← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وجدفت بالفرقدين، وحملت من آمالي فيها من كل زوجين (١) اثنين، واعتصمت بالقوة والحول، وتخلفت (٢) كل من سبق عليه القول، واستعذت من شيطان الكسل وهو رجيم، وقلت ﴿باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم﴾ (هود: ٤١) حتى أحط في واديك، وأعرض نسخة مذاهبي في ناديك، فأرتسم في الجملة، وأصلي إلى تلك القبلة، وأسعد بتلك الغرة، وأقضي من لقائه الحج والعمر، وأطوف بذلك المقام، وأذكر الله عند المشعر الحرام، وعسى ذلك الحين يحين، وجوانب ايام أن تلين، فقد تأسو إثر ما تجرح، والصعب ينقاد (٣) بعدما يجمح، والشوك بالمن يسمح. وفي فصل منها: ومؤديه حملته من عقوق زماني ما ليس بنكر، ومن عثرات أيامي ما لم يكن ببكر، وعودتني - دام عزك - الأخذ بيدي عند العثار، والنهوض بي على رغم أنف الليل والنهار، فلك الفضل الذي عودت، والطول الذي أسلفت، في التهمم برد (٤) لحظة العناية إلى ما يعين على صلاحي، ويعيد بعض الريش لجناحي، جارياً على عادتك، وعاملاً على شاكلتك، والله يبقيك للمنن تتقلدها (٥) ، والمكارم تشيدها، وأقرأتك (٦) من أثناء تلك الدولة والاشتياق، سلام حبيبٍ على

стр. 1682

الحسن بن وهب والعراق (١) ، وإن بكيت عني مع إخواني فطالما كنت أعير الدموع للعشاق (٢) . وله من أخرى: لا معنى - دام عزك (٣) - لذكر ما أنا عليه من التعظيم والتأمل، ولا لتجميل وجه حالي معك وهو الحسن الجميل، فضعيف هوىً يبغى عليه دليل (٤) ، واعتزائي تدريه إليك، وتعويلي تعلمه عليك، وأني لك أنتسب في ودادي، وبك أتحلى في النادي، إن لمحت عيني نظرتك، أو خدرت رجلي ذكرتك، لا أفخر إلا بولائك، ولا أقر إلا لنعمائك، ولا أتمنى إلا كان المنى في لقائك. وهذا الباب لو أفنيت فيه الأيام، والقراطيس والأقلام، لم أبلغ فيه بعضاً، ولا أديت فرضاً، فأنا أقتصر منه على ما في ضميرك، وأقنع منه بتذكيرك، والله تعالى يبقيك لي ويعليك، ويعين (٥) على شكر أياديك. وموصله ناصح - مملوكك - حركه ما حركه (٦) ، وتوجه لأمر أرجو بعزتك دركه، وذلك أن أختاً لي، أمتك، لا باكية لي سواها، كان

стр. 1683

لها ابن من ابن فلان، فرعض له (١) فاختلسه، وقربه إلى الحضرة المزدانة بك، فتمثل ما شئت من كمدها، واحتراق كبدها، وتذكر قوله ﵇: " لا توله والدة على ولدها "، وانظر سوء فعل هذا المعاند، وتدري وجد ثكلى أصيبت بواحد، وهو وإن كان غير واضح فهو عندها عرار (٢) ، وفي عينها دينار (٣) ، وإن كان كما سترى، فكل شيء يحب ولده حتى الحبارى (٤) ، والولد - كما في علمك - فتنة، والخنفساء في عين أمها رامشنة، وستراه - إن شاء الله - وترى أباه، فتعلم الإقراف (٥) من حيث أتاه، وترى تلك المخايل، وتعرف فيه من أبيه شمائل (٦) ، وتتحقق به المشابه والمناسب، وتنشد: وأنا نرى أقدامهم في نعالهم ... وآنفهم بين اللحى والحواجب وترى فيه من علامات الكرام، لأنه شبيه لأمير المؤمنين هشام، وإنه متخازر، وأن اسمه عبد الله ن طاهر، وهذا هزل كله جد، ومزح تحقيقه عمد، فهو على كل حالٍ ولد، وقطعة من كبد، وأنت [١٣٨ب]

стр. 1684

ولي النعمة في جبره عليها، ورد نومها به إليها (١) ، والتطول في تأنيسي بأحرف كريمة تتضمن حالك ومجاريها، ومصانع الله الجميلة عندك فيها، والله يطلعني منك المبهج، ويسمعني عنك الطيب الأرج، وأقرئك سلاماً كودي كريماً، وكندي (٢) المسك شميماً، وإن مننت بإبلاغه إخواني بإخائك، وكواكبي في سمائك، أو وسعت فيه نفسك وإياهم، وخصصت به الوزراء مفردهم ومثناهم، وأخبرتهم أني عبد وصاهم، وشاكر عهدهم، والباكي دماً من بعدهم، أنعمت وتطولت. وعرضت عليه بعض تلك الرسائل التي تقدمت في صفة الزرزور فكتب في ذلك رقعة: أملك أبا الحسن (٣) الأحرار، وأمك الكبار، وانتجعت قطرك الأقطار، وشكرتك حتى بترجيعها الأطيار. ويصل به - وصل الله سعودك (٤) - من الطير نطاق، من غير ذوات الأطواق، يميس من المسك في حبرة أو طاق، صغروه على جهة التعجب والإشفاق، كما صغر سهيل، وذؤيب وهذيل، وقيل العذيق والجذيل، وكم صغروا العذيب، وقال عمر ﵁ أخاف على هذا العريب، وكقولهم يا سميراء، وكقوله ﵇ لعائشة: يا حميراء، مهدته العذارى الحجور، وألحفته الشعور، وربته بين الترائب والنحور، وعللته بالرضاب، وسقته بأفواهها العذاب، فما خلع الشكير، حتى رفض الصفير، وهجر

стр. 1685

الراء الدائمة التكرير، وتحلى في المنطق بحلية الإنسان، ودخل في من علم البيان، وزايل عمية البلبل والورشان، وأفصح تسبيحاً وتكبيراً وخرج من جملة من قال تعالى فيه ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً﴾ (الإسراء: ٤٤) فإن طلبت - أعزك الله - اسمه مكبراً، وجدته لفظاً من الزيادة مكرراً؛ أقام عندنا زماناً، لا يتألف إلا رنداً أو باناً، ولا يلتقط إلا عناباً أو سيسباناً (١) ، يتدرج في البساتين، يتطلب العنب المنتقى والتين، فذكرت له يوماً والحديث ذو شجون، منتبتة الزيتون، وأرضك الميثاء ذات الشجر والعيون، وأطيار محامدك فيها السنح الميامين، فصفق جناحاً، واهتز ارتياحاً، وحن إلى ذلك القطر، وانتفض كما (٢) بلله القطر (٣) ، ورجع إطراباً، وسألني إلى مجدك كتاباً، فأنلته ما ابتغى، وقلت: سلمت أخا الببغا، من المنسر الأشغى، وبلغت المدى، وجنبت من حزة (٤) المدى (٥) ، وعوفيت من كل حية صفراء، ترنو إلى الطائر في السماء، بمقلة سريعة الأقذاء، ولقيت الوفاء، غير اللفاء، وخولت حتى من التبن والحلفاء (٦) ، فإنه يسبد (٧) ريشك، ويبرد عشوشك،

стр. 1686

فانهض فقد لقيت معمراً (١) ، وما شئت منقراً ومصفراً (٢) ،ورعيت ريفاً، ونزلت بحراً وريفاً (٣) ، فأخذ الكتاب بمنقار، وصفق من ريش الجناحين سروراً وطار؛ ومن ركب - أعزك الله - الجناح، وامتطر الرياح، طوى البراح، وهو آتيك كالبراق في لمعة، تصفقة الطائر المستحر (٤) سرعة، فإن حل البساط فابن سريجٍ والغريض، وإن احتفل السماط (٥) فأبو جلدة وابن بيض (٦) . وأنت بسيادتك تبسط له في بساتينك، وتفرش له من وردك ويا سمينك، حتى تلبس من أغاريده الحلل المنتشرة، وينشر على منابر أدواحك شبيباً وابن لسان الحمرة (٦) ، وتنبت أرضك مندلاً، وجوك صندلاً، وثراك خزامى وقرنفلاً، وتهب له ريحك جنوباً، ويحق

стр. 1687

لشأس أمله من نداك ذنوباً (١) ، حتى يرجع بتطريب، وينشد في الخفيف الأول لحبيب (٢) : وما يلحظ العافي جداك مؤملاً ... سوى لحظةٍ حتى يعود مؤملاً وأهديك وداداً مزج باشتياق، وأقرئك سلاماً ينسي سلام حبيبٍ على الحسن بن وهب والعراق (٣) . وله فصل من رقعة خاطب بها أبا بكر بن قزمان (٤) : [١٣٩] المجد - أعزك الله - سباق، وللفضائل استحقاق، وأنا أرد قولهم فيها بالجدود، وأقول: لأمر ما يسود من يسود ... وأعتقد أنه ما رفعت راية لمجدٍ إلا كنت عرابة (٥) ، ولا أخذ حمد بثمنٍ بها ربيحٍ إلا كنت ابن الاطنابة (٦) .

стр. 1688

وله من أخرى على لسان من استعفى من ابنه إلى السلطان: معلوم - أيد الله الأمير الأجل - أن العقوق ثكل من لم يثكل، وأن العاق إن عاش نغص، وإن مات نقص، وأن الناس بأزمانهم، أشبه منهم بآبائهم، ولا يشفع في ابن أب، وإن المرء لا يهدي من أحب، ولو كان في يد الإنسان من ابنه شيء أو إليه، لكان أولى الأمة نوح صلى الله عليه، لما أضل ابنه المراشد والمصالح، حتى (١) قال الله تعالى ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ (هوند: ٤٦) ولوليك ابن سلك هذه السبيل، وابتع هذا الدليل (٢) ، ولما أريته طرق التبصير والتسديد، وقلت له: يا بني من وعظ بغيره فهو السعيد (٣) ، ولم يغن الوعد ولا الوعيد، تبرأت منه إليك، وقلت له: لا تجن يا بني عليّ ولا أجني عليك، وإنه للفلذة من كبدي، وآخر ولدي، ولكن لم أجد فيه صنيعاً، و ﴿لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً﴾ (الرعد: ٣١) وفي الخبر أن الإمام العادل إذا دعا أجيبت دعوته، ووليك يرغب في دعوةٍ تنفعه، أو زجرة تردعه. وله من أخرى: والفقيه الأجل الحافظ - زاده الله من التوفيق - يبني وبينه العهد المصون، وليال قطعناها " عند أصل القناة من جيرون " هو يسأل (٤) ثراها، ولا ينساها، ويستنقذني من من أنياب (٥) قد قتلتني بعضها، وعساه

стр. 1689

يذبح لي بقرةً من علمه فيضرب نفسي ببعضها (١) ، ويردها (٢) وقد بلغت التراقي، ويحييها بياسر (٣) من ذلك العلم الرقيق العراقي، فجرد لي من سيفه القاطع، واغرف لي من بحره الواسع. وله من أخرى على لسان من فر من موضع اعتقال: الأمير - أيده الله - حرك إلى ظلمي فسكن، وجاءه عني فاسق بنبأ فأخذ بأدب الله تعالى وتبين، وأنا رعت فارتعت، وقرأت قوله تعالى ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ (الشعراء: ٢١) فاتبعت، وبحق نفرت فنفرت، وأوعدني أبو فابوس ففررت: ولا قرار على زأر من الأسد (٤) ... وقد قيل: لا تقرب البحر إذ ماج، ولا السلطان إذا هاج، وقديماً ابتعت السلطان فوعيت (٥) ، ورأيت من الديكة في السفافيد ما رأيت، ولم يكن فراري نفاقاً ولا إباقاً، إنما أدرت إظهار براءتي، وتطهير ساحني، فأنزلت قدري بجعالها (٦) ، وأطفأت ناري في موضع إشعالها، وطلبت طالبتي، وقرعت باب ظالمتي، ودعوتها إلى الخصام، وأبرزتها إلى الحكام، ورفعتها إلى القاضي

стр. 1690

محمد بن حمدين (١) ، وإلى محمد بن شبرين (٢) ، ولو وجدت على القافية غيرهما لدعوتها إليه ولو كان محمد بن سيرين، فأحق الله حقي تحقيقاص، وأزهق باطلها ﴿إن الباطل كان زهوقاً﴾ (الإسراء: ٨١) وها أنا معها في بساط واحد، وبين يدي ملك راشد، أرفل في الأمان، وقديماً استعيذ من شر النسوان، ومن لم يبيتن قبلي على أسف، وهن عوادي يوسف (٣) ، وقد قال ﵇ فيهن ما قال وأنذر وأعذر؛ ولولا أن للنساء أبناء (٤) ، ويطول استقصاء الأحاديث والأنباء، لذكرت ما أحدثن من بلوى، وجلبن من شكوى، وسقت من بين دنيا - وهي ظالمتي هذه إلى عصر أمنا حوا، ﵂، ولكن ترك ذلك أولى، وأنا أكفر فيه يميني وأصير مع مولاي إلى فصيلتي التي تؤويني، وأعرض عليه أمري في معرضه، وأتحقق أسوده من أبيضه. وله من أخرى (٥) : لا غرو - أعزك الله - وقد غطاني من إنعامك الرغد ما غطى؛ وتوطأ بي من كنفك الممهد ما توطا - أن سأل شططاً، وأذهب فرطاً، وأتكلم منبسطاً، وأبين غرضي كله مذهبي، وأتحكم

стр. 1691

على مكارمك تحكم الصبي (١) ،وأبلغ بك إلى كل أملٍ [١٣٩ب] وأرب، وأملأ دلوي في جاهك إلى عقد الكرب، فإنك سبب لي ذلك، وأرعيتني الروض الأنف من جاهك ومالك، وحررتني ولا حر بوادي عوف (٢) ، وأنعمت علي نعمة الله على قريش وأطعمتني من جوع وآمنتني من خوف (٣) ، إلا أنه يلزم من ألجم أن يسرج، ومن اعتمر أن يتم الحج، ووعد الكريم مطلوب، وانتزاع العادة ذنب محسوب، فجردني صارماً في ساعدك، وارم بي سهماً مسموماً في كبد حاسدك، وهو الوسع المجهود، والجود بالنفس أقصى غاية الجود (٤) ... وهذه أيضاً قطعة من شعره كتب إليهم الوزير أبو محمد بن عبدون بأبيات منها (٥) : سيوفي بني عبد العزيز وما أنا ... بنابٍ إذا التفت عداً ونوائب لعاً لسرورٍ لم يقم منكم به ... محيٍ على طول المدى أو مخاطب ولم تكتبوا حرفاً إليّ وأنتم ... ثلاثة كتابٍ وما أنا كاتب

стр. 1692

وكان أبو محمدٍ قد خرج من وطنه يابرة مستوحشاً وقت حلول الفاقرة بالرؤساء، فأجابه أبو بكر منهم بأبيات. منها: تباعد في طول المدى وتقارب ... وتذنب في باب الجفا وتعاتب بمجدك (١) أرشدنا إليك ودلنا ... عليك من الدنيا وخذنا نكاتب ومن خرق الآفاق يبغي بنفسه ... مساحة وجه الأرض أين يخاطب دعيص رملٍ حين يمشي وحارث ... ضحىً وعدي في الزماع وحاجب ترى لم تصب في آل بدر فتتقي ... ترى ثائرٍ أو يلتقي بك طالب وإن تنتسب يوماً تردك طفاوة ... لتطفو على الدنيا وتأباك راسب لك الخير ملت رحلك العيس، حطه ... قليلاً، وعرس قد شكتك السباسب على أن للأيام فينا وقائعاً ... نبا شاعر فيها وأفحم (٢) كاتب وأما امرؤ القيس السواري فإنه ... رأى الدرب حقاً فابكه أنت صاحب يغنيه غريد (٣) الدجى فإذا ونى ... يغنيه ساقٍ من دم الساق شارب قوله: " امرؤ القيس السواري " يعني أبا بكر بن سوار الأشبوني (٤) ، وكان أسر في طريق قورية، وبقي بها إلى أن من الله بإطلاقه، من وثاقه، وأشار بذكر الدرب إلى قول امرئ القيس (٥) : بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ...

стр. 1693

وقال الوزير أبو بكر يخاطب جماعةً من إخوانه بحضرة قرطبة (١) : يا سيدي وأبي هدىً وجلالةً ... ورسول ودي إن طلبت رسولا عرج بقرطبةٍ إذا بلغتها ... بأبي الحسين وناده تمويلا فإذا سعدت بنظرة من وجهه ... فاهد السلام لكفه تقبيلا واذكر له شوقي (٢) ووجدي مجملاً ... ولو استطعت شرحته تفصيلا بتحيةٍ تهدى إليه كأنما ... جرت على زهر الرياض ذيولا وأشم منها المصحفي على النوى ... نفساً ينسي السوسن المبلولا [١٤٠أ] وإلى أبي مروان منها نفحة ... تجني (٣) له روض الربى مطلولا وإذا لقيت (٤) الأخطلي فسقه ... من صفو ودي قرقفاً وشمولا وأبو علي بل منه ربعه ... مسكاً بماء غمامة محلولا واذكر لهم زمناً يهب نسيمه ... أصلاً كنفث الراقيات عليلا بالحير (٥) لا عبست عليه غمامة ... إلا تضاحك اذخراً وجليلا يوماً وليلاً كان ذلك كله ... سحراً وهذا بكرةً وأصيلا مولى ومولي نعمةٍ (٦) وموالياً ... وأخا إخاءٍ خالصاً وخليلا

стр. 1694

لا أدركت تلك الأهلة دهرها (١) ... نقصاً ولا تلك النجوم أفولا وله يخاطب بعض إخوانه وهو عليل: كباري وساداتي إليكم تحية ... تفتح سوساناً وتجني رياحينا ومعذرةً مني إليكم بعلةٍ ... برتني ولا لدناً من الخط مسنونا كأني فيما اشتكي ابن محلمٍ ... سقاماً ولكن لست أشكو الثمانينا (٢) وقال: إليك وإن كنت قطب الوفا ... أبا عامرٍ والأريب الأديبا تكون بحمصٍ ثلاثين يوماً ... وأصبح منك القصي الجنيبا نسيت ودادي وحر اعتقادي ... وجمعي بأفقي عليك القلوبا وهبك تناسيت حر الوفاء ... ولم تر لي في ودادٍ نصيبا فهلا رعيت جزيل الثواب ... وعدت العليل وزرت الغريبا (٣) وتدري الحديث وماذا عليه ... عائد ذي السقم يحتى يؤوبا ولكنها شيمة للزمان ... أن لا صديق وأن لا حبيبا وله يصف بقرةً أخذها الريق (٤) الطاغية صاحب قلمرية (٥) :

стр. 1695

وأفقدنيها الريق أماً حفيةً ... (١) إذا هي ضفت ألفت بين رفدين تعنفني أمي على أن رثيتها ... بشعري وأن أتبعتها الدم من حيني لها الفضل عندي أرضعتني أربعاً ... (٢) وبالرغم ما بلغتني رأس عامين وله فيها: وفجعني ذا الريق لا در دره ... بأم عيالٍ ما عرفنا بها الجدبا ترى فخذيها يحملان خزانةً ... إذا فتحها إصبعاً ملأت وطبا وقال يستهدي المنصور بأزياً (٣) : يا أيها الملك الذي آباؤه ... شم الأنوف من الطراز الأول حليت بالنعم الجسام (٤) سماحةً ... عنقي فحل يدي كذاك بأجدل وامنن به ضافي الجناح كأنما ... حذيت قوادمه بريح شمأل أغدوا به عجباً أصرف في يدي ... ريحاً وآخذ مطلقاً بمكبل [١٤٠ب] وله في دن خمرٍ تخللت له: أبا حسنٍ إني فجعت بصاحبٍ ... أنيس ينسي الهم عند احتلاله غدت بنت بسطام بن قيسٍ بدنها ... وأمست كجسم الشنفري بعد خاله

стр. 1696

أشار إلى قول الشنفري (١) : إن جسمي بعد خالي لخل ... وكنى ببنت بسطام عن الخمر لأن بسطاماً كان يكنى أبا الصهباء. وقال في مثله وعرض بأبي سلمة الخلال: فإذا الوزير وزير آل محمدٍ ... شانيكم، لا كان، فيها طافي وهذا كقول الآخر (٢) : ختمتها بنت بسطام لها أرج ... ثم افتضضت ختاماً عن أبي سلمة وبعث إلى بعض إخوانه بخرشف وكتب معها: بعثت بها عشراً بنات شياهم ... مكللةً هاماتها بمباضع تراها بها الأعداء فوق جفونهم ... نهاراً، وليلاً تحتهم في المضاجع وإن مد مولانا لها يد قابلٍ ... فإني فيها باسط خد ضارع وكان ابن رشيق قد انزل على أموالهم (٣) وقت حلول الحوالة، فكتب إليه أبو بكر، وأخذتها عنه:

стр. 1697

بني رشيقٍ أما لي عندكم سعة ... في منزلي ولقاكم كان مقترحي أما يشق عليكم شرب صافيتي ... في مجلسي وأنا منه بمطرح أرعى الخزامى وأنتم في (١) بلنسية ... ما بين مغتبقٍ فيها ومصطبح هلا استحيتم وقلتم إن ذا كدر ... وإن هذا لتنغيص على الفرح فتحضروني ولو ملقى نعالكم ... وتصبحوني ولو من فضلة القدح وتظفرون بما تهوون من أدب ... وما تشاؤون من ظرفٍ ومن ملح وأنشدني أيضاً له: وأحور حيا بنارنجةٍ ... تضرم نصف اسمها في البدن مخمشة الوجه مرشومة ... (٢) كما عصفرت كرة من سفن وأنشدني له قوله: قريب على عزمي بعيد (٣) خواطري ... تغالبني فيه وهن غوالبي أقلل منه مازحاً غير طالب ... وأكثر فيه فاخراً غير كاذب وأنشدني أيضاً لنفسه من قصيدة، أولها: لعينك (٤) وعد من فؤادي مكذوب ... مضى عزمه (٥) إلا سهاد (٦) وتعذيب (٧)

стр. 1698

ومنها: ومن شق هدب الليل عن شهلة الضحى ... ببرقٍ على ثوب الدجى (١) منه تكتيب ومنها (٢) : كأن أهازيج الذباب أساقف ... لها من أزاهير الرياض محاريب وأنشدني لأخيه أبي الحسن وقد رمد، يستهدي المتوكل كحلاً: [١٤١أ] يا ملكاً آمن ما يخشى ... ونيراً أوضح ما أعشى شاعركم كان زهيراً وقد ... أصبح مما ناله الأعشى يقرأ والشمس على رأسه ... تنير ﴿والليل إذا يغشى﴾ ولأخيه أبي محمد: يا سائلي عن علوةٍ وجمالها ... أغنت محاسنها عن التبيين هي درهم البخلاء يلقى (٣) دونها ... قفل وفوق القفل طابع طين هي روضة الآمال إلا أنها ... لم تخل من أفعى (٤) ومن تنين وله يرثي الفضل بن المتوكل، ويشير إلى أنه قتل ولم يدفن، من جملة قصيدة:

стр. 1699

وواعجبا للأرض حين ملكتها ... ومت ولم يسترك من عرضها (١) شبر فليتك من قلبي (٢) وعيني صيانةً ... تؤوب إلى قبر إذا لم يكن قبر فيرعاك مني مشفق ذو حفيظةٍ ... عليك إذا لم يرعك الذئب والنسر وباتوا (٣) ثلاثتهم ببعض المواضع، تتجافى جنوبهم عن المضاجع، ويتعاطون أدباً كالراح ممزوجةً بماء الوقائع، والمدام لهم نقل، والزمان لولاهم غفل إلى أن غازلت السنة أجفانهم، وأجمت قليلاً أذهانهم؛ فانتبه أبو محمد منهم والصبح قد ومض، والعصفور قد انتفض؛ فقال: يا شقيقي وافي الصباح بوجه ... ستر الليل نوره وبهاؤه فاصطبح واغتنم مسرة يوم ... لست تدري بما يجئ مساؤه ثم استيقظ أبو بكر فقال: يا أخي قم تر النسيم عليلا ... باكر الروض والمدام شمولا لا تنم واغتنم مسرة يومٍ ... إن تحت التراب نوماً طويلا ثم هب أبو الحسن من مرقده، بأذكى ذهن وأوقده، فقال: يا صاحبي ذرا لومي ومعتبتي ... ولنصطبح خمرة من خير ما ذخروا وبادروا غفلة الأيام واغتنما ... (٤) فاليوم خمر ويبدو في غد خبر

стр. 1700

في ذكر الوزير الكاتب أبي بكر بن قزمان (١) وسياقه جملة من نظمه ونثره (٢) وأبو بكر أيضاً من كتاب الوقت والأوان، ومن أهل البلاغة والبيان (٣) ، والمتوكل أول من اتخذه كاتباً، واقتدح زنده فأورى شهاباً ثاقباً، وله محتد كريم، ولسلفه تقدم معلوم، ورسائله جلائل، إلا أنه لم يحضرني منها عند نقلي هذه النسخة إلا فصول قلائل، لا تفي بقدره، وفيما كتبت منها أنموذج يعرب عما أجريت من ذكره. فصول له من رقعة عتاب، خاطب بها بعض الوزراء الكتاب، قال فيها: ما أكثر الأشياء الجامعة لنا: أدب كروض الحزن، وود كصوب المزن، وأولية كرم تاريخها واتصلت أسانيدها، لا ينكر فضلها ولا تذم عهودها، وأسلاف سلفت بينهم صحبة حميدة، وأذمة وكيدة مثلها نهج إخاء، وأورث صفاء، ونظم أهواء وآراء (٤) . وما زلت على تراخي المزار، وتنازح الأقطار، أودك كل الوداد، وأعتقدك اصح

стр. 1701

الاعتقاد، وألحظك بعين الإعظام، وأقترح لقاءك على الأيام، معرفةً بسبقك، وتوفيةً لحقك، وتوقاً إلى مطالعة تلك الطباع الرقيقة، ومباشرة تلك الآداب الأنيقة، إلى أن وقع ما وقع، وأتيح من التداني ما لم يتوقع، وهي الأقدار، وليس عليها الخيار. وقد كنت أعلمت بسؤالك - بفضلك - عني، ونزاعك نحوي، وغرضك إلى لقائي، واعتذارك بخفاء مكان نزولي، وغموض موضع حلولي، ولقيت فلاناً فعرض عليّ من قصدك ما فت (١) إليه حد المسابق، لو (٢) أفرجت لي عنه العوائق، فأريته من اختلال الحال الباعث على الانقباض، وتجنب الاسترسال المخوف من الإعراض، ووقوع الإخلال ما رآه، فأحسبه وكفاه، وتلقاه عذراً واضحاً يلقيكه فتتلقاه، ثم ما زال يفتل في الذروة والغارب، حتى أجبته التزاماً لما لم يلزمني إلا بحكم جلالتك، وشرط المتعين من استمالتك، فوافينا منزلك ذات يوم بعيد العصر، وعلى بابه غلام، سألناه عنك فقال: هو ينام، فطوينا آثارنا؛ وأعلمني بعد باجتماعكما من الغد، وأنه (٣) عرفك بذلك المقصد، فساءك أن لم تعلم، وعز عليك الالتقاء أن لم يتم، ودعاني إلى المعاودة [١٤١ب] فلم يسعني ولم يسغ لي، ومضت على ذلك أيام إلى أن دخلت على فلان ومعه فلان وأنت حاضرهما، فحين لمحتك عرفتك، بما كان ثبت عندي من صفتك، وتقرر لدي من سمتك، وعند أخذي لمقعدي رأيتك قد وحيت إلى من كان

стр. 1702

يليك ووحى إليك، فانثنيت وقد زويت ما بين عينيك، وشمرت (١) أنفك، ومعرت وجهك، وضممت إليك من ثيابك، وقاربت بين أجزائك، فقلت: أراه ازدرى طلعتي، وتقذر هيأتي، وخشي أن أعديه بسوء حالتي، وقد قال ﵇: " لا عدوى "، وقال: " فمن أعدى الأول " وإن اعترض علينا بحديثه الآخر: " لا يوردون مجرب على مصح "، ودفعنا من صحيح التأويل، وأوضح الأقاويل، بما لا مدفع فيه، مما أنت أ " لم به وأذكر له. وأما الازدراء والانتخاء، والتقذر والتعذر، مع علمك بالحال وأولها، وتمكنها وتأثلها، وبحال الأيام وتقلبها، وتعاور أقطارها وتناوبها، ومع ذكرك قولهم: " ليست العزة في حسن البزة " وقول من قال: " ليست العباءة تكلمك إنما يكلمك من فيها "، وقوله بعضهم (٢) : ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا إن الجمال مآثر ... ومناقب أورثن حمدا وقول غيره: وفضل الناس في الأنفس ليس الفصل في المال ... فشيء خرقت به عادة أمثالك، وخالفت فيه سيرة نظرائك وأشكالك، وكفى بالمثل المضروب بفرحة الأديب بالأديب، وقولهم: " الأدب بين أهله نسب "، وقول الطائي الأكبر (٣) :

стр. 1703

إن نفترق نسباً بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد وقول الأصغر (١) : إن كنت من فارس في بيت سؤددها ... وكنت في بحتر في البيت والحسب (٢) فلم بضرنا تنائي المنصبين وقد ... رحنا نسيبين في علمٍ وفي أدب وإن كنت أكثر الاعتزاء إلى النسب الكريم، وأعتد من أهله في الصميم، وأزاحمهم بمنكب واهن ضعيف، وأمت إليهم بسببٍ سحيل سخيف، ثم أرجع عند الامتحان، وإلي منكم كإل السقب من ولد الأتان، (٣) فقد قال ﵇: " من كثر سواد قومٍ فهو منهم "، وعسى أن يبدو لي ما يستنكر ويستكثر لمثلي، فأكون عباس بن الأحنف ويكون كبشار إذ يقول (٤) : " ما زال غلام من بني حنيفة يدخل نفسه فينا ويخرجها حتى قال:

стр. 1704

نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عيناً لغيرك دمعها مدرار من ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عيناً للبكاء تعار فتتصل حينئذ رحم لا تخفى، وتحصل قرابة لا تجفى؛ وإن كنت نكرت ما نكرته، ونظرت ما نظرته، من ابتدائك بالتسآل والتكليم، وترفعتي إياك ما لا أدعيه فضلاً عن أن أقتضيه من الترفيع والتقديم، بخمولي ونباهتك، وذلي وعزتك، وبعدي عن بلدي وعددي، وكوني في طينتك ومدينتك، وبين قبيلتك وفصيلتك، وجيرتك وعشيرتك، وحاشيتك وغاشيتك، وصنائعك وتوابعك، فقد قال ابن عباس، ﵁: " إن لكل داخل دهشةً فابدأه بالتحية "، وإذا أطلق الحكم بهذا للبعيد والقريب، فما ظنك بالغريب مثلي (١) المنكوب -! ونترك ما استعر إلى هلم جرا، وأطول به دهراً، فربما تلاقينا، وكأنا ما تراءينا، لا كلام ببينت شفة، ولا إيماء بطرف أنملة، واللوم في هذا كله يسقط عني، كما يضيق العذر عنك، بقضية سنة الاسلام في السلام، في أني ألقاك راكباً وأنا ماشٍ، وأنت بحمد الله طائر، وأنا - ولا كفران بالله - واقع [١٤٢أ] وعلى الطائر أن يغشى أخاه. وإن طمح بك، وحط من قدري عندك، إدبار الأمر عني وإقباله عليكن ففيها ما فيها، وما أرضاها لك طريقة، فالكريم يجل الكرام، وإن قلت: إني أدعو إلى مباعدتي، وأبعث على مقاطعتي، باستبهام خلقي، وإظلام أفقي، وثقل حواسي، وقلة استثنائي، فهذا من لم تغره رقة الحضر اللطيف (٢) ، وقد

стр. 1705

قال ﵇: " من بدا جفا ". على أني أتكبر على المتكبرين، ولا ألين لمن لا يبتغي لين (١) ، ولولا أن يدال القرب بالبعاد، دون أن يقع عتب ويشرع وداد، ويكشف يوماً على هذا التهاجر الغريب، والتنافر العجيب، ولا يعرف من الظالم منا من المظلوم، ولا من المحكوم عليه من المحكوم له، لأضربت عنها صفحاً، وطويت دونها كشحاً، ولسددت عليها أذني، وسايرتها ساحباً رسني، ولقد لقيت بعد فلاناً فذكر بصفاتك، وأثنى باتساع آدابك وكثرة أدواتك، وسألني عن الخلة، وأشار إلى هذه السمة بيننا والوصلة، فقلت: لا خلة ولا خلال، ولا وصلة ولا اتصال، فكأنه أنكر ذلك، وهذا هو الذي أثار من هذا الكتاب، ما لم يكن في الحساب، ودونكه هراء غثاً، وهباء منبثاً، وهاك إليه (٢) ما يوازيه (٣) عن النوازنة والمقاربة لؤماً ودقة، وركاكة لا رقة: أبا أيوب والأيام لا تبقى على حال ... وأصبحت مقلاً رهن إذلالٍ وإقلال ... لئن رحت رخي البال ذا جاهٍ وذا مال ... ومركوب وغاشيةٍ ... وأكمام وأذيال فإنك حد أشكالي ... وأشباهي وأمثالي بحكم الأدب العالي ال ... منيف المونق الحالي ولكني أنا التالي ... وأنت السابق للعالي

стр. 1706

فكم خيمت من قلبي ... بدار منك محلال وقد كان التلاقي من ... أماني وآمالي فلما أن تلاقينا ... على ما قد تصدى لي فلم تبدأ بتسليمٍ ... ولم تنشط لتسآلي كما يلزم أمثالك تأنيساً لأمثالي ... تفاصلنا على الحين وكل ذاهل سالي ... ولولا طيب نفس قلت كل شانئ قالي ... وقد كنا كما أنتم ... ولا بأس على حال وقد يعقب وادي القوم خصباً بعد إمحال ... وكأني بك قد قلت عند تصفح هذه الرقعة: هذان حمارا العبادي كسير وعوير، وكل غير خير (١) ، ثم ثنيت بقولهم: " من يسمع يخل " (٢) وثلثت بقول من يسمع: سبكناه ونحسبه لجيناً ... فأبدى الكير عن خبث الحديد (٣) فمهلاً: فمن أنبأك أني أتشبع بما لا أملك، فأقول: من عبد الحميد وابن العميد، ومن الوليد وابن الوليد، لاها الله! ! إني لأربع على ظلعي وأعلم قصر باعي، ولا أجهل سقوط بضاعتي، وهل غير ألفاظ لفقتها

стр. 1707

بمبلغ علمي، عبرت بها عن ذات نفسي؛ وأما إن سمتني في هذا الباب مداك، ورمت مني ما لا يتعاطاه سواك، فمن للسها بتمام القمر، ومن للدآدي بأنوار العشر (١) وأوضاح الغرر -! فأرشدنا، أكرمك الله، وسددنا، يرحمك الله. وانفح علينا من كلامك نفحةً ... إن كانت الأخلاق مما توهب وبعد فإني: أناقشكم ووراء النقاش ... (٢) أنف العلوق ورئمانه وأهجركم هجر مستعتبٍ ... وكم وامق طال هجرانه وكلف مخاطبة عروسٍ فكتب رقعة قال فيها (٣) : الكلفة بيننا - أعوزك الله - جد ساقطة، والحال الجامعة لنا في أقصى حد المؤانسة والمباسطة، فلا نكسر أن نتباث السر (٤) المحجب، ولا غرو (٥) أن نتكاشف المغيب، واتصل بي دخولك بعقلية أترابها، وبيضة خدرها وربة محرابها، تشاطرك نسلك،

стр. 1708

كما شاطرتك أصلك، التي [١٤٢ب] لم تكن تصلح إلا ولم (١) تكن تصلح إلا لك، فخدمتك بالنية، وحضرتك على بعد المشقة وتقاذف الطية، وسألت الله أن يبارك لك ويبارك عليك، ويجمع بينكما في خير وعافية، على أسعد الجد وأيمن الطير إلى آخر القافية؛ ثم ترقبت كتابك مودعاً من وصف حالك، ما ينبئ فحواه عن اجتماع شملك ونعمة بالك، فرابني التواؤه، وقدح في نشاطي توقفه وإبطاؤه، وتسلطت علي الظنون، وخفت ما عسى أن لا يكون، وساءني أن أستمطر من الأمل جهاماً، وأستنصر (٢) لدى ذلك العمل كهاماً، ويحيد صاحبك معرداً (٣) عن المناجزة، [لائذاً بالمحاجزة] (٤) منقطعاً في موضع الحجج (٥) ، مبدعاً به (٦) عند مستقبل (٧) مفرق الطريق ولقم المنهج: تريد جوا ويريد برا ... كأنما أسعط شيئاً مرا ثم قلت: لعله قد حظي بما جني له، فافتتح الحصن الذي نازله قسراً، وتخلله كيف شاء مجالاً ومكرا (٨) ، وأفضى به انصداع ما صدعه إلى

стр. 1709

التئام، وانشعاب ما شعبه إلى انتظام والتحام، ولهي (١) بتوابع هذه الحال التي هي أخت (٢) الامرة، وجامعة أفانين المسرة، عن صديقٍ يصله بكتاب إليه يعلمه، وإن يكن ذلك فهناك، وظفرت يداك، وإن يكن ما عداه، ويكفي الله، فمع اليوم غد، وفي اللمم خلال ذلك متعلل (٣) ، ثم لا يشغل عن الكتاب جذل، ولا يحول دونه خجل. جوابها من إنشائه أيضاً (٤) : الكلام مأثور، والإفراط في الانبساط حجر محجور، وقديماً جر على أهليه، وأثار عليهم التقاطع من مجاثمه وأبرزه من مطاويه، فسبيل ما وردني الآن كتابك المقتحم هذا الباب المتحامى، إلا أن ما عولت عليه، وأسندت إليهن من تمكن الألفة، وارتفاع الكلفة، سوغ بعض المغزى. وقد وقفت على مقطعه، وعجبت من التفرغ لمودعه، فلئن (٥) كنت مندراً فليخف وقعك (٦) ، أو حذراً على الحقيقة فليفرخ روعك، فالحد بحمد الله ماض، وكلا الفريقين راضٍ، على عنف التقاضي، ثم لا بأس ولا إبلاس لو عرت نبوة، وعرضت (٧) دون المرام كبوة، فربما خان الثقات، في بعض الأوقات:

стр. 1710

وسيف بني عبسٍ وقد كان صارماً ... (١) نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد وأرجع (٢) فأقول بحكم الحال، وعلى شرط الاستنامة والاسترسال: لله أخوك، الذي لا فرق عندكما بين ما يعروه ويعروك، فلقد افتر عن بازل، وجرد عن قاصل (٣) ، ورمى بلا أفوق ناصل، ولو لقيت أعداءك بمثل صاحبه مضاءُ وإقداماً، وتسرعاً واستقداماً: طعنتهم سلكى ومخلوجةً ... (٤) لفتك لامين على نابل قال ابن بسام: وينظر من معنى هذا الخطاب والجواب أبيات خاطب بها بعض أهل عصرنا أحد إخوانه وقد ابتنى بزوجة، قال فيها، وضمن بيت ابن حجاج: أبا بكر اسمعها وراجع مؤنساً ... ولو بقسيم أو بمصراع قافيه فإنا دخلنا بالفتاة ولم يكن ... هنالك واشٍ غير مسكٍ وغاليه وكنا رجونا وصل الاسبوع كله ... لننعم فيه فابتلينا بداهيه بحيضٍ تمادى فامتنعت لحرمتي ... فدمعة أيري فوق خصييه جاريه " إذا لم يكن للأير بخت تعذرت ... عليه وجوه النيك من كل ناحيه "

стр. 1711

قال فأجابه الآخر بهذه الأبيات: [١٤٣أ] لك الخير لا تعجل فإنك مقمر ... وفي الليل ما تسريه إن كنت ساريه طعنت الفتاة البكر طعنة ثائرٍ ... بمثل ذراع البكر شد بآخيه حسبت النجيع الفانئ اللون حيضةً ... وما كان إلا العود في الحين ثانيه (١) غدوت على شكلٍ تدانت طبوقه ... فباعدت من أقطاره المتدانيه ولو كنت من أهل المساحة لم تدع ... مكسرةً أضلاعه المتساويه ولكن له قطر يقوم مقامه ... هو الشكل إلا أنه منه زاويه وإن لم يكن إلا الذي كان فاتئد ... فإنك باقٍ عندها وهي باقيه ومن شعر أبي بكر بن قزمان مما أنشدنيه لنفسه، قوله (٢) : ركبوا السيول من الخيول وركبوا ... فوق العوالي السمر زرق نطاف واستودعوا الخلل الجداول واصطفوا ... بيض الرؤوس من الحباب الطافي وتجللوا الغدران من ماذيهم ... مرتجةً إلا على الأكتاف وأنشدني أيضاً لنفسه: قلت للعين حين أذرت على الخد دموعاً لا تستفيق (٣) انهمالا ... جزعاً من صدود أحور كم حير بالاً وكم جنى بلبالا ... لا ترومي مثال ما لن تنالي (٤) والمحيه كما رأيت الهلالا ...

стр. 1712

فأجابت لقد أحلت مثالاً هو أنأى من الهلال منالا ... إن بدر السماء يطلع للأبصار ممسىً ومصبحاً وزوالا ... وإذا ما استسر آب وقد ذاب اكتئاباً من أن يغب وصالا ... وهو البدر أجد ملالاً ... واجتناباً كما أجد كمالا يتوارى من العيون نهاراً ... دمع الليل لا يزور خيالا وأنشدني له أيضاً: لا تطمئن إلى أحد ... واحذر وشمر واستعد فالكل كلب مؤسد ... إلا إذا وجدوا أسد في ذكر الأديب أبي زيد عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني (١) من شعراء عربنا المشاهير، وله شعر يعرب عن أدب عزير، تصرف فيه تصرف المطبوعين المجيدين، وفي عنفوان شبابه وابتداء حاله، ثم تراجع طبعه عند اكتهاله. أخبرني الوزير الفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفهري (٢) المقتول بالأشبونة

стр. 1713

- رفع الله منزلته، وقتل قتلته - قال: كان أبو زيد بن مقانا قد انصرف شيخاً إلى وطنه عندنا. بعد أن جال أقطار الأندلس على رؤساء الجزيرة، قال: فمررت به يوماً بقريته التي تدعى بالقبذاق (١) من ساحل شنترة (٢) ، وبيده مزبرة (٣) ، فلما رأيته ملت إليه ومال إليّ، وأخذ بيدي [١٤٣ب] وجلسنا ننظر في حراث يحرث بين يديه، فاستنشدته فأنشدني ارتجالاً لوقته: أيا عامر القبذاق لا تخل من زرع ... ومن بصلٍ نزرٍ وشيء من القرع وإن كنت ذا عزم فلابد من رحىً ... سحابيةٍ لا تستمد من النبع فما أرض قبذاق وإن جاد عامها ... بموفية عشرين من حزم الزرع وإن أنجبت شيئاً وزادت تواترت ... إليها خنازير المفاوز في جمع بها (٤) قلة من كل خيرٍ ونفعةٍ ... كقلة ما تدري لدي من السمع تركت الملوك الخالعين برودهم ... علي وسيري في المواكب والنقع وأصبحت في قبذاق أحصد شوكها ... بمزبرة رعشاء نابية القطع فإن قيل تهجوها وأنت تحبها ... فقل إن حب الخل من شرف الطبع وحسب أبي بكر المظفر قادني ... وإحسانه حتى انصرفت إلى ربعي وهذا من الشعر النازل البارد، عندما له من القصائد القلائد. ووصف

стр. 1714

نفسه بقلة السمع، لأنه كان كما زعموا كذلك. وهو القائل من جملة أبيات: سمعت الكنك (١) يصرخ في الربيع ... على ما بي من الصمم الطبيعي جملة من شعره في أوصاف شتى من ذلك من قصيدة في منذر بن يحيى صاحب سرقسطة: لمن طلل دارس باللوى ... كحاشية البر أو كالردا رماد ونؤي ككحل العروس ... ورسم كجسم براه الهوى غدا موسماً لوفود البلى ... وراح مراحاً لسرب المها عجبت لطيف خيالٍ سرى ... من السدر أنى إليّ اهتدى وكيف تجاوز جوز الحجاز ... وجوز (٢) الخميس وسدر المنى ولم يثنه حر نار الضلوع ... وبحر الدموع وريح النوى وقولي وصيفي بالمنصفين ... وقد نقش (٣) الصبح ثوب الدجى أسرب العذارى يسقط اللوى ... مشى الخيزلى أم نجوم السما برزن لنا عاطرات الجيوب ... ينازعن في الحسن شمس الضحى

стр. 1715

خماص البطون مراض الجفون ... أقمن الشعور مقام الردا لدان القدود حسان الخدود ... صغار النهود طوال الطلى عذاب الثغور لطاف الخصور ... خفاف الصدور ثقال الخطى مشين الهوينا ووادي الخزامى ... يود من البشر أن لو مشى فما زلن يرفلن حتى إذا ... عقدن لواء الهوى باللوى وفيها يقول: وقد أغتدي في سبيل العلا ... بذي ميعةٍ من نتاج الصبا [١٤٤أ] يهيم بذي همة نازحٍ ... (١) براه السرى مثل بري الظبا كأن فؤادي بوادي الغضا ... وقلب الدليل جناح القطا كأن عقائل (٢) برق الدجى ... خلال الحبي بريق الظبا ويهدأ طوراً كغمز العيون ... فليتاع من لوعتي ما هدا (٣) إذا قلقل الرعد من فوقه ... تقلقل قلبي له والحشا كأن السحائب في سيرها ... بنود المظفر يوم الوغى نجيب تجيب إذا استصرخت ... وفارسها البطل المنتقى فتىً يقرع النبع بالنبع لا ... جبان الجنان ولا مزدهى لو الفلك انخر من فوقه ... عليه بأقطاره ما شكا حمول لأعباء هذا الزمان ... ولا يرهب الموت عند اللقا

стр. 1716

إذا سار يحيى إلى غارة ... (١) فويل لأعدائه أينما بجيشين: جيشٍ يهد الربى ... وجيش يظلله في الهوا مطاعمها من شغاف القلوب ... ومشربها من نجيع الدما إليك ابن منذرٍ المنتقى ... قرعت يد الخطب قرع العصا فقال مناديك لي مرحباً ... وقالت أياديك لي حبذا دعوت فأسمعت بالمرهفات ... صم الأعادي وصم الصفا وشمت سيوفك في جلقٍ ... فشامت خراسان منها الحيا قال ابن بشام: جلق وادٍ بشرق الأندلس، فكذبة أبي زيد في هذا البيت أشنع من كذبة مهلهل في قوله (٢) : فلولا الريح أسمع أهل حجرٍ ... صليل البيض تقرع بالذكور وخرج أبو زيد يوماً من بلنسية إلى طرطوشة ليلقى صاحبها مقاتلاً (٣) الفتى، فلما ورد عليها، منع الجواز، فكتب إلى مقاتل: إن كان واديك نيلاً لا يجاز به ... فما لنا قد حرمنا النيل والنيلا إن كان ذنبي خروجي من بلنسيةٍ ... فما كفرت ولا بدلت تبديلا " هي المقاديرتجري في أعنتها " ... ليقضي الله أمراً كان مفعولا

стр. 1717

وله القصيدة المشهورة في ابن حمود يتداول القوالون أكثر أبياتها، لعذوبة ألفاظها وسلاستها وهي التي أولها (١) : ألبرقٍ لائحٍ من أندرين ... ذرفت عيناك بالماء (٢) المعين لعبت أسيافه عاريةً ... كمخاريق بأيدي اللاعبين ولصوت الرعد زجر وحنين ... ولقلبي زفرات وأنين وأنادي (٣) في الدجى عاذلتي ... وبك لا أسمع قول العاذلين عيرتني بسقامٍ وضنىً ... إن هذين لزين العاشقين ومنها: [١٤٤ب] قد بدا لي وضح الصبح المبين ... فاسقنيها قبل تكبير الأذنين سقينها مزةً صافيةً ... (٥) عتقت (٤) في دنها بضع سنين نثر المزج على مفرقها ... درراً عامت فعادت كالبرين مع فتيان كرامٍ نجبٍ ... يتهادون رياحين المجون وعليهم زاجر من حلمهم ... ولديهم قاصرات الطرف عين شربوا الراح على خد (٦) فتىً ... نور الورد به والياسمين

стр. 1718

رجلت (١) دايته عامدةً ... سبج الشعر على عاج الجبين لوت الصدغ على حاجبه ... ضمة اللام على عطفة نون فترى غصناً على دعص نقاً ... وترى ليلاً (٢) على صبح مبين ويسقون إذا ما شربوا ... بأباريق وكأسٍ من معين ومصابيح الدجى قد أطفئت ... في بقايا من سواد الليل جون وكأن الطل مسك في الثرى ... وكأن النور (٣) در في الغصون والندى يقطر من نرجسه ... كدموعٍ أسبلتهن الجفون والثريا قد علت في (٤) أفقها ... كقضيب زاهر من ياسمين وانبرى جنح الدجى عن (٥) أفقه ... كغراب طار عن بيض كنين وكأن الشمس لما أشرقت ... فانثنت عنها عيون الناظرين وجه إدريس بن يحيى بن علي ... بن حمود أمير المؤمنين خط بالمسك على أبوابه ... ادخلوها بسلام آمنين وينادي الجود في آفاقه ... يمموا قصر أمير المسلمين ملك ذو هيبةٍ لكنه ... خاشع لله رب العالمين وإذا ما رفعت رايته ... خفقت بين جناحي جبرئين وإذا أشكل خطب معضل ... صدع الشك بمصباح اليقين وإذا راهن في السبق أتى ... وبيمناه لواء السابقين

стр. 1719

يا بني أحمد يا خير الورى ... لأبيكم كان رفد (١) المسلمين نزل الوحي عليه فاحتبى ... في الدجى فوقهم الروح الأمين خلقوا من ماء عدلٍ وتقىً ... وجميع الناس من ماءٍ وطين انظرونا نقتبس من نوركم ... إنه من نور رب العالمين قوله: " والندى يقطر من نرجسه ".... البيت، أخذه من قول ابن الرومي، ونقص منه وقصر عنه حيث يقول (٢) : كأن تلك الدموع قطر ندىً ... يقطر من نرجس على ورد وقوله: " وانبرى جنح الدجى " ... البيت، مأخوذ من قول يزيد ابن الطثرية (٣) حين حلق أخوه لمته فقال (٤) : [١٤٥أ] وغود رأسي كالصخيرة أشرفت ... عليها عقاب ثم طارت عقابها وقوله: " وإذا ما رفعت رايته " ... البيت، حسد ابن هانئ في هذيانه، وتقيله حيث يقول في خذلانه (٥) :

стр. 1720

أمديرها من حيث دار لطالما ... زاحمت تحت ركابه جبريلا وقوله في صفة الثريا: " كقضيب زاهر من ياسمين " من أحسن ما سمعته في تشبيه الثريا مجدداً، وإن كان قد تقدم في تقسيم التشبيه وأحسن ما شاء فيه حيث يقول: في الغرب كأس وفي مطالعها ... قرط وفي أوسط السما قدم وقد قال الناس في الثريا فأكثروا، وأول من سمع له في ذلك الملك الضليل، حيث يقول (١) : إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل وقد قيل: إن الثريا لا تتعرض، وإنما تتعرض الجوزاء، ولم تتزن له، أو وهم، وقال ذو الرمة (٢) : قطعت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماءٍ محلق وقال أيضاً (٣) : أقامت به حتى ذوى العود في الثرى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر
следующие страницы →