Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
سهام الحرب، وتقدح نار الطعن والضرب، تبرز إلى المقاتلة بلا سلاح، ويصرع بعضها بعضا بلا جراح، قد اكتفت عن الصوارم بصرامتها، وعن السابغات بصلابتها:
جيشان يقتتلان لا لعداوة ... أبدا ويصطلحان لا لوداد
أهداه سعد الدولة الندب الذي ... جمعت محبته عرى الأكباد وله من أخرى جمع فيها بين التهنية والتعزية: أحوال الدنيا - أعزك الله - مبنية على التداول والتعاقب، ومساءاتها ومسراتها جارية مجرى التبادل والتقارب، فمن عبرة تفضي إلى عبرة، ومن مساءة تعقب بمسرة، ومن محنة تفتر عن منحة، ومن ترحة تقلع عن فرحة، ولله تعالى في جميع الأحوال المختلفة، والأقدار المتصرفة، حقوق من الصبر على السراء [٥٧ ب] والضراء، وعلى الأولياء المختصين فروض من المشاركة والمظاهرة في كل ما ناب من حزن، وثاب من حسن، قد جرت بها العوائد، واستوى فيها الغائب والشاهد، فتلك ترعى بالدعاء والتهنية، وهذه تتلقى باطراء والتعزية. والله يجعل أيام مسراتك الأكثر إسعادا، وأوقات تهنئاتك الأوفر أعدادا.
وأنهي إلي من تقليدك العهد، وامضائك العقد، للناصر [سيدي] وأسنى عددي أبقاه الله]- على بلنسية - عمرها الله بدوام عزك، وحماها باتصال نصرك - مكان المعتصم ﵀ فقلت: ملك تردد في عنصر، وخاتم تنقل من خنصر إلى خنصر، وقد سددت - أيدك
стр. 1997
الله - ثلما، وشفيت كلما، وسمعت الخطوب رغما، وأوسعتها هما.
ومن أخرى: أطال الله بقاء الوزير الأوحد، الخطير الأمجد، مسرورا بسمو الأحوال والرتب، معصوما من طوارق الأحداث والنوب. إذا تقادمت الذرائع والوسائل، وتناصرت الطبائع والشمائل، كان للود مع ذلك وفور ونماء، ولكرم العهد ظهور وبهاء.
وفي فصل منها: وكيف لا أدخل إلى رضاه من كل باب، ولا أفترس من عداة بكل ظفر وناب، وأطير من السرو، لما تهيأ له من الظهور، بكل جناح، وأتقدم إلى الفخار، بما يبلغه من الأوطار، بغير جناح، وهو ركني الذي يقيم ظهري، ويرد عني صرف دهري، ومعه هواي، الذي يعضد ديني ودنياي، ويدني إلي أملي ومناي؛ أسأل الله تعالى أن يبقيه للوزارة زينا وفخرا، وللرياسة ركنا وذخرا، وللدين عزا وجلالا، وللملك زينا وجمالا.
ولما طلع البشير علي بتصيير الوزارة اليه، ودور رحى الخلافة عليه، جددت لله تعالى حمدا وشكرا، ولنعمه الجزيلة ذكرا ونشرا، وأخذتني هزة الجذل والارتياح، وأسفر لي وجه الأمل والاقتراح، فانتشيت من فرح وطرب، ونيل مراد وأرب، ودعوت الله أن يجعلها ولاية، تبلغ من السعد نهاية، وتضاعفت للدين حماية؛ وقد تعين علي أن أهنئ بالوزارة بل هي المهناة بمصيرها اليه، وظهور رسمها عليه، فهو المعدل لحدودها وسيرها، المحسن لوجودها وصورها، المبين لحجرها وغررها
стр. 1998
لا زال سيدنا زينا للدول والممالك، ونورا في المواطن والمسالك، وفخرا لأهل المشارق والمغرب، وقبلة لذوي الحاجات [٥٨أ] والمآرب.
ومن رسائله في التعازي
فصل له من رقعة: يا سيدي، ومن لا زال جأشه ساكنا، وحرمه آمنا، وباله ناعما، وأنف من عاداه راغما، بودي [أعزك الله] لو خاطبتك بالتهنية لا بالتعزية، وشاركتك بالعطية لا بالرزية، ولكنها الأيام تحلي وتمر، والأقدار تسوء وتسر، والرزايا تتطرف وتتحيف، والمنايا تستدرج وتتخطف؛ واتصل بي وفاة الوالدة [المرجو لك دعوتها، المبلوة بركتها] فساءني يعلم الله أن يطرق خطب حماك، ويطأ رزء ذراك، مشاركة لك في المهم، ووقوعا معك تحت الحادث الملم، إلا أني أرجو أن تشد له عزائم عزائك، وتحمله على كبد احتمالك، وتقلب إليه مجن اصطبارك، وتذكي علبه قبس اعتبارك، فتعلم كثرته وجموحه، وتذكر شموله وعمومه، وتستشعر أنه عرف لا نكر، وعوان لا بكر، فتتأسى بكثرة الباكين، على الهالكين، وتتعزى بسرعة اللاحقين، على السابقين. والنساء كيف كانت مراتبهن، والحرم وإن جلت منزلتهن
стр. 1999
لم يغلق عليهن كأبواب التراب، ولم يسدل دونهن كستور القبور، ورب أم مبرورة، وأخت كبيرة، قد نزعت منزعا من الصيانة، وذهبت مذهبا من مباح الديانة، ود ابنتها وأخوها قبل ذلك لو طواها كفن، وواراها جنن، فتقدمهن أصون لهن، وأولى بهن.
وفي فصل من أخرى: كتبت عن قلب يقشعر، ونفس بين ضلوعها لا تستقر، لخبر الرزء الهاجم، والنبأ الشنيع الكالم، بوفاة [الحاجب عز الدولة سيدي] ، كان، لقاه الله الرضوان، وألحفه العفو والغفران، محتضرا في أول الكمال، مخترطا عند الاقبال، مبادرا قبل الإبدار، معاجلا بالسرار، في عنفوان الإقمار، فيا لها حسرة ما أنكاها للنفوس، وجمرة ما أذكاها في القلوب، وروعة ما أفتها في الأعضاء، ولوعة ما أحرها على الأكباد، لكنه أمر يعم ولا يخص، كل نفس لها جارع، وفيها كارع، فمن مبتدر يعاجل، ومنظر يناول:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلا بعدهم وتقدموا وأنت أعلم بالأيام وصروفها، والأرزاء وصنوفها، والأنفس ومآلها، والأجسام واضمحلالها، والعواري وارتجاعها، والمنائح ومقادير إمتناعها، من أن يغلبك الجزع والتهالك، وينزع بك الجلد والتماسك، فأنت بالأزمان خبير، وبالأحوال بصير، وباستعمال ما في ذكرك من أمثال التأسي [٥٨ ب] ومواعظ التعزي جدير، ومثلك أعد للأمور أقرانها
стр. 2000
وحمل على النفوس أحزانها، ولم يغرب الدهر عليه ببدع من نوائبه، ولم يفجعه بما لم يحسبه من مصائبه، ولم يتجاوز دمع العين حزن القلب، إلى إحباط الأجر وإسخاط الرب؛ وإن كان الله قد سلب بعدله، فقد وهب بفضله، وإن كان أخذ فقد أعطى، وإن كان اخترم فقد أبقى، وبهذا صدع عروة بن الزبير ﵁ عندما مني به في أحد أبنائه، وبعض أعضائه، والله يمتعك بالباقي الراهن، وينفعك بالثاوي الظاعن، ويجعل هذه الرزية منهى بلواك، وآخر رزاياك، وييسرك للتسليم والاحتساب، ويحفظ عليك ما عرضك به من مذخور الثواب، وإن كان قد جرى هذا الأمر، على خلاف حكم الدهر، في تقدم الأسلاف على الأخلاف، فصنع الله لك أجمل، وصنعه في بقائك أعدل، لغنائك عن المسلمين، ومكانك للدنيا والدين، فالملم ببقائك مغتفر، والمهم وإن جل محتقر.
وذكرت أنه خرج من بيته مجاهدا، وعن حمى الدين ذائدا، فقد وقع أجره على الله، وفاز بكرامة الله، وإذا فاز بالسعادة والشهادة وهو فرطك وشافعك، فهو لا محالة مغتبطك ونافعك؛ وقد أخذت بحظى من هذه الحادثة الشنعاء، والداهية الدهياء، في من تستقبل له أحوال، وتناط به آمال ويعد في أكابر العدد، وفي دخله الصديق والولد، والآخر (-) إشفاقا عليك من مضطر فقده، وتصور شديد اكتئابك من بعده، فمثل هذا في مثله لم يكد للمصاب به صدر، ولا يثبت للصدمة الاجاجية صبر، فإن جزع الجازع فالعذر واضح، وإن صبر المصاب فالأجر راجح
стр. 2001
ومشاركتك لي فيما طرقتك به الأيام، وفجعك فيه الحمام، مما أشكره من فعلك، وأنشره من فضلك، أوزعني الله شكرك، ومد في عمرك، وأعقبك زيادة العدد، وجمع لك بين سعادة اليوم والغد،
وفي فصل منها: وأنت الطود الموفي على كل هضبة، المعلى على كل فرحة وكربة، وما بقيت وعوفيت فكل خطب وإن جل جلل، وكل صعب وإن أعضل فمحتمل، فالله يا سيدي في نفسك العزيزة أن يكون فيها كامن رزء يقدح، أو أن يوهن منها باطن أسى يكدح [٥٩ أ] أو يفدح، فأنت سداد كل ملم، وسنا كل مظلم، وأنا أضرب لك الأمثال، وأعلم مع ذلك علم الحقيقة أن مصابك كبير، ورزءك أليم خطير، لا يكاد يتعلق بالجازع منه ملام، ولا يستمر على الصبر فيه اعتزام، فمن كرم الكريم، الجزع على الحميم، ومن خواص القلوب، الأسف على المحبوب، وإذا كان الحيوان غير ناطق يحن ويرأم، فنحن بذلك أحق، إذ نحن أرق قلوبا وأرحم، إلا أن مثلك ممن عظم قدره، وتقدم بالأيام خبره، أرجح علما من أن يسلمه العزاء إلى التهالك، أو تغلبه الأرزاء على التماسك.
وفي فصل من أخرى عن ابن مهاجر إلى ابن أبي عامر: لو استغنى - وأيدك بالنصر - أحد عن التعزية، واكتفى مصاب
стр. 2002
عن التسلية لأصالة رأي وسعة علم، وجلالة قدر وجزالة نفس وشدة كظم، ولكنت أنت الغني عن ذلك، لإحاطة علمك بتقلب الأيام وتصرف الأحوال، وارتفاع قدرك عن أن يملأ الزمان صدرك، وتبلغ المحن صبرك، فأنت أصلب عودا من أن تروعك المصائب، وأشد ركنا من أن تضعضعك النوائب، لكن الذكرى باب مندوب إليه، وسنن معمول عليه، ولئن جل الخطب، وعظم الكرب، فالثواب بقدر المصاب، والعطية بحسب الرزية، وإنما الأجر بالصبر، والجزاء مع العزاء، وإن كان الله قد أخذ ابنا فقد ترك أبناء، وإن كان [قد] سلب نعمة فقد وهب نعماء، وإن كان الأعم والأكثر أن تمضي الآباء، وتخلف الأبناء، فالملك يدعو الله أن يخرجك من هذا العموم، ويورثك أعمار الجميع ويجعلك الباقي بعد قريب وحميم، فكل خطب ما عداك يسير، وكل رزء إذا تخطاك حقير.
وفي فصل من أخرى: لقد طرقت نائبة من الموت وفاجعة من الكرب في قطب الآمال ومدارها، وسناء الهمم ومنارها، وتاج الرياسة وسوارها، [الحاجب حسام الدولة، كان، ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة مأواه] فوالهفا عليه مرددا، ويا أسفا له مؤبدا، ماذا خطفت [يد الحمام] وأصمت به سهام الأيام -! أي سماء للعلا فطرت، وأي
стр. 2003
نجم للمنى كدرت، وأي بحر من الأسى سجرت، وأي عين للبكاء فجرت، ما يقاس به مثيل، ولا يضاف إليه عديل؛ وقد كان لي أن أصرف المقال، وأضرب الأمثال، وأجتلب من التعزي ما جاءت به الآثار، ووردت به الأخبار، غير أنه - أيده الله - أعلى في الفضل [يدا] وأثبت في العلم قدما، وأرجح حلما إذا طاشت العقول، وأشد كظما إذا اضطرمت في الصدور النيران، من أن أورد عليه ما لم [٥٩ ب] يحط علما، ولم يتوصل إليه فهما.
وله من رقعة إلى المظفر بن الأفطس يعزيه بالمنصور أبيه: وصل كتابه - أيده الله - بما شرد غمضي، ونعى بمعضي إلى بعضي، وأطبق سمائي على أرضي، وأقض مضجعي، وأسأل مدمعي، وعظم ثكلي وجزعي، من فظيع الخطب الوارد، وشنيع الرزء الوافد، بوفاة [المنصور سيدي وموئلي، كان، أوسعه الله جنته ورضوانه، ولقاه رحمته وغفرانه] فيا لها مصيبة قصمت ظهري، وذهلت فكري، وفللت حدي، وأرغمت خدي، ودفعتني إلى الجزع وحدي:
فلو كنت في الباكين حولك كنت قد تأسيت فاستشفيت والعين تدمع
ولكني أبكي فريدا وأشتكي وحيدا فما ينفك عنى التروع
هو الرزء أفضى بي إلى كل غاية من البث لا أسلو ولا أتورع
стр. 2004
لئن حسن السلوان والصبر بامرئ فأحس حالاتي سلو ممنع
وفي فصل منها: ومثل مولاي الرئيس [الأجل] تلقى هذا الخطب الذي يهد الجبال، ويقطع الآمال، ويخلع الفؤاد، ويصدع الأكباد، بما حض الله تعالى عليه من الصبر، وندب إليه من استجزال الذخر، فهو القائل تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر: ١٠) وأنت في منافذ فهمك وثاقب علمك لا تبصر بل تذكر، وكان من الحق الأوجب والفرض الألزم أن أقيم قدمي مقام قلمي] وأكتفي بالركاب عن الكتاب، وقل ذلك مني في هذه النائبة [الهادمة] ، والنازلة القاصمة، إلا أني على علمك عن الارادة مردود، وفي عقالات الآلام والأعراض مصفود، جعل الله هذا المصاب الخطير آخر ما يقرع لك بابا، ويخرق اليك عن كره حجابا.
وله من أخرى: كتابي والدمع ينشئ لعيني سحائبه، والحزن يجهز إلى نفسي كتائبه، والصبر قد فلت شباته، وصوح نباته، والقلب قد أظلمت آفاقه، واشتد بنار الرزية احتراقه، بما فجأ من وفاة الوزير الفقيه أبي فلان، عمدة الإسلام، ومبين الحلال والحرام
стр. 2005
وهاتك حجب الضلالة والجهالة، فالديانة عليه لابسة الحداد، مفجوعة الفؤاد، وهي لفقده باكية الأجفان، عاطلة البنان، مخلقة الجلباب، منقطعة الأسباب، منكوسة اللواء، مهجورة الفناء، قد ذهب ناظرها، وزمت للركاب أباعرها، [وسدت على الطالعين أبوابها] فمن لتحقيق معانيها، وتعمير مغانيها، أم من لاختيار أقوالها، وتوشيه سربالها، وإظهار ما خفي من مسائلها، وجلاء ما صدى من مناصلها، أم من ينصر ملة الإسلام، بلسان [٦٠ أ] كالصمصام، أم من يرد على أهل التناسخ، بالحجيج الرواسخ، الثابتة كالجبال الشوامخ؛ فالدنيا تحلو لتمر، وتصفو لتكدر، وتنظم لتنثر، وتجمع فتفرق، تسقي لتشرق، فهي كالشمس تضيء فتعشي، وكالطعام يغذي فيؤذي، فالأولى الزهد عن زخرفها وزبرجها، والترك لما يحلو من رضابها، ويخدع من سرابها، والإعراض عن وصالها، ونضرتها وجمالها، فليست تبقي على السيد ولا المسود، ولا على القريب والبعيد، ولا على الملوك والعبيد، ولا على العالم والجاهل، ولا [على] النبيه والخامل.
ومن أخرى: إذا رمت - أعزك الله - تعزيتك عن المصاب الحادث، والخطب الكارث، ذكرت تماسكك فأمسكت، واستقبلني فاجع الرزية فسكت:
فلو شئت أن أبكي دما لبكيته عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
والليالي جارية في أخذ ما تلد، وإعدام ما توجد:
لا بد من فقد ومن فاقد هيهات ما الدهر من خالد
стр. 2006
كن المعزى لا المعزى به إن كان لا بد من السواحد
برد الله مضجعه ومثواه، وأكرم منقلبه ومأواه، ولقاء من برد النعيم، كالذي كان عليه من الخلق الكريم، وسقاه من السلسبيل، مثل ما كان يأوي إليه من الذهب الجميل.
وكلام أبي محمد كله رائق بديع، لا يتسع لاستيفاء محاسنه هذا المجموع.
فصل في ذكر الوزير الكاتب الماهر أبي عامر بن التاكرني واجتلاب جملة من نثره ونظمه، تشهد بنبله وفهمه.
وأبو عامر كاتب مجيد، ومحسن معدود، نشأ أبوه في الدولة العامرية يفرع مراتبها، ويتدرع جلاببها، إلى أن ولي في أيام المظفر بن المنصور زمام التعقب على أهل الأندلس، فلما انقرضت الدولة العامرية وانشقت عصاها، وأدرات الفتنة المبيرة رحاها، كان أحد من مرق من ظلمائها، وآوى إلى جبل عصمه من مائها، فاستقر ببلنسية وأميراها مطفر ومبارك - المذكوران في أول هذا القسم - فانتظم أبو عامر في سلكهما، وشاركهما في مراتب ملكهما، إلى أن أجابا صوت المنادي، وخلا منهما
стр. 2007
النادي، فخرا حسبما شرحته لفم واليدين، وفرق بينهما [٦٠ ب] من أعفى الفرقدين، وأفضى ملكهما وملك من كان بهذا الأفق الشرقي من هؤلاء العبدى المجابيب إلى عبد العزيز بن عبد الرحمن المتقلب بالمنصور، فنهل أبو عامر في دولته وعل، ونهض بأعباء مملكته واستقل، وكان بينه وبين أحمد بن عباس، كاتب زهير الفتى - المتقدمي الذكر - مكاتبات تنازعا فيها فضل البلاغة والبراعة، وتسابقا منها إلى غايات هذه الصناعة، وقد أثبت منها ومن سائر كلام أبي عامر في هذا الديوان، ما يقضى له بالإحسان، ويشهد بتبريزه على أهل الزمان.
فصول من رسائله السلطانيات
فصل له من رقعة عن المنصور إلى مجاهد الموفق، وقد أظلم بينهما الأفق: إن أولى الناس بالاصطلاح نفوس جبلت على صفو ودادها، وأحق الذنوب بالاطراح ذنوب جنيت على غير اعتقادها، وإن رسولك الكريم وردني فلم يتردد عندي إلا ريثما يقدح زند الوداد في نفسك النفيسة، فيوري سراجا من الصلة أسري به في ظلماء القطيعة.
قال أبو الحسن [بسام] : وكان مجاهد الملقب بالموفق قد انتزى على دانية والجزائر الشرقية بغدره لعبد الرحمن بن أبي عامر مولاه - حسبما ذكرناه - وحظوته بذلك عند محمد بن هشام بن عبد الجبار الناصري عدوه
стр. 2008
ناقص الدولة العامرية، فشرد على أصحابه الموالي العامريين؛ وكان مجاهد لا يستظهر بشيء من الحزم، بل عمله في الأغلب من تدبيره بالغلبة والمناواة، وتعويله على المساماة، واستراحته إلى الغدر، فلا يزال أمره ينتقض مع لازم الحرمان الموكل به، حتى يرده على عقبه، فكم فض من جيش، وأذل من عزيز، وأباح من حمى، ووجه من فتح، يقال له ما بعده، حتى إذا هم أو كرب لم يلبث أن ينحسر عنه، ويعود في أكثر الأمر غمة عليه، ثم يلبد فيثب كاليث؛ له في هذا الباب كله أخبار مأثورة مشهورة، وقد قدمنا القول فيه أنه كان أديب ملوك ذلك الزمان؛ كتب يوما إلى المنصور حفيد ابن أبي عامر رقعة لم يضمنها غير بيت الحطيئة حيث يقول:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فانك أنت الطاعم الكاسي [٦١ أ]
فلما وردت الرقعة على المنصور أقامته وأقعدته، وكاد يمرق من إهابه، فضلا عن ثيابه، واستحضر أبا عامر [بن] التكرني فقال له: تطأطأ لها تخطئتك، واسمع المراجعة عنه، وعنون وبسمل، وكتب هذا البيت خاصة:
شتمت مواليها عبيد نزار شيم العبيد شتيمة الأحرار
فسلا المنصور عما كان فيه.
ولما نهض العبيد من شاطبة إلى طرطوشة واقتضت الحرب هنالك قتل
стр. 2009
مقاتل الصقلبي، وسيق رأسه إلى بلنسية، كتب منذر إلى المنصور يرعد ويبرق، فراجعه أبو عامر المذكور عن المنصور ببيتي أبي الطيب:
فان كان أعجبكم عامكم فعودوا إلى حمص في القابل
فان الحسام الخصيب الذي قتلتهم به في يد القاتل
وله من رقعة خاطب بها أبا جعفر بن عباس يقول في فصل منها: كتبت عن نفس تفيض بمائها، وتجيش بدمائها، وتشكو إلى الله عظيم أدوائها، غيظا على تقلب الزمان، وعجبا من تنكر الإخوان، لا يلفظني عجب إلا إلى مثله، ولا أنتقل من مستغرب إلا إلى شكله، إن إبرمت حبلا من الإخاء، نقض المفسدون مريرته، أو ملأت يدي بمن أعتد به للشدة والرخاء، أفسد الواشون سريرته، [وبحق قيل] :
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته وقرت به العينان بدلت آخرا
كذلك جدي ما أصاحب صاحبا من الناس إلا خانني وتغيرا
ولا عتب على الدهر فان العتب على بنيه، والذم لازم لأهليه، والناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم.
وفي فصل منها: ولو لمست العيوق، وأدركت بيض الأنوق
стр. 2010
وجئت بالأبلق العقوق، وسمح الدهر لي بعجائبه، وخصني بغرائبه، ما غير مني فتيلا، ولا رأيت بمن عاشرته بديلا. وأعلمني فلان بما فل من الحد، ولففت له رأسي حياء من المجد، والله ما يصلح السباب، بين الأراذل والكلاب [فضلا عن الأفاضل] ، وانك لتعلم علم يقين، وانك في على سنن مستبين، أني ما عودت قط لساني، سب من نافرني وعاداني، ولا صرفت عنان كلمي، ولا صرفت شباه قلمي، إلا في ما يطيب على الأفواه [عرفه] ، ويحسن مع الأيام وصفه [٦١ ب] وإني لمقبوض القول، ساكن الطائر، سالم الجانب، مستعين بالله على العدو والمطالب، وما انطويت عمري قط على حقد، ولا رضيت بنقص عهد، ولا خست في حل ولا عقد:
ومراد النفوس أصغر من أن ... نتعادى فيه وأن نتفانى
стр. 2011
والدنيا عندي أحقر، وجميع ما فيها في عيني أصغر وأنزر، من أن أزاحم في حطامها، وأنافس على تكسب آثامها.
وفي فصل منها: وقد كان يلزمك أن تعرض على نفسك، ان كنت ثلبت عدوا قط بحضرتك، أو تنقصت مخلوقا بمشهدك، على طول المجاورة، وكثرة المعاشرة، فتجعل ذلك عيارا لك، وقياسا مطردا قبلك؛ اللهم إلا إن كنت عددت ما كنا نتفاكه [به] جماما للنفوس، ونتعاطاه عند معاطاة الكؤوس، [من] توقيع نادر، وهزل حاضر، فما أشد ما غيرك الأيام والليال، وقلبتك الأقوال، أين يذهب بك الكاشحون، وكيف يوخرفك المزخرفون -! والله لو كنا من الأغمار، وممن لم يحنكه الليل والنهار، ما وجب علينا مع الذمام المؤكد، والعقد المشدد، أن تحملنا الأيام وخطوبها، ولا أن تعصف بنا الرياح وهبوبها، فكيف وقد حلبنا شطور الدهر، وعرفنا أحوال العسر واليسر، واعروينا ظهور العرف والنكر، وركبنا متون البر والبحر، وجمعتنا الشدة والليان، وحالت علينا حالات الأزمان، وأرضعتنا بلبانها الكؤوس، وتصرفنا مع الرئيس والمرءوس، فلم يكن في خلال ذلك كله إلا نظام متسق، وأمر متفق، وشعب ملتئم، وسلك منتظم.
وفي فصل منها: ولقد شهدت فلانا ينحني عليك، وينسب كل مكروه إليك، بغاية السب، ونهاية الثلب، فقلت له: بفيك الحجر
стр. 2012
والأثلب، فخرج وهو يجمجم، كالمتهم لي بزعمه، ولم يختلج قط في صدري تلك الحماقات، ولا شغلت سري تلك الهنات، يعلم ذلك من عنده مغيبات الأمور، ولديه خفيات الصدور. ولقد كنت أشفق عليه وأحرص على خيره، وكانت ظنونه على حسب سريرته، وتوهمه بمقدار معتقده، وبحق يقول أبو الطيب:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم [٦٢ أ]
وعادى محبيه بقول عداته وأصبح في ليل من الشك مظلم
فسلط لسانه، وصدق ظنونه، وبلغتني قوارضه فلم أقارضه رغبة في فيئته، وحرصا على رجعته، وأما أنت فعذرك يضيق، وأنت الحميم الصديق؛ وقد كان انتهى الي ما عمرت به مجالس فيها الرئيس والمرءوس، وأنت بها المنادم والجليس، فقلت لمبلغ ذاك: هيهات! أبت الأعراق الزكية، والأخلاق السنية، أن أتنقص بحضرتها، أو ينسب إلي الكذب بمشهدها، فلما انتهى إلي تصديقك ما نقله الواشون، وأفكه الحاسدون، والله المستعان على ما يصفون، وستكتب شهادتهم ويسألون، قلت: صفرت وطاب المروة، ودرست آثار الأخوة، وطمست أعلام الرعاية، ونفقت سوق السعاية.
стр. 2013
وفي فصل منها: ومن أعجب العجائب ما يتصل بنا عنكم على ألسنة العامة وكثير من الخاصة، لا أصل له، ولا شبهة تصح منه، فالأنفس سلم، والألسن حرب، ولو اتصلت المداخلة لارتفعت الشبهة، ولم تبق لنتخلق حيلة، ولا صار الكذب قربة ووسيلة؛ وقد كنت بفضلك حضضت على فتح باب الصلة، والتعهد بالرسل لاستحكام المقة، فامتثلنا ذلك حسبما حضضت، وصرنا إلى ما إليه ندبت، رغبة في تأكيد الخلة، وحرصا على حسم كل علة، ووافقنا من المنصور - أيده الله - نفسا جانحة إليكم، وسريرة حريصة عليكم، فعميد الدولة - أعزه الله - عمه الحاني، وأهله الداني، فلم تتقبل الرسل عندكم بواجب القبول، ولا تؤول أمرهم على أجمل تأويل، فمالك أنت أبا جعفر لا تجدد ذلك الوصل، ولم لا تصل ذلك الحبل، وتقطع ألسنة أهل الزور، وتحقق ما تنسقه الأباطيل - حتى يلوح الحق، في معرض الصدق، ويشمل السداد، ولا ينفق سوق الكساد؛ وأنت قطب عليه يدار، ورأيك سراج به يستنار، وما خاطبتك إلا مشفقا من حبل وصله الله أن ينقطع بالباطل، وود أخلصه الله أن يتغير بقول ناقل، فان هذا إن تمادى بحسبه، وبقي التنافر والاستيحاش على شخصه، تعظم الدائرة، وتتفاقم النائرة، وتزل القدم، ولا ينفع الندم، وما أخص بقولي هذا فريقا، ولا أورد إلا تحقيقا، والله يكشف الغطاء عن قلوب قد رين عليها، وزين الشيطان أسباب الفساد إليها:
стр. 2014
فأجابه أبو جعفر [ابن عباس] برقعة يقول فيها: وقفت على ما أومأت اليه وصرحت في طي التعريض، وبه ما ترجف العامة بإخطار [٦٢ ب] ذكره، وتهتف بعض الخاصة بالتحرز من كونه، وفي مثله يقول القائل:
إني أرى شجرا تورد غصنه أخلق به متوردا أن يثمرا
وإذا السماء تمخضت ببروقها ورعودها فجديرة أن تمطرا
كلا أبا عامر، فرب صلف تحت الراعدة، وما كل بيضاء شحمة وإن كانت ناصعة، ولا وعمرك أبا عامر، أطاله الله على حكمك، ما ينثي علينا في هذه الجملة خنصر، ولا يؤثر عنا فيها حديث مسند، ولا نحن إلا في حيز السماع المستفيض، وأغلب ظنوننا فيه التكذيب، وإن كان الظن أكذب الحديث، وعنوان أحوالنا عندكم، وسيرنا مقدود من أيمكم، فلا تسأل عما لدينا غيركم، ولا تقس علينا إلا بما قبلكم، والمرجفون كثير، والناس إلى الشر سراع، ورياح أهوائهم تنشئ سحاب التكذيب، وتستدر أخلاف التضريب، وحق هؤلاء أن تنتف سبالهم، وتخلع على أقفائهم نعالهم، وهذا رأيي فيهم، فاحكم بفتواي عليهم، وضعهم على يدي عدل فيهم، وأصغ إلى من
стр. 2015
يعرض عليك ذات نفسه، ويطلعك على بنات صدره، ودعني من التعريج على قوم ينفقون سوقهم (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم) (النساء: ١٠٧) وجملة الحال وتفصيلها: ذلك العقير البرشلوني مستراب، والتداوي به داء عياء، ولو صرفت عنايتك إلى سد ذلك الثغر والبراءة منه، لأخرست ألسنة المرجفين، وابطلت زخارف المخرقين، فهذه عين الخبر، ومكان النظر فما بالنا نجعل العتاب بدا نطيف به، وننسج بيننا وبين الصدق حجابا نتناجى من خلفه!!
والستر دون الفاحشات وما يلقاك دون الخير من ستر
وأني لك بتكذيب ما شاع، وتزوير ما استذاع -! وقد سددت علي ثنايا الجبل، وصككت سمعي بهذا المثل:
قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا فما اعتذارك من قول إذا قيلا
وليس يخفى عليك نصحي بصدق مقالي وأخوك من صدقك، فإن كنت في ما ندبتي إليه محقا، وأردت به رحمه الله تعالى، فما أخلقك
стр. 2016
بهاتين الصفتين، فاقدح لي أضىء لك، وكن مثلك؛ ولا تحتج معي أن تقول: تزل القدم، ولا ينفع الندم، فإني أذكرك [٦٣ أ] قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (الانفال: ٢٥) ولا تكلفني دفع العيان، وتلزمني إقامة البرهان على كل محال، فكل شيء يجوز تكليفه الإنسان إلا ما لا يستطاع، وعند الله أحتسب موعظتي، وهو المجازي على نيتي.
فراجعه أبو عامر ثانية برقعة [أخرى] يقول فيما: ورد كتاب كريم لك قد ضمن من الآداب عيونا، واستودع من الإغراب فنونا، فوقفت منه على ترجيم الظنون، وفي حيرة بين الشك واليقين، وقلت: هذه بدع المتطرفين، ونكت المتفلسفين، طورا إيماء وتلويح، وطورا لإفصاح وتصريح، وكلما نظرت فيه، وفكرت في معانيه، استنكر مع العرفان، واستجم على نهاية البيان، فقلت: لا غرو قد ينكر الليث في قراره، ويعرف الهلال في سراره، ولا بد مع البحث أن أصيب غرضا، أو أن دونه حرضا، فلما غصت في بحارك، وأمضيت فكرتي في مضمارك، وقع السهم في غرضه، ولاح الحق في معرضه، وبدا لي أن ما خاطبتك به لم يوافق قبولا، ولا كان على الصدق محمولا، وليس الكذب من شيمي، ولا المذق - بحمد الله - من كلمي، وبالله ما خاطبتك إلا شحا، ولا أسمعك إلا نصحا، فمنيت من قبولك
стр. 2017
بسوق كاسدة، ومن قبلك ب " رب صلف تحت الراعدة "، وكلا والله ما رعدت لنا سماء، ولا تكدر لنا ماء، ولا قصدت بخطابي مقصد التهديد، فالصدق ينبي عنك لا الوعيد، بل خاطبتك بقلب سليم، وثبت لك على عهد كريم.
وفي فصل منها: ومن العجب قولك: اقدح لي أضئ لك، ولقد قدحنا لكم فأظلمتم، وحفظنا ذمامكم فضيعتم، ووصلنا فهجرتم، وقربنا منكم فبعدتم، ورب رسالة أنشأناها رغبة فرغبتم عنها، ورسول ملطف قصد جهتكم طار بجناح الخزي منها، بعد الترقيب عليه، وإظهار التثاقل إليه، ونحن على ذلك نفتل في الغارب والروة، ونزداد وصلا على الجفوة، ونلين على القسوة، ونصبر للأذى، ونغمض على القذى، إن عاتبناكم لم تقلعوا، وإن استعتبناكم لم ترجعوا، بل تركبون الهياج، وتلزمون اللجاج.
ومن أغرب ما به احتججتم، وأعجب ما به لهجتم، تكرر فلان علينا، وتردده لدينا، كأنكم جهلتم القوم وأطماعهم، ولم تعلموا تطرقهم وانتجاعهم، وأنهم يتعللون بأدنى سبب في المراسلة، امتراء لأخلاف العطاء، وذريعة لاستجزال الحباء، وقد شهر هذا من فعلهم، في كل جهة تكون من سلمهم؛ فما [٦٣ ب] بالنا نخص بهذه اللائمة وجنايتها عليكم - والإنصاف يقلب مذمتها عليكم، ألم تسلموا من
стр. 2018
كان بكم مشتدا بعد العهود المؤكدة، والمواثيق المشددة - فاحتل العدو - قصمة الله - جهة لم تخطر بباله، واستصرختم فلم تصرخوا، واستنجدتم فلم تنجدوا، والنعم تنتسف، والستور تنكشف، والدماء تسفك، والحرم تنتهك، والإسلام يعلز علز المحتضر، وأهله للشرك كالهشيم المحتظر، فلا حرمة الإسلام رعيتم، ولا ذمام المشاركة قضيتم؛ فلم تعدون ذلك من ذنوبنا، وتبثون بذلك رسلكم في البلاد، وتنادون هلم إلى الجهاد، تقولون بأفواهكم ما ليس في قلوبكم والله بعلم ما تكتمون، بل تدبون الضراء، وتسرون حسوا في ارتغاء كل ذلك بمرأى ومسمع منا، وغير غائب عنا، ولا نزداد مع حركتكم إلا سكونا، ومع تخشنكم إلا لينا، فأبقوا على الود ما دام بوفائه، وصونوا جمال الحال ما بقي بمائه:
ولا توبسوا بيني وبينكم الثرى فان الذي بيني وبينكم مثري
والعدو الذي حذرتهم نحن أشد حذرا منه، وأعظم نفارا عنه، فقد صح عندنا من أمره، ما يضيق الصدر بحمله، فيا للمسلمين! تعالوا إلى التعاون، واتفقوا ولا تفرقوا، واتقوا عاقبة الخذلان. وقد ناديت إن اسمعت، ونصحت بقدر ما استطعت، فان وافقت قبولا، ولقيت تأويلا جميلا، فان الخير عتيد، والتناول غير بعيد، وإن كان للهوى سلطان، وللتعسف
стр. 2019
عدوان، فأخلق بلأمة العزم لأن يتدرعها مدرك لا يضام، ومحرب لا ينام، يقتحم النار، ولا يخشى العار، في يوم لا تطلع شمسه، ولا يذكر أمسه:
تبدو كواكبه والشمس طالعة لا النور نور ولا الإظلام إظلام
وحينئذ تستغرب ما إليه أشرت، وتستهل ما منه حذرت، من استعمال العقير البرشلوني على ما نهجت الحكماء عند إعضال الداء، من استعمال السموم في أثناء الدواء، ليتفق مزاجها، وينفذ علاجها، فان كان ما يحاولونه من التدبير، سببا لذلك العقير، فهو قريب عتيد، وإن كنتم على ما عهدنا فهو من جهتنا نازح بعيد، وهذه جملة مفصلة، وحقيقة محصلة، فإما ألفة وانتظام، واتفاق يحيي رمق الإسلام، وإما داعية تلف، وراعدة صلف، وهنالك تزل القدم، ولا ينفع الندم.
فراجعه ابن عباس أيضا [٦٤ أ] برقعة يقول فيها: التصدير - أعزك الله - ب " كتابي " و " كتبت "، وتوشحهما ب " كان " و " كنت " بشر يرف على صفحة التملق زبرجة، وسراب يحسبه الظمآن ماء فيستدرجه:
стр. 2020
ولا يغررك ذو ملق وبشر ... يقول وليس يعدو أن يقالا فتحت رغوة التصنع لبن صريح، وعلى أديم التحقيق شعار سليم، وبين أثناء المناقلة جد كالقدر ينزل بكرة وأصيلا، وفي تضاعيف المساجلة هزل كالنسيم الخصر يهدي الشفاء قليلا قليلا، وفي استرسال الصديق سلوة بالغة، وجنات عتابه حلوة سائغة، وان أنحيت فيه على خشن مبرد، وأرجحت شمائلك التي هي جامد البرد، ودب بشرك منه بنفس متدارك، وأثرت عنه بغير الكلم وهو بارك، وساورتني ضئيلة بيانك، وألقيت السلم إلى سلاطة لسانك، وبرئت إليك من عهدة قصري عن ساحة طولك وعرضك، وشهدت لك تطامن سمائي عن قرارة أرضك:
فما حسن أن يمدح المرء نفسه ... ولكن أخلاقا تذم وتمدح وكل ذلك لأشق كمامة صبري لك عن زهرة كلفي بك، وأتدرع مفاضة الاحتمال منك جنة بيني وبين الشماتة فيك، هذا - أعزك الله - حكم الصداقة التي وضعت يدك على رمتها، وخلعت نجاد هواك على قمتها - فان أسمح قيادك، وأنس شرادك، وأجريت في روح الإخاء نفسا، وجررت على أديم الوفاء يدا ملسا، فبجميل ذكرك أبدأ وأختم، وفي حيز رضاك أطير وأجثم. وأما قعقعتك أبا عامر
стр. 2021
بشنان الشرك، واعتصامك بغير حبل الله، وإزعاجك بكتائب الروم، وإبراقك بالإجلاب على ملة التوحيد، وإيعادك بمدرك لا يضام يدرع لأمة العزم، ومحرب لا ينام يقتحم النار، ولا يجتنب العار، فاتق الله يحميك، أليس الله بالمرصاد، أم اتخذت على الغيب حميلا، وأتيت على الحجج ظهيرا - وكفاك بهذا البيان سحرا في باب الجدل، وحسبك به فخرا على من تقدم وتأخر، وأما التخويف من اقتراب الساعة بزلزلة الافرنج دفعة، ونتق الجبل فوق رءوسنا كأنه ظلة، فنازلة تحرك لها حوار الإيمان [فيحن] ، وطامة كبرى يعج لها الإسلام ويضج، فبعضهم أولى ببعض (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) (المائدة: ٥١) بحكم النص؛ فدع ضرب مثل السوء [٦٤ ب] لنا، وعد إلى ما هو أليق بكم وبنا، فعلى الانصاف من نفسه أدلة واضحة، وعلى الحق بين المنصفين سبيل لائحة، واذكر شئون أحوالنا الأول، ورفرف بخوافي الرجاء وقوادمه على أيامنا القدم:
وقل لخيال الحنظلية ينصرف إليها واصل حبل من وصل
فلا أعرفني إن نشدتك ذمتي كداعي هديل لا يجاب ولا يمل
стр. 2022
فأما أبا عامر وقد نحت أثلة الشك لتستيقن، وقرعت مروة الحديث لتستثبت، فلأصدقنك سن بكري، استنامة إلى صدقك، ولأطلعنك على مثل ما أطلعت من غيبك، وأقول لك قول من زف اليك وده براحة ثقته، وأنبأك ما عنده بلسان صداقته، وقد تعدي الصحاح مبارك الجرب، ويغفر الله ظنوننا فبعضها إثم؛ وفي هذين المثلين كيفية بدء الحال وعودها، وجماع ما يعبر به عن حورها وكورها، وتحت جملتها تفصيل طويل، وتفسير كثير، بعيد مرامه عليك قريب:
فنجي الفؤاد يعلمه العاقل ... قبل السماع بالإيماء ولهذا اكتفى البليغ من الإسهاب فيما يريد بالايحاء ... غير أن الكتائف ترفض عند المحفظات، والعجلة تترك تبركا بالأناة، وإذا استكففت حاجب أفقنا بيد رفقك، وأومأت إلى جونا برجع طرفك، أدرت دراري الوداد في مناطق أفلاكها، وتركت أعلام الوفاء ثابتة على آساسها، وجلوت أعراس الإخاء في أحسن معارضها، فما لنا لا نقر الطير على وكناتها، وننكب عن الأفاعي العزم فلا نطؤها في مراصدها، ونجانب عن بنت الطريق إلى أمها، ونسري سرى النجوم على سمتها، ونعود إلى التي هي أعدل سننا، قبل أن يسبق السيف العذل سفها:
стр. 2023
فان النار بالعودين تذكى وان الحرب مبدأها الكلام
فلنحم ثغر اليقين بجهاد الشك فيه، ونسد ثنايا النفاق على منفقيه، حتى ييأس أهل هذه البضاعة عن مساعي نمائمهم، ولا يجدوا محزا لشفارهم، وكل ذنب دون الذم لمم، والسهم لنا ما لم ينبض الوتر، وان حلبنا لم نرد في الضرع اللبن، ولولا هنات سل العتاب بيننا سخائمها، وألان تعاطينا النصفة شكائمها، لاختالت المنافرة ببهجتها وازينت، ودارت رحى الفتنة في قطبها على ما خيلت، وإني وإن تقلدت بك الخطاب عن نفسي، فتحتها كناية إليها أشير برمزي، ومركز [٦٥ أ] حواليه أدير معاني لفظي، ولم أتيمم صعيد هذه الغيظان فنمسحت بتربه، ولا انخرطت في سلك الانطباع ففضلت بين دره بشذره، إلا وقد وليت فصل الخطاب والحكومة باجماع، ورضينا بما لنا و [ما] علينا في القضية دون ثان، ووضعت واسطة القلادة لتعدل، ويكفي منها ما أحاط بالعنق، فاذكر المثل فهو لفظ يجمع بين معنيين، وجنس يشتمل على نوعين، أشير لك إليهما بقول الأول:
стр. 2024
خليلي إنسانان ديني علهما مليان لو شاء لقد قضياني
خليلي أما عمرو علمتها وأما عن الأخرى فلا تسلاني
وحق هذه النكت الكامنة في ضمير القوة أن تخرج إلى حد الفعل بمرة، ولا تلوى فتتراخى كأول وهلة، فيحتاج في المستأنف إلى عمل، ويعيد القضية جذعة من ذي قبل، والله تعالى يمسك رمق الإسلام في هذه البقعة، ويقيل عثرته بإلهام أهله إلى ما هم عنه في غمرة.
قال أبو الحسن [ابن بسام] : وذكر بعض الرواة من نقلة الأخبار أن الواثق لما رأى أحمد بن الخصيب الكاتب يوما يمشي بين يديه تمثل بالبيتين المتقدمين، فبلغ ذلك سليمان بن وهب فقال: أنا والله تلك الأخرى، إنا لله وإنا إليه راجعون، قالوا: فنكبهما بعد ذلك بأيام.
وله فصل من رقعة عنه إلى [ابن] مجاهد: [واتصل بي الحادث] على القاضي أبي العباس ﵀ فقصم ظهري، وجل مصابه عندي، وعلمت موضع فقده من نفسك العزيزة - حرسها الله - وأشفقت من ذلك أشد الإشفاق، واحترقت نفسي [له] أبلغ الاحتراق، وعلمت أنه لا بد في مفارقة الإخوان وثقات الخدمة والأتباع، مع طول الصحبة وموافقة الطباع، من لوعة تلذع الكبد، وتفت العضد؛ لكن من كان
стр. 2025
في قوى نفسه على خليقتك، وجرى في اعتبار الدنيا على طريقتك، فهو يلقى خطوب الدهر، بمجن من الصبر، إذ قد ذاق حلوها ومرها، وخبر صفوها وكدرها، فليس حدث الزمان عنده بنكر، ولا خطبه لديه بمنكر، وهو كما قيل:
وفارقت حتى ما أراع من النوى وإن بان جيران علي كرام
ومما زاد علي في الإشفاق، ما كان لديه من الأعلاق - أوشك الله خلفها عليك، ولا غير نعمه لديك - وما قد فات من المال، فهو ليوم الحاجة ذخيرة إلى صالح الأعمال، وكل جليل [٦٥ ب] يصغر عند الدفاع عن حوبائك، وكل خطير محتقر مع سلامتك وطول بقائك.
وله من رقعة عن إقبال الدولة إلى المعز بن باديس: أطال الله بقاء سيدنا الأجل رافع أعلام الهدى، ومحيي كلمة التقوى، وقوام أمر الدين، ونظام شمل المسلمين، وشعار حزب المؤمنين، وناظر عين الزمان، وروح جسم الأوان، وحسام عاتق الإسلام، وحلي جيد الأنام، مخلدة دولته، مؤيدة حيث يمم بطشته.
وفي فصل منها: وإني وإن قعدت عن مناسك فرضها، وتأخرت في مضمار قرضها، فإني معيرها ضميرا كما انبلج النهار، وشكرا كما أرج النوار، وهل أنا إلا أحد أبنائها، وشهب سمائها، وشيعة علائها
стр. 2026
وان جذم نأي الدار، كف الخيار، ففي البعد اعتذار، وفي الجهد إعذار، وإن مع التجاوز ليعلم العيان، ومع التحاور ليطمئن البرهان، ومع التزاور لتزول الأحوال، ومع التقارب ليقع الإخلال، والقوى [المخلوقات] قريبة الانحلال، سريعة الانفعال، والنيرات على وفور ضيائها، وظهور سنائها، فيما لا تقابل كليلة، وعندما لا تسامت عليلة، وفيما لا تناول ضئيلة، وما قنية ورثتها، ونعمة طوقتها، ورفعة ألبستها، بمكفورة آثارها، ولا مسودة أنوارها، ولا مواتي إلى الدولة العلية بطارفة، ولا شوافعي لديها بمستانفة.
وله من أخرى عن المنصور إلى أهل قرطبة: إن كنت منكم بنبوة، وعنكم بنجوة، فإني شهيدكم بنفسي، وقسيمكم بحالي، أراكم بعين المشاهدة، واكلأكم بعين الإحاطة، أعد كبيركم كالعم، وصغيركم كابن الأم، فأنتم الأهل والجيران، والذخائر للزمان، في الدار التي منها خرجت، والبيضة التي فيها نشأت، أفضل دار تكنفني عيابها، وأول أرض مس جلدي ترابها، فلو أمكن أن تصير إليكم أمدادي مع الرياح، وتطير نحوكم أجنادي بألف جناح، ملبيا لدعوتكم
стр. 2027
ومسارعا إلى نصرتكم، لما تأخر ذلك عنكم طرفة، ولا تلبث خطفة، لكن عوادي الفتن، وعوائق الزمن، منعت من العجلة قبل إحكامي لما حاولته من تأليف الكلمة، فرب عجلة تهب ريثا، ومن أعد للأمور عدتها، وأخذ لها شكتها، كان قيمنا أن يكون نظره نافعا، ودواؤه ناجعا. ولم أزل أحسم العلل، وأقطع [٦٦ أ] بالفتنة دون الأمل، حتى لانت الأيام بالسماح، وسكنت بعد الجماح، وصار المسلمون إخوة، وفي جميل المعاشرة أسوة، وقبل الرمي تراش السهام، ويحسن التناول بقرب المرام، ورأيت ان استئلاف القلوب المتنافرة، وتواصل الأهواء المتدابرة، أقوى أسباب النجاح، وأشد الأعوان على الفلاح، فتأخرت عنكم متقدما إليكم، وتبقيت دونكم وافدا عليكم، ولم أقنع من الأمور بغير التحقيق، ولم أرض من المركب بالتعليق، وقد نفذت ثقاتي إلى الجهات لتخير الأجناد [وانتحال الأنجاد] ، ليكون جميعهم صفوة، ولا يشوبهم أحد من الحشوة، وشرطت أن يتوجه
стр. 2028
من قبلي إليكم، ويفد منهم عليكم، من له المزية والظهور، والغناء المشهور، أولو البأس والنجدة، والثبات والشدة، والقلوب الأبية، والأنوف الحمية، يسمحون عنكم ببذل النفوس، ويقوم الواحد منهم مقام الخميس، تملئ العيون منهم قرة، والنفوس مسرة، وفي الثالث من [يوم] كتابي هذا ينفذ إليكم من الوزراء من تكون حركة الخيل معهم في زمان معروف، [واجتماعها] في مكان موصوف، إن شاء الله، ليصح عند العدو - قصمة الله - أن الأيدي قد ارتبطت عليهم، وأن الأعنة قد صرفت اليهم، وأن الوقت قد أزف، والغطاء قد كشف، فيا ليت شعري أين المفر، أم يقولون نحن جميع صبر، (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (القمر: ٤٥) .
انتهى ما لخصته من كلام أبي عامر، موجز الموارد والمصادر، ويتلوه مما يفي بشرط الكتاب من أخبار هذا الأمير عبد العزيز بن أبي عامر المذكور، وعبد الملك ابنه، صيابة دولتهم، اللذين جاءا في آخر الرعيل، وردا هذا الاسم على الخمول.
стр. 2029
ايجاز القول عن امارة عبد العزيز بن أبي عامر
وابنه ببلنسية وأعمالها
قال أبو مروان [ابن حيان] : هو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن المنصور محمد بن أبي عامر. كان الموالي العامريون عند ذهاب مجاهد عنهم قد أسندوا أمرهم إلى نفر من مشيختهم، فتشاوروا في ارتياد أمير من أنفسهم يعترفون له، فاتفقوا على ابن مولاهم عبد العزيز هذا إيثارا له على ابن عمه، محمد بن عبد الملك، وكان مقيما بقرطبة، وعبد العزيز بسرقسطة في كنف منذر بن يحيى [منذ التجأ إليه غب الحادثة بقرطبة، فدسوا إليه سرا من منذر بن يحيى] فأحكم له التدبير، وخرج سرا من سرقسطة، فلحق ببلنسية، فاستقبله الموالي العامريين أفواجا، وقلدوه رياستهم. وكان عبد [٦٦ ب] العزيز هذا من أوصل الناس لرحمه، وأحفظهم بقرابته، ابتعثه الله رحمة للممتحنين من أهل بيته فآواهم، وجبر الكسير، واكتنف الطريد، ونعش الفقير، طول مدته، إلى أن بلغ من ذلك مبلغا أعيا ملوك زمانه. وخاطب لأول حينه الخليفة القاسم بقرطبة مع هدية حسنة وذكره بأيام سلفه، فقبل القاسم هديته، واعترف بوسيلته
стр. 2030
وعقد من أعماله، وسماه المؤتمن ذا السابقتين، فتوطد سلطانه، واشتمل على خدمته أربعة من الكتاب حتى سماهم الناس الطبائع الأربع، وهم: ابن طالوت وابن عباس [وابن عبد العزيز] وابن التاكرني المذكور، كاتب رسائله ومكانه من الأدب والعلم والذكاء مكين، فانتشر كلامه، واعتلى ذكره، ولم تزل حاله تسمو حتى اتصل بوزارته فنال جسيما من دنياه.
فلما كان سنة اثنتين وخمسين اعتل علة أعيا علاجها، واختلفت نوبها، تطمعه تارة وتؤيسه أخرى، والإرتجاف لا يفتر عنه، إلى أن قضت عليه في ذي الحجة من العام، فاجتمع أصحابه على تأمير ولده عبد الملك، وقام له بأمره كاتب والده المدبر لدولته ابن عبد العزيز، [المشهور مع معرفته بابن روبش القرطبي، وكان موصوفا بالرجاحة، فأحسن هذا الكاتب معونته على شانه، وتولى تمهيد سلطانه، واستقر أمره على ضعف ركنه، لعدم المال، وقلة الرجال، وفساد أكثر الأعمال. وراعى هذا الكاتب] الشهم مدبر هذه الدولة في هذا المؤمر عبد الملك مكان صهره وظهيره المأمون يحيى بن ذي النون، إذ كان صهر عبد الملك أبا امرأته، المساهم له في مصاب أبيه، المعين له على سد ثلمه، الذائد عنه كل من طمع فيه، عند نزول الحادثة، من حضرته طليطلة إلى قلعة قونكه من طرف أعماله، للدنو من صهره عبد الملك، وبادر بإنفاذ قائد من خاصته وبالكاتب ابن مثنى إلى بلنسية في جيش كثيف، أمرهم بالمقام مع عبد الملك وشد ركنه، فسكنت الدهماء عليه. ومضى
стр. 2031
عبد العزيز أبوه لسبيله غير فقيد المكان، ولا عزيز الشان، ولا مبك لسمائه ولا أرضه، ما فجع به إلا [ذوو] رحمه [من] آل [أبي] عامر لتناهيه في صلتهم، حتى صار إسرافه في ذلك من أضر الأشياء لجنده، وأجلبها لذمه؛ له في ذلك أخبار مأثورة، فتوفي وهو أطول أمراء الأندلس مدة إمارة، تملاها أربعين حجة، إذ كانت إمارته ببلنسية صدر سنة اثني عشرة وأربعمائة، فسبحان المنفرد بالبقاء، الأول قبل الأشياء.
فصل في ذكر الوزير [٦٧أ] الكاتب أبي المطرف عبد الرحمن بن فاخر المعروف بابن الدباغ وإثبات جملة من نثره ونظمه.
وكان أبو المطرف هذا من خلي بينه وبين بيانه، وجرى السحر الحلال بين قلمه ولسانه، وكان استوحش من أمير بلده، ومقيم أوده، ابن هود المقتدر، فخرج عنه وفر، وفارق عز ذلك المقام، " ونجا برأس طمرة ولجام " فأجزل المعتمد بن عباد قراه، ووسع له ذراه
стр. 2032
وأفرده بحظ من دنياه، وخصه بمكان سره ونجواه، وسفر بينه وبين المتوكل بن الأفطس أيام كونه بيابرة، حين أخذ أخوه [يحيى] بكظمه، وهم بالنزول على حكم المعتمد أو حكمه، وقد كان ابن عباد فغر فاه على المتوكل، وقدر أن ينيخ عليه [بكلكل - حسبما قدمته] في أخباره - فوعده بالغرور وزخرف له شهادات زور، على لسان [هذا] الوزير أبي المطرف المذكور، [فلما حاوره وناظره، خصه] بنصيحة أثره، ومثل له ذلة المعزولين، وذكره بفعل معاوية يوم صفين، فأوجده سبيلا، ودرجه قليلا، ومات أخوه المنصور يحيى بعقب ذلك، فورثه الله ملكه، ونظم سلكه، فرحل اليه أبو المطرف ملبيا بحج وعمرة، متوسلا بسابقي أنصارية وهجرة، فصادف وجها خصيبا، ومكانا من العز رحيبا.
وكان سبب خروجه من اشبيلية - فيما حدثي بعض وزرائها - أنه تشاد مع ابن عمار، فأشار المعتمد إلى حسم ذلك بين يديه، فأبى أبو المطرف عليه، ثم اجتمعا بعد في مجلس أنس دون رأيه، فأمر المعتمد بنفيه؛ وقد كان أيضا بلغ أبا المطرف أنه قدح فيه بمجلس المعتمد وقرف بشيء أقلقه، وذلك أنه كان يعاني الخضاب ويثابر عليه، فقال بعضهم فيه:
خضاب لعمرك لا للنساء ... ولكنه لفحول الرجال
стр. 2033
فخاطبه بشعر قال فيه:
يهان بحمص عزيز الرجال ويعزى إليهم قبيح الفعال
ويغرى ذوو النقص من أهلها بتلطيخ أعراض أهل الكمال
فوقع المعتمد على ظهر رقعته بهذين البيتين:
شعرت فجئت بعين المحال وما زلت ذا خطل في المقال
متى عز في حمص غير العزيز أو ذل غير الذميم الفعال
فلما قرع سمعه البيتان أخذه الأفكل، وخرج من حينه وكان يحدث نفسه بالتحول، [٦٧ ب] إلى أن نفاه، فلحق بالمتوكل فآواه، وأجزل قراه، وخاطب المعتمد في معناه، ورحب به في بطليموس مثواه، إلى أن اشتعلت بينه وبين الوزير أبي عبد الله ابن أيمن نار ملأ الأفق شعاعها، وأخذ بأعنان السماء ارتفاعها، فكر راجعا إلى سرقسطة، فقتل ببستان من بساتينها، بعد مديدة من لحاقه بها، ورثاه الوزير أبو محمد بن عبدون بأبيات أعربت عن وده، ودلت على كرم عهده، وقد أثبتها من هذا التصنيف بحيث أجريت من ذكره، فيما انتخبته من نظمه ونثره؛ وأثبت من كلام أبي المطرف هاهنا، ما يشهد بفضله، ويدل على نبله.
стр. 2034
جملة من رسائله في أوصاف شى
من ذلك فصول له في ذم الزمان [وبينه] ، وتعذر آماله فيه *
فصل له من رقعة: أوحش بأيام أقطعها وأفنيها، وأثواب عيش أخلقها وأبليها، بحيث لا أراك عيانا، ولا أملك من أنديتك مكانا، حتى أعتز بك من هون أغضي فيه على القذى، وأصبر منه على حز المدى، وأتميز من طبقة الاتضاع والاستخذا، وأعظم تلهفي بماض من الدهر بغير مستفاد، وذاهب من العمر ليس بمستعاد، وليت شعري أتنجز الأيام موعودا، أو تدني من الأمل بعيدا، فترضي بما أستخطت، وتعتذر بما أذنبت، وتنسي مضض شدتها بليان، وتمحوأثر إساءتها بإحسان -! ما تحدثني بذلك نفسي، ولا إخال أن زماني يذعن بإسماح، ولا يزال مستمر الجماح، وما الحيلة إن أبى سوى التعلل بالمنى، والاستراحة بلعل وعسى - وبودي لو ملكت عن هذه الشكوى لساني، وأمسكت في البوح بها من عناني، وأخذت نفسي بأناتها، وأنظرت الأقدار إلى أوقاتها، حتى لا أسوء ولا أنكد، بما أورد منها وأردد، ولكني والله مغلوب بالاضطرار، معدول عن وجه الاختيار، ومن العجب أني
стр. 2035
أنوي في كتبي أن تكون من الشكوى خالية، وبزينة التجمل حالية، ولسان الحال تأبى إلا أن تبوح بمضمر السر، وتكشف عن حقيقة الأمر؛ وقد كان لي عنه معزل إلى وصف ما للبين بقلبي من جرح وآثار، وللشوق بين جوانحي من وقود وأوار، فإنه مذهب يجول فيه القول كل مجال، وينثال عليه الكلام أي انثيال، وتتأتى به الألفاظ لازدواجها، وتتراءى المعاني في معرض انتاجها، ولئن لم أبدأ به فإليه قصدت، وإياه أردت، وقد اكتفيت منه بما أتيت، ووقفت حيث انتهيت [٦٨ أ] .
وله في مثله من أخرى: قد كنت أؤمل هذا التلاقي، لأشكو فيه إليك دواهي بلغت بالنفوس التراقي، وصيرت المنايا أماني،فمن لي ألان به وبوصولي اليك حيث أنت، ودونك ما لا يخفى عليك، وقد عرض الماء لعيني فكيف أرد، ومن أين أقصد الله حسبي في سوء جدي، وأنت ولي عذري، في الحضور بالمكاتبة إذ لم أجد سبيلا إلى المشافهة، ولا أكذبك، ضاقت بي الأرض كلها، وانسدت علي سبلها، وضللت عن كل عزاء وتماسك، وأسلمت إلى كل يأس وتهالك، فتداركني ممزقا، ونجني غرقا، وأخطربي ببالك، واعرض حالي على اهتبالك، عسى أن يتجه للفرج وجه، أو يلوح منه فجر.
وله من أخرى: كل يوم تظهر من فضلك عجائب، وتطلع من ألطاف برك غرائب، وتنسى لها محاسن من تقدم، وتستبعد معها مآثر من تهمم، حتى كأن الجميل لم تعرف قبل طرائقه، واللطف
следующие страницы →