق بحفظي أشعار لمن تقدمهم من أهل هذا الأفق، ممن تقدم زمانه، وشهر إحسانه بالقول، في صفة الخيل، رأيت إثباتها، إذ لها موقع بهذا الموضع.
قال يوسف بن هارون الرمادي: [٩١ أ] .
وأبلق من شرط الطراد لزينة ... وأخوان ميدان ويوم قتال
فخضرته ثلث وثلثاه شهبة ... فأخضر قدام وأشهب تال
له لهب من دهمة فيه شبهة ... كعام صدود فيه يوم وصال
تدرع بدر التم حسنا وبهجة ... فألزم في حيزومه بهلال وقال أبو عامر بن عبدوس في صفة أشهب، حاشا عرفه كان أحمر:
يا حسن هذا الجواد حين بدا ... في شية لم تكن لذي بلق
قام عليه النهار مدعيا ... فاعترفت عرفه يد الشفق
стр. 1402
وقال أبو بكر بن حجاج:
وأشهب صافي بياض الأديم ... له شية زانها عرفه
كبدر سماء بدا زاهرا ... وقد مس في شفق طرفه وقال ابن فتوح:
طرف يفوت الطرف شأوا عدوه ... ويضيق وسع الأرض عند مجاله
بيدي سواد الليل في إدباره ... ويريك وجه الصبح في إقباله
متبخرا تيها كأن لجامه ... إكليل كسرى لاح فوق قذاله
عقد الجياد بشأوه وجرى على ... عرق نماه علا إلى عقاله
ذرعت متن الأرض منه بذراع ... كادت تكون الأرض من أمياله
تعيا الرياح وراءه في لأيه ... ويكل شأو الدهر دون كلاله وقال الرمادي:
ومعارض للريح في حركاته ... لولا اللجام لجال كل مجال
ذو منظر حسن تضمن مخبرا ... حسنا وكان لزينة وقتال
حسنت به الحركات والمعشوق لا ... يصبي لغير براعة ودلال
حطمت حوافره السلام صلابة ... فكأنه من أوجه البخال
стр. 1403
وهذا كقول حبيب:
أيقنت إن لم تثبت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان وأخذه البحتري فقال:
ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حموديه الأحوال وقال القسطلي:
سامي التليل كأن عقد عذاره ... في رأس غصن البانة المياد
يهدي بمثل الفرقدين وناب عن ... رعي السماك بقلبه الوقاد
فكأنما أطأ الأباطح والربى ... بعقاب شاهقة وحية وادي [٩١ ب]
وكأنه من تحت سوطي خارجا ... في الروع شعلة قادح بزناد وقال يحيى بن هذيل:
في خضرة مفترة في غرة ... كالصبح كشف عنه ليل أليل
يمشي العرضنة فهو يحكي بالطلى ... كيف الصدود عن الحبيب فيقبل
стр. 1404
وقال أبو تمام بن رباح من أهل عصرنا:
وأقب تنقد البروق إذا جرى ... من غيظها حسدا بأن لم تلحق
ملك الرياح قوائما فجرى بها ... فيكاد يأخذ مغربا في مشرق وقال فيه:
وتحتي ريح تسبق الريح إن جرت ... وما خلت أن الريح ذات قوائم
لها في المدى سبق إلى كل غاية ... كأن لها فيه نفوذ عزائم
وهمة نفس نزهتها عن الوجى ... فيا عجبا حتى العلا في البهائم رجع:
بقية ملح ابن الملح:
له من قصيدة عتاب قال فيها:
لقد ظلمتني أمة ما خمشتها ... بلحظ وقد عمت حشاي ندوبا
توهمتهم سلما فسولمت ظاهرا ... وشبوا على ظهر المغيب حروبا
وثقت بهم في النائبات فأخلوا ... وكانوا إلى جنب الخطوب خطوبا
فكم صاحب منهم يبيت بقلبه ... بعيدا ويغدو باللسان قريبا
إذا لاح خير ذادني عن حياضه ... كما ذادت الزجر العرامس نيبا
وإن عن شر قادني نحو ضنكة ... جنيبا وأنى لي أقاد جنيبا
стр. 1405
وآخر قد فاجأته الود أولاً ... بديهة ساعٍ ماجدٍ وأديبا
سريت له من حسن ظني بطالعٍ ... أمنت له حتى الممات غروباً
وكنت أذا بل الوداد بلفظةٍ ... أدرت عليه بالمحبة كوبا
جفاني ولكني أهب بعشرتي ... شمالاً إذا هب الصديق جنوباً
وآخر لم أسأل به من ولا ابن من ... فلست لما يرتاب منه طلوبا
نشرت له برد الإخاء كأنما ... خضبت بها في العارضين مشيبا
وكنت إذا رثت من الود بردة ... عليه صرفت الاهتبال قشيبا
سقى كأس حقدٍ فوق لحق نميمةٍ ... تشق قلوباً لا تشق جيوبا
فماذا يرى العبدان في ذنب أمة ... رأت حسناتي في الوفاء ذنوبا
ومن ينكر الشكوى إلى الله منهم ... وقد ملأوا الصدر الرحيب وجيبا
سأغفر لا عجزاً ولكن سجية ... نمتني نجيبا أو ورثت نجيبا ومن شعره في الأوصاف
قال يصف سوار فضة مذهباً، وأخبر عنه:
أنا من الفضة البيضاء خالصةً ... لكن دهتني خطوب غيرت جسدي [٩٢أ]
علمت عضي بما أحوي فأحسدني ... جري الوشاح فهذي صفرة الحسد وقال في شمامة فضة منيلة:
стр. 1406
أنا المدارة بين الكأس والطبق ... والمستعارة للآناف والحدق
أكون للورد والخيري آونةً ... وتارةً لغصون الآس والحبق
لولا صيانة جسمي عن مجاذبة ... لثارت الحرب بين النور والورق
خفت الزمان على تغيير عهدتها ... ففي إهابي آثار من الحرق
كأنني نقطة في الصحو صافية ... قد غيرت بعض لوني خضرة الورق وكان في بعض قصور المعتمد باشبيلية في من جملة التصاوير صورة من خالص اللجين على صورة الفيل، وهو الذي يقول فيه عبد الجليل:
ويفرغ فيه مثل النصل بدع ... من الأفيال لا يشكو ملالا
رعى رطب اللجين فجاء صلداً ... وقاحاً قلما يخشى هزالا فجلس المعتمد يوماً على البحيرة والماء يسيل، من فم ذلك الفيل، وقد أوقدت شمعتان من جانبيه، ومعه ابن الملح، فقال في ذلك عدة مقطوعات منها قوله:
كأنما النار عند الشمعتين سنا ... والماء من نفذ الأنبوب ينسكب
غمامة تحت جنح الليل هامعة ... في جانبيها جناح البرق يضطرب
стр. 1407
وقال في ذلك:
ومشعلين من الأضواء قد قرنا ... بالماء والماء بالدولاب منزوف
لاحا لعيني كالنجمين بينهما ... خط المجرة ممدود ومعطوف وقال فيه:
وأنبوب ماءٍ بين نارين ضمنا ... هوىً لكؤوس الراح تحت الغياهب
كأن اندفاع الماء بالماء حية ... يحركها بالليل لمع الحباحب وقال فيه:
كأن سراجي شربهم في التظاهما ... وأنبوب ماء الحوض في سيلانه
كريم تولى كبره من كليهما ... لئيمان في إنفاقه يعذلانه
إذا هزه للجود برد سماحة ... أصرا على تثريبه يحرقانه في ذكر الأديب أبي محمد عبد الجليل بن هبون المرسي
شمس الزمان وبدره، وسر الإحسان وجهره، ومستودع البيان ومستقره
стр. 1408
آخر من أفرغ في وقتنا فنون المقال، في قوالب السحر الحلال، وقيد شوارد الألباب، بأرق من ملح العتاب، وأرق من غفلات الشباب؛ وكورة تدمير أفقه الذي منه طلع، وعارضه الذي فيه لمع، وإنما ذكرته في هذا القسم الغربي مع أهل إشبيلية لأنها بيت شرفه المشهور، ومسقط عيشه المشكور، طرأ عليها منتحلاً للطلب، وقد شدا طرفاً من الأدب، وكان الأستاذ أبو الحجاج الأعلم يومئذ زعيم البلد، وأستاذ ولد المعتمد فعول عليه من رحلته، وانقطع إليه بتفصيله وجملته، وكانت له في أثناء ذلك همة تترامى به إلى العلا، ترامي السيل من أعالي الربى، وكان بين الأستاذين أبي الحجاج وأبي مروان بن سراج ما يكون بين فحلين في هجمة، وزعمين [٩٢ب] من أمة، فاتفق أن كتب ابن سراجٍ إلى المعتمد بشعرٍ بائي من شطر الوافر يمدحه فيه، وكأنه - زعموا - عرض بقرنه ومباريه، وأعلم بذلك الأعلم، فصمت عن جوابه وأحجم، وولاها عبد الجليل فأطلعه في أفقها قمراً، ونبه منه لحربها عمراً، فقال قصيدته البائية التي أولها:
стр. 1409
هوى بين النجوم له قباب ... ومع أنها ليست لاحقةً بعيون شعره، لما سعها ابن عمارٍ خادم الدولة يومئذ طار بذكره، وأجناه ثمارها، وباهى به أقمارها، وخلع عليه أصائلها وأسحارها، ووافق من المعتمد ناقداً بصيراً، وعاشقاً قديراً، فأغلى بتلك الأعلاق، وأقام له الدنيا على ساق، وقصر عبد الجليل على هواه، فلم يرحل إلى ملك سواه.
وكانت له كل عامٍ رحلة، يتعهد فيها بلده وأهله، فحدثني غير واحد أنه اجتاز بالمرية، في بعض رحله الشرقية، وملكها يومئذ قبلة الأمال، وقطب رحى الآمال، ومرمى جمار المدائح، أبو ابن صمادح، فاهتز لعبد الجليل واستدعاه، وعرض له بجملة وافرة من عرض دنياه، فلم يعرج على صفده، وبادر العيد - وكان قريباً - بالارتحال عن بلده، وقال في ارتجال:
دنا العيد لو تدنو لنا كعبة المنى ... وركن المعالي من ذؤابة يعرب
فيا أسفا للشعر ترمى جماره ... ويا بعد ما بيني وبين المحصب ولما ابتدأت الفتنة بالمعتمد، بادر الخروج عن البلد، فلم يغن عنه نفاره وأدركه مقداره، على قربٍ من مرسية، لقي قطعةً من خيل النصارى فتورط فيهم، وقضى الله له بالشهادة على أيديهم.
стр. 1410
وذكرت بمقتل عبد الجليل ﵀ ومفره أعجوبةً من الزمان وحديثاً ظريفاً من الحدثان: كان بحضرة إشبيلية أيام ماجت بها على المعتمد الفتنة، ودارت عليه رحى المحنة، أبو القاسم ابن مرزقان، من شعراء الدولة، ونبهاء أهل الحضرة، ممن مت إليها بقديم جوار، لا ببارع أشعار، وأدل عليها باسم مرزقانه، لا بفضل بيانه، وكان في بني عباد عجب بكثرة عددهم، وعصبية لأهل بلدهم، وكان أبو القاسم هذا حلو الحوار، نادر الأخبار، وكان به على ذلك توهم يخرجه إلى حين الفرار السلمي، وغفلة تشهد عليه بلوثة أبي حية النمري، وكان هو وعبد الجليل من بين سائر أهل القريض، في طرفي نقيض، هذا يتعصب لسلطانه بهواه، وعبد الجليل يقفو الصواب يزعمه ويتحراه، فكانا ربما اجتمعا فيكون بينهما بون بعيد، وشقاق شديد: فأما عبد الجليل فقد ذكرت الخبر عما فعل، وشرحت كيف قتل، وأما أبو القاسم هذا فإنه غرة القتال فأقدم عليه، وهيت له القتل فبرز إليه، على حال لو تخيل بها المجد لجحده، وفي يوم لو رآه دون الماء لما ورده، فأدركه سوعان الرجالة
стр. 1411
فهبروه بالسيوف، وجرعوه أكره ما كان له من الحتوف، فصار حديثهما عجباً من الخبر عجيباً، ومثلاً في تصرف القدر مضروباً، وكلاهما أنهب نفسه الأقتال، وذاق منيته على يدي من خال.
ولابن مرزقان هذا أخبار طريفة، ونوادر في الشعر معروفة، ونأخذ فيما بعد بطرف مستطرف منها، إن شاء الله.
وقد أثبت هنا من شعر عبد الجليل في مدحه الفائقة، وأوصافه الرائقة، ما يشهد أنه سابق الحلبة، وصدر الرتبة، وضاق ذرع هذا المجموع، عن تضمين ما له من البديع، فجمعت شعره على حروف المعجم في تصنيف ترجمته ب - " كتاب الإكليل المشتمل على شعر عبد الجليل " وكذلك فعلت في سائر أعيان الوزراء الكتاب، لم يتسع لاستيفاء محاسنهم هذا الكتاب، فجمعت في تأليف ترجمته ب - " سلك الجواهر [٩٣ أ] من نوادر ترسيل ابن طاهر " وفي تصنيف رابع وسمته ب - " كتاب الاعتماد على ما صح من أشعار المعتمد بن عباد " وفي كتاب خامس ترجمته ب - " نخبة الاختيار من أشعار ذي الوزارتين أبي بكر بن عامر ". ولبعض الناس إلى كلام بعض صغو، وذلك الكلام عند آخرين - على جودته - لغو، وإنما كان ذلك لتباين النحائز، واختلاف الغرائز، فاستوفيت في هذه التواليف لكل فرقة مرادها، وخلصت لها موادها، إن شاء الله.
стр. 1412
ما أخرجته من شعر عبد الجليل في شتى الفنون
من ذلك ما له في الرثاء والتأبين
من ذلك قصيدته في الأستاذ أبي الحجاج يوسف بن عيسى المعروف بالأعلم، أولها:
سبق الفناء فما يدوم بقاء ... تفنى النجوم وتسقط البيضاء يقول فيها:
نفسي وحسي إن وصفتهما معا ... آل يذوب وصخرة خلقاء
لو تعلم الأجبال كيف مآلها ... علمي لما امتسكت لها أرجاء
إنا لنعلم ما يراد بنا فلم ... تعيا القلوب وتغلب الأهواء
طيف المنايا في أساليب المنى ... وعلى طريق الصحة الأدواء
بتعاقب الأضداد مما قد ترى ... جلبت عليك الحكمة الشنعاء
ماذا على ابن الموت من إبصاره ... ولقائه هل عقت الأبناء
أيغرني أن يستطيل بي المدى ... وأبي بحيث تواصت الغبراء
стр. 1413
لم ينكر الإنسان ما هو ثابت ... في طبعه لو صحت الآراء
ونظبر موت المرء بعد حياته ... أن تستوي من جنه الأعضاء
دنف يبكي للصحيح وإنما ... أمواتنا لو تشعر الأحياء
وسواء أن تجلى اللحاظ من القذى ... أو تنتضى من شخصها الحوباء
ما النفس إلا شعلة سقطت إلى ... حيث استقل بها الثرى والماء
حتى إذا خلصت تعود كما بدت ... ومن الخلاص مشقة وعناء قال ابن بسام: لعل عبد الجليل اكتسب في هذا البيت والذي قبله العمل بحقيقة النفس ما جهله في وصفه لها قبل أنها " آل يذوب " وما أعجب أيضاً قوله عن جسمه بأنه صخرة خلقاء، اللهم إلا إن كان عنى بذلك رأسه كان يلقب بالمدمغة. وذهب هنا من صفة النفس إلى مذهب كلامي، كقول بعض أهل بلدنا، وهو أبو عامر ابن سوار الشنتريني، من جمة أبيات:
يا لقومي دفنوني ومضوا ... وبنوا في الطين فوقي ما بنوا
ليت شعري إذ رأوني ميتاً ... وبكوني أي جزأي بكوا
أنعوا جسمي فقد صار إلى ... مركز التعفين أم نفسي نعوا
كيف ينعون نفوساً لم تزل ... قائمات بحضيض وبجو
ما أراهم ندبوا في سوى ... فرقة التأليف إن كانوا دروا
стр. 1414
وهذا معنى فلسفي، قلما عرج عليه عربي، وإنما فزع إليه المحدثون من الشعراء، حين [٩٣ب] ضاق عنهم منهج الصواب، وعدموا رونق كلام الأعراب، فاسترحوا إلى هذا الهذيان استراح الجبان إلى تنقص أقرانه، واستجادة سيفه وسنانه؛ وقد قال بعض أهل النقد إنه عيب في الشعر والنثر أن يأتي الشاعر أو الكاتب بكلمة من كلام الأطباء، أو بألفاظ الفلاسفة القدماء؛ وإني لأعجب من أبي الطيب، على سعة نفسه، وذكاء قبسه، فإنه أطال قرع هذا الباب، والتمرس بهذه الأسباب، وذكاء المعري: كثر به انتزاعه، وطال إليه إيضاعه، حتى قال فيه أعداؤه وأشياعه، وحسبك من شر سماعه، وإلى الله مآله، وعليه سؤاله.
وإنما سلك عبد الجليل في هذا المعنى سبيل القائل حيث يقول:
يا سالكاً موئلاً يكلمنا ... عرج أخبرك خالص الفائد
حسمك والنفس خلتا عرضٍ ... وكل خل لخله قائد
والنفس تلقى الخلود إن خلصت ... والجسم لا باقياً ولا خالد وقال المتنبي:
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب
فقيل تخلص نفس المرء سالمةً ... وقيل تشرك جسم المرء في العطب وقال:
стр. 1415
إلف هذا الهواء أوقع في الأن ... فس أن الحمام مر المذاق
والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق وقال:
تمتع من سهاد أو رقادٍ ... ولا تأمل كرىً تحت الرجام
فإن لثالث الحلين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام وقال:
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هن من كسبه
فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجسام من تربه
يموت راعي الضأن في جهله ... ميتة جالينوس في طبه
وربما زاد على عمره ... وزاد في الأمن على سربه وإنما نقل أبو الطيب هذا المعنى من قول أبي غسان المتطبب:
حكم كأس المنون أن يتساوى ... في حماها الغبي والألمعي
ويحل البليد تحت ثرى الأر ... ض كما حل تحتها اللوذعي
أصبحا رمةً تزايل عنها ... فصلها الجوهري والعرضي
стр. 1416
وتلاشى كيانها الحيواني ... وأدى تقويمها المنطقي وهذا كلام من الإلحاد، على غاية الإضمحلال والفساد، فليس تساوي الناس في الموت والفناء، حجةً في عدم البقاء، والمراتب في دار الجزاء.
ومن شعر أبي العلاء، في هذه الأنحاء، التي ولع بها أيضاً وشغف، وصرف كلامه فيها فتصرف، قوله:
والنفس أرضية في قول طائفةٍ ... وعند قوم ترقى في السموات
وكونها في طريح الجسم أحوجها ... إلى ملابس عنتها وأقوات وقال:
وأوصال جسم للتراب مآلها ... ولم يدر دارٍ أين تذهب روحها وقال:
والروح تنأى ولا يدري بموضعها ... وفي التراب لعمري يرفت الجسد [وقال] :
стр. 1417
والعيش كالماء يغشاه حوائمنا ... فصادرون وقوم إثرهم وردوا [٩٤أ]
ومد وقتي مثل القصر غايته ... وفي الهلاك تساوى الدر والبرد وقال:
أما الصحاب فقد مروا وما عادوا ... وبيننا في لقاء الموت ميعاد
سيران ضدان من روح ومن جسد ... هذا هبوط وهذا فيه إصعاد وقال:
وفكري سل حب المال مني ... ووجدي بالحياة أطال شعفي
ستضربني الحوادث في نظري ... فتمحقني ولا يزداد ضعفي رجعت إلى ما قطعت من قصيدة عبد الجليل.
وفيها يقول:
كذبت حياة المرء عند وجودها ... وجد الحمام ومنه كان الداء
لله أي غنيمة غنم الردى ... ومن الفجائع غارة شعواء
من كان غرة جنسه حتى أمحت ... فإذا البرية كلها دهماء
جبل تقوض لو تشخص عظمه ... لتواصت الغبراء والخضراء
ومغيض ما قد غاض منه شاهد ... أن لا يدوم بحاله الدأماء
стр. 1418
أكبرت نعي جلاله فنفيته ... وهو الجلية ما عليه خفاء
مات ابن عيسى من يقول به عسى ... شفقاً وليس مع الحمام رجاء ومنها:
أفلا حمته فضائل موفورة ... وجلالة تعنو لها العظماء
وأذمة في سر لخمٍ طالما ... خدمت رعاية حقها الأمراء
شهروا سلاح الدمع خلف سريره ... إذ لم يكن للباترات غناء
رحنا به بل بالسيادة والعلا ... والشمس نجم والنهار مساء
نطأ القلوب على سواء سبيله ... فالسير مهل والعثار ولاء
أخذ الأسى فيه البرود بثاره ... مما جناه الزهو والخيلاء
حتى إذا بلغوا به ملحوده ... قمنا به لو أنه الجوزاء
ضرب الهدى في لحده بيمينه ... فتناولته عرصة فيحاء
وأظله التنزيل يتلو نفسه ... بتلاوةٍ لم يؤتها القراء
مستصحباً أعماله متأنساً ... بزواهرٍ هي والنجوم سواء
ولربما استخلصت منا أنفساً ... ملأت ضريحك والصدور جلاء
وهناك لو كشف الغطاء لناظرٍ ... حول القليب حديقة غناء
في الجب إذ يحوي سميك أسوة ... لو حم منك وقد حجبت لقاء
يا تربة استبقى سناه، ويا فلا ... لا تلحقنك جريمة شنعاء
الله في وفي جوانح رطبةٍ ... لم تخل من شفقاتها الأعداء
أبنيه نحن وأنتم شرع به ... وعلى المصاب بفقده شركاء
стр. 1419
هزوا قوادمكم إلى عليائه ... قد رشحت أبناءها الفتخاء [٩٤ب]
أما وقد شبهت ماثل رسمه ... سطرا فثم الحكمة الغراء
واعجب لذاك الخطك في صفح الثرى ... أن حاز علماً ما له إحصاء
أنى وسعت وأنت مضجع واحدٍ ... من هذه الآفاق منه ملاء
يا زائريه تكلحوا بصعيده ... كحل البصائر تلكم البوغاء
فغرت له فاها الجدالة فانطوى ... في طيها الإسهاب والإيماء
قسم الأنام تراث علمك فاستوى ... في نيله البعداء والقرباء
كنا عبيدك في اعتقاد نفوسنا ... إذ في اعتقادك أننا أبناء
يا ملبس النعمى يجر ذيولها ... لبست ثراك غمامة وطفاء
وبكت عليك الشمس حق بكائها ... أن كان قد تتفاقد النظراء
خذها علالة خاطر دلهته ... من حيث ينشط جاءه الإعياء
قامت تناوح فيك كل قصيدة ... ثقفتها وقناتها زوراء أنشدتها على توالي الانتخاب، حسبما صنعته في أكثر أشعار هذا الكتاب.
قوله: " أيغرني أن يستطيل بي المدى " ... البيت، يلمح من بعض الوجوه، وإن لم يشبهه كل التشبيه، قول أبي العلاء:
وقبيح بنا وإن قدم العه - ... د هوان الآباء والأجداد
стр. 1420
وأبو العلاء إنما ذهب إلى قول أبي الطيب:
يدفن بعضنا بعضاً ويمشي ... أواخرنا على هام الأوالي وقوله: " وسواء آن تجلى اللحاظ " ... البيت، كقول التهامي:
واستل من أترابه ولداته ... كالمقلة استلت من الأشفار إلا أن عبد الجليل قد نفخ فيه روحاً، وسلك به مسلكاً مليحاً، وولد له إحساناً صريحاً.
وأما قوله: " أكبرت نعي جلاله " ... البيت، فقل أحد من الشعراء قال بيتاً في الرثاء، إلا ولهذا المعنى أشار، وحواليه دار، لأنه من متداولات المعاني، قال صريع الغواني:
تأمل أيها الناعي المشيد ... أحق أنه أودى يزيد
أتدري من نعيت وكيف فاهت ... به شفتاك كان بها الصعيد وقال أبو الطيب:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
стр. 1421
وقال أبو إسحاق بن معلى من أهل عصرنا:
وتلجلج الناعي به فسألته ... عن ذا الحديث لعله يرتاب وقال أبو الحسن ابن الجد:
تصاممت عنها مستريحاً إلى المنى ... وقلت عساها في الأحاديث بهتان وقال أيضاً بعض أهل عصرنا:
ونبهني ناع مع الصبح كلما ... تشاغلت عنه عن لي وغناني [٩٥ أ]
أغمض أجفاني كأني نائم ... وقد لجت الأحشاء في الخفقان ولبعضهم أيضاً في قريب منه وإن لم يكن به:
أيحيى وما أدعوك إلا تعلة ... نغالط فيك النفس حينا من الدهر
وإنا لندري أنه لا يجيبنا ... ولكن تخلينا فما ندري وقوله: " شهروا سلاح الدمع " ... البيت، كقول أبي الطيب:
يبكي ومن شر السلاح الأدمع ...
стр. 1422
وقوله: " والشمس نجم " ... البيت، معنى أحسن فيه وإن لم يكن اخترع، فقد أحسن وأبدع اتبع.
وقوله: " نطأ القلوب " ... البيت، من قول التهامي:
كأن وخد مطاياهم إذا وخدت ... يطأن في حر وجهي أو على بصري وقوله: " أخذ الأسى فيه البرود " ... البيت، نبهه عليه ابن الرومي بقوله:
أخذت من رؤوس قوم كرام ... ثارها عند أرجل الأعلاج وقوله: " يا تربة استبقي " ... البيت، من قول المعري:
فيا قبر واه من ترابك لينا ... عليه وآه من جنادلك الخشن
لأطبقت إطباق المحارة فاحتفظ ... بلؤلؤة المجد الحقيقة بالخزن وقوله: " أنى وسعت وأنت مضجع واحد " ... البيت، كقول أشجع السلمي:
стр. 1423
فأصبح في لحد من الأرض ميتا ... وكان به حيا تضيق الصحاصح وأجمع أثمة الأدباء، أنه لا فرق بين المدح والرثاء، إلا أن يقال:
أودى وعدم به كيت وكيت وشبهه، مما يعلم أن الممدوح ميت، هذا إذا كان المؤبن ملكا أو ذا صيت وقدر، كقول النابغة في حصن بن حذيفة بن بدر:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... فكيف بحصن والجبال جنوح وألفاظ النساء، أشجى في باب الرثاء، من كثير من الشعراء، لما ركب في طباعهن من الخور والهلع، وألفاظ الناس مبنية على كثرة التفجع كما قال حبيب:
لولا التفجع لادعى هضب الحمى ... وصفا المشقر أنه محزون ولذلك عروا المراثي من ألفاظ النسيب، وجرت بذلك سنة البعيد والقريب، على قديم الزمان، إلا ابن مقبل فإنه قال في رثائه لعثمان بن عفان ﵁:
стр. 1424
لم تنسي قتلي قريش ظعائناً ... تحملن حتى كادت الشمس تغرب ودريد في تأبين أخيه، تغزل أيضاً فيه، والشاذ لا يلتفت إليه، ولا يعول عليه.
ومن أشد الرثاء صعوبةً على الشعراء، تأبين الأطفال والنساء، ألا ترى أبا الطيب - وهو الذي قال، فأصاخت الأيام والليال، قد عابوا قوله في رثائه أم سيف الدولة:
سلام الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال وقالوا: ما له هذه العجوز يصف جمالها - وتعصب له بعضهم وقال: إنها استعارة، فقيل: إنها استعارة حداد في عرس، وكذلك قوله في أخته:
ولا ذكرت جميلاً من فعائلها ... إلا بكيت ولا ود بلا سبب [٩٥ب] ولولا الإطالة، وأنها تفضي إلى الملالة، لزدنا، فلنرجع إلى ما وعدنا
стр. 1425
من شعر عبد الجليل في المدح، وهو فيه فائز القدح
قال من قصيدة في المعتمد بالله، أولها:
بيني وبين الليالي همة جلل ... لو نالها البدر لاستخذى له زحل
سراب كل يباب عندها شنب ... وهول كل ظلام عندها كحل
من أين أبخس لا في ساعدي قصر ... عن المساعي ولا في مقولي خطل
ذنبي إلى الدهر إن أبدى تعنته ... ذنب الحسام إذا ما أحجم البطل
يا طالب الوفر إني قمت أطلبها ... عليها تغنى بها الأسماع والمقل
لا كان للعيش فضل لا يجود به ... يكفي المهند من أسلابه الخلل
لكن بخلت بأنفاس مهذبةٍ ... تروي العقول وهن الجمر والشعل
إذا مدحت ففي لخمٍ وسيدها ... عن الأنام وعما زخرفوا شغل
وإن وصفت فكاليوم الذي عرفت ... بك الفرنجة فيه كنه ما جهلوا
وقد دلفت إليهم تحت خافقة ... قلب الضلالة منها خائف وجل
فراعهم منك وضاح الجبين وعن ... نشر الحسام يكون الرعب والوهل
وحين أسمعت ما أسمعت من كلم ... تمثلت لهم الأعراب والرعل
وكلما نفحت ريح الهوى خمدت ... ذماؤهم وسيوف الهند تشتعل
стр. 1426
جيش فوارسه بيض كأنصله ... وخيله كالقنا عسالة ذبل
يمشي على الأرض منهم كل ذي مرحٍ ... كأنما التيه في أعطافه كسل ومنها:
أشباه ما اعتقلوه من ذوابلهم ... فالحرب جاهلة من منهم الأسل
لولا اعتراضك سداً بين أعينهم ... لكان يغرق فيها السل والجبل
أنسيتها النظر الشزر الذي عهدت ... فكل عين بها من دهشة قبل
ترسلوا آل عبادٍ فربتما ... لم يدرك الوصف ما تأتون والمثل
إذا أسرتم فما في أسركم قنط ... وإن عفوتم فما في عفوكم خلل
يقبل الغل مرتاحاً أسيركم ... فهو البشير له أن تسحب الحلل قوله: " ذنب الحسام إذا ما أحجم البطل "، أشار إلى قول حبيب:
وقد يكهم السيف المسمى منية ... وقد يرجع المرء المظفر خائبا
فآقة ذا أن لا يصادف مضرباً ... وآفة ذا أن لا يصادف ضاربا وأخذه البحتري فقال:
وعذرت سيفي في تبو غراره ... إني ضربت فلم أقع بالمضرب ونعم ما نقله بعض أهل عصرنا، وهو أبو الفضل ابن شرف، وزاد
стр. 1427
فيه حسن النقل وبراعة التشبيه فقال:
تقلدني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم وقال ابن عبد الصمد السرقسطسي: [٩٦أ]
ذل في ذا الزمان نظمي ونثري ... ذلة السيف في يمين الجبان وإن كان أبو الطيب سلك سبيلها، وكان في حسن مذهبه دليلها، حيث يقول:
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم وقال أبو تمام:
نظرت في السير اللائي مضت فإذا ... وجدتها أكلت باكورة الأمم فجمع ابن شرف المعنيين، واتخذ طريقاً معلماً بين الطريقين، وأجاد المعري في هذا المعنى ما أراد وزاد، حيث يقول:
تمتع أبكار الزمان بأيده ... وجئنا بوهنٍ بعدما خرف الدهر
стр. 1428
فليت الفتى كالبدر جدد عمره ... يعود هلالاً كلما فني الشهر وقال:
كأنما الخير ماء كان وارده ... أهل العصور وما أبقوا سوى العكر وقال ابن شماخ من أهل عصرنا:
صفا للألى قبلي أتوا در دهرهم ... فلم يصف لي مذ جئت بعدهم عمر
فجاءوا إلى الدنيا وعصرهم ضحى ... وجئت وعصري من تأخره عصر وقال أبو جعفر المحدث من أهل عصرنا:
لقي الناس قبلنا غرة الدهر ولم نلق منه إلا الذنابى ... وقال عبد الجليل من قصيدة في ابن عمار:
قتلت بني الأيام خبراً فباطني ... مشيب وما يبدو علي شباب
ولما رأيت الزور في الناس فاشياً ... تخيل لي أن الشباب خضاب
وآليت لولا ملك لخم محمد ... لما كان ملك في الأنام لباب
ولولا ابن عمار وفاضل سعيه ... لأصبح ربع المجد وهو خراب
وما كان يؤتى المجد من حيث يبتغى ... ولا كان يدري للحوادث باب
стр. 1429
ولا أحرقت أرض العدو صواعق ... ولا مطرت أرض العفاة سحاب
وما كان هارون أصح وزارةً ... لموسى، وهل دون السحاب حجاب
بعيد الرضى في النصح ما كان راضياً ... لو أن له السبع الشداد قباب
نهوض ولو أن الأسنة مركب ... ورود ولو أن الحمام شراب
مضى مثلما يمضي القضاء وهزه ... همام يهز الجيش وهو هضاب
كما اقترنت بالبدر شمس منيرة ... له عن سناها في الخطوب مناب
فكايله صاع المودة وافياً ... وكل مثيبٍ بالوفاء مئاب
ومن كأبي بكرٍ السماكين همة ... أناف عليها عنصر ونصاب
فلفظته يوم المهابة خطبة ... ولحظته يوم اللقاء ضراب [٩٦ب]
له سنة في الجد والهزل مثلما ... تدار كؤوس أو تدق حراب ومنها في وصف كلامه:
رقيق كما غنت حمامة أيكةٍ ... وجزل كما شق الهواء عقاب وله من أخرى:
أطلت في الدهر تصعيدي وتصويبي ... ودهر ذي اللب مضمار التجاريب
ورب أخرق لا يهدى إلى فمه ... أصاب غرة مأمول ومرغوب
وآفتي أدب بادٍ فضيلته ... من حيث يشفع لي قد صار يغري بي
كفى من اللحظ أني لا أنافس في ... حظٍ ومخبرتي تكفي وتجريبي
وقد أرى صوراً في الناس مائلةً ... أشيمها بين تحقيق وتكذيب
стр. 1430
لما ملأت يدي منهم لأخبرهم ... نفضت كفي بأشباه اليعاسيب
بيض وجوههم، سود ضمائرهم ... فما حصلت على عرب ولا نوب
الصدق أولى بمن يبدي ضغينته ... لا تجعل الصدق في نعت الأصاحيب ومن المدح:
في حسن رأي عبيد الله لي عوض ... وفضله بدل من كل مطلوب
وإن صحبت فتأميلي لغرته ... وذكره خير مألوف ومصحوب
بذلك الوجه تجلى كل غاشيةٍ ... عن ناظرٍ بوجوه اللوم محصوب
عاد المصلى بوضاح أسرته ... تنبيك عن خلد بالفهم مشبوب
فاستقبلت قبلة الإسلام بدر علاً ... يمسي له البدر نجماً غير محسوب
وغرةً تطلب الآمال قبلتها ... بين المحارب طراً والمحاريب
أدنى المؤيد إذ شطت منازله ... فضلاً بفضل وتهذيباً بتهذيب
كالطرف والقلب فيما بين ذاك وذا ... مسرى الضمير وتبعيد كتقريب يتطرف هذا، وإن لم يكن به، قول ابن الرومي:
كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا وتحويه دفتا حيزوم ... ومنها:
فبت من وصفه في غاية قذف ... والطبع ينجدني والفكر يسري بي
كأنني واجد من عرف سؤدده ... ريح القميص سرت في نفس يعقوب
стр. 1431
وله من أخرى:
يعز على العلياء أني خامل ... وإن أبصرت مني خمود شهاب
وحيث يرى زند النجابة وارياً ... فثم يرى زند السعادة كابي ألم في هذا بقول أبي الطيب:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أن أجمع الوفر والفهما بل إلى قول الآخر أشار، وحواليه دار، وهو:
إذا جمعت بين امرأين صناعة ... فأحببت أن تدري الذي هو أحذق
فحيث يكون الجهل فالرزق واسع ... وحيث يكون النبل فالرزق ضيق وفي هذه القصيدة يقول عبد الجليل: [٩٧أ]
وإني لفي دهر فرائس أسده ... سدىً عبثت فيه نيوب كلاب
أتخفى على الأيام غر مناقبي ... وقد بذ شأوي شأو كل نقاب
ويركبني رسم الخمول وقد غدت ... خصال العلا والمجد طوع ركابي
стр. 1432
سأرقى بهماتي قصارى مراتبي ... وإن كان أدناها يطيل طلابي
لتعلم أطراف الأسنة أنني ... كفيل بها عند الصدا بشراب
وتشهد أطراف اليراعات أنني ... بهن مصيب فصل كل خطاب
وليس نديمي غير أبيض صارمٍ ... وليس سيميري غير شخص كتاب
مضمخة لا بالخلوق أناملي ... مزعفرة لا بالعبير حرابي
ولكن بنفح يخجل الروض زاهراً ... ولكن بدعس في كلىً ورقاب ومنها:
ومن لم يخضب رمحه ي عداته ... تساوت به في الحي ذات خضاب
ومن لم يخضب رمحه في عداته ... تساوت به في الحي ذات خضاب
ومن لم يحل السيف من بهم العدا ... تحلى بخزي في الحياة وعاب
إذا ورق الفولاذ هز تساقطت ... ثمار حتوف أو ثمار رغاب
ومن يتخذ غير الحسام مخالباً ... فما هو إلا وارد بسراب
ومن غره من ذا الأنام تبسم ... فبالعقل قد أضحى أحق مصاب وله من أخرى أولها:
لولا تبسم ذاك الظلم والبرد ... قبلت نصحك إلا في هوى الغيد
بل لا أطيعك في غصن أهيم به ... كأنه نابت في طي معتقدي
وأين بي وبصبري عن حفون رشا ... غوامض السحر لا ينفثن في العقد
يعدي على اللوم قلبي وهي تؤلمه ... كما تضر كمياً شكة الزرد
стр. 1433
وهذا من قول أبي الطيب:
بنو كعب وما أثرت فيها ... يد لم يدمها إلا السوار
لها من قطعه ألم ونقص ... وفيها من جلالته افتخار ومن قصيدة عبد الجليل حيث يقول:
قل للرشيد وقد هبت نوافحها ... أسرفت يا ديمة المعروف فاقتصد
أشكو إليك الندى من حيث أحمده ... لو فاض فيضاً علي البحر لم يزد قال ابن بسام: وأخبرني من لا أرد خبره أنه دخل على عبد الجليل يوماً وقد تطاول حتى كاد يمس رأسه السماء، فقال له: قد أتيت [ببيت] فلم أزد، وما أحسب حسنه لأحد، وأنشد هذا البيت؛ قال الحاكي، فقلت له: فأين أنت من قول أبي عبادة:
تنصب البرق مختالاً فقلت له ... لو جدت جود بني يزداد لم تزد قال: فبدا عبوسه، وتضاءل حتى كدت أدوسه، وقال: كسرتني والله، لو خطر هذا على بالي ما قلت [٩٧ب] ذلك.
وفيها يقول:
стр. 1434
يا قاتل الشكر بالإحسان يعمره ... مهلاً أما لقتيل الجود من قود
عجبت من كرمٍ في راحتيك بدا ... إشراقه كيف لم يعز إلى الفند
جادت سحابك إذ جادت على أملي ... فقال أشياعها جادت على بلد
أثريت عندك من جاه ومن نشب ... حتى وجدت الغنى في همتي ويدي
يا واحداً تقتضي آلاؤه جملاً ... برحت بي وبنظم الشكل فاتئد
للناس بعدك في العليا منازلهم ... والواحد الفرد يحوي مبدأ العدد
يدعى الرشيد ولم تعدم به صفة ... يا من هو الفصل بين الغي والرشد
لك الرشادة أخلاقاً وتسمية ... مثل البسالة إذ تعزى إلى الأسد
أي الفضائل تستوفيه مكتهلاً ... وذا شبابك قد ربى على الأمد
بادهتني بأيادٍ لا يقوم بها ... ما في لساني من قصد ومن لدد
عاد الزمان بما أوليتني غصناً ... غضاً فقمت مقام الطائر الغرد
ما عذر طبعي أن ينبو وما تركت ... به أياديك من أمت ومن أود وله من أخرى في المعتمد أولها:
قالوا صحا وأدال الغي بالرشد ... من لي بذاك الصبا في ذلك الفند
لئن صحوت فعن كره وقد علموا ... بأي علقٍ من الدنيا فتحت يدي
لم يقصد الدهر إصلاحي ولي مثل ... في الغصن تذهب عنه صورة الغيد
стр. 1435
ومنها:
طوى الزمان لييلات نعمت بها ... رنا بعين الرضى منها ولم يكد
وقاتل الله أدوار السنين فكم ... مزجن بالسم ما أحلولى من الشهد
لم يرسم الشيب في فودي خطته ... إلا ترحلت اللذات من خلدي
ضيف الوقار أفدنا منه تكرمةً ... بما تثقف من أمت ومن أود
وأسمر الخط لا تبدو فضيلته ... بغير أزرق كالنبراس متقد
للدهر عندي بنات من تجاربه ... أولى وأجدر بي من بيضها الخرد
الحر يزرأ إلا فضل شيمته ... وإن تقلب بين البؤس والنكد
وما الغنى في يد مملوءة عرضاً ... لكنه في وفور العزم والجلد
أو في رجاء ابن عباد وقد رغبت ... أيدي الملوك عن الإفضال والصفد
استوثق الناس مما في أكفهم ... وربما نفثوا بخلاً على العقد
ولا يرى العقد إلا في أذمته ... وما حوته يداه غير منعقد
بقية الفضل في دنيا قد ارتضعت ... ورحمة الله في سلطانه النكد
مستجمع الفكر لا ينحو معانده ... على بوائد من آرائه بدد [٩٨أ]
إذا استخفت حلوم القوم وقرها ... يقظان يسعى إليهم سعي متئد
يكفي المؤيد في الأعداء أن له ... عيناً من الله لا تغفى من الرصد
стр. 1436
تلقى به صل أصلالٍ وآيته ... أن تستبين عليه قشرة الزرد
وما تمر بأدهى من ليوث وغى ... يتبعن منه أباناً وافر اللبد
يجر من شجر الخطي غابته ... وذاك ما لم تسعه عزمة الأسد ومنها:
جاريتم الدهر في مضمار حلبتها ... جرياً سواءً إلى أقصى من الأمد
لكن تحيتها قدماً وقد شهدت ... " يا دار مية بالعلياء فالسند "
لخم ابن يعرب أولى أن يضاف إلى ... سناء معتضد فيكم ومعتمد
أنت الجميع وأنت الفرد قد علموا ... سريرة لم تكن في واحد العدد ومنها:
يا أشبه الناس آداباً بما لك من ... جمال وجه تحدتني وفضل يد
من أين لي قدم في الفضل سابقة ... لو أن طبعي في واديك لم يرد
هذا الأتي لذاك المزن منتسب ... عاري الأديم من الأقذاء والزبد
أرسلتها في سماء المجد طائرةً ... عن غير جهد وفيها متعة الأبد
تصحي النهى أبداً من حيث تسكرها ... وتسمع اللحظ صوت البلبل الغرد
لو أن لقمان يعطى عمرها بك لم ... يخن عليها الذي أخنى على لبد
طبعتها ولك التبر الذي طبعت ... منه فأسلمتها في كف منتقد وله وقد توقف مرتبه عند العامل:
стр. 1437
ألستم معشر الأملاك طائفةً ... تقضي بتخليدها هذي الأناشيد
فإن نقضتم أناساً من نوالكم ... فحق منكم لأهل الشعر تزييد
لكم خلقنا ولم نخلق لأنفسنا ... فإنما نحن تحميد وتمجيد
يا صاحب المجد إن المجد سائمة ... تضل إن لم يكن بالشعر تقييد
خذني بما شئت من غراء شاردة ... يصغي الأصم إليها وهو مفؤود
واعذر بتقصيره من لا يزال له ... في ساقة الرزق إرقال وتوخيد
لا يدرك القوت مما أنت واهبه ... حتى يطول من العمال تنكيد
وليس للشعر إلا خاطر يقظ ... يهزه منك ترفيه وتأييد
وما المدائح إلا بالملوك وهل ... يبدي سنا العقد إلا النحر والجيد وهذا كقول أبي الطيب:
وفي عنق الحسناء يستحسن العقد ... وله من أخرى إذ جاز المعتمد البحر إلى أمير المسلمين وناصر الدين، أولها:
عزم تجرد فيه النصر والظفر ... وفكرة خمدت من تحتها الفكر وقال فيها:
стр. 1438
ركبت في الله حتى البحر حين طما ... آذيه وبسوط الريح ينحصر [٩٨ب]
طرف يزل عليه سرج فارسه ... وليس مما تضم الحزم والعذر
كأن راكبه في متن ذي لبد ... غضبان تقدح من أنفاسه الشرر
حملت نفسك فيه فوق داهيةٍ ... دهياء لا ملجأ منها ولا وزر
عذرت لو أنه ميدان معركةٍ ... يسمو له رهج في الجو منتشر
في حيث للكر والإقدام مضطرب ... وحيث تملك ما تأتي وما تذر
عساك خلت حباب الماء من زرد ... تعود الخوض فيه طرفك الأثر
أو قلت في الموج خرصان معرضة ... تحارب الجيش أو مصقولة بتر
هي البسالة إلا أنها سرف ... تنفي الحذار، ومما يؤثر الحذر
لا تحمل الدين والدنيا على خطر ... وليس يحمد في أمثالك الغرر
إن كان ثوبك مختصاً بلابسه ... فقد تعلق من أذياله البشر
هلا رحمت نفوساً حام حائمها ... عليك واستولت الأشواق والذكر
وعاد أجبنها من كان أشجعها ... شحاً عليك وأحيا ليله السهر
إنا لفي حمص نستقري محاضرها ... وللقلوب بذاك اللج محتضر
لا نحسن الظن إشفاقاً وقد ضمنت ... لنا مساعيك أن يعنو لك القدر
كأنما النهر لما سرت سار إلى ... ذاك المجاز فأجرى فلكك النهر
كأنما قمت بالجدوى تساجله ... فناله دهش أو نابه حصر
стр. 1439
أحاط جودك بالدنيا فليس له ... إلا المحيط مثال حين يعتبر
وما حسبت بأن الكل يحمله ... بعض، ولا كاملاً يحويه مختصر
لم تثن عنك يداً أرجاء ضفته ... إلا ومدت يداً أرجاؤه الأخر
تواصل اللحظ حسرى من هنا وهنا ... وليس غير ادعاء الجص والحجر
فصرت فوق دفاع الله تهصره ... براحة البر والتقوى فينصهر
كأنما كان عيناً أنت ناظرها ... وكل شط بأشخاص الورى شفر وهذا قول أبي الحسن السلامي، وقد دخل مع بعض إخوانه دجلة، فقال:
وميدان تجول به خيول ... تقود الدارعين وما تقاد
ركبت به إلى اللذات طرفاً ... له جسم وليس له فؤاد
جرى فظننت أن الأرض وجه ... ودجلة ناظر وهو السواد وعبد الجليل أيضاً الذي يقول في صفة الأسطول:
يا حسنة يوماً شهدت زفافها ... بنت الفضاء إلى الخليج الأزرق
ورقاء كانت أيكة فتصورت ... لك كيف شئت من الحمام الأورق
стр. 1440
حيث الغراب يجر شملة عجبه ... وكأنه من عزةٍ لم ينعق [٩٩أ]
من كل لابسة الشباب ملاءة ... حسب اقتدار الصانع المتأنق
شهدت لهن العين أن شواهناً ... أسماؤها فتصحفت في المنطق
من كل ناشرةٍ قوادم أفتخٍ ... وعلى معاطفها فراهة شوذق
زأرت زئير الأسد وهي صوامت ... وزحفن زحف مراكب في مأزق
ومجادف تحكي أراقم ربوةٍ ... نزلت لتكرع في غديرٍ متأق
والماء في شكل الهواء فلا ترى ... في شكلها إلا جوارح تلتقي ومن البديع في وصف الأسطول قول محمد بن هانئ الأندلسي من جملة قصيد، قال فيه:
قباب كما ترخى القباب على المها ... ولكن من ضمت عليه أسود
أنافت بها آطامها وسما بها ... بناء على غير العراء مشيد
من الطير إلا أنهن جوارح ... وليس لها إلا النفوس مصيد
إذا زفرت غيظاً ترامت بمارجٍ ... كما شب من نار الجحيم وقود
следующие страницы →