Полный текст (3 281 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
هلا سترت الشين بالزين ... من قبل إحضار الوزيرين -
قد علما أنهما أحضرا ... لخلوةٍ أثقل من دين
لما تدانت قاب قوسين ... أصابها الحاسد بالعين
فانصرفا مثل انصراف الفتى ... أسلم إلفاً ليد البين
صدهما من قردك المصطفى ... نطحة نطاح بروقين
وما رأى الناس على ما مضى ... من قبله قرداً بقرنين
أربعة في مجلس جمعوا ... فطار هذان بهذين
قد لزما جنبيك لم يبرحا ... لهفي على ضيعة جنبين
فأنت ما بينهما جالس ... جلوس أبر بين خصبين وما كان هذا القرد أهلاً لأن يحمل عليه حر كلام، ولا ليرمى بفضل بيان. وبالحرا أن يرقم على عتبة دكان، أو يصور على باب حمام، وقد غرس في وجعائه رأس نخلة، وحيي في سعفها عش نحلة؛ أو ينقش في خاتم قيمار، وقد علاه خنزير، وعطس مستنجاه بإبرة زنبور، فإنه بقية من بني إسرائيل الذين استحلوا الحرام، واجترحوا السيئات والآثام؛ فلما عتوا عما نهوا عنه، قيل لهم كونوا قردةً خاسئين، فجعلت نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين.
ولولا أنه منتسب إلى آل هاشم، إلى عصابة أقلني كرمهم
стр. 212
وأظلتني نعمهم، ومسند على العلات من أبي جعفر، إلى وزير كان لي وزراً، رقرق شرابي، وأخصب به جنابي؛ لأدرت بداره دائرة السوء، وسريت إليها في لمةٍ في صعاليك الأحرار، وصميم الرجال، فأحرقتها على نازلها، وجعلت عاليها سافلها، امتثالاً لقوله تعالى في ديار قوم لوط؛ فالشائع لدينا أنها قرار لبنات السحق، وبركة لسمكات العشق، يتناكح بها النسوان بعضهن إلى بعض بالصدقات، ويستعملن خرز جلود البقر في الكيرنجات. فالله الله في قبول هذا القرد والالتباس به، فإنه قدار من لزمه، وهو والفرضي رضيعاً لبان، وفرسا رهان، ولذا لم يؤثر فيه إذ نقره على الرأس، لأن الأفعى لا تقتلها نهشة الأفعى، وأخاف عليك عاديته، وأتقي على أيامك بادرته؛ كان الله خليفتي عليك يا أبا القاسم؛ والله الله في إعادة نفحة من كرائم نفحاتك على قرية أبي الجودي، فلو أنها الجودي كرامةً، وقرية النمل عمارة، لقلت في جنب ما أتغنى به من شكرك، وأترنم به من تقريظك ومدحك. والذي أستقبله من ذلك أكثر منىً: علي أن أهدي من ذلك لطيمةً إلى جارتك القيروان، وأخرى إلى حبيبتك مكة بيت الرحمن، بكلام عذب، ومساق رطب، يبكي الحجيج، ويقدح نار العجيج، تحن له الرباب، وترق له الأعراب. واعلم أن نعمتك فيها، لشهرتها بك، وارتفاعها بارتفاعك، مكتوبة بكف
стр. 213
الثريا في مفرق السماء، نونها الهنعة، وعينها الشولة، وميمها النثرة، فإن أعقبتها " لا "، كان الدبران كاتبها عليك، ترمقها الأبصار، على انتزاح الأقطار.
وفي فصل: وبحثت على من تجرد للتنبيه على مثل ذلك وتفرغ للاشتغال به، فوقعت على الكاتب الوزير، اليقظ النحرير، خالد بن يزيد الكيميائي أبي عبد الله الفرضي، فقلت: شنشنة أعرفها من أخزم، لا يصلح للأفعى مراد الروض، ولا ورود الحوض، ولا يدفع لؤم الكلب، كرم الصحب، وإنما الأخلاق جارية على الأعراق، والأفعال مأخوذة عن الأعمام والأخوال؛ وهذا المذكور مشئوم، أدوى من موم، وأشأم من بوم، يسيء لمن أحسن إليه، ومن أجاره تجنى عليه؛ منته نفسه على ضيق نفسها ملك الملوك، وإحياء وقائع اليرموك، فارتبك فيما ارتبك، ولولا القدر لطحنته الرهك، لقد أخطأت استه الحفرة، وما ثبت عند النفرة؛ أولى له! لقد خبث مغرسه عما حاول، ولؤم معطسه عما تناول؛ وهيهات! لا تبصر الشمس العمش، ولا تهتدي السبل الخفش. وإني لأخاف على سعدك نحسه، وأحذر على يومك أمسه، أفقده الله حسه، وأورده الكنيف
стр. 214
رمسه، فإنه لو جاور البحر لسده، ولو جاس أبا قبيس لهده. وما أبعد أن تمنيه نفسه الخبيثة الفتك بك، والوثوب عليك، فإن أمره أسخف، وصفاقة مخه أشف، من ألا يجري هذا المجرى، ولا يرمي هذا المرمى؛ وربما ساعده القدر: هذا حمزة قعصه وحشي، وبسطام صرعه عاصم، وكسرى فتك به مرازبة له.
وكتب الوزير أبو مروان ابن الجزيري إلى الوزير أبي عامر ابن شهيد:
قل للوزير الذي بانت فضائله ... وقام فينا مقام الغيث نائله
إذ بان فضل مساعيه وهمته ... بين لنا شرح معنى سال سائله:
أواخر الورد إذ تجنيه ملتقطاً ... أزكى وأعطر نشراً أم أوائله -
وأي حاليه موجوداً ومفتقداً ... أولى وأجدر أن ترعى وسائله -
وقد أتاك لتوديع على عجل ... خضراً مقانعه حمراً غلائله
فامنحه منك قبولاً واقض نهمته ... من الوداع فقد زمت رواحله فأجابه:
يا سيداً أرجت طيباً شمائله ... وشاكهت شعره حسناً رسائله
وسائلاً لي عما ليس يجهله ... ولا الذي كلف التفضيل جاهله
الورد عهداً ونشراً صنو عهدك لا ... تنسي أواخره طيباً أوائله
стр. 215
ووصله في كلا الحالين مفترض ... سيان قاطعه جهلاً وواصله
فالعود يخفق، والمزمار يتبعه ... وهاجر الراح قد هاجت بلابله
تخبر بمثل الذي أنت العليم به ... أيامنا والصبا تعصى عواذله قال أبو الحسن: وقد ضارع أبو عامر هذا محاسن الطبقة العالية البغدادية المضارعة التي بانت فيها قوته، ولدنت اختراعاته ومقدرته، فصار يتناول المعنى الحسن فيصيره محساً بحسن مساقه، فمنها وصفه للنحل والعسل: واسعة الأكفال والصدور مرهفة. ووصف البرغوث فقال: أسود زنجي. ووصف البعوضة فقال: مليكة لا جيش لها سواها. ووصف الثعلب فقال: أدهى من عمرو. فهذه أوصاف لو رامها غيره لكبا جواد بنانه، ونبا حسام لسانه. وقد عارضه فقال في صفة النحلة:
وطائرة تهوي كأن جناحها ... ضمير خفي لا يحدده وهم
ملازمة للروض حتى كأنما ... لها كل ما تفتر عنه الربى طعم
تمج بفيها الشهد صرفاً ويختفي ... لمشتاره ما بين أحشائها سهم
منافرة للإنس تأنس بالفلا ... مفرقة للشهد، من بعضها السم
فإدناؤها رشد وهتك حجابها ... إذا احتجبت في غير أيامها ظلم وقال في صفة البرغوث:
стр. 216
ومنفر للنوم مسكنه إذا ... نام المملك بين أثناء الثياب
يسري إلى الأجسام يهتم عدوه ... عن كل جسمٍ صيغ بالنعمى حجاب
ويعض أرداف الحسان وماله ... كف ولكن فوه من أعدى الحراب
متحكم في كل جسم ناعم ... متدلل ما بين ألحاظ الكعاب
فإذا هممت بزجره ولى ولا ... يثنيه عما قد تعوده طلاب
وترى مواضع عضه مخضوبةً ... بدم القلوب وما تعاوره خضاب
قرم من الليل البهيم مكور ... يمشي البراز وما تواريه ثياب
عظمت رزيته ولكن قدره ... أخزى وأهون من ذباب في تراب رجع. وله: تخلصك الله منه! ثلاثة سموم: أفعى وعقرب ويعسوب نحل. شرب الماء وارداً وعنده حشائش استفادها من كيميائه، تكفيه وعثاء عنائه، إذا رام فتكاً أو حاول وثباً. وإذ قد اطرد هذا القول، وانثالت هذه الكلمات، فلا بد من تعريف الموفق - وفقه الله - أصل هذا الفاسق وفرعه، وإن كلفته تطويله وسجعه: صحبته منذ أعوام، أيام اختلافنا إلى الزاهرة، وإذ تلك المواطن قائمة غير دائرة، وبالغرر من آل عامر عامرة، وكنا كثيراً ما نتدارس ضروب العلم: من ادب وخبر وفقه وطب وصنعة وحكمة؛ على أنه في أهل الفهم واو عمرو، أو لسان بظر. وكان - ولا أشعر - يدالس يوالس
стр. 217
قد استهتر على الفلوس، واستهلك على التدليس، وصار في ذلك وضح النهار، ونفخة المزمار؛ لو لمس البدور لعادت زيوفاً، أو تناول الشموس لغشاها كسوفاً، وقصدته يوماً، على جهل بتلك الخليقة منه، لأستريح إليه، وألقي من شيئي عليه، فألفيته قد خلا بابه، وغاب بوابه، فولجت فثار إليّ صبي غرير أصبته هنالك قائلاً لي: طال انتظارنا لك! وتقدمني وسرت حتى انتهيت إلى دار ذات أجوان، قد غشيها دخان، كقطع العنان، تعبق منها صنان، من زرنيخ وكبريت، وزنجفور وأنزروت؛ فتذكرت ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس، هذا عذاب أليم﴾ (الدخان: ١٠، ١١) فاستشعرت الشر، وأردت الفر، ثم التفت فإذا أنا بأكداس جمر، وآلات تبر، وأشخاص سود وصفر؛ ثم أفضيت إلى بيت فيه عدة أشباح، كأنها قباض الأرواح، غرابيب، بأيديهم كلاليب؛ رزادق قد تقلدت مطارق؛ فلما رأونى صاحوا: فضحكم الواغل، فامحقوه من عاجل؛ فلما نظرت إلى امنية، وخشيت فصل القضية، ضحكت إليهم وقلت: تخطتكم النعمة، ولا هديتم سبيل الحكمة، أهكذا تعجلون، ولا تدرون من تريدون - قالوا: ومن أنت - قلت: من أخذ الطلق، فسحقه بالمدق، وشق بيد الذكاء، عن زهرة الأشياء، فبشر الآباء بالأبناء. فقالوا: بنار أم بماء - قلت: بهما جميعاً وبهواه. فأمضوا إليّ ضاحكين، واستقبلوني معتذرين، وقالوا: كدت والله أن تلتهم
стр. 218
وتكون السواد المخترم! قلت: وأين أبو عبد الله - قالوا: انفرد يرقق ماء بيض، ويصفق دم حيض، وغرضه استخراج دهن الحجر الكريم؛ فقلت: حبس حديث أو قديم - فنادوا: أواه، أواه! على الخبير سقطتم. ثم تلطفت وخرجت، تطير بي رجلاي، وقد حقن الله دني بعطفه، واستنقذني من يدي منيتي بلطفه. ووصفت لمن استوثقته ذلك بعد أن استكتمته، فجاس وخاص، وكأني أودعت سري ريحاً؛ فاضطغن ذلك علي، وأكد ذلك أيضاً معاملة عاملني بها أيام حرب المدينة، وكانت حبالها إذ ذاك منية، أعقبته وقع السوط على رأسه، وعض الحجل على ساقه؛ وكان الأمير بها أبو أيوب ابن المرتضى ﵄، فأعددت شعراً نويت أن أنشده إياه أول بيعته، وكان ما كان، وبلغه الشعر، فزادت نفسه لي خبثاً، ومنه:
فلما بدا فيهم سليمان عندها ... وصاح ابن ذكوان فثار رجال
هدى من ضلال الحائرين محمد ... وأذن بالبيت العتيق بلال
وقام أبو عمران يرأب صدعها ... بسعي تجلى عن هداه ضلال
وزير متى يستوزر الملك رأيه ... أمرت له في النائبات حبال
стр. 219
وليس كمنحوس من القوم منحس ... تعاظم حتى قيل ليس ينال
أعانته أموال تخون عينها ... وأعلته غثر سوقة وسفال
له كعب نحسٍ لم يصاحب به امرءاً ... على الدهر إلا رد وهو خيال
ففي كل عصر من عصور حياته ... تثل عروش أو تدك جبال
هو الداء فاستأصله تلبس جمالها ... وداء كعوب المنحسين عضال ولما قضي ماقضي، ووقعت تلك الهنات، ودرج أبو أيوب وعظم تأسفي، رميته بأبيات بلغته، فاصطكت أجرام عداوته، وأخذ في وجوه مطالبته، منها.
نالت سليمان منه رجل ... من قبل ما أرجلت أباه
فاستدرجا كاشفي دجاه ... يا ويلة المرء؛ ما دهاه -
يا سخط رب العلا عليه ... إذ أدت المرتضى يداه
لم يبق من زمرة المعالي ... إلا هشام العلا أخاه
يا رب فاحرسه لي بعين ... تمنعه الدهر من أذاه وفي فصل: وقال فيه أيضاً مسلمة بن عبد الملك:
لا تعرضن لإمام ... فبحر نحسك طامي
أصميتهم دون رمي ... والله إنك رامي ثم اشتدت وطأة هذا الخبيث أيام المستظهر، فلم يبق غايةً من اهتضامي إلا امتد لها، وأجرى نحوها، وقصرت به الأقدار دونها
стр. 220
وظاهر صاحبه أبا الحسن علي، وقاد مضرته إليّ، وصنع شعراً حملنيه عنده، وهو:
يا كسرة دهمتنا ليس تنجبر ... وسبةً لحقتنا ما لها عذر
باتت قعوداً رجال طاب محتدها ... وقام نذلان في سنخيهما بخر
أمسى قدار يسوس الأمر أجمعه ... لقد تأنق فيما ساءنا القدر
وذا أبو اليسر قد أمسى لها وزراً ... إنا إلى الله، يسر جره عسر
نذلان ما حركا إلا فشا ذفر ... نفح الكلاب إذا ما مسها المطر
لو أن أشياخنا كانت لهم همم ... تبقي رياستنا لم ترأس البقر
لكنهم - وقضاء الله محتمل - ...
إذا هم اجتمعوا يوماً لمعضلة ... رأيت نار التقالي كيف تستعر
بوم يرى الشؤم باد في صحيفته ... وقرد سوءٍ على صفحاته وبر فأغريا بي، وأرصدا لي، فكفى الله شرهما؛ فشبا حرب البسوس، وتناقرا على الرؤوس، وكانت هامة أحدهما صينية، أو مرآة هندية، فكبا الجد بمن كبا، ونبا المجد عن هامة من نبا، ليبلغ الكتاب أجله، ويقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فكيف يصغي الموفق - أيده الله - إلى رجلٍ هذه صفته، وبيني وبينه
стр. 221
ما قد شرحته وأوضحته - فليجرني من قبول حديث هذا الخبيث في، وإصغائه إلى كذبه علي، وليجر نفسه من عاديته، وينظر من وجه فائدته، يجده أشقى الأشقياء، وأضعف الضعفاء. إنما هو لطبخ إكسير، أو لشد قصدير، أو لنقش في ذكير، أو لادعاء أعمال، لو لتغشيةٍ مثقال، أو إقامة طلسمات، وهو خلي من ذلك كله، والحقيقة نائية عنه، والشعوذة غير مستملحة منه، لبرد طباعه، وقصر باعه؛ وإنما هي لأديب ظريف، ذي فهم لطيف. فأما هو فأبرد من ثلجة، وأشد عفوصةً من عفصةٍ فجة، إذا تقبض أنفه، وشمخ طرفه. ولولا أن المولك لا تتهادى بالوضيع، ولا تعتمد في تحفها غير الرفيع، لرأيت أن تهديه إلى البلينة ملكة البحر، والقيمة بالأمر، لينصرف البارد إلى عنصره، وعسى أن يخرجه البحر بعد حين في عنبره، فيكون أحر قليلاً، وأهدى إلى ذلك سبيلاً؛ ولولا أن وصف هذا الخبيث داخل في معاتبة الموفق، لما ارتضيت سوقه، ولا غشيته من كلامي روقة، فإنما يتعاتب الأكفاء، ويتمازح الأخلاء.
@فصول قصار اقتضبتها من طويل كلامه
فصل: جلا الشكوك بيقينه، واستنبط معرفة الأعمال من شئونه؛ وقسم ليله نصفين: نصفاً للتلاوة، ونصفاً للسياسة؛ ويومه شطرين:
стр. 222
شطراً للميدان، وشطراً للديوان، فاستجم در الخراج، ونزف دماء الأعلاج، من الأوداج.
فصل: لا نعمة للخالق على المخلوق أجمل عاقبةً، وأحمد مغبةً، وأروق بهاء، وأسبغ رداءً، وأبعد مأثرة، وأيسر مكرمة، من تقى يشعرها قلبه، وأدب يزين به عقله، ولسان مبين يفيضه عليه فيعرب به عن نفسه، ويكشف عن حقيقة ذاته، قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (الحجرات: ١٣) وقال: ﴿هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون﴾ (الزمر: ٩) ، وقال ﴿سلقوكم بألسنة حداد﴾ (الأحزاب: ١٩) ، وقال: ﴿أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾ (الزخرف: ١٨) وقال علي ﵁: قيمة كل امرئ ما يحسن، وقال: المرء مخبوء تحت لسانه. ولذلك كانت الملوك تعدل ببنيها عن التنعم إلى شظف العيش، وتدني محالتهم من البادية، وتبوئهم منازل الفصاحة، لتحتد أفئدتهم، ونمتد ألسنتهم، وينسابوا في لصاب الدهاء، ومزاحف النكراء، فيجيدوا الحز، ويطبقوا المفصل، ويسوسوا النوب، ويكبتوا الخصوم، ويخرجوا من الغماء، ويمضوا قدماً في الشنعاء، كما قال عمرو لمعاوية:
فإن تعطني مصراً فأربح بصفقة ... أخذت بها شيخاً يضر وينفع وإن امرءاً يقابل ابن هند بهذا، وهو هو، لفضفاض قميص الأدب، طويل نجاد المعرفة، موقوف على ذروة الفضل.
стр. 223
فصل: واصل الجهاد، واستأصل الكفر والعناد، واتخذ ظهر الجواد بيتاً، وظل اللواء كناً، واستبدل من نقر الكران قرع الطبول؛ ومن نغم القيان شجا الصهيل، ومن وجبة المعازف لجب الجيوش؛ يمشي في الهجير، ويسري في الزمهرير، ويحن إلى الأذان والتكبير؛ في خطة إبليس، ومصدح الناقوس.
فصل: كنت أسمع من هذه المآثر والمكارم مثل نفح الصبا، ويقرع أذني منها جرس ألذ من نغمة الصبا، فلا أكذب، لصدق الشاهد، وأمانة الناقل، وكثرة القائل. والحكيم أبو فلان خادم الشيب، ومصلح العيب، وله جوارشات مؤلفة، حارة مفلفلة، تكاد ترد الخصي فحلاً، والثور المسن عجلاً.
فصل: أجل ما بيننا ارتضاع الكاس، وشم الآس، والجري في حافات الصبا، والصيد بالسكر في الربى؛ وإن كانت هنات مخلقة، وأوقات موبقة، ذهبت وبقي وزرها، وظعنت وأقام شرها، فإن المرجوع للعليم الحكيم، رب العرش العظيم.
وله من رقعة خاطب بها مجاهداً أمير دانية وقته: قد يحلف الغمام، وتغدر اللئام، وتقطع الأرحام. من عز بز، ومن ريش طار، ومن سارت به الأيام سار، وعلى الجد المدار. جد كبا، وحسام نبا، وآمال
стр. 224
تفرقت أيدي سبا. كلمات أنثرها عليك، وآمال أصرفها إليك. كنا قبل أن ترمي بنا النوى مراميها، وتلقي الخطوب علينا مراسيها، وتمخضنا الأيام مخضاً، وتركض بنا الليالي ركضاً، تر بي صحبة، وحليفي صبوة؛ قد تخلينا عن الأنساب، وانتسبنا إلى الآداب، والدار إذ ذاك صقب، والملتقى كثب؛ فإذا شمخ بأحدنا مارن، وثار به كمد ساكن، بعتب على زمن، وتقصير بإرادة عن سكن، تعاطينا كأس الشكوى، وتجاذبنا حبل البلوى، والزمان غر، وحواصلنا صفر، نترنم ترنم الحمام، على زق الجمام؛ ثم ألقت الأيام علينا بكلكل، وأناخت من فوقنا بجران، فنثرتنا بكل فج عميق، وأفق سحيق، نثر الدرر، شذر مذر؛ ونفحت عليك رياح السعد، وجاءتك المنى من تهامة ونجد، وامتطيت ظهر الجوزاء، وافترشت لبدة العواء؛ وكلما دعيت إلى النزال والعراك، تترست بالثريا وطعنت بالسماك، فزحمت منكب الدهر، وقضيت أربك منه على قهر. فكان أول حيصتك عن الرفاء، وحيدتك عن رعاية قديم الإخاء، أن تركت المخاطبة، وأضربت عن المكاتبة، خشية أن يكون كلنا عليك، ورغبتنا في ما لديك، وهيهات! يأبى ذلك كرم محض، وهمة علياء ما لها خفض. ثم قلت: حمل أحسن الظن أجمل، والقضاء بأكرم العهد قبل، قد تشتغل الرؤساء، وتتجاذب العظماء، وعينه مع ذلك راعية، وأذنه واعية، وإنما الوصل بالفؤاد لا بالمداد، والالتقاء بالحلوم لا بالجسوم، فانطويت على ود، وثبت على صحة عقد. ثم دارت الدهور، وطلع البشير، أن قيل طالعكم عسكر جرار، فيه لأسد العرين نار، قضي لكم
стр. 225
به الأمر، وخفقت عليكم ألوية النصر، فقلت: من زعيم هذا الجيش - قيل لي: أخوك أبو الجيش [قلت: رؤوف عطوف، شقاق للصفوف، وواحد يعدل بألوف. وقلت: رد شهيد في أمتك] من أمم، وجاءتك تسعى على قدم، وضح الصبح لذي عينين، وأمكن البطش ذا يدين؛ هذا حبيبك قائد أعنتها، وذا خليلك مالك أزمتها، هذا أبو الجيش مصعب على مقرب، ومغضب يضرب بمقضب، آن لذهب العلم أن يزف، وحان لجوهر الفهم أن يشف؛ ويل للجهل وبنيه، وعشيرته وأقربيه.
وفي فصل: ولقيت إخواناً لقوك، فو الذي جعل الغدر من شعارهم، والحذر من دثارهم، ما أجروا في ذكرك، فضلاً على أن يجروا ذكري لك. وهم يعلمون أن مرماي غير مرماهم، ومغزاي سوى مغزاهم، ويوقنون أن أبعد آمالي في صديق إذا سما، وأرفع رغباتي لديه إذا طمى، انفراج بابه، وانهتاك حجابه، يمتعني بإشراق وجهه، ويوردني غدير بشره، ويزنني بغيري من إخوانه، ويضربني بسواي من أهل زمانه، ولا يقلل حظي من إكرامه، ولا يهجر قسطي من لطيف اهتمامه، بعد أن يعدل القسطاس، ويميز الذهب من النحاس.
وفي فصل: وهذا أخف حمل وأيسر. فأدركني ما يدرك من طاب غرسه، وكرمت عليه نفسه، وأزمعت على المقاطعة، فقلت: الصبر
стр. 226
أولى، والإنصاف أحجى، لا بد أن توفى الرجال مقاديرها في أزمانها، ويستحال لها عند استحالة أعيانها؛ وتخشع من أوهد لمن أصعد سداد، وتلين من أتهم لمن أنجد رشاد، فتقلقلت واضطربت، وتجمعت لي وانقبضت، ثم جاشت كما يجيش البحر، له همهمة وزخر، فقالت: ثكلتك المكارم يا ابن المكارم! ألست من أشجع في العلا، ومن شهيد في الذرى، وللخالق في صدرك حكمة، وللرزاق في حجرك نعمة - تقول بهذه فتسمع، وتعنى بتلك فلا تخضع، وساويت امرءا لم تحتج إليه، ووازنته ما لم تطمع فيما لديه - لا أسر إنما أعلن، قيمة كل امرئ ما يحسن. قلت لها: فأين اليأس - قالت: هو في القلب والرأس، لئن أصابه غيرك فارسا، إنك لغير بعيد منه راجلا، فقلت: لقد أدركتك عجرفية، واستولت عليك أعرابية، لا بد من قصدي أبا الجيش، قالت: ليهنك العيش، في أبرد من ظل الخيش! وقصدتك من جهتي، فلم أشك ولم أقر، ولم أعرف ولم أنكر، وانصرفت بين الحالتين، لا قرب ولا شحط، ولا رضى ولا سخط.
[وعرضت] فصول من كلامه على الكاتب أبي بكر المعروف باشكمياط فقال: فقر حسان إلا أنه عثر عليها. فوصل كلامه إلى أبي عامر فكتب إليه: ما أغيرك أبا بكر، على نظم ونثر، لو إليك كان العلم، أو بكفك كان
стр. 227
الفهم، لم تترك لأرض أعلاما، ولا لغيرك إنعاما؛ أحشا عند رعدتك -! عرضت عليك الدر منظوما، فقلت: نعم ما صنعت لو اخترعت؛ وما أحسن ما أطلت لو ابتدعت. معرضا بالتقصص، ومشيرا إلى التلصص؛ هيهات! لا يزيد الحز من الغرب، ولا يضيء السليط في لأقطعن حبالك هاجرا، ولأتركن ليلك ساهرا.
وله في فصل: وإصابة البيان لا يقوم بها حفظ كثير الغريب، واستيفاء مسائل النحو، وإنما يقوم بها الطبع مع وزنه من هذين: النحو والغريب؛ ومقدار طبع الإنسان إنما يكون على مقدار تركيب نفسه مع جسمه، فمن كانت نفسه في أصل تركيبه مستولية على جسمه، كان مطبوعا روحانيا، يطلع صور الكلام والمعاني في أجمل هيئاتها، وأروق لبساتها؛ ومن كان جسمه مستوليا على نفسه - من أصل تركيبه - والغالب على حسه، كان ما يطلع من تلك الصور ناقصا من الدرجة الأولى في الكمال والتمام
стр. 228
وحسن الرونق والنظام. فمن كانت نفسه المستولية على جسمه فقد تأتي منه في حسن النظام، صور رائقة من الكلام، تملأ القلوب، وتشعف النفوس. فإذا فتشت لحسنها أصلاً لم تجده، ولجمال تركيبها أساً لم تعرفه؛ وهذه هو الغريب، أن يتركب الحسن من غير حسن، كقول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي فإن هذه الديباجة إذا تطلبت لها أصلاً من غريب معنى لم تجده؛ وكقول أبي نواس:
طرحتم من الترحال ذكراً فغمنا ... فلو قد شخصتم صبح الموت بعضنا ثم قال فيها:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك، لعل الفضل يجمع بيننا فهذا من الكلام الغث، واللفظ الرث، الذي لو رامه حمار الكساح لأدركه، ولكن له من التعلق بالنفس، والاستيلاء على القلب ما ترى.
وفي فصل له: وقول الجاحظ: إنا إذا اكترينا من يعلم صبياننا النحو
стр. 229
والغريب قنع منا بعشرين درهماً في رأس كل شهر، ولو اكترينا من يعلمهم البيان لما قنع منا بألف درهم. ولم يقل هذا إلا وقد ألف " كتاب البيان ". ولو كشف فيه عن وجه التعليم، وصور كيفية التدريج، لأرى كيف وضع الكلام، وتزيين البيان، وكيف التوصل إلى حسن الابتداء، وتوصيل اللفظ بعد الانتهاء، وأبدى لهم عن تدبير المقاطع والمطالع، فإنها معادن الصنعة، ومواضع مفاتح الطريقة؛ ولكنه استمسك بفائدته، وضن بما عنده، غيرةً على العلم، وشحاً بثمرة الفهم، وعرف أن النفع كثير، والشاكر قليل، فلم يفد بما أوضح من أمر البيان فائدةً غير أهله، ومن كرع في حوضه، واستاف من نده. وأما أن يخلارج مبتدئاً، أو يعلم جاهلاً فلا ألبتة.
وفي فصل له: قال أبو عمار: وقد كنا أطعمنا من هذا الطعام بعض التلاميذ، فاستطابه وعلم مقداره، ولكن البطالة على الفتيان غالبة، والسآمة عليهم مستولية؛ فمن بنى على تعليم هذا الشان فلا يعلم إلا أهل النجابة والمثابرة على التعليم، لأنه من لم ينجب له تلميذ حمل عليه ذلك النقص، وظن به العجز.
جلس إليّ يوماً يوسف بن إسحاق الإسرائيلي، وكان أفهم تلميذ مر بي، وأنا أوصي رجلاً عليّ من أهل قرطبة، وأقول له: إن للحروف
стр. 230
أنساباً وقراباتٍ تبدو في الكلمات، فإذا جاور النسيب النسيب، ومازج القريب القريب، وطابت الألفة، وحسنت الصحبة؛ وإذا ركبت صور الكلام من تلك، وحسنت المناظر، وطابت المخابر، أفهمت - قال لي: إي والله، قلت له: وللعذوبة إذا طلبت، والفصاحة إذا التمست، قوانين من الكلام، من طلب بها أدرك، ومن نكب عنها قصر، أفهمت - قال: نعم، قلت: وكما تختار مليح اللفظ، ورشيق الكلام، فكذلك يجب أن تختار مليح النحو، وفصيح الغريب، وتهرب عن قبيحه، قال: أجل، قلت: أتفهم شيئاً من عيون كلام القائل:
لعمرك إني يوم بانوا فلم أمت ... خفاتاً على آثارهم لصبور
غداة التقينا إذ رميت بنظرة ... ونحن على متن الطريق نسير
ففاضت دموع العين حتى كأنها ... لناظرها غصن يراح مطير فقال: إي والله، وقعت " خفاتاً " موقعاً لذيذاً، ووضعت " رميت " و " متن الطريق " وضعاً مليحاً، وسرى " غصن يراح مطير " مسرىً لطيفاً، فقلت له: أرجو أنك تنسمت شيئاً من نسيم الفهم، فاغد عليّ بشيء تصنعه. قال أبو عامر: وكان ذلك اليهودي ساكتاً يعي ما أقول؛ فغدا ذلمك القرطبي فأنشدني:
حلفت برب مكة والجمال ... لقد وزنت كروبي بالجبال
стр. 231
في أبيات تشبهه. وجاء اليهودي فأنشدني:
أيمم ركبانهم منعجاً ... وقد ضمنوا قلبك الهودجا - واستمر إلى آخر قصيدته، فأتى بكل حسن، فقال لي ذلك القرطبي: شعر اليهودي أحسن من شعري، قلت: ولا بأس بفهمك إذ عرفت هذا. ولم يزل يتدرب باختلافه إليّ حتى ندي تربه، وطلع عشبه، ثم تفتح زهره، وضاع عبقه. ورآني أستعمل وحشي الكلام في مواضعه ولم يشعر بحسن الوضع فاستعمل شيئاً منه وعرض عليّ، فقلت: استره، فقال: تبخل عليّ به. وعرضه على ابن الإفليلي، فقال له: تنكب هذا الكلام، فقال له: إن أبا عامر يستعمله، فقال: يضعه في موضعه، وهو أدرب منك في استعمال.
وفي فصل له: وربما لاذ بنا المستطعم باسم الشعر ممن يخبط العامة والخاصة بسؤاله، فيصادف منا حالةً غير ذات فضلة، لا تتسع له في كبيرة مبرة، فنشاركه ونعتذر له؛ وربما أفدناه بأبيات يعتمد بها البقالين ومشيخة القصابين، فإذا قرعت أسماعهم، ومازجت أفهامهم، در حلبهم، وانحلت عقدهم، وجل شخص ذلك البائس في عيونهم، فما شئت إذ ذاك من خبزة وثيرة يحشى بها كمه، ورقبة سمينة تدفن في مخلاته، ومن كوز فقاع يصب في فمه، وتينة رطبةٍ يسد بها حلقومه، وسنبوسقة ودكة تدس تحت لسانه
стр. 232
وفالوذجة رطبةً يحنك بها حنكه، فلا يكاد البائس يستتم ذلك حتى يأتينا فيكب على أيدينا يقبلها، وأطرافنا يلطعها، راغباً في أن نكشف له السر الذي حرك العامة فبذلت ما عندها له، وبادرت بدرها إليه. وتعليمه ذلك النحو من أنحاء السحر لا نستطيعه، لأن هذا الذي يريده منا هو تعليمه البيان، وبين فكره وبينه حجاب؛ ولكل ضرب من الناس ضرب من الكلام، ووجه من البيان؛ والمرء لا يفجر صفاة غيره إلا أن يوفي على معرفة ذلك بفهمه التبيين والتبين، ويكون من المستنبطين بوجوه الحيل على قوانين قائمة، وأصول ثابتة، فتكون النتيجة ما سمعت.
وفي فصل: وأصعب من هذا تحريك البخلاء من الكبراء إلى البذل، لأنهم بعادتهم لا تمكن نقلتهم لعزتهم، ولما اشتملت عليه ثياب مجدهم، فلا ينجع تقريظهم؛ فها هنا يحتاج إلى أثقب ما يكون من الذهن، وأوسع ما يمكن من الحيلة، إلا أن هذه العصابة لا يتمكن لذي التفاهة تحريكها، ولا بد لها من طبقةٍ يكون لها في العين بعض التصويب والتصعيد، ولهذا صار سب الأشراف عسيراً عويصاً؛ فإنك تجدهم يتدحرج عنهم قبيح المقال، ولا يضعضعهم خبيث الكلام، لقوة بنيانهم، وثبات أركانهم؛ فهدم بنيان هؤلاء صعب، ولذلك فخرت العرب بمن لا يمكن له ذلك فيهم من أهل الكلام، ولذلك سب
стр. 233
الأشراف، واستحسنوا من ذلك قول ابن صفوان في شبيب: ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية.
وفي فصل له: قال أبو عامر: وكما أن لكل مقام مقالاً، فكذلك لكل عصرٍ بيان، ولكل دهرٍ كلام، ولكل طائفةٍ من الأمم المتعاقبة نوع من الخطابة، وضرب من البلاغة، لا يوافقها غيره ولا تهش لسواه. وكما أن للدنيا دولاً، فكذلك للكلام نقل وتغاير في العادة. ألا ترى أن الزمان لما دار كيف أحال بعض الرسم الأول في هذا الفن إلى طريقة عبد الحميد وابن المقفع وسهل بن هارون وغيرهم من أهل البيان - فالصنعة معهم أفسح باعاً، وأشد ذراعاً، وأنور شعاعاً، لرجحان تلك العقول، واتساع تلك القرائح في العلوم. ثم دار الزمان دوراناً، فكانت إحالة أخرى إلى طريقة إبراهيم بن العباس ومحمد بن الزيات وابني وهب ونظرائهم، فرقت الطباع، وخف ثقل النفوس. ثم دار الزمان فاعترى أهله باللطائف صلف، وبرقة الكلام كلف، فكانت إحالة أخرى إلى طريقة البديع وشمس المعالي وأصحابهما.
وكذلك الشعراء انتقلوا عن العادة في الصنعة بانتقال الزمان، وطلب كل ذي عصرٍ ما يجوز فيه، وتهش له قلوب أهله، فكان من صريع الغواني وبشار وأبي نواسٍ وأصحابهم في البديع ما كان، من استعمال أفانينه والزيادة في تفريغ فنونه. ثم جاء أبو تمام فأسرف في التجنيس، وخرج عن العادة، وطاب ذلك منه، وامتثله الناس، فكل شعر لا يكون اليوم
стр. 234
تجنيساً أو ما يشبهه تمجه الآذان، والتوسط في الأمر أعدل؛ ولذلك فضل أهل البصرة صريع الغواني على أبي تمام، لأنه لبس ديباجة المحدثين على لأمة العرب، فتركب له من الحسن بينهما ما تركب.
وفي فصل له: قال أبو عمار: أهل صناعة الكلام متباينون في المنزلة، متفاضلون في شرف المرتبة، على مقدار إحسانهم وتصرفهم.
فمنهم الذي ينظم الأوصاف، ويخترع المعاني، ويحرز جيد اللفظ، إلا أنه يصعب عليه الكلام، ويكد قريحته التأليف، حتى إنه ربما قصر في الوصف، وأساء الوضع. فهذا في الأبيات القليلة نافر، وفي القريبة المأخذ سائر، وفي طريقة الجمهور الأعظم ذاهب، حتى إذا ازدحمت عليه، وانحشدت إليه، وطالبته ببهاء البهجة، وشرف المنزلة، وقف وانفل، وتلاشى واضمحل.
ومنهم الكارع في بحر الغزارة، القادح بشعاع البراعة، الذي يمر مر السيل في اندفاعه، والشؤبوب في انصبابه، لا يشكو الفشل، ولا يكل على طول العمل، إذا ازدحمت في الكلام عليه المطالب، وعلقت بحواشي فكره المآرب، وحشرت عليه الصعائب والغرائب، استقل بها كاهله، واضطلع بثقلها غاربه، وأعارها من نظره لمحة، ومن فكره قدحة، ثم رمى بها عن جانبيه، قد رويت بمائها، ولبست شعاع بهائها، وبقي
стр. 235
كاللقوة في المرقب، سام نظره، قد ضم حجناحيه، ووقف على مخلبه، لا تتاح له جارحة إلا اقتصها، ولا تنازله طائرة إلا اختطفها، جرأته كشفرته، وبديهته كفكرته، فذلك الألسن يوم حرب الكلام، لا تخطئ ضربته، ولا تصاب غرته.
ومنهم من يتجافى الكلام، ويروغ عن المقال، فإذا مني به، أخذ بأطراف المحاسن، وشارك في أنحاء من الصنعة، وجل ما عنده تلفيق وحيلة، وبذلك يصاحب الأيام، ويجاري أبناء الزمان، ما كان له عقل يغطى على نقصانه، وسياسة يسوس بها فحول زمانه. ومن خرج عن هذه الطبقات الثلاث لم يستحق اسم البيان، ولا يدخل في أهل صناعة الكلام.
وفي فصل له: قال أبو عامر: وقوم من المعلمين بقرطبتنا ممن أتى على أجزاء من النحو، وحفظ كلمات من اللغة، يحنون على أكبادٍ غليظة؛ وقلوبٍ كقلوب البعران، ويرجعون إلى فطنٍ حمئة، وأذهانٍ صدئة، لا منفذ لها في شعاع الرقبة، ولا مدب لها في أنوار البيان. سقطت إليهم كتب في البديع والنقد فهموا منها ما يفهمه القرد اليماني من الرقص على الإيقاع، والزمر على الألحان، فهم يصرفون غرائبها فيما يجري عندهم تصريف من لم يرزق آلة الفهم، ومن لم تكن له آلة الصناعة، مما هي مخصوصة بها، لا تقوم تلك الصناعة إلا بتلك الآلة؛
стр. 236
فهو كالحمار لا يمكنه أن يتعلم صناعة ضرب العود والطنبور، لتوتد رسغه، واستدارة حافره، ولا له بنان يجس به على دستبان. ولو جاز أن يكون حمار يغني:
ما بال أنجم هذا الليل حائرةً ... أضلت القصد أم ليست على فلك وشبهه، من أجل أن له حنكاً ولساناً وقصبة رئة، لما جاز أن يوقع بالمضراب على الأوتار، ويتمم بجس الأنامل، ويرخي الوتر في مجرى السبابة والبنصر، فيبلبل بنشيده، ويولول في ضربه على بسيطه.
فهذه حال العصابة من المعلمين: يدركون بالطبيعة، ويقصرون بالآلة. وتقصيرهم بالآلة هو من طريق العلل الداخلة من فساد الآلة القابلة للروحانية، والخادمة لآلات الفهم، الباعثة لرقيق الدم في الشريانات إلى القلب، وزيادة غلظ أعصاب الدماغ ونقصانها عن المقدار الطبيعي. يعين على ذلك بالحدس وطريق الفراسة فساد الآلة الظاهرة، كفرطحة الرأس وتسفيطه، ونتوء القمحدوة، والتواء الشدق، وخزر العين، وغلظ الأنف، وانزواء الأرنبة. فنستعيذ بالله ألا يشوه خلقة قلوبنا، ولا يجسي أجرام أكبادنا، ويضم أوتارنا وأعصابنا، ولا يعظم أنوفنا، ولا يجعلنا مثلةً للعالمين.
стр. 237
وفي فصل له: وليس العجب في هذه العصابة إلا من أبي القاسم، فإنه زاد عليهم في الصناعة، وبزهم بوفور البضاعة. دخل الشعراء فأخذ لباقتهم، وصار في جملة الكتاب فاستعار صلفهم ورشاقتهم، وباشر أهل الحساب فاستفاد طريقة البراهين، وناظر أهل الجدل فتعلم القوانين، وعرف عناصر الكلام؛ فكل علم يزعمه قبض يده، وكل جد وهزل فإليه منسوب، وعنه مأخوذ؛ وهو مع ما اجتمع له من ذلك كله، وحبي به، أشدهم صبابة بألا يكون بالأندلس محسن سواه، ولا مجيد حاشاه. وكان الرأي عندي له أن يسكن أرض جليقية أو قطرا بعد عن الإسلام، حتى لا يسمع فيه الخطيب ذكرا، ولا يحس لشاعر ركزا، فيكون هناك فردا.
ومن العجب أيضاً في أمره أن كل كاتب كتب للسلاطين عندنا، وكل شاعر مدحهم، رويت أشعاره ورسائله غير أبي القاسم وحده. على أنه إنما جلس للتعليم على هذا المعنى. وربما عرض بأن يؤخذ منه شيء من أشعاره ورسائله ولا يجيبه تلميذ؛ والمحروم محروم؛ ولو أنه اشترى
стр. 238
الزبيب لصبيان المساجد، وقشور أصل الجوز لصبغ شفاه خراجيات الخانات، وروى الطبقتين ما عنده، لعرضتا رسومه وجعائله، ورويتا أشعاره ورسائله، وغنتا بها على قوارع الطرق ومناقع المياه ومطارح الزبول، كما تغنبان أشعارهما، وتسعان حماقتهما، فيكون ذلك سببا إلى أن تدب وتدرج، وتعتاد الطيران فتطير، ويراها الناس فتعرف. وهو مع هذا كله يسمينا الهمج الهامج، ويسمي البديع والصابئ وشمس المعالي العضاريط. وهو أبخل أهل الأرض لا محالة. ولم يقصر بنا عنده إلا توقيرنا لثغامته. وهو يرى أن بعض صبيانا قد أقلقوه حين قالوا: ليست مشيته مشية أديب، ولا وجهه وجه أريب، ولا جلسته جلسة عالم، ولا أنفه أنف كاتب، ولا نغمته نغمة شاعر. وحكوا أنه إذا مشى الخيزلى، وتقدم قليلا ثم رجع القهقرى، والقصبة في يده، والخرج على عاتقه، أحذق الناس في إخراج لعبة اليهودي، فأقلقوه بما يسمع، فكيف لو عضته أنياب غير مفلولة، وخدشته أظافر غير مقلمة
стр. 239
وفي فصل له: ذكر يوماً عند أبي القاسم سهل بن هارون والجاحظ، فضرب فيها مثل العامة: بينها ما بين الملائكة وصبيان الحرس. هذا من الإنحاء العظيم على سهل. والأولى أن يسميا محسنين، إلا أن سهلاً كاتب سلاطين، والجاحظ مؤلف دواوين. وقد يؤدي النظر إلى أنهما في طريقين مختلفين، وكلاهما محسن في بابه؛ إلا أنه لم ير أغبن من الجاحظ لنفسه؛ إن كان واحد البلاغة في عصره، فما باله لم يلتمس بها شرف المنزلة بشرف الصنعة، وقد رأى ابن الزيات وإبراهيم بن العباس بلغا بها ما بلغا، وهو يلتمس فوائدهما والجاه بهما - فلا يخلو في هذا إما أن يكون مقصراً عن الكتاب وجمع أدواتها، أو يكون ساقط الهمة، أو يكون إفراط جحوظ عينيه قعد به عنها، كما قصر بي أنا فيها ثقل سمعي، وبأبي القاسم ورم أنفه. إذ لا بد للملك من كاتب مقبول الصورة تقع الصورة عليها عينه، وأذن ذكية تسمع منه حسه، وأنف نقي لا تذم أنفاسه عند مقاربته له. ولذلك استحسنوا من الكاتب أن يكون طيب الرائحة، سليم آلات الحواس، نقي الثوب، ولا يكون وسخ الضرس، منقلب الشفة، مكحل الاظفور، وضر الطوق. وربما أنكر منكر قولنا في شرط جمع أدوات الكتابة فقال: وأي أداةٍ نقصت الجاحظ - فنقول: أول أدوات الكاتب العقل، ولا يكون كاتب غير عاقل. وقد نجد عالماً غير عاقر، وجدليا غير حصيف، وفقيهاً غير حليم. وقد وجدنا من ينسب العقل إلى سهل أكثر من نسبته إلى الجاحظ. لو شهد الجاحظ
стр. 240
سهلاً يخادع للرشيد ملكاً، ويدبر له حرباً، ويعاني له إطفاء جمرة فتنة، مستضلعاً في ذلك كله بعقله، وجودة علمه، لرأى أن تلك السياسة غير تسطير المقال، في صفة غراميل البغال، وغير الكلام في الجرذان، وبنات وردان، ولعلم أن بين العالم والكاتب فرقاً.
وفي فصل له: ومن دليل تقصير عصابة المعليمن أنهم لا يقدومون أن يجعلوا ما يحملون من المعرفة تصنيفاً، ولا تغزر مادتهم أن ينشئوها تأليفاً، وإنما تفسو به أنفاسهم فسواً بين تلاميذهم، ولا يقدر أن يزيد في النفخ فيضرط به ضراطاً يسمع. فهم في ذلك أمثال الجنادب، وقرناء الخنافس لا توازن الظربان في قوة فسائه، وإن زادت عليه في نتنه، ولا يبلغون درجة الحمار الوحشي في شدة ضراطه، وإن شاركوه في اسمه، ولا تروى لهم نادرة، ولا تؤثر عنهم في البلاد شاردة.
قال: ومما علم من خلق هذه العصابة إذا لمحتنا أبصارهم قابلونا بالملق، وهم منطوون على حسد وحنق. فإذا جمعتنا المحافل، وضمتنا المجالس، تراهم إلينا مبصبصين، وعن الأخذ في شيء من تلك المعاني زائغين. وإنما يتبين تقصير المقصر، وفضل السابق المبرز، إذا اصطكت الركب، وازدحمت الحلق، واستعجل المقال، ولم توجد فسحة لفكرة، ولا أمكنت نظرة لروية؛ أو في مجالس الملوك عند أنسها وراحتها، فإنه يقع فيها، ويجري لديها، ما لا ينفع له الاستعداد، ولا
стр. 241
ينفذ فيه غير الطبع والغريزة المتدفقة. فترى الجواد السابق إذ ذاك متشوفاً بأذنه، باحثاً لكديد الإحسان بيده، طامح النظر، صهصلق الصهيل، وأهل الصنعة خرس، لا يسمع لهم جرس، ولا شيء عندهم غير حسو الكاس، وشم الآس، وتنفس الصعداء، قد اصفرت ألوانها، وقلصت شفاهم، كأنهم من رجال عذرة. وما أذكر أني فزت من هذا المجلس بخطير غير مرة، بين يدي هشام بن محمد، والمجلس قد غص بالعمائم والطماطم من أهل المصر لجواب بعض الرؤساء عن فصول خبيثةٍ حادةٍ لا جواب فيها ولا عذر عنها. فجرى ما أكره ذكره من أجل أنه متصل بتعجيز أهل البيضة، والغض من الأصحاب، على أنهم جدراء بذلك، لقلة إنصافهم لنا، وتسلطهم علينا، وإسرافهم في ثلبنا.
@فصول من رسالة سماها بالتوابع والزوابع، وإن صدرت عنه
@مصدر هزل، فتشتمل على بدائع روائع
قال في صدرها مخاطباً لأبي بكلار ابن حزم: لله أبا بكر ظن
стр. 242
رميته فأصميت، وحدس أملته فما أشويت! أبديت بهما وجه الجلية، وكشفت عن غرة الحقيقة، حين لمحت صاحبك الذي تكسبته، ورأيته قد أخذ بأطراف السماء، فألف بين قمريها، ونظم فرقديها، فكلما رأى ثغراً سده بسهاها، أو لمح خرقاً رمه بزباناها، إلى غير ذلك. فقلت: كيف أوتي الحكم صبياً، وهز بجذع نخلة الكلام فاساقط عليه رطباً جنياً - أما إن به شيطاناً يهديه، وشيصباناً يأتيه؛ وأقسم أن له تابعةً تنجده، وزابغةً تؤيده، ليس هذا في قدرة الإنس، ولا هذا النفس لهذه النفس. فأما وقد قلتها أبا بكر فأصخ أسمعك العجب العجاب:
كنت أيام كتاب الهجاء، أحن إلى الأدباء، واصبوا إلى تأليف الكلام، فاتبعت الدواوين، وجلست إلى الأساتيذ، فنبض لي عرق الفهم، ودر لي شريان العلم، بمواد روحانية؛ وقليل الالتماح من النظر يزيدني، ويسير المطالعة من الكتب يفيدني، إذ صادف شن العلم طبقة. ولم أكن كالثلج تقتبس منه ناراً، ولا كالحمار يحمل أسفاراً. [فطعنت ثغرة البيان دراكاً، وأعلقت رجل طيره أشراكاً، فانثالت لي العجائب، وانهالت على الرغائب] . وكان لي أوائل صبوتي هوىً اشتد به كلفى، ثم لحقي لعد ملل في أثناء ذلك الميل. فاتفق أن مات من كنت أهواه مدة
стр. 243
ذلك الملل، فجزعت وأخذت في رثائه يوماً في الحائر وقد أبهمت عليّ أبوابه، وانفردت فقلت:
تولى الحمام بظبي الخدور ... وفاز الردى بالغزال الغرير إلى أن انتهت إلى الاعتذار من الملل الذي كان، فقلت:
وكنت مللتك لا عن قلىً ... ولا عن فسادٍ جرى في ضميري فأرتج عليّ القول وأفحمت، فإذا أنا بفارسٍ بباب المجلس على فرسٍ أدهم كما بقل وجهه، قد اتكأ على رمحه، وصاح بي: أعجزاً يا فتى الإنس - قلت: لا وأبيك، للكلام حأحيان، وهذا شأن الإنسان؛ قال لي: قل بعده:
كمثل ملال الفتى للنعيم ... إذا دام فيه وحال السرور فأثبت إجازته، وقلت له: بأبي أنت، من أنت - قال أنا زهير بن نمير من أشجع الجن. فقلت: وما الذي حداك إلى التصور لي - فقال: هوى فيك، ورغبة في اصطفائك. قلت أهلاً بك أيها الوجه الوضاح، صادفت قلباً إليك مقلوباً، وهوى نحوك مجنوباً. وتحادثنا حيناً ثم قال: متى شئت استحضاري فأنشد هذه الأبيات:
стр. 244
وآلى زهير الحب يا عز أنه ... إذا ذكرته الذكرات أتاها
إذا جرت الأفواه يوماً بذكرها ... يخيل لي أني أقبل فاها
فأغشى ديار الذاكرين وإن نأت ... أجارع من داري هوىً لهواها وأوثب الأدهم جدار الحائط ثم غاب عني.
وكنت أبا بكر متى أرتج علي، أو انقطع مسلك، أو خانني أسلوب، لأنشد الأبيات فيمثل لي صاحبي، فأسير إلى ما أرغب، وأدرك بقريحتي ما أطلب؛ وتأكدت صحبتنا، وجرت قصص لولا أن يطول الكتاب لذكرها أكثرها، لكني ذاكر بعضها.
فصل: تذاكرت يوماً مع زهير بن نمير أخبار الخطباء والشعراء، وما كان يألفهم من التوابع وازوابع، وقلت: هل حيلة في لقاء من اتفق منهم - قال: حتى أستأذن شيخنا، وطار عني ثم انصرف كلمح بالبصر، وقد أذن له، فقال: حل على متن الجواد. فصرنا عليه، وسار بنا كالطائر يجتاب الجو فالجو، ويقطع الدو فالدو، حتى التمحت أرضاً لا كأرضنا، وشارفت جواً لا كجونا، متفرع الشجر، عطر الزهر، فقال لي: حللت أرض الجن أبا عامر، فبمن تريد أن نبدأ - قلت: الخطباء أولى بالتقديم، لكني إلى الشعراء أشوق. قال: فمن تريد منهم - قلت: صاحب امرئ القيس. فأمال العنان إلى وادٍ من الأودية
стр. 245
ذي دوح تتكسر أشجاره، وتترنم أطياره، فصاح: يا عتيبة بن نوفل، بسقط اللوى فحومل، ويم دارة جلجل، إلا ما عرضت علينا وجهك، وأنشدتنا من شعرك، وسمعت من الإنسي، وعرفتنا كيف أجازتك له. فظهر لنا فارس على فرس شقراء كأنها تلتهب، فقال: حياك الله يا زهير، وحيا صاحبك! أهذا فتاهم - قلت: هو هذا، وأي جمرةٍ يا عتيبة! فقال لي: أنشد، فقلت: السيد أولى بالإنشاد، فتطامح طرفه، واهتز عطفه، وقبض عنان الشقراء، وضربها بالسوط، فسمت تحضر طولاً عنا، وكر فاستقبلنا بالصعدة هازاً لها، ثم ركزها وجعل ينشد:
سما لك شوق بعدما كان أقصرا ... حتى أكملها ثم قال لي: أنشد. فهممت بالحيصة، ثم اشتدت قوى نفسي وأنشدت:
شجته مغانٍ من سليمى وأدؤر ... حتى انتهيت فيها إلى قولي:
ومن قبةٍ لا يدرك الطرف رأسها ... تزل بها ريح الصبا فتحدر
стр. 246
تكلفتها والليل قد جاش بحره ... وقد جعلت أمواجه تتكسر
ومن تحت حضي أبيض ذو سفاسق ... وفي الكف من عسالة الخط أسمر
هما صاحباي من لدن كنت يافعاً ... مقيلان من جد الفتى حين يعثر
فذا جدول في الغمد تسقى به المنى ... وذا غصن في الكف يجنى فيثمر فلما انتهيت تأملني عتيبة ثم قال: اذهب فقد أجزتك. وغاب عنا.
فقال لي زهير: من تريد بعد - قلت: صاحب طرفة. فجزعنا وادي عتيبة، وركضنا حتى انتهينا إلى غيضة شجرها شجران: سام يفوح بهاراً، وشحر يعبق هندياً وغاراً. فرأينا عيناً معينةً تسيل، ويدور ماؤها فلكياً ولا يحول. فصاح زهير: يا عنتر بن العجلان، حل بك زهير وصاحبه، فبخولة وما قطعت معها من ليلة، إلا ما عرضت وجهك لنا! فبدا إلينا راكب جميل الوجه، قد توشح السيف، واشتمل عليه كساء خز، وبيده خطي، فقال: مرحباً بكما! واستنشدني فقلت: الزعيم أولى بالإنشاد، فأنشد:
لسعدى بحزان الشريف طلول ... حتى أكملها، فأنشدته من قصيدة:
стр. 247
أمن رسم دارٍ بالعقيق محيل ... حتى انتهيت إلى قولي:
ولما هبطنا الغيب نذعر وحشه ... على كل خوار العنان أسيل
وثارت بنات الأعوجيات بالضحى ... أبابيل من أعطاف غير وبيل
مسومة نعتدها من خيارها ... لطرد قنيص أو لطرد رعيل
[إذا ما تغنى الصحب فوق متونها ... ضحياً أجابت تحتهم بصهيل]
ندوس بها أبكار نور كأنه ... رداء عروسٍ أوذنت بحليل
رمينا بها عرض الصوار فأقعصت ... أغن قتلناه بغير قتيل
وبادر أصحابي النزول فأقبلت ... كراديس من غض الشواء نشيل
نمسح بالحوذان منه أكفنا ... إذا ما اقتنصنا منه غير قليل
فقلنا لساقيها أدرها سلافةً ... شمولاً ومن عينيك صرف شمول
فقام بكأسيه مطيعاً لأمرنا ... يميل به الإدلال كل مميل
وشعشع بكأسيه مطيعاً لأمرنا ... برأس كريمٍ منهم وتليل
إلى أن ثناهم راكدين لما احتسوا ... خليعين من بطش وفضل عقول
نشاوى على الزهراء صرعى كأنهم ... أساطين قصر أو جذوع نخيل فصاح عنتر: لله أنت، اذهب مجاز. وغاب عنا.
стр. 248
ثم ملنا عنه فقال لي زهير: إلى من تتوق نفسك بعد من الجاهلين - قلت: كفاني من رأيت؛ اصرف وجه قصدنا إلى صاحب أبي تمام؛ فركضنا ذات اليمين حيناً، ويشتد في أثرنا فارس كأنه الأسد، على فرس كأنها العقاب، وهو في عدوه ذلك ينشد:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائرٍ ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها فاستربت منه، فقال ي زهير: لا عليك، هذا أبو الخطار صاحب قيس بن الخطيم. فاستبى لبي من إنشاده البيت، وازددت خوفاً لجرأته وأننا لم نعرج عليه؛ فصرف إليه زهير وجه الأدهم، وقال: حياك الله أبا الخطار، فقال: أهكذا يحاد عن أبي الخطار ولا يخطر عليه. قال: علمناك صاحب قنص، وخفنا أن نشغلك. فقال لي: أنشدنا يا أشجعي، وأقسم أنك إن لم تجد ليكونن يوم شر؛ فأنشدته قولي من قصيدة:
منازلهم تبكي إليك عفاءها ... ومنها:
خليلي عوجا بارك الله فيكما ... بدارتها الأولى نحي فناءها
فلم أر أسراباً كأسرابها الدمى ... ولا ذئب مثلي قد رعى ثم شاءها
стр. 249
ولا كالضلال كان أهدى لصبوتي ... ليالي يهديني الغرام خباءها
وما هاج هذا الشوق إلا حمائم ... بكيت لها سمعت بكاءها
عجبت لنفسي كيف ملكها الهوى ... وكيف استفز الغانيات إباءها -
ولو أنني أنحت علي أكارم ... ترضيت بالعرض الكريم جزاءها
ولكن جرذان الثغور رمينني ... فأكرمت نفسي أن تريق دماءها
إليك أبا مروان ألقيت رابياً ... بحاجة نفس ما حربت خزاءها
هززتك في نصري ضحى فكأنني ... هززت - وقد جئت الجبال - حراءها
نقضت عرى عزم الزمان وإن عتا ... بعزمة نفسٍ لا أريد بقاءها فلما انتهيت تبسم وقال: لنعم ما تخلصت! اذهب فقد أجزتك.
ثم انصرفنا وركضنا حتى انتهينا إلى شجرة غيناء، يتفجر من أصلها عين كمقلة حوراء. فصاح زهير: يا عتاب بن حبناء، حل بك زهير وصاحبه، فبعمرو والقمر الطالع، وبالرقعة المكفوفة الطابع، إلا ما أريتنا وجهك! فانفلق ماء العين عن وجه فتى كفلقة القمر، ثم اشتق الهواء صاعداً إلينا من قعرها حتى استوى معنا. فقال حياك الله يا زهير، وحيا صاحبك! فقلت: وما الذي أسكنك قعر هذه العين يا عتاب - قال: حيائي من التحسن باسم الشعر وأنا لا أحسنه. فصحت: ويلي منه، كلام محدث ورب الكعبة؛ واستنشدني فلم أنشده إجلالاً له، ثم أنشدته:
[أبكيت إذا ظعن الفريق فراقها ...
стр. 250
حتى انتهيت فيها إلى قولي] :
إني امرؤ لعب الزمان بهمتي ... وسقيت من كأس الخطوب دهاقها
وكبوت طرفاً في العلا فاستضحكت ... حمر الأنام فما تريم نهاقها
وإذا ارتمت نحوي المنى لأنالها ... وقف الزمان لها هناك فعاقها
وإذا أبو يحيى تأخر نفسه ... فمتى أؤمل في الزمان لحاقها - فلما انتهيت قال: أنشدني من رثائك. فأنشدته:
[أعينا امرءاً نزحت عينه ... ولا تعجبا من جفون جماد
إذا القلب أحرقه بثه ... فإن المدامع شلو الفؤاد]
يود الفتى منهلاً خالياً ... وسعد المنية في كل واد
[ويصرف للكون ما في يديه ... وما الكون إلا نذير الفساد]
لقد عثر الدهر بالسابقي ... ن ولم يعجز الموت ركض الجواد
لعمرك ما رد ريب الردى ... أريب ولا جاهد باجتهاد
следующие страницы →