Полный текст (3 281 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أنسيتنا جذل الطعان وعامراً ... وعتيبة بن الحارثي ومسهرا
فإذا أتيتك مادحاً لك لم يجيء ... شعري ليسأل بل أتاك ليفخرا
غيري الذي اتخذ المدائح مكسباً ... وسواي من جعل القوافي متجرا
أنا ما شعرت لأن أنبه حاملاً ... لكن لأمنع شاعراً أن يشعرا وقوله: " أو نفتقد صمصام عمرٍ و " ... البيت، لفظ حبيب ومعناه، نقله أبو المغيرة:
أو نفتقد ذا النون في الهيجا فقد ... جلى الإله لنا عن الصمصام @لمع من أخبار منذر الذي ذكر
قال: ونقلت من خط أبي مروان ابن حيان، قال: كان منذر بن يحيى صاحب سرقسطة رجلاً من عرض الجند، وترقى إلى القيادة آخر دولة ابن أبي عامر، وتناهى أمره في الفتنة إلى نيل الإمارة، والانتباذ من العسكر إلى الثغر الأعلى بلده، واقتطاعه لما صير في يده، وكان أبوه يحيى من الفرسان غير النبهاء؛ فأما ابنه منذر فكان فارساً لبق الفروسية، بهي الشارة، مليح التقلب على الدابة، سخياً كريماً خارجاً عن حد
стр. 177
الجهل، يتمسك بطرف من الكتابة الساذجة، وأما غدره فالنار برأس اليفاع، من أفحشه صنعه بهشام المخلوع مولى نعمته ومعلي رتبته، وباعثه إلى الثغر لنصرته، فانقلب ناصراً لعدوه، وغزاه في عقر داره، وأنزله عن سريره، وأسلمه لحتفه، وباع دماء عشيرته أهل قرطبة مجاناً باطلاً بلا ثمن من البرابرة على غير عذر، ولا ضرورة. وعاد بمثلها بمحمد بن سليمان أثيره عندما استجار به في نكبته، فقتله وهو ضيفه، فجاء بها صلعاء مشهورة لم تغسلها معذرة؛ إلا أنه كان كريماً، واتفق على تفضله، وعمرت لذلك حضرته سرقسطة، حتى أشبهن الحضرة الكبرى قرطبة أيام الجماعة، فحسنت أيامه، وهتف المداح بذكره.
وكان مع سموه للمعالي من الإيثار لشهواته، والمسارعة لقضاء لذاته، والانهتاك في طلب راحته، والشغف بزي دنياه، والكلف بزخرفها، والتهالك في حبها، على أضلع ما كان عليه من تفرد بشأنها، فاتخذ الجواري الحسان، وملاح الغلمان، فجلب إليه كل علق خطير، وحصل عنده من كل ما وصفناه كثير.
وكان لأول ولايته قد ساس عظماء الإفرنج وهاداهم حوطاً للثغر وأهله، وتأنياً للجماعة حتى تثوب لأهل الإسلام، يناهضون بها عدوهم. وكان رؤساء الجلالقة يومئذ ريمند الجليقي وشانجه القشتلي، فسلك معهما سبيل الاسترضاء، والموافقة والاستخذاء، فحفظت أطرافه وكفت المعرة عن عمله، وربما أوقع ببعض أصاغر القوامس في أطرافهم وسبى منهم، وريمند وشانجه باقيان على
стр. 178
معاقدته إلى أن مضى بسبيله، والثغر مسدود لا ثغرة فيه ولا وهي في حاله. وبلغ من استمالة الحاجب منذر لهذين الطاغيتين أن أجريا تصاهرهما على يديه، وكتب عقد النكاح بينهما بحضرة سرقسطة في حفل من أهل الملتين، فقرفت الألسنة منذراً لسعيه في نظم سلك الطاغيتين لما فيه من سوء العاقبة. وقد قيل إن رأي منذر كان في ذلك أحصف، من رأي من قدح فيه وقرف، لنظره في شأن وقته، وعلمه بانصداع عصا أهل كلمته؛ فآثر من الموادعة ما ستر به العورة، وشراه بغليظ الكلفة، واختدع به عظيمي الجلالقة ريمند وشانجه المحدثين أنفسهما يومئذ بمناهضة أهل الأندلس، فألهاهما عن الحرب وحبب إليهما الدعة. وأعقب الحاجب منذر أهل الثغر في مغبة ذلك عاجل السلامة، واستظهروا به على العمارة، فحيوا وعاشوا في نعمة ضافية، وعيشة راضية، لم يتغير به عنهما حال، إلى أن ألوت بمنذر المنية، وقد اعترف الناس لرأيه، وأقروا بسياسته، ولم يأت بعده من يسد مسده، ولم ينفع الله الطاغيتين بصهرهما الذي كانا عقداه للتآلف على المسلمين، إذ أعجل عنه شانجه بن غرسية شيطانهم الرجيم، وهوى أميرهم ريمند ظهير المذكور، وابنه بعده؛ فشتت الله شمل تلك الطواغيت يومئذ وكفى المسلمين شرهم برحمته. واشتمل منذر على قواد تلك الثغور، واستوسقت له هنالك الأمور
стр. 179
واستكتب عدة كتاب كأبي العباس ابن مروس من تدمير، وكأبي عامر ابن أرزق، وابن واجبٍ وغيرهم.
قال ابن حيان: وأخبرني الكاتب أبو أمية ابن هاشم القرطبي - وكان من وجوه من خرج عنا أيام الفتنة واستوطن ثغر تطيلة، وما رأيت مثله في أولي البيتوتات فضلاً - قال: اجتاز القومس شانجه بن غرسية صاحب قشتيلة بباب تطيلة صدر أيام الحاجب منذر، وعلينا يومئذ من قبله سليمان بن هود صاحبه، فسلك مجتازاً يريد طرف الثغر الأعلى للاجتماع هنالك بالقومس ريمند صاحب برشلونة، لعقد المصاهرة بينهما، والأنثى من عند شانجه، واطئاً لأرضنا عن علم من منذر والينا، وضمان منه لكف عادية جيشه عنا؛ فأنكره أهل تطيلة وهم يومئذ بحال عزة وقوة، وذهبوا إلى عصيان أميرهم منذر فيه تفادياً من وصمته؛ فنمي ذلك إلى الطاغية شانجه، فلما شارف البلد أرسل يستدعي قوماً من أعيانهم، يكلمهم في سبيله.
قال أبو أمية: فكنت في عدد من مضى، فدخلنا محلته يومئذٍ
стр. 180
فخرصتها خيلاً ورجلاً زهاء ستة آلاف، ولم يكن احتفل في حشده، ووصلنا إلى مضربه فإذا هو جالس على مرتبته عليه ثياب من ثياب المسلمين، ورأسه مكشوف أصلع كهل، لم يغلب عليه الشيب بعد، أسمر اللون جميل الصورة؛ فكلمنا بكلام لطيف حسن بين فيه وجه سيره، وذكر ما فارق والينا عليه من المحالفة معه، فعرفناه بكره من وراءنا لاجتيازه، وذهابهم إلى التمرس به، فنهانا عن ذلك وذكر الحرب وعدواءها؛ فانصرفنا عنه وأدينا قوله إلى من خلفنا فلم يتقبله عوام الناس، وحملهم الأنف على أن خرجوا إلى عجل أبطأت في ساقته تحمل أزواد عسكره يريدون نهبها عاصين للمشيخة، فأنهي إليه ذلك، فصرف من أصحابه مقدار خمسمائة فارس ثاروا في وجوه الناس، فخرج البلد بأسره لدفاعهم، فحمل من الخمسمائة قطعة، فولى الناس الأدبار حتى اقتحموا باب المدينة. فما رأيت في النصرانية يومئذ رجالاً مثل رجاله، ولا في ملوك الطواغيت من أعد له به في ركانة مجلسه ورجوليته ودهبه وكمال أدواته، وصدوع كلماته، إلا ما كان من صهره وسميه شانجه بن غرسية صاحب البشكنش الذي تفرد بالرئاسة بعده فكان مثله، بدد الله شيعتهم.
وكان من أعظم ما حبا الله به الإسلام يومئذ عند منبعث فتنتهم، ومحدث فرقتهم، وتشتيت كلمتهم، بعد الدولة العامرية بأفقنا، تعجيله حتف أملاك النصرانية المترسين بهم، وتلاحقهم في المدة القريبة
стр. 181
وإلقاؤه بين من أنظر منهم الشتات والعداوة، حتى صاروا أسوة المسلمين حذو النعل بالنعل، في افتراق الكلمة وزوال أمر المملكة، فإن الفتنة بأفقنا جاءت يومئذ بين المسلمين، وزعماء الطاغية حضور، وفيهم عدو الله شانجه بن فرذلند الذي تمرض بالمنصور بن أبي عامر، ﵀، ذو العزة والسطوة، فأعيا عليه حتى قمعه، وضرب بعده فريقي الفتنة، ومالأ الخوارج على الجماعة، حتى تمكن من هشم البيضة؛ وطمح أمله إلى الكرة، فقطع الله بهم، وأهلكهم في مدة قريبة.
@ذكر الخبر عن مقتل منذر
قال ابن حيان: وكان ذلك على يدي رجل مارد من بني عمه، يقال له عبد الله بن حكم، وكان مقدماً في قواد منذر، أضمر الفتك به دهراً، فدخل عليه يوماً في مجلسه غرة ذي الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة، وهو غافل في غلالة، ليس عنده إلا نفر من خواص خدمه الصقلب، قد أكب على كتاب يقرؤه، فعلاه بسكين قد أعده، ففرى به أوداجه ولا ما نسع منه، وهرب خدام السر الغلمان الخصيان، الذين كانوا على رأسه، وخلوه في يديه، إلا خادماً شهماً منهم مشى إليه وهو حاسر، فضربه
стр. 182
عبد الله بخنجره فقضى عليه مع مولاه. وأخرج رأس المنذر للوقت من قصره فوق قناةٍ ينادى عليه: هذا جزاء من عصى أمير المؤمنين هشاماً ودفع حقه، يريد بذلك الرجل الذي كان يدعى له يومئذ بإشبيلية، تعلقاً من هذا المارد لولايته، وتوطئة لقيامه، إذ كان هذا القتيل ممن رد طاعة هشام تأسياً بوالده يحيى وبخاله إسماعيل بن ذي النون؛ فنزلت بسرقسطة يومئذ حادثة عظيمة، وأشرف أهلها على فتنة شديدة، واضطربت لها حالهم، وطمع فيهم أكثر من كان يجاورهم، وأذعنوا لهذا الغوي المتوثب عليهم آنفاً، ورهبوه لاستجاشته الغوغاء والسلفة؛ فملك البلد لنفسه.
وكان سليمان بن هود الجذامي صاحب لاردة وقته مقيماً بتطيلة بجمعه، فسارع إلى سرقسطة ساعة سمع بخبر منذر رجاءً في دخولها، فمنعه هذا الفتى القاتل، ثك جاءه إسماعيل بن ذي النون خال منذر ممتعضاً لما جرى على ابن أخته، فامتنع ابن حكم بالقصبة، واتصلت الفتنة، ونال أهل سرقسطة يومئذ جهد شديد وخربت أحوالهم.
قال ابن حيان: وكان ركب ابن حكم القاتل من خطة التغرير
стр. 183
مركباً لم يجسر عليه فاتك قبله، لتفرده ووثوبه على الأمير منذر جوف قصره في قرارة مجلسه بين غلمانه وأهله وتحت أغلاقه، وبينه وبين الباب الأقصى من قصره ما لا يحصى من حجابه وقهارمته؛ فلم يفكر في شيء من ذلك، وحمل نفسه على التصميم فيه، وهون عليها الموت دونه؛ فلما تم له ذلك لم يكن في الخصيان العبدى الذين حضروا مجلس منذر ساعتئذ فضل للدفاع عنه والوثوب بابن حكمٍ، على كثرتهم وتفرده وسطهم، وأنهم لم يزيدوا على الهرب قدامه، فجاء بفتكة أسقطت كل من فتك في الإسلام قبله؛ ثم لحق طعمه برياسة الملك فملكه، ولم يفكر في ابن ذي النون خال منذر لما دنا إليه. وفعل ذلك بسليمان بن هود، وقد جاء ناشراً أذنيه، فحاربه ودافعه. وكان قصر منذر وقت فتكه به من حاشيته وغلمانه أزيد من مائة رجل سوى نسائه، فطار الرجال على وجوههم فزعاً، ولم يكن فيهم من يأخذ على يده، وقام بينهم كالأسد الورد، فحز رأس الفتى منذر للوقت، وأخرجه إلى الناس، فهمتهم أنفسهم وأبلسوا، ولم ينطق منهم أحد بكلمة.
وأرسل من حينه يستدعي قاضي البلد والمشيخة، فدخلوا عليه وهو قاعد على فراش منذر قتيله، ومنذر إلى جانب الفراش مرمل في دمائه، مغطى بثيابه؛ ووصف أنه جرى في سبيل الإصلاح عليهم
стр. 184
والشد لسلطانهم، وتقدم إليهم بتسكين من خلفهم من العامة، وأظهر الدعاء أولاً لسليمان بن هود، فأروه قبول ما وصفه، وتفرقوا عنه، وكلمتهم مختلفة عليه، إلى أن ثاروا به وقاتلوه، فخرج من باب بظهر القصر، ونجا منه بفاخر ما اشتمل عليه من ذخائر آل منذر، ولحق بحصن روطة اليهود، أحد معاقل سرقسطة المنيعة، وقد كان أعده لنفسه، فأقام به يرصد الفتنة جهده. وكان قد حمل مع نفسه الغلامين أخوي منذر قتيله، وحمل أبا المغيرة بن حزم وزيره وغيرهم من وجوه رجال منذر الذين نكبهم عند قتله مقيدين، فحبسهم عنده، يطالبهم بالأموال.
ونهب العوام قصر سرقسطة إثر خروجه نهباً ما سمع أعظم منه، حتى قلعوا مرمره، وطمسوا أثره، لولا تعجيل ابن هود ملك البلد إثر ذلك في المحرم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: وأذكر بهذه الغدرة الصلعاء، والفتكة الشهيرة الشوهاء - إذ الشيء يذكر مع ما جانسه، ويضم إلى ما التف به ولابسه - ما اتفق من مثلها في ملك المناديين الغالبين إلى وقتنا هذا على طرف إفريقية الأدنى إلى الأندلس، المستقرة رياستهم بقلعتهم المنسوبة إلى جدهم
стр. 185
حماد؛ وذلك أنه لما أفضى ملكهم إلى بلقين بن محمد منهم، أحد جبابرة الإسلام، المفتاتين على الأنام، من رجل كان لا يملأ يده إلا من لبدة أسد، ولا يسرح لحظه إلا في نهاب بلد مضطهد، ولا يراح إلا وبحر الموت يلتطم، ولا يكلم إلا حين يبتسم قد تجاوز في شذوذ أمنيته، وقهره لرعيته، والإخافة لأقرانه، والاستبداد على زمانه، غاية من سلف من جبابرة الأرض، وسمع به من فراعنة الإبرام والنقض، إلى شهرة آثاره، وتطاوح أسفاره، وما لا يحصى من عجائب أخباره.
حدثت أنه آب مرة من بعض غزواته الأفراد، المقلقلة لأحشاء الأنام والبلاد؛ فكأنه ارتاح إلى ما يرتاح إليه الناس من إراحة نفسه، والخلوة ولو ساعة بوجه أنسه؛ فجلس لذلك مجلساً حشد له شهواته، وتقدم في إحضار ما يصلح له من آلاته وأدواته؛ وأمر قيمة جواربه باستحضار عقيلة أترابها يومئذ جلالة سلطان، وحسن سماع وعيان، إحدى بنات عمه دنيا، لم ير بعدها - زعموا - ولا قبلها أبرع ظرفاً، ولا أقتل طرفاً منها؛ فجاءت تود الثريا لو تكون نعلها، والشمس لو تصور مثلها، وقد خطرت بنفسه إحدى هناته، وتمثلت له بعض غزواته؛
стр. 186
فأخذ يدبر، وطفق يورد ويصدر. قالت قيمته: وكأني أنظر إلى الكاس في يده، وإلى ابنة عمه قائمةً على رأسه، من لدن صليت العصر حتى طلع الفجر، وجانت منه بعد طول ليلته نظرة فرآها، فاعتذر إليها واستدناها، ووعدها ومناها، وقام من حينه فوضع الكأس ملأى في طاق وطبع عليها، وأمر بالركوب من حينه، فغزا غزوته المشهورة إلى المغرب من العدوة، بلغ فيها مدينة فاس، فوطئ الدول، ودوخ السهل والجبل؛ ثم رجع فجلس ذلك المجلس بعينه، واستدعى كأسه تلك وابنة عمه، فخلا بأنسه، وقضى وطره من لذة نفسه، بعد أيام كثيرة، وحروب مبيرة.
ولما تناهى أمره، وتجاوز السها ذكره، وظن أن البلاد تحت ختمه، وأن الناس على حكمه، سما إليه في بعض أسفاره ابن عمه الناصر، أصغر خلق الله عنده شاناً، وأهونهم عليه سراً وإعلاناً، من فتىً علمه الخوف كيف يجسر، وهجم به ضيق المسلك على الموت وهو ينظر، لم يشاور إلا الحسام، ولا استصحب إلا الإقدام؛ وقد كان بعض نصحاء بلقين خوفه منه، لكلمة أخذت يومئذ عنه، فجعلها بلقين نقلة ركابه، وسمر أصحابه. وكان قلما يركب إلا دارعاً، آخذاً بما يأخذ به من ذعر القلوب، ووتر البعيد والقريب؛ وكان مولعاً بالإدلاج إذا ارتحل، مؤثراً للانفراد كلما ركب ونزل؛ فأقسم تلك الليلة ألا يدلج إلا حاسراً، وليقتلن الناصر إذا نزل ولو كان أسداً خادراً؛ فأعجله عن الأمر، ولما يبد وضح الفجر؛ لقيه كأنه يسلم عليه، أو يسير بين يديه، فما راجعه الكلام، إلا وقد جلله الحسام، وأراح
стр. 187
منه البلاد والأنام؛ ثم قام مقامه، واستظل أعلامه، وأمر برأسه فرفع على بعضها وسير به أمامه، والناس يظنون أن بلقين، قد قتل بعض أتباعه الممتحنين، فهم يتساءلون عمن قتل، ويرجمون الظن فيما فعل، حتى طلعت الشمس، وارتفع اللبس؛ فأمر برفع مضاربه، وحشر زعماء ذويه وأقاربه، فقال: أنتم تعلمون أن بلقين قتل أختي، وفجعتي بأكرم حرمتي؛ وإنما شفيت صدري، وأخذت بوتري، لا أني حدثت نفسي بسلطانكم، ولا رأيتني أهلاً للدخول في شيء من شانكم. فردوا عليه جميلاً، ورأوا إمهاله قليلاً، وظنوا أنه لم يجسر على ما فعل إلا وله أشياع، وأهمه ما هو فيه؛ وأمر لحينه بخزائن بلقين فأنهبها ذؤبان العرب وصقورة زناتة، فاستخلص بذلك غيوبهم، وأمال إليه قلوبهم، ورحل تحت ليلته يطوي المراحل، ويعتسف المجاهل، فسبق الأخبار إلى القلعة فوطئ الحريم، وتملك الظاعن والمقيم.
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي عامر أحمد بن عبد الملك
@ابن شهيد؛ وسياقة جملة وافرة من نظمه ونثره
قال ابن بسام: وكان أبو عامر شيخ الحضرة العظمى وفتاها، ومبدأ
стр. 188
الغاية القصوى ومنتهاها، وينبوع آياتها، ومادة حياتها، وحقيقة ذاتها، وابن ساستها وأساتها، ومعنى أسمائها ومسمياتها، نادرة الفلك الدوار، وأعجوبة الليل والنهار؛ إن هزل فسجع الحمام، أو جد فزئير الأسد الضرغام؛ نظم كما اتسق الدر على النحور، ونثر كما خلط المسك بالكافور، إلى نوادر كأطراف القنا الأملود، تشق القلوب قبل الجلود، وجواب يجري مجرى النفس، ويسبق رجع الطرف المختلس.
وقد ذكره أبو مروان بن حيان في غير ما موضع من كتابه فقال: كان أبو عامر يبلغ المعنى ولا يطيل سفر الكلام، وإذا تأملته ولسنه، وكيف يجر في البلاغة رسنه، قلت عبد الحميد في أوانه، والجاحظ في زمانه. والعجب منه أنه كان يدعو قريحته إلى ما شاء من نثره ونظمه في بديهته ورويته، فيقود الكلام كما يريد من غير اقتناء للكتب، ولا اعتناء بالطلب، ولا رسوخ في الأدب، فإنه لم يوجد له، ﵀ فيما بلغني - بعد موته، كتاب يستعين به على صناعته، ويشحذ من طبعه إلا ما لا قدر له؛ فزاد ذلك في عجائبه، وإعجاز بدائعه. وكان في تنميق الهزل، والنادرة الحارة أقدر منه على سائر ذلك. وشعره حسن عند أهل النقد، تصرف فيه تصرف المطبوعين، فلم يقصر عن غايتهم.
وله رسائل كثيرة في فنون الفكاهة وأنواع التعريض والأهزال، قصار وطوال، برز فيها شأوه، وبقاها في الناس خالدة بعده. وكان في سرعة البديهة وحضور الجواب وحدته، مع رقة حواشي كلامه، وسهولة
стр. 189
ألفاظه، وبراعة أوصافه، ونزاهة شمائله وخلائفه، آية من آيات الله خالقه؛ من رجل غلبت عليه البطالة فلم يحفل في آثارها بضياع دين ولا مروءة، فحط في هواه شديداً حتى أسقط شرفه، ووهم نفسه راضياً في ذلك بما يلذه، فلم يقصر عن مصيبة، ولا ارتكاب قبيحة.
وكان مع ذلك من أصح الناس رأياً لمن استشاره، وأضلهم عنه في ذاته، وأشدهم جناية على حاله ونصابه. وكان له في الكرم والجود انهماك، مع شرف وبطالة، حتى شارف الإملاق، فمضى على هذه السبيل ﵀، انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: وقد أخرجت من أشعاره الشاردة، ورسائله الباقية الخالدة؛ ونوادره القصار والطوال، وتعريضاته السائرة سير الأمثال، ما يحل له الوقور حباه، ويحن معه الكبير إلى صباه.
@جملة من كلامه في أوصاف شتى
فصول من رقعة خاطب بها المؤتمن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن أبي عامر:
لولا أن من العادة بين السادة والمسودين، والمالكة والمتملكين
стр. 190
تطارح ادمة، وتدارس لطائف الحرمة، لأكبرته - أيده الله - عما أرغب ذكره، وأكرمته عما أطلب نشره؛ ولولا أن من السياسة وعقد الحزامة تذكير أهل العلياء، بسوالف النعماء، لربأت بما ينته الآباء والأجداد، وضربت بينه وبين افات بالأسداد، عن أن أحرز منه بتذكير، أو أدفع عنه بتقدير. لولا أن التطويل فيما أقصد قصده وأنحو نحوه على زمننا وشاغله، ومجد خطبنا وهازله، موجب للقول وموجد للسبيل إلى الطعن ممن ضعف حجاه، وقصر به مرماه، لرسمت إليه من الورق، أعداد الورق، ولرقمت إليه من المهارق، أشباه النمارق.
وفي فصل أيضاً:
وأقل ما أمت به، وأنطق عنه، ممتد عنان الأمل، كارعاً في بحر الرجاء لا الوشل، من مواتي بالمنصور جده ﵄ أني نشأت في حجره، وربيت في قصره، وارتضعت ثدي كرائمه، واعتجرت رداء مكارمه؛ واغتذيت من فيه، أكلاً زقنيه، وماء علنيه، فصرت من أفراخ نعمائه الحمر الحواصل، ولحقت بأخوة أبنائه الغر العباهل.
ومن مواتي بالمظفر عمه - عمته رحمة الله. إن أبي عبد مننكم لما بعد أمله، وبان خشوعه، وسالت دموعه، نكب عن طريق أهل الدنيا، ورمى مرمى من مرامي أهل الأخرى، فكسر همتي، وحلق لمتي، وسلبني بزي، وعراني من خزي، فكانت أفدح نازلة نزلت بصبوتي، وأقلق حادثة سلبت رونق بهجتي؛ وأنا ذاك ابن ثمان، قد هجنت في مدارع الكتان؛ ولقيني الوزير ابن مسلمة وقد عاد أبي
стр. 191
إثر إبلال، وعند نقوه من اعتلال، فسألني عن الحال، وعما شغل البال، فلم يكن جوابي غير النشيج والعجيج، وسوى العويل والضجيج؛ ولقي المظفر على حينه، وأدى إليه ما شاهد مني، فوجه عني، فلما صرت بين يديه، أمر بي فألبست ثياب الحرير، وضمخت بنفاح العبير، وحملت على فرس بسرجه ولجامه، ينهل من أعطافه ماء جمامه، وأتبع ذلك ألف دنيار في طبق، كأنها عيون النرجس الصفر الحدق، وعقد لي على الشرطة، وكانت لسني أرفع خطة، فانصرفت وأنا أنظر عطفي عن شوس، وقد ضاق صدري على أبي عن سعة نفس.
ومن مواتي بالناصر أبيه - برد الله مضجعه، ونعم مهجعه - أني صرت بين يدي المنصور، في يوم مطير، وأنا ابن خمس، أذكر ذلك ذكري لما كان بالأمس، وكان من إكرامه لي، ولطيف اهتمامه بي، ما يطول به الكتاب، ولا يحتمله الخطاب؛ وعينه ومحضه، وصريحه وزبده: أنه وهبني يوماً تفاحةً كانت بين يديه كبيرةً، ورآني أنظر إليها نظر الكلف، وأتأملها تأمل الشره، فأمرني بالقبض عليها، والعض فيها، فضاق فمي عن أن أحيط بجزء من أجزاء كرتها، وصغرت كفي عن أن تقبض إلا بمخنق من مخانق أنحائها، فجعل يقطع لي بفمه، ويطعمني على حكمه؛ ودعا الناصر، ومعه فتى سمعتهم يكنونه أبا شاكر، فقال له: احمله إلى أمك، وارفق به في أمك؛ فأخذا بيدي أمامه، وابتدار يسيران بي قدامه، وأنا لا أسمح في القياد لشدة ذلك الوابل، وتتابع قطر ذلك الهاطل، فصاح بهما:
стр. 192
أقلاه فاحملاه على أعناقكما، وسوقا به سوقاً رفيقاً أحسن مساقكما. فلفا أعضاد هما لفاً، ووصلا أذرعهما بأعناقهما وصلا، وامتطيت العاتق الكريم، على عين الملك الزعيم، امتطاء امتنان، لا امتطاء امتهان، ومرا بي حتى أنزلاني بين يدي السيدة، وإليها أمر كل قيمة؛ فاستوت بي على سريرها، وعلى مفرقها إكليل من مهابة أميرها؛ فلا أنسى ذلك البهاء في ذلك البهو، وذلك الحسور إليّ من قناع الزهو، وطار الخبر بقدومي في مقاصير العقائل، وحجرات الكرائم؛ فأرقلن من تلك المصانع، تطير بهن أجنحة الصنائع، فيا لها من كسى وخلع، وغرائب وبدع! وأمرت السيدة بألف تحمل معي عن نفسها، وثلاثة آلافٍ عن سيدها، فانصرفت بالغنى، من ذلك الجنى، ولم أصرف إلى المنصور حتى صرت عند أبي، وقد ظننت أنه متجاف عنه لي، أو تارك منه معي؛ وكانت لي فيه آمال، من التوزيع على الخدمة والعمال، من الصبيان وصبايا الجيران. أمر ففرق منه على بطانته، وأشار بحمل باقيه إلى خزانته، فظللت واجماً، وطفقت راغماً، أطفئ جمرتي فتذكو، وأخفي من لوعتي فتبدو. وبلغ ذلك المنصور، سفوجه نحوي بخمسمائة دينار، وأقسم على أبي بحياته ألا يمنعني منها، وأن يدعني بحكمي فيها؛ فبادرت بالركب والرجل، وأخذت في العطاء والبذل، وحبوت بأجزل الحباء، والخيل إذا ذاك نخب من قصب، والدرق قشور من خشب، فيومي مذكور في منية المغيرة إلى الآن، إذ كان مسكننا بدار ابن النعمان.
стр. 193
وأغربها ماتة، وألطفها وصلة، أن أخي موسى انتزعه المنصور من أبيه، وأحله محل بنيه، فاجتمعت الأفواه على الثدي، والتقت الشفاه على الدر المري؛ وقبضه الله إليه وقد رتع في مراتعكم، وجثم في مضاجعكم، فنحن عمار مقاصركم أحياء، وقطان مقابركم أمواتاً، جمعنا بذلك عشرة العاجلة والآجلة، وحصلنا على صحبة الدنيا والآخرة.
هذه - أيده الله - لمعة أبديتها له من وصائلي، وغرة أطلعتها إليه من وسائلي.
وفي فصل:
ومملوكك عاكف على الوطن، فكوع الراهب على الوثن، ولم يبق من النعمة غير مصاصة بلةٍ قد آن لها أن ترتشف، وتفاهة ثمرة حان لها أن تخترف؛ وعرج لمآله، والنظر لعاقبة حاله، على استخراج ما يمكن من أصول نعمتكم، ليصون بها جمة وجنته، ويفر عليها نطفة صفحته، إذ لا سبيل إلى التعريج على غير ذلك قطعاً، ولا إلى الالتباس بسواه حتماً، ولو لحس التراب، وذاب في الثياب، فإنه يتنفس عن نفس همتها الكوكب، وهمها الغيب؛ فلولا همتها لأظلم الدهر، ولولا همها لأسفر الأمر، وهذا موضع الحدس لا امتراء، وخليفة النفس لا ادعاء. ووعد الوزير عباس بصرف ضيعة لي بجهة تدمير، حالت الفتن دونها، واضطراب الأحوال عن
стр. 194
مطالعتها. وأنا أسأل فضلك سؤال المدل في استنجار ما وعد، فإنه يعتاض من شكري له وثنائي عليه، وصدعي في المحافل بفضله، أجل فائدةٍ يصطفيها، وأكرم نفيسةٍ يقتنيها.
وأصل اصطفائنا لتلك الضيعة وسائر أخواتها أن المنصور ﵁ استعمل أبي عبده على تلك الجهة الشرقية تسعة أعوام توالف بتدمير وبلنسية، فلما سئم العمل خاطبه برقعة يقول فيها: إن كبير حق المولى لا يذهب بصغير حق العبد، ولي حرمة أدل بها، وذمة أنبسط لها، وقد طالت علي الغربة، وسئمت الخدمة، ومللت من النعمة، فالإدالة الإدالة، فأداله ﵁ على رضاه، وأشخصه إليه على هواه، فورد قرطبة بأربعمائة ألف دينار نائضةً، ومائة ألف من ذهبٍ آنيةً، ووثائق خمسمائة زوج مكتسبةً، ومائتي نسمة من رقيق الصقلب متنتقاةً، والسعر إذ ذاك بها سامٍ جداً، ونفقة أبي رأس كل شهر سبعون مدياً من قمح، وعلف ثمانين دابة من شعير. فكتب إليه يعرض عليه ما جاءه به، ويحكمه فيه، ويسأله أخذه، أو الأخذ منه، فجاوبه يقول: لو أردنا أخذ ما أعطيناك، ما قد مناك، ونحن نخاف أن تستصفي نفقتك ما استقته، وتأتي على ما اجتلبته، برتفاع ثمن الطعام، وأنك لم ترد منه على ذخيرة، وقد صككنا لك
стр. 195
بألفي مديٍ بشطرين من قمحٍ وشعير تستظهر بهما على زمانك، فاقبضها من أهراء فلانة لقربها من مكانك، إن شاء الله.
مكرمة - أعز الله المؤتمن - لم تعهد لغير عامري، ولا سمع بمثلها لغير معافري. ولما عز الخطاب، ووقع الكتاب، وكان عبدك منسوباً إلى شيء من نظم الكلام، قال على كلة الذهن وفلة الغرب بالحان، وشغل البال، ما علم وفهم:
أما الرياح بجو عاصم ... فحلبن أخلاف الغمائم يقول فيها:
سهر الحيا برياضها ... فأسالها والنور نائم
حتى اغتدت زهراتها ... كالغيد باللج العوائم
من ثيباتٍ لم تبل ... كشف الخدود ولا المعاصم
وصغار أبكار شكت ... خجلا فعاذت بالكمائم
ورد كما خجلت خدو ... د العين من لحظات هائم
وشقيق نعمانٍ شكت ... صفحاته من لطم لاطم
وغصون أشجارٍ حكت ... رقص المآثم للمآثم
بكر الحسان يردنها ... من كل واضحة الملاغم
وضحكن عجباً فالتقت ... فيها المباسم بالمباسم
ضحكت وأومض بارق ... فظللت للبرقين شائم
стр. 196
وتشوفت فتطامنت ... أجياد أظبيها الحوائم
ورنت فبادر نرجس ... يشكو عماه إلى حمائم
طاردتهن بقتيةٍ ... حرد على حرب المسالم
وكأنني فيهم لقي ... ط قاد من أحياء دارم
وتكاوست فيها الأبا ... رق وهي فاهقة الحلاقم
وكأنها أظبٍ رعف ... ن فثرن دامية الخياشم
وجرى بها فلك الصبا ... باللهو، والقضب اللوائم
وكأننا فيها العفا ... رت والكؤوس من الرواجم
وعلا بنا سكر أبى ... إلا الإنابة للمحارم
نرمي قلانسنا له ... ونجر من عذب العمائم
وترنمت فيها القيا ... ن لنا ورجعت البواغم
قمنا نصفق بالأكف ... لها ونرقص بالجماجم
وأعن من سدن الملو ... ك سليل أقيال خضارم
يشكو الرعات تنعماً ... ويضج من حمل التمائم
لا تستحيه الراشفا ... ت ولا تباليه اللوائم
يجنينه ثمر النحو ... ر ويعتلين به المحازم
متجاهلات أنه ... يهوى وهن به علائم
стр. 197
لازمت باب محله ... والنجح من قنص الملازم
حتى إذا وثقت بنا ... عجز الحواضن والخوادم
القيت من أخذي له ... وتلوت من سور العزائم
واقتدته بشكائمي ... فانقاد في تلك الشكائم
فوردت جمات المنى ... وكرمت عن لوم المآثم
وأغر قد لبس الدجى ... برداً فراقك وهو فاحم
يحكي بغرته هلا ... ل الفطر لاح لعين صائم
فكأنما خاض الصبا ... ح فجاء مبيض القوائم
ويسير في يبس الثرى ... وكأنه في البحر عائم
حتى إذا علم الصبا ... ح أشار من تلك المعالم
وتمايلت أيدي الثريا ... وهي مذهبه الخواتم
ورنت ذكاء بنظاظر ... رمد من الاقذاء سالم
طلع الصوار لحينه ... وكأنه الموج المراكم
أو عسكر ركبوا الخيو ... ل الشهب واحتفروا الاداهم
فاشتد سبقنا له ... يكثرون عن مثل اللهاذم
وكأننا في رميها ... نستل من بيض الصوارم
فحمى أواخره أغر ... معاود تلك الملاحم
стр. 198
يهوي بروقي محربٍ ... طبنٍ بحرب الغضف حازم
وكأنما أرواقها ... مسودةً أقلام عالم
فتبادر الفتيان من ... جنباته أشهى المطاعم
شياً ومطبخاً على ... جمر زهته الريح جاحم
وبعيدة الأرجاء نا ... زحةٍ على أيدي الرواسم
لا تدعي جوباً لها ... ذات الخوافي والقوادم
من فتنةٍ قد أسبلت ... ظلماتها بيد المظالم
عمهت لها أحلامنا ... وكأنها أضغاث حالم
وتضاءلت أجرامنا ... فيها بموبقة الجرائم
وتحولت فينا الذنا ... بي الرأس، وابن المجد راغم
وأدار كل صغير قد ... ر المنتهى أرحي العظائم
فكأننا عمي نسا ... ق على العمى في ظل عاتم
حتى انتضى عبد العزي - ... ز عزيمة من صدر عازم
فبدت لنا سبل الهدى ... بنواجم غير الهواجم
ضرب الأعاجم سودها ... بالسد من بيض الأعاجم
فاستجفلوا فكأنما ... ضرب الثعالب بالضراغم
أبناء ملكٍ حميري ... قام بالغر القماقم
من عامرٍ أهل المصا ... نع والصنائع والكرئم
الكفر عنهم قاعد ... قدماً ودين الله قائم
حكم الزمان بظلمهم ... دهراً وصرف الدهر ظالم
стр. 199
فارتد بهجة ملكهم ... كر الخبعثنة الضبارم
واشتد ينظم حزمهم ... شيحان طلاع المخارم
ذكر على ذكر يصو ... ل وصارم يسطو بصارم
إيهٍ هيا عبد العزي - ... ز وأنت رجام المرجم
قمر تضيء له الخطو ... ب على دآديها الفواحم
تسري الرياح بمجده ... فنسيمها بالغور فاغم
لم يرو من ماء الشبا ... ب وكل أشيب عنه خائم
رعياً لمؤتمنٍ رعى ... فينا الحدايث والقدايم
بدأت أوائله وعا ... د لكشف غاشية الغياهم
ى تتركن صرم الزما ... ن على ظبا تلك الصوارم
وارم الخطوب بمثلها ... عزماً فأنت لها مساهم
وإليكها من ناطق ... يدعوك إذ صمت البهائم وله من جواب على خطاب:
ورد كتابك الكريم، بفضله العميم، يتبلج تبلج البرق، ويتحلب تحلب الودق، متكسراً في المشية، جالياً لليل الشك والمرية، قائداً بأزمة المنى والبغية، كلما اشتق موجاً غمره، أو
стр. 200
لاعب مرجاً بهره، أو جزع وادياً أمده من أتيه، ونعم من أنبوب برديه، أو مر بروض شق عليه رداء ورد، وأثار به عجاج ند، أو عارض حمامةً حيته بغنائها، أو سامت لقوة نزلت إليه من هوائها، أو مسح بعصمٍ حنت إليه، أو خطر بأسد تهالكت عليه؛ كتاب منع جانبه، وحمي حامله، كلما خبط بطحاء كتبت بالكتائب، أو ركب جرعاء رقمت بالأراقم، كان لهذه مدية، ولتلك رقية؛ وكلما كحل مقلةً شوساء خشعت، أو لمس كفاً خشناء بخعت؛ أو وقع إلى رئيس وضعه على رأسه، أو دفع إلى ذي بأس أخدمه من بأسه، أو لمحته شقراء حمحمت، أو بصرت به بيضائ ترنمت، هو الحديقة، تساق سوق الرسيقة، أو اللطيمة في ثنيها الغنيمة؛ فثرت إليه قائماً، وأرقلت نحوه ساعياً، وكان أول تحيتي له أن قبلته ووضعته على راسي، وحبست عليه أنفاسي، ثم فضضت ختمه، واسترقت شمه، ففتق علي نسيم العبير لخلخ به صدور الحور، وأهدى إليّ عبق الياسمين، ذر عليه مسك دارين، فأنعمت في نشر طيه، وضربت في مدرج ليه، فإذا ببنات من البر مسلمة علي، وثغور من الإكرام ضاحكة إليّ، وفاض اللألاء، وكثر الهتاف والإيماء، فكلت عيني عن ذلك الرونق
стр. 201
وحبست أذني عن ذلك المنطق، فلم أتمالك أن عطيت وجهي حياء، وقد تصببت ماء، وتقضبت في ردني، وقد ضاق به عطني.
وفي فصل: فتنفضت تنفض العقاب، وهزتني أريحيات الشباب، وقام بوهمي أني ملأت الأرض بجسمي، فأومأت إلى الجوزاء بكفي أن تأملي، وإلى العواء أن أقبلي، وقلت المجرة في عيني أن تكون لي منديلاً، وصغر الزبرقان عندي أن أتخذه إكليلاً، فقلت: هكذا يكون الألوك، وبمثل هذا تنفح الملوك.
وفي فصل منها:
ولما طال الكلام - أيد الله المؤتمن - ولم يبلغ مملوكه الغاية التي إليها قصد، ولا استوفى من الإيراد ما إياه اعتمد، خشي أن يصيبه ما يصيب التطويل من السآمة المخصوصة به، والملال الموقوف عليه، ففصله بنظم، فيه عون على الدرس، وتنبيه لشهوة النفس، وهو:
هاتيك دارهم فقف بمعانها ... تجد الدموع تجد في هملانها
[عجنا الركاب بها فهيج وجدنا ... دمن ذعرن السرب من أدمانها]
دار عهدت بها الصبا لي دوحة ... أتفيأ الفرحات من أفنانها
стр. 202
أرعي على بقر الأنيس بجوها ... وأحكم الصبوات في غزلانها
وإذا تهادت بالشموس نواعماً ... فيها الغصون جنيت من رمانها
قضت النوى بذياد رجح عينهم ... ظلماً وكان الدهر من أعوانها
رجروا اغتراباً من نعيب غرابها ... وقضوا ببينٍ من مغرد بانها
فبدا لهم وجه الفراق موقحاً ... آت على خبر النوى بعيانها
يقذفن در الدمع في يوم النوى ... عن جمة لعب الأسى بجمانها
[ودعتهم وبنات قرح في الحشا ... دون الضلوع تشب من نيرانها
وأسلتها ذوب الجفون كأنها ... أيدي بني المنصور في سيلانها]
يا صاحبي إذا ونى حاديكما ... فتنشقا النفحات من ظيانها
وخذا لمرتبع الحسان فربما ... شفع الشباب فكنت إلف حسانها
عاودت ذكر العيش فيه وما انقضى ... من صبوتي وطويت من أزمانها
فبكيت من زمن قطعت مراحلا ... وشبيبة أخلقت من ريعانها
ورعيت من وجه السماء خميلة ... خضراء لاح البدر من غدرانها
وكأن نثر النجم ضأن وسطها ... وكأنما الجوزاء راعي ضانها
وكأنما فيه الثريا جوهر ... نثرت فرائده يدا دبرانها ومنها يفخر:
أنا طودها الراسي إذا ما زلزلت ... أيدي الحوادث من فؤاد جبانها
стр. 203
وعلي للصبر الجميل مفاضة ... زغف أفل بها شباة سنانها
والنفس نفسص من شهيد سنخها ... سنخ غذت منه العلا بلبانها
ما أحول نحوي لحظ مقلة ساخط ... إلا وضعت السهم في إنسانها
ولو أنه نطح النجوم بقرنه ... كنت الزعيم له بنحس قرانها
وقضت بعز النفس مني دوحة ... من عامر أصبحت من أغصانها
يا ابن الأبالج من معافر والذي ... أربى يزيد على علا بنيانها
أعلى كتابك في مهمي حرمتي ... وجلا جوابك من دجى حرمانها
فليطلعن إليك من زهر الحجى ... أبكار شكر لحن في إبانها
حر القوافي ماجد في أهلها ... والشعر عبد في بني عبدانها
مدح الملوك وكان أيضاً منهم ... ولقد ترى والشعر من ديوانها
أمسى الفرزدق كفؤها في حوكه ... وجرى القضاء لها على صلتانها هذا - أيد الله المؤتمن - جوهر رطب، نظم بلا ثقب، غاية حسنه لو لفظه بحره على قرب، وقد كان أقل حقوق مولاي أن أقف ببابه، وأخيم بفنائه، وأهدي إليه الشكر غضاً، وأنثر عليه المدح نضاً، ولكني ممنوع، وعن إرادتي مقموع، يملكني سلطان قدير، وأمير ليس كمثله أمير، شيء غلب صبر الأتقياء، واستولى على عزم الأنبياء، وهو العشق، باطل يلعب بالحق، ليبين ضعف البشر
стр. 204
وتلوح قدرة مصرف القدر؛ والذي أشكو منه أغرب الغرائب، وأعجب العجائب، بث شاغل، وبرح قاتل، وصبر يغيض، ودمع يفيض، لعجوز بخراء، سهكةٍ درداء، تدعى قرطبة:
عجوز لعمر الصبا فانيه ... لها في الحشا صورة الغانيه
زنت بالرجال على سنها ... فيا حبذا هي من زانيه
تريك العقول على ضعفها ... تدار كما دارت السانيه
فقد عنيت بهواها الحلوم ... فهي براحتها عانيه
تقاصر عن طولها قونكة ... وتبعد عن غنجها دانيه
ترديت من حزن عيشي بها ... غراماً فيا طول أحزانيه طاب لي الموت على هواها، ولذ عندي سقي دمي لثراها:
وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذ ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا ولما استطرد طيب هذا المساق، وارفض كلمه كالماء المهراق، وخفق جناح العشق المذكور، وتدحرج وصفه كاللؤلؤ المنثور، تحركت لي أطراب، واهتز لرداء شوقي أهداب، وتمحضت نفسي فصارت نفساً، وتراكم ذاك النفس فصار كلاماً، وانتظم ذلك الكلام فصار عقداً، فقلت متغزلاً، وبما صدر في أيام السرور متمثلاً:
стр. 205
سقياً لطيب زماننا وسروره ... وغرير عيش مسعف بغريره
...
...
...
وتكفري برداء وصل مقرطق ... كتبوا بنقس المسك في كافوره
متلفع بحريره متضمخ ... بعبيره مترنح بفتوره
وسنان ناولني مدامة طرفه ... فشربتها وسمعت من طنبوره
يدعو بلكنة بربري لم يزل ... يستف بالصحراء حب بريره
متقدم بمضائه متلفع ... بردائه متكلم في عيره
مستفتح لبيانه ببنانه ... يهدي السلام إلى رجال عشيره
متنصب كالغصن إلا أنه ... يهتز من أعجازه وصدوره
طارحته كلماً وكنت زعيمه ... غرداً أحرك منكبي لزميره
فمشى إليّ فثرت غير معفر ... كالليث مطرداً إلى يعفوره
وملكته بالكف ملكةً قادرٍ ... فانصاع مؤتمر لحكم أميره
فقضيت ما لم أقض فيه بريبةٍ ... يأبى العفاف وعصمتي بحضوره
زمن قضى ثم انقضى فكأنه ... حلم قرأت الموت في تفسيره ومنها:
وبراحتي من فكرتي ذو ذكرةٍ ... عهدت تذاكرني بطبع ذكيره
стр. 206
فرد إذا بعثت دياجي صرفه ... هولاً علي خبطت في ديجوره
حتى بدا عبد العزيز لناظري ... أملي، فمزقت الدجى عن نوره
ملك تبقى المجد ناصره له ... وتقيل العلياء عن منصوره
ورأى الزمان يحيد عن تأميره ... فسقى سهام المجد من تاموره فإن طعن طاعن على نسيب هذا الشعر، وقال: إن الملوك لا تقابل بمثله، والعظماء لا تتلقى بشبهه، قلنا: ذلك لجهله بأخبارهم، وقلة روايته لآثارهم؛ ولو شئت أن أملأ الصحف وأرقم القراطيش بما جرى عند الملوك ومعهم، وما استعمل لهم، وتوصل به إليهم، لفعلت، ولكني اقتصرت من ذلك على قريب معجب، واكتفيت منه بحديث مطرب.
قال ابن بسام: وأنشد أبو عامر إثر هذا قطعة شعرٍ لأبيه، هي ثابتة في القسم الرابع من هذا التصنيف، قال فيها:
قهقه الإبريق مني ضحكاً ... ورأى رعشة رجلي فبكى ثم قال: فإن استهل الطاعن صارخاً، وقال: هكذا الشعر، وهكذا الطبع، وهذا الماء رقة وعذوبة، والهواء لطافةً وسهولة، لا ما كنا فيه من الشنائع والقعاقع، قلنا له:
أذن الديك فثب أو ثوب ... وانضح القلب بماء العنب
وتأمل آيةً معجزةً ... ما قرأنا مثلها في الكتب
ركع الإبريق من طاعته ... وبكى فابتل ثوب الأكؤب
стр. 207
ولول المزهر ينفي كربي ... وتطربت فأعيا طربي
وربيب قام فينا ساقياً ... كالرشا أرضع بين الربوب
ظبية دون الصبايا قصصت ... فأتت غيداء في شكل الصبي
فتح الورد على صفحتها ... وحماه صدغها بالعقرب
فمشت نحوي وقد ملكتها ... مشية العصفور نحو الثعلب ومنها:
وغمامٍ باكرتنا عينه ... تترع الأفق بدمع صيب
مثل بحر جاءنا من فوقنا ... جرمه من لؤلؤ لم يثقب
فدنا حتى حسبنا أنه ... يمسح الأرض بفضل الهيدب
فسألناه، وقد أعجبنا ... حشوه العين بمرأى معجب:
أنت ماذا - قال: مزن علمت ... كفه النفحة كفاً درب
سامني بالشرق أن أسقيكم ... رحمةً منه بأقصى المغرب
فسألناه: أين ذاك لنا ... قال: هل يخفى ضياء الكوكب -
[ملك ناصب من خالفكم ... عامري المنتمى والمنصب]
فعلمنا أنها نفحة من ... ورث الجود أباً بعد أب ومنها:
لك كف بالثريا فيضها ... ولها بسط الندى من كثب
كقليب دلوها مترعة ... أشرقت بالماء عقد الكرب
تبصر العينان منه إن بدا ... قمر السرج وشمس الموكب
стр. 208
أنجبته للمعالي أسرة ... نزلوا للمجد أعلى الرتب
بنفوس من سناء غضة ... في جسوم بضة من حسب
ووجوه مشرقات أومضت ... ضاحكات في وجوه الكرب
لهم أيام حربٍ كثرت ... في عداهم داعيات الحرب
لم يطق عام قدماً مثلها ... لا ولا عمرو بن معد يكرب
سحبوا من ذيل مجد إذ هم ... للوغى في ظل نقعٍ أشهب
يا ابن أم المجد خذها عبرةً ... جد قول يشتهى كاللعب
من بنات اللب زانتك كما ... زان صدر المهر حلي اللبب
خمرة من طيبها قد سبيت ... قطعت نحوك عرض السبسب فإن يراجع - أعزك الله - المؤتمن منصفاً فهو أولى به وأستر له، لا كقوم عندنا، حظهم من الفهم الحفظ، ومن العلم الذكر، وهذا حظ القصاص، وأعلى منازل النواح، فترى الممخرق منهم إذا قرئ عليه الشعر يزوي أنفه، ويكسر طرفه، وإذا عرضت عليه الخطبة يميل شقه، ويلوي شدقه، فإن تناولهما لم يبق ملحةً إلا حشدها، ولا أبقى عفصة فجةً إلا جلبها. وأصل قلة هذا الشأن، وعدم البيان، فساد الأزمنة، ونبو الأمكنة؛ وإن الفتنة نسخ للأشياء، من العلوم والأهواء، ترى الفهم فيها بائر السلعة، خاسر الصفقة يلمح بأعين الشنآن، ويستثقل بكل مكان. وهذا رأينا، وحربنا
стр. 209
أنا طلبنا البيان، فأدركناه بكل لسان، والتمسنا الإبداع فأثبتنا كل معجب، وأتينا على كل مطرب، فما سقطنا على سوقة يهش إلينا، ولا دفعنا إلى ملك يصبو بنا؛ وليت إذ لم يكن غنم، ألا يكون غرم؛ ووددنا أنا برازخ لا حرب ولا سلم، ولا يقظة ولا حلم " كفى بذلك إنحاء على الزمن ". ولولا أن المؤتمن نجم من تلك الأنجم الكريمة، وفرع من تلك الدوحة القديمة، أمسك على الدنيا عينها، وحفظ عليها زينها، لقلت: إنها نسخ، وإن أصلها مسخ، سناؤها للئيم أو غد، وزمامها بيد بوم أو قرد.
وله من أخرى إلى الوزير ابن عباس: ولما أسندت منك إلى هضبة لا انخرام معها، واستمسكت بعروةٍ لا انفصام لها، إذ ورد علي كتاب رسولي إليك، يذكر تغيرك له، وأنكرت ذلك عليك، ثم تذكرت قولهم: ما نزل حتى رحل، وقول الآخر:
كريشة بمهب الريح ساقطة ... لا تستقر على حال من القلق وفي فصل: وقلت: أستنوق الجمل، ويتضح الكوكب، وتخف حصاة الحلم، ويتضعضع جبل العمل والعلم، ويكبو جواد الهمم، وتزل نعل الكرم، وتغلب الدنيا الدين، ويسطو الشك باليقين - ثم تذكرت علمي بك، وقولي فيك:
غير أني مع الوزير أبي القا ... سم حزب محض من الأحزاب
стр. 210
التقي التقي كهلاً وطفلاً ... فارس الجيش راهب المحراب فعلمت أنك صاحب محراب، ومؤمن بآية الكتاب؛ فتللت الأوهام للجباه، وكبحت الظنون كبحة أقعدتها عن الأشباه، ولم تبق إلا بقية من قول القائل:
ولو ترك الناس الملوك لأحسنوا ... ولكن أولاد الزنا كثير فبحثت عمن طرأ عليك من الأنذال، وحل بساحتك من الأعلاج، فقيل لي: ابن فتح، فأنعمت البحث، وأعملت لطائف الكشف، حتى صح عندي أنه كدر صفوك علي، وغير شربك لدي، فقلت: من هاهنا أتينا، وعن هذه القوس اللئيمة رمينا؛ وقصصي مع هذا العلج طويل.
وفي فصل منها: ولم يزل يسعى لإفساد تلك النيات حتى فسدت وانتفضت، وزاد في إفساد الضمائر، ورام التدبير من غير طرق الأكابر، حتى تلف وأتلف، وكانت العاقبة ما عاينت، والمغبة ما شاهدت؛ ولقد سألني أبو جعفر أن ينفرد ذات يومٍ بأكبر وزيرين عندنا، ووجهني فيهما، وحضرا، فنفث هذا الساحر فانصرفا، فخاطبته بأبيات أقول فيها:
стр. 211
هلا سترت الشين بالزين ... من قبل إحضار الوزيرين -
قد علما أنهما أحضرا ... لخلوةٍ أثقل من دين
لما تدانت قاب قوسين ... أصابها الحاسد بالعين
فانصرفا مثل انصراف الفتى ... أسلم إلفاً ليد البين
صدهما من قردك المصطفى ... نطحة نطاح بروقين
وما رأى الناس على ما مضى ... من قبله قرداً بقرنين
أربعة في مجلس جمعوا ... فطار هذان بهذين
قد لزما جنبيك لم يبرحا ... لهفي على ضيعة جنبين
فأنت ما بينهما جالس ... جلوس أبر بين خصبين وما كان هذا القرد أهلاً لأن يحمل عليه حر كلام، ولا ليرمى بفضل بيان. وبالحرا أن يرقم على عتبة دكان، أو يصور على باب حمام، وقد غرس في وجعائه رأس نخلة، وحيي في سعفها عش نحلة؛ أو ينقش في خاتم قيمار، وقد علاه خنزير، وعطس مستنجاه بإبرة زنبور، فإنه بقية من بني إسرائيل الذين استحلوا الحرام، واجترحوا السيئات والآثام؛ فلما عتوا عما نهوا عنه، قيل لهم كونوا قردةً خاسئين، فجعلت نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين.
ولولا أنه منتسب إلى آل هاشم، إلى عصابة أقلني كرمهم
стр. 212
وأظلتني نعمهم، ومسند على العلات من أبي جعفر، إلى وزير كان لي وزراً، رقرق شرابي، وأخصب به جنابي؛ لأدرت بداره دائرة السوء، وسريت إليها في لمةٍ في صعاليك الأحرار، وصميم الرجال، فأحرقتها على نازلها، وجعلت عاليها سافلها، امتثالاً لقوله تعالى في ديار قوم لوط؛ فالشائع لدينا أنها قرار لبنات السحق، وبركة لسمكات العشق، يتناكح بها النسوان بعضهن إلى بعض بالصدقات، ويستعملن خرز جلود البقر في الكيرنجات. فالله الله في قبول هذا القرد والالتباس به، فإنه قدار من لزمه، وهو والفرضي رضيعاً لبان، وفرسا رهان، ولذا لم يؤثر فيه إذ نقره على الرأس، لأن الأفعى لا تقتلها نهشة الأفعى، وأخاف عليك عاديته، وأتقي على أيامك بادرته؛ كان الله خليفتي عليك يا أبا القاسم؛ والله الله في إعادة نفحة من كرائم نفحاتك على قرية أبي الجودي، فلو أنها الجودي كرامةً، وقرية النمل عمارة، لقلت في جنب ما أتغنى به من شكرك، وأترنم به من تقريظك ومدحك. والذي أستقبله من ذلك أكثر منىً: علي أن أهدي من ذلك لطيمةً إلى جارتك القيروان، وأخرى إلى حبيبتك مكة بيت الرحمن، بكلام عذب، ومساق رطب، يبكي الحجيج، ويقدح نار العجيج، تحن له الرباب، وترق له الأعراب. واعلم أن نعمتك فيها، لشهرتها بك، وارتفاعها بارتفاعك، مكتوبة بكف
стр. 213
الثريا في مفرق السماء، نونها الهنعة، وعينها الشولة، وميمها النثرة، فإن أعقبتها " لا "، كان الدبران كاتبها عليك، ترمقها الأبصار، على انتزاح الأقطار.
وفي فصل: وبحثت على من تجرد للتنبيه على مثل ذلك وتفرغ للاشتغال به، فوقعت على الكاتب الوزير، اليقظ النحرير، خالد بن يزيد الكيميائي أبي عبد الله الفرضي، فقلت: شنشنة أعرفها من أخزم، لا يصلح للأفعى مراد الروض، ولا ورود الحوض، ولا يدفع لؤم الكلب، كرم الصحب، وإنما الأخلاق جارية على الأعراق، والأفعال مأخوذة عن الأعمام والأخوال؛ وهذا المذكور مشئوم، أدوى من موم، وأشأم من بوم، يسيء لمن أحسن إليه، ومن أجاره تجنى عليه؛ منته نفسه على ضيق نفسها ملك الملوك، وإحياء وقائع اليرموك، فارتبك فيما ارتبك، ولولا القدر لطحنته الرهك، لقد أخطأت استه الحفرة، وما ثبت عند النفرة؛ أولى له! لقد خبث مغرسه عما حاول، ولؤم معطسه عما تناول؛ وهيهات! لا تبصر الشمس العمش، ولا تهتدي السبل الخفش. وإني لأخاف على سعدك نحسه، وأحذر على يومك أمسه، أفقده الله حسه، وأورده الكنيف
стр. 214
رمسه، فإنه لو جاور البحر لسده، ولو جاس أبا قبيس لهده. وما أبعد أن تمنيه نفسه الخبيثة الفتك بك، والوثوب عليك، فإن أمره أسخف، وصفاقة مخه أشف، من ألا يجري هذا المجرى، ولا يرمي هذا المرمى؛ وربما ساعده القدر: هذا حمزة قعصه وحشي، وبسطام صرعه عاصم، وكسرى فتك به مرازبة له.
وكتب الوزير أبو مروان ابن الجزيري إلى الوزير أبي عامر ابن شهيد:
قل للوزير الذي بانت فضائله ... وقام فينا مقام الغيث نائله
إذ بان فضل مساعيه وهمته ... بين لنا شرح معنى سال سائله:
أواخر الورد إذ تجنيه ملتقطاً ... أزكى وأعطر نشراً أم أوائله -
وأي حاليه موجوداً ومفتقداً ... أولى وأجدر أن ترعى وسائله -
وقد أتاك لتوديع على عجل ... خضراً مقانعه حمراً غلائله
فامنحه منك قبولاً واقض نهمته ... من الوداع فقد زمت رواحله فأجابه:
يا سيداً أرجت طيباً شمائله ... وشاكهت شعره حسناً رسائله
وسائلاً لي عما ليس يجهله ... ولا الذي كلف التفضيل جاهله
الورد عهداً ونشراً صنو عهدك لا ... تنسي أواخره طيباً أوائله
стр. 215
ووصله في كلا الحالين مفترض ... سيان قاطعه جهلاً وواصله
فالعود يخفق، والمزمار يتبعه ... وهاجر الراح قد هاجت بلابله
تخبر بمثل الذي أنت العليم به ... أيامنا والصبا تعصى عواذله قال أبو الحسن: وقد ضارع أبو عامر هذا محاسن الطبقة العالية البغدادية المضارعة التي بانت فيها قوته، ولدنت اختراعاته ومقدرته، فصار يتناول المعنى الحسن فيصيره محساً بحسن مساقه، فمنها وصفه للنحل والعسل: واسعة الأكفال والصدور مرهفة. ووصف البرغوث فقال: أسود زنجي. ووصف البعوضة فقال: مليكة لا جيش لها سواها. ووصف الثعلب فقال: أدهى من عمرو. فهذه أوصاف لو رامها غيره لكبا جواد بنانه، ونبا حسام لسانه. وقد عارضه فقال في صفة النحلة:
وطائرة تهوي كأن جناحها ... ضمير خفي لا يحدده وهم
ملازمة للروض حتى كأنما ... لها كل ما تفتر عنه الربى طعم
تمج بفيها الشهد صرفاً ويختفي ... لمشتاره ما بين أحشائها سهم
منافرة للإنس تأنس بالفلا ... مفرقة للشهد، من بعضها السم
فإدناؤها رشد وهتك حجابها ... إذا احتجبت في غير أيامها ظلم وقال في صفة البرغوث:
следующие страницы →