← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

إلى (١) الوضم، فكيف لا (٢) يتربص خروج الدجال، أو ينزل المطر على هذه الحال، أو تتأخر القيامة، ومقاتل قد صار (٣) قدامه، يقتل الأحرار، ولا قود ولا ثار!! ألا مغيثاً، ألا مشياً إلى الموت (٤) حثيثاً، ألا دعوة نوحٍ، من قلب قريح!! ولأبي بكر أيضاً فصول من جوابٍ عن أهل قرطبة على خطاب ورد من قبل المستعين بن هود قال فيه: وصل كتابك، فوقفنا على جميع معانيه، وأحطنا علماً بما فيه، ورأينا ما تضمنه من المقال الذي لم يوفه أعزه الله - حق النظر، ولا تدبره أحسن التدبر، بل أطاع فيه سلطان هواه، ودعاه الحرج (٥) إليه فاستهواه، ولو حكم عادل النصفة، وعصى أمر الأنفة، لخاصم نفسه قبل أن يخاصم عنها، وكان قبل أن يأخذ لها آخذاً منها، ولعلم أن الحق ليس بأقوال تسطر، ولا حججٍ (٦) تصرف عن طريقها وتغير؛ والشيطان قد ينصب للعاقل أشراك الخدع، ويروم أن يستنزل الحليم بأصناف الطمع، فمن صرفته عصمة الله انصرف (٧) ، ومن وقفته خشيته أحجم ووقف. وفي فصل منها: وقد كنت (٨) خاطبتنا المرة بعد المرة، وكاتبتنا الكرة بعد

стр. 1472

الكرة، تذكر أنك (١) قد حللت عن تلك البلاد يدك، وأصفيت (٢) في طاعة أمير المسلمين وناصر الدين - أيده الله - معتقدك، ورأيت أنها (٣) أمانة تؤديها، إلى حافظها وراعيها، وتسلمها إلى من يقوم بحق الله - عز اسمه - فيها، إلا مواضع يسيرةً استثنيتها، وأماكن قليلةً سميتها، فما الذي نقلك عن هذا الرأي الحميد، والمذهب السديد، إلى التمسك بما قد بان لك وجه الحيرة في تركه، وإرادة التملك بما لا قدرة لك على ملكه -! ولو كنت - أحسن الله توفيقك - ملياً (٤) بالدفاع، قديراً على التحصن من أعداء [الله] الكفرة (٥) والامتناع، لكنت معذوراً فيما ترغبه، وجديراً أن يخلى بينك وبين ما تطلبه، لكن العجب كل العجب أن يكون سعيك للكفار، وتوفيرك للدمار، وكيف يسوغ لك أن تحذر من الله وأنت لا تحذره (٦) ، وتذكر به تعالى ثم لا تذكره -! ألست تعلم أن النصارى - لعنهم الله - قد استولوا على ثغور المسلمين التي كانت بنظرك منوطةً، وبمستقر قدميك (٧) مخلوطة - فهل كانت لك طاقة بمحاربتهم، أو قوة على مقارعتهم، أو إصراخ لمن استرخصك من قتيل مستشهد، أو أسير مضطهد -! وفي فصل منها: فحين وصلت دعوتهم لسامعها، واتصلت مظلمتهم

стр. 1473

برافعها، وتعلقوا من أمير المسلمين وناصر الدين - أيده الله (١) - بالسبب المتين، وأووا منه إلى الحصن الحصين، أردت - والله يقيدك (٢) - أن تقطع منه (٣) حبالهم، [١٠٣ب] وتفرق اتصالهم، وتذرهم بين أيدي (٤) الأسر والقتل نهاباً، ولا ترجو فيهم ثواباً، ولا تخاف (٥) عقاباً. وهو - أيده الله - لم يبلغ بلادك ولا غيرها لمالٍ (٦) يبتزه، ولا لتملكٍ يستفزه، وإنما بغيته (٧) أن يقمع شيطان الشرك، ويستنقذ المسلمين من الهلك، ولما (٨) نرجوه من حسن إنابتك، وإسراعك إلى داعي الحق وإجابتك، خاطبنا أمير المسلمين - أيده الله - محيلين على ما تضمنه خطابك، ووعاه كتابك، ممهدين عنده عذرك فيما تضمنه من القول الذي لا تصح شواهده، ولا ترتبط (٩) لمتأمل معاقده، وإنا لنخشى أن ينفض (١٠) عن ذلك الثغر يده، ويحل من عزمه (١١) فيه ما كان عقده، فحينئذ لا ينفع النادم قرع سنه ولو هتمها، والعاض يده ولو كلمها، وقد كان لك مندوحة

стр. 1474

في القول اللين، والاحتجاج المبين، عن (١) الموافقة والمخالفة، والمدافعة بغير الحق والمكاشفة، حتى انتهيت (٢) إلى أن تقول إنه لك في من سلف واعظ يزعك، أو زاجر يردعك، والله يعصمك من أن تختار اختيارهم، وتؤثر إيثارهم. وفي فصل منها: وقبيح بمن علم بما (٣) عند الله علمك، وفهم بما لديه فهمك، أن يزهد في الدنيا وهو يطمع منها في غير حاصل، أو يذم العاجلة وهو يعتد بعرضٍ من أعراضها غير طائل، ونرجو أن يكون وراء هذا من ركوبك المثلى، ورجوعك إلى التي هي أولى، وتكذيب ما تلقيه (٤) الوساوس، وتمنيه (٥) خادعات الهواجس، ما يبقي به دينك نقياً لا يتدنس (٦) إزاره، وذكرك جميلاً لا تقبح آثاره، وهو الذي يشبه مذهبك الكريم، وآراء سلفك القديم، الذي أنت متقيل حميد آثارهم، مستضيءبأنوارهم، مشيد على (٧) ما أسسوه من الأثر الصالح، والعمل الراجح. وما كان في هذا الكتاب من (٨) مراجعة، فيها موافقة ومنازعة، فإنما دعا إليها ما ننوي من النصيحة، والموالاة الصحيحة، وقد يعاتب

стр. 1475

الشفيق فلا يحجم، ويقول الصديق فلا يكتم، وأنت تحمل ذلك على سبله (١) الواضحة، وطرائقه اللائحة، وتعلم أن أخاك من أرضاك باطنه، وإن عصاك ظاهره وعالنه (٢) . وله من قصيدة (٣) في القاضي (٤) : وكيف أجزوت الحي جيبك عاطر ... وردفك فضفاض وعقدك صائح تجاوب أفرد الحلي وساوساً ... عليك كما غنى الحمام النوائح وكيف شققت الليل خدك زاهر ... وجيدك براق وثغرك واضح وكيف استطعت السير حجلك مفعم ... وردفك رجراج وحليك قادح ومنعرج الوادي ظبأ وأسنه ... ومنقطع البيداء خب وكاشح وقد (٥) نصت الجوزاء (٦) جيداً كأنه ... عيون إلى تلك الطروق لوامح تأرجت الموماة أن سرت وسطها ... فكل سبيل جزت بالطيب فائح أقبل ترب الأرض حتى كأنما ... تضم ثناياك العذاب (٧) الأباطح فما سجد (٨) الرهبان في كل بيعةٍ ... كما أسجدتني أرضها والصحاصح

стр. 1476

ومنها في المدح: فإن أك في ميدان لهوي راكضاً ... فإني للقاضي الأجل لمادح هو السبب المدني إلى كل سلوةٍ ... وكفارة الآثام وهي فوادح به تنهض الأيام وهي عواثر ... وتستدرك الآمال وهي نوازح [١٠٤أ] قال ابن بسام (١) : قول أبي بكر: " أقبل ترب الأرض " ... البيت مع الذي بعده، من الوصف الغريب، في توفية إكرام ربع الحبيب؛ وأول من بكى بالربع ووقف واستوقف، الملك الضليل، حيث يقول: قفا نبك من ذكرة حبيب ومنزل ... ثم جاء أبو الطيب فنزل وترجل ومشى في آثار الديار وقال (٢) : نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةً ... لمن بان عنه أن نلم بها راكباً ثم جاء المعري فلم يقنع بهذه التوفية من الكرامة حتى خنع وسجد، وقال (٣) : تحية كسرى في السناء وتبع ... لربعك لا أرضى تحية أربع وأبو بكر إنما ألم بهذا المعنى. ومحاسنه أكثر من أن تحصى، ولم أحاضر وقتي هذا إلا بقليلها (٤) ، ولا

стр. 1477

بأس من الزيادة - إن شاء الله - عند حصولها. ومما سمحت (١) به الأيام، وفازت به الأزلام، من نثر أبي بكر المتدفق عن بحر (٢) ، المزري بدر انتظم في لبات الزهر، رقعة يقول فيها: مولاي وسيدي الأجل لا يزال بمعونة الله تخمه الأوطار، وتطيعه الأنصار، وتتنافس فيه الأقطار، وتستأذنه في صوبها القطار، فدعاؤه متقبل مستجاب، والغيم عند استصحابه منجاب، وقد كان الغمام أسف ودقه، ورجي صدقه، فصعد وتعلى، ثم دنا فتدلى، فكاد من قام بالراح (٣) يدفعه، وانتظرت شآبيبه ودفعه، إلا أن تلك الدعوة ردت مخيلته جهاماً، وفرقت جمعه وكان لماما، وعاد المحل يلتهم التهاماً، فرفقاً - رفق الله بك - فإن الناس مسنتون، ولما لا يرضى من القول بسوء الظم مبيتون، وماذا عليه - أعزه الله - في أن يخصب محله، سقى الغيث بلداً يحله، وتشيعه حيث ارتحل ديمة مدرار (٤) ، وينزل حيث ينزل النوار، وننال من بركة دعائه نصيباً، ولا نلقى منه يوماً عصيباً، وإن دام دعاؤه في استصحاب الشمس، فسيتركها خاوية كأن لم تغرب بالأمس.

стр. 1478

وأخرى يقول فيها: سقى بلداً أمست تحله ... من المزن ما تروى به وتسيم (١) كيف لا استسقي لمثواه - أدام الله نعماه - عزالي (٢) الغمام، وأنتقي لعلياه حر الكلام، وأعيذ (٣) النفس بمقدار سعده، وأنفي الأنس جملةً من بعده، وهو - أعزه الله - سر الضمير ونجواه، وذكر اللسان ودعواه، وشغل القلب والصدر، والصديق الوفي بعدت أخلاقه عن الغدر (٤) ، والواحد الذي يعدل ألوفاً في جلالة القدر، ويزيد على الأ [نام] كما زادت على الليالي ليلة القدر؛ ما هذا الإطراء، والقول بالآراء (٥) -! تكفي شهادة الضمائر، وتناجي السرائر. ما أولاني بالنجه، وحثو التراب (في) الوجه! ! كيف وجد - أعزه الله - تلك البلاد الكريمة - أظنه أكرم فارتبط، وانتاب (٦) فاغتبط، وحط الرجل عند الملك الظاهر، المكنى بأبي الطاهر، فأنشد قول أبي تمام في عبد الله بن طاهر (٧) : إذا ما امرؤ ألقى إليك برحله (٨) ... فقد طالبته بالنجاح مطالبه

стр. 1479

وفي فصل منها: وماذا عليه لو عرف من شأنه بقضه (١) ، من عدة النسيم اجتاز على أرضه، فتنشق عرفه، وتقبل عرفه: يقبل الريح من صبابته ... ما قبل الريح قبله أحد ومنها: ولما علم أن تلك الحضرة مجر العوالي (٢) ، بل مستقر المعالي، ومجرى السوابق، بل مسرى البواشق، أملها فأمها، وقدم أرجاءها فجاءها، وغرضه أن يكون هنالك خادم قائد، أو جامع فائد، وإذا ظفرت يداه بجواد، يحمله على جواد، فقد أخصب مراده، وأكثب مراده. ومنها: وإن خفت بالمراجعة بالحال العلية وصلة الإجمال، وختمت بالحسنة الأعمال، أسمعني الله عنك أنباء طيبة، وأمطرك من المعروف ديمة صيبةً، برحمته. وأخرى يقول فيها: وإني وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الروع فارقه النصل (٣) لا بل كالجفن فارقه السواد، والصدر بان عنه الفؤاد، هذا تعداد يطول، ودهر بأحداثه يصول، وعلى ما جر من خطوبه، وأعقبنا من

стр. 1480

عبوسه وقطوبه، لنقرينه صبراً يرده، وجلداً يهده (١) ، وتحملاً يردعه ويصده، فلا يجد لسهامه منفذاً، ولا يعرف للقدح فيها مأخذاً، وإنا لنرضى بالقدر، ونشرب على القذاة (٢) الكدر، ولا تؤثر فينا لأواء، ولا تبلغ منا عزاء؛ أما وقد ذقنا طعميه، وحلبنا شطريه، وخطرنا قطريه، وجربنا حاليه، فما يحدث جديداً، ولا ينشئ شديداً، وإن الله سبحانه ليختار للعبد، ويهديه إذا استهداه للرشد، إذا انتهى به العسر، طالعه اليسر، ووافاه النصر. ومنها: فذكرنا (٣) - أعزك الله - وطالعنا بأنبائك - أطابها الله - فأنا نرتقب أخبارك، ونستوضح آثارك، ونلحظ على البعد ديارك: كما نظر الأسير إلى طليقٍ ... يؤم بلاده لشهود عيد ومن الحق أن تشد يد اغتباطك، وحبل ارتباطك، بفلان، فهو للصحبة ذاكر، وبعهدك مكاثر، ومن أعبائك في تلك الرحلة متنصل، ووده وكيد متأصب. وستفرح معه أياماً، وترى الفضل إماماً، والزمان غلاماً، إن شاء الله. وأخرى افتتحها بهذين البيتين: أخاطب ود من أخ لك عنده ... إنابة مخلوع العنان إذا لبى تفيأ إذا ما شئت ظل ضلوعه ... ظليلاً ورد من وده شبماً (٤) عذبا

стр. 1481

وصل لسيدي - وصله الله - تحية أهداها، مقترنةً ببغيةٍ اهتداها، فلولا أن تموج الهواء. لا ينقل (١) الأهواء، لوافاه يحمل من رجع السلام أحفاه، ولوصف ما نشأ له من الولوع، (و) انتهى (حتى) هد الضلوع. فما غريب أو حشه سلطانه، وجفت أوطانه، فبات يستهدي البوارح نسيمها، شوقاً إلى وسيمها، ويستكشف الركب عن أنبائها، كلفاً بأحبائها: بأشوق مني إلى حضرةٍ ... تخذت بساحتها موطنا وأتمثل بما بين يدي من الأشواق، إلى تلك الأخلاق، فأقول: ما غريب، نأى عنه هوىً قريب، فكلما أم بابه قطع (أسبابه) ،أو هم أن يثني إليه عنانه، شغلت الأيام بنانه، فبات مراق كأس الوسن، فضفاض رداء الحزن، بأشواق مني إلى ذلك الخلق الكريم، فهل يسمح به صرف الزمان اللئيم، وله الذم: ما وهب إلا خلال ما انتهب، ولا أباح إلا ريثما استباح. وإن تكن الأيام أتت لقائك، فأنا أسأل الله طول بقائك، عسى أن يدنو بك داراً، أو يدور بنا عليك مزاراً. وله (٢) : قد هززناك في المكارم غصنا ... واستلمناك في النوائب ركنا فوجدنا الزمان قد (٣) مال عطفاً ... وتأتى علاً وأشرق حسنا

стр. 1482

فإذا ما سألته كان سمحاً ... وإذا ما هززته كان لدنا مؤثراً أحسن الخلائق لا يع - ... رف ضناً ولا يكذب ظنا أنت ماء الزمان أخصب وادي - ... - هـ ورفت رياضه وانتجعنا نزعت (١) بي إلى ودادك نفس ... قلما استصحبت سوى الفضل (خدنا) في ذكر الوزير الكاتب أبي الحسين يوسف بن محمد بن الجد (٢) واجتلاب قطعة من نظمه ونثره (٣) قد قدمت ذكر بني الجد (٤) ، وذكرت أنهم كانوا صدور رتبٍ، وبحور أدب، توارثوه نجيباً عن نجيب، كالرمح أنبوباً على أنبوب، مع اشتهار بصحبة السلطان، وشرفهم على وجه الزمان. وأبو الحسين هذا كان من أسنى نجوم سعدهم، وأسمى هضاب مجدهم، ولولا ما خلا به من معاقرة العقار، وتمسك بأسبابه من قضاء الأوطار، لملأ ذكره البلاد، وطبق نظمه ونثره الهضاب والوهاد. وقد استكتبه ذو الوزارتين أبو بكر ابن عمار أيام حربه بمرسيه، وله معه أخبار مذكورة، وعنه رسائل مشهورة،

стр. 1483

ولم أقع من كلامه وقت تحريري هذا التصنيف، إلا على اليسير الطفيف، وفيما أثبت منه ما يقر له بالفضل، ويرفع لواءه في النبل. جملة من نثره مع ما يتشبث به من شعره له من رقعةٍ خاطب بها من استنهضه إلى معارضة الحصري في قصائده المعشرات (١) قال فيها: يا سيدي (٢) - أبقاك الله شاحذ فكرٍ، نافذ ذكرٍ؛ من حق ذمتك، الذهاب مع وفق همتك، ولما أكملت رغبتك من كتب معشرات (٣) الحصري، هب من خاطري النائم البكي، فنظمت في معناها، ما لا يغني من الصناعة مغناها، فالدر لا يعارض بالمخشلب، والبحر لا يناهض بالمذنب، وإنما ذلك لما في طباع الإنسان، من اتباع الإحسان؛ مع أني أردت أن أملأ سمعك، بصورة حالي معك، وأنت تعلم أني حين تعرضت، وأوان تربصت (٤) ، غريب حريب، قليل فليل، مريض الجنان، مقروض اللسان؛ فالشعر إذا لم يحكه قلب فارغ، ولم يسبكه

стр. 1484

لب من ظلماء الشغل بازغ، لم يكمل خلقه، ولم يرو الصدور وقده، وجاء خداج النتاج، أجاج المزاج. فإن نظر في هذي إليك ناظر، وعطف من عنان المناظرة بينها وبين تلك - على تباعدها - مناظر، فأطلعه على غيب حالي، قبل أن تطلعه على عيب مقالي، ليعلم أنها زبدة الماء، وعصارة الصخرة الصماء. والله المرجو للإدالة، والمدعو في الإقالة. وله من أخرى خاطب بها عمه من ميورقه، عند تناثر عقد (١) رؤساء الجزيرة: يا مولاي وسيدي الذي أفترض بره، وألتزم شكره (٢) ، ومن لا زال في أمان من الزمان، وسلامٍ من الليالي والأيام: طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب (٣) [١٠٤ب] حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً ... شرقت بالدمع حتى يكاد يشرق بي وإن عيناً لم تصب بدمٍ (٤) بعد دمٍ لبخيلة، وإن نفساً لم تذب على تلك النازلة العظمى لجلدة حمولة، لله تعالى التسليم فيما حل وجل، وفجع وأوجع، وأن تكن تجافت عن النفوس، ورتعت (٥) في العرض الخسيس، فخطبها حقير، وكسرها مجبور (٦) . على أنها كيف تصرفت مشكلة،

стр. 1485

وعلى ما تخيلت (١) مذهلة، وصفاتك - أعزك الله (٢) - أصلب من أن تؤثر فيها النوازل، وأثبت من أن تضعضع فيها الرواجف والزلازل؛ وأنا حين خططت هذه الأحرف على جمر الأسى متقلب، وبارتقاب ما خصكم (٣) - لا زال خيراً - معذب، وقد أودعت مناولها من خبري، وحملته من عجري وبجري، ما لك الطول في الإصغاء إليه، واستيفاء ما لديه، ثم في مراجعتي بما تقررت الحال عليه. وختمها بهذه الأبيات (٤) : كتبت وقد غالت عزائي (٥) أشجان ... وقد شرقت بالدمع والدم أجفان وقد وقذتني نبأه الخطب لم تصخ ... (٦) إلى مثلها في سالف الدهر آذان تصاممت عنها مستريحاً إلى المنى ... (٧) وقلت عساها في الأحاديث بهتان إلى أن جلاها الصدق عندي فهدني ... وإن قليلاً أن تضعضع أركان كذا فارقبوا يوم القيامة بغتةً ... فيهلك شيطان ويهتك سلطان عزاءً وأني بالعزاء وقد هوت ... كما قد ذوت فيكم نجوم وأغصان وغاضت بحور (٨) للندى وتقلصت ... ظلال العلا وانهد للمجد بنيان

стр. 1486

لبان بما قد بان (١) أمن وإيمان ... وما الدهر إلا ناقض (٢) العهد خوان ولولا الأسى لم يبد في العيش عذره ... وحبسي ولم أبعد علي وعثمان وكم قبلها من مثلها ثم بعدها ... وليس على دهر جنى (٣) ذاك عدوان وبين ضلوعي والجفون تنازع ... على الرسم من جسمي فسحب ونيران ولا شك أني بين هاتين طائح ... فيغرق طوفان ويحرق بركان تقسم صبري والحوادث جمة ... ملوك وجيران وقوم وأوطان لعل الليالي، والليالي لواعب ... ستأتي التي فيها عن الغم سلوان وفي الفم ماء مانع من (٤) زيادة ... وعند الذي يهدي كتابي تبيان فطولك في إرعاء سمعك ساعةً ... لتسمع ما شطت به عنك أزمان وراجع ولو في صفحة الماء راقماً ... وطالع فيكفيني من الطرس عنوان وله من أخرى: يا سيدي الأجل، وغمامي المستهل، وكوكبي النير المطل، ومن أبقاه الله في الشمل الأجمع، والأمل الأمتع، أو ذنت بمقدمك الميمون، المقر للنفوس والعيون، فارتحت ارتياح من أنشدت ضالته، وأعيدت عليه بعد السقم صحته، وقد كان من ورد اشتياقي إليك، أن أقع بين يديك، غير أن الوجل (٥) قيد القدم، فلم أجد بداً من أن أستنيب القلم، ومثلك - دام عزك - شرح لعذر وله صدراً،

стр. 1487

ولم يظن بصفيه فيما يقع من إخلاله بخلاله وجلاله (١) غدراً. ومع هذا فلو كنت على ثقةٍ من وجدانك بمكانك، لمشيت ولو على شوك [١٠٥أ] القتاد، مجتنياً من تلك الخلائق الناضرة (٢) العاطرة زهر الربى والوهاد، وناقعاً من تلك السجايا الباهرة حرارة الجوانح والأكباد - لا زلت لأودائك أملا، ولأوليائك فضلاً من الزمان كملا (٣) . ومن شعره (٤) أهدى الزمرد (٥) مورقاً ومنوراً ... عجباً تطلع كل لحظ أبصرا فحسبته من قلبه ومودتي ... حجراً وريحاناً يرف معطرا وزجرت منه بأن قسوته انثنت ... ليناً كخد منه رق وعذرا قد كان سري فيه ممنوع الحمى ... فاليوم هتك كل سرٍ سترا فلأخلعن ثوب الوقار عن (٦) الصبا ... ولألبسن ثوب الهوى متبخترا ولأشربن كأس الصبابة علقماً ... حتى أعاطي كأس وصلٍ سكرا ولئن كتمت الحب فيه صيانةً ... وضنانةً فكفى بجسمي مخبرا وإذا سما بسمائه بدر الدجى ... فعليه من قلبي السلام مكررا

стр. 1488

واستكتبه العامل ابن القروي (١) الإسلامي، فغاب عنه أياماً يشرب النبيذ فلامه على خلع عذاره، في استهتاره، وترك خدمته، فكتب إليه أبو الحسين: أمسك (٢) عنانك إن ركبت قليلاً ... واسمع وإن كان الحديث طويلاً إعزل وول ففي حديثك آية ... لو أن قومك أحسنوا التأويلا هلا عذرت على البطالة أهلها ... ورأيت رأياً في المدام أصيلا هي ما علمت فإن عرتك (٣) جهالة ... فاستفسرن من سراها الانجيلا وقال (٤) : تحكمت اليهود على الفروج ... وتاهت بالبغال وبالسروج وقامت دولة الأنذال فينا ... وصار الحكم فينا للعلوج فقل للأعور الدجال هذا ... زمانك إن عزمت على الخروج وله يخاطب بعض من نهض به زمانه لا إحسانه، وكانت لداره بابان إذا انتظر من الواحد طلوعه، خرج به من الثاني عدو له عن الفضل ونزوعه، وفي ذلك يقول أبو الحسين وقد اختلف إليه فلم يلقه، ولا شام يوماً برقه: يا ماجداً والزمان عدل ... طال اختلافي لساحتيك لقد رأيت الغريب حتى ... رأيت شعراً (٥) براحتيك

стр. 1489

في ذكر الأديب أبي الحسن [غلام] البكري (١) وإثبات جملة من محاسن شعره وأبو الحسن في وقتنا بحر من بحور الكلام، قذف بدر النظام، فقلده أعناق الأيام (٢) ، أسحر من أطواق الحمائم، وأبهر من النجوم العواتم؛ من شعراء الدولة العبادية، لم تكن له رحلة لسواها (٣) ، ولا قدم في غير ذراها، وكان أخيراً هو وعبد الجليل وأبو بكر الداني هقعة جوزائها، ونسر سمائها، وطبقتها التي قال بتفضيلها الإجماع، وشهد لها [١٠٥ب] العيان والسماع. ولما انجابت غيومها، وامحت نجومها، بخلع صاحبها، خلع أبو الحسن صنعة الشعر خلع النجاد، وتبرأ منها تبرؤ العبادية (٤) من دعوة زياد، إلا إلمام الطيف بعين الفرق، والتفات الدليل، ببنيات الطرق، واشتمل عليه البكريون لكونه إحدى ذرى بنيانهم، وأحد (٥) دعائم أركانهم، ولتعويله عليهم، وأنقطاعه بالولاء إليهم، فألحفوه نعماهم، وأغنوه عن سواهم. وقد أثبت من شعره ما يقضي به بالفوق (٦) ، ويخصه بقصبات السبق.

стр. 1490

جملة من شعره له من قصيدة أولها (١) : ألاحت وللظلماء من دونها سدل ... عقيقة برقٍ مثلما انتضي النصل يقول فيها (٢) : نكرت الدنا (٣) والأهل فيها فليس لي ... بها عقوة آوي إليها ولا أهل وأفردني صرف الزمان كأنني ... طرير من الهندي أخلصه الصقل فيا ليت شعري هل مقامي لنيةٍ ... (٥) تصيخ (٤) لنجواها المطية والرحل وسير يخلي المرء منه (٦) قرينه ... فريداً كما خلى تريكته الرأل فمن من حبيبٍ كان روضة (٧) ناظري ... يرف ويندى بين أفنانها الوصل ضحى ظله إذ كورت لي شمسه ... فشخص نعيمي لا يقوم له ظل غبرت وبادوا غير أن تلبثي ... وراءهم عيش يلذ له القتل إذا كان عيش المرء أدهى من الردى ... (٨) فعائدة الأيام داهية خبل

стр. 1491

وللناس هممات تبحبح (١) بالغنى ... وإن كان جمعاً ضمه اللؤم والبخل إذا قنع المضطر كانت بكفه ... مقاليد (٢) لم يبهم لها أبداً قفل ومن (٣) راد لم يعدم من الله (٤) نجعةً ... ففي كل محلٍ من غمامته وبل رأيت النهى في المرء فضلاً يشفه (٥) ... ولكن من يحويه ليس له فضل ومن ميز الدنيا بتمييز أهلها ... تبين أن العقل مثل اسمه عقل فيا ليت (٦) علمي فيهم أنه عمى ... وحلمي الذي أشقى به أنه جهل وطئت من الأيام أخشن جانبٍ ... فهل لي منها جانب دمث سهل ولكت من الأعداء شري (٧) ضغينة ... لبست بها ماذية مجها النحل وقارعتهم حتى فللت شباتهم ... بسورة عز لا يكفكفها الذل ولكن صرف الدهر قرن إذ سطا ... يخر حفافيه (٨) الفوارس والرجل ومنها (٩) : حبست كما ضم المهند غمده ... وقيدت مثل القرم يضغطه العقل وعريت من مالي وما ملكت يدي ... كأني منه محرم ما له حل

стр. 1492

أري أعين الأعداء بشر طلاقةٍ ... وأوجه آمالي مقطبة طحل فمن لي بأني في جناح غمامةٍ ... لها بارق نحو الأحبة منهل وله من قصيدة (١) في المعتمد (٢) : مضيت كما يمضي الحسام المصمم ... وأبت كما آب الحيا المبتسم (٣) [١٠٦أ] وأسفر من مرآك صبح مسرةٍ ... تجلى به قطع من الليل مظلم تحف به (٤) الأجناد تخطر بالقنا ... فخلناك بدر التم حفته أنجم لك العزمات النافذات التي بها ... رأينا قناة الدين كيف تقوم سيعلم من ناواك أنك لا الذي ... يخيم عن الحرب العوان ويحجم دع السيف يوهي ما بناه فإنما ... (٥) على السيف أن يبنى بما هو يهدم لكيما يقر الشامخون أنوفهم ... بأن علاكم للمعاطس مرغم أحلك ربع (٦) الملك مجد مؤثل ... وسرو على مر الجديدين قشعم لتربأ (٧) بك الأيام عن حدثانها ... فإنك في يهماء دهرك معلم لربعك يخدي كل نضوٍ كأنها ... (٨) قسي عليها من عفاتك أسهم ويومٍ كريعان الشباب شهدته ... يقيناً ولم يطمح إليه التوهم

стр. 1493

فما خلت أن البحر يحويه مجلس ... ولا يحتبي وسط الندي يلملم لقد طرزت نعماك يمنه منطقي ... فراق بها وشي القريض المسهم لك الخير إن القلب واعٍ وإنما ... يبوح بما فيه اللسان المترجم ولولا (١) الأسى ما رق شعر مهلهلٍ ... ولا حاز سبقاً في الرثاء متمم وله من أخرى (٢) : إذا أنت عاينت الأنام ودهرهم ... ترى نقداً يأدو لغرتها سمع تأهل قلبي وحشة حشت الحشا ... وأقفر من أنسٍ كما أقفر الربع فلا جبرة (٣) إلا إراقة عبرةٍ ... وزفره منجود يقوم لها الضلع هما نصرتا من لم تؤيده قدرة ... وبئس النصيران التنفس والدمع تدرعت قلبي جرأةً وحزامةً ... ومن يدرع قلباً يهن عنده الدرع فإن خدعت دنياي مني منجداً ... فإن سراب القاع شيمته الخدع وإن افتقد عزمي فقد أطأ العدا ... بأخمص ضيمي مثلما يوطأ الفقع هببت عليهم بالردى فأطرتهم ... (٤) كما نفحت عصفاً مؤوبة مسع علوا وهووا من غير نفع كأنهم ... سماء ولا رجع وأرض ولا صدع أرى النقص عاراً في الجوارح والنهى ... فما لفمي أخذ ولا ليدي منع

стр. 1494

أصون ببذل الجهد عرضي وإنني ... لأحفظ أسراري كما يحفظ الشرع وأفتش أعضائي مخافة أن يرى ... بها وصمة تشني فيخطفها السمع وأصمت أفواه الرواة بمقولٍ ... لورقائه في ايكة المنتدى سجع وله من أخرى في المعتمد: قرعت الصياصي بشعت النواصي ... وسمر العوالي وبيض القضيب [١٠٦ب] خميس يضاهي الحيا المكفهر ... إذا اختال في الهيدبي المنسحب ودانيت حتى ثغور الظبا ... تبسم عن فلج (١) ذي شنب وخلفت قتلك لما عتا ... فليل (٢) المضارب دامي (٣) الندب (٥) تحاجز عنه (٤) العلا فركاً ... وأبت بها آنساتٍ عرب يراعيك مرتقباً مثل (٦) ما ... رعى الشمس حرباؤها المنتصب فخضت من طرفه إذ سما ... وأصمته بعد طول الصخب وعاودت قرطبةً عندما ... عبأت الهناء لذاك الجرب ومنها (٧) : فلو أن جدي كودي لكم ... لبوأني الجد أعلى الرتب أليس ثنائي وسط الندي ... يجر المقاول أن تخطب

стр. 1495

ألظ الرواة به فازدهت ... قلائده في نحور الكتب وله في القاضي أبي عبد الله بن حمدين يشفع لبني البكري: بعدلك رشت جناح القضاء ... وسربلت حكمك ثوب الضياء وصارت خطاك على منهج ... من القصد بين السنا والسناء ومدت ظلالك نار الهجير ... ودرت سماؤك بالجربياء وقد كمنت فيك سيما التقى ... كما كمن العود تحت اللحاء وما يحمد الرعي في كل وادٍ ... ولا يوجد الري في كل ماء ختمت القضاء بحكم الإله ... (١) كختمة أحمد للأنبياء دعيت بكنيته واسمه ... فنور الهدى طي ذاك الدعاء أهنيك لا بل أهني الورى ... بأن فاز نقبهم بالهناء طلعت لهم وسط عمياء لا ... ترى العين فيها سبيل اهتداء ولحت منار هدىً ناره ... يؤرثها ملكوت السماء فهديك شمس يطير الضلال ... شعاعاً بأرجائها كالهباء وسعيك في ذاته لم يزل ... يبيح الجنى في جذوع الأشاء فحط أفرخاً ضمهم في يديك ... حميم ثوى في ربوع الفناء أغاض الردى منه ماء الندى ... وأخمد منه شهاب الذكاء يضمكما منتمى وائلٍ ... وقرب النفوس أجل انتماء وأكرم حي وفي رعى ... أذمة ميتٍ كريم الإخاء

стр. 1496

ناقص

стр. 1497

ناقص

стр. 1498

وله من أخرى، أولها: شكري لنعماك شكر الروض للديم ... فاقطف بأيدي الأيادي روضة الكلم أبت خلالك إلا كل مكرمةٍ ... بثت (١) لك الحمد في عربٍ وفي عجم سجية في العلا شابت ذوائبها ... وهمة نشأت في تربة الكرم [١٠٧ب] جيش أياديك الحسنى تقد لجباً ... واجعل سلاحك ما تسديه من نعم تهزم أعاديك اللائي إذا فحصت ... عنها المكارم لم توجد من الأمم والق انتعاشك عند (٢) العثر منفرداً ... بلا أخٍ كانفراد الصارم الخذم والفظ (٣) جناه وإن لذت مذاقته ... (٤) فربما شرق الغصان بالشبم كم من سريرة عليا بث (٥) أثرتها ... لك المهيمن بين اللوح والقلم ومن أفانين صنع كلها نعم ... لديك ترمي القذى في أعين النقم من أي (٦) قطر يكر الخطب (٧) تصدمه ... وإن عرتك (٨) المنايا الحمر لم تخم ومنها (٩) : لولاك لم تنظم في السلك لؤلؤة ... ولا غدا الشعب منه جد ملتئم

стр. 1499

واليت (١) سعيك بالتقوى (٢) فشافهه ... بين الملمات نجح الله من أمم فمجتبيك كمرتاح (٣) رمى نظراً ... في ناضرٍ من رياض الحزن مبتسم ومجتويك كمغرورٍ أجال يداً ... في مزبدٍ من عباب البحر (٤) ملتطم دلائل الفضل في السادات واضحة ... منها الوفاء ومنها الرعي للذمم تبلى الليالي ولا تبلى عرائكها ... وربما جددتها لبسة الكرم همى حياك فأحيا ميت كل ثرى ... ولاح برقك وضاحاً لكل عم من لي (٥) بتأدية الشكر التي كتبت ... جدواك أسطره في صفحتي عدمي حملتني منه ما لو حل في جبلٍ ... لرض رضوى وآد الركن من إضم ما لي سوى العجز (٦) والتقصير من وزر ... فاعذر سكورك بعض العذر أو فلم

стр. 1500

في ذكر الكاتب أبي الحسن صالح بن صالح الشنتمري (١) وإثبات جملة من نظمه ونثره (٢) وابو الحسن غربي (٣) النشأة، شنتمري الأفق، شاعر ناثر، وله من المعرفة بلسان العرب حظ وافر، وكلامه في المماثلة والسجع، جارٍ على الطبع، ذاهب بين الجزالة والحلاوة؛ من رجل شديد الحياء، كثير الانقباض والانزواء، يرى الكتابة عليه من أشق الأشياء، ولا لنبو طبع وقلة أدب، بل لضعف عصب، فكان لا يكتب الرقعة إلا في مدة، وكثير من الكتاب، يشق عليه الكتاب، لزمانةٍ تكون في يده، أو إفراط ضعف في خطه. وفيما (٤) أثبت هنا من نوعي كلامه، في نثره ونظامه، شاهد على ما وصفته به، ومنبه على فهمه وأدبه.

стр. 1501

جملة من نثره له من رقعة في استدعاء خلطة: المحاسن - أعزك الله - على رتب وأحوال، وصورٍ وأشكال، فأحقها بالإعظام والإجلال، ما كان منها في الخصال والخلال، وما يتلى من آيات براعتك ونبلك، ومعلومات حسبك ونسبك، بعث على التطارح عليك، والحنين إليك، وكم حننت إلى المخاطبة فملكني عنها ارتيادي لها سبباً (١) يوطئ لها كنف [١٠٨أ] القبول والارتضاء، إذ الهجوم عليها عندهم ضرب من الجفاء (٢) ، والحنين في خلال ذلك يتزايد ويتصاعد (٣) ، إلى أن بلغ بي غايةً ملكتني عن التملك، وأمسكتني عن التماسك. وفي فصل من أخرى: لو كان البدار (٤) إلى المخاطبة بحكم الاعتقاد، وعلى حسب المحبة الوداد، لكنت أول من أعمل كلمه في مكاتبتك، وأرسل قلمه لمخاطبتك (٥) ، لكن المخاطبات بين الناس تقع إلا بعللٍ وأسباب، كالدخول قلما يكون إلا على باب (٦) .

стр. 1502

ومن أخرى له (١) إلى الوزير الفقيه أبي الحسين ابن سراج: مثلك - أعزك الله - لا يغرب عليه بمقال (٢) ، ولا يقعقع له باحتفال (٣) ، فإن العلوم الشريفة بأصلها، والآداب الرفيعة بجملتها، مشهورة بروايتك، محصورة بداريتك، محظوظة بحفظك لها (٤) ، محوطة بإحاطتك بها، والبلاغة التي هي أفضل ثمراتها، وأطيب طيباتها، لا تعزى حقائقها إلا إليك، ولا تلفى (٥) معجزاتها إلا لديك، ولا يقتدي في سننها إلا بك، ولا يعترف فيها بالعجز والتقصير إلا لك، ولذلك (٦) أو جزت في كتابي هذا، وتركت طريق (٧) السجع حياء من التعرض لصناعة قد انفردت أنت بفضلها، وسبقت أهل الزمان في ميدانها، وأخذت عليهم مسالكهم، وأحرزت شرف الدلالة (٨) في مجاهلها. وله من أخرى: كل فعال يقصر عن فعالك، وكل إجمالٍ ينزر عند (٩) إجمالك، وإنك فاضل أهل زمانك، ومقلة عين أوانك، فلو خاطبتك بلسان الوائلي والإيادي (١٠) مخاطبةً جريت معها طلق الجموح،

стр. 1503

وهببت لها هبوب اليمانية النفوح (١) ، وشحنتها بفصول الإعظام والإجلال، وبلغت بها غاية (٢) الاحتفال، سعايةً في الوصول إلى قضاء حقك، وعنايةً بأداء الواجب المتعين لك، لكنت في ذلك كمن جال في مناكب الأرض يروم الإحاطة بساحتها، والوقوف على حقيقة مساحتها. وإذا كان التطويل، لا يبلغ معه المأمول، فالإضطراب (٣) أجمل، والخطاب دونه اسهل؛ بهذه العين نظرت، بعد ما صدرت، ولذلك ما قصرت واختصرت، فحبست العنان في أول الطلق، وصرفت العناية لها إلى الأحق بها والأخلق، وصرفتها إلى أن جمعت بين الاختصار والاعتذار، وتشفعت بالاقرار إلى الاغتفار (٤) ، وإن ذلك لما يجعل المعذرة في حيز الاعتذار، لا سيما عند من أصله أصلك، وفضله فضلك، ممن إذا تشفع إليه، ورغب فيما لديه، جاءت الشفاعة بين قرينتين: من شرف قديم (٥) ، وسلم كريم، ومعونتين: من سريرةٍ جميلة، ونحيزةٍ نبيلة. وفي فصل له من أخرى: ومن الحقائق التي برح فيها (٦) الخفاء، واستوى في علمها العلماء والجهلاء، وأقر لها الأعداء والأولياء (٧) ، أني مت أهبت بك إلى الإخاء، وهززتك بوصف ما أنا عليه في الخلوص والصفاء، فإنما

стр. 1504

أهبت بمن له في الكرم، شهرة العلم، وفي السؤدد، منزلة الفرقد، ويأبى - لا محالة (١) - ذلك الكرم الراسخ، والشرف المنيف الباذخ، إلا أن يبلغني من ودك أملي، ويعطياني من جميل اعتقادك حتى أقول: بجلي، وينقلاني من الوقوف على فضلك بالأخبار، إلى الوقوف عليه بالاختبار، فيصير علمي بك علمين، ويقيني بك يقينين، لا زال الزمان يبدي من أسرار فضائلك، ويهدي من أزهار شمائلك، ما يصور (٢) القلوب (٣) إليك، ويطالب الألسنة بالدعاء لك والثناء عليك. وله من رقعة عتاب: إنا لله، لقد غرقت من غشك في بحرٍ عميق (٤) ، وامتحنت منك بعدو في ثياب صديق (٥) : ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... (٦) عدواً له ما من صداقته بد وقد كنت خاطبتك - لا مسك خطب، ولا فل لك غرب، جارياً - علم الله - إلى التحقيق، آخذاً بما يلتزمه الصديق للصديق، [١٠٨ب] غير ملتفت إلى تلك البوادر التي كانت الدعابة تجريها، وإدلال الوداد السبب فيها، وما كان في كتابي شيء يتهمه من أخلص نية، وأوى إلى حسن

стр. 1505

طوية، اللهم إلا إن كان ما صمنته من التبجيل، قد حرفته عن الوجه الجميل، وتأولته أقبح التأويل. قال ابن بسام: ومما لوح فيه بالعتاب، وزخرف بالتصنع ظاهر الخطاب، رقعة خاطب بها من أحوجته الأيام إلى مصانعته، وقد بدت منه بوادٍ (١) صوب فيها وصعد، وقام وقعد، قال (٢) فيها: معلوم - أعزك الله - أن لكل مقام مقالاً، ولكل (٣) حالٍ تناولاً وحوالا (٤) ، وكما لا يصلح الإكثار في كل خطاب، فكذلك الاختصار لا يسوغ في كل كتاب، وفي النفس كوامن لا يمكن تبيينها عليك، وتقريرها لديك، إلا بالتطويل، وإن أصار إلى التثقيل، وأنت بعلاك تصرف إليها بالك. لما وهب لنا أيها العماد من عرفانك ما وهب، وسبب من التعلق بك ما سبب، رايتني قد رقيت إلى جوار الأفلاك، وجعلت الأخمص على ذروة السماك، لما رجوت من الاعتزاز بجانبك العزيز. وفي فصل منها: وإني بحمد الله لممن إذا علم أكرم، وإذا جرب قرب، وإذا خبر (٥) أدخر، أما الإكرام فلما من الأدب، الذي به يرتقي إلى عليات الرتب، وأما الادخار فلا عتدالي في أحوالي، وثقةٍ جعلها الله من خلالي، وعندي من الآلات التي تبعث على اتخاذي واستعمالي:

стр. 1506

أني أقول من الشعر أبدعه، ومن النثر أرفعه (١) ، وأنقد النقد الذي قل من يجاريني فيه، ويباريني (٢) في التكلم على معانيه، وإن كان خطي لا يلحق بالخطوط القوية الكتابية فإن ضعفه لتميمة على جيد لفظي، ونميمة على ذكاء فهمي واتساع حفظي؛ فمن المعلوم المعروف، أن العلماء مخصوصون بضؤولة الخطوط ولطافة الحروف، فكل (٣) يشهد أني أنهض إلى المطولاته، وأقتدر على المخاطبات السلطانية، وما أنا ممن يفتخر بخدمة الزمام، ويجعلها ذريعةٍ (٤) إلى الإكرام: معاذ إلهي إنني وعشيرتي ... بنفسي عن ذاك المقام لراغب ولكنني أفتخر - عند الاضطرار إلى الافتخار - أني حامل روايات، وحافظ لغات، وذو شمائل تنسب إلى مكرمات، وما تطارحت قط على زاهدٍ في، ولا أظهرت حرصاً على غير حريصٍ عليّ، بل كنت أقابل الإباء بنظيره، وأظهر الاستغناء بظهيره، وأنشد: ولست بساقطٍ في قدر قومٍ ... وإن كرموا، كما يقع الذباب ورائي مذهب عن كل ناءٍ ... بجانيه إذا عز الذاب ولست أضرب المثل في سقوطي عليك، وانجذابي إليك، ولكني أقول:

стр. 1507

إني أسقط (١) سقوط الطل على الرياض، وأتزين بخدمتك تزين الجمال بالبياض: وله فصل في صفة القلم: بخط اليراعة، ينال حظ البراعة، وأفضل أقلام الكتاب، المنتخبة للكتاب، ما لم يكن في طوله تعوج، ولا في صلابته ترجج، وكانت خصوصية العنصر الذي نماه، وسجية المنبت الذي إليه منتماه، قد أخذت به ما بين الدقة المتناهية التي لا تستحسن، والغلظ المفرط الذي يستخشن، وأقرته (٢) على المقدار الذي لا يقع اختيار الكاتب على سواه، ولا يتعداه اقتراحه ولا يتخطاه، ثم انتحى بريه ذو يمينٍ رفيقة، وسكين رقيقة، فأجاد الشق وأحكم القط، وجاء به غير شاق ولا عاق (٣) ، سلس الجريان إذا أرسل، موافقاً للبنان إذا أعمل، معطياً (٤) لقيادة، غير بخيل بمداده، تتبناه الأنامل فترأمه، [١٠٩أ] وتواصل العمل به فلا تسأمه. قال ابن بسام: ومن البدايع في وصف القلم ما حكاه العتابي عن نفسه قال (٥) : سألني الأصمعي فقال: أي الأنابيب أصلح للكتابة وعليها أصبر - قلت: ما نشف بالهجير (٦) ماؤه، وستر (٧) عن تلويحه غشاؤه، من التبرية

стр. 1508

القشور، الدرية الظهور، الفضية الكسور؛ قال: فأي نوعٍ من البري أكتب وأصوب - قلت: البرية المستوية القط، عن يمين سنها برية تأمن معها المجة عن المط، الهواء في مشقها فتيق، والريح في جوفها خريق، والمداد في خرطومها رقيق. قال: فبقي الأصمعي شاخصاً إلي ضاحكاً لا يحير مسألة ولا جواباً (١) : وهذه أيضاً (٢) قطعة من شعره قال يتغزل (٣) : أملي من الدنيا تيسر خلوةٍ ... أبكي بها وأبث سر هواك حولي وحولك أعين ومسامع ... (٤) أخفي الهوى عنهن عند لقاك حذراً عليك فديت بي ومخافةً ... أن يقصروك (٥) ويحجبوا مرآك (٦) لولا الحياء وأن تشيع سريرتي ... لنثرت (٧) شمل الدمع حين أراك ومن شعره الطيار المليح، المتناهي في خفة الروح، قوله (٨) :

стр. 1509

أسنى ليالي الدهر عندي ليلة ... لم أخل فيها الكأس من إعمال فرقت فيها بين جفني والكرى ... وجمعت بين القرط والخلخال وقوله: للحسن في خلق من أهوى خلائقه ... روض بهي بسيف اللحظ محمي فالجيد سوسنة والعين نرجسة ... والخد ورد وذاك الخال خيري وقال: لله ما صنع الحياء بصفحةٍ ... لم تبق عندي للتجلد مذهبا كان البياض بها لجيناً خالصاً ... فأحاله فغدا (١) لجيناً مذهبا وقال: أبدي الحبيب تعجباً من طول مك - ... ث الورد عندي عندما أهداه لم يدر أن دوامه في منزلي ... من أجل أن مدامعي سقياه وقال: وصافية كمعتقد الصديق ... لها في الكأس إيماض البروق كأن بكأسها ما (٢) تشتكيه ... قلوب العاشقين من الحريق إذا قبضت يد الساقي عليها ... (٣) رأيت له أنامل من عقيق شربت وصاحبي عذب الثنايا ... يعللني لماه على الرحيق

стр. 1510

وقال: وصهباء لم تمسس بنارٍ ولم تذل ... بعصرٍ ولم (١) توهن قواها (٢) بماء لحاني عليها من لحا فزجرته ... وقلت له: مه لست من قرنائي سأشربها ما سوغ الدهر شربها ... وعفو إله العالمين ورائي ومما أبهم فيه، وإنما يكنى عن قدح فخار مزفت (٣) قد اتخذ للمشروب: خل إذا قل المجيبون لم يزل ... إلى كل ما أدعو إليه مجيبي غدوت أخا التوفيق لما اتخذته ... أديب السجايا وفق كل أديب تخيرته من نجر آدم خالصاً ... فكان أخي في نجره ونسيبي [١٠٩ب] وله يمازح بعض إخوانه: خذ ما أتاك من الزمان ولا تطل ... في إثر ما قد فاتك البرحاء ماذا ترى في فلذةٍ (٤) رشراشة ... ورقاقةٍ ورقيقةٍ (٥) صفراء إن كان عندك ما ذكرنا كله ... وبعث فينا لم تخف إبطاء وقال: ألا يا خير من يبغى نداه ... ويسعى نحو منزله ويمشي تحن إلى بنات البحر نفسي ... وأكره أن تموت لدي عطشى
следующие страницы →