← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

إنا إذا رفعت سماء عجاجةٍ ... والحرب تقعد بالردى وتقوم وتمرد الأبطال في جنباتها ... والوت من فوق النفوس يحوم مرقت لهم منا الحتوف كأنما ... نحن الأهلة والسهام رجوم ولكم دمٍ عز القضاء وروده ... فروين منه والعوالي هيم في ذكر الأديب أبي بكر يحيى بن بقي (١) وإثبات جملة من سري نظامه، وحر كلامه [١١٦ب] وأبو بكر في وقتنا هذا على صغر سنه شهاب فهم ونبل قلما يخلو شعره من بديع، وأخرجته فتنة طليطلة - جبرها الله - الآتي خبرها في القسم الرابع من هذا المجموع، ولما يسطع بعد ضوءه، ولا نشأ نوءه، فاحتل اشبيلية، فمن ثم شرق وغرب، وأحزن ذكره في البلاد وأسهب، ولذلك نسقته في دررها، وأثبته أثناء حجولها وغررها؛ وقد أخرجت من شعره ايشهد بما أجريت من ذكره، ويبرأ من الإطراء، ويري أني ربما قصرت في الثناء.

стр. 1542

جملة من شعره في أوصاف شتى استهدى من بعض إخوانه أقلاماً، فبعث إليه منها بثلاث من القصب، وكتب معها إليه: خذها إليك أبا بكر العلا قصباً ... كأنما صاغها الصواغ من ورقة يزهى بها الطرس حسناً ما نثرت بها ... (١) مسك المداد على الكافور ن ورقه فأجابه أبو بكر بأبيات منها قوله: أرسلت نحوي من قناً سلب ... منآدةٍ تطعن القرطاس في درقه فالحظ ينكرها والخط يعرفه ... والرق يخدمها بالرق في عنقه فكأن بعض من حضر سماع شعره حسده عليه، ونسب الانتحال إليه، فقال أبو بكر يخاطب صاحبه الأول من جملة أبيات: وجاهلٍ نسب الدعوى إلى كلمي ... لما رماه بنبل النبل في حدقه فقلت من حنقٍ لما تعرض لي ... من ذا الذي أخرج اليربوع من نفقه ما ذم شعري وأيم الله لي قسم ... إلا امرؤ ليست الأشعار من طرقه الشعر يشهد أني من كواكبه ... بل الصباح الذي يستن في أفقه وله من كلمة في الوزير أبي العلاء (٢) :

стр. 1543

علقتها من ربرب العفر ... (١) لكنها عربية النجر لا تلتمحها ربما سلبت ... منك الفؤاد وأنت لا تدري واذهب بشأنك إن مقلتها ... سقيت (٢) ببابل قهوة السحر سل بالعيون فتىً أصيب بها ... مثلى لتعلم صحة الأمر هن السيوف من الردى طبعت ... تبري القلوب وقلما تبري ومن المدح: ن جده كعب بن مامة قد ... حاز الندى بالطي والنشر هو آثر النمري صاحبه ... بالماء في دوية القفر واساه حتى مات من ظمأ ... ثم انطوى والجود في قبر وأراك يا زهر اقتديت به ... في صبره ونواله الغمر زهر الكواكب كلها شهدت ... أن السيادة في بني زهر ذر حاتماً يشجي بكعبكم ... وافخر بدعمي (٣) على عمرو وافخر بنفسك لست دونهم ... ولئن سكت (٤) فخيفة الكبر وله من أخرى (فيه) : افخر على الناس ملء الأرض من شممٍ ... ألعز أقعس والآباء أنجاد [١١٧أ] هل يستوي الناس قالوا كلنا بشر ... فالمندل الرطب والطرفاء أعواد

стр. 1544

وهذا يشبه قول أبي الطيب (١) : فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال وقال الحصري: أبا بكر أن أصبحت بعض لوكهم ... فإن الليالي بعضها ليلة القدر ومنها: يا زهر زهر إياد لا كما زعمت ... زهر النجوم فما للصيد أنداد حقاً سلكت إلينا كل موحشةٍ ... تيهاء ساكنها ظبي وفياد يجيب فيها الصدى من ليس يسأله ... ويقتل الجوع فيها من له زاد وينضب الماء وهو الجم مورده ... [ ... ] (٢) الرمل رملاً وهو أعقاد والمرو في الحرة والرجلاء قد حميت ... كأنهن من العشاق أكباد من شر ما طرق الأقوام من نوبٍ ... وخير ما ارتاده للنجع مرتاد يخرجن من جنبات النقع طائرةً ... كأنهن سقوط وهي أزناد ومنها: ولوا جميعاً بما في الدهر من حسنٍ ... لا عيب في القوم إلا أنهم بادوا وهذا كقول أبي تمام حيث يقول (٣) :

стр. 1545

وما كان بين الهضب فرق وبينهم ... سوى أنهم زالوا ولم يزل الهضب ولأبي بكر من قصيدة: لم أعلم الشوق إلا من مطوقةٍ ... فهمت عنها الذي قالت ولم تبن لا مثلها وسقيط الطل يضربها ... في عاتقي حلةٍ من سندس اليمن تذكرت ساق حر وهي تندبه ... بالأخضرين من الظلماء والفنن كأنهن بأعلى الدوح إذ جعلت ... روم تراطن بالألفاظ من فدن والنجم منهزم أولى كتائبه ... والصبح يغسل ثوب الليل من درن والروض يرشف ريق الطل عن ترف ... وليت لي مثله ممن يعذبني دع المنى ربما نيلت بلا طلبٍ ... وربما الحرمان في المهن ومنها في وصف طرفٍ: لكن على سابحٍ نهدٍ مراكله ... مؤلل الجيد والأرساغ والأذن أقام في الحي أحوالاً وآونةً ... يسقي الخليطين (١) من ماءٍ ومن لبن فجاء إذ صنعوه وهو مضطمر ... سامي التليل ممر الخلق كالشطن يهوي من الأرض أنى شاء راكبه ... ويترك الريح في الآري والرسن قوله: " والصبح يغسل ما في الليل من درن ". يشبه قول بعض أهل العصر: [١١٧ب] شهم له نظرة في كل مشكلةٍ ... يكاد يغسل ما في الطين من درنٍ

стр. 1546

وقلبه من قول المعري (١) : فإن كان يكتبه كاتب ... فقد سود الصبح مما كتب وقال أبو بكر من قصيدة: أقبلت بالجيش ملموماً كتائبه ... كأنك البدر تحت العارض الهطل في فتيةٍ كسيوف الهند أنحلهم ... حب الصوارم والخطية الذبل وتيموا بعيونٍ غير فاترةٍ ... من الأسنة لم تهج مع المقل إن لا تكن أعيناً نجلاً فإن لها ... في أضلع القوم مثل الأعين النجل وما أحسن ما أتى بهذا المعنى، وإنما ذهب إلى قول (٢) أبي الطيب (٣) : أثبت (٤) عينك في حشاي جراحةً ... فتشابها كلتاهما نجلاء وقال: عليهن من وقع السيوف حواجب (٥) ... ومن قصيدة أبي بكر: ترى السماء دخاناً مثلما خلقت ... والأرض قد شرقت بالخيل والإبل

стр. 1547

تمشي بها الخيل لا جرد مطهمة ... مشي الكواعب في حليٍ وفي حلل من كل مضطمرٍ الكشحين حافره ... أحق من مبسم الحسناء بالقبل يا معشر الروم قد شالت نعامتكم ... إما من الحين أو ن شدة الفشل لم يكسكم من ثياب الخزي أسبغها ... إلا اتقاؤكم للصدر بالكفل ويا ويلكم معشراً بل ويل أمكم ... فإنها ولدت للثكل والهبل وهذا المعنى كثير، ومنه قول أبي تمام (١) : لم تبق مشركة وقد علمت ... إن لم تنب أنه للسيف ما تلد وأخذه أبو الطيب فقال (٢) : للسبي ما نكحوا والقتل ما ولداو ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا وقال محمد بن هانئ (٣) : لو تعلم الروم ما لا قت بطارقها (٤) ... ما هنئت أم بطريقٍ بمولود وقال أبو بكر من قصيدة: من لي به والوغى شهباء من أسلٍ ... في صهوةٍ من أقب البطن منجرد يردى ويصرع أقواماً، عيونهم ... حمر من الروع لا حمر من الرمد بكل غصنٍ من الخطي منعطفٍ ... بطائرٍ من سنانٍ ليس بالغرد

стр. 1548

ومنها: الدهر أخوان من أن يستقيم لكم ... وإنما جاد عن كره ولم يكد ومن تصنع يرجع بعد آونةٍ ... إلى الطباع رجوع العير للوتد وهذا المعنى مشهور ومنه قول الآخر (١) : كل امرئٍ راجع يوماً لشيمته ... وإن تمتع أخلاقاً إلى حين وقال آخر (٢) : يا أيها المتحلي غير شيمته ... إن التخلق يأتي دونه الخلق [١١٨أ] وقال آخر (٣) : ومن يتكلف غير ما في طباعه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها وقال الرضي (٤) :

стр. 1549

لا تبدين لي التكلف في الهوى (١) ... فضح التطبع شيمة المطبوع ولكن أبا بكر استولى على الأمد، ونفث بالسحر في العقد، بقوله: " رجوع العير للوتد ". وله من قصيدة: لم أنس إذ ودعته وقد التقت ... مني هنالك بالبكا عينان يرنو بنرجسةٍ إليّ وربما ... قرع الأقاح بياسمين بنان وهذا كقول الآخر (٢) ، ولكن أبا بكر نقص عنه (٣) : وأسبلت (٤) لؤلؤاً من نرجسٍ فسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد وقال من أخرى (٥) : وقالوا ألا تبكي وتلك مطيهم ... على السهب يحملن الأوانس (٦) كالدمى لئن (٧) نفدت مني الدموع تغامزوا ... وقالوا: سلا أو لم يكن قبل مغرما فهلا أقاموا كالبكاء تنهدي ... إذا ما بكى القمري قالوا ترنما

стр. 1550

وهذا من حجول الكلام وغرره، وإن لا يكن اخترع، فما أتقن ما اتبع! ! ومنها: نأوا بصموت الحجل عاطرة الشذا ... مبتلة الأعطاف معسولة اللمى ألا نظرة منها فتنقع غلةً ... على كبدي ما أشبه الشوق بالظما وله من قصيدة: وإني من الورق السواجع بالضحى ... ولكنني من بينها لم أطوق وهذا كقول ابن حمديس الصقلي، وهو أبرع وأجمع وأصنع، إلا أن أبا بكر قلبه على ما أراد، ونقص منه فما أخل به ولا كاد (١) : جناحي مبلول وجبدي مطوق ... وروضي مطلول (٢) فما لي لا أشدو وله من قصيدة أيضاً (٣) : أتى به الدهر فرداً في فضائله ... وفي الفرائد ما يربى على الجمل بياض عرضي تحامى الذم جانبه ... ليس السواد بأبهى منه في المقل والبيت الأول منها كقول بعض أهل عصرنا:

стр. 1551

وقد تقتضي هذه المفردات ... معانٍ تقصر عنها الجمل وله من قصيدة: عندي حشاشة نفسٍ في سبيل (١) ردى ... إن شئتها اليوم لم أمطل بها لغد وكيف أقوى على السلوان عنك (٢) وقد ... (٣) ربيت حبك حتى شب في خلدي خذها وهات ولا تمزج فتفسدها ... الماء في النار أصل غير مطرد وهذا كلام بديع، ونظم سنيع (٤) . وقال: جرب ولا تغترر بمحمدةٍ ... قد يقتل [النور] (٥) وهو نفاح وقال: ولقد وصفت لعاذلي من حسنه ... طرفاً فود بأنه لم يعذل وعصيته فيما مضى من عهدنا ... وأنا الذي أعصيه في المستقبل وله من قصيدة (٦) : [١١٨ب]

стр. 1552

إذا ما غراب الليل مد جناحه ... (١) عليّ وغطاني بريش قوادم تقلبت في طي الجناح لعلني ... أرى الصبح يبدو من خلال القوادم إلى الله أشكوها نوىً أجنبيةً ... لها من أبيها شيمة ظالم سلا كل مشتاقٍ برؤية إلفه ... وكان على الشوق ضربة لازم إذا جاش صدر الأرض بي كنت منجداً ... وإن لم يجش بي كنت بين التهائم أكل بني الآداب مثلي ضائع ... فأجعل ظلمي أسوةً في المظالم أم الظلم محمول عليّ لأنني ... طلبت العلا من قبل حل التمائم لعمر أبيك الخير ما آمل الغنى ... للين لبوسٍ واحتفال مطاعم ولكنما أملته لصنيعةٍ ... أسر بها نفس الصديق الملائم ستبكي قوافي الشعر ملء جفونها ... (٢) على عربيٍ ضاع بين أعاجم ولا ذنب لي عند الزمان علمته ... سوى أنني للشعر آخر ناظم توهمته عمرو بن هندٍ وخلتني ... (٣) شقياً أتاه من وفود البراجم ومنها: إليك ترامت بي قلوص كنبعة ... معطفة في دفها والحيازم لعوب إذا رقص السراب استفزها ... ببيض الأداحي في النقا التراكم تباري الصبا في سيرها فكأنها ... جبان تولى في غبار الهزائم وما راعها إلا الزمام تظنه ... إذا ما تدلى حيةً في المخاطم

стр. 1553

وهذا كقول المعري (١) : يحاذرون من وقع (٢) الأزمة لا اهتدى ... مخبرها أن الأزمة أصلال وهذا كقول بعض أهل العصر (٣) : تخشى الزمام فتثني جيدها فرقاً ... كأنه بين ثني حيةٍ ذكر كأني من البيداء أطوي صحيفةً ... قد اختلفت فيها خطوط المناسم لنفسك أكرمني ولا لمعاشر ... إذا انتقدوا كانوا زيوف الدراهم وميزك بي ميز الكمي بسيفه ... وإن أدركته مهنة في الصوارم أحبك للعليا غصبتك بعضها ... وكل كريم مولع بالأكارم وإن كان منك الود فيئاً أخذته ... غلولاً وحظي وافر في المغانم وإن تصطنعني تصطنع ذا حفيظة ... شديداً على الأعداء صعب الشكائم له كلمات كالقلائد في الطلى ... ولكنها في أوجه كالمياسم يشق عليها ترك مدحك ضلة ... لمدح أناس في عداد البهائم يصولون مني بالمهند ماضياً ... وأمسك منهم بالحبال الرمائم ومنها في المدح: حمدت السرى عند الصباح بماجدٍ ... هو الماء يعطي ريه كل حائم [١١٩أ]

стр. 1554

وحسبك من قاضي الجماعة أنه ... أمان لمذعور ومال لعادم به ثبت الإسلام في مستقره ... وشل فريق الكفر شل النعائم إذا مشقت يمناه في بطن مهرقٍ ... تحجب نوار (١) الربى في الكمائم ولاحت سطور كالشباب حكين لي ... سلاسل أصداغ الخدود النواعم ومن لي بتقبيل الحروف فإنها ... ثغور الدمى إلا ابيضاض المباسم أقل أيادي كتبه رد عسكر ... وتأليف أشتات وسل سخائم ورثت العلا من تغلب ابنة وائل ... تلاداً لها من عهدها المتقادم وأنى يجاريكم إلى المجد حاسد ... جهول بأسرار العلا غير عالم وهذا بجير وهو خير لداته ... (٢) سوى شسع نعل منكم لم يقاوم ويا عجباً يعزى إلى (٣) الجود حاتم ... وما هو منه في اللهى واللهازم بل المثل المضروب في الجود للذي ... يعود على (٤) أبناء كعبٍ وحاتم وله من أخرى في الوزير أبي الحسين بن سراج: تشف وراء فطنته المعاني ... شفيف الراح من خلف الزجاج وما طلب الكلام الحر إلا ... (٥) أتى بين انفراد وازدواج أقام العلم دهراً ليس يبدو ... لها منه سوى نتف خداج وكان الناس في ظلمات جهلٍ ... فما جليت بغير ني سراج

стр. 1555

وقال من قصيدة: وبنات أعوج قد برمن بصحبتي ... مما قطعن من اليباب المقفر بيداء كالمحروم في أحواله ... لا ذا أنيل وهذه لم تعمر أراه كأن له في هذا إلمام، بقول أبي تمام (١) : وإذا تأملت البلاد (٢) وجدتها ... تثري كما تثري الرجال وتعدم وإلى هذا أشار بعض أهل العصر بقوله: حظ من الدين والدنيا أصبت به ... كل يرزأ حتى هذه البقع ولأبي بكر من قصيد (٣) : من لم يعانق غزالاً في مغازلة ... ما بين ممتنع طوراً ومنفعل فما قضى من لبانات الصبا وطرأ ... ولا تنزه في روض من الجذل وعاذلين رأوا أني على خطأ ... كما رأيت بأن القوم في خطل هل أنكروا غير تهامي بغانيةٍ ... سكرى من الدل أو ألحاظها النجل ما زال يحجبها الغيران مذ نشأت ... لو غيرها حجب الغيران لم بل [١١٩ب] في كلة سيراء تتقي نظري ... يا أيها الناس حتى الظلم في الكلل من لي به حيث لا نخشى مراقبةً ... ولا نبيت من الواشي على وجل في ليلة لا يلي المريخ مدتها ... ولا نقيم بها إلا على زحل

стр. 1556

أما (١) الرياض فقد أمهرتها قدحاً ... من المدام نكاحاً ليس فيه ولي عقيقةً في يدي سالت وأشربها ... لو شعشعت بسجايا الدهر لم تسل وله من أخرى: كيف صبري على الكؤوس إذا ما ... عثر الروض في ذيول النسيم وهذا من المقلوب؛ إنما يعثر النسيم في ذيول الروض، فإن ذهب به أبو بكر مذهب الأخطل في قوله (٢) : " أو بلغت سوآتهم هجر " ... وشبهه فأبو بكر ممن لا يتهم أدبه ... ولا يعجم نبعه ولا غربه رجع: وقال: ورنا نرجس الربى بعيون ... وجلا الورد عن محياً وسيم وبدا معصم الخليج فخطت ... فوقه الريح أسطراً من وشوم سوف تدري الهموم أية راحٍ ... أخذت من أرواحنا والجسوم بنت دن رعت (٣) ببيداء نفسي ... فهي تعدو به كعدو الظليم كرمت (٤) في حدائق غرسوها ... لكرامٍ فسميت بالكروم

стр. 1557

طفت بالأيك فاستهلت دموعي ... لحمامٍ تبكي فراق حميم تتغنى الثقيل حتى كأن قد ... نشر الله معبداً من رميم عجمة أعربت بوجدٍ دقيقٍ ... وكلام مقطع من كلوم قال ابن بسام: لو لم يتجاوز معبد الثقيل إلى سواه، لكان لأبي بكر ما ادعاه، وقرب منه ما تكلفه وتعاطاه، وأسحر منه وأولى بالحكمة وفصل الخطاب، أبو العلاء حيث يقول، يصف الإبل (١) : كأن المثانبي والمثالث بالضحى ... (٢) تجاوب في غيد رفعن طوال كأن ثقيلاً أولاً تزدهي به ... ضمائر قوم في الخطوب ثقال ولعمري لو شبه سجع الحمام، بخفائف الغريض وأهزاج حكم الوادي لكان أحسن عبارةً وأفتق إشارة. وأما قوله: " كلام مقطع من كلوم " فأشفى للقلوب من اعتلال النسيم، وأحلى على الأكباد من محاورة الطرف السقيم. وفي هذه القصيدة يقول أبو بكر: أوضعت بي إليه وجناء حرف ... أكلتها السفار أكل القضيم تترك الريح خلفها وهي حيرى ... بين إيضاعها وبين الرسيم ظلت أطوي القفار منها بلامٍ ... طبعتها بالميم بعد (٣) الميم

стр. 1558

فأتته (١) والمرو قد نال منها ... فهي تخطو على وظيفٍ رثيم وقليلاً تمتعت في الفيافي ... بسنام كالعارض المركوم فأنحنا إلى فناء جواد ... (٢) ماله نهبة لكل عديم فأكلنا لهاه أكل الضواري ... وشربنا [ ... ] (٣) شرب الهيم أما تشبيههم الخليج بالمعصم، فطريق لم يبق له ستر محرم إلا هتك، ولا فيه موضع قدم [١٢٠أ] إلا سلك، فمن أشهره مناراً، وأبهره أنواراً، قول ابن عمار (٤) : روض كأن النهر فيه معصم ... صافٍ أطل على رداء أخضرا وقوله: " فسميت بالكروم " يشبه لفظه بيت المعري، وبينهما من البعد، ما بين الدرة والحجر الصلد، المعري أثبت فيه قدماً، وأمس رحماً، حيث يقول (٥) : وأنت أبوها إن غدت كرميةً ... وإن سكنت راء فوالدها الكرم (٦) وذكرت بقوله: " بلام، طبعتها بالميم بعد الميم "، قول ابن الرومي في جهة أخرى:

стр. 1559

يا أخا النحو والمقدم فيه ... لم ترى (١) اللام أدغمت في الميم وكتب خلف الأحمر إلى بعض المؤدبين: أتترك في الحلال مشق صادٍ ... وتأتي في الحرام مشق ميم وذكر الثعالبي (٢) أنه كان للقاضي علي التنوخي غلام وسيم، اسمه نسيم، وكان يؤثره على سائر غلمانه، ويخصه بتقريبه واستخدامه، فكتب إليه بعض إخوانه يداعبه: هل علي لامه مدغم ... لاضطرار الشعر في ميم نسيم فوقع تحته: نعم ولم لا -! وقال أبو بكر من قصيدة: واحر قلبي من خليط زائلٍ ... صبري على آثاره سيزول زمت له قلص ببارين الصبا ... ولربما سبق الهبوب ذكيل هم فارقوك وحملوك من الأسى ... ما ليس يحمل شامة وطفيل زرعوا بقلبك حبه، ونباته ... (٣) برح الجوى، لا إذخر وجليل

стр. 1560

شيعتهم متوجهين وأدمعي ... حذر الفراق سوافح وهمول ونظرت في تلك الحدوج وطيها ... غزلان وجرة أهيف وكحيل وقال من أخرى: لا تحملني على التسويف نفي هبةٍ ... فيلتقي فرحي فيها مع الأسف ليس اعتذارك بالأشغال أقبله ... فإن شغلك بي أدنى إلى الشرف وهذا كقول الأول (١) : ولا تعتذر بالشغل يوماً فإنما ... تناط بك الآمال ما اتصل الشغل وقال أبو حاتم الحجاري (٢) : إني لأعلم أن شغلك بالعلا ... والمجد فاجعلني من الأشغال وقال أبو بكر من قصيدة (٣) : عليك أبا عبد الإله خلعتها ... لها البدر طوق والنجوم دلائل وما هي إلا الدهر في طول عمرها ... وإن لم يكن فيها الضحى والأصائل قال ابن بسام (٤) : ويا لهذا البيت ما أحسن مذهبه، وأبدع منتواه (٥)

стр. 1561

ومنقلبه، إلا أنه أتى بالدهر ومسلوب الضحى والأصائل، فقلم يزد على أن جلاه في زي عاطل، لا بل أبرزه في مسوح شوهاء ثاكل، وليت شعري أي شيء أبقى للدهر المظلوم، بعد ضحاه الناصعة الأديم، وآصاله المعتلة النسيم - هل بقي إلا ليلة الأسود الجلباب [١٢٠ب] وهجيره السائل اللعاب -! ولو قال لممدوحه: " وتلك العلا فيها الضحى والأصائل " (١) لأبرز قصيدته رافقة البرود، شفافة العقود، ولأفاد ممدوحه بهذه الكلمة مدحاً لا يسعه المقال، ولا تفي به القصائد الطوال. وله من أخرى: وما أكثر الأقوام إلا ثعالب ... تروغ ولا يحلى لديها بطائل يرد ذهني حائراً في طباعهم ... كأنهم من مشكلات المسائل وأصغي إلى أقوالهم فتريبني ... صدور لهم أقوين مثل المنازل وقال: خذها على وجه الربيع المخصب ... لم يقض حق الروض من لم يشرب هممي سماءؤ علاً وهمي مارد ... فارجمه من تلك الكؤوس بكوكب والله ما أدري وإني واقف ... للراح بين تحير وتعجب أفضضت دناً أم فككت الخدر عن ... بكرٍ تجول مع المنى في ملعب أخت الزمان تكسبت (٢) من خلقه ... جهل المراهق واحتناك الأشيب وله من أخرى:

стр. 1562

مسومة تحكي سنابكها الصفا ... وتنقض منها بالضراغم عقبان نمتها إلى حرٍ كريمٍ (١) صفاتها ... فللنبع أضلاع وللآس آذان ومنها: دخلت عليها خيمةً شرفاتها ... وأعمدها (٢) بيض رقاق وخرصان فقالت: ألص قلت: بل ذو صرامةٍ ... تشسب على أحشائه منك نيران إليك شفقت الليل كالسيل يرتمي ... وفيك أسغت الهول والهول (٣) خطبان فقالت: أقم (٤) عندي لك الوصل كاملاً ... على أن حظ العين مني حرمان ومن قوله (٥) : عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الذكي (٦) لناشق حتى إذا مالت به سنة الكرى ... باعدته شيئاً، وكان معانقي زحزحته (٧) عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق

стр. 1563

في ذكر الأديب أبي الحسن بن هارون الشنتمري (١) قال ابن بسام: وأبو الحسن هذا سهل الكلام، بارع النظام، ممن اغترف من بحر الكلام بكلتا يديه، وجذب ثوب البيان من كلا طرفيه؛ جده لأمه أبو الحسن بن الاستجي المتقدم الذكر (٢) ، فأما سلفه من قبل أبيه فقد انخدع لهم الزمان بريهة، وهينم بأسمائهم هنية، بشنتمرية الغرب إلى أن نبه الدهر الغافل على (٣) أمرهم، وأسكت من ذكرهم، على يدي المعتضد عباد بن محمد مخلي الأوطان، وملحق الأقران بالأقران؛ وقد ذكر ابن حيان ذلك، وألمعت أنا بطرف مما وقع لهم معه هنالك. ومن شعر أبي الحسن المعرب عن أدبه، والشاهد لما وصفته به، قوله: يصف صدود غلام كان له به كلف (٤) : (٥) عادت إلى أديانها هيف ... واطرد الإسراف والحيف

стр. 1564

وامتنع الأصبغ من وصلنا ... وزاد حتى امتنع الطيف شنتمري (١) الأفق غربيه ... وربما حن له الخيف ذو لحظة إن لم تكن في الحشا ... رمحا وإلا فهي السيف وأنشدت له (٢) : يا ليلة العيد عدت ثانية ... وعاد إحسانك الذي أذكر [١٢١ أ] إذ أقبل الناس ينظرون إلى ... هلالك النضو ناحلا (٣) أصفر وفيهم من أحبه وأنا ... (٤) أنظره في السماء إذ ينظر فقلت لا مؤمنا بقولي بل ... معرضا للكلام لا أكثر أثر شهر الصيام فيك أبا ... محمد قال لي وما أثر بل أثر اليوم في هلالكم ... هذا الذي لا يكاد أن يظهر وقال (٥) : وحديقة شرقت بغمر (٦) نميرها ... يحكي صفاء الجو صفو غديرها تجري المياه بها أسود أحكمت ... من خالص العقيان في تصويرها وكأنها أسد الشرى في شكلها ... وكأن وقع الماء صوت زئيرها

стр. 1565

وقال (١) : انظر إلى ثابت على طرفه ... قد سل سيف المنون من طرفه وهز من قده لواء ردى ... يدني الصحيح السليم من حتفه يطوف (٢) بالحج منه بدر دجى ... على جواد كالبرق في خطفه يكاد من لينه ونعمته ... يعقد عقد العنان في نصفه فلا ترى غير باهت فرق ... بين يديه منها ومن خلفه ومن مشير له بإصبعه ... ومعلن بالسلام من كفه فصل يشتمل على ذكر الكتاب الوزراء وأعيان الأدباء الشعراء، ممن نشأ في المدة (٣) المؤرخة بحضرة بطليوس، وسائر بلاد البحر المحيط الرومي (٤) ، والأخذ بطرف من نوادر أخبارهم، وشوارد أشعارهم. قال ابن بسام: قد قدمت في صدر هذا القسم أن هذا الجانب الغربي من الجزيرة، لأول تلك الفتنة المبيرة (٥) ، الواقعة بقرطبة في آخر دولة بني (٦) عامر، اشتمل على بيتي حسب، وجمهوري أدب: مملكتان من لخم وتجيب،

стр. 1566

فوفد عليه لذلك كل أديب، واستوطنه كل أغر نجيب. وقد جئت بجملة موفورة، لطوائف كثيرة، وجماعة أعداد، كانوا بدولة بني عباد، من أرباب هذا الشأن، فلنذكر الآن من أرباب المنثور والمنظوم، بعقر هذا الإقليم، ولنقدم منهم من تقدم في الزمان. وقاعدة بلاد هذا الساحل من الجانب الغربي بطليوس، ورئيسها في أكثر المدة المؤرخة - كان -. المظفر أبو بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة المعروف بابن الأفطس (١) أديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائف والتأليف الفائق، المترجم ب - " التذكرة " والمشتهر اسمه أيضا ب - " كتاب المظفر (٢) " في خمسين مجلدة، يشتمل على علوم وفنون من مغاز وسير، ومثل وخبر، وجميع

стр. 1567

ما يختص به علم الأدب، أبقاه (١) في الناس خالدا. وليس بمعدود في الشعراء والكتاب، فأفرد له فصلا من هذا الكتاب، ولو كان مجموعنا هذا في طبقات العلماء، لكان قطب أفقه، وغاية طلقه. وكان ينكر الشعر على قائله في زمانه، ويفيل رأي من ارتسم في ديوانه؛ حدثني من سمعه يقول: من لم يكن شعره [١٢١ ب] مثل شعر المتنبي أو شعر المعري فليسكت، لا يرضى بدون ذلك. وقد ذكر أبو مروان بن حيان خبره في جملة ما شرح من قصص ملوك الطوائف في ذلك الأوان، وشرح كيف غر سرابهم، وطن ذبابهم، فقال (٢) : كان عبد الله بن مسلمة رجلا من مكناسة، وكان سابور العامري أحد صبيان فائق الخادم، فتى الحكم، وقد انتزى ببطليوس وثغر الغرب من عمل الحاجب ابن ميتويه (٣) ، فصحبه عبد الله وظاهره (٤) ، ورمى إليه بأموره، فدبر أعماله وتزيد في الغلبة عليه، حتى صار كالمستبد به، فلما هلك سابور ورث سلطانه بعده، فاستولى على الأمور وتلقب بالمنصور، ثم أفضى الأمر لابنه وتلقب بالمظفر. قال ابن حيان: ومن النادر الغريب انتماؤه في تجيب، وبهذه النسبة مدحته الشعراء إلى آخر وقته، منهم ابن شرف القيرواني حيث يقول (٥) :

стр. 1568

يا ملكا أمست تجيب به ... تحسد قحطان عليه نزار لولاك لم تشرف معد بها ... جل أبو ذر فجلت غفار انتهى كلام ابن حيان. قال ابن بسام: وأول قصيدة ابن شرف هذه في المظفر قوله (١) : زار وقد شمر فضل الإزار ... جنح ظلام جانح للفرار وروضة الأنجم قد صوحت ... والفجر قد فجر نهر النهار قلت له: أهلا بطيف دنا ... (٢) من نازح الدار بعيد المزار كيف خطوت الشر ثم الشرى ... وابنى هلال والقنا والشفار أصهوة الغبراء أم داحسا ... ركبت حتى خضت ذاك الغمار وجئت بالخطار أن أعوج ... جنيبة معتدة (٣) للخطار وهل تقلدت لدفع (٤) الردى ... حمائل الصمصام أم ذي الفقار وأنت زيد الخيل أم (٥) عامر ... ومالك بن الريب أم ذو الخمار (٦) فقال لا هذا ولا ذا ولا ... بل كنت عنهم قمرا في سرار

стр. 1569

سيري فلم نقذفك في مجهل ... (١) ولا ضربنا بك ضرب القمار حيث علوق (٢) العلم مطلوبة ... يوافق السوق كرام التجار خذها أبا بكر غريبية ... سرى بها الود إليكم وطار ليست من الشعر القصير الخطى ... ولا من المسروق والمستعار قدمتها قبل قدومي كما ... قدمت الحجاج رمي الجمار ومنها: أقمت للعلم منارا وما ... أظن في الدنيا لعلم منار فما نداماك سوى أهله ... وكلهم بين ندامى العقار ميزك ميزان عقول الورى ... وفهمك العدل لكل عيار تبدو لك الهجنة في لحظة ... وتعرف الأسنان قبل الفرار من لفظهم تعرف ما هم وفي ... جحفلة العاثر يبدو العثار فما رأتك العين تصغي إلى ... محال (٣) عجل سامري الخوار [١٢٢ أ] وكان ابن شرف كتب بهذه القصيدة من طليطلة إليه، فواصله بمائة مثقال من ضرب السكة لديه. قوله: " زار وقد شمر فضل الإزار، جنح ظلام " أشار إلى أنه زار آخر الليل كما قال أبو تمام (٤) :

стр. 1570

زار الخيال (١) له لا بل أزاركه ... فكر إذا نام فكر الخلو لم ينم ظبي تقنصته لما نصبت له ... في آخر الليل أشراكا من الحلم وقد عاب الآمدي هذا عليه فقال (٢) : وإذا زاره بالفكر فقد زار، فلا معنى للاستدراك؛ ثم اعتذر له فقال: الاستدراك صحيح لأنه إذا قال زار الخيال احتمل زيارة الاختيار، من غير بعث باعث، واحتمل وقوع الزيارة عن حمل حامل، فأزال هو (٣) الإبهام بقوله: " لا بل أزاركه فكر "؛ وقوله: " لم ينم " لم يرد حقيقة النوم بل كما يقال: لم ينم فلان عن هذا الأمر. وقال: " آخر الليل " ولم يقل أوله، لأنه أنبأ أنه يسهر، وإنما يهوم في آخره تهويما فيطرقه الخيال في ذلك الوقت؛ وقيل وجه آخر، وهو أن الخيال لا يطرق في العادة إلا مع وفود النوم، وهذا إنما في آخر الليل مع استمرار النوم وطول زمانه. وقال أبو الطيب (٤) : لا الحلم جاد به ولا بمثاله ... لولا ادكار وداعه وزياله إن المعيد لنا المنام خياله ... كانت إعادته خيال خياله يقول: التمثيل والتخييل له في اليقظة إعادة خياله في المنام، فكأن الخيال الذي في النوم خيال الخيال الذي تصور في اليقظة؛ وأظهر من هذا قو أبي

стр. 1571

تمام المتقدم (١) ، وإنما من قول جران العود (٢) : حييت طيفك من زور ألم (٣) به ... حديث نفسك عنه وهو مشغول فقوله: " وهو مشغول " أي لم يزر على الحقيقة، فبنى حبيب من هذا قوله: " وما زارك الخيال " (٤) ، وبنى من قوله: " حديث نفسك " قوله: " ولكنك بالفكر زرت طيف الخيال " (٥) . وقال الكميت (٦) : ولما انتبهت وجدت الخيال ... أماني نفس وأفكارها وقد أعاد حبيب لفظ جران العود فقال (٧) : استزارته فكرتي في المنام ... فأتاني في خفية واكتتام يا لها لذة تنزهت الأر ... واح فيها سرا من الأجسام مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام

стр. 1572

وعيب عليه " دعوة الأحلام "، لأنها من ألفاظ العوام، وصفة طيف الخيال باب ممتد الأطناب، لا يتسع له عرض هذا الكتاب. وقول ابن شرف: " وأنت زيد الخيل أم عامر " ... البيت، أراه مما وهم فيه، وذو الخمار فرس مالك بن نويرة، حكاه المبرد (١) وأنشد قول جرير (٢) : عتيبة والأحيمر وابن عمرو ... وعتاب وفارس ذي الخمار جملة من نثر المتوكل وشعره (٣) من ذلك رقعة خاطب بها وزيره أبا الوليد بن الحضرمي (٤) وقد صرفه عن خدمته قال فيها: ولما رأيت الأمر قد ضاع والإدبار قد انتشر وذاع، أشفقت من التلف، وعدلت إلى ما يعقبنا - إن شاء الله - بالخلف، وأقبلت أستدفع مواقع أنسي، وأشاهد ما ضيعته بنفسي، فلم [١٢٢ ب] أر إلا لججا قد تورطتها، وغمرات قد توسطتها (٥) ، فشمرت عن الساق

стр. 1573

للجتها، وخدمت النفس بمهجتها (١) ، حتى خضت البحر الذي أدخلني رأيك، ووطئت (٢) الساحل الذي كاد يحول بيني وبينه فعلك، فنفسك لم، وبسوء صنيعها ألمم (٣) واعتصم، وإن متت بجميل اعتقاد، ومحض وداد، فأنا مقر بذكره (٤) ، معترف بقله وكثره (٥) ، لكنك كنت كالمثل السائر: " شوى أخوك حتى إذا أنضج رمد " (٦) حتى أطمعت في العدو، ولبست لأهل حضرتي الاستكبار والعتو، واستهنت بجيرانك، وتوهمت أن المروءة التزام زهوك وتعظيم شانك، حتى أحرجت النفوس علي وعليك (٧) ، فانجذب مكروه ذلك إليك، ومع ذلك فليس لك عندي إلا حفظ الحاشية، وإكرام الغاشية. واتصل بالمتوكل أيام سلطانه بيابرة (٨) أنه قدح فيه، بمجلس المنصور يحيى أخيه (٩) ، فكتب إليه: كل صديق - أيدك الله - إذا خاطب صديقه،

стр. 1574

فأغرب ما يطنب به عليه، ويسهب فيه لديه (١) ، أن يقول: أنا كأخيك، محبة فيك، فإذا كتبت إليك، فأي غريبة أورد عليك - ونحن منتهى كتب المتخاطبين (٢) ، وغاية آمال المتحابين! غير أنه جرى في ناديك - لا زال معمورال بمعاليك - أنني أبيع (٣) الأحرار والحرائر، وأستصغر المعاصي (٤) والكبائر، والله نزهني عن هذا وأبعدني عنه، فلا قدرة لبشر أن ينيطه (٥) بي ويدنيني منه. ثم ختم الرقعة إليه بشعر أثبتناه، على ما ذكرناه، من رواية أشعار الجلة والأعيان، على قدم الزمان، وهو (٦) : فما بالهم (٧) لا أنعم الله بالهم ... ينيطون (٨) بي ذما وقد علموا فضلي يسيئون في القول جهلا وضلة ... وإني لأرجو أن يسوءهم (٩) فعلي طغام لئام أو (١٠) كرام بزعمهم ... سواسية ما أشبه الحول بالقبل لئن كان حقا ما أذاعوا فلا خطت (١١) ... إلى غاية العلياء من بعدها رجلي

стр. 1575

ولم ألق أضيافي بوجه طلاقة ... ولم أمنح العافين (١) في زمن المحل وكيف وراحي درس كل غريبة ... وورد التقى شمسي وحرب العدا نقلي ولي خلق في السخط كالشري طعمه ... وعند الرضى أحلى جنى من جنى النحل " وإني وإن كنت الأخير زمانه " ... لآت بما أعيا الصناديد من قبلي وما أنا إلا البدر (٢) تنبح نوره ... كلاب عدى تأوي اضطرارا إلى ظلي فيا أيها الساقي أخاه على النوى ... كؤوس القلى مهلا رويدك بالعل لنطفئ (٣) نارا أضرمت في نفوسنا ... (٥) فمثلي (٤) لا يقلى ومثلك لا يقلي ألست الذي أصفاك قدما وداده ... وألقى إليك الأمر في الكثر والقل وصيرك الذخر الغبيط لدهره ... ومن لي ذخرا غيرك اليوم لا من لي وقد كنت تشكيني إذا جئت شاكيا ... (٦) فقل لي لمن أشكو صنيعك بي قل لي نفثت - أيدك الله - نفثة مصدور انتهى الجفاء به (٧) منتهاه، وبلغ به أقصى مداه، فإن ظهر زلل ففضلك في ستره على المعهود منك قديم الزمان، لا على المنفصل عنك الآن، والله يقلب القلوب، ويصلح العيوب، ويبلغنا الأمل والمرغوب. وقد ذكر ابن حيان بعض ما كان شجر بين المتوكل وأخيه في ذلك الأوان

стр. 1576

فقال وفي صدر سنة إحدى وستين، نشأ من تلقاء ثغر غربي الأندلس المثغور عارض هم ضاعف الإشفاق، وأكد التوقع بانكشاف خبر الاختلاف الواقع بين أميريه: يحيى وعمر ابني المظفر بن الأفطس، [١٢٣ أ] واهتدى الطاغية اذفنوش بن فرذلند المتمرس (١) بجماعة ملوك الطوائف بالأندلس، إلى شب نار الفتنة بينهما كيادا للمسلمين (٢) ، فبدأ بالاعتلال على يحيى صاحب بطليوس منهما، يسومه الزيادة في مال جزيته التي كان فارق أباه الهالك عليها بوساطة (٣) المأمون بن ذي النون بينهما، فانتقض على هذا الغلام لوهي في جبلته، وطماعية في إتيانه من قبل أخيه، فأظهر له يحيى العجز عن الزيادة في الجزية، فجرت بينه وبينه الطاغية في ذلك خطوب اغتدى (٤) بها بلد بطليوس وثغره ثغورا، فأقام يحيى منهما على ولاية المأمون بن ذي النون وحلفه وراثة (٥) عن أبيه النظفر، ومال أخوه عمر إلى المعتضد، وتأتت بين هذين الأخوين في أثناء ذلك هدنة على دخن، لم يتم معها أنس ولا تمكنت لهما طمأنينة، وما زالت السعاية تقدح بينهما العداوة، حتى أورت نار فتنة ضرمت (٦) البلاد، وأجاحت الرعية، وثلمت ثغرهما وضاعفت البلية؛ انتهى كلام ابن حيان. قال ابن بسام: ثم استوسق الأمر للمتوكل بموت يحيى أخيه (٧) . وحصلت

стр. 1577

له جميع بلاد أبيه، واحتل حاضرة بطليوس، وجعل ابنه العباس في يابورة (١) واتفق أن خرج طلحة بن عبيد الله (٢) مستوحشا عنه لأمر بلغه عنه، ولحق ببلد المعتمد، فكتب العباس إلى أبيه معتذرا عن فراره، ويقسم أنه ما خرج إلا باختياره، فأخبرني الوزير الكاتب أبو المطرف بن الدباغ قال: إني لمساير المتوكل خارج حضرته، بطليوس، حين ورود تلك الرقعة من ابنه العباس عليه، فبلغ منه الضجر منتهاه، وتجاوز مداه، واستدعى وهو على ظهر دابته دواة، ووقع في ظهر الرقعة يومئذ فصلا قال فيه - دون عنوان ولا دعاء ولا سلام، وأنا أتعجب في كتبه تلك الفقار، مع فرط الضجر (٣) -: قبولي لتنصلك من ذنوبك موجب لجراءتك عليها، وعودتك إليها، واتصل بي ما كان من قبلك في خروج طلحة بن عبيد الله عنك، ولم تثبت في أمره، ولا تحققت صحيح خبره، حتى فر بنفسه عن أهله ووطنه، والعجلة من الشيطان، ولا يحمد قبل النضج بحران، وهو الذي أوجبه إعجابك بأمرك، وانفرادك برأيك، ومتى لم ترجع إلى ما وعدت به من نفسك (٤) ، وصدرت به كتبك فأنا المريح والله نفسي من شغبك، وإن تكن الأخرى فهو لك الحظ الأوفى، فاختر لنفسك أي الأمرين ترى. وأخبرني الوزير أبو طالب بن غانم قال: لا أنسى والله خط المتوكل بهذين

стр. 1578

البيتين في ورقة (١) بقلة الكرنب (٢) وقد كتب إلي بهما من بعض البساتين (٣) : انهض أبا طالب إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا فنحن عقد بغير وسطى ... ما لم تكن حاضرا لدينا في ذكر الوزير الكتاب أبي عبد الله محمد بن أيمن (٤) ، واجتلاب جملة مما بلغني من ترسيله وكان أبو عبد الله محمد بن أيمن بأفقنا أعجوبة الدهر، وفريد العصر، وفارس ميدان النظم والنثر، اشتهر في حملة الأقلام، اشتهار البدر في السماء، وتلاعب بغرائب الكلام، تلاعب الأفعال [١٢٣ ب] بالأسماء. ولما صرف المتوكل ذا الوزارتين أبا الوليد بن الحضرمي عن خدمته، وقبض يده عما كان يتصرف فيه من تدبير دولته، لم يفوض بعده إلى وزير، ولا ألقى إلى أحد بأزمة ذلك التدبير، غير أن أبا عبد الله بن أيمن هذا كان من وزرائه، وصحبته بمنزلة الرقيب من الحبيب، لا يحظى بشر بنواله،

стр. 1579

ولا يطمح أحد معه في وصاله؛ ولما احتل الوزير الكاتب أبو المطرف (١) ابن الدباغ حضرة بطليوس - حسبما سنشرحه (٢) - خاف ابن أيمن أن يمحو سناه، ويستولي على مداه، فاشتعلت بينهما نار ملأ الآفاق شعاعها، وأخذ بعنان السماء ارتفاعها، وأحسب ذلك كان سبب ارتحال أبي المطرف عن حضرتهم، وخروجه من جملتهم، وسنأتي بذكره في القسم الثالث من هذا المجموع، إن شاء الله. وقد أخرجت من كلام ابن أيمن ما يأخذ من البلاغة باليمين، ويشهد له بالمكان المكين. فصل من ترسيله لما اشتد يومئذ كلب الروم، بهذا الإقليم، على ما تقتضيه شهادة المنثور والمنظوم، بلسان من اندرج ذكره في هذا الديوان من كل زعيم، استصرخ ملوك الطوائف بأفقنا أمير المسلمين وناصر الدين أبا يعقوب يوسف بن تاشفين، ﵀، وقد ألقوا بأيديهم، فكتب أبو عبد الله بهذه الرسالة عن صاحبه، وأراها كانت ثالثة المفاتحة، أو ثانية المداخلة (٣) ، وهي: لما كان نور الهدى - أيدك الله - دليلك، وسبيل الخير سبيلك،

стр. 1580

ووضحت في الصلاح معالمك، ووقفت (١) على الجهاد عزائمك، وصح العلم بأنك لدعوة الإسلام أعز ناصر، وعلى غزو الشوك أقدر قادر، وجب أن تستدعي لما أعضل من الداء، وتستغاث لما أحاط بالجزيرة من البلاء، فقد كانت طوائف العدو المطيفة بها - أهلكهم الله - عند إفراط تسلطها واعتدائها (٢) ، وشدة كلبها واستشرائها، تلاطف بالاحتيال، وتستنزل بالأموال، ويخرج لها عن كل ذخيرة، وتسترضي بكل نفيسة خطيرة، ولم يزل دأبها التشطط والعناد، ودأبنا الإذعان والانقياد، حتى استصفي الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، وأيقنوا الآن بضعف المنن، وقويت أطماعهم في افتتاح المدن، واضطرمت في كل جهة نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنتهم وشفارهم، ومن أخطأه القتل منهم فإنما هم بأيديهم أسرى وسبايا، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا، وقد هموا بما أرادوه من التوثب، وأشرفوا على ما أملوه من التغلب (٣) ، فيا لله ويا للمسلمين! ! أيسطو هكذا بالحق الأفك، ويغلب التوحيد الشرك، ويظهر على الإيمان الكفر، ولا يكتنف هذه الملة النصر -! ألا ناصر لهذا الدين المهتضم، ولا حامي لما استبيح من حمى الحرم! ! وإنا لله على ما لحق عرشه (٤) من ثل، وعزه من ذل، فإنها الرزية التي ليس فيها عزاء، والبلية التي ليس مثلها بلاء.
следующие страницы →