← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

عبد العزيز أبوه لسبيله غير فقيد المكان، ولا عزيز الشان، ولا مبك لسمائه ولا أرضه، ما فجع به إلا [ذوو] رحمه [من] آل [أبي] عامر لتناهيه في صلتهم، حتى صار إسرافه في ذلك من أضر الأشياء لجنده، وأجلبها لذمه؛ له في ذلك أخبار مأثورة، فتوفي وهو أطول أمراء الأندلس مدة إمارة، تملاها أربعين حجة، إذ كانت إمارته ببلنسية صدر سنة اثني عشرة وأربعمائة، فسبحان المنفرد بالبقاء، الأول قبل الأشياء. فصل في ذكر الوزير [٦٧أ] الكاتب أبي المطرف عبد الرحمن بن فاخر المعروف بابن الدباغ وإثبات جملة من نثره ونظمه. وكان أبو المطرف هذا من خلي بينه وبين بيانه، وجرى السحر الحلال بين قلمه ولسانه، وكان استوحش من أمير بلده، ومقيم أوده، ابن هود المقتدر، فخرج عنه وفر، وفارق عز ذلك المقام، " ونجا برأس طمرة ولجام " فأجزل المعتمد بن عباد قراه، ووسع له ذراه

стр. 2032

وأفرده بحظ من دنياه، وخصه بمكان سره ونجواه، وسفر بينه وبين المتوكل بن الأفطس أيام كونه بيابرة، حين أخذ أخوه [يحيى] بكظمه، وهم بالنزول على حكم المعتمد أو حكمه، وقد كان ابن عباد فغر فاه على المتوكل، وقدر أن ينيخ عليه [بكلكل - حسبما قدمته] في أخباره - فوعده بالغرور وزخرف له شهادات زور، على لسان [هذا] الوزير أبي المطرف المذكور، [فلما حاوره وناظره، خصه] بنصيحة أثره، ومثل له ذلة المعزولين، وذكره بفعل معاوية يوم صفين، فأوجده سبيلا، ودرجه قليلا، ومات أخوه المنصور يحيى بعقب ذلك، فورثه الله ملكه، ونظم سلكه، فرحل اليه أبو المطرف ملبيا بحج وعمرة، متوسلا بسابقي أنصارية وهجرة، فصادف وجها خصيبا، ومكانا من العز رحيبا. وكان سبب خروجه من اشبيلية - فيما حدثي بعض وزرائها - أنه تشاد مع ابن عمار، فأشار المعتمد إلى حسم ذلك بين يديه، فأبى أبو المطرف عليه، ثم اجتمعا بعد في مجلس أنس دون رأيه، فأمر المعتمد بنفيه؛ وقد كان أيضا بلغ أبا المطرف أنه قدح فيه بمجلس المعتمد وقرف بشيء أقلقه، وذلك أنه كان يعاني الخضاب ويثابر عليه، فقال بعضهم فيه: خضاب لعمرك لا للنساء ... ولكنه لفحول الرجال

стр. 2033

فخاطبه بشعر قال فيه: يهان بحمص عزيز الرجال ويعزى إليهم قبيح الفعال ويغرى ذوو النقص من أهلها بتلطيخ أعراض أهل الكمال فوقع المعتمد على ظهر رقعته بهذين البيتين: شعرت فجئت بعين المحال وما زلت ذا خطل في المقال متى عز في حمص غير العزيز أو ذل غير الذميم الفعال فلما قرع سمعه البيتان أخذه الأفكل، وخرج من حينه وكان يحدث نفسه بالتحول، [٦٧ ب] إلى أن نفاه، فلحق بالمتوكل فآواه، وأجزل قراه، وخاطب المعتمد في معناه، ورحب به في بطليموس مثواه، إلى أن اشتعلت بينه وبين الوزير أبي عبد الله ابن أيمن نار ملأ الأفق شعاعها، وأخذ بأعنان السماء ارتفاعها، فكر راجعا إلى سرقسطة، فقتل ببستان من بساتينها، بعد مديدة من لحاقه بها، ورثاه الوزير أبو محمد بن عبدون بأبيات أعربت عن وده، ودلت على كرم عهده، وقد أثبتها من هذا التصنيف بحيث أجريت من ذكره، فيما انتخبته من نظمه ونثره؛ وأثبت من كلام أبي المطرف هاهنا، ما يشهد بفضله، ويدل على نبله.

стр. 2034

جملة من رسائله في أوصاف شى من ذلك فصول له في ذم الزمان [وبينه] ، وتعذر آماله فيه * فصل له من رقعة: أوحش بأيام أقطعها وأفنيها، وأثواب عيش أخلقها وأبليها، بحيث لا أراك عيانا، ولا أملك من أنديتك مكانا، حتى أعتز بك من هون أغضي فيه على القذى، وأصبر منه على حز المدى، وأتميز من طبقة الاتضاع والاستخذا، وأعظم تلهفي بماض من الدهر بغير مستفاد، وذاهب من العمر ليس بمستعاد، وليت شعري أتنجز الأيام موعودا، أو تدني من الأمل بعيدا، فترضي بما أستخطت، وتعتذر بما أذنبت، وتنسي مضض شدتها بليان، وتمحوأثر إساءتها بإحسان -! ما تحدثني بذلك نفسي، ولا إخال أن زماني يذعن بإسماح، ولا يزال مستمر الجماح، وما الحيلة إن أبى سوى التعلل بالمنى، والاستراحة بلعل وعسى - وبودي لو ملكت عن هذه الشكوى لساني، وأمسكت في البوح بها من عناني، وأخذت نفسي بأناتها، وأنظرت الأقدار إلى أوقاتها، حتى لا أسوء ولا أنكد، بما أورد منها وأردد، ولكني والله مغلوب بالاضطرار، معدول عن وجه الاختيار، ومن العجب أني

стр. 2035

أنوي في كتبي أن تكون من الشكوى خالية، وبزينة التجمل حالية، ولسان الحال تأبى إلا أن تبوح بمضمر السر، وتكشف عن حقيقة الأمر؛ وقد كان لي عنه معزل إلى وصف ما للبين بقلبي من جرح وآثار، وللشوق بين جوانحي من وقود وأوار، فإنه مذهب يجول فيه القول كل مجال، وينثال عليه الكلام أي انثيال، وتتأتى به الألفاظ لازدواجها، وتتراءى المعاني في معرض انتاجها، ولئن لم أبدأ به فإليه قصدت، وإياه أردت، وقد اكتفيت منه بما أتيت، ووقفت حيث انتهيت [٦٨ أ] . وله في مثله من أخرى: قد كنت أؤمل هذا التلاقي، لأشكو فيه إليك دواهي بلغت بالنفوس التراقي، وصيرت المنايا أماني،فمن لي ألان به وبوصولي اليك حيث أنت، ودونك ما لا يخفى عليك، وقد عرض الماء لعيني فكيف أرد، ومن أين أقصد الله حسبي في سوء جدي، وأنت ولي عذري، في الحضور بالمكاتبة إذ لم أجد سبيلا إلى المشافهة، ولا أكذبك، ضاقت بي الأرض كلها، وانسدت علي سبلها، وضللت عن كل عزاء وتماسك، وأسلمت إلى كل يأس وتهالك، فتداركني ممزقا، ونجني غرقا، وأخطربي ببالك، واعرض حالي على اهتبالك، عسى أن يتجه للفرج وجه، أو يلوح منه فجر. وله من أخرى: كل يوم تظهر من فضلك عجائب، وتطلع من ألطاف برك غرائب، وتنسى لها محاسن من تقدم، وتستبعد معها مآثر من تهمم، حتى كأن الجميل لم تعرف قبل طرائقه، واللطف

стр. 2036

لم تفهم بعد دقائقه، إلى أن أتيت فاخترعت من ذلك سننا وبدائع، لا يزال مثلها لأولي الفصل شرائع، وأنوارها في فلك الفصل سواطع، فما أسعد من تمسك بعصمتك، واعتزى إلى جملتك!! وفي فصل منها: وكتابي [هذا] وانا كما تدريه، غرض للأيام ترميه، ولكني غير شاك من آلامها، لأن قلبي في أغشية من سهامها، فالنصل على مثله يقع، والتألم مع هذه الحال يرتفع، وكذلك التقريع إذا تتابع هان، والخطب إذا أفرط في الشدة لان، والحوادث تنعكس إلى أضداد، إذا تناهت في الاشتداد، وتزايدت على الآماد. وبعض ألفاظ هذا الفصل محلول من قول المتنبي حيث يقول: رمانى الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال فكنت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال وله من أخرى: لا تستغرب - أعزك الله - ما صادفت [لي] هنالك من تعذر وحرمان، كما لا استغرب ما ألاقيه عندنا من تسليط وعدوان

стр. 2037

فالنحوس كلها مجتمعة لي في قران، ولا تعجب إلا لثبوتي لما لا يثبت عليه الحلق السرد، وبقائي على ما لا يبقى عليه الحجر الصلد، وبالجملة لا تسأل عن الحال فقد صار في عيني معمور الكرة، أضيق من خرت الإبرة، واستبهمت لي المطالب، وانسدت علي المذاهب، فما أدري أي وجه أيمم، ولا [٦٨ ب] على أي أمر أعزم، ويا ليت شعري أين الفرج فهذا التناهي، وقد بلغت القلوب الحناجر ومتى التلاقي - نستغفر الله من هذا الضجر، ونعوذ به من السخط على القدر، ونساله صبرا يشتد لشدائد النوب حتى تجوز وتعبر، وتوفيقا يهدي في غياهب الكرب حتى تنجلي وتسفر. وله في فصل من أخرى: كتابي وعندي من الدهر ما يهد أيسره الرواسي، ويفتت الحجر القاسي، فرسا رهان: *يجد نوائبا وأجيد صبرا* ومن أجلها قلب محاسني مساوي، وأوليائي أعادي، وقصدي بالبغضة من جهة المقة، واعتمادي بالخيانة من حيث الثقة، فقس بهذا على ما سواه، وعارض به ما عداه، ولا أطول عليك فقد غير علي حتى شرابي، وأوحشني حتى ثيابي، فها أنا أتهم عياني، واستريب من بناني، وأجني الإساءة من غرس إحساني، وقاتل الله الحطيئة في

стр. 2038

قبره، فلشد ما غر بقوله: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس من يزرع الخير يحصد ما يسر به ... وزارع الشر منكوس على الراس أنا والله اغتررت به وفعلت خيرا فعدمت جوازيه، وأذممت عوائده ومباديه، وزرعته فلم أحصد إلا شرا، ولا اجتنيت معه إلا ضرا، وهكذا جدي، فما أصنع وقد أبى القضاء إلا أن أقضي عمري في بوس، ولا أنفك من نحوس، ويا ليت باقية قد انصرم، وغائب الحمام قد قدم، فعسى أن تكون بعد الممات راحة من هذا النصب، وسلوة عن هذه الخطوب والكرب؛ ودع بنا هذا التشكي فالدهر ليس بمعتب من يجزع، ولا بمشفق على من توجع، واطرح بنا هذا القول في الرياح، واعدل بنا عن الجد إلى المزاح. وله من أخرى: كتابي والحال على ما أسأل الله لها تبديلا وإدالة، ولعثرة الجد فيها استقلالا وإقالة، ولست أشكو إلا زماني وقعوده

стр. 2039

بجدي، وقبيح آثاره عندي، وإن كان على الكل عاديا، وللجميع بكأس مكروهه ساقيا، فيخصني بمزية حرمان، ويتوخاني بفضله عدوان، ويجعلني نصب سعيه، وغرض رميه، ومكان أذابته وبغيه، حتى كأني أبديت له معاير، وأدرت عليه دواير، ودللت العالم [٦٩ أ] على جوره في الحكم، وتطبعه في الظلم، وحسبي الله تعالى فيما أسخط وأرضى. ومع ما ذكرته فلي من الصبر جانب، وإن حميت منه جوانب، ومعي من التجمل بقية وإن سلبته السوالب. وفي فصل من أخرى: ربما كتبت تارة واستوقفت أخرى، وليس ذاك لتلون وانقلاب، وأفن في الرأي واضطراب، ولكني بحسب الحال أكتب، وعلى قدر تقلب الخطوب علي أتقلب، وما زلت أثبت لتوالي الرمي، وأستمسك على قوة الرزء، إشفاقا من أن أكون كلا، وأزيد في مؤنتك ثقلا، حتى قدم الغائب وقد تملأ من المرة الصفراء، واستفرغ من خلطي البلغم والسوداء، وتلقى الساعي هراشة بالاغراء، وناريته بالحلفاء، فاندفع يهيج ويتهوج، ويستشيط ويتأجج، ولا حلم يردع، ولا استبصار ينفع، فيا لك من مكاشفة تركت الألباب حيارى، والناس سكارى، فما أجد إلا من يثلب، ولا أمر إلا بمن يتهجم ويقطب، حتى كأني وترت الجميع، وجنيت عليهم الخطب الشنيع، ولله سمعني ماذا يسمع، وقلبي كيف لا يتصدع!! ولو نال مني ذو حرمة

стр. 2040

تعزيت، أو أخذ مني من فيه إنسانية ما باليت، ولكن المحنة بأوغاد تدق عن المجازاة مقاديرها، والبلية بذباب يحميها من أن تنال مقاذيرها. حل هذا من قول القائل، وهو إبراهيم بن العباس في محمد بن عبد الملك الزيات: نجا بك لؤمك منجى الذباب حمته مقاذيره أن ينالا وله من أخرى: قد آلى الدهر ألا يصيبني بنوائب، حتى تكون غرائب، فهو يخترع كل يوم فنا، ويطرقني بما لم يطرق قط أذنا، وفي فصل من أخرى: تحيل في استلطاف فلان فعساه يلين بعد قساوته، ويسكن غضبه بعد اشتداده، وكيف أوصيك وأنت ساحر البلد، وأحد النفاثات في العقد - ومن العجب أن أدرك إلى ذلك وأنت الذي جنيت علي فيه، وأذقتني مرارة تجنبه، فكيف تصلح وأنت المفسد، وكيف تستدنيه وأنت المبعد، وكيف تنصف وأنت الظالم، أو تبني وأنت الهادم -! هذا مرام بعيد، واسترضاء حاسد مثلك صعب شديد، ولكني واثق بأن يحيق بك سيء مكرك، فتذوق وبال أمرك، وتحصد زوائع شرك، وتصلى بنار بغيك، وتجني ثمار سعيك، والله مقرب ذلك فيك ومدنيه منك.

стр. 2041

وله من أخرى: كتابي عما عهدته من قعود الأيام بجانبي [٦٩ ب] ، واعتراضها علي في وجوه قصدي، ومقابلتها بالخيبة والحرمان سعيي وجهدي، بل ما تنفك تتلاعب بي تلاعب العابث، وتستطيل علي استطالة العائث، وتريني من أحداثها عجائب تسجم الدموع، وتطلع علي من خطوبها غرائب تحطم الضلوع، فيا لنفس تستطيع حمل هذه الكلف، وتبقى على ما في أيسره وشيك التلف، وقد كان شديدها عندي هينا، وضعبها علي لينا، حتى جد الجد برحلتك، وجرت لي الأشائم بفرقتك، فسدت علي من الراحة الأبواب، وقطعت بيني وبين الفرج الأسباب، ولم يبق لي معلل من دائها، ولا فارج علي اشتباك غمائمها، ولعل الذي لم يزل يمتحنني ليعلم كيف أصبر، وينظر أأشكر أم أكفر، أن يجعل لحالي إدالة، ولعثرة جدي إقالة، وأن يقيض لجمع الشمل، ووصل الحبل، سببا، ويقضي من عودة المجالسة، وتجديد المؤانسة، أربا، بمنه. ومن أخرى في مثله: كتابي والحال في الخمول كما علمت، والجد

стр. 2042

في الشقاوة كما عهدت، وكلما أرجو لباب الفرج انفراجا، يستبهم ويزداد إرتاجا، وكلما أطمع بمطالبة الأيام أن تلين تشتد اعتزاء، ولسهام النوائب أن تنثني تتتابع ولاء، والحمد لله الذي يبتلي ليرى كيف الصبر، ثم ينعم ليرى كيف الشكر، حمد متوكل عليه، مفوض أمره في كل حالة إليه. وله من أخرى في مثله: لكل زمان طاغية يشقى به ويعبأ له، وربما خص بتسلطه، وانقبض في تبسطه، ولم يصل بضرامه، إلا من ضايق في خطامه، فهذا المعهود، ولا كمن جمعنا به عصر، وضمنا معه مصر، فانه جاهر الكل بالقلى، ودعا إلى مكروهه الجفلى، وامتحنت أنا منه وممن معه بأشد محنة، وأسلمت لأسنتهم وسهامهم بلا جنة، فمن أيد تستبيح الحمى، وألسنة تنطق بالخنا، ومن سطوات تملأ عراص القلب رعبا، وترسل أدمع العين سكبا، ولو استطعت أن أطوي عنك أحوالي، ولا أشغل بالك بأوجالي، لرفهتك عن سماع ما يجلب إليك ارتماضا، ولا تملك لي فيه امتعاضا، ولكن أعوز الصبر، وأعجز احتمال الضر، فاسترحت استراحة واجد كاظم، وتعللت بالشكوى إلى متوجع واجم، على ما قيل:

стр. 2043

ولا بد من شكوى إلى ذي حفيظة يواسيك أو يسليك أو يتوجع واشتمل كتابك الكريم على ما استحييت منه، وغضضت طرفي عنه، وأوهمني أن [٧٠ أ] شكواي أثارته، وربما انحفزت فيما الحال بذاتها معربة عن التعذر، فأنظر الأمر إناة، وأجره على مجراه، وليس إلا التفويض إليك، والتوكل عليك، وما عندي أكثر من أن نفسي في يديك، فلا تكلني إلى رأيي فأحار، ولا تخيرني فلست أحسن أن أختار. ومن أخرى: أنا في هذا الوقت بحكم الزمان، نعم مستودع الهوان، أضحك لمن شتم، وأعتذر إلى من ظلم، وأغضي لمن همز ولمز، وأتعامى على من أشار وغمز، وأتلقى المكروه والأذى، بطلاقة التقبل والرضى، فمثلي إن أوذي شكر، أو أسخطته الأقدار تجمل، أو حمل ما لا يستطاع تحمل، فعل من يلبس للأحوال لبوسها، ولا يحفل بنعيم الأيام وبوسها. ووقفت على كتابك فلم أستغرب تجنبك، ولا أنكرت تعديك، وما عسى أن تكون في جملة من يعبر ويكلم، ويسخط ويذم، وأنت إذا خلصت من هذا الباب لم تتخلص للحجى، وكنت كجزء لا يتجزا.

стр. 2044

هات يا سيدي عتبك وعتابك، واشحذ للملام شفارك وحرابك، تجدني لاحتمالك عودا بجنبه جلب، وعليه من قراع الدهر ندب؛ على أني خلت أن الخطوب تبلغ بي رتبة من تعتد أنت عليه ذنبا، ويسمع من مثلك عتبا، ولكنها الأيام تأتي بغرائب، وتلد ما لا يحتسب من العجائب؛ وقد - وحياتك - جاشت هنا خواطري بالذم، وهمت نفسي بأن تفارق عادتها عن الكظم، لولا بقية بقيت من الخجل ذكرتني بالتمالك، وعرفتني مذهبي في التماسك، فأمسكت عليك احتسابا، ورجوت على حمل جفاء مثلك ثوابا، وأضربت عن أن أتكلف لك في شيء مما ذكرته [جوابا] ، إكراما لنفسي عن مجاوبتك، وتنزيها لها عن مساواتك ومماثلتك. وله فصل من أخرى: كيف أكتب أو أعبر، وبأي ذهن أخبر وأستخبر، ومالي والله يد تجري بقلم، ولا خاطر يهتدي إلى كلم، وإن نفسي من التبلد والكهامة والأين، بحيث لا تخلص معنى ولا تجمع بين حرفين، وما حال من كلما هم بشيء باعده الدهر منه، وطردته الليالي عنه، وكلما قرع باب مطلب عارضه من الحرمان رد، أو ذهب

стр. 2045

به مذهب سعي قطع به من النحوس سد، حتى لو عرض له عند الظما شرب، لغيض وحمته من الخطوب خطب، فاليأس قاطع أسباب الطلاب، ومغلق من النجح جميع الأبواب، ولكنها النفس ما بقيت لها حشاشة فهي تشف إلى طمع، وتنهض على ظلع، وتجهد ألا تقصر [٧٠ ب] إلى أن تموت فتعذر. وفي فصل من أخرى: ليت شعري متى أفتتح بالرضى، وهل أكتب وقتا من الدهر ولا أتشكى، فإني أحمد الله على حياة أقطعها في شدائد لا تنثني، وسكرات غم لا تنجلي، ونكد أخلاق لا يشوبه ابتهاج، وضيق أحوال لا يتخللها انفراج، ولئن كان باقي العمر كماضيه، وعوائد العيش كبواديه، فالحمام أعذب موردا، والوفاة أحسن مشهدا، فليس [بعد] هذا العذاب ما هو أشد، فلكل شيء مدى ينتهي إليه وحد؛ فسبحان من جعل الدنيا دار كرب ومحنة، لكل ذي لب وفطنة، ومقام تنعم وترف، لكل ذي خسة ونطف، وسبحان من ابتلى فيها ذوي الفضل والنهى بكل قعط بنفسه ويستشرف من سماء المجد، ويلتف في جعسه ويستقذر عنبر الهند. وفي فصل من أخرى: كتابي وقد لقيت من التعذر في الدنيا ما صحح منها اليأس، وأراح من وسواس الترجي للنفس، وأغراني برفض المطالب، بما أفادني من التجارب، وقد خلعت عني ذل الطمع، ولبست عز التوكل

стр. 2046

وسلمت إلى له الأمر، وبيده النفع والضر، وإليه العطاء والمنع، وأنا في هذا الوقت منشرح الصدر، خلو من الفكر، وسبب ذلك كل خير من قبل فلان، فإنه لما علم كربتي، لم يزل يتلطف في صلتي، فلله هو إذا بهرج نقد، وقلل تحصيلهم في الفضل عد، ما أميزه بالدنيا، وأسراه في طرق العليا!! وما أعرفه من أين يؤتي [المجد] ، وكيف يقتنى الثناء والحمد! ومما أنفذت اليك من مخاطباتي تقف على انفراده بالفضل، وارتفاعه عن المثل. ووردني كتابك فضاعف سروري أضعافا، ورد شوارد أنسي ألافا، وأمد ابتهاجي بأمداد، وأرادني من الجذل في أخصب مراد، ووقفت على جملة ما تجشمته، ولست أعارض بشكر إجمالك، ولا أطاول بثناء أفعالك، لأن العجز لاحق لي، والتقصير معصوب بي، غير أن مبدأ ما أنت بسبيله يقتضي أن تقف على منتهاه، وأول الأمر [فيه] يحفزك أن تنتهي إلى أخراه. وله فصل في مثل: ما أظن أن لدجى حالي انبلاجا، ولا لكربة نفسي انفراجا، ولا إخال غمرات الهم تنجلي، ولا مدد النحوس تنقضي. ومن كانت له من الدنيا حظوة يصطفيها، ومكانه يستقر فيها، فليس

стр. 2047

لي منها إلا أن أرى كيف تنقسم رتبها وتتناوب، وتتنازع نعمها وتتجاذب، وتغنم فوائدها وتتناهب، حتى كأني جئت على العدد [٧١أ] زائدا، ولم أكن عند القسمة شاهدا، فنبذت بالعراء، ولم يثبت اسمي في جملة الأسماء، وما أقول هذا قول ساخط، ولا أيأس من رحمة الله يأس قانط، ولكن ربما استراح العليل في أنة، واستغاث المتوجع إلى رنة، وخفف عن المصدور نفث، ونفس من وجد المكروب بث. ووصل كتابك مؤنسا إيحاش النوب، ومسليا عن حوادث الكرب، على عادة ما يرد من تلقائك، ويتجدد لدي من أنبائك، ووقفت على ما أزمعت عليه من لقاء الوزير الأجل فهيجت لي بذكراه، صبابة لقياه، واستطرت من أشواقي إليه وقعا، وأيقظت من آمالي فيه هجعا، وجعلت المنى تذهب بي كل مذهب، وتجري من بروقها بين صادق وخلب، وتخيل لي أن المثول بحضرته قد دنا، والفوز برؤيته قد أنى، وتناولتني الهواجس بذلك حتى كأن ناظري مستنير بمرآه، وسمعي مصغ إلى نجواه، فما لبث أن أنشدت: منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا

стр. 2048

وفي فصل منها: ما عسى أن أكتب وقد أطلعت في القول حتى أمللت، وأكثرت من التشكي حتى أضجرت، ولو شئت أن أقول لما أسعدت نفس قد هدمتها الهموم فما تقدر، وأحسب [أن] لو أقبل علي من الدنيا موليها، وأمكنتني الآمال من نواصيها، لما اهتززت لها اهتزاز نشاط، ولا وليتها ولاية اغتباط، فبؤسا للدهر ما أعنفه من مالك وأصوله، فانظر على أي نفس قدر، وفي أي همم أثر، وأي خطر أخمل، وأي إباء استنزل، وأي حد كل وفلل. ومن أخرى: في حالي - أعزك الله - عجب للمتعجب، كلما رمت وجهة فأتيتها من أقصد مذهب، وتناولتها بألطف مرعب، حتى تخيل لي أن أبيها قد أسمح، وحميد السعي فيها قد أنجح، رجعت عنها صفر الوطاب، وحصلت على رقراق السراب، وكان المستعجل منها أبطأ وأعصى، والمستقرب أبعد وأنأى، ويا ليت شعري إلى متى، وكم أتعذب وأشقى، وهل لهذا التحير أمد، زماني كله نكد -! وفي فصل من أخرى: وأما حالي التي تطلعت اليها فحال من لا يزال يستنجز الأيام عدات كواذب، ويستسقيها فتمطر صواعق ومصايب. وله من أخرى يخبر ما جرى عليه بدولة المقتدر: كتابي وأنا أساير

стр. 2049

من هذه النكبة غمرة يتطاول مداها ويمتد، وأصبر منها محنة تزيد مع الأيام وتشتد، وزادني قلقا ما حكاه لي فلان من [٧١ ب] خبر المقتدر في السبب الذي له جفيت، من أجله أقصيت، وذكر ذنوبا كانت مني، وأقوالا بلغه عني، منها تحصيل حركاته وأخباره، وتحريف ما كنت أشاهده في مجلسه الكريم من آثاره، وأراه، يذهب في تعديد ذلك ذهابا دل على حرد، وأنبأ عن سوء معتقد، فأزعجني الأمر إزعاجا يقتضيه تغير رأي مثله من الأملاك، الذين هم كالليل في الإدراك، وكالقضاء إذا شاءوا في الهلاك، ولم أجد لنفسي قرارا على تغيره، ولا هدوءا مع تنكره، وقد يجوز أن يكون للمبلغين في السعاية بلاغات محرفة، واختلاقات مزخرفة، تثير بسعيها حرجا، وتهيج أنفا، فمالي حرمت منه ما هو معلوم دون ملوك العصر، من سعة الحلم وكثرة الصبر - ولم عدمت عنده ما هو موصوف به من كظم الغيظ إذا أحفظ، وذكر الرضى إذا أغضب - بل كيف حتى خصصت وحدي من بين العالم، بأن يصغي في جهتي إلى النائم -! ولو رزقت من تأمله - أيده الله - ما أصغى إلى ذلك الناقل وما أنهاه، إذ الإفك ما حكاه، فلم يك من ذوي الأديان فيوثق في نقله، ولا من ذوي النصائح فيقبل من مثله، ثم من أعظم الخطوب ما أدرجه في أثنائه، من تعديد أياديه وآلائه؛ ونعم، أولى - أيده الله - وشرف ووجه، ونبه من خمول ونوه، ولست لكل ذلك بكاند، ولا لجميع ما أولاه بحاحد، ولو جحدت

стр. 2050

لأقرت علي المذاهب، ولو سكت لأثنت لآلائه الحقائب، واحمد الله تعالى على ما اتفق لي عنده من هذا الاعتقاد في، والنظر بمثل هذه العين إلي، [هذا] مع فرط تحرزي وانقباضي، وتناهي تذللي وانخفاضي، وما جبلت عليه من سكون الطائر، وغص الناظر، وخزن اللسان، ومهابة السلطان، في السر والإعلان. وإذا فكرت في ذلك لم أستغربه، لما علمت من شقائي في جدي، وسوء أثر الزمان عندي، ففي مولدي أن تقسو على قلوب أستلينها وأستلطفها، وتعرض عني جوانب أستميلها وأستعطفها، وما زلت مذ كنت أعتذر مظلوما واسترضي متسخطا، وأداري متشططا، واضطر إلى الاقرار بأجرام لا أجنيها، والاستعفاء عن ذنوب لا أدريها، وكيفما دار الأمر، وتصرف بي الدهر، فإني لا أفارق عصمة ولائه، ولا أنحرف عن تأميله ورجائه، حتى يهب الله لي منه تأملا يستوضح به براءة ساحتي مما نمي اليه، وسلامة جهتي [٧٢ أ] مما زور لديه، فيعود بي إلى المعهود من رأيه الجميل، ويوسعني ما أوسع الكل من طوله الجزيل، فلم يكن قدر ما نمي إليه لو قام عليه دليل يقنع، وظهر بصحته أمر لا يدفع، مما قدح في رياسته، وغص من نفاسته، فيؤيس من كريم عطفه، أو يضيق عن تغمده وعظيم صفحه. وأنا أرغب أن تلخص معاني كتابي هذا بفضلك وتعرضها عليه، وتأخذ جملته

стр. 2051

وتفصلها لديه، وتحلي ما خشن منها بلطف إشارتك، وتتم ما نقص منه بحسن عبارتك، وتتوخى لذلك وقت نشاطه، وساعة انبساطه، فعسى أن تصادف به إصغاء يثني عن النبوة، ويلين جانبا من القسوة، ويذهب بعض ما يجده، ويصرفه عن هذا الاعتقاد الذي يعتقده. وله من أخرى يشرح أيضا ويذكر خبره مع المقتدر: تطلع عليكم مع هذا الكتاب طوام معضلة، وعجائب مذهلة، ينسيك بعضها بعضا، وتفني وأنت لا تدري أناملك عضا، وكأني بك كلما نشرت منه سطرا، وطالعت فيه أمرا، تتصبب عرقا، وتذوب فرقا، وتغشاك سكرة على سكرة، ولا تخرج من غمرة إلا غمرة، أولها: أنه يخاطبك فيه من كان ميتا ولم يكد يبعث حيا، ومن هلك علك عاد، وليس على ثقة من معاد، فيجب أن تقنع بما يتفق من وصف، وتعذر الخاطر إن لم يسمح لك بحرف، وخذ الآن إليك، فافتح مسمعيك: فارقتنا عند نهوض المقتدر بالله بجيوشه واتفق أن كنت أحد القاعدين، ولم ألف في عداد الغازين، ولا في من لقي من لفيف الكتاب، وأعيان الوزراء والأصحاب، فاشتد حنقه على الخوالف، وعم سخطه جميع الطوائف، ونذر إذا قفل، أن يصنع بهم ويفعل، وقدر الله أن غنم، وفتح على يديه وسلم، ولعلك تطلب شرح هذه النكتة، وتسأل كيف كانت القصة، ولئن عجزت عن التفصيل فاسمع الجملة:

стр. 2052

جلس بعد أيام من صدره في مجلس الذهب، وعليه سيما الغضب والرهب، والناس يستعيذون بالله من بوسه، لما رأوا من فرط عبوسه، ثم قال: أين فلان - فكنت للشقوة غائبا عن المكان، فقيل ليس بحاضر، فاندفع من فوره وأقسم بالغموس أن أعزل عن خدمته، ولا أبقى في بلدته، فاستحوذ على الكل البهت، وملك جميعهم السكت، وحضرت أحد الوزراء بديهة تراجع بها شيء من ذهنه، فتجاسر بعض التجاسر عليه وذكره بالكظم، واسترجعه إلى سجيته من الحلم، فضجر أشنع من الأولى، وشد اليمين [٧٢ ب] بأخرى، فانقطعت أسباب الرجاء، ولم تكن حيلة في القضاء، وسبق إلي النبأ الفظيع، ثم تلاه الأمر الشنيع، - جعلني الله [فداك]- صورتي إن صح لك توهم، وتخيل حالتي إن بقي لك تخيل؛ وأذكر لك ما بقي في ذكري وثبت في ذهني، وسقطت مغشيا علي، وعانيت الموت جادا إلي، وشاهدت نفسي وهي تخرج، ورأيت روحي وهي تعرج، وبقيت لا أقلقل ولا أزعج، كالمستضعف أحاطت به غلبة، ولم تسمع له طلبة، ويا لك من مقتدر شمخت العزة بأنفه، ولم يثن الجبروت من عطفه، وقد فارقت الرأفة، وتمكنت منه القسوة، واللجاج يغريه بازعاجي، ولا يشفيه شيء غير إخراجي، لعلمه أن ليس له عندي إنعام، يمكنني معه خروج أو مقام، ثم خرجت مع هذا كله على رغمي إلى شنتمرية، وهي القبر إلا أنها من قبور الرحمة، وأنا الآن فيه

стр. 2053

أتعذب بغمته، وأتقلب في ظلمته، وتعرض علي أعمالي، ولا أدري إلى حيث يكون مالي. هذا يا سيدي بعض ما تحصل في هذه الأحوال، بما جرى علي من الشدائد والأهوال، فرق الآن لأخيك رقة راحم، وابك عليه بدمع هام وساجم، وتقطع إشفاقا، واستشعر انطباقا، والبس عليه أغبر إن لم تلبس حدادا، وألق للعزاء عنه وسادا، واعجب لطول يلاعب الأيام بي، وتلونها [وتلويها] في تركي مطرحا بمنزلة ضياع، ووضعي غرضا لتحكم جهال ورعاع، أجرع، من الهون ما أجرعه، وأقابل من الضيم ما لا أدفعه، دهري كله وأكرب، وأجر كل حين بأيدي الاهتضام وأحسب، ولا أعدم في كل مكان من يتجنى، ويعدد ذنوبا لا تدرى، ولا ذنب لي إلا كف الأذى من لساني، ومسالمة الورى في سري وإعلاني، وإذا كانت هذه المحاسن التي تعجز عنها ذنوبي التي أجفى لها، فكيف أستغفر منها، وقل لي كيف أعتذر عنها - وما زلت أجهد - على علمك - أن يكون هذا الانفصال عنه اختيارا، فأبى الله إلا أن يكون اضطرارا، وطمعت أن أستفيد في تلك الصحبة ما يعينني على نيتي، ويريش جناحي للنهوض إلى طيتي، فما حصلت منها إلا على قبيح عزائمي. قال ابن بسام: وهذا الفصل محلول من قول البحتري حيث يقول: [٧٣ أ] .

стр. 2054

إذا محاسني اللائي أدل بها كانت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر ومجلس الذهب الذي وصف أبو المطرف مجلس في دار السرور، أحد قصور المقتدر بن هود بسرقسطة، وفيه يقول ذو الوزارتين ابن غندشلب يهجو الوزير ابن أحمد، وكان ينبز بتحتون: ضج من تحتون بيت الذهب ودعا مما به واحربي رب طهرني فقد دنسني عار تحتون المئوف الذنب وله من أخرى يصف ضيق المكان الذي أخرج إليه: فرق ما بين المكان الذي وردت عليه، وبين القبر الذي مآل الإنسان إليه، [أن] المقيم به والساكن فيه يدفن حيا، ولا يعلم من نور الدنيا شيئا، وأنا منذ احتلاله أفرغ من حجام ساباط، أركل وأضرب الآباط، وتارة ألعب بشطرنج ونرد، وتارة أطالع أخبار بشر وهند، وأخرى أيضا: أظل ردائي فوق رأسي قاعدا، أعد الحصى جاهدا، وأرمي بها صادرا وواردا؛ وكانت راحتي في مخاطبة صديق أجاذبه الكلام، وأقطع بمناجاته الأيام، ولكن من محن الدنيا ألا أجد من يتحمل لي كتابا؛ ولقد ظفرت بمن توجه إلى تلك الناحية فكتبت مخففا عن صدري

стр. 2055

وطالعتك أنت والإخوان ببعض أمري، وانتظرت صدر ذلك الإنسان، بأجوبة تفيد بعض السلوان، فلم يكن منهم إلا كل جاف جلف، لم ير في دينه المراجعة بحرف، فساء بذلك ظني، وقرعت على ما فعلته بالندم سني، وتصرف فكري في أن ذلك الرجل كان من معارف الرجس، فاتهمت أن الداخلة دخلت علي منه، ولولا ذلك لفجأك من التعب ما يرهق شمسك، ويصلح من روح الله يأسك، فعجل مراجعتي بجلية ما عنك من وصول الكتب أو غير ذلك، ولا تزد على ما في جوابك، فإني زاهد في قراءة كتابك، غير نشط لما يرد منك ومن سواك، ولو راجعتم عما أكتب بالضعف، عن كل سطر بألف. وله من جواب على كتاب ورد عليه من بعض إخوانه بالعفو عنه: ورد جوابك الكريم فنفس من كربتي، وأنس من وحشتي، وروح عن قلبي الأسى، ووصل [بين] طرفي والكرى، بما أطلعته علي من الفرحة المستمطرة، والبشرى المنتظرة، في سكون ضجر المقتدر [بالله] وغضبته، ونزوله عن أكثر عتبه وموجدته [٧٣ ب] وامتناعه بالقبول لإنابتي، والإصغاء إلى استلطافي واستلانتي، وما كان ليقطع عصمة من انقطع إلى علاه، ولا يؤوب بحسرة الخائب من أمله ورجاه، ورأيت ما لوحت به من الأشياء الموجبة للجفاء، على ذلك الإقصاء، وانها تواكدت على مر الأيام بأقوال مستبشعة، وبلاغات مستشنعة

стр. 2056

وقد آلم وساء، وبلغ الباغي في النكاية ما شاء، ولكن أترى أن الحاكي لها ممن يتحلى بفضل، أو يرجح إلى دين وعقل - وهل يجوز أن يتسوق بمثلها إلا أوضاع الدنيا، وسقاط أتباع أولاد الزنا - وقصاراهم أن يتعرضوا للطخ الأعراض الطاهرة، ويتمرسوا بطعن على الفضائل الباهرة، بكذوب تلفق، ومحاولات تختلق وتنمق، فما أبعد جوازها على العقول، وأقل نفاقها عند ذوي التحصيل، وأخلق بها من شبهة أن تنجلي، ومن ضرم إحنة أن تنطفي. ومن أخرى يصف خبر نكبته: ورأيت ما تعلق ببالك من معرفة حالي ومجراها، في حدها ومنهاها، وفي شرح ذلك خطب ثقيل، وشغب طويل، جملته: أن الذي كتب على لساني أوسعه ثلبا في قول تقوله علي، واستخفاف نسبة إلي، وعلم الله تعالى براءة ساحتي من ذلك، ونزاهة نفسي عنه، لكن الطبائع الخبيثة تقبل سريعا من أجناسها، ولم تزل تتزيد وتكثر حتى الاناء بما فيه، وأبرز ما كان ينطوي عليه ويحفيه، وليس عندي في ذلك أكثر من أن الأقدار تعمل أعمالها، وتظهر في البشر عللها وأفعالها، والذي يغمني من ذلك ويهمني جد لا ينفك من عثار، وحال لا تزال في خمول وإخمال، وقطع عمري في كد وذلة، وجهد وقلة، وتصرف لا ترضى به آلاتي، واتضاع ترفعني

стр. 2057

عنه أدواتي، بحيث يتقدم الجهل على النبل، ويستطيل ما شاء على الفضل، وتنال الرتب بالمخارق، وتعطى الكوادن حظوظ السوابق، ولم أزل أصبر من ذلك كله على يشيب رأس الوليد، ويذيب الحديد، ويهد الرواسي هدا، ويحدث للجماد غيظا ووجدا، لئلا يقال مضطرب يقلق، وعجول لا يتأتى ولا يرفق، حتى آلت الحال إلى هذا المآل، وبلغ الكتاب أجله في الانفصال، فاعجب يا سيدي مما يدفع الإنسان إليه من شقاء يقاسيه، وعناء يعانيه، ومحن يغشاها [٧٤ أ] ألوانا، ونوب تفترق عليه أقرانا، ومغايظ تطرف الناظر بقذاها، ويعرض في مجاري الأنفاس شجاها، وتقطع النفس أنفسا، وتحيل العيش أبؤسا، ويأبى الروح مع ذلك لشقاوته إلا أن يكون حافظا لحياته، حتى يتعذب بكل ما عددته، ويتألم من جميع ما سردته؛ فليت شعري: لم هذا - وعلام الرغبة في الازدياد، وهذا الحرص على التماد - ولو أن الأيام كلها في نعيم محتفل، وسرور متصل، لما كان ذلك إلا بمنزلة ظل زائل، ولم يحل منه بطائل، إن هذا لطموس أضل الألباب فلا تدري الرشاد، وأفسد الأفكار فلا تعلم ما المراد. وله من أخرى إلى الوزير أبي الفتوح: ما زلت - فسح الله لك أيها الوزير الأجل غاية الأمل - منذ سمعت فضائلك تذكر، ومناقبك تنشر، وسور سروك تتلى، ومحاسن فعالك تجلى، أحن إليك حنين كلف، وأتشوق نحوك تشوق شغف، وأستمنح الأيام خلتك

стр. 2058

وأود لو أفادتني صلتك، حتى فتحت لذلك غلقا، ونهجت له طرقا، ومكنت من المعارض بالود، وسبب التناجي على البعد، فكان ما أتيته من ذلك بحسب البغية، وواقعا موقع الأمنية، وهكذا فعل من حوبي بالسعادة، وأنشى على السيادة، حتى فرع من المجد ذراه، واستولى من كل فضل على مداه؛ هنأني الله ما منحني من صفائك، وبارك فيما وهبني من إخائك. وإن كتابك الكريم ورد، وعلمت ما وراء افتتاحك المكاتبة من ود صريح، وميل صحيح، وانجذاب جذبه لا محالة تجانس في الخلائق، وتشابه بين الطبائع، ولله ما أفادتني الأيام بك، وأكسبتنيه منك، ورأيت ما أشرت إليه من إجرائك إلى الصلة بيني وبين الملك الأجل المنصور - أطال الله بقاءه، ووصل اعتلاءه - ولا بد أن تسبب للمواصلة أسباب، وتنفتح للمداخلة أبواب، فيتسنى بذلك من تآلف النفوس كامن، ويكون الامتزاج ظاهرا كما هو باطن، وأنا أرغب أن تتناول ما بدأت من ذلك فتتممه، ولا تحل من عقد الوصلة يدك أو تحكمه. وقد لقيت فلانا فرأيت لعمري فضلا رائعا، ونبلا بارعا، وحلاوة تستهوي، ولطافة من ذلك السرو تستملي. ومن رسائله الإخوانيات فصل له من رقعة: إذا صح الود ارتفع التصنع فيه، ولم تستخدم الأقلام في شيء من معانيه، ولهذا أضربت [٧٤ ب] عن وصف الاعتقاد

стр. 2059

ولم أجر فيه على المألوف المعتاد. ووصل فلان، فلا والله ما رأيت أبنى منه لمجد، ولا أنطق منه بحمد، كلما اطمأن به مجلس لا يزال يثني، والأسماع إليه تصغي، حتى يجعل المحبة فريضة دين، ويمكن للقول من الأنفس أي تمكين، ثم تفرد في خلال ذلك من رشد الطرائق، وشرف الخلائق، وعلو الهمم، والتطبع بالكرم، بما يقضي أن للسيادة فيه أسرارا ستظهرها الأقدار، وينطق بها الليل والنهار، والرب تعالى يتم عليه يتم عليه مواد نعمه، ويوفي به على مطالع هممه. وله من أخرى: وردني كتابك على حين كانت الأشواق تتوكفه، والأماني تتشوفه، فأيبهجني مطلعه، ولطف مني موقعه، وأجلت فيه ناظري فاجتليت لسان الود يبوح بسريرة الصفاء، ويعرب بحقيقة الوفاء، وعانيت نجي المقة كيف يساقي كأس المحبة صرفا، ويهز بألطاف الصلة عطفا، لله هو من كتاب أحضر وفد الأنس عندي، وجدد الجذل كعهدي، ورفع للأطراب ألويتي، وعطر بطيب الشمائل أنديتي، وبنفسي مهديه، وخاطر تلطف في معانيه، وراع برائعة أغراضه ومباديه، وإذ لا تسعف الليالي بتلاق يشفي، فالتناجي بمثله يتعلل ويكفي؛ لا زالت أسباب مواصلتك لي مؤكدة، ورسوم ملاطفتك عندي مجددة. ورأيت من ذلك الفاضل سيرا تنتظر درج العلا أن يرتقيها

стр. 2060

وتتشوف اليه رتب المجد أن يعتليها، وكأني به قد أجنته الأماني ثمارها، وزفت إليه السيادة أبكارها، وقاه الله العيون، وحقق فيه الظنون، فما أنبل قدره، وأكمل سروه!! وله من أخرى: إذا نجم الفضل -[أعزك الله]- من المعادن الشريفة، في المناصب المنيفة، ثم تحلى بحلية الآداب، ولم يتكل في العلا على بنية الأحساب، فلا غرو أن يكثر خطابه، لأن تعلق أسبابه، ويتنافس في عرفانه، ليحصل من معارفه وخلانه؛ وأنت - يبقيك الله - ذلك الضارب في الشرف بأرسخ عرق، الفائت في الفضل كل ذي سبق، تعرب عن ذلك الأخبار السائرة، وتنم عليك به الأنباء العاطرة، لا سيما بأوصاف فلان، لعلمه بحرصي على ذلك الأفق لا يزال يهدي إلي أخباره فيخصك بينهم من الخلال والمناقب، وحسن السير والمذاهب، ما قد شوق نفسي إليك، وملأ جوانحي حرصا عليك، وتمنيت لو حزت أسباب [٧٥ أ] القدرة، بتنقلي إلى تلك الحضرة، ولم أتمالك أن خاطبتك خاطبا صلتك، ولست من الأكتفاء، وراغبا في خلتك، وإن لم أكن من النضراء؛ لا زالت تستخلص الأنفس شمائلك، وتقف عليك المودات فضائلك. وفي فصل من أخرى: قد كنت - أعزك الله - متمنيا لهذه الأيام، كما يتمنى في المحل صوب الغمام، ومنتظرا لظهورك فيها، كانتظار النفس أعذب أمانيها، ولما أطلعت طلائعها السعود، واستمر بك الارتقاء

стр. 2061

والصعود، قلت لنفسي: بشراك، أسعفك الدهر بمناك، وسرك في بعض أعزتك وأرضاك، الآن آن للنحوس أن تدبر عنك إدبار المنهزم، وللنوائب أن تحذر منك سطوة المنتقم؛ وأذني في الاصغاء، إلى ما يطرأ من الأنباء، فلا تنفك مبهجة الأخبار تترى، ومثلجة المسار تتناصر وتتوالى، وكلما قيل قرع من الجاه ذروة، واستجد من العز كسوة، سرت العزة في خلدي، وطالت على النوب يدي، وحين صح تمكنك عندي، انبسطت إلى مخاطبتك نفسي، مذكرة لك في تنويهي وغرسي، إن صادفت من الزمان إسعادا، وملكت من إحدى الممالك قيادا؛ على أنك ممن لا تنسيه المعارف حال، ولا يلهيه عن الجميل إقبال، ولو استقل بك السرير، ودان لك الخورنق والسدير؛ ليأمن مسألتي الدهر المحيل فقد حسبتني أحاوله، أم أي حظ أجزل من إقبالك علي أتناوله - كلا والله، ما أسأل وقد نلت الرضى، ولا أجري بعد أن بلغت المدى، حسب يدي وما علقت، ولتقتنع نفسي بما رزقت، فلكل طلاب غاية، وللظفر بالمنى راية. ومن أخرى: أي حمد يفي بمنن لك تسلفها ابتداء، وتتابعها ولاء، بلا وجوب يقتضيها، ودون سبب يستدعيها - بعيد علي أن تقوم لذلك قدرتي، أو تبلغه استطاعتي، وليس عندي إلا بذل المهجة فيما وصل بك، وضم إليك، وإرخاص النفس فيما أدنى إليك، وأحظى لديك. ووجدتك قد أشرت إلى عذر أعجلك في الكتاب، عن التعمل والإسهاب

стр. 2062

ووصلت ذلك بأن حسنت مذهب الاسترسال، واعتفيت من مؤنة الاحتفال، حسبما يوجبه تمكن الاتصال. وله فصل: ووصلت الأبيات الرائقة تعبق في أنف المتنسم، وتشير لعين الناظر المتوسم، وتأملتها فرأيت نور الحكمة منها يتألق، وماء الطبع عليها يتدفق، وما أنا إلا غفل وسمته وسما باقيا، وعاطل طوقته [٧٥ ب] طوقا باهيا، وبودي لو أغربت في الشكر، إغرابك في الشعر، واقتدرت على الجزاء، اقتدارك على الإطراء، حتى أصل إلى سبقك، وأقضي بعض حقك، وإذا كنت أقصر، ولا أقدر، فأنت بفضلك تتجاوز وتعذر. وله من رقعة خاطب بها جماعة من إخوانه: كتابي هذا من وادي الزيتون، ونحن فيه محتلون، ببقعة اكتست من السندس الأخضر، وتحلت بأنواع الزهر، وتخايلت بأنهار تتخللها، وأشجار تظللها، تحجب أدواحها الشمس لالتفافها، وتأذن للنسيم فيميل من أعطافها، وما شئتم من محاسن تروق وتعجب، وأطيار تتجاوب بألحان تلهي وتطرب، في مثله يعود الزمان كله صبا، وتجري الحياة على الأمل والمنى، وأنا - أبقاكم الله - فيها بحال من طاب غذاؤه، وحسن استمراؤه، وصحا من جنون العقار، واستراح من مضض الخمار، وزايلته وساوسه، وخاصت من الخباط هواجسه، لا أبيت بليلة

стр. 2063

الشئس، ولا أقوم كالذي يتخبطه الشيطان من المس، بل أنام ملء جفوني نوم مسرور، وأنتبه إذا انتبهت غير مذعور، فلتبعد بعدها الخمر، ما بقى الدهر، فقد طلقتها ثلاثا، وتركت الأسباب بيني وبينها رثاثا، ولله الحمد على أن خلص من حبائلها، ونجى من غوائلها، وسلى من حيث كان يتوقع الكرب، ولقى المحبوب من حيث كان يخشى المكروه والخطب. وأنتم سادتي أخلاء النبيذ، برئت منكم كما برئ المسيح من اليهود، فهنيئا لكم تنفس أنفاسها، وتعاطي أكواسها، فلست أزاحمكم عليها بمنكب، ولا أوافقكم فيها على مذهب، فاطلبوا لحثها الألحان، واخلعوا فيها العذر والأرسان، وتعروا من ثياب الوقار، واركبوا رءوسكم في هتك الأستار، وموتوا سكرا، ولا تعصوا لشاربها أمرا، واتخذوا الحسن في دينها نبيا، واعتقدوه إماما مرضيا، وقولوا عيش الخلاعة عيش رقيق، ولذة النفوس صبوح وغبوق، فليس لقولكم رد، ولا في غير رأيكم رشد، ولا أقصى الله إلا من تعسف، ولا أبعد إلا من لام وعنف. وكأني بكم -[أبقاكم الله]- إذا قرأتم أحرفي هذه تستذكرون عليها عهدي، وتشربون منها كاسا في ودي، وتقولون: سنفث في العقد، ونصرفه عن ذلك المعتقد، فلا تعتقدوا ذلك ولا تتوهموا أن تكيدوني بكيد، ولو تأيدتم عليه بأشد أيد، فقد استدفعت برب الناس

стр. 2064

غامض شركم، وتعوذت برب الفلق من [٧٦ أ] نافث عقدكم، والله ولي الكفاية بفضله. شاركتكم يا سادتي -[أعزكم الله]- نعمة الله المتجددة قبلي، وأعلمكم بمبلغ سروري وجذلي، فإن كنتم قد خصكم منه - جل وعز - بمثلها عرفتموني [بها] لنتساوى في الشكر، وإن كنتم على الحال التي تركتكم عليها من البطالة، والتمادي في الضلالة، فأعفوني من جواب بصفتها، فلست أتطلع إلى معرفتها، [وأنتم أولياؤنا إن شاء الله] . فراجعه أبو الفضل بن حسداي برقعة قال في صدرها: يا سيدنا الذي ألزمنا بامتنانه الشكر، وكبيرنا الذي علمنا ببيانه السحر، وعميدنا الذي عقدنا بجرمه وانحل، ورمانا بدائه وانسل، أبقاك الله لتوبة نصوح تمرها، ويمين غموس تبرها؛ وردنا - أبقاك الله - كتابك الذي أنفذته من معرسك بوادي الزيتون، ووقفنا على ما لقيت في أوصافه من حجة المفتون، وإعجابك بالتفات شجره ودوحاته، واهتزازك لطيب بواكره ورحاته، ومرورك به وهو حو تلاعه، موردة صفاته

стр. 2065

وأجزاعه، وكل المشارب ما خلاه ذميم، وماؤه الدهر خصر والمياه حميم، وتلك عادة تلونك، وسجية تخصرمك، وشاكلة ملالك وسأمك، وأشعر الناس عندك من أنت في شعره، وأحب البلاد اليك ما أنت في عقره، فأين منك بساتين جلق وجنانه، ورياضه المونقة وخلجانه، وقبابه البيض في حدائقه الخضر، وجوه العطر في جنابه النضر، وما تضمه حيطانه، وتمجه نجاده وغيطانه، من أمهات الراح التي هجرتها بزعمك، ومواد الشمول التي طلقتها برغمك. وهيهات! فوالله ما فارقتك تلك الأجازع والمحاني، ولا شاقتك تلك المنازل والمغاني، إلا تذكرا لما لدينا من طيب المعاهد، وحنينا إلى ما عندنا من جميل المشاهد، وأين من المشتاق عنقاء مغرب. وأما ما وصفته من صحة استمرارك، ونفوذ غذائك، وإفاقتك من جنون العقار، واستراحتك من سقم الخمار، وخلوص تلك الهواجس [من اختلاط الراس، فاعلم أن الغي ما أنت فيه منذ اليوم، والوسواس ما سمعت به أسماع القوم، وقد أدانا صادق القياس، إلى علم سبب ذلك الوسواس] فإنك تعرضت للسموم غير ملثم، وبرزت

стр. 2066

إلى الهجير غير معمم، فأنت عملس أسفار، وجريت مهامه وقفار، فتخلل الخام اللجج، وتقطع البلغم اللزج، وتصاعدت أبخرة البدن إلى أعلاه، فقذف بذلك المحال الذي أملاه. وقد بلغنا نفضت مكامن الثغر الأعلى، وسربت إلى بلاد العدو في من سرى، وشهدت الخيل يوم طرادها، وباشرت الحرب غداة جلادها، مختالا بين الصفين على شقراء تردي منك بنسيج وحده، وتجيء [٧٦ ب] بك معتجزا في برده، فقد كتب عليك حكم القتل والقتال، وعلينا توسيع الجيوب وجر الأذيال، فهذا هو الرأي الذي سول لك أن تدعي التوبة ولا تستدعي الكاس، وتستدعي النوبة وتستعدي الناس، وتري أنك تنسك وتتقرأ، وتنخلع من المجون وتتبرأ، فالسلام عليك يا أيها الناسك المتصوف، والمتبل المتقشف، الذي أقصر لما أبصر، وفضل نور الحقيقة، على نور الحديقة، فقطع العلائق، وهجر الخلائق؛ فأنت ممن تقول، ما لا تدركه الألباب والعقول: أخذ مني أنا، فبقيت

стр. 2067

بلا أنا، فبوجهك يستقى الغمام، وببركة دعائك تستشفى الآلام، فإنك الرجل الزاهد، والمرابط المجاهد، وما تخفى عليك لطائف الزهد ورقائقه، ووجوه النسك وطرائقه. ولكن هات حدثنا حين لم ترض بالراح إلفا، وطلقتها ألفا، ما سببك في سبك لها، وهي صافية طاهرة، وغضك منها وهي طيبة عاطرة، وكلوحك في وجهها وهي طلقة ناضرة -! وما لك جواب غير قول أبي نواس: لا تسم المدام إن لمت فيها فتشين اسمها المليح بفكيا وأما إشارتك في أن نشربها على ودك، ونتذكر عليها طيب عهدك، فلا ولا كرامة ولا نعمى عين، فهي أجل وأكرم من أن نبذلها في ود من جفاها وقلاها، ونديرها على حمد من ذمها وهجاها، وأما قولك: " لا يسري فيك غامض شرنا، ولا يحل عقدك لطيف سحرنا " فإنك ترقق عن صبوح، وتشيع السرى وأنت مصبح، وتسر الحسو وأنت

стр. 2068

مرتغ، وترى الزهد وأنت طالب مبتغ، فاعلم أنا سنجمع شرنا المبين، ونتظاهر عليك أجمعين، ونجلب من الجن كتائب وجرائد، ونصرف من المكر غدعا ومكايد، في بقائك على نسكك مستمرا، ودوامك على توبتك مصرا، فعسى أتنعم وتقر عينا بنضوح كبدك، والتياع حشاك، وتشاهد مشارع الراح ولا ترد، وتباشر مناهل المدام وتنشد: أرى بعد ورد الماء للقلب لوعة اليك على أني من الماء ناقع وإنا لنوقن أن هذا الأمل بعيد لا نبلغه، ونعيم لذيذ لو نسوغه، فما تزال يحل أيمانك من نفسك حنث، لا يقاومه سحر ولا نفث، ونعم، سنأدبك إلى مآدب أنسنا، [ونندبك] إلى محاضر لهونا، فما نتم إلا بك، ولا نلذ إلا باقترابك، وأي شيء ألذ وأمتع من أن نتعاطى [٧٧ أ] الكرات والنخب، ونبعث من مكانه الارتياح والطرب، ونصد الكاس عنك وأنت في مجراها، ونحلق بها عليك وأنت لا تراها، ولا تعلل منها بنسيم، ولا تنفح لك من رياها بشميم، حتى إذا دبت فينا حميا الخمر، وقهوتنا سورة السكر، تمايلنا عليك معربدين، وتمسحنا بأثوابك راكعين ساجدين، كما شبرق الولدان ثوب المقدس *

стр. 2069

وأما [صفة] حالتنا التي سألت عليها، فسنزيدك جنونا بالحديث عنها: اعلم أننا قيد التهاء وارتياح، ورهن اغتباق واصطباح، تصرعنا القهوة، فنتداوى منها بها، ونتدرع النشوة، فلا نعرى من إهابها، فنخرج من سكرة إلى سكرة، ونعبر من غمرة في غمرة: [سدى عده لا يعرف اليوم باسمه ونعمل فيه اللهو مرأى ومسمعا] وكتبنا إليك -[أصلحك الله]- بأنامل يمتطيها القلم فترعش، وتحتويها الكاس فتستقل وتنتعش؛ أطلعنا عليك من حالنا غائظا فتلقه بالكظم، وأوصلنا إليك من خفض عيشنا منكرا فادفعه بالصبر والحلم، وسترد فتعلم، وتلقى خلاف ما تظن وتتوهم، والله يمتعنا بمقدمك، ويؤنسنا بلقائك، وينفعنا بصلاحك وبركة دعائك. وذكرت ببعض فصول هذه الرسالة أبياتا كتب بها ذو الوزارتين أبو محمد بن هود إلى الوزير أبي محمد بن عبدون في ترك الشراب، أولها: الخمر يا سادتي حرام * فراجعه الوزير أبو محمد بهذه الأبيات: يا سيدا في حباه رضوى أستغفر الله بل شمام

стр. 2070

في زمن الورد يا أخاه تجفى ولم تذنب المدام إذا ألمت ذوبا وجمدا تنفر عنها ولا النعام ودار دنيا الورى عروس معشوقة ريقها المدام إني لأدرى الورى بقوم أنت لهم سيدي إمام شامت يد النسك منك سيفا لكنه مثلها كهام فعد إلى الضرب يا حساما عن مثله يعجز الحسام وله من أخرى: وصلت رقعتك - أعزك الله - تستدعي المؤانسة من توالي هذا المطر الموحش للأنفس اللبيبة، المضيق للصدور الرحيبة، فاستغرقت فضلك في تذكر من ينسى، وصلة من يجفى، واستدناء من يقصى، ويحق أن يستغرب وفاء الصديق، في زمان الغدر والمذوق، غير أن رغبتك صادفتني ولي من الكتب جلساء تؤنس في الوحدة، وتسلي من الكربة، وتجلو صدأ الخواطر، وتفتح عيون البصائر، وتحلو للمجتني ثمارها، ويتمتع ناظر المتأمل نوارها، ثم إن من أغرب فوائدها أنها تستدنيك إن نأيت، وتستعطفك إن وليت، وأغرب من ذلك [٧٧ ب] أنك تحمد عقباها، ولا تتوقع أذاها، وقد رضيت
следующие страницы →