أني أقول من الشعر أبدعه، ومن النثر أرفعه (١) ، وأنقد النقد الذي قل من يجاريني فيه، ويباريني (٢) في التكلم على معانيه، وإن كان خطي لا يلحق بالخطوط القوية الكتابية فإن ضعفه لتميمة على جيد لفظي، ونميمة على ذكاء فهمي واتساع حفظي؛ فمن المعلوم المعروف، أن العلماء مخصوصون بضؤولة الخطوط ولطافة الحروف، فكل (٣) يشهد أني أنهض إلى المطولاته، وأقتدر على المخاطبات السلطانية، وما أنا ممن يفتخر بخدمة الزمام، ويجعلها ذريعةٍ (٤) إلى الإكرام:
معاذ إلهي إنني وعشيرتي ... بنفسي عن ذاك المقام لراغب ولكنني أفتخر - عند الاضطرار إلى الافتخار - أني حامل روايات، وحافظ لغات، وذو شمائل تنسب إلى مكرمات، وما تطارحت قط على زاهدٍ في، ولا أظهرت حرصاً على غير حريصٍ عليّ، بل كنت أقابل الإباء بنظيره، وأظهر الاستغناء بظهيره، وأنشد:
ولست بساقطٍ في قدر قومٍ ... وإن كرموا، كما يقع الذباب
ورائي مذهب عن كل ناءٍ ... بجانيه إذا عز الذاب ولست أضرب المثل في سقوطي عليك، وانجذابي إليك، ولكني أقول:
стр. 1507
إني أسقط (١) سقوط الطل على الرياض، وأتزين بخدمتك تزين الجمال بالبياض:
وله فصل في صفة القلم: بخط اليراعة، ينال حظ البراعة، وأفضل أقلام الكتاب، المنتخبة للكتاب، ما لم يكن في طوله تعوج، ولا في صلابته ترجج، وكانت خصوصية العنصر الذي نماه، وسجية المنبت الذي إليه منتماه، قد أخذت به ما بين الدقة المتناهية التي لا تستحسن، والغلظ المفرط الذي يستخشن، وأقرته (٢) على المقدار الذي لا يقع اختيار الكاتب على سواه، ولا يتعداه اقتراحه ولا يتخطاه، ثم انتحى بريه ذو يمينٍ رفيقة، وسكين رقيقة، فأجاد الشق وأحكم القط، وجاء به غير شاق ولا عاق (٣) ، سلس الجريان إذا أرسل، موافقاً للبنان إذا أعمل، معطياً (٤) لقيادة، غير بخيل بمداده، تتبناه الأنامل فترأمه، [١٠٩أ] وتواصل العمل به فلا تسأمه.
قال ابن بسام: ومن البدايع في وصف القلم ما حكاه العتابي عن نفسه قال (٥) : سألني الأصمعي فقال: أي الأنابيب أصلح للكتابة وعليها أصبر - قلت: ما نشف بالهجير (٦) ماؤه، وستر (٧) عن تلويحه غشاؤه، من التبرية
стр. 1508
القشور، الدرية الظهور، الفضية الكسور؛ قال: فأي نوعٍ من البري أكتب وأصوب - قلت: البرية المستوية القط، عن يمين سنها برية تأمن معها المجة عن المط، الهواء في مشقها فتيق، والريح في جوفها خريق، والمداد في خرطومها رقيق. قال: فبقي الأصمعي شاخصاً إلي ضاحكاً لا يحير مسألة ولا جواباً (١) :
وهذه أيضاً (٢) قطعة من شعره
قال يتغزل (٣) :
أملي من الدنيا تيسر خلوةٍ ... أبكي بها وأبث سر هواك
حولي وحولك أعين ومسامع ... (٤) أخفي الهوى عنهن عند لقاك
حذراً عليك فديت بي ومخافةً ... أن يقصروك (٥) ويحجبوا مرآك (٦)
لولا الحياء وأن تشيع سريرتي ... لنثرت (٧) شمل الدمع حين أراك ومن شعره الطيار المليح، المتناهي في خفة الروح، قوله (٨) :
стр. 1509
أسنى ليالي الدهر عندي ليلة ... لم أخل فيها الكأس من إعمال
فرقت فيها بين جفني والكرى ... وجمعت بين القرط والخلخال وقوله:
للحسن في خلق من أهوى خلائقه ... روض بهي بسيف اللحظ محمي
فالجيد سوسنة والعين نرجسة ... والخد ورد وذاك الخال خيري وقال:
لله ما صنع الحياء بصفحةٍ ... لم تبق عندي للتجلد مذهبا
كان البياض بها لجيناً خالصاً ... فأحاله فغدا (١) لجيناً مذهبا وقال:
أبدي الحبيب تعجباً من طول مك - ... ث الورد عندي عندما أهداه
لم يدر أن دوامه في منزلي ... من أجل أن مدامعي سقياه وقال:
وصافية كمعتقد الصديق ... لها في الكأس إيماض البروق
كأن بكأسها ما (٢) تشتكيه ... قلوب العاشقين من الحريق
إذا قبضت يد الساقي عليها ... (٣) رأيت له أنامل من عقيق
شربت وصاحبي عذب الثنايا ... يعللني لماه على الرحيق
стр. 1510
وقال:
وصهباء لم تمسس بنارٍ ولم تذل ... بعصرٍ ولم (١) توهن قواها (٢) بماء
لحاني عليها من لحا فزجرته ... وقلت له: مه لست من قرنائي
سأشربها ما سوغ الدهر شربها ... وعفو إله العالمين ورائي ومما أبهم فيه، وإنما يكنى عن قدح فخار مزفت (٣) قد اتخذ للمشروب:
خل إذا قل المجيبون لم يزل ... إلى كل ما أدعو إليه مجيبي
غدوت أخا التوفيق لما اتخذته ... أديب السجايا وفق كل أديب
تخيرته من نجر آدم خالصاً ... فكان أخي في نجره ونسيبي [١٠٩ب] وله يمازح بعض إخوانه:
خذ ما أتاك من الزمان ولا تطل ... في إثر ما قد فاتك البرحاء
ماذا ترى في فلذةٍ (٤) رشراشة ... ورقاقةٍ ورقيقةٍ (٥) صفراء
إن كان عندك ما ذكرنا كله ... وبعث فينا لم تخف إبطاء وقال:
ألا يا خير من يبغى نداه ... ويسعى نحو منزله ويمشي
تحن إلى بنات البحر نفسي ... وأكره أن تموت لدي عطشى
стр. 1511
وله يفتخر من كلمة طويلة (١) :
خليلي ليس المجد إلا لعالم ... على كل مجهول من العلم قائم
أخو العلم حيث احتل أضحى مكرما ... ولا سيما إن حل بين الأكارم
وذو الجهل معدود (٢) ، وإن كان سيداً ... طرير الكسا، في مهملات البهائم
وإني لممن فاز بالعلم قدحه ... وممن له فيه اشتهار المعالم
ولي قلم قد شرف الله شأنه ... بصنعة وشاءٍ على الماء راقم
خليلي ليس الخط ما قد عنيته ... وإن كنت مشغوفاً به (٣) جد هائم
ولكنه لفظ إذا ما وشيته ... تحير فيه كل واش وواشيم
بلى إن خطي فيه ضعف وإنما ... أقامته ألفاظي مقام التمائم
إذا شئت نثراً كنت أنثر ناثرٍ ... وإن شئت نظماً كنت أنظم ناظم ومنها:
تكلفني الحوباء لا در (٤) درهماً ... سماح البهاليل الكرام الخضارم
تقول أحب ذا قربى وصل ذا وسيلة ... وقم بالحقوق الواجبات اللوازم
أما إنني لو نلت أيسر (٥) نزرةٍ ... لكانت لكفي بسطة في المكارم
فآهٍ (٦) لعصرٍ مثل أهليه جاهلٍ ... ودهرٍ لأبناء المروءة (٧) ظالم
стр. 1512
وله من أخرى يصف شروط المروءة ومكارم الأخلاق (١) :
أحب من الأقوام كل (٢) نجيب ... شريفٍ زكي الوالدين حسيب
وإني لذو علم صحيحٍ يقينه ... بأن صديق الصدق غير غريب
ومن خلقي أني إذا ما وجدته ... شددت عليه منه كف رغيب
وإن نصيب الجار عند احتياجه ... إلى العون في مالي لمثل (٣) نصيبي
وإن بعيد القوم ينزل ساحتي ... ويأوي إلى ركني لمثل قريب
أهين له مالي وأحفظ ماله ... وآتيه من بري (٤) بكل عجيب
وألقى الخطوب السود في الذب دونه ... لقاء أخي صدرٍ لهن رحيب
وجدك لو كان الزمان مساعدي ... وكان الذي في راحتي يفي بي
لألفيتني جم الفضائل منعماً ... كثيراً إلى الفعل الجميل هبوبي [١١٠أ]
تجود يدي قبل السؤال وتمتري ... طلوب الندى جدواي غير طلوب
لحا الله وهاباً بطيئاً حباؤه ... يجيء الذي يعطيه بعد لغوب
ولكن وهاباً يهب إلى الندى ... كما هب عضب في يمين ضروب
يحاذر (٥) أحداث الليالي وقلما ... خلا من توقيهن قلب لبيب
ويرتاب (٦) بالأيام عند سكونها ... وما ارتاب بالأيام غير أريب
وما الدهر في حال السكون بساكن ... ولكنه مستجمع لوثوب
لقد عاين الأيام من خاف غدرها ... بعيني بصيرٍ بالأموال طبيب
стр. 1513
وقال في مثل ذلك:
حبيب إلى الدهر إعطاء سائلي ... وإكرام قصادي وعون خليلي
أهز طباعي بل طباعي تهزني ... إلى الجود لا أرضى طباع بخيل
وراح كما افتر الصباح سبأتها ... لطارق ليل ما علي جليل
نضوتبها عنه جلابيب ليله ... فعوض من تعريسه بمقيل
وما زلت أسقيه وأشرب فضله ... وكأس الكريم الفضل ذات فضول
إلى أن تناهى طيبه ونعيمه ... ومالت به الصهباء كل مميل
فوطأت مثوى جنبه وكننته ... بضاف لصنبر الشتاء قتول
وقلت له لما تعاظم عنده ... صنيعي به، هذا أقل قليل
حللت بنا ليلا وقد قسم القرى ... فلم يبق منه مقنع لأكيل
أقم عندنا تستوف ما أنت أهله ... فأنت لدينا أهل كل جميل
وإني لممن تعتريه كآبة ... إذا آذنت أضيافه برحيل وهذا من حر الكلام، وجزل النظام، وسجية حاتمية، وشنشنة أعرابية، وإنما احتذى أبو الحسن في هذا قول أبي عامر بن شهيد القرطبي في أبيات، وقد تقدم إنشادها، أولها (١) :
ولما رأيت الليل عسكر قره ... وهبت له ريحان تلتطمان
стр. 1514
فصل في ذكر الوزير أبي الحكم عمرو بن مذحج
وأبي الوليد ابن عمه، ابني حزم، وإيراد بعض ما لهما من ملح النظم
وأبو الحكم (١) منهما في وقتنا شقيق الوفاء، وخاتمة من حمل هذا الاسم من النجباء، وكان نادرة الوقت لمن اتخذ قبلة، وحجة على من جعل النقصان جبلة، إذ عن كل قوس من الفخر نزع (٢) ، وفي كل أفق من علو القدر طلع، أول ما نشأ بدر فلك، ومسحة ملك، وإكليلا على جبين ملك، قلما عن لنظر إلا راقه، ولا اختلج ذكره في قلب بشر إلا شاقه؛ وإياه يعني الوزير أبو الحسن بن سعيد البطليوسي [١١٠ ب] وقد غلب على لبه، وأخذ بمجامع قلبه، عجبا منه أو عجبا به (٣) :
رأى صاحبي عمرا فكلف وصفه ... وحملني من ذاك ما ليس في الطوق
فقلت له عمرو كعمرو فقال لي ... صدقت ولكن ذاك شب عن الطوق وفيه أيضاً يقول الوزير أبو محمد بن عبدون من جملة أبيات (٤) :
стр. 1515
يا عمرو رد على الصدور قلوبها ... من غير تقطيع ولا تحريق
وزر الثريا وهي نحن بكوكب ... لولا العقوق لقلت بالعيوق
وأدر علينا من خلالك أوكؤسا ... لم تأل تسكرنا بغير رحيق فيه أيضاً يقول أحدهما (١) :
قل لعمرو بن مذحج ... خاب ما كنت أرتجي
شارب من زبرجد ... ولمى من بنفسج فلما هم ليله بنهاره، ودب على سيف وجنته فرند عذاره، راع المجد بحزم وكرم (٢) ، ونبوة (٣) وسيف وقلم، ممن سارى نجوم الليل. واحتل (٤) صهوات الخيل، وعلى ذلك كله فلم ينس مكارم الأخلاق. ولا خلا ذكره من قلوب العشاق؛ وله في الأدب سبق سلف. ومنه بيت شرف، وله شعر مطبوع قلما يغبه البديع، وقد أتيت منه بفصول، تشهد له بالتفصيل (٥) .
стр. 1516
جملة من شعره في أوصاف شتى
كتب إليه الوزير أبو محمد عبدون بأبيات قال فيها (١) :
سلام كما هبت من الحزن نفحة ... تنفس قبل (٢) الفجر في وجهها الزهر
من (٣) الوارف الفينان وشت بروده ... (٤) ذراع من الليث. الثريا له شبر
وإلا يد حزمية مذحجية ... تقشع عنها مذحج فانهمى عمرو
فجاد على تلك الأجارع والربى ... رواعده وعد وبارقه بشر
أبا حكم أبلغ سلام فمي يدي ... أبي حسن وارفق (٥) فكلتاهما بحر
ولا تنس يمناك التي (٦) هي والندى ... رضيعاً لبان لا اللجين ولا التبر فراجعه أبو الحكم بأبيات منها (٧) :
أتى النظم كالنظم الذي تزدهي به ... عروس من الجوزاء إكليلها البدر
تحلت (٨) لنا منه بخطك رقعة ... هي الروضة الغناء كللها الزهر
стр. 1517
تحير ذهني في مجاري صفاته ... فلم أدر شعر ما به فهت أم سحر
فإن قلت شعر فالقلوب شعاره ... وإن قلت سحر فهو سحر ولا كفر
أرى الدهر أعطاك التقدم في العلا ... وإن كان قد أوفى أخيراً بك الدهر
لئن حازت الدنيا بك الفضل آخراً ... ففي أخريات الليل ينبلج الفجر قول أبي محمد: " ... أبلغ سلام فمي يدي " ... معنى قدر كرره في مواضع من شعره كقوله في المتوكل:
إن كنت من أصلي ومن عصبي ... أو كنت من فرع نأى ومجد
بلغ سلام فمي يدي ملك ... (١) غاب الملوك عن العلا وشهد وحسان بن المصيصي القائل من شعره قد تقدم إنشاده (٢) : [١١١أ]
ومن بلغ يده أني نظمت لها ... شكراً جعلت قوافيه من القبل وقال أبو الحكم في صديق كان له به هوى يسمى باسمه:
يا من شكا فشكا جسمي بشكواه ... الله يكلأني فيه ويرعاه
ويا ضنى جسدي بالله صل جسدي ... وخل عنه ولا تلمم بمثواه
عمرو بعمرو ولكن في محتمل ... لما تجشمه من برح بلواه
الحمد لله حتى السقن نافسني ... فيه فأضحى كما أهواه يهواه
عين الكمال أصابتني ولي كبد ... مصدوعة فيه إن لم يدفع الله
стр. 1518
وله فيه وقد سقط عن دابته ووثئت رجله (١) :
لقد أسرعت فيك العيون وإنما ... جميل دفاع الله عنك التمائم
وما أنت إلا البدر طارت بسرجه ... عقاب لها الريح (٢) الخريق قوادم
ولا غرو أن طافت برجلك وثأة ... (٣) لها المجد خفاق الجناحين حائم
فقد ترجف الأفلاك في دورانها ... وتنقض أعلام النجوم العواتم وكتب إلى الوزير أبي محمد بن عبدون (٤) :
زرني فديتك يا زعيم الناس ... لترى بدوراً من كبار أناس
أنت الهزبر وهم جآذر جاسمٍ ... قد خيموا من منزلي بكناس
من كل من أثوابه مزرورة ... منه بغصن البانة المياس
يا راضعاً در المكارم قف بنا ... " ما في وقوفك ساعةً من باس (٥) وله في عمرو المتقدم الذكر:
يا عمرو إنك لعبة (٦) من سكر ... فإذا مررت بسكر فتذكر
ما شان وجهك نمشة في صفحة ... فبذاك يوصف كل بدر أزهر
يحمر أحياناً فأحسب أنه ... ورد ينقط صفحه بالعنبر
стр. 1519
أضمرت فيك صبابتي فوشى بها ... دمع فككت به صحيفة مضمر
من ذا يفرق بيننا وجلالنا ... متكافئ في المنتمى والعنصر وكتب إلى الوزير أبي العلاء بن زهر:
يا من نضا العزم منه صارماً خذ ما ... توشح المرعفين السيف والقلما
افرش (١) بمغدى ومسرى حر أوجهنا ... وبعدها فانتعل أبصارنا أدما
وما بأنفسنا بخل عليك فقد ... سارت أمامك تعدو البعد والأمما
أبا العلاء ابن للعليا تشيد ما ... (٢) أضاع منه بنو التضييع فانهدما
لا زال شملك في ورد وفي صدر ... على اقتراح المعالي فيك منتظما وله فيه (٣) :
ضع الرحل في حمص بأيمن طائر ... ووال اصطناع الخير فيها وظاهر
فما هو إلا السرو بين موارد ... تصاحبه طول المدى ومصادر [١١١ب]
لعمر العلا لولا (٤) أبوها وذكره ... لما شاقني برق ببرقة صادر
ولا بت والظلماء إثمد مقلتي ... يؤرقها بيض النجوم الزواهر
وهبت فؤادي للبشير بأوبه ... سليماً ولم أنجل عليه بناظري
وأصغر بموهوب وإن جل قدره ... يقضي به الأحرار حق الأكابر
وإني وإعظامي لسؤدده الذي ... يعظمه أهل النهى والبصائر
لألحى الليالي إنهن قعدن بي ... وألحقن جدي بالجدود العواثر
стр. 1520
فلو نهضت بي قدرة لهززت في ... نهوضي إلى العليا قوادم طائر
وما لي مركوب سوى رجلي التي ... تقيدها أيدي السحاب المواطر
غمام عداني عن غمام كلاهما ... ثناني غريقاً في البحور الزواخر وله فيه:
متى تجلى ابن زهر نواضري ... (١) محياً مصوغاً من حياً وحياء
فقد دويت شوقاً إليك جوانحي ... وفي يد لقياه مسيح شفاء
وأعجب مني كيف أصبحت جار من ... حياتي بكفيه ومت بدائي وله (٢) :
قدمت علينا والزمان جديد ... وما زلت تبدي في الندى وتعيد
وعيش (٣) العلا لولا مراتبك العلى ... لما اخضر في أفق المكارم عود
فيا ناهضاً والجد والجَد صحبه ... بحيث كبا للمنخرين حسود
لقيت أمير المسلمين وظله ... عليك بما تهوى لديه يزيد
فقم بالمعالي واستقل بملكها ... فأنت بملك العالمين قعيد
ولو حوا بني زخر فإن وجوهكم ... نجوم بأفلاك العلا وسعود وله فيه (٤) :
стр. 1521
يا جالياً وجه (١) السعادة واضحا ... ومقلباً طرف النباهة طامحا
صير مجنك صفحتي قمر الدجى ... وسنان رايتك السماك الرامحا
الله يعلم أن بين جوانحي ... قلباً إليك مدى الليالي جانحا
دم للعلاء أبا العلاء مصاحباً ... واقتد زمانك سامحاً لا مجامحا وله فيه وقد جاز البحر معه، فقال (٢) :
يا ابن زهر طأ الثريا عبيراً ... وحصى البيد لؤلؤاً وعقيقا
وتلق الهواء وهو طليق ... كمحياك حين تلقى الصديقا
وما ترى الريح كيف هبت رخاء ... لك بعد الهبوب ريحاً خريقا
وضحى البحر هيبةً لك لما ... جئته سالكاً عليه طريقا
غمرته من راحتيك بحار ... صاح من موجها (٣) الغريق الغريقا
فرق اللج منك حتى استطارت ... منه أحشاؤه فريقاً فريقا
جزه يا ابن الكرام أرضاً ذلولاً ... أو فقده إن شئت طرفاً عتيقا [١١٢أ]
وانتض الحزم حيث كنت حساماً ... واصحب النجح حيث كنت رفيقا
وتفيأ علاك ظلاً ظليلاً ... وتنشق ذكراك مسكاً فيتقا وكتب إلى أبي الوليد ابن عمه، فقال (٤) :
إني لأعجب أن يدنو بنا وطن ... ولا يقضى من اللقيا لنا وطر
стр. 1522
لا غرو أن بعدت دار مصاقبة ... بنا وجد بنا في الحضرة (١) السفر
فمحجر العين لا يلقاه ناظرها ... وقد توسع في الدنيا به النظر
صبراً جميلاً وإن أبدى الزمان لنا ... غير الجميل فإنا معشر صبر
وبيننا فقر يجري المزاح بها ... كالغنج في أعين مرضى بها حور
نثراً ونظماً من الآداب بينهما ... سحر البلاغة منظوم ومنثر بيته الثالث من هذه يتطرف قول الآخر:
كم والد يحرم أولاده ... وخيره يحظى به الأبعد
كالعين لا تبصر ما حولها ... ولحظها يدرك ما يبعد وكقول الآخر أيضاً:
كتجاور العينين لا يتلاقيا ... أبداً وبينهما قصير جدار (٢) ومن جواب أبي الوليد له (٣) :
لبيك لبيك أنت السمع والبصر ... وإن أتت دونك الأحداث والغير
إيه أبا حكم فالود مقترب ... وإن تباعدت الأشخاص والصور
لا عتب فالود يمحو ما أتيت به ... حسبي من الذنب تجنيه وأعتذر
ينبو لساني عن عتب الصديق وما ... أزرى بغربيه لا عي ولا حصر
стр. 1523
ضنانة (١) بخليلٍ أن أفارقه ... ما القوس إن لك يكن يوماً لها وتر
أراع سربك يا ابن العم أن درست ... سبل الوفاء فلا عين ولا أثر
إن يرفع الدهر يوماً من خسيستهم ... وحط منا ونحن الأنجم الزهر
فالدهر كالبحر تطفو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر وقدم أبو الحكم من بعض أسفاره. فكتبت إليه أنا بأبيات منها (٢) :
يهني قدومك كلاً يا أبا الحكم ... يا دوحة العلم والآداب والحكم
مذ غبت ما رنقت عيني إلى سنةٍ ... يا عمرو إلا لكي ألقاك في الحلم
إن كنت من تغلب في بيت سؤددها ... وكنت من مذحج في السؤدد العمم
فلم يضرنا تنائي النسبتين وقد ... رحنا نسيبين في علم وفي فهم
والعذر في زمنٍ أن جئت في أممٍ ... لا الجليل جيلك فاعذرهم ولا تلم في أبيات غيره هذه. وعاتبت فيها بعض إخوانه. فراجعني بأبيات منها قوله (٣) : [١١٢ب]
يا من تناول حر اللفظ من أمم ... بذي غرارين مثل الصارم الخذم
لو أن لفظك تهديه إلى حجر ... لما استجيز عليه الوصف بالصمم
هذي جوارح جسمي كلها أذن ... مذ جاء (٤) منك بأني لؤلؤ الكلم
حاشا لنبلك أن تخفى معالمه ... وهن أشهر من نارٍ على علم
стр. 1524
إن كان للنبل عرنين تدل به ... حسناً فأنت به أبهى من الشمم
اردد أنوف الليالي وهي راغمة ... ما لم تكن لك في الإذعان كالخدم
من تغلب أنت في علياء مركزها ... فمن يباريك في مجد وفي كرم
قوم أراد ابن هند أن يضيمهم ... فأوطأوا الرأس منه أخمص القدم
مآثر قسمت بين الورى وغدا ... للتغلبيين منها أوفر القسم
ريت نفثة مصدورٍ بعثت بها ... مني إلى متلظي الصدر محتدم
لم تفض مني بالشكوى إلى طلل ... ولم تبت عاكفاً مني على صنم
سافر بطرفٍ أو انظر هل ترى يقظاً ... يحل من طلب الأيام في حرم
حوادث لم تزل (١) بالحر لاعبةً ... كما تلاعت الأيسار بالزلم
وبيننا قربة ليست أواصرها ... ما بين آدابنا مجفوة الرحم ومن أبناء هذه القبيلة، وشعراء هذه البيتة الأصلية،
ابن عمه أبو الوليد محمد بن يحيى بن حزم (٢)
أحد أعيان أهل (٣) الأدب، وأجلى الناس شعراً لا سيما إذا عاتب (٤) أو عتب، جعل هذا الغرض هجيراه، فقلما يتجاوزه إلى سواه، وكلما أبدأ فيه وأعاد، أحسن ما شاء وأجاد، وفي كل معنى يحسن،
стр. 1525
أكثر ما يمكن، ولكن رأيته في باب (١) العتاب يعلن بأمره، ويعرب عن ذات صدره. وقد أجريت من شعره في هذا المعنى وسواه. ما يصرح عن مغزاه، ويشهد على بعد مداه.
جملة من شعره في أوصاف شتى
في النسيب وما يناسبه
قال (٢) :
أتجزع من دمعي وأنت أسلته ... ومن نار أحشائي ومنك (٣) لهيبها
وتزعم أن النفس غيرك علقت ... وأنت ولا من عليك حبيبها
إذا طلعت شمس علي بسلوة ... أثار الهوى بين الضلوع غروبها وهذا البيت الأخير ينظر إلى قول مجنون بني عامر (٤) :
نهاري نهار الناس حتى إذا دنا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع وقال أبو الوليد (٥) : [١١٣أ]
وطارحك الواشون عني سلوة ... مغالطةً هيهات ذاك بعيد
стр. 1526
وكيف سلوي عن هواك وإنه ... ليبلى فؤادي وهو فيك (١) جديد
إذا ما ثناه الناس عنك لوت به ... علائق حب فيك ليس تبيد
بلى إن عرتني (٢) فترة الصبر هزني ... تذكر أيامي بكم فأعود وقال وهي من حسنات شعره، وآيات ذكره (٣) :
وكم ليلة ألطفت بالمنى ... فقمت أبادر إلطافها
بشمس (٤) إذا ما تأملتها ... رددت على الشمس أوصافها
بفترة (٥) لحظ كأن الكرى ... أعان عليها وإن خافها
وإني وإن عفتها معلناً ... لأعذل في السر من عافها
وهبت علينا صباً رطبة ... وقد عابث الطل أعطافها
وقد بثها الروض هجر الحيا ... (٦) فجرت على النور أطرافها
وخيل الظلام أمام الصباح ... والركض قد ضم أجوافها
وقد فضض الفجر أذيالها ... وزاد فذهب أعرافها
وكاثرت البدر شمس بدت ... فمدت على الأرض أكنافها
وغاضبت السحب (٧) فيها الرياح ... فصرت من الغيظ أخلافها
وذكرني بادارات الحمام ... حمائم تندب ألافها
стр. 1527
وقال من أخرى (١) :
كم قلت معرضاً ومصرحاً ... أكذا علقت ضلالةً بفلان
ومنيت من خلطائه بعصابة ... خلطت بها شبهاً من البهتان
هيهات لولا (٢) غنج لحظ محمد ... ما كنت نهزة أعين الغزلان
ولقد بعثت على السلو لو أن لي ... قلباً يطاعوني على السلوان
فجعلت ثوب الصبر فيه بصيرةً ... وثنيت عن علم إليه عناني
ونبذت حلمي والتفت إلى الصبا ... ويد العفاف تضم من أرادني
لله أيام على وادي القرى ... سلفت لنا والدهر ذو ألوان
إذ نجتني في ظله ثمر المنى ... والطير ساجعة على الأغصان
والشمس ترمق من محاجر أرمد ... والظل يركض في النسيم الواني
والراح إذا ضرب الظلام رواقه ... وخشيت فيه طوارق الحدثان
ملنا نؤمل غير ذلك منزلاً ... والراح تقصر خطوه (٣) فيداني
ويروم قول أبي الوليد وربما ... كتبت مكانه لامه الواوان (٤) [١١٣ب]
ثم احتللنا والوشاة بمعزلٍ ... وقد التقت في جفنه سننان
والبدر يرميني بمقلة حاسدٍ ... لو يستطيع لكان حيث يراني
حتى إذا نشر السرور بساطه ... وطوى بساط شكيتي لأوان
أهوى يقبل راحتي تودداً ... ويشد عقد بنانه ببناني
стр. 1528
ويقول إشفاقاً علي ورحمةً ... متلجلج الألفاظ بعد بيان
هاك (١) اغتنمها من زمانك خلسة ... تشفي غليل فؤادك الهيمان
فثلمت فاه والتزمت عناقه ... ويد الوصال على قفا الهجران
ومرقت من ظن الأعادي عفةً ... والليل مشتمل على الكتمان وقد كرر هذا المعنى في موضع آخر فقال (٢) :
فاطلع طلوع الشمس أو معها ... فيد (٣) السرور على قفا الحزن
في ساعة سمح الزمان بها ... فكأنما هي لذة الوسن وقال (٤) :
وكم ليلةٍ كاد الهوى يستفزني ... ولا رقبة دون الأماني ولا ستر
وفي ساعدي بدر على غصن بانةٍ ... يود مكاني بين لباته البدر
وفي لحظه كالسكر لا من مدامةٍ ... ولولا اعتراض الشك قلت هو السكر
وقد سلبته الراح سورة كبره ... ومال على عطفيه وانقطع العذر
وبين ضلوعي يعلم الله حاجة ... (٥) طواها عفافي لا كما زعم الغدر
فلم يك إلا ما أباح لي التقى ... ولم يبق إلا أن تحل لي الخمر
стр. 1529
وله في مثله (١) :
وكم ليلةٍ (٢) ظافرت في ظلها المنى ... وقد طرفت (٣) من أعين الرقباء
وفي ساعدي حلو الشمائل مترف ... لعوب بيأسي تارةً ورجائي
أطارحه حلو العتاب وربما ... تغاضب فاسترضيه ببكائي
وفي لفظه (٤) من سورة الكأس فترة ... تمت إلى ألحاظه بولاء
وقد عابثته الراح حتى رمت به ... لقى بين ثنيي بردتي وردائي
على حاجةٍ في النفس نلتها ... ولكن حمتني عفتي وحيائي قوله: " وفي لفظه من سورة الكأس " ... البيت، مما فتن فيه أبو الوليد فتنة لا يحسنها السامري، بل سحر سحراً لا تتعطاه الحبال ولا العصي.
وقال من أخرى:
لاح العذار فلاح عذري فيه ... (٥) وسقى ومن عينيه ما يسقيه
وقضى علي ومر يسحب ذيله ... أكذا سفكت دمي ولست تديه
وفجعت سادة مذحج بزعيمها ... وأمنت من أشياعه وذويه
هيهات لو ملك القضاء سبيلها ... لثنى عنان جماحه (٦) ثانيه
لكن حماك الحسن من سطواتهم ... ومن الذي ترنو فلا تصيبه [١١٤أ]
стр. 1530
ولقد أتاح لك الهوى من معشري ... ما لا يكاد الدهر يطمع فيه
وهويته عذب الشمائل (١) مترفاً ... نشوان يعثر في فضول التيه
كالغصن غازلت الصبا أعطافه ... فتكاد لمحة ناظري تثنيه
أطوي الهوى شحاً عليه ورقةً ... والدهر ينشر منه ما أطويه
يجني فأضمر هجره لا عن قلى ... والحب يغفر كل ما يجنيه
ولكم صددت فعارضتني سورة ... من ورد وجنته وخمرة فيه
والبدر من حسد يجمجم قوله ... ما ضر مجدك لو شركتك فيه وقال أبو الوليد من أخرى:
وشت بهواه مقلتي ولساني ... وأتلفت فيه مهجتي وجناني
فلما تناهى الشوق واستحكم الهوى ... وقيل فلان طاعة لفلان
نأى عن مكاني حين لا لي حيلة ... وقد حل من قلبي بكل مكان
وصد على عمد ليشرك في دمي ... ولو ظفر الأعداء بي لبكاني
ومن عجب أني إذا رمت سلوةً ... وجدت هواه آخذاً بعناني
أبا قاسمٍ خذها شكاية واجدٍ ... كما وجد المقصوص للطيران وقال (٢) :
أساكن قلبي والمقام كما ترى (٣) ... (٤) لعلك تصغي ساعةً فأقول
стр. 1531
أعيذك من أقوال قوم (١) وربما ... فيكم قمر غطى عليه أفول
وكم أملوا لا (٢) بلغوا فيك خطةً ... وحاشاك منها والحديث يطول
ومستكشف لم يدر ما بين أضلعي ... يعرض (٣) بي واللوم فيك ثقيل
فصكت (٤) لساني يعلم الله سكتة ... لها في جناني زفرة وعويل
وسد طريق اللحظ دمع كأنما ... تشحط من جفني فيه قتيل وهذا البيت مما أحسن فيه، ولكن ابن الرومي زاد عليه بحسن الاستعارة والتشبيه، وهو قوله (٥) :
رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفى عليه بكاً عليك طويل
يا نظرة ما أقشعت لحظاتها ... حتى تشحط بينهن قتيل ونسب هذين البيتين صاحب " العمدة " (٦) لأبي نواس.
وقوله: " فصكت لساني " البيت ... يشبه قول حبيب (٧) :
ولي وقد أفحم الخطي منطقه ... بسكتةٍ تحتها الأحشاء في صخب وقال أبو الوليد من أخرى:
стр. 1532
وكم معشر لاموا عليك رددتهم ... وأكبادهم غيظاً علي تذوب
ومالوا إلى رجم الظنون وبيننا ... إذا ما خلونا للعفاف رقيب
ولما بدت أشياء منك تريبني ... وأكثر فيها مخطئ ومصيب
وشاركني فيك الذين علمتهم ... ولم يك لي إلا السلو طبيب
تجافيت عن حظي لهم فيك عنوةً ... وقد يتجافى في الشيء وهو حبيب [١١٤ب]
إذا عرضوا أوليتهم فيك سكتة ... ويعرض دمعي دونهم فيجيب وقال (١) :
لما استمالك معشر لم أرضهم ... والقول فيك كما علمت كثير
داريت دونك مهجتي فتماسكت ... من بعد ما كادت إليك تطير
فاذهب فغير جوانحي لك منزل ... واسمع فغير وفائك المشكور وقال (٢) :
يقول وقد لمته في هوى ... فلان وعرضت شيئاً قليلا
أتحسدني - قلت: لا والذي ... أحلك في الحب مرعى وبيلا
فكيف وقد حل ذاك (٣) الحمى ... وقد سلك الناس تلك (٤) السبيلا وقال:
стр. 1533
أبلغ فلاناً وإن كنت الضنين به ... قولاً تطاير من أرجائه الشرر
إني تركت الحمى عن غير مقلية ... لمعشر وردوا قبلي وما صدروا
وصنت وجه عفافي عن تبذله ... حتى سلا القلب عنه وارعوى البصر
يا أملح الناس إلا ريبةً عرضت ... تكاد من ذكرها الأحشاء تنفطر
ما الذنب عندك إلا عفة صرفت ... يد الهوى عنك إلا ما جنى النظر
وباحث عن غرامي فيك قلت له ... عني إليك فلا عين ولا أثر
ويلي عليه (١) وويحي من تبذله ... وطالما صنته لو ساعد القدر ومن شعره في العتاب
قال من كلمة (٢) :
مقال يطير الجمر من جنباته ... ومن تحته قلب عليك يذوب
أحين نبذت الناس إلا علالةً ... من الحسن يدعو ناظري فيجيب
ودنت بما تهوى هدىً وضلالة ... وما الناس إلا مخطئ ومصيب
سرت لك في أفياء ظلي قولةً ... لها بين أحناء الضلوع دبيب
فهلا على حال وفيت لمن (٣) وفت ... سجيته حيث الوفاء غريب
وحاشاك أن تعزى إلى المجد خطة ... تجشمه داء وأنت طبيب
ولكن أبى إلا إليك التفاتةً ... فؤاد عليه من هواك رقيب
стр. 1534
وود وإن أخرتموه مقدم ... وصدر وإن أحرجتموه رحيب
وكم بيننا إن كنت تحفظ ما مضى ... إذ العيش غض والزمان قشيب
وقد قام في وجه النسيم غزيل ... تغازل عطفيه صباً وجنوب
وسد طريق الشمس بدر إذا بدا ... أهلت عيون بالهوى وقلوب
يدير علينا السحر ملء جفونه ... فكل بريء عند ذلك مريب
وتحت جناح الغيم أحشاء روضة ... بها لخفوق العاصفات ضروب
وللزهر في ضمن الرياض تبسم ... وللطير من فوق الغصون نحيب
وقد شملتنا يعلم الله عفة ... على ما ترى والعاشقون ضروب [١١٥أ]
أما والذي أعطاك شامخة العلا ... فزل شباب عن مداك وشيب
لقد علقت كفاك مني كوكباً ... له في سماء المكرمات ثقوب
حنانيك لا تحمده بعد توقد ... فربتما عل الطلوع (١) غروب
وخذها وإن صدت قليلاً بوجهها ... ففي صدرها شوقاً إليك لهيب قوله: " وقد قام في وجه النسيم غزيل " من براعة الشعراء الحلوة؛ وأنشدت لأبي بكر بن سعيد البطليوسي (٢) :
عندي (٣) قطيع قهوة ... ومودتي وأبو الحسين وقال أبو الوليد من أخرى (٤) :
стр. 1535
ولقد منحتك مهجتي لبصيرة ... لاحت لقلبي في إخائك أو عمى
فلو اطلعت على فؤادي لم تجد ... إلاك فيه ما أجل وأعظما
وهوى لطيف الكشح ذا جبرية ... إلا عليك فما أحن وأرحما
كالغصن غازلت الصبا أعطافه ... نشوان يعبث بالفنوس وربما
وكأنما (١) غمر الكرى أجفانه ... فتضرجت وجناته منها دما
فكأنما (٢) لبس الملاحة حلة ... ولقد خجلت لقولتي فكأنما
يروى ترابك من مدامة ريقه ... وسواك يهلك لا سواي من الظما
فلئن هممت فغير مشدود الحبى (٣) ... ولئن عففت فغير ممنوع اللمى
(٤) ولقد قنعت فلا قنعت بزورة ... ولقد نجوت فما نجوت مسلما
فأبحت سرح اللهو مرتاد الهوى ... ومنعت طير الوجد أن يترنما قوله: " يروى ترابك " ... البيت، ذهب إلى قول الآخر:
أتمنع ريقك المعسول عني ... وأنت على التراب به تجود إلا أن هذا زاد عليه، لبعض حاجته إليه، ولكنه والله دعا الإحسان فأسمع، وجادت نفسه، حيث يقول بعده:
وأنت لو اقتصرت عليه جدنا (٥) ... ولكن قد علمنا ما تريد
стр. 1536
وقوله: " ومنعت طير الوجد أن يترنما "، من لطيف الإشارة، ومليح الاستعارة. أوما به إلى الكتمان. إيماء يأخذ بمجامع البيان.
وقال من أخرى (١) :
خذها أبا العباس قولة مخلص ... إن وافقت من مسمعيك قبولا
تطغى (٢) ويمنعها الحياء (٣) وربما ... مال العتاب بها عليك قليلا
واضيعتا للود عند معاشر ... لا يهتدون إلى الوفاء سبيلا
فارغب بنفسك عن معاريض العدا ... لا زال دونك حدهم مفلولا
وانظر (٤) فربتما ظللت وكم فتى ... (٥) لعب السراب بناظريه طويلا
وأصخ فغيري من يسوءك غيبه ... وسواي من رضي الوداد عليلا
وارفق فثم وإن (٦) صدرت بقية ... تأبى على رغم السلو رحيلا [١١٥ ب]
فلطالما أجريت أجفاني دما ... وملأت أضلاعي جوى وغليلا وله من أخرى إلى أبي الحكم ابن عمه (٧) :
أعمرو كم أطامنها حياءً ... فتطغيها معاتبة الأماني
وإن وقف الغرام بها قليلاً ... فعذرل أخيك في جفني فلان
стр. 1537
أتتني قولة هجمت فكادت ... تغل يدي وتعقد من لساني
ولم أرتب ومجدك غير أني ... كليم من مقارعة الزمان
أأرحل والنوى قذف ورحلي ... كما تدري مظاهرة الحرمان
أما رأي الأمير ولم أرجم ... ظنوني في التباعد والتداني
يعين على المكارم عاشقيها ... وإن عزت مصافاة الحسان
ويثني الدهر طوع يدي حتى ... كأن الدهر كفي أو بناني
وإن سد القضاء سبيل سعيي ... فليس جميل سعيك لي بدان فأجابه أبو الحكم بأبيات منها:
أما وعقيلةٍ لك غازلتني ... بغنج السحر من جفني فلان
لقد أهديت لي منها عروساً ... معرسها سويداء الجنان
جلت من رقة التعريض صحفاً ... أرق من الحسام الهندواني
وأخشى أن أكون لها ظلوماً ... أذا سميتها سحر البيان
بنفسي أنت قول الناس ريح ... يوافق منك ركناً من أبان
أنا لك حيث كنت أخ أمين ... إذا ما خان إخوان العيان
ألا ليت القبول غدت بسرجي ... إلى لقياك مطلقة العنان
فألمح منك أروع أريحياً ... تبوأ ذروة الحسب الهجان ولأبي الوليد إلى أبي بكر ابن عمه (١) :
стр. 1538
إليك وإن أصبحت عني بمعزلٍ ... وأخفق ظني في هواك ولا أدري
عتاباً كحد السيف إلا بقيةً ... عليك ولولاها لساءك ما يفري
وأعددته للدهر جنة واثقٍ ... فألقيته سيفاً علي مع الدهر
وأرسلته سهماً سديداً (١) على العدا ... فأخطأهم عمداً وعاج (٢) إلى نحري
أريش ويبري أعظمي غير مقصر ... فيا ليت شعري كم أريش وكم يبري ومن جواب أبي بكر له (٣) :
ولما رأى حمص استخفت بقدره ... على أنها كانت به ليلة القدر
تحمل عنها والبلاد عريضة ... كما سل من غمد الدجى صارم الفجر
فيا أيها المهدي إلى صوارماً ... من العتب يفري حدها جنن الصبر [١٦٦أ]
أفي الحق أن يحظى بقربك معشر ... قليلو الحجى ليسوا بخل ولا خمر - ومنها (٤) :
ألسنا من القوم الذين (٥) سموا بنا ... إلى حيث لا تسري النجوم التي تسري
فكم جعلوا عبساً يطول عبوسها ... وكم صبحوا بكراً براغية البكر وقال أبو الوليد من قصيدة (٦) :
стр. 1539
وإذا الزمان رمى إليك مسالماً ... وأمنته فأحذر من الإخوان
وسجيتي ما قد علمت وربما ... صدئ الحسام من النجيع القاني ومعنى البيت الأول كأنه يشير إلى ما قال الفقيه منصور (١) :
لو قيل لي خذ أماناً ... من حادث الأزمان
لما أخذت أماناً ... إلا من الإخوان والبيت الثاني كقول ابن الملك من شعر وقد تقدم (٢) :
والعضب يستره القراب وربما ... خشنت مضاربه الرقاق من الصدا ولأبي الوليد (٣) من قصيدة (٤) :
حبيب إليه الورد، منهل الردى ... يسير عليه الخطب، أهونه القتل
إذا نال غايات المكارم والعلا ... فلا أسعدت سعدي ولا أجملت جمل ومنها (٥) :
стр. 1540
نبذت (١) إليك الناس لا غادراً لهم ... ولا طالباً جدواك إن خيم المحل
ونكبت عن قومٍ مضوا وبودهم ... لو آن ثرى رجلي لأجفانهم كحل وهذا كقول بعض أهل عصري:
وكم رافعٍ لي بالعداوة صوته ... يود لو آني بين أضلاعه قلب ولأبي الوليد من مرثيه (٢) :
بأي مقالٍ من لساني أرثيه ... وأي دموعٍ من جفوني أبكيه
وقد جل رزئي فيه حتى كأنما ... رزايا جميع الناس مجموعة فيه منها:
فروض سروري بعد يومك قد ذوى ... وعارض حزني فيك حلست عزاليه
ولو كنت أدري أين ثاري نلته ... ولو حل ما بين الكواكب جانيه ومنها:
وإن كنت أوتيت السيادة ناشئاً ... فذلك فضل الله من شاء يؤتيه
وما باختياري عشت بعدك ساعةً ... (٣) فلي أجل يفني سوادي وأفنيه
فيا قبره ماذا تجن من العلا ... ويا يومه ماذا نعي فيك ناعيه وله مما كتب على قوسٍ وأخبر عنها:
стр. 1541
إنا إذا رفعت سماء عجاجةٍ ... والحرب تقعد بالردى وتقوم
وتمرد الأبطال في جنباتها ... والوت من فوق النفوس يحوم
مرقت لهم منا الحتوف كأنما ... نحن الأهلة والسهام رجوم
ولكم دمٍ عز القضاء وروده ... فروين منه والعوالي هيم في ذكر الأديب أبي بكر يحيى بن بقي (١)
وإثبات جملة من سري نظامه، وحر كلامه
[١١٦ب] وأبو بكر في وقتنا هذا على صغر سنه شهاب فهم ونبل قلما يخلو شعره من بديع، وأخرجته فتنة طليطلة - جبرها الله - الآتي خبرها في القسم الرابع من هذا المجموع، ولما يسطع بعد ضوءه، ولا نشأ نوءه، فاحتل اشبيلية، فمن ثم شرق وغرب، وأحزن ذكره في البلاد وأسهب، ولذلك نسقته في دررها، وأثبته أثناء حجولها وغررها؛ وقد أخرجت من شعره ايشهد بما أجريت من ذكره، ويبرأ من الإطراء، ويري أني ربما قصرت في الثناء.
стр. 1542
جملة من شعره في أوصاف شتى
استهدى من بعض إخوانه أقلاماً، فبعث إليه منها بثلاث من القصب، وكتب معها إليه:
خذها إليك أبا بكر العلا قصباً ... كأنما صاغها الصواغ من ورقة
يزهى بها الطرس حسناً ما نثرت بها ... (١) مسك المداد على الكافور ن ورقه فأجابه أبو بكر بأبيات منها قوله:
أرسلت نحوي من قناً سلب ... منآدةٍ تطعن القرطاس في درقه
فالحظ ينكرها والخط يعرفه ... والرق يخدمها بالرق في عنقه فكأن بعض من حضر سماع شعره حسده عليه، ونسب الانتحال إليه، فقال أبو بكر يخاطب صاحبه الأول من جملة أبيات:
وجاهلٍ نسب الدعوى إلى كلمي ... لما رماه بنبل النبل في حدقه
فقلت من حنقٍ لما تعرض لي ... من ذا الذي أخرج اليربوع من نفقه
ما ذم شعري وأيم الله لي قسم ... إلا امرؤ ليست الأشعار من طرقه
الشعر يشهد أني من كواكبه ... بل الصباح الذي يستن في أفقه وله من كلمة في الوزير أبي العلاء (٢) :
стр. 1543
علقتها من ربرب العفر ... (١) لكنها عربية النجر
لا تلتمحها ربما سلبت ... منك الفؤاد وأنت لا تدري
واذهب بشأنك إن مقلتها ... سقيت (٢) ببابل قهوة السحر
سل بالعيون فتىً أصيب بها ... مثلى لتعلم صحة الأمر
هن السيوف من الردى طبعت ... تبري القلوب وقلما تبري ومن المدح:
ن جده كعب بن مامة قد ... حاز الندى بالطي والنشر
هو آثر النمري صاحبه ... بالماء في دوية القفر
واساه حتى مات من ظمأ ... ثم انطوى والجود في قبر
وأراك يا زهر اقتديت به ... في صبره ونواله الغمر
زهر الكواكب كلها شهدت ... أن السيادة في بني زهر
ذر حاتماً يشجي بكعبكم ... وافخر بدعمي (٣) على عمرو
وافخر بنفسك لست دونهم ... ولئن سكت (٤) فخيفة الكبر وله من أخرى (فيه) :
افخر على الناس ملء الأرض من شممٍ ... ألعز أقعس والآباء أنجاد [١١٧أ]
هل يستوي الناس قالوا كلنا بشر ... فالمندل الرطب والطرفاء أعواد
стр. 1544
وهذا يشبه قول أبي الطيب (١) :
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال وقال الحصري:
أبا بكر أن أصبحت بعض لوكهم ... فإن الليالي بعضها ليلة القدر ومنها:
يا زهر زهر إياد لا كما زعمت ... زهر النجوم فما للصيد أنداد
حقاً سلكت إلينا كل موحشةٍ ... تيهاء ساكنها ظبي وفياد
يجيب فيها الصدى من ليس يسأله ... ويقتل الجوع فيها من له زاد
وينضب الماء وهو الجم مورده ... [ ... ] (٢) الرمل رملاً وهو أعقاد
والمرو في الحرة والرجلاء قد حميت ... كأنهن من العشاق أكباد
من شر ما طرق الأقوام من نوبٍ ... وخير ما ارتاده للنجع مرتاد
يخرجن من جنبات النقع طائرةً ... كأنهن سقوط وهي أزناد ومنها:
ولوا جميعاً بما في الدهر من حسنٍ ... لا عيب في القوم إلا أنهم بادوا وهذا كقول أبي تمام حيث يقول (٣) :
стр. 1545
وما كان بين الهضب فرق وبينهم ... سوى أنهم زالوا ولم يزل الهضب ولأبي بكر من قصيدة:
لم أعلم الشوق إلا من مطوقةٍ ... فهمت عنها الذي قالت ولم تبن
لا مثلها وسقيط الطل يضربها ... في عاتقي حلةٍ من سندس اليمن
تذكرت ساق حر وهي تندبه ... بالأخضرين من الظلماء والفنن
كأنهن بأعلى الدوح إذ جعلت ... روم تراطن بالألفاظ من فدن
والنجم منهزم أولى كتائبه ... والصبح يغسل ثوب الليل من درن
والروض يرشف ريق الطل عن ترف ... وليت لي مثله ممن يعذبني
دع المنى ربما نيلت بلا طلبٍ ... وربما الحرمان في المهن ومنها في وصف طرفٍ:
لكن على سابحٍ نهدٍ مراكله ... مؤلل الجيد والأرساغ والأذن
أقام في الحي أحوالاً وآونةً ... يسقي الخليطين (١) من ماءٍ ومن لبن
فجاء إذ صنعوه وهو مضطمر ... سامي التليل ممر الخلق كالشطن
يهوي من الأرض أنى شاء راكبه ... ويترك الريح في الآري والرسن قوله: " والصبح يغسل ما في الليل من درن ". يشبه قول بعض أهل العصر: [١١٧ب]
شهم له نظرة في كل مشكلةٍ ... يكاد يغسل ما في الطين من درنٍ