← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فقال وفي صدر سنة إحدى وستين، نشأ من تلقاء ثغر غربي الأندلس المثغور عارض هم ضاعف الإشفاق، وأكد التوقع بانكشاف خبر الاختلاف الواقع بين أميريه: يحيى وعمر ابني المظفر بن الأفطس، [١٢٣ أ] واهتدى الطاغية اذفنوش بن فرذلند المتمرس (١) بجماعة ملوك الطوائف بالأندلس، إلى شب نار الفتنة بينهما كيادا للمسلمين (٢) ، فبدأ بالاعتلال على يحيى صاحب بطليوس منهما، يسومه الزيادة في مال جزيته التي كان فارق أباه الهالك عليها بوساطة (٣) المأمون بن ذي النون بينهما، فانتقض على هذا الغلام لوهي في جبلته، وطماعية في إتيانه من قبل أخيه، فأظهر له يحيى العجز عن الزيادة في الجزية، فجرت بينه وبينه الطاغية في ذلك خطوب اغتدى (٤) بها بلد بطليوس وثغره ثغورا، فأقام يحيى منهما على ولاية المأمون بن ذي النون وحلفه وراثة (٥) عن أبيه النظفر، ومال أخوه عمر إلى المعتضد، وتأتت بين هذين الأخوين في أثناء ذلك هدنة على دخن، لم يتم معها أنس ولا تمكنت لهما طمأنينة، وما زالت السعاية تقدح بينهما العداوة، حتى أورت نار فتنة ضرمت (٦) البلاد، وأجاحت الرعية، وثلمت ثغرهما وضاعفت البلية؛ انتهى كلام ابن حيان. قال ابن بسام: ثم استوسق الأمر للمتوكل بموت يحيى أخيه (٧) . وحصلت

стр. 1577

له جميع بلاد أبيه، واحتل حاضرة بطليوس، وجعل ابنه العباس في يابورة (١) واتفق أن خرج طلحة بن عبيد الله (٢) مستوحشا عنه لأمر بلغه عنه، ولحق ببلد المعتمد، فكتب العباس إلى أبيه معتذرا عن فراره، ويقسم أنه ما خرج إلا باختياره، فأخبرني الوزير الكاتب أبو المطرف بن الدباغ قال: إني لمساير المتوكل خارج حضرته، بطليوس، حين ورود تلك الرقعة من ابنه العباس عليه، فبلغ منه الضجر منتهاه، وتجاوز مداه، واستدعى وهو على ظهر دابته دواة، ووقع في ظهر الرقعة يومئذ فصلا قال فيه - دون عنوان ولا دعاء ولا سلام، وأنا أتعجب في كتبه تلك الفقار، مع فرط الضجر (٣) -: قبولي لتنصلك من ذنوبك موجب لجراءتك عليها، وعودتك إليها، واتصل بي ما كان من قبلك في خروج طلحة بن عبيد الله عنك، ولم تثبت في أمره، ولا تحققت صحيح خبره، حتى فر بنفسه عن أهله ووطنه، والعجلة من الشيطان، ولا يحمد قبل النضج بحران، وهو الذي أوجبه إعجابك بأمرك، وانفرادك برأيك، ومتى لم ترجع إلى ما وعدت به من نفسك (٤) ، وصدرت به كتبك فأنا المريح والله نفسي من شغبك، وإن تكن الأخرى فهو لك الحظ الأوفى، فاختر لنفسك أي الأمرين ترى. وأخبرني الوزير أبو طالب بن غانم قال: لا أنسى والله خط المتوكل بهذين

стр. 1578

البيتين في ورقة (١) بقلة الكرنب (٢) وقد كتب إلي بهما من بعض البساتين (٣) : انهض أبا طالب إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا فنحن عقد بغير وسطى ... ما لم تكن حاضرا لدينا في ذكر الوزير الكتاب أبي عبد الله محمد بن أيمن (٤) ، واجتلاب جملة مما بلغني من ترسيله وكان أبو عبد الله محمد بن أيمن بأفقنا أعجوبة الدهر، وفريد العصر، وفارس ميدان النظم والنثر، اشتهر في حملة الأقلام، اشتهار البدر في السماء، وتلاعب بغرائب الكلام، تلاعب الأفعال [١٢٣ ب] بالأسماء. ولما صرف المتوكل ذا الوزارتين أبا الوليد بن الحضرمي عن خدمته، وقبض يده عما كان يتصرف فيه من تدبير دولته، لم يفوض بعده إلى وزير، ولا ألقى إلى أحد بأزمة ذلك التدبير، غير أن أبا عبد الله بن أيمن هذا كان من وزرائه، وصحبته بمنزلة الرقيب من الحبيب، لا يحظى بشر بنواله،

стр. 1579

ولا يطمح أحد معه في وصاله؛ ولما احتل الوزير الكاتب أبو المطرف (١) ابن الدباغ حضرة بطليوس - حسبما سنشرحه (٢) - خاف ابن أيمن أن يمحو سناه، ويستولي على مداه، فاشتعلت بينهما نار ملأ الآفاق شعاعها، وأخذ بعنان السماء ارتفاعها، وأحسب ذلك كان سبب ارتحال أبي المطرف عن حضرتهم، وخروجه من جملتهم، وسنأتي بذكره في القسم الثالث من هذا المجموع، إن شاء الله. وقد أخرجت من كلام ابن أيمن ما يأخذ من البلاغة باليمين، ويشهد له بالمكان المكين. فصل من ترسيله لما اشتد يومئذ كلب الروم، بهذا الإقليم، على ما تقتضيه شهادة المنثور والمنظوم، بلسان من اندرج ذكره في هذا الديوان من كل زعيم، استصرخ ملوك الطوائف بأفقنا أمير المسلمين وناصر الدين أبا يعقوب يوسف بن تاشفين، ﵀، وقد ألقوا بأيديهم، فكتب أبو عبد الله بهذه الرسالة عن صاحبه، وأراها كانت ثالثة المفاتحة، أو ثانية المداخلة (٣) ، وهي: لما كان نور الهدى - أيدك الله - دليلك، وسبيل الخير سبيلك،

стр. 1580

ووضحت في الصلاح معالمك، ووقفت (١) على الجهاد عزائمك، وصح العلم بأنك لدعوة الإسلام أعز ناصر، وعلى غزو الشوك أقدر قادر، وجب أن تستدعي لما أعضل من الداء، وتستغاث لما أحاط بالجزيرة من البلاء، فقد كانت طوائف العدو المطيفة بها - أهلكهم الله - عند إفراط تسلطها واعتدائها (٢) ، وشدة كلبها واستشرائها، تلاطف بالاحتيال، وتستنزل بالأموال، ويخرج لها عن كل ذخيرة، وتسترضي بكل نفيسة خطيرة، ولم يزل دأبها التشطط والعناد، ودأبنا الإذعان والانقياد، حتى استصفي الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، وأيقنوا الآن بضعف المنن، وقويت أطماعهم في افتتاح المدن، واضطرمت في كل جهة نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنتهم وشفارهم، ومن أخطأه القتل منهم فإنما هم بأيديهم أسرى وسبايا، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا، وقد هموا بما أرادوه من التوثب، وأشرفوا على ما أملوه من التغلب (٣) ، فيا لله ويا للمسلمين! ! أيسطو هكذا بالحق الأفك، ويغلب التوحيد الشرك، ويظهر على الإيمان الكفر، ولا يكتنف هذه الملة النصر -! ألا ناصر لهذا الدين المهتضم، ولا حامي لما استبيح من حمى الحرم! ! وإنا لله على ما لحق عرشه (٤) من ثل، وعزه من ذل، فإنها الرزية التي ليس فيها عزاء، والبلية التي ليس مثلها بلاء.

стр. 1581

ومن قبل هذا ما كنت خاطبتك - أيدك الله - بالنازلة في مدينة قورية - أعادها الله - وأنها مؤذنة الجزيرة بالخلاء، ومن فيها من السلمين بالجلاء، ثم ما زال ذلك التخاذل يتزايد، والتدابر يتساند، حتى تخلصت القضية، وتعجلت البلية، وحصلت في يد العدو - قصمه الله - مدينة سرته (١) وعليها قلعة تجاوزت حد القلاع، في الحصانة والامتناع، وهي من المدينة كنقطة الدائرة وواسطة القلادة، يدركها من جميع نواحيها، ويستوي [في] (٢) الاستضرار بها قاصيها ودانيها (٣) ، وما هو إلا نفس خافت، ورمق زاهق، إن لم تبادروا بجماعتكم عجالا، وتتداركوها ركبانا ورجالا، وتنفروا نحوها (٤) خفافا وثقالا. وما أحرضكم على الجهاد بما في كتاب الله تعالى، فإنكم له أتلى، ولا أحرضكم على [١٢٤ أ] التسرع إليه بما في حديث رسوله ﵇، فإنكم إلى معرفته أهدى. وكتابي هذا جملة (٥) : الشيخ الفقيه الواعظ يفصلها، ومشتمل على نكتة هو يوضحها ويبينها، فإنه لما توجه نحوك احتسابا، وتكلف المشقة إليك طالبا ثوابا، عولت على بيانه، ووثقت في عرض الحال عليك بفصاحة لسانة، وأنت بفضلك تستوعب ما يؤديه استيعاب المستوفي، وتصغي

стр. 1582

إلى ما ينهيه إصغاء الواعي، وتجد منه مضض المرتمض، وتتحرك له تحرك الممتعض. ثم لم يزل يستشري الداء، ويعم أقطار الجزيرة البلاء، وأمير المسلمين وناصر الدين ﵀ مشغول ببقية حرب طوائف البرابرة المتغلبين - كانوا - على أقطار العدوة، فلم يزل يميط أذاها، ويضرح قذاها، حتى سلك (١) سبيلها، وطاب مستقرها ومقيلها، وكان من أشد تلك الطوائف أيدا، وأمتنها كيدا، العز بن سقوت (٢) ، المتغلب - كان على مدينة سبتة وما والاها، فإنه جاهر بالخلاف سماعا وعيانا، وشغل أمير المسلمين ﵀ عن تلافي هذه الجزيرة زمانا، إلى أن بلغ الكتاب أجله ووقته، وفتحت على يديه سبتة، حسبما نلخص الخبر عنها.

стр. 1583

إيجاز لخبر عن فتح مدينة سبتة وتلخيص التعريف بأولية أمرها (١) كان سقوت بن محمد المتغلب عليها قد جرى عليه سباء، واستبد به ولاء، ففاز به (٢) قدح علي بن حمود أيام امترى أخلافها، واعرورى شقاقها (٣) وخلافها، ومن هالته طلع هلالا وبدرا، وبين باطله وبطالته عتق خلا وخمرا، وعليه (٤) جيبت رحاها، وإليه كان مجرها ومرساها، حتى عدت (٥) أيامه، واشتهر مقامه، وملأ أجزاء الزمان وصدر الأوان بأسه وإقدامه. ولما أفضت الدولة الحمودية إلى سقط زندها، ومنتهى جهدها، يحيى بن علي - المتقدم الذكر - ألقى بقماليد سبتة إلى هذه الأفعى الجارية، والشعلة الوارية، سقوت المذكور، فأقام به عمودها، وأطعمه قائمها وحصيدها، وطفق لأول حينه يخلق ويفري، ويجر لأبعد شئونه ليسير ويسري (٦) ، وقد كان يحيى بن علي أشرك معه في عمالتها مولى آخر من مواليه يكنى أبا العطاف، أحد أجذال الطعان، وكفاة الأقران، فأقاما بقية أيام يحيى بن علي يتجاذبان أهدابها، ويتعاطيان

стр. 1584

أقداحها وأكوابها، إلى أن وقع من مقتله (١) سنة سبع وعشرين ما فرغنا من ذكره، ونبهنا على مستودع مستقره؛ ولما أفضت دولة آل حمود إلى ابنه إدريس بن يحيى بن علي سما سقوت بن محمد فأخذ بلقم الطريق، وطلع لمغبونه إدريس من ثنايا العقوق، وأول ما بدأ به من ذلك الفتك بشريكه الخاسر، بحيلة خفية، تمخضت له بميتة (٢) وحية، في خبر طويل، تركته تخفيفا للتثقيل، فأصبح بعده سقوت بن محمد قد حلت شمس سلطانه بالحمل، وقام وزن زمانه فاعتدل (٣) ، وتسمى لأول وقته يومئذ من الأسماء السلطانية بالمنصور المعان، وقد عرض له ابن حيان ببعض أوابده، وفصل بذكره سلك مقيداته وشوارده، وأنا أذكر من ذلك ما وفى به وسعي، وكان من شرط جمعي. قال ابن حيان (٤) : وهذه نادرة من طخيات (٥) هذه الفتنة (٦) المبيرة، أن تخطت أرض هذه الجزيرة، إلى ما وراء بحرها الزقاقي الذي كان منه دخول العرب أيام فتحهم هذا الصقع، هاجتها (٧) أسباب المنفسة الفادحة، لامتعاض حسيب الأملاك النبيه الأبوة الشامخة، عباد من هضم جاره الخارجي سقوت

стр. 1585

مولى ابن (١) حمود - بزعمه - الناهض الجد بأنقص (٢) الخلال: من معقة المولى وختر الرفيق (٣) واهتضام الحقوق، والترقي إلى أعلى مراتب (٤) السلطان، حتى تسمى بالمنصور المعان، لقبين في قران، أغمض له عليهما [١٢٤ ب] الزمان، فساء غلطه في نفسه، واضطره القدر أن تمرس بجاره (٥) عباد صيرفي (٦) الفتنة الذي لا ينام على دمنة، كان سبب ذلك باعتقال عباد لرجل من تجار سبتة في شيء حضره بحضرته، فاعتدى عليه سقوت فاعتقل له عدة تجار (٧) ، فنشأت لذلك بينهما (٨) وحشة سنة سبع وخمسين، واجتمعا على عقد (٩) البحر بينهما، فتلفت فيه رؤوس أموال، وهلكت من أجلها نفوس رجال، يطول في صفتها المقال، إلى أن كمل عباد من أسطول أنشأه نحوا من ثمانين قطعة، فأجراها إلى سبتة، فخرج عليها (١٠) أسطول لسقوت، فكان الظهور لابن عباد، ثم افترقت الأساطيل بعد حروب وسفك

стр. 1586

دماء وانقطع بحر الزقاق بينهما مدة استهما اجترار (١) منافعه فيها؛ انتهى ما لخصته من كلام. قال ابن بسام: ثم غلظ أمر سقوت، حتى أخاف (٢) القريب والنازح، واقتاد الحرون والجامح، وانبثت سراياه في البحر والبر، فأدرك المطلوب والطالب، وتصيد الطافي والراسب، ونجم (٣) في لمتونة أمير المسلمين وناصر الدين أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، ﵀، فأحاطت دولته بالفرق، إحاطة القلادة بالعنق (٤) ، ودبت في ممالك العرب والعجم، دبيب البرء في السقم، وطفق يتبع آفاق جورهم بالعدل، تتبع الديمة آثار المحل، ويسبق قولهم بالعمل، سبق السيف العذل، وتجاروا إلى مصارعهم، حتى لحق متبوعهم بتابعهم، وانتظم دانيهم بشاسعهم، ودارت النوبة على سقوت بن محمد، فتطرف (٥) أمير المسلمين ﵀ بلده للفراغ ممن شذ عنه ذؤبان زناتة، وقد التفوا بِأحد محاش الفتنة، ووألوا إلى موضع يعرف (٦) بالدمنة، فنزل بساحتهم أمير المسلمين، سنة إحدى وسبعين، على مقربة من بلاد سقوت (٧) ، فهم بالانحياش إليه، فقد كان آل وإيل عليه، فنهاه حزبه الذميم السعي، وثناه ابنه الفائل الرأي، فقد كان هذا الفتى على بعد

стр. 1587

مراميه، ولوذعية - زعموا - كانت فيه، يذهب مذهب الجبابرة من ملوك الطوائف عندنا، من الإعراض عن العواقب، وأخذ الشاهد عيارا على الغائب، أين ما هو فيه، لا يحفل بشيء يذره ولا يأتيه، ووضحت لأمير المسلمين ﵀ السبيل إلى حربه، لما كان من نفاره عن قربه، وانتباذه لأول وهلة عن حزبه؛ فلما أوقع بأهل الدمنة، رمى سقوت ابن محمد بأقماره ونجومه، وأحله وجوه هممه (١) وهمومه، والبلاد تنقاد لحكمه، والمنابر تكاد تهل (٢) باسمه، وسمع الرعية بمقدمه، فانثالوا عليه انثيال الجياع على الوليمة، وتباشروا به تباشر البلد (٣) بالديمة، وخرج سقوت بن محمد في عديده وعدده، للذب - زعم - عن رعيته وبلده (٤) ، وعساكر أمير المسلمين يومئذ على مقربة من مدينة طنجة، وعليها من قبله (٥) ابنه المسمى بضياء الدولة، فلقي عساكر المرابطين وقد سالت بها سيولهم، وشارفها (٦) لواؤهم ورعيلهم، فأقام بإزائهم يومين والأجل يقحمه، والخيل تسلمه، إلى أن طحنته رحاهم، وسالت نفسه على أسنتهم وظباهم، يوم الكسوف الشمسي الكلي من العام المؤرخ، ودخل المرابطون طنجة ذلك اليوم. وأفضت الدولة البرغواطية إلى الحاجب العز ابنه، شهاب أفلاكها،

стр. 1588

وخيرة أملاكها، هب للأدب ريحا، ونفخت دولته في أهله روحا، أعرض (١) به الشعراء وأطالوا، ووجدوا به السبيل إلى المقال فقالوا. وومن خيم في ذراه، ونال الحظ الجسيم من دنياه، الحصري الضرير، فإن (٢) له فيه (٣) ما أذهل الناظر عن الرقاد، وأغنى المسافر عن الزاد، والحاجب يكحل عينيه بزينة دنياه، ويفتق لهاته بمواهبه ولهاه، وكان سهل الجانب للقصاد، طلق اليد بالمواهب الأفراد؛ من رجل [١٢٥أ] استعان بالشر، وتهاون بالأمر، لا يجبي إلا من غلول، ولا يجيش إلا إلى ابن سبيل، لا سيما البحر فإنه أضرم لججه نارا، ولقي ريحه إعصارا، أخذ كل سفينة غصبا، وأضاف إلى كل رعب رعبا، فضجت منه الأرض والسماء والتقت الشكوى عليه والدعاء، وأذن الله لأمير المسلمين وناصر الدين ﵀ فأناخ بعقوته، وحكم مداه بين سنامه وذروته. وكان من الاتفاق العجيب أن أنشأ المعتمد سفينة ضاهى بها مصانع الملوك القاهرين بعد العهد بمثلها: شدة أسر، وسعة (٤) بطن، وظهر، كأنما بناها على الماء صرحا ممردا، وأخذ بها على الريح ميثاقا مؤكدا، ووجهها على (٥) مدينة طنجة لتمتار، وقد أنجد أمر الله وغار، ولما رأى أمير المسلمين وناصر الدين ﵀ تلك السفينة، خاطب المعتمد في ذلك، فشحنت على سبتة موتا ذريعا، وأقيمت بإزاء أسوزارها (٦) حصنا منيعا. فلما كان يوم

стр. 1589

الخميس من صفر سنة ست وسبعين، قدم أمير المسلمين لقتال سبتة أسطولا فخما، رجم به مردة عفاريتها رجما، ولقيه العز بن سقوت ببقية جمة من أسطول طالما أوسع البلاد شرا، وملأ قلوب أهلها ذعرا، فكان لأول ذلك اليوم ظهور (١) على أسطول المرابطين حتى أخذ منه قطعة جليلة المقدار، ظاهرة الحماة والأنصار، فكان من إذلال الله للعز بن سقوت يومئذ أن بخل على آخذها (٢) ، وتكلم بكلام أنكر عليه فيه؛ وارتاعت محلة المرابطين لأخذ تلك القطعة، حتى هموا بالإحجام، وقوضوا بعض الخيام. وغضب أمير المسلمين وناصر الدين ﵀ إحدى غضباته فكانت إياها، وفغرت المنايا (٣) على سبتة فاها، وتقدمت تلك السفينة حتى أطلت على (٤) أسوارها، ورفعت صوتها ببوارها، وأفضت بدولة صاحب سبتة إلى سوء قرارها، ليلة الجمعة من صفر المؤرخ، ولجأ العز بن سقوت في نفير من أصحابه إلى البحر، فهم بركوبه، فأعوزه الفرار، ودفع في صدره المقدار، وكر راجعا، فدخل دارا تعرف بدار تنوير (٥) ، وبدر به جماعة من المرابطين، فاقتحموا عليه بعد مرام بعيد، وقتال شديد، حتى ضاق اضطرابه، وفر عنه أصحابه؛ ولما أحس بالشر دفع ذخائر (٦) كانت عنده إلى أحد من وفى له من رؤوس حماته، فبلغني أنه عثر عليها ووجد فيها جوهر كثير، ونشب من نشب

стр. 1590

الملوك (١) خطير، ووجد في جملتها خاتم يحيى بن علي بن حمود. وخرج العز بن سقوت حين وضح الفجر من ليلته تلك. فلقيه المعز ابن أمير المسلمين (٢) - رحمهما الله - فجلله الحسام، وحكم فيه الحمام، تعالى من لا يرد قضاؤه، ولا تبيد آلاؤه. ومن ترسيل ابن أيمن أيضا رقعة (٣) عن المتوكل إلى المعتمد في معنى خروج أبي المطرف ابن الدباغ عنه (٤) إليه، قال فيها: من تخيرك - أيدك الله (٥) - على سواك، وأرادك (٦) وترك وطنه هجرة إلى ذراك، وأسرع تلبية دواعي سرورك وعلاك، فمجدك يقضي له - وإن أزعجته عنك بحكم الاضطرار، صروف الأقدار - أن تستمر عليه النعمى، وتطرد لديه (٧) العارفة الحسنى، وينتظم بدء الصنيعة فيه بالعقبى، فالفضل على علمك بتمامه، والطول باختتامه، والبر بمقتضاه (٨) ، والمن بأخراه. وهذه - أدام الله تأييدك - حال فلان، فإنه هجر إليك الورى، وركب

стр. 1591

نحوك أعناق الأمل والهوى، وقد كان ظفر بالحظ (١) من دنياه، واعتلق منها السبب الذي لا تنتقض مرره ولا تنتكف (٢) قواه، إلا أن الزمان من بت (٣) العصم، وإحالة النعم، والقطع بذوي الآمال والهمم، جار في سننه الذميم، على القديم، وحين جد به (٤) الجد العاثر - أسعد الله جدودك، وأدام تأييدك - في الانزعاج من جنابك، ومفارقة النعمة من ملازمة ركابك، وخدمة بابك، لحق بحضرتي - طاعتك - يعتقد - وحق [١٢٥ ب] ما أعتقده - أنه لم ينفصل عن جماعتك، ولا تحول إلا إلى أعمالك، وانتقل من يمينك إلا إلى شمالك، وعنده تذكر لحسن معاهده لديك، وطيب مشاهده بين العزيزتين يذيك، ما ليس مثله إلا عند معتقد أيام الصبا، ومستعيد عشيات الحمى، وأما شكره لسوالف نعمك، ونشره لمطاوي منازعك الجميلة وهممك، وإشادته بسنائك، وإبداؤه وإعادته في حسن (٥) آثارك وأنبائك، فبحيث لو جاز أن تتقلد مقاومه في ذلك لعطلت الحلى، أو تتورد لشفت من الصدى، أو تترشف لأغنت عن برد اللمى، أو تقطف لكفت من يانع الجنى. ومن فارقك - أيدك الله - وتحرقه للبعد عنك تحرقه، وتحققه بالتشيع لك تحققه، ففضلك الباهر يأبى أن تنقطع عنه عوارف الإجمال على النوى، ولا سيما

стр. 1592

وقد وسدت مع القرب جوازئ آماله أبردي ظلاله (١) ، وأوردت على الدنو ظامئة ذمامه النمير العذب من جمامه، وقد كان لحقه عند انزعاجه عن حضرتك - ولله حراستها، ولك رئاستها - ما الفضل له متألم، والمجد منه متذمم، مما أعلم - والله - علم اليقين أن سيادتك تأبى مسموعه، ولا ترضى وقوعه، وإنما أتى ذلك التعدي - لا محالة - من جهة المتولي، لأن قدرك - رفعه الله - منزه عن ارتجاع موهوب ولو عظم، ومعاملة خادم باستصفاء مكسوب وإن ظلم، وعند الوزير الكاتب أبي طالب من بسط هذه النكتة ما أنت بمعاليك تقتضيه منه وتستوفيه، وتأتي متفضلا من الإيجاب فيه، بما يليق بسؤددك الأثيل، وقعددك الجليل، ومعتقدك الحسن الجميل، واضعا بذلك عندي يدا تشف على ما تقدم أخواتها، وتهتف بالتعجيز عن معارضتها من جميع جهاتها. وله (٢) : الفضل - لا زالت له أهلا، وبه أولى - عن شرف حامليه موضح، " وكل إناء بالذي فيه ينضح "؛ وورد كتابك - لا زالت المسار (٣) تردك، والأقدار تسعدك - بوصول فلان إلى حضرتك - ضاعف الله جلالها، وبسط ظلالها -، وما كان من أخذه عند مثوله، بكرم (٤) فرعه التابع لطيب أصوله، في وصفي بما والله قطعني على البعد، وقنعني حياء من المجد، فإني ما رأيت مثله سواه، والله يغفر له ما أتاه، ذكر الجود والبحر (٥)

стр. 1593

شاهد، وأسهم في الفضل وربه أحد، وإذ لا أستجيز موافقة جفائه، بالاعتراض على تقريظه وثنائه، فلا بد أن أعتذر مما استكثر، وأتذمم مما استعظم، وأقول: إني ما عدوت في تلقيه ببعض حقوقه، استرسال الصديق مع صديقه، ولو ذهبت إلى معارضة فضله، وتوفيه واجب مثله، لضعفت عن ذلك أسباب المقدرة (١) ، ووضحت بوقوع العجز وجوه المعذرة، وهو ولي البر والإجمال، فيما عرضه وحسنه من الحال؛ وهكذا من شرف الله محتده، وأطاب (٢) مشهده، ومن زكا عنصره، وكرم محضره. وذكرت في الكتاب الكريم، عقب هذا الفصل، بل سابغ الفضل، أن ما نقله فلان المذكور إليك، وأورد عني عليك، مما وافق مرادك، وطابق غرضك واعتقادك، ولا غرو فاتفاق المذاهب والآراء. تبع لتمازج (٣) النفوس والأهواء، ونحن بحمد الله في الاتصال يد وساهد، وفي الانتظام جسمان والروح واحد. وتقدمت كتبي إليك بما كان من تطرق خيل العدو - بددها الله - جهاتي (٤) ، طاعتك، حتى كادت تتركها خلاء، وتعيدها (٥) عفاء، وأنبأتك أن ذلك لا يثبت معه سلم، ولا يرقأ عليه كلم، ولا يطيب معه معتقد،

стр. 1594

ولا يصبر عليه أحد؛ والآن فقد ورد ما هو أشد، وطلع ما هو أشنع وأفظع، وذلك ضرب الخيل من قبل فلان على تلك الجهات، وبلوغها في النكايات أقصى الغايات، فعل العدو المحارب، وعمل الضد المطالب، لا يمر بحصن إلا أناخ بحياله، وجد في قتاله، وهذه حال ليس وراءها إلا الاستئصال، فمذهب القوم في حيز الجلي (١) [١٢٦ أ] الظاهر، وقد وضح الصبح لذي ناظر، وأهل تلك الجهات مظهور القلق، من اتصال هذا التطرق (٢) ، معلنو الشكوى، بتجاوز هذه العدوى، فكيف يسوغ لي - وجهاتهم مباحة، وأحوالهم مجتاحة، طلبهم بما تعرفه، والاستعانة بهم على ما نكلفه، أليس ذلك في حد الامتناع، وجانب الأمر المستطاع -! فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي محمد عبد المجيد بن عبدون (٣) ، وسياقه فصول من غرائب نثره ونظمه. وأبو محمد هذا في وقتنا سر الدهر المكتوم، وشرف فهر الحديث والقديم،

стр. 1595

لسان صدقها في الآخرين، وقمر أفقها ملأ الصدور والعيون، وديوان علمها المذال والمصون، ومسترق كلمها المنثور والموزون، أعجوبة الليالي، وذروة المعالي، ذو لسان يفري ظبة السيف، وصدر يسع رحلة الشتاء والصف، أفصح من صمت ونطق، وأجمح من صلى وسبق، عول من ملوك الطوائف على رئيس بلده المتوكل، فعليه نثر دره الثمين، وباسمه حبر وشيه المصون، وقد رحل إلى المعتمد فكأنه لم يجد قبولا، ولا وافق منه رأيا جميلا، وقد رحل إلى المعتمد فكأنه لم يجد قبولا، ولا وافق منه رأيا جميلا، وأراه إنما أتي من ازورار جانبه، وبعد مطالبه، فلما صمت ذكر ملوك الطوائف بالأندلس، طوى الشعر على غره (١) ، وبرئ من حلوه ومره، إلا نفثة مصدور، أو التفاتة مذعور، وهو اليوم ببلد يابرة يرتشف (٢) فضل ثماده، ويأكل من بقية زاده؛ وقد أثبت من نظمه الرقيقة حواشيه، الرائقة أعجازه وهوادبه، ونثره الغضة مجانيه، المبيضة مجاليه، ما يشهد له بالفضل، شهادة البرهان على الشكل.

стр. 1596

نسخة (١) له خاطب بها الوزير أبا (٢) القاسم بن الجد يخطب فيها وده، ويستجلب ما عنده، قال (٣) فيها: يا راية مجد رفعت، فإن تلقيتها باليمين، وأعطيتها الثناء، الثمين، شددت عليها يد الضنين، وشريعة فضل على مائها (٤) أحلق وأحوم، وبصفائها أجد (٥) وأهيم، وفي ابتغائها أقعد وأقوم، فلو وصل رشائي بباع، من رجع جواب واجتماع، لبردت غلة ذلك الاشتياق والالتياع، وإن تعذر لقاء، فقد انتشر ثناء، امتلأت الأرض منه السماء، ووصف عز الأوصاف وغلبها، وهز الأعطاف وجذبها، وذكر ملأ الآذان حليا، والآناف ريا، والأفواه أريا، ونبل جلت مطالعه دياجي الأوهام، وصقلت (٦) مواقعه صوادي الأفهام، ومجد رد الليالي الدهم زهرا، والمساعي البهم غرا، فوددت أن أعار جناحي طائر، فأكون لكعبة ذلك الجلال أول زائر، فأقرن هناك حجة بعمرة، وأفوز من عمادي - وصل الله علوه - بنظرة، توسع عيني قرة، ووجهي نضرة، وأعشو إلى ذلك الضياء، وأرى محلي من تلك السماء؛ ولله دهر أطلعك أفقه، ووقت وسعك طلقه، ما أكرم طبيعته، وأضخم دسيعته، وأشرف في الأوقات خيمه، وأعبق في الآناف شميمه، وأرق على الأنفاس نسيمه! ! وبحقك أقسم، وألتزم من ذلك ما ألتزم،

стр. 1597

لقد أظهر بك شرفه وبين، وأخذ منك زخرفه وازين؛ وجعلك غرة بهيمه، وغارة (١) [١٢٦ ب] مليمه، والحجة على خصومه (٢) ، وأبدى سرا طالما كتمه وأخفاه، وشرح معنى شد ما أبهمه وعماه، فلو كنت في الأزمان السالفة لوددت أن يتقدم دهري فألقاك، أو في الأوقات المستانفة لحمدت أن يتأخر عمري فأراك، فكيف وقد ضمني معك عصر، وجمعني وإياك غهر، وأنا أخطب إلى عمادي - أدام الله عزته - مودته عقيلة، وأجعل رحمي الأدب والنسب وسيلة، وأبذل من تحلية حمدي وشكري مهرا، وأبني لها بين سحري ونحري قصرا، وأسدل عليها من الإشاعة والإذاعة سترا، وأحليها (٣) من مشدود موائق ومعاقد، بمسرود مخانق وقلائد؛ والله جل وعلا يعينني (٤) على فرضه أؤديه، وقرضه أقضيه، ومن (٥) جزيل تحيتي، على سيدي الأعظم وإمامي، ما يفعم رياه الخافقين، ويقر مرآه كل عين، ينقاد من غير قائد، وينساق من غير سائق، إذا انتهت أولاه، عادت أخراه، وإذا صدقت تباشيره، برقت أساريره، يحيي مغناه، عند (٦) سروبه وسراه. فراجعه الفقيه (٧) بما نسخته: يا روضة أدب غذيت برهم

стр. 1598

الفهم، وسقيت بديم حسن الشيم، ما أدمثت رباك، وأطيب شذاك، وأزكى قرارك، وأذكى عرارك! لقد شرقت بأزهارك (١) زهر النجوم، ولبست من الكمد والحسد زي الوجوم، وبطل لنفحات (٢) شذاك ورياك أرج (٣) العبير، وتعطل لما وشت يداك واكتسى ثراك نسيج الجبير، لله در (٤) تحفة أهديت (٥) من تحفك! ما أنظر جناها، وأزهر سناها، وأبهر لفظها ومعناها! ! لقد ضمنت من بدائع الكلم فقرا شوارد، وقلدت من نواصع الحكم دررا فرائد، وخلعت (٦) علي خلعة نبل أو كسي مثلها أويس (٧) لاهتز طربا، أو سلي بشبهها قيس لعاد نبع وجده غربا، لا جرم أنها حلاك، تبرعت بها علاك، وصفاتك، تجافت عنها مصافاتك، فيا لها منة لا يكافئها ثمن، ولا يسمح بمثلها زمن، ومنحة تتضاءل لها بيض النعم، وتتقاصر عنها حمر النعم. وما زلت أستنشق من عرف أنبائك، ما يرغب في اقتنائك، وأتحقق من قلة أندادك، ما يبعث على خطبة ودادك، لا سيما وقد جمعتنا عناصر، وضمتنا من سهم الأدب والنسب أواصر، لكن تحاميت المفاتحة هيبة لبراعة إحسانك، وبلاغة يدك ولسانك، ومن ذا ينازعك رتبة

стр. 1599

البيان، ولو سحب ذيول سحبان، أو نطق بلسان حسان؛ وإن كانت للكلام إمارة فأنت فارس منابرها، وطاعن محابرها، ومقلد (١) علمها ولوائها، ومذلل صعرها والتوائها، ولئن كنت - أعزك الله - من غرائب المغرب، لقد زهيت لك المشارق، وحليت بجواهرك ونوادرك المهارق، ولما صح لك فضل التقدم إلى صلة الأسباب، ومفاتحة هذا الباب، تعين الجواب (٢) ، وإن أنبط من حسي بكي، وقلب غير ذكي، وناهيك من خجل من يقيس الصفر بالذهب، ويعرض الخمود للهب، فتكلفت المراجعة اضطرارا، واستشعرت اعترافا بفضلك (٣) وإقرارا، وأنت بسروك تصفح عن هناتها؛ وتقيم أود قناتها، ولولا حق الاقتضاء، والثقة بكرم الإخاء، لأحجمت ذعرا، وقدمت عذرا. وأما المودة التي خطبت بفضلط بكرها، واستوجبت حمدها وشكرها، فقد زففتها إليك مشرقة الجبين، بنور الحق المبين، ضاحكة الترائب، على حسن (٤) الضرائب، تتأود في حلل الثناء (٥) ، تأود الكاعب الحسناء، وتحمل من نطف الصفاء، ما يزري على الديمة الوطفاء، فإن وافقت لديك وجها خصيبا، واستحقت من رضاك وقبولك نصيبا، فقد فاز قدحها، ووري قدحها، ولم يخب سعيها وكدحها. وظني أنها ستسعد بارتضائك، وتهتز في أيد انتضائك، وتأنس بحوارك، وتسكن إلى جوارك،

стр. 1600

[١٢٧ أ] والله تعالى يبقيك، مرغوبا فيك، وأقرأ على سيدي سلاما دائم الاتصال، عطر البكر والآصال، يتكرر تكرر الأنفاس، ويخضر دائما اخضرار الآس. وكتب أيضاً أبو محمد (١) إليه برقعة قال فيها: يا أعظم من لو سريت بأنواره لاهتديت، وأفخم من لو اقتديت بآثاره لاكتفيت، ومن أبقاه الله لفخر آبائه يفضله إلا من بنيه، ولستر إغضائه يسدله على مستحقيه، ولعذر أوليائه يقبله على ما فيه، كتبت عن قريحة خمد (٢) لهيبها، ونحيزة ركد هبوبها، وذهن امحت أضواؤه، وطبع أخوت أنواؤه، وجنان فل ظبته (٣) الكسل، ولسان عقد عذبته الخجل، ندبته إلى الاحتفال فانقطع، وبعثته على الاسترسال فامتنع، وقال: في كل حين تعرضني على العيون، بوجه مجدور، بكل نجه (٤) جدير، فقلت: لا عليك، ولتشب نفسك إليك، العذر إن شاء الله بين يديك؛ حامل الرقعة إلى عمادي - وليته لم يحملها إليه، ولم يطلعها عليه (٥) ، ولم يضعها بين الكريمتين (٦) يديه - حفزني أشد حفز، واختطفها (٧) من يدي اختطاف الذئب دامية العنز، ومنعني من النظر فيها، وتصفح ألفاظها ومعانيها، فأسقطت لفظتين، كانتا

стр. 1601

بين سطرين، فاتفق بذلك نوع من الإغراب، لم يقع في باب من الإعراب، ولا سمع من العرب ولا من الأعراب، ولم يقع في حساب، فكيف في كتب -! ولئن وما أولاه بالتعثير، وغير كلمي وما أجدره بالتغيير، ما بهر من جلالك، وتعين من إجلاك، فمن رام الصعود إلى السماء زل، أو المكاثرة بالهباء قل، أو المظاهرة على الرؤساء ذل؛ وبين يدي نجواي صدقة على الكتاب أقدامها، وكلمة من الصواب أغتنمها: من طمع في مجاراتك قطف (١) ، ولو ركب البرق، ومن دفع إلى مباراتك تخلف، ولو سبق الخلق؛ وإن وصلت تلك الرقعة تتعثر ألفاظها في معانيها، وتتبرأ من تواليها، ووافتك ترسف من مهابتك في عقال، وتقف من سيادتك بين انقباض واسترسال، فلك - أدام الله عزك - شرف الاهتبال وكرم الإجمال، في إرخاء ستر وأسدال سجف، على ما فيها (٢) من جفاء بشر وإخلال حذف؛ فقبح الله العجلة فما أسوأ آثارها، وأكثر عثارها وأكبر شنارها، وأوحش غلطها، وأفحش سقطها! وقديما تحامتها الحكماء، وتبادرتها العقلاء، من ركبها لم ينج - لو أقيل - من عثار، ومن صحبها لم يخل - لو قبل - من اعتذار، والله جل وعلا يعلي قدر عمادي على الأقدار، ويجعل إليه وفي يديه مقاوم الليل والنهار، ويديم ستر إغضائه، على أودائه وأوليائه، ويزيل وحشة أرضه بتأنيس سمائه. وكتب (٣) إليه أيضاً برقعة ثانية يقول فيها: يا حامل يراعي

стр. 1602

الأعظم، ومعول انقطاعي الأقوم، ومعقل امتناعي الأعصم، ومن لا زال جنابه للأمطار رضيا، وبابه للأوطار شفيعا، ترشح فيه نعم الأيام، وتقسم أرزاق الأنام، سلام الله وروح رحماه، ونفح سقياه، عليك من روضة نجد، وزهرة حسن لا زهرة حزن، ما أغدق صوبها، وأغزر شربها، وأرسخ وهاد مطاويها الشريفة، وأشمخ نجاد مباديها المنيفة، وأشهر بغرر المجد وحجولة بطون مجانيها، وأغمر بدرر الرفد وسيوله ظهور روانيها، وأصفق غيوم كرم تسقيها، وأرق نسيم شيم يجري فيها، وآنق تسبيح لسانها، وأعبق رائح أنفاسها، وأخلص شذاها إلى الأرواح، وأعرض رياها على الأفواح، وأضحك ثغور أقحوانها ووارف نورها، على رقص قدود أغصانها وغناء طيرها، لقد حيا بها نفوسنا فشفاها، وكساها من حر أزاهر الكرم ما كساها، وحلاها من درر نوادر الحكم بما حلاها، وأجرى هوامي الخير والحمد من أصولها وفروعها، وأبدى مطاوي النور من كمونها وبروعها، فهام رعانها محلاة الأكاليل بمحاسن من المفاخر العظام، وأجسام غيظانها موشاة السرابيل بتزايين من المآثر الجسام، وأبقى من أرواحها، في رؤوس أدواحها، ألسنا تثني عليك بالجميل، ودموع أندائها تخلق في وجوه مائها نوالك بالقبول، فلا لحق أزهار خلالك ذبول، ولا طرق أنوار خصالك أفول، ما مشى بالقسيم، بريد النسيم، بيم الأزاهر والخياشيم. يا مرادي الحفي، ومن أعلى الله أمره السني، وصلني كتاب كريم، طلعت علي منه نجوم، أستغفر الله تعالى بل رجوم، هوت من أساطيري على شياطين فأحرقتها بنور الحق المبين، ومحقتها محق ضياء اليقين، ظلام الشك الظنين، وتلقفتها تلقف عصا موسى حبال الملقين، وقبل نظري إليه وفيه، قبلت يد موشيه ومهديه، وخفت أن أمحو سطوره تقبيلا

стр. 1603

فوضعته لرأسي إكليلا، وصرت به على الدهر أميرا، وكيف لا و [قد] ملأ عيني نورا وقلبي سرورا، ويدي مسكا وكافورا، وداخلت نفسي منه قوة لا أعرفها، فكيف أصفها، ولا أدريها، فكيف أحكيها - وهي - أظن - ما يداخل المضل إذا أنشد فوجد، والمقل إذا استعدى على الدهر فأعدي بنغبة الحيا، فقال: يا رفاه، فرحا بسقياه، وأنا أقول ذلك ألفا، وأضع خدا وأرفع كفا، فرحا بما أولى عمادي - أعلى الله قدره - من مسار متناصرة، ومبار متظاهرة، لا ينبري إليها شكر، ولا يحتوي عليها حضر، ولولا رجائي - بلقائه، واعتزائي إلى ولائه، ما حاسنت البقيع المزهر بشجرة، ولا ماتت الربيع المخضر بقطرة، وأرجو أن يسمح بالعفو، ويصفح عن الهفو، ويلقي عليه ستر معروفه، ويغطيه بسجف من سجوفه، والله تعالى يقيه ويبقيه، مشكورا أياديه ومساعيه، قريرة عيون أودائه وأوليائه فيه؛ ومن سلامي على عمادي المعظم، وإمامي المقدم، ما لا يخلف مكانه قطر، ولا ينوب منابه زهر، ولا يقوم مقامه عنبر، ولا يشق قتامه مسك أذفر، يلوح بلغة لكل رامق، ويفوح عبقه لكل ناشق، ما أديل لشارق، وسارب بطارق، والسلام. فكان من جواب الوزير الفقيه أبي القاسم له على ذلك ما نسخته: تمهدت لك يا عمادي أكناف الهمم، ودرت عليم أخلاف النعم، وألقت إليك مكنون ضمائرها ومصون جواهرها أصداف الحكم، فما أتم فضائلك وشمائلك، وألم (١) بأنوار المحاسن خمائلك، وأسمح بكل جوهرة ثمينة ولؤلؤة نفيسة بحارك، وأنفح الآداب بل بأرواح الشباب أصائلك

стр. 1604

وأسحارك! ! وأكرم بخاطبين لك تسابقا إلي وتلاحقا لدي، كما لحق المصلي السابق، وتطلع الضحى غب الشارق، وتدفق الحيا إثر البارق، أو كما شفع المولي الطوق بالسوار، وجمع العروس بين بهجة الحلي ونفح الصوار (١) ، وأنجد البطل (٢) المبارز المغوار، فما طويت للمتقدم مطارف، حتى نشرت من المتأخر رفارف، وما انحسرت عن محاسن الأول معاجر، حتى سحرت من براقع الآخر محاجر، وقد كان السابق منهما (٣) ما يملأ بهرا مدارج نفسي، ويملك دهرا أعنة خرسي، ويوسع لساني وجناني إفحاما، ويوجب لدواعي الانقطاع بين يدي ازدحاما، فكم تقلد من درة فكر لفظها بحرك العذب الزلال، ونفث فيها سحرك الحلو الحلال، فلم تقنع لغامر [١٢٧ أ] بحره، وباهر سحره، حتى شددت عرى أواخيه، بقوى أخيه، وأمددت مذانب سربه، بتلاع تربه؛ فلئن كان الأول قد استعار من الجوزاء مرطا، لقد استمنح الآخر من الثريا قرطا، ولئن ورد السابق من موارد النثرة نغبا، لقد شرب اللاحق من ماء المجرة ثغبا، فهلا كففت استنان خيلك، وأمسكت قليلا عنان سيلك، وثنيت من غرب غرائبك، وجريت على سجاحة ضرائبك. وقد كان من حق الإخاء أن لا تهب من عواصفك على نسيم عليل، وتجهز كتائبك إلى عدد قليل، وحد فليل، وبدون هذا كنت أواليك مبايعا، وأعطيك صفقة يدي بالعجز طائعا، فلست ممن يعارض قوة البرهان بضعف الإقناع، ويشتبه عليه فرق ما بين الإمكان والامتناع، وإني لأعلم

стр. 1605

ممر سهمي فأقف وأنصرف، ومنتهى علمي فأنصف وأعترف؛ وأما العذر الذي بسطته في معنى الوهم، فقد كنت غنيا عن مد أوضاحه، وحريا باطراحه لاتضاحه، وهيهات أن يلتبس عليك الغريب، فكيف القريب -! أو يشتبه لديك الخفي، فكيف الجلي -! وما حسبته إلا تميمة في صدر الكتاب، تصرف عنك أعين الكتاب. وبعد - باعدتك الأسواء - فإن رسمي في صناعة الكتابة قد دثر، ونظمي في ضبط معانيها قد انتثر، ولم يبق عندي إلا أثر خراب، أو لمع سراب، فإذا امتريت خلفها در بعسر، وعلى قسر، وتحلب رسله بضجر، كأنما يتفجر من حجر. وهي خطة مدارها على الإقبال، وفراغ البال، وزمامها في يدي الشباب، مع توكد الأسباب؛ وأنا - أعزك الله - قد عطلت صهوة جوادها، ونزلت عن ذروة أعوادها، فلا ترهقني فيها عسرا، ولا تحملني من مناهضتك إصرا، وتوخ بفضلك معي جانب الترفيه والتخفيف، وتقبل مني عفو اليسير اللطيف، وأقرأ عليك من سلامي ما يربي على القطر، ويزري بعنبر الشجر، ويبقى ميسمه في صفحة البدر. قال ابن بسام: قول أبي القاسم: " وما حسبته إلا تميمة في صدر الكتاب " احتذى في ذلك حذو أبي المغيرة بن حزم، في فصل خاطب به ابن عمه الفقيه أبا محمد بن حزم في حرف همزه، مما لا يهمز، فقال له (١) : ومن أين نفذ صبرك حتى همزته همز عامر بن الطفي، قرنه في

стр. 1606

سواد الليل، وما أظنك جعلتها إلا تميمة، لتلك القطعة الكريمة، وامتثالا لقول القائل: ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيب يوقيه من العين فصول من ترسيل أبي محمد فصل له من رقعة عتاب: سلام على من نظر بقلبه لا بعينه، وحكم بيقينه لا بظنه، ونطق بعقله لا بهواه، وأخذ من دنياه لأخراه، ولم يستفزه قال ولا قيل، ولم تهزه تلك الأباطيل. وبلغني قول من قضى علي بالظنة، وحكم بالشبهة، وللمقولات طرق لا يتعداها متجاوز إلا نسب زيغها إليه، لا سيما في ضربة توجب حدا، وتضرع خدا، وتفل من فاضل حدا، لم يطلع مشيعها مني على ريبة، ولا وقف مذيعها على حقيقة، بل افتراء من مفتر، وادعاء من مدع، في تلك التي لا أسميها، فإني طلقتها قبل الدخول ثلاثا، " ونقضت حبل وصالها أنكاثا "، قبل هذا والزمان مساعد، والسلطان مهاود، فكيف بها الآن، وقد علت الإنسان أبهة [الكبير] (١) ووخطته (٢) واعظة القتير، ورد ما استعار من الشباب إلى المعير، وهجر كل الهجر من ذاقها شميما، ورفض كل الرفض من لم يكن إلا على

стр. 1607

الحديث نديما (١) . وأقسم وأعرف، بما أقسم، وألتزم من ذلك ما ألتزم، لقد تركتها خوفا للمعاد، لا رياء للعباد، إذ الصيانة أذكى عتاد، فكيف وأنا تحت نعم من الله ضافية، ونوافل متوالية، وفواضل رائحة وغادية -! فلا تظن أن تنصلي لمعذرة أريد [١٢٨ أ] قبولها، وأحب تبليغها وتوصيلها، لا والذي صير العقل لصاحبه خصما، وجعل بعض الظن إثما، ولا قصدت من قصدت إلا تطوعا، ولا زرت من زرت إلا تبرعا، ولقد أذهب بنفسي عن كل طمع، وأرغب بها عن كل حرص وجشع. وله من أخرى: كتبت والعهد يرف ماؤه، ويشف ضياؤه، وتتألق غرته، وتشرق أسرته، والود كما تدريه، لا مزيد على ما تعلم فيه، وإن كانت القلوب تتناجى على البعاد، بألسن الوداد (٢) ، وتتراءى على الفراق، بأعين الوفاق، فربما أحوجت دواعي الأيام، إلى المفاوضة (٣) بالأقلام، لضرورة لا بد من الإفصاح عنها، والخروج شفاها (٤) منها. وغاب فلان - أعزه الله - وأنت تواليه وتناصره، وتؤاخيه (٥) وتظافره، فلك الفضل في إيصال أحرفي، والعذر على (٦) تخلفي، فكان يجب أن أزوره

стр. 1608

ولو على قدمي، ولا أخاطبه إلا بفمي لا بقلمي، لكن هي الأيام وعواديها، والأقدار ومجاريها، ولو أعطيت أعنة الاختيار، لطرت إلى جنابه كل مطار، ولكنت في بابه أوثق مسمار، وإن كانت مهلة انحشرت في زمرته، وتشرفت بخدمته. وله من أخرى: لو أن جهتي غضة على مطاويها، لم تؤثر أيدي الغير فيها، ولا تحيفتها الفتن بحوادثها، ولا نظرت إليها المحن بكوارثها، لوجب علي المبادرة إلى الهجرة، والتحول إلى الحضرة، التي الفقيه الأجل القاضي سيد الأمة فيها، وبيديه أزمة أوامرها ونواهيها، ولحق على مثلي الانحياز إلى فئته، والانحشار في زمرته، والانحياش إلى جنته، ولكان تنقلي لذراه، لتقيل بعض سجاياه، على حسب قدرتي، ومبلغ منتي، ومنتهى قوتي، ولعذت بعلاه من أن أرجع أعرابيا بعد الهجرة، وبدويا بعد لزوم الحضرة، فكيف أنا آخذ من اجتبائه بأوفر قسم، وأضرب في ولائه بأوفر سهم -! وجهتي خاوية على عروشها، خلية من أنيسها، فبينها وبين النصارى، أقصر من إبهام الحبارى، هي مجر عواليهم، ومجرى مذاكيهم، ومورد صاديهم، وموقد صاليهم، ومخفق أعلامهم، ودرية سهامهم (١) ، ومسرح جيادهم، ومركز صعادهم: الخروج عنها غنيمة، والسلامة فيها هضيمة، ومن تفرد بالجلالة تفرد عمادنا، وتوحد بالسيادة توحد مصادنا، استجنى مؤمله من الليالي والأيام، ثمرة بسوقه على الأنام، ولم يزل يستثني هبة تلك المخايل الراعدة البارقة، ويقتضي عدة تلك الشمائل الصادقة. وها أنا بين يدي اختباره، فليجد في اختياره (٢) ، فإن رأى

стр. 1609

موضعاً لجميل رأيه (١) ، وإن ألفاني مضطلعاً بأعباء ولايه صمم، ولا رغبة إلا فيما يزلف لديه ويقرب منه، دافع الله للمجد والسرو عنه: وما أسفي إلا على فوت رتبةٍ ... عليها مضى قومي ولم أك تاليا وأنت على رفعي ووضعي حجة ... فكن لي على أولاهما بك جاريا وله من أخرى: كاتبي عن عهد طال زمانه، واستطال سلطانه، ووقت لا يحرزه حساب، ولا يحصره كتاب، ولا يحويه ولا يجمعه، ولا يحصيه عد (٢) ولا يسعه، وحالت بيننا في الأكثر أقاليم، لا يقطعها الإيجاف ولا الرسيم، ولا تهتدي في طرقها النجوم، لا أقول: مجاهل ومعالم، بل أقلايم وعوالم، لا يفهم الحداث فيها إلا التراجم (٣) ، ولا تقطعها الجياد بشدها، ولا الركاب بوخدها، فهنيئاً للحضرة وجميع أهل الملة حضورك، وفي مقام (٤) المجد مقامك الميمون ومسيرك، ولولا آلام تناوبت، وأسقام تعاقبت، لتلقيت أوبتك السعيدة بقدمي، ألا بمدادي وقلمي، والله يملي الإسلام عمرك، ويحمل عنا - معشر أوليائك - شكرك.

стр. 1610

ما أخرجته من شعره الرائع، الكثير البدائع له من قصيدة في المتوكل (١) : [١٢٨ب] وافاك من فلق الصباح تبسم ... وانجاب من غسق الظلام تجهم والليل (٢) ينعى بالأذان وقد شدا ... بالفجر طير البانة المترنم ودموع طل الليل تخق أعيناً ... يرنو بها من ماء دجلة أرقم يا صاحبي بين الصراة ودجلة ... ودعا العلاقة مسعد ومتيم هل في لحاظك إنما هي عطفة ... زهر على خضر الربى أو أنجم بيض كما ضحكت حواشي روضة ... وشى السماك ملاءها والمرزم ومنها: خبطت بنا ورق الظلام سوابح ... ملء النواظر سيرهن توهم فإذا سرت فالليل منهم أبيض ... وإذا غدت فالصبح منها (٣) أدهم بيني وبين الدهر يوم مثله ... والبيض تشهد والصوارم تحكم ومن المشاهد كالشهود سوامع ... ومن الأسنة ألسن تتكلم وهذا من الكلام الذي لا يجهل مناره، ولا يشق غباره.

стр. 1611

ومنها: سامت لساني فيك يا ابن محمد ... مقة إذا كتم الهوى لا تكتم ومحبة موروثة مكسوبة ... بدئ الزمان بها وعنها يختم وإليك من بنت الضمير حديقةً ... غناء تنجد بالرواة (١) وتتهم طبقت آفاق الكلام فلم أدع ... زهراً يرف ولا جماناً ينظم وحدوت من غرر البديع بأينقٍ ... أنا خلفها بادي العروق محرم وتركت أرض الغرب وهي كأنما ... بي عالج أو ضارج أو زمزم ورحمت في الآداب كل مسفسفٍ ... يثغو إذا هدر الفنيق المقرم والفهم قد غارت نجوم سمائه ... والعلم وحي والطروس تترجم لله درك هل لمجدك غاية ... إلا وأنت بها معنى مغرم وعلاك لي ردء وجودك في يدي ... ماضٍ كرأيك في الخطوب مصمم هزتك أرواح السماحة بانةً ... ومن الرجاحة في حماك يلملم وتعلمت منك الغمامة شيمةً ... تهمي وفيها للبروق تبسم قوله: " من كل هفهاف العنان " ... البيت، أخذه من قول بشار، حيث يقول (٢) : ثم انثنت كالنفس المرتد ... وقوله: " وإذا سرت فالليل منهم أبيض "، من قول محمد بن هانئ (٣) :

стр. 1612

قد طلعوا بالشهب صبحهم فلو (١) ... عقدوا نواصبها أعادوا الغيهبا وألم بعض ألمام، بقول أبي تمام (٢) : كظلمة (٣) من دخان في ضحى شحب (٤) ... ولأبي محمد بن قصيدة أولها: لمن أينق تأكل الأرض وخدا ... تريني العوالي إلى الغرب تحدى من قصيدته هذه بيت يستظرف فيما وصف من طعنة غلا في سعتها حتى أدخل عليها الفيل، [١٢٩أ] وأراق من دمها ما يربي على النيل، فقال: له طعنة يدخل الفيل منها ... إذا الطعن مزقت الزغف نقدا ومن الإفراط في وصفها قول قيس بن الخطيم (٥) : طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائرٍ ... لها نفذ لولا الشعا أضاءها وذكرت بخير هذه الطعنة قول رجل من شيبان (٦) :

стр. 1613

فأتبعته طعنةً ثرةً ... يسيل على النحر منها صبيب فإن قتلته فلم (١) أرقه ... وإن ينج منها فجرح رغيب يقول (٢) : إن قتلته الطعنة فلم أدع جهداً، وإن سلم فقد تركت به جرحاً رغيباً، أي واسعاً. وقوله: " لم أرقه "، كانوا يزعمون أن الطاعن إذا رقى المطعون برئ، كما قال زهير (٣) : عشية عاودت الحليس كأنما ... على النحر منه لون بردٍ محبر فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت ... فطعنة لا غس ولا بمغمر وقال حاتم الطائي (٤) : سلاحك مرقي فلا أنت ضائر ... عدواً ولكن وجه مولاك تخمش وقال أبو محمد بن عبدون من قصيدة (٥) : مضوا يظلمون الليل لا يلبسونه ... وإن كان مسكي الجلابيب ضافيا

стр. 1614

يؤمون بيضاً في الأكنة لم تزل ... (١) قلوبهم حباً عليها أداحيا وأغربة الظلماء تنفض (٢) بينهم ... قوادمها مبلولةً والخوافيا إذا مرقوا من بطن ليلٍ رقت بهم ... (٣) إلى ظهر يوم عزمة هي ما هيا وإن زعزعتهم روعة زعزعوا الدجى ... إليها كماةً والرياح (٤) مذاكيا ولو أنها ضلت لكان أمامها ... سنا عمر في فحمة الليل هاديا وصلت به الهيجا عليه وسلمت ... فما ارتضيا حاشاه ساقاً وساقيا همام أقام الحرب وهي قعيدة ... وروى القنا فيها وكانت صواديا شريف المطاوي تحت ختم ضلوعه ... تميمة تقوى ردت الدهر صاحيا إذا قرئت لا بالنواظر (٥) طبقت ... سرى (٦) أختها ذات البروج مساعيا وهدي لو استشفى المعنى بروحه ... لما كان بالوجد المبرح صاليا ورقة طبع لو تحلى بها الهوى ... لأعدى على عصر الشباب البواكيا إليه أكلت الأرض بالعيس ثائراً ... وقد أكلت منها الذرى والحواميا حوافي لا ينعلن والبعد آذن ... على نفسه إلا الوجى (٧) والدياجيا فجاءته لم تبصر سوى البشر هاديا ... (٨) وسله ولم يسمع سوى الشكر حاديا

стр. 1615

هوادٍ على إعجازها قيم الندى ... فأربح مشري حمدٍ وشاريا [١٢٩ب] ألكني ألكني والسيادة بيننا ... إلى مولعٍ بالحمد يشريه غاليا إلى آمرٍ في الدهر ناهٍ، إذا قضى ... على كل من فيها أطاعوه قاضيا وحيوه لا راجين رجع تحية ... وإن كان جوداً لا يخيب راجيا إليك ابن سيفي يعربٍ زف خاطري ... عقائل لا ترضى البروج مغانيا وإني لأستحيي من المجد أن أرى ... عليّ لمأمول سواك أياديا وأني وقد أسلفتني قبل وقته ... من البر ما حازت (١) خطاه الأمانيا وأيقظت من قدري وما كان نائماً ... وأبعدت من ذكري وما كان دانيا ولكن نبا من حسن رأيك في يدي ... (٢) أظن حساماً لم يجدني تاليا ولو لم يكن ما خفت لا خفت لم أجد ... على غير ما أخذ متنيه اللياليا إلى من إذا لم تشكني أنت والعلا ... أكون بما ألقى من الدهر شاكيا وأنت على رفعي ووضعي حجة ... (٣) فكن بي على أولاهما بك جاريا وما أسفي إلا على فوت رتبةٍ ... عهدتك فيها بادياً ومباديا وكون مكاني من سمائك (٤) عاطلاً ... ولولا مكاني الدهر ما كان حاليا وإن كسادي، رأس ألف صناعة ... ليترك وسماً (٥) في السيادة باديا قال ابن بسام: أبو محمد بن عبدون لمكانه من صنعة الكلام، وسبقه - زعم - في غايتي النثر والنظام، أقامها مقام ألف صناعة، وكني بها واحدةً
следующие страницы →