← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

إذا سار يحيى إلى غارة ... (١) فويل لأعدائه أينما بجيشين: جيشٍ يهد الربى ... وجيش يظلله في الهوا مطاعمها من شغاف القلوب ... ومشربها من نجيع الدما إليك ابن منذرٍ المنتقى ... قرعت يد الخطب قرع العصا فقال مناديك لي مرحباً ... وقالت أياديك لي حبذا دعوت فأسمعت بالمرهفات ... صم الأعادي وصم الصفا وشمت سيوفك في جلقٍ ... فشامت خراسان منها الحيا قال ابن بشام: جلق وادٍ بشرق الأندلس، فكذبة أبي زيد في هذا البيت أشنع من كذبة مهلهل في قوله (٢) : فلولا الريح أسمع أهل حجرٍ ... صليل البيض تقرع بالذكور وخرج أبو زيد يوماً من بلنسية إلى طرطوشة ليلقى صاحبها مقاتلاً (٣) الفتى، فلما ورد عليها، منع الجواز، فكتب إلى مقاتل: إن كان واديك نيلاً لا يجاز به ... فما لنا قد حرمنا النيل والنيلا إن كان ذنبي خروجي من بلنسيةٍ ... فما كفرت ولا بدلت تبديلا " هي المقاديرتجري في أعنتها " ... ليقضي الله أمراً كان مفعولا

стр. 1717

وله القصيدة المشهورة في ابن حمود يتداول القوالون أكثر أبياتها، لعذوبة ألفاظها وسلاستها وهي التي أولها (١) : ألبرقٍ لائحٍ من أندرين ... ذرفت عيناك بالماء (٢) المعين لعبت أسيافه عاريةً ... كمخاريق بأيدي اللاعبين ولصوت الرعد زجر وحنين ... ولقلبي زفرات وأنين وأنادي (٣) في الدجى عاذلتي ... وبك لا أسمع قول العاذلين عيرتني بسقامٍ وضنىً ... إن هذين لزين العاشقين ومنها: [١٤٤ب] قد بدا لي وضح الصبح المبين ... فاسقنيها قبل تكبير الأذنين سقينها مزةً صافيةً ... (٥) عتقت (٤) في دنها بضع سنين نثر المزج على مفرقها ... درراً عامت فعادت كالبرين مع فتيان كرامٍ نجبٍ ... يتهادون رياحين المجون وعليهم زاجر من حلمهم ... ولديهم قاصرات الطرف عين شربوا الراح على خد (٦) فتىً ... نور الورد به والياسمين

стр. 1718

رجلت (١) دايته عامدةً ... سبج الشعر على عاج الجبين لوت الصدغ على حاجبه ... ضمة اللام على عطفة نون فترى غصناً على دعص نقاً ... وترى ليلاً (٢) على صبح مبين ويسقون إذا ما شربوا ... بأباريق وكأسٍ من معين ومصابيح الدجى قد أطفئت ... في بقايا من سواد الليل جون وكأن الطل مسك في الثرى ... وكأن النور (٣) در في الغصون والندى يقطر من نرجسه ... كدموعٍ أسبلتهن الجفون والثريا قد علت في (٤) أفقها ... كقضيب زاهر من ياسمين وانبرى جنح الدجى عن (٥) أفقه ... كغراب طار عن بيض كنين وكأن الشمس لما أشرقت ... فانثنت عنها عيون الناظرين وجه إدريس بن يحيى بن علي ... بن حمود أمير المؤمنين خط بالمسك على أبوابه ... ادخلوها بسلام آمنين وينادي الجود في آفاقه ... يمموا قصر أمير المسلمين ملك ذو هيبةٍ لكنه ... خاشع لله رب العالمين وإذا ما رفعت رايته ... خفقت بين جناحي جبرئين وإذا أشكل خطب معضل ... صدع الشك بمصباح اليقين وإذا راهن في السبق أتى ... وبيمناه لواء السابقين

стр. 1719

يا بني أحمد يا خير الورى ... لأبيكم كان رفد (١) المسلمين نزل الوحي عليه فاحتبى ... في الدجى فوقهم الروح الأمين خلقوا من ماء عدلٍ وتقىً ... وجميع الناس من ماءٍ وطين انظرونا نقتبس من نوركم ... إنه من نور رب العالمين قوله: " والندى يقطر من نرجسه ".... البيت، أخذه من قول ابن الرومي، ونقص منه وقصر عنه حيث يقول (٢) : كأن تلك الدموع قطر ندىً ... يقطر من نرجس على ورد وقوله: " وانبرى جنح الدجى " ... البيت، مأخوذ من قول يزيد ابن الطثرية (٣) حين حلق أخوه لمته فقال (٤) : [١٤٥أ] وغود رأسي كالصخيرة أشرفت ... عليها عقاب ثم طارت عقابها وقوله: " وإذا ما رفعت رايته " ... البيت، حسد ابن هانئ في هذيانه، وتقيله حيث يقول في خذلانه (٥) :

стр. 1720

أمديرها من حيث دار لطالما ... زاحمت تحت ركابه جبريلا وقوله في صفة الثريا: " كقضيب زاهر من ياسمين " من أحسن ما سمعته في تشبيه الثريا مجدداً، وإن كان قد تقدم في تقسيم التشبيه وأحسن ما شاء فيه حيث يقول: في الغرب كأس وفي مطالعها ... قرط وفي أوسط السما قدم وقد قال الناس في الثريا فأكثروا، وأول من سمع له في ذلك الملك الضليل، حيث يقول (١) : إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل وقد قيل: إن الثريا لا تتعرض، وإنما تتعرض الجوزاء، ولم تتزن له، أو وهم، وقال ذو الرمة (٢) : قطعت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماءٍ محلق وقال أيضاً (٣) : أقامت به حتى ذوى العود في الثرى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر

стр. 1721

وقال التهامي (١) : وللثريا ركود فوق أرحلنا ... كأنها قطعة من فروة النمر وقال محمد بن هانئ (٢) : وولت نجوم للثريا كأنها ... خواتم تبدو في بنان يدٍ تخفى وكرر هذا التشبيه في موضع آخر فقال (٣) : وحتى أرى الجوزاء تنثر عقدها ... وتسقط من كف الثريا الخواتم وقال آخر: إلى أن تولت والثريا كأنها ... على حلة زرقاء جيب مدنر وقال ابن المعتز (٤) : وكأن البدر لما ... لاح من تحت الثريا ملك أقبل في تا ... ج يفدى ويحيا وقال المعري (٥) :

стр. 1722

وقد بسطت إلى الأرض (١) الثريا ... يداً غلقت بأنملها الرهان كأن (٢) يمينها سرقتك شيئاً ... ومقطوع على السرق البنان ومما قيل في ذكر الثريا، وإن لم يكن فيه صفة تشبيه، قول الآخر (٣) : خليلي إني للثريا لحاسد ... وإني على ريب الزمان لواجد أيجمع منها شملها وهي سبعة ... وأفقد من أحببته وهو واحد وقال المعري (٤) : والثريا رهينة بافتراق (٥) الشمل حتى تعد في الأفراد ... ولأبي زيد بن مقانا، مما يتعلق بذكر الثريا من جملة قصيدة في مجاهد العامري، قال فيها (٦) : ولما سقتنا من (٧) إبريقها ... لثمنا يديها وخلخالها وبتنا وباتت على ساقها ... تصفق للشرب جريالها كأن نجوم الدجى روضة ... تجر بها السحب أذيالها كأن الثريا بها راية ... يقود الموفق أبطالها

стр. 1723

في ذكر الشيخ أبي الحسن علي بن إسماعيل القرشي الأشبوني (١) قال ابن بسام: وكان يعرف عندنا بالطيطل، ممن نظم الدر المفصل، لا سيما في الزهد، فإن أهل أوانه، كانوا يشبهونه بأبي العتاهية في زمانه. أنشدني الوزير الفقيه أبو عبد الله بن إبراهيم [١٤٥ب] قال: أنشدني أبو الحسن الطيطل لنفسه يصف نملة (٢) : وذات كشح أهيف شخت ... كأنما بولغ في النحت زنجية تحمل أقواتها ... في مثل حدي طرف الجفت (٣) كأنما آخرها قطرة ... صغيرة من قاطر الزفت أو نقطة جامدة خلفها ... قد سقطت من قلم المفتي تسري اعتسافاً ولقد تهتدي ... (٤) في ظلمة الليل إلى الخرت تشتد في الأرض على أرجلٍ ... كشعرة المخدج في النبت تشهد أن الله خلاقها ... رازقها في ذلك السمت

стр. 1724

سبحان من يعلم تسبيحها ... ووزنها من زنة البخت فنسبتي منها لفرط الضنى ... (١) نسبتها منه بلا كت كلاً ولو حاولت من رقةٍ ... لجلت بين الثوب والتخت أرق من هذا وأضنى ضنىً ... رقة ذهني وضنى بختي لكن نفسي واعتلا همتي ... نجم لبيذختٍ كبيذخت وهذا من قول المتنبي (٢) : وعزمة بعثتها همة زحل ... من تحتها بمحل (٣) الترب من زحل وأنشدني أيضاً له في الزهد: يا غافلاً شأنه الرقاد ... كأنما غيرك المراد والموت يرعاك كل حين ... فكيف لم يجفك المهاد فهي زاداً وزد مزاداً ... فقد طوى عمرك النفاذ إذ سفر الموت في شحط ... والقرب منه هو البعاد ما حال سفر بغير زادٍ ... والأرض قفر ولا مزاد ضمر جواداً ليوم سبق ... لمثله يرفع الجواد أين فلان وكم فلانٍ ... قد غيبوا في الثرى فبادروا لا تبغ دنيا فإن عنها ... ألمون المتقي يذاد فابن لها بالتقى بروجاً ... تأمن إذا روع العباد

стр. 1725

واعتبر الأرض كيف مدت ... فهي لهذا الورى مهاد ثم السماء التي أظلت ... قد رفعت ما لها عماد كما بناها يبني سواها ... كما بدانا كذا نعاد في ذكر الأديب أبي عبد الله محمد بن البين (١) أحد الشعراء المجيدين - كان - بحضرة بطليوس، مستظرف الألفاظ والمعاني، وكان يميل إلى طريقة محمد بن هاني، على أم أكثر أهل وقتنا وجمهور شعراء عصرنا، إليها يذهبون، وعلى قالبه وجدتهم يضربون؛ ومن أحسن شعر أبي عبد الله قصائده التي على حروف المعجم، في أبي الأصبغ بن المنخر أيام استوزره المنصور يحيى بن المظفر، [١٤٦أ] ووصله عليها بمائة مثقال. فصل له من نثر جعله مقدم (٢) تصنيفه، وصدر تأليفه قال فيه: وما اختصصته بالثناء تشيعاً للإخاء، ولكن لما قلت فيه: تشيعت فيه للحقائق والعلا ... وما أنا فيه للهى متشيع ولقولي فيه (٣) :

стр. 1726

لم أرض إلا فيه نظم بدائعٍ ... حسدته في منظومها الأمراء مالت إليه بها حقائق سؤددٍ ... لا كالذي مالت به الأهواء أهل المدائح سالك في منهجٍ ... سلكت به من قبله (١) الآباء ولما قال أبو الطيب (٢) : أحبك شا شمس الزمان وبدره ... وإن لامني فيك السها والفراقد وذاك لأن الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد فإيه أبا الأصبغ، وفدت عليك، وصرت إليك، وإن كنت قد أهديت التمر إلى هجر، وحاسنت بقباحتي القمر، فقد تمطر الدأماء (٣) ، وللشاكرين على الله ثناء. ومن تلك القصائد قصيدة مهموزة أولها (٤) : هل من الغمام الغادة الحسناء ... أسرت عليها الكلة الخضراء يقول فيها: أسرى بها الغيران في أفق الدجى ... فتضوعت عن عرفها الأنواء هل كان يطمع بالسرى في خفيةٍ ... ما للبدور إذا سرين خفاء كيف (٥) الخفاء وللشروق مجامر ... في جانبيك وللنسيم كباء

стр. 1727

يا ربة الخدر التي أضللتها ... يوم النوى ومحلها الأحشاء لم كان والدك الطويل نجاده ... ليثاً وأنت الظبية العفراء أشبهته في فتكه يوم الوغى ... والسمهرية عينك النجلاء وكما حكيت البأس فاحكيه الندى ... فيرى لديك كما لديه حباء أخفى السرى وأذاعه إشراقه ... فالأرض منه منيرة زهراء وكأنه عيسى يكتم جوده ... فيشيعه منا عليه ثناء نشرت محاسنه قصائد جمة ... ملئت بها الخضراء الفخار رداء أمي النجوم فخبري عن مجده ... فله هنالك في العلا نظراء وله فيه من أخرى أولها: أفي كلل الإظعان غزلان رملة ... أم احتملت فيها جآذر وجرة ولما تولت بالجمال جمالهم ... تولى جميل الصبر يوم تولت بوادي الكرى لاقيتها وهي عاطل ... فأرسلت در العين حين تجلت [١٤٦] إذا نسمت ريح الصبا في جنابها ... ستعرف في أنفاسها حر لوعتي وإن وردت ماء الفرات فإنها ... ستنكر في سلسالها طعم عبرتي وهذا كقول أبي الطيب (١) : أوما وجدتم في الشراب (٢) ملوحة ... مما أرقرق في الفرات دموعي

стр. 1728

وقال مهيار الديلمي (١) : بكيت على الوادي فحرمت ماءه ... وكيف يحل الماء أكثره دم وقال ابن البين من أخرى (٢) : غصبوا الصباح فقسموه خدودا ... واسترهفوا (٣) قضب الأرك قدودا ورأوا حصى الياقوت دون محلهم ... فاستبدلوا منه النجوم عقودا واستودعاو حدق المها أجفانهم ... فسبوا بهن ضراغماً وأسودا لم يكف أن (٤) خلفوا الأسنة والظبا ... حتى استنابوا (٥) أعيناً وخدودا وتضافروا بضفائرٍ أبدوا لنا ... ضوء النهار بليلها معقودا ومنها: صاغوا الثغور من الأقاحة (٦) بينها ... ماء الحياة لو اغتدى مورودا ومن المدح: أبني السيوف المشرفية نجدةً ... وبني (٧) السحاب المستهلة جودا

стр. 1729

الدهر عندكم طريف محدث ... وفخاركم ما زال فيه تليدا عطرتم نفس الزمان فأصبحت ... آثاركم في الجيد (١) منه عقودا في ذكر ذي الوزارتين أبي محمد بن هود (٢) كانت قد أزحته عن حضرة أسرته سرقسطة، أسباب غاب عني شرحها، فتحول على رؤساء أفقنا، واتخذ آخر أمره حضرة بطليوس وطناً، فرحب به المتوكل فآواه، وأجزل قراه، وولاه مدينة الأشبونة، ثم صرفه عنها، وصدر محمود السيرة منها، وكان ممن تندر له الأبيات، وتستظرف له بعض المقطوعات، كقوله وقد سئل عما اكتسبه في ولايته، فقال (٣) : وسائلٍ لي لما ... صدرت عما وليت ما نلت - قلت: ثناءً ... يبقى معي ما بقيت وإن أمت كان بعدي ... مخلداً لا يموت عفت الفضول لعلمي ... أن ليس يعدم قوت وصنت قدري منها ... تجملاً فغنيت

стр. 1730

وهو القائل وقد خرج عن سرقسطة (١) : ضللتم جميعاً يال هودٍ عن الهدى ... وضيعتم الرأي الموفق أجمعا وشنتم يمين الملك بي فقطعتم ... بأيديكم منها وبالغدر إصبعا وما أنا إلا الشمس (٢) غير غياهبٍ ... دجت فأبت لي أن أنير وأسطعا وإن طلعت تلك البدور أهلةً ... فلم يبق إلا أن أغيب وأطلعا فلا تقطعوا الأسباب بيني وبينكم ... (٣) فأنفكم منكم وإن كان أجدعا واحترق له بيت أيام مقامه بطليطلة، فقال (٤) : [١٤٧أ] تركت محلي جنةً (٥) فوجدتها ... على حكم أيدي الحادثات جهنما لتصطنع (٦) الأيام ما شئن آخراً ... فما صنعت بي أولاً كان أعظما وأنشدت له مما نقش على رئاس سيف للمتوكل، وأخبر عنه (٧) : لا تخش ضيماً ولا تمس (٨) أخا فرق ... إذا رئاسي في يمنى يديك بقي أصبحت أمضى من الحين المتاح فصل ... على الكماة وبي عند الوغى فثق لولا فتور بألحاظ الظباء إذن ... لقلت إني أمضى من ظبا الحدق

стр. 1731

ويتطرف هذا المعنى قول ابن شرف (١) : لم يبق للظلم في أيامهم أثر ... إلا الذي في عيون الغيد من حور ولابن هود في المتوكل أيام سلطانه بيابرة (٢) : يا خائف الدهر يمم أرض يابرةٍ ... تأمن وتكفي الذي تخشى من الحذر وواصف البحر في شتى عجائبه ... حدث بلا حرج عنه وعن عمر وكم سمعنا قديماً عن مكارمه ... حتى رأينا فأزرى الخبر بالخبر في ذكر الشيخ الأديب أبي عمر فتح بو برلوصة البطليوسي (٣) من نبهاء العصر المقلين في الشعر، إلا أن أبياته نوادر سوائر، وهو القائل في ابن برد (٤) : إن ابن بردٍ لفتىً ماجد ... ونفسه بالجود مفتونه مددت كفي نحو بلوطةً ... فقال: دعها وخذ التينه وأنشدت له: وشادنٍ طلبته مقلتي بدمي ... فأطلعت لي في خديه منه أثر

стр. 1732

وقام بين يديه الخال يعذرني ... وقد تعمم بالاظلام (١) فوق قمر كأنما حل جيش الحسن صفحته ... وكر لليل فيه فارس فأسر وأخبرني غير واحدٍ من أدباء عصرنا، قال: دخل لمة من الأدباء دار الأديب أبي مروان بن الصقيل اليابري، فرأوا في بيته سيفاً معلقاً، فقالوا له: أي شيء تصنع بهذا السيف - فقال: أعددته للمخانيث العتاة نظرائكم، فاهتبل بعضهم غرته حتى أهذ السيف، ثم قاموا به عليه وقال: والله لنقتلنك أو تكتب لنا كتاباً بخط يدك، يتضمن أنا هتكنا حريمك، وعجمنا ميمك؛ ولما رأى الجد، ولم يجد من بد، كتب لهم بذلك خط اليد، فخاطب أبو عمر هذا بهذه الأبيات بعض (٢) إخوانه: زرنا أبا مروان شيخ المجون ... ونحن لا ندري سوى الظرف دين فقام يدعونا إلى نفسه ... بدمعٍ (٣) جارٍ وصوت حنين قلنا (٤) له قد يرفع الدهر من ... آهٍ وندريك رفيق (٥) اللدين وممكن أن (٦) تتناسى لنا ... ذلك أو تلفى من الجاحدين اكتب لإخوانك رفقاً بهم ... صكاً بما عندك يستظهرون [١٤٧ب] فإذ قضانا صكنا وانحنى ... قمنا على منبره منشدين سبحان من سخر هذا لنا ... منه وما كنا له مقرنين

стр. 1733

فقال أبو مروان بن الصيقل في ذلك: يا رب مفعولين قالوا أعطنا ... خط يد في أننا فاعلون قلت لهم خطي مباح لكم ... أكتب فيه كل ما ترغبون فمن رأى الخط الذي هم به ... قبل اشتهار الأمر مستظهرون يشهد بأن الخط واللفظ لي ... وأنهم في قولهم يكذبون وانتهت الأبيات إلى الفقيه أبي عبد الله (١) بن القلاس فكتب إلى ابن الصيقل بأبيات منها: قل لأبي مروان شيخ المجون ... شاعر ذا العصر العزيز القرين قال ابن فتحٍ إنه كان قد ... ولم يقل أكثر للمخبرين وقد حكى أن له شاهدي ... عدلٍ على ذاك من الصالحين فإن يكن حقاً فلا تكتئب ... إبليس جان مثل ذا كل حين فالعزم أن تقصده ضارعاً ... إليه سراً فسعاه يلين واسأله أن يستر ما جاءه ... فان أبي فاجحد وزده يمين فأجابه ابن الصيقل بأبيات منها: أهكذا يفعله الصالحون ... تقبل أيماناً من الفاسقين -! لا تعتقد من شاعر لفظةً ... ولو غدا من أزهد الزاهدين يريد أن يخفي صبحاً وهل ... يخفى سنا الصبح على الناظرين إن كان غرتك يمين له ... واحدة خذني بألفي يمين

стр. 1734

في ذكر الأديب أبي عمر يوسف بن كوثر الشنتريني (١) أنشدت له من كلمة أولها: ألا لا يفند عاشقاً من له ذهن ... فوالله لولا العشق ما عرف الحسن ومنها في أحد تلامذ عصره (٢) : مررت به يوماً يغازل مثله ... وهذا على ذا بالملاحة يمتن فقلت اجمعا بالوصل رأيكما فما ... لمثلكما كان التغزل والمجن عسى الصب يقضي الله بينكما له ... بخير فقالا لي اشتهر العسل السمن فجاءهما دب فأحرز ذا وذا ... وما لامرئ من ريب أيامه أمن وأنشدت له في كلمة أولها: حل لسيوف الحب دمي ... (٣) ما مثلي منه بمخترم وفؤادي فيه (٤) يساعفها ... ويريها اللذة بالألم [١٤٨أ] فمتى لحظت (٥) بشراً حسناً ... (٦) تلتذ بصورته تهم

стр. 1735

يا أملح معشوقٍ نعتاً ... واسماً فلنعتك أنت سمي شعشع بوصالك كأس دلا ... لك تطف بذلك من ضرمي في ذكر الأديب أبي الوليد المعروف بالنحلي (١) كان باقعة (٢) دهره، ونادرة عصره، ولم يصد دراهم ملوك عصرنا إلا بحر النادرة والتوقيع، وقد اندرجت له عدة مقطوعات في تضاعيف هذا المجموع، وكان يضحك من حضر، ولا يكاد يبتسم هو إذا ندر، وهو القائل يصف طلوع الشمس ومقابلة القمر لها: أما ترى الشمس وهي طالعة ... تمنع عنها إدامة النظر حمراء صفراء في تلونها ... كأنها تشتكي من السهر

стр. 1736

مثل عروس غداة ليلتها ... تمسك مرآتها من القمر أو صورة المجد وهي ماثلة ... تنظر قدامها إلى عمر ومن أحسن ما سمعت في وصف (١) الشمس قول متوكل بن أبي الحسن (٢) : كأنما الشمس مرآة مجردة ... وقد غدا المغرب الأقصى لها سفطا ومن نوادر (٣) الآفاق، الحلوة المساق، الغريبة الاتفاق، خبر النحلي مع المعتمد بن عباد، وذلك أنه مشت بين يديه يوماً بعض نسائه، في غلالة لا تكاد تفرق بينها وبين جسمها، ولها ذوائب تخفي إياة الشمس في مدلهما، فسكب عليها إناء ماورد فامتزج الكل ليناً واسترسالاً، وتشابه طيباً وجمالاً، فأدركت المعتمد أريحية الطرب، ومالت بعطفيه راح الأدب، فقال: وهويت سالبة النفوس غريرةً ... تختال بين أسنةٍ وبواتر ثم تعذر عليه المقال، أو شغلته تلك الحال، فقال لبعض الخدم القائمين على رأسه: سر إلى النحلي وخذه باجازة هذا البيت، ولا تفارقه حتى يفرغ منه، فأضاف النحلي إليه، لأول وقوع الرقعة بين يديه، هذه الأبيات (٤) :

стр. 1737

راقت محاسنها ورق أديمها ... فتكاد تبصر باطناً من ظاهر وتمايلت كالغصن في دعص النقا ... تلتف في ورق الشباب الناضر يندى بماء الورد مسبل شعرها ... كالطل يسقط من جناح الطائر تزهى برونقها وعز جمالها ... زهو المؤيد بالثناء العاطر ملك تضاءلت الملوك لقدره ... وعنا له صرف الزمان الجائر وإذا لمحت جبينه ويمينه ... أبصرت بدراً فوق بحر زاجر فلما قرأها المعتمد استحضره وقال له: أحسنت، أو معنا كنت - فأجابه النحلي بكلام معناه: يا قاتل المحل، أو ما تلوت ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ (١) (النحل: ٦٧) في ذكر الوزير الكاتب أبي بكر محمد بن سوار الأشبوني (٢) [١٤٨ب] وأبو بكر في وقتنا واحد عصره، وله عدة قصائد في ملوك قطره، قالها تحبباً لا تكسبا، وعمر مجالسهم بها وفاءً لا استجداء، فلما خلع ملوك الأندلس حالت به الحال، وتقسمه الإدبار والإقبال، ثم أسره العدو بعقب محنةٍ، وبين أطباق فتنة، وقيد بقورية من عمل الطاغية ابن فرذلند، ثم خرج من وثاقه، خروج البدر من محاقه، وتردد في بلاد أفقنا يحمله قرب على بعد، ويكله سعيد إلى سعد، حتى

стр. 1738

ضاقت عنه الخطوب، ومله السرى والتأويب. واتفق له أن أسمع الله صوته من وراء البحر المحيط الفقيه الأجل قاضي القضاة بالمغرب. وسلالة الأطيب فالأطيب، أبا الحسن علي بن القاسم بن عشرة، فأجابه وأباه (١) وجذب بضبعه واستدناه، فأعاد هلاله بدراً، وصير خله خمراً، ولبني القاسم (٢) في الجود خيم كريم، ولهم تقدم مشهور معلوم؛ بلغني أن جدهم الأكبر أحمد بن المدبر، حامل تلك الفضائل، وصاحب الأعمال الجلائل، إذ كان أحد نجوم تلك الآفاق، ببلاد الشام والعراق، واشتهار معرفة قدره، يمنع عن ذكره، لكني ألمع هنا بلمعة من أمره. قرأت في الكتاب الكبير لليعقوبي في الدولة العباسية قال: كان لأحمد ابن المدير منزلة عند المتوكل جعفر، وكان قد قلد ديوان الضياع لإبراهيم ابن العباس الصولي، قال وهب بن سليمان بن وهب: وكنت أكتب له، وكان رجلاً بليغاً، ولم يكن له في علم الخراج تقدم، وكان بينه وبين أحمد ابن المدبر تباعد، وكان أحمد نسيج وحده، فدخل على المتوكل وقال له: قلدت ديوان الضياع إبراهيم بن العباس فضاع، فقال له المتوكل جعفر: غداً يحضر، وتتكلم في أمره بما يظهر؛ فبلغ ذلك إبراهيم فاغتم لمعرفته أنه لا يفي بابن المدبر، وحضرا من الغد، فقال له المتوكل (٣) : تكلم يا أحمد

стр. 1739

فذكر أشياء صدق فيها، وإبراهيم ساكت، فقال له المتوكل: يا إبراهيم ألك جواب على كلامه؛ قال: جوابي يا أمير المؤمنين في بيتي شعر إن أذن لي قلتهما، قال: قل، فأنشد (١) : رد قولي وصدق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا أتراه يكون شهر صدودٍ ... وعلى وجهه رأيت الهلالا فقال المتوكل: زاه زاه!! أحسنت والله، إيتوني بمن يلحن هذا، وأحضروا الندمان، ودعونا من أخبار الديوان، وخلع على إبراهيم. وخلا المتوكل يومه بلهوه، وبقي إبراهيم مغموماً في منزله، فقيل له: هذا يوم سرورٍ بما جدد عليك من النعمة، وخصصت به من الكفاية بدل النقمة، فقال: الحق بمثلي أولى وأشبه، وما أدفع أحمد بن المدبر، ولا كذب في شيء مما ذكره، ولا أنا ممن يعشره في الخراج، كما لا يعشرني في البلاغة، وإنما ظهرت عليه في يومي هذا بالهزل، فما لي لا أبكي فضلاً عن أن اغتم، من زمان يدفع فيه الحق بالباطل -! وسيكون لهذا وشبهه نبأ بعد. وقال يوماً يحيى بن أكثم القاضي لابن المدبر بحضرة المتوكل جعفر: أنت كاتب تتفقه وتذكر أنك لا تلزم الناس بالأموال إلا بحجج فقهية: من كتب للنبي ﵇ قال أحمد: ليس على الكاتب علم ذلك، ولا تعلمه أيضاً على الفقيه، إذ لا يحلل حلالاً ولا يحرم حراماً، وقد روي أن

стр. 1740

عثمان وعلياً وزيد بن ثابت وحنظلة ومعاوية وغيرهم كتبوا له ﷺ ، ولكن من الذي على عهده عملك فأمر بقتله -! يعرض له بما كان ينسب لابن أكثم من اللواط - فخجل، واستفرغ ضحكاً المتوكل، فكان ذلك سبب العداوة بينهما؛ وأخباره كثيرة مأثورة. جملة من شعر أبي بكر بن سوار في أوصاف شتى [١٣٩أ] له من قصيدة أولها (١) : إياك من ظبية في ذلك الكنس ... فإنها أخت ذاك الضيغم الهرس كم نم (٢) بي جرس قرطيها وساعدني ... ما في الخلاخل من صمت ومن خرس ما ظبية المكنس العفراء همت بها ... (٣) وإنما تيمتني ظبية الأنس ومنها (٤) : ما يعرف العرف المسواك من سببٍ ... إلا من الشنب المعطار واللعس يا ربة الخدر حيث النجر من (٥) أسد ... والموج من زرد والسيف من فرس رسوم دارك في يبرين دارسة ... وفي الحشا لك ربع غير مندرس قس ما تشاء تجد بي مثله عوضاً ... وبالزمان الذي ولى فلا تقس

стр. 1741

ألست تذكر يوماً حين زرتهم ... والدهر يخرج من عيدٍ (١) إلى عرس نزلت في موضع حف الغدير به ... كما يحف اخضرار الليل بالغلس ... (٢) فإن تهادي قليلاً صار كالترس> ترى بها الحوت حول الماء جثته ... (٣) [ ... ] ما يرمي من النفس كأن جود (٤) عليٍ جاد لجته ... فليس يخشى (٥) عليه آفة الدرس مطهر لم يدنس عرضه بخل ... وجوهر الشمس معصوم من الدنس وكان أسر على ما ذكرته، وبقي معتقلاً بمدينة قورية، إلى أن خرج من وثاقه، وقال في ذلك قصيدة يصف كيفية القبض عليه، قال فيها (٦) : وليلٍ كهم العاشقين قميصه ... ركبت دياجيه ومركبها وعر سريت وأصحابي يميلهم الكرى ... فهم منه في سكر وما بهم سكر رميت بجسمي قلبه فنفذته ... كما نفذ الإصباح إذ فتق الفجر

стр. 1742

ولما بدا وجه الصباح تطلعت ... خيول من الوادي محجلة غر فقلت لهم: خيل النصارى فشمروا ... إليها وكروا هاهنا يحسن الكر وكانت حمياً النوم قد صرعتهم ... ففلوا ولوا مدبرين وما فروا وأفردت سهماص واحداً في كنانة ... من الحرب لا يخشى على مثله الكسر وكنت عهدت الحرب مكراً وخدعةً ... ولكن من المقدور ما لامرئ مكر فطاعنتهم حتى تحطمت القنا ... وضاربتهم حتى تكسرت البتر أضرج أثوابي دماً وثيابهم ... كأن الذي بيني وبينهم عطر وأحدق بي والموت بكشر نابه ... ومنظره جهم وناظره شزر فأعطيتها وهي الدنية صاغراً ... وقد كان لي في الموت لو يدني عذر فطاروا وصاروا بي إلى مستقرهم ... يصاحبني ذل ويصحبهم فخر فقال العذارى حرقوه مقارضاً ... فمن قتله الفتيان عطلت البكر ومنها: فجاءوا بأنواع الكبول ونظموا ... سلاسل في جيدي كما ينظم الدر وساقوا كلاباً كالفحولة أجسماً ... لها أعين خضر ملاحظها شزر فقالوا اعطنا ألفاً فقلت مضاعفاً ... (١) [] سبحان ربي ما أجل جلاله ... تخلصني منها له الحمد والشكر [١٤٩ب] فضاقت علي الأرض حتى كأنها ... بما رحبت ما كان في طولها فتر فناديت في حول من الدهر كامل ... ألا رجل حر ألا رجل حر وإن وراء البحر أروع ماجداً ... بعزته الغراء يستنزل القطر ألا خبراني ابني أبي هل أتاكما ... وشيكاً عن القاضي أبي حسن ذكر

стр. 1743

سلا عن سلا هل من علي حقيقة ... فإني في أحشاء قوريةٍ سر ألا إنما الدنيا علي وقربه ... وإلا فإن الأرض عامرها قفر بعدل علي تعمر الأرض كلها ... وتتسع الدنيا ولو أنها قبر حنيني إليه موثقاً ومسرحاً ... كما جن للبر الذي يغرق البحر وله من قصيدة في قاضي الجماعة أبي عبد الله بن حمدين: من معشر حمدوا فأحمد سعيهم ... (١) فلذاك ما سموا بني حمدين مضت القرون ومرت الدنيا ومن ... فيها وما جاءت لهم بقرين لله درك أيها القاضي فما ... حبل الرجاء لديك غير متين ولقد ذكرتك والعدو يعضني ... والعلج يلطم صفحتي وجبيني يوم العذاب وللكلاب تضور ... حولي ونشاب الردى ترميني وتوهمني بالغنى وأضر بي ال ... مال الذي أخذوه إذ أخذوني قالوا: اعطنا ألفاً فقلت مضاعفاً ... لما رأيت الموت ملء جفوني فبقيت عاماً في الإسار مصفداً ... بسلاسل ضرباً من التنين لما يئست ولم تكن لي حيلة ... أرسلت في ابن أبي فكان ضميني (٢) وتركته بيد العدو موثقاً ... في ذل أغلال وضيق سجون وردت رسائله علي فتارةً ... يشكو إليّ وتارةً يشكوني فقلوبهم كالقلب في خفقانه ... وعيونهم في جريها كعيون فأتيت نحوك والرجاء يقودني ... وجميل ذكرك خلفه يحدوني

стр. 1744

وله من أخرى في القاضي أبي الحسن بن القاسم (١) : ساروا وحبل وصالهم مبتوت ... فسلوا نجوم الليل كيف أبيت بانوا وروحي عندهم وحشاشتي ... وتظن أنهم مضوا وبقيت أسفي على وادي الأراك وإنما ... يتأسف المحزون وهو يموت أنحي على الأقراط ناطقةً ولا ... أنحي على الخلخال وهو صموت لا تأخذوا في اللوم لست بسامعٍ ... إن الملامة في الهوى تعنيت ومنها في المدح: [١٥٠أ] لو أن وفقك في القلوب مركب ... لم يلتقم في البحر يونس حوت ولقد حملت من الوقار سكينةً ... لم يحتملها قبلك التابوت وله فيه من أخرى أولها: من لظى قلبي اقتدح لا من زناد ... ودموعي استسق لا صوب الغوادي اصرفوا نومي ليدني طيفكم ... وهنيئاً ما غصبتم من فؤادي أنتم الأحباب في حكم الهوى ... فارفقوا لا تفعلوا فعل الأعادي جسدي أنحل من سركم ... في تناجيكم به يوم البعاد تكمن الشحناء في أحشائهم ... ككمون الجمر في جوف الرماد يحمد النجم الثريا ألفتي ... ولقد يبكي سهيل لانفرادي ما مرادي أن أرى منفرداً ... رب محمول على غير المراد لا سقى الروض غمام ساكب ... ليس يسقي معه شوك القتاد

стр. 1745

ومن المدح: إن من بعد بني القاسم لا ... أحد يملأ عيناً من جواد نسب مطرد من شرفٍ ... ككعوب الرمح ذات الإطراد وقبيل كله من عزةٍ ... كظبا الهندي في يوم الجلاد وبنو عشرٍ ذوو العلياء لم ... يخلقوا إلا لكف وذياد وعفافٍ واعتكاف وتقىً ... ووفاءٍ وعطاءٍ وأيادي وله فيه من أخرى (١) : بدت الغزالة والغزالة وجهها ... وتكلمت فسمعت ظبياً يبغم خالستها وتبسمت فظننتها ... عن مثل ما في نحرها تتبسم فتشابهت منها الثلاثة أضرب ... عقد وثغر طيب وتكلم لو كان مرئياً جمان حديثها ... لرأيت من أجل شيء ينظم ومضت تجر وراءها شعراً كما ... أعطاك جانبه الغراب الأسحم يمحو مواقع إثرها فكأنه ... يخفيه عن عين الرقيب ويكتم والمسك فوق الترب من أردانها ... خط كما رقم الرداء المعلم ما لي وما لك يا (٢) غيور تسومني ... خطط الردى وأنا المعني المغرم هلا اتقينا حيث (٣) تنتثر الظبا ... والهام تسقط والقنا تتحطم والجو أدكن بالغبار قميصه ... والجيش أرعن والخميس عرمرم وكأن يوم الحشر (٤) يوم جموعنا ... وكأن غلي الحرب فيه جهنم

стр. 1746

وكأن كل كمي حربٍ مارد ... تهوي إليه من الأسنة أنجم ومدربين على الطعان لقيتهم ... وكأنهم في الشمس ليل مظلم [١٥١ب] لبسوا جلود الرقم واعتقلوا القنا ... فرأيت كيف يجر أرقم أرقم حتى علوناهم بكل مهندٍ ... (١) يبكي فتحسبه لهم يترحم ذو خطبة في الهام يسمع صوتها ... في كل قطر وهو لا يتكلم ولقد سلمت من الصوارم والقنا ... (٢) لو كنت من فتكات رميك أسلم أعلي يا ابن القاسم بن محمد ... بيني وبينك عروة لا تفصم رد التحية مثل ودي غضة ... إني عليك مع النسيم مسلم ولقد كتبت وأدمعي منهلة ... والقلب فيه جذوة تتضرم أمن السوية أن أكون كما أنا ... فيفوز غيري بالنعيم وأحرم والله يرضى عنك من حكمٍ فقد ... وافيت حكم الله فيما تحكم إن بنت عنك ولم ترده فإنه ... بعضي لبعضك في فراقك يخصم ولقد ندمت على فراق سلا كما ... ضعف (٣) الندامة حين أهبط آدم وهذا كقول الآخر: كآدم حين عصى ربه ... عوض بالدنيا من الآخره قوله: " يجر أرقم أرقم "، كقول ابن اللبانة، وقد تقدم (٤) :

стр. 1747

فقلت الصل أتبع ضيغما ... وقوله: " والمسك فوق الترب " ... البيت، كقول ابن شهيد: وولت وللمسك من ذيلها ... على الأرض خط كظهر الشجاع (١) وله فيه من قصيدة أولها: إلى ضوء ذاك البارق المتعالي ... حننت وحنت (٢) أينقي وجمالي تألق يزجي عارضاً مثل أدمعي ... ويحكي فؤادي خفقه المتوالي فلولا شمالي في زمام شملة ... لطارت إليه في صباً وشمال إلى مسقط الغرس الذي كان غرسها ... به لا إلى سدرٍ هناك وضاك ولم تنسها الأرطى رياض ترودها ... لدى مورد عذب المياه زلال وحبب للإنسان أول موطنٍ ... وإن كان في حاشاه ناعم بال هم بعثوا طيف الخيال الذي سرى ... فعانق جسماً مثل طيف خيال وأقبل من تلقائهم فكأنه ... مغلفة أعطافه بغوالي ومنها: فيا دارهم بالحزن حزني (٣) مجدد ... عليك، وقلبي ليس عنك بسالي أرى أعيناً صوراً إليّ كثيرة ... ومن دون أن ألقاك سور عوالي (٤) وأبيض هندي كأن بحده ... مطار ذبابٍ أو مدب نمال

стр. 1748

جرى فوقه ماء الفرند وتحته ... وجال على متنيه كل مجال وقد أظهرت فيه المنايا نفوسها ... كما خوضت لج السراب سعالي ومن المدح (١) : ولم يحكمهم صوب الحيا لكن اغتدى ... بما فيهم من شيمة وخلال وجاءوا على جيد الزمان قلائداً ... وأفعالهم فيها ضروب لآل [١٥١أ] أقاموا لواء المكرمات وخيموا ... من المجد والعلياء تحت ظلال إذا احتجبوا لم يستر الحجب نورهم ... وإن طلعوا كانوا بدور جمال أو انتسبوا في المجد كان انتسابهم ... لأعظم عم أو لأكرم خال وإن ورث العلياء عنهم عليها ... فلا بدع في حال وراثة عال سكينته من أعفر (٢) ويلملم ... وبعض رجال في سكون جبال إليك رمتنا العيس حتى كأنها ... من الوهن أقواس رمت بنبال وهذا لفظ أبي العرب الصقلي (٣) ، وهو معنى قد نبهت عليه في تضاعيف هذا التأليف: وحط بنا عن ناجياتٍ كأنها ... قسي رمت منا البلاد بأسهم وكذلك قوله: " جرى فوقه ماء الفرند " لفظ ابن المعتز (٤) : جرى فوق متنيه الفرند كأنما ... تنفس فيه القين وهو صقيل

стр. 1749

وفي أشعار أبي بكر تلفيق كثير، على تدفق نحيوته، وقوة غريزته، كقوله في قصيدة، منها: وفتيةٍ من أعاريبٍ كأنهم ... أسد على اعةجيات سراحيب لا يلبسون جلود الرقم سابغةً ... حتى تخاط بأحدق اليعاسيب ولا تبيت على قرب محلتهم ... إلا يبيت حماهم غير مقروب يا كم مضيت (١) وغول الهول يتبعني ... وكم سريت وسيل الليل يرمي بي ملابساً ما تراه العين ملتبساً ... ليلاً مع الليل أو ذئباً مع الذيب وأطرق الفتيات البيض لابسةً ... لبض الجلابيب في سود الجلابيب والقرط كالقلب من خوفٍ ومن حذر ... كأنه هو في خوف (٢) وتعذيب لم آتها قط إلا نم بي وبها ... واشٍ من الحلي أو واشٍ من الطيب ولا انتهيت إلى أطناب قبتها ... إلا على ظهر مطعونٍ ومضروب بأبيض بدم الأجساد مغتسل ... وأسمر بدم الأكباد مخضوب والطبع أكرم في تركيب خلقته ... من أن أكون محباً غير محبوب إن كنت يا دهر لم تحسن معاشرتي ... فيما مضى فلقد أحسنت تأديبي أجرب الناس في ضيق وفي سعةٍ ... والناس صنفان في حدج التجاريب وما على العود أن يهدي نوافحه ... إلا على لهبٍِ بالجمر مشبوب ويطلب الجود من قوم وجود بني ... عشرٍ يجيئك عفواً دون مطلوب محاسن ثقفت منها أوائلهم ... كما تثقف أنبوب بأنبوب وقال من أخرى، وذكر حمامة:

стр. 1750

بكت لم تسل دمعاً ولا هي أعربت ... ولا أفصحت معنىً بلحن كلام ولم أر أشجى من بكاءً بعثنه ... فزدن به في لوعتي وغرامي [١٥١ب] نوائح ما غاضت دموع جفونها ... على السكب إلا والضلوع حوام وما ذلك المحمر فيهن خلقة ... ولكنها (١) مما بكين دوامي ومنها: سقى منزلاً بالغرب منسكب الحيا ... وجاد عليه كل أسحم هامي بحيث بنو عشرٍ تنير وجوههم ... كمات طلعت ليلاً بدور تمام فما أكثر المثني عليهم سجيةً ... وما أشبه النعمى بطوق حمام رعى الله فيكم ذمة المجد والعلا ... فلا خلق أرعى منهم لذمام وله فيه من أخرى (٢) : إذا نزل العافون في عقر داره ... فقد نزلوا في غبطةٍ وأمان بحيث حياض (٣) الجود زرق مياهها ... ومزن العطايا دائم الهطلان وللغيث أوقات يفاجئ صوبه ... ونائله ينهل كل أوان أغر طليق الوجه يهتز للندى ... كما اهتز مصقول الفرند بماني فما لعليًّ في البرية مشبه ... وما لعليّ في الأنام بثاني فلو أنني في الوصف لم أذكر اسمه ... دروه وقالوا: ذي صفات فلان

стр. 1751

وله فيه من أخرى عند صدره من حضرة أمير المسلمين: مضيت بوجه السعد وهو طليق ... وأبت بثوب النجح وهو يروق لقيت أمير المسلمين مقرباً ... كما يتلاقى شائق ومشوق رآك وللإسلام نصحك كله ... وعهدك في ذات الإله وثيق تلقاك بالبشر الذي أنت أهله ... فقالوا: أب حانٍ عليه شفيق ومنها: ولما طغى قوم وفرت لحومهم ... فعاج فريق واستقام فريق وضلت حلوم (١) بالجهالة مثلما ... أضل سواع معشراً ويعوق وجاءوك بالمكر الكريه وإنما ... بصاحبه (٢) المكر الكريه يحيق أراهم مكان الفضل منك فروعوا ... كما انشقت ريح الغضنفر نوق وفروا ولولا حسن رأيك فيهم ... لما حملتهم بعد ذلك سوق فلا عدموا منك الذي عهدوا فما ... بغيرك غفران الذنوب يليق توسعت فضلاً في ولى وحاسدٍ ... ولم يك في باع المكارم ضيق كرمتم فروعاً في المعالي حميدةً ... وطابت أصول منكم وعروق وله فيه من أخرى، وكتب إليه (٣) بها من تلمسان وأولها (٤) : لعل إياب الظاعنين قريب ... فترجع أيام الحمى وتؤوب

стр. 1752

مغاني تلاقينا وعهد اجتماعنا ... وليس علينا للزمان رقيب وأيامنا بيض الليالي ودهرنا ... من الحسن ما للشمس فيه غروب بها كان يدعوني الهوى فأجيبه ... مطيعاً وأدعو بالهوى فيجيب [١٥٢أ] وأرمي المها عن ناظري فتصيبها ... سهامي وترميني المها فتصيب وفي الخدر مكحول الجفون صفاته ... من السحر معسول الرضاب شنيب إذا ما (١) أدار الكأس من مثل ريقه ... تمايل غصن وارجحن كثيب فأجفانه سكرى ونحن وقده ... وكل بما استولى عليه مريب ويهتز نوار الملاحة حوله ... فيعبق من أنفاسه ويطيب على مثل أيام الزمان الذي مضى ... تشق قلوب لا تشق جيوب ومنها: أمثل عليّ تطلب العين أن ترى ... ومثل عليّ في الملوك غريب فتىً يهب الدنيا ويرتاح للندى ... كما اهتز غصن البان وهو رطيب وتأتي عطاياه اطراد خصاله ... كما اطردت للسمهري كعوب وإن كنت قد أضربت عن مدح غيره ... (٢) فليس له في العالمين ضريب أحب سلا من أجل كونك (٣) في سلا ... فكل سلاوي إليّ حبيب لصيرتها مصراً فنيلك نيلها ... وكفاك بطحاها وأنت خصيب

стр. 1753

وقد كرر هذا المعنى فيه أبو بكر، في مواضع من شعره، منها قوله من قصدية (١) : يقول رجال غير ما يفعلونه ... وإن علياً قائل وفعول فلا تطلبوا في ساحة الأرض مثله ... فمثل عليّ في الملوك قليل ولولا ما كانت سلا دار هجرتي ... ولا كان لي عمن أحب رحيل فألفيتها مصراً وأنت خصيبها ... وكفاك بطحاها ونيلك نيل ولما توفي سنة اثنين وخمسمائة قال فيه يرثي: العيش بعدك يا عليّ نكال ... لا شيء منه سوى العناء ينال يا عثرةً عثر الزمان بأهله ... ليت الزمان من الزمان يقال يا عصمة الفقراء بل يا مالهم ... هيهات ما للناس بعدك مال أبكيك بالدم لا بدمعي إنه ... يبكي سواي به وذاك محال دنيا ظفرت وما متاعك كله ... إلا سراب يضمحل وآل قد كنت مشغولاً به متوقعاً ... ولذي الوفاء بغيره أشغال فالآن ها أنا لا أبالي عن أسىً ... وقع التوقع فاستراح البال قد كنت آمالي التي أنا طالب ... جهدي ومت فماتت الآمال لا الظل ظل بعد فقدك يا أبا ... حسن ولا الماء الزلال زلال ومنها: كنت (٢) الصفوح عن المسيء ولم يكن ... إلا الجميل لديك والإجمال حطوا عن الأكوار قد مات الذي ... يتحمل الأعباء وهي ثقال

стр. 1754

مذ ودع القوال والفعال ما ... في الأرض قوال ولافعال (١) [١٥٢ب] وتهدم الجبل المنيف فزلزت ... رتب العلا ومن الرجال رجال فلأجعلن حجي لقبرك إنه ... للخير فيه وللتقى أوصال كلا عيالك لكن [ ... ] ... (٢) فجميعنا لك يا عليّ عيال أين العزاء فقد أديل بأحمدٍ ... دول الأفاضل بالبنين تدال ومنها: طوقتني النعمى فصرت حمامةً ... تشدو وغصنك ناضر ميال وإذا الأيادي لم تكن مشكورةً ... للمنعمين فإنها أغلال ومن مدائحه في الفقيه القاضي أبي العباس ابنه (٣) ، له من قصيدة أولها (٤) : بعثت إليك من البراق خيالها ... فأراك شكلك حاملاً أشكالها هل ينكر الغيران مني وقفةً ... وقفت أماني النفوس حيالها في ليلةٍ عبث المحاق ببدرها ... غصباً فقصر عمره وأطالها سوداء أشرق نجمها فلو أنني ... أجري على فلك لكنت هلالها ولقد فتكت بقرطها وبمرطها ... حتى هتكت حجولها وحجالها

стр. 1755

ومن المدح: ما الخطة العلياء زانته، (١) بلى ... هو زانها حتى أتم كمالها ويشق ماء العتق صفحة خده ... شق الفرند من السيوف صقالها وبأحمد بن علي بن القاسم بن ... محمد درت المكارم حالها هو لفظة من منطق الدنيا بها ... فخر الزمان على بنيه فقالها من كل مكتهل الوقار وأزهرٍ ... لبسوا الشبيبة فاكتسوا سربالها يمشون فوق الأرض تحت حلومهم ... فتخالهم أوتادها وجبالها لولاهم لتحركت جنباتها ... من جرفةٍ ولزلزلت زلزالها وله من أخرى (٢) : أمعاهد (٣) المدح الذي غادرته ... مغدىً لبارقة المها ورواحها وادٍ إذا ضرب الهجير رواقه ... أهدى إلى مهج القلوب رواحا (٤) إن كانت الأرواح من ماءٍ فمن ... ذاك المجاج تكونت أرواحا فأتت تقبلني فقلت لها أمسكي ... عني فإني لا أقارب راحا فمضت وقد أخجلتها فتبسمت ... فرأيت في أرض العقيق أقاحا حتى إذا ما الروض نبهه الندى ... فتحت عيوناً كالعيون ملاحا ومن المدح:
следующие страницы →