Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
إلى الهجير غير معمم، فأنت عملس أسفار، وجريت مهامه وقفار، فتخلل الخام اللجج، وتقطع البلغم اللزج، وتصاعدت أبخرة البدن إلى أعلاه، فقذف بذلك المحال الذي أملاه.
وقد بلغنا نفضت مكامن الثغر الأعلى، وسربت إلى بلاد العدو في من سرى، وشهدت الخيل يوم طرادها، وباشرت الحرب غداة جلادها، مختالا بين الصفين على شقراء تردي منك بنسيج وحده، وتجيء [٧٦ ب] بك معتجزا في برده، فقد كتب عليك حكم القتل والقتال، وعلينا توسيع الجيوب وجر الأذيال، فهذا هو الرأي الذي سول لك أن تدعي التوبة ولا تستدعي الكاس، وتستدعي النوبة وتستعدي الناس، وتري أنك تنسك وتتقرأ، وتنخلع من المجون وتتبرأ، فالسلام عليك يا أيها الناسك المتصوف، والمتبل المتقشف، الذي أقصر لما أبصر، وفضل نور الحقيقة، على نور الحديقة، فقطع العلائق، وهجر الخلائق؛ فأنت ممن تقول، ما لا تدركه الألباب والعقول: أخذ مني أنا، فبقيت
стр. 2067
بلا أنا، فبوجهك يستقى الغمام، وببركة دعائك تستشفى الآلام، فإنك الرجل الزاهد، والمرابط المجاهد، وما تخفى عليك لطائف الزهد ورقائقه، ووجوه النسك وطرائقه.
ولكن هات حدثنا حين لم ترض بالراح إلفا، وطلقتها ألفا، ما سببك في سبك لها، وهي صافية طاهرة، وغضك منها وهي طيبة عاطرة، وكلوحك في وجهها وهي طلقة ناضرة -! وما لك جواب غير قول أبي نواس:
لا تسم المدام إن لمت فيها فتشين اسمها المليح بفكيا
وأما إشارتك في أن نشربها على ودك، ونتذكر عليها طيب عهدك، فلا ولا كرامة ولا نعمى عين، فهي أجل وأكرم من أن نبذلها في ود من جفاها وقلاها، ونديرها على حمد من ذمها وهجاها، وأما قولك: " لا يسري فيك غامض شرنا، ولا يحل عقدك لطيف سحرنا " فإنك ترقق عن صبوح، وتشيع السرى وأنت مصبح، وتسر الحسو وأنت
стр. 2068
مرتغ، وترى الزهد وأنت طالب مبتغ، فاعلم أنا سنجمع شرنا المبين، ونتظاهر عليك أجمعين، ونجلب من الجن كتائب وجرائد، ونصرف من المكر غدعا ومكايد، في بقائك على نسكك مستمرا، ودوامك على توبتك مصرا، فعسى أتنعم وتقر عينا بنضوح كبدك، والتياع حشاك، وتشاهد مشارع الراح ولا ترد، وتباشر مناهل المدام وتنشد:
أرى بعد ورد الماء للقلب لوعة اليك على أني من الماء ناقع
وإنا لنوقن أن هذا الأمل بعيد لا نبلغه، ونعيم لذيذ لو نسوغه، فما تزال يحل أيمانك من نفسك حنث، لا يقاومه سحر ولا نفث، ونعم، سنأدبك إلى مآدب أنسنا، [ونندبك] إلى محاضر لهونا، فما نتم إلا بك، ولا نلذ إلا باقترابك، وأي شيء ألذ وأمتع من أن نتعاطى [٧٧ أ] الكرات والنخب، ونبعث من مكانه الارتياح والطرب، ونصد الكاس عنك وأنت في مجراها، ونحلق بها عليك وأنت لا تراها، ولا تعلل منها بنسيم، ولا تنفح لك من رياها بشميم، حتى إذا دبت فينا حميا الخمر، وقهوتنا سورة السكر، تمايلنا عليك معربدين، وتمسحنا بأثوابك راكعين ساجدين،
كما شبرق الولدان ثوب المقدس *
стр. 2069
وأما [صفة] حالتنا التي سألت عليها، فسنزيدك جنونا بالحديث عنها: اعلم أننا قيد التهاء وارتياح، ورهن اغتباق واصطباح، تصرعنا القهوة، فنتداوى منها بها، ونتدرع النشوة، فلا نعرى من إهابها، فنخرج من سكرة إلى سكرة، ونعبر من غمرة في غمرة:
[سدى عده لا يعرف اليوم باسمه ونعمل فيه اللهو مرأى ومسمعا]
وكتبنا إليك -[أصلحك الله]- بأنامل يمتطيها القلم فترعش، وتحتويها الكاس فتستقل وتنتعش؛ أطلعنا عليك من حالنا غائظا فتلقه بالكظم، وأوصلنا إليك من خفض عيشنا منكرا فادفعه بالصبر والحلم، وسترد فتعلم، وتلقى خلاف ما تظن وتتوهم، والله يمتعنا بمقدمك، ويؤنسنا بلقائك، وينفعنا بصلاحك وبركة دعائك.
وذكرت ببعض فصول هذه الرسالة أبياتا كتب بها ذو الوزارتين أبو محمد بن هود إلى الوزير أبي محمد بن عبدون في ترك الشراب، أولها:
الخمر يا سادتي حرام *
فراجعه الوزير أبو محمد بهذه الأبيات:
يا سيدا في حباه رضوى أستغفر الله بل شمام
стр. 2070
في زمن الورد يا أخاه تجفى ولم تذنب المدام
إذا ألمت ذوبا وجمدا تنفر عنها ولا النعام
ودار دنيا الورى عروس معشوقة ريقها المدام
إني لأدرى الورى بقوم أنت لهم سيدي إمام
شامت يد النسك منك سيفا لكنه مثلها كهام
فعد إلى الضرب يا حساما عن مثله يعجز الحسام
وله من أخرى: وصلت رقعتك - أعزك الله - تستدعي المؤانسة من توالي هذا المطر الموحش للأنفس اللبيبة، المضيق للصدور الرحيبة، فاستغرقت فضلك في تذكر من ينسى، وصلة من يجفى، واستدناء من يقصى، ويحق أن يستغرب وفاء الصديق، في زمان الغدر والمذوق، غير أن رغبتك صادفتني ولي من الكتب جلساء تؤنس في الوحدة، وتسلي من الكربة، وتجلو صدأ الخواطر، وتفتح عيون البصائر، وتحلو للمجتني ثمارها، ويتمتع ناظر المتأمل نوارها، ثم إن من أغرب فوائدها أنها تستدنيك إن نأيت، وتستعطفك إن وليت، وأغرب من ذلك [٧٧ ب] أنك تحمد عقباها، ولا تتوقع أذاها، وقد رضيت
стр. 2071
اليوم بها قسما، وإن أفاتتني من السرور برؤيتك غنما، ولك أنت أحفل الشكر، فيما تلطفت به من البر، فختر إخوانا يجاوروني في الذم والمديح، ويساعدوني على الحسن والقبيح، وحسبي أنا منها ما تتذاكرون من عهدي، وتتعاطون من ألاكواس والنخب في ودي.
وله من أخرى: من الأعاجيب - أعزك الله - مكاتبة مجهول لا يعرف له أسم، ومراسلة غفل لم يصح له وسم، ولكنك أصبحت غريب العليا، وزعيم بني الدنيا، فحسن لنا أن نذهب مذهب الإغراب، في ما نبغيه لديك من الطلاب، ونبدأ بعرض الآمال، من غير أن نتدرج في مدارج الاتصال، ذهابا في ذلك عن العادة، مع من خرقها في السيادة، حتى جل في المجد والعلاء، عن الأشباه والقرناء، فينشد فيه وفي:
غربت خلائقه وأغرب آمل فيه فأبدع مغرب في مغرب
وله من أخرى: لولا أن التعمل في بعض الأحوال، ضرب من الإزراء والإخلال، لاحتفلت، إلا أنه قد يكون في بعض السر إعلان، وينبي عن في الصحيفة عنوان، وبذلك أكتفي وأحيلك
стр. 2072
على نفسك النفيسة فهي تتصوره وتتخيله، ثم تصوره ببالك وتمثله. ووصل كتابك مشتملا من لطيف صلتك، وصافي برك وتكرمتك، على ما أشعر النفس اعتزازا، وكسا الأعطاف اهتزازا، وتلا ذلك من ودادك واعتدادك، وجميل مذهبك واعتقادك، ما استغرق المنى، وزاد على الأمل فأوفى.
ومن أخرى: لم أزل مذ سمعت سور فضلك تتلى، ومحاسن شمائلك تجلى، وجميل فضلك يعاد ويبدا، وغريب مجدك يكرر وينشا، أهم بمكاتبتك، وأتشوق إلى مخاطبتك، وأتمنى أن لو فتح الله للصلة بابا، ومكن من الخلة أسبابا، وعوارض الاستحياء، تحول بيني وبين الابتداء، حتى جدد لي فلان من أوصافك ما لسان الزمان به أنطلق، وشواهد الفصل عليه أصدق، فلم أتمالك أن حللت عرى الانقباض عني، وتراميت إلى مفاتحتك بنفسي، وها أنا ذا قد أتيت إلى مودتك خاطبا، وفي صلتك راغبا، على ثقة بأنك - بما يجمعنا من التشاكل والتناسب، في جميع الأمور والمذاهب - تراني كفؤا لمل خطبت، وأهلا لما لرغبت. ولا غرو أن أقول بهذا استنهاضك إلى مشاركتي في الخطب [٧٨أ] الأخطر، والمهم الأكبر، دون أن أصل للاخاء حبالا، وأتدرج في تهذيب الصفاء حالا، حتى يتمكن الارتباط، ويتمهد الاغتباط، ويحسن السؤال والانبساط، ففضلك يقتضي أن ابتدئ
стр. 2073
بالإدلال، وأتخطى تلك الرتب إلى الاسترسال، ليتم ما بيننا في الابتداء، ما لم يتم لغيرنا في الانتهاء.
وقد علمت ما دخل الشرق من الاختلال، واضطرب الأحول، وأن الحزم داع إلى التحول عنه والانتقال، وقد تأملت أي الجهات أنجى وأعضد، وعلى أي الملوك أعول وأعتمد، فلم تطب إلا على تلك الحضرة الرفيعة نفسي، إذ كان يجمع الدولتين نظام، ويضم الحالتين التئام، وكان المنتقل بينها إنما يتقلب في ظلال، ويتحول من يمين إلى شمال.
وله من أخرى بعد انتقاله: كتابي من قرطبة، وقد وردتها بحمد الله على رحب وسعة، وأخلدت منها سكون ودعة، وذهبت بحمد الله تلك الحيرة، وانجلت تلك الغمرة، واستقال الجد من عثاره، ولاح قمر السعد بعد سراره، وأعاذ الله من تلك الأحوال العائدة بمساءة الأولياء، الجالبة لشماتة الأعداء، لجمعها بين القلة والذلة، وخطة الخسف والعطلة، وأغنى حل جلاله عن تلك الدولة التي حملتنا على حال خمول، وصرفتنا على غير جميل، حصلت بالحضرة التي لا ينفق فيها بالمخارق، ولا تعطى الكوادن فيها حظوظ السوابق، وهذا هو المعهود منه تعالى في أن يديل من الضراء بالسراء، وينقل من الشدة إلى الرخاء، ومن اعتقد الخير غير دائم، ولم يحسب الشر ضربة لازم، فقد أراح نفسه من تعب الساخط على القضاء، والقانط من الفرج عند الانتهاء.
стр. 2074
وأنت يا سيدي ممن يسر بما ذكرته، لأنك الولي الذي ل مرض بوده، ولا استحالة لعهده، ولا يوحشك ما سلف من عتب عليك، ومنفرة لك، وانقباض عنك، فمن ضن بالخلة نافس في الصلة، وقد عفا الله عما مضى، إن حققت الآن ما ادعيت، ووفيت بما منيت، فإنك عاهدت أن تستدرك من صلة المكاتبة على تنائي الأقطار، ما ضيعت منها مع تجاور الديار، وقد آن لك أن تزور كعبة الكرم، وتهاجر إلى مطمح الآمال [والهمم] ، وأن تلقى ملكا ليس كالملوك التي لقيت، ولا أحسبك ترى مثله ما بقيت، فبادر تغم، ولا تتأخر تندم.
[وله] من أخرى [في مثله] : كتبت وقد أدال الله من تلك الديار الموحشة بضدها، وأراح من [٧٨ ب] مواطن الهون بفقدها، ونقل بفضله إلى حيث البر الباهر، والانعام غامر، والفضل في النقص آمر، والنبل على الجهل ظاهر، نعم: وحيث المجد شامخ البناء، والشرف عادي الانتماء، والسلطان رائع الرواء، والملك متناه في البهاء، وحيث [بحور] الكرم زاخرة، وسماء المجد ماطرة، إلى غير ذلك يطول عدة، ويعجز البيان حده.
وله من أخرى: أتراك ممن تغير، وفي جملة من تنكر، فنحتاج إلى استئلافك، ونأخذ في استلطافك -! أنا أكفيك مؤنة الجواب، في هذا الباب، وأخصم نفسي عنك، وأقيم الحجة عليها لك، فأجعل عذرك في الأشغال، ولا أنسبك إلى التغافل والإهمال، وأقول: بعيد
стр. 2075
على الدهر أن يؤثر في ودك، أو يحل رباطا من عقدك، ولكني أقول مع هذا: واصل فقد أغببت، واعتذر بما أذنبت، وهات يا سيدي أخبارك التي هي أشهى إلى نفسي من عصر الصبا، وأندى على كبدي من نسيم الصبا، وجدد بك وبها عهدي فقد عفا منه رسم، ولاح عليه للقدم وسم.
وفي فصل: وعرفني بم تقطع دهرك، وعلى أي شيء تنفق عمرك، ونص على ما تجده عندك من العجائب، واستفدته بعدي من الغرائب، ولا تكتمني شيئا وابسطه المسهب، واشرح جميعه شرح المستوعب، تمح بذلك إساءة الإغباب، وتزل عني دواعي الاكتئاب.
وله من أخرى: وقفت على كتاب من لدنك قد اشتمل على كل بر وحفاية، وإشفاق [ورثاية] ، وتسلية تذهل عن سوء الحال، وتعد على الأيام بضمان إقبال، فذهب مستودعه بغمة النفس، وأدال من الوحشة بالأنس، وغلب الرجال على اليأس، وظلت حشاشة الهمة تتراجع، وخفضة الأمل تترافع، حتى كاد هذا يستقيل من عثار، وتلك تنثر بعد إقبار، وليس هذا بأول انطباق أعتم فطلعت له من تأنيسك مصابيح، ولا بأول غلق استبهم فتداركته من ألطافك مفاتيح، بل هي لبيض أياديك شوافع، ولسوالف مشاركتك توال وتوابع.
وله من أخرى: ولو رأيت فلانا وادعاءه، وزعمه أن الله اتخذه
стр. 2076
صفيا، وآتاه الحكم صبيا، فأفرده بجوامع الكلم، وجمع له ما افترق في الأمم، أن حصل في مجلس ملك أعلاه، وعقد بالجهل حباه، ثم قال قول علي ﵁ [٧٩ أ] وأرضاه: سلوني قبل أن تفقدوني، ولن تعدم مع هذا مطريا بالصواب، وقائلا: هذه الحكمة وفصل الخطاب، فاعجب يا سيدي لأمم، ضحكت من جهلها الأمم، وغلطت في ما لا تغلط فيه النعم، إلى أن نفقت عندها المحالات والأهذار، وبطلت بسببها القيم والأقدار، ولكن إن وقع الأمل سقط التعجب لأنه للقوم مثل، وللحال وفق وشكل:
فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها
وفي فصل من أخرى: ورد كتابك فنور ما كان بالإغباب داجيا، [وحسن عنك مشافعا ومناجيا] ، واسترد إلى الخلة بهاءها، وأجرى في صفحة الصلة ماءها، وعند شدة الظماء، يعذب الماء، وبعد مشقة السهر يطيب الاعفاء؛ ولا تعد [بعد] إلى هذا فيكفي ما يجنيه علينا حادث البين، حتى يزيده بقطع الأثر بعد العين. ورأيت ما وعدت به من الزيارة فسرني سرورا بعث من أطرابي، وحسن لي دين التصابي، فلم أتمالك أن استرسلت إلى المزاج، وتجليت في يد الارتياح، حتى كأنما أدار علي المدام مديرها، وجاوب المثاني والمثالث زيرها، ولعل الأيام تفعل
стр. 2077
ذلك فقد تحسن في بعض الأوقات الصنيع، وتشعب الشمل الصديع، ولا تسأل عن حال استطلعتها فهي شر ما عهدت: من صبح لاح من خلال ذؤابتي، وتنفس في ليل لمتي، فأراني مصارع [آمالي] ، وكشف لي عن اسوداد المطالب، وأيأسني من قضاء المآرب، وعرفتني من مبادي العيش ما زهد في العواقب.
وله من أخرى: آيات مجدك ظاهرة، وأقمار سؤددك باهرة، والعيون إليها ناظرة، والهمم منها غائرة، وخطا الأيام عن نيلها قاصرة، وأقدام المساعي في مداها عاثرة، ولله عصر سبب فتح باب مخاطبتك، وزمن خلع علي حلة مواصلتك، ووهبي جميل العارفة بك.
وفي فصل [له] من أخرى: ورد كتابك فرفع مغضوض نواظري، وحرك سكون خواطري، وأقام عاثر همتي، وأعاد علي ذاهب منتي، ولما فضضته وجدته قد تضمن من تفضلك وتكرمك، وعرض من اهتبالك وتهممك، ما ينقطع جري القلم في مدى شكره، ويضيق ذرع البيان عن توفية نشره. وما ذكرته من صفاء الود، والوفاء بالعهد، فكل ذلك مصور في نفسي قبل أن تشير إليه، ومحيط به علمي
стр. 2078
من غير أن تنبه عليه، لأنا كل في جزءين، وجوهر تظاهر في شخصين، فشملنا جميع وإن تصدع، وشعبنا واحد وإن تنوع.
وفي فصل من أخرى: رأيت ما ذكرته من استقرارك في ذلك المحل الرفيع، واغتباطك بذلك الجناب [٧٩ ب] المريع، عند صاحب المظالم، ونظام أشتات المكارم، الذي أعاد آثار الفضل معالم مشهورة، وأخبار الكرم مشاهد محضورة، أعاذ الله مجده من أعين العلوية، لا من أعين البشرية، وجعل له خاتمة إنعامه، التراخي في مدة أيامه، فحسبك إلى ما أجريت، ولا مزيد حيث انتهيت، فاشدد على التعلق به يدا، فلست تلقى بعده أحدا.
حل تلك الفقرة المتقدمة من قول المعري حيث يقول:
أعاذ مجدك عبد الله خالقه من أعين الشهب لا من أعين البشر
وله من أخرى: إذا أسيت لفراقك فإن في الباكين حولي تسليا، أو جزعت من رحلتك فإن في المصابين معي تعزيا، فما ارتحلت إلا عن من ودع بوادعك دينه ودنياه، وفارق بفراقك سروه ومحياه، لإحاطة العلم أن قد استوت بعدك الأقدام، وطمست من العلوم الأعلام، ثم تقضي لي مزية الاصطفاء والتقريب، بوفور الحظ منك والنصيب، فقد كان لي من أخلاقك الكريمة في الاختصاص، ومذاهبك الحميدة في
стр. 2079
الاستخلاص، ما يحول الآن بيني وبين التماسك، ويحمل نفسي على التهالك.
ومن أخرى: وظننت أني أول مخصوص بالمكاتبة، ومعتمد بالمخاطبة، فإذا أنا المنسي، وسواي المرعي، وغيري يعطاها ولا يسأل، وأنا أطلبها فأصرف بالخيبة وأخجل، وكلما رأيتها تفرق يمنة ويسرة، تقطعت نفسي عليها حسرة، فلولا العنوانات لادعيت فيها، واختطفتها من أكف آخذيها، لخجلي بين من كان يتوهم أني مختص بك وأثير عنك.
وأراني فلان كتابك إليه، فوقفت عليه، وفي صدره وصف خبرك، ولعله ما استهداه، ولا سألك إياه، وفي عجزه حثك له ولأشباهه على الرحيل، فيا ليتني كنت في جملة ذلك الرعيل، وقد تواتر النبأ من بر من أيده الله لك بأشياء تنكر إلا من مثله، وتستغرب إلا من فعله، والله يبقيك جمالا للدنيا، ونورا في فلك العليا، ولولاه ما رجت الهمم بشرا، ولا عرف الكرم إلا خبرا.
وفي فصل من أخرى: يا ليت شعري كيف أتغير على بعضي وأمنحه قطيعتي وبغضي، وما أظن إلا أنك داخل في جملة ومن يحب فيتجنى
стр. 2080
ويعشق فيتجافى، بدليل أني كلما بسطتك تنقبض، أو أبرمت منك حبلا ينتقض.
وله من أخرى:
ترحلت عنكم لي أمامي نظرة وعشر وعشر نحوكم من ورائيا [٨٠ أ]
ولكنها نظرة من خلال عبرة، والتفاته إثر زفرة، والصبابة تفعل بالنفس أفعالها، وتشرب من المدامع أوشالها، والقلب من جزع يضطرب ويخفق، ويطفو في أشواقه ويغرق، وكلما خطت المطي باعا، خفت على كبدي انصداعا، وما كنت ممن يكلف ويشفق، ولكن من أبصر ما أبصرت فبالضرورة يعشق فبالضرورة يعشق؛ ويا شوقاه! ويا حر قلباه! من لي بالشعب أن يلتئم، وبذلك الشمل أن ينتظم، كانتظامه في مشاهد جمعت أشتات الأنس، واحتفلت من منى النفس، وتناولت الراح من يد القمر والشمس، بين بساتين نشرت عليها تستر ألويتها، وأهدت إليها صنعاء أوشيتها، وذوب اللجين يطرد من خلالها، وأدواح الزبرجد تغشاه بظلالها، وقيان الطير راقية في أغصانها، متجاوبة بضروب ألحانها، ونحن نوفي كل مكان منها طيبا، ونشاهد منظرا عجيبا، ولا ندع أن نعرس في كل مغنى، وندير الكاس على كل معنى، ولا مثل يوم
стр. 2081
الدير وصبوح وصلناه، والنواقيس حولنا تضرب، ونحن نطوف بالصليب ونلعب، وذلك المزنر يسقي ونشرب، ومغنينا يغني ونطرب،
وقد عقدوه بزناره فديت الغزال ومن زنره
وعسى الأيام أن تجدد بتلك المعاهد عهدي، فأشفي بنسيمها وجدي، وأضع في برد ثراها خدي، فقد تلين في الأحيان منها معاطف، ويكون لها في الندرة عوارف. وكان غرضي أن أسكن بالمكاتبة من لوعتي، وأتعلل باستهداء الأخبار في وحشتي، لولا ما كنت بسبيله من سقم، لم تتمكن يدي معه من إمساك قلم، وهاهنا سر تصيخ إليه، وتطلع عليه، وعيشك ما كان جل ما بي إلا من أجل العين والباء، فبرح إن شئت بالخفاء، واستر إن شئت على مثلي من الأولياء؛ لكني لما آنست راحة من شكاتي، تطلعت إلى تناول الحميا على علاتي، وحضرت بين يدي سلاف ذكرتني برشف ذلك اللعس، ونرجس عارضني بطيب ذلك النفس، فنشطت للكتاب قليلا، وسامح الدهر وإن كان كليلا، فهات - جعلت فداك - جدد مننك عندي، بوصف صور الأحوال بعدي، وأخبرني عن القمرين إذا اعتما بذلك السبج، ولحظا من ذلك الدعج، وعارضا في العوارض
стр. 2082
تلك الصوالج [المنمنة] ، وأبدينا من المباسم تلك اللآلي المنظمة، ومال بغصنيهما الدلال، وألبسهما حلاهما الجمال، كيف يروعان النفوس إذا طلعا، وكيف يفعلان بالقلوب [٨٠ ب] إذا افترقا واجتمعا، واذهب في الوصف مع الاسترسال، ولا تجر إلى التعمل والاحتفال، وزدني من حديثك يا سعد، وإن زدتني جنونا بعد، ولا تقل أنا مقسم البال مشغول، وفيما استفهمت عنه كلام طويل.
وله من أخرى خاطب بها الوزير أبا محمد بن عبدون من سرقسطة، ونقلتها من خط يده: نعم قد حم ما توقعنا من بين، وصار أمرنا أثرا بعد عين، وصرنا عنكم في الطرف الأقصى، وشطت بنا غربة النوى، وتساوينا على عارض الفرقة والأسى، " فمتى تقول الدار تجمعنا " - وقد نثرتنا الأيام فكيف تنظمنا - هذا بعيد والذي بيده كل شيء يدنيه، ومتعذر وهو ﷻ ييسره ويسنيه، وعلى ذلك فأنا الآن بحال من بلغ أملا، واستساغ جذلا، ورضي بعض الرضى عن دهر صار للشمل جامعا، وقد كان اليأس منه واقعا، والحمد لله على نعمة جددها، ومنة أكدها، وهذه جملة موصولة منك يفصلها
стр. 2083
ويشرحها، ويجلوها ويوضحها، فاني كتبت على عجل، وعلى غير مهل، وفي وقت لم أتمكن من بسط المقال، والجري فيه على عادة الاسترسال، فلا تجر بهذا ولا تقارض عنه، وتفرغ للجواب، وأطل في الخطاب، واشرح كل ما جرى بعدي من خبر، وتجدد من أثر، وحدث من عجب، ووقع من نادر ومستغرب.
وفي فصل من أخرى: وصلت التحفة المرغوبة، والملاطفة المحبوبة، فكانت أحلى موقعا، وأسنى موضعا، من التحف ذات القيم، و [الملاطفات] المعدودة أحلى القسم، وارتاحت إليها النفس، وحضر بها قبل وقته الأنس، وكادت تتمشى نحوها الكأس، وسأجدد لك بها ذكرى، وأشرب بها على ودك ملأى، وأديرها على الصحب، وأتساوى في قسمتها مع الشرب، فهذا من حق فضلها، وبعض ما لك في إهداء مثلها، لا زلت الملاطف المكرم، والمواصل المتهمم.
وله من أخرى: أوصافك لعطرة، ومكارمك المنتشرة، تنشط سامعها من غير توطئة، في اقتضاء ما عرض من أمنية، وللراح - جعلت فداك - من قلبي محل لا تصل إليه سلوة، ولا تعترض عليه
стр. 2084
جفوة، إلا أن معينها قد جف [وقطينها قد خف] ، فلا توجد للسباء، ولو بحشاشة الحوباء، فصلني منها بما يوازي قدري، ويقوم له شكري، فإن قدرك أرفع من أن تقضي حقه زاخرات البحار، ولو [٨١ أ] سالت بذوب النضار، لا بصافية العقار.
وله من أخرى في الاستدعاء: يا سيدي ومن أبقاه الله قشيبة أثواب عزه، محمية ساحات حرزه، يومنا يوم تجهم محياه، ودمعت عيناه، وبرقعت شمسه الغيوم، ونثرت صباه لؤلؤها المنظزم، وملأ الخافقين دخان دجنة، وطبق بساط الأرض هملان جفنه، فأعرضنا عنه إلى مجلس وجهه كالصباح المسفر، وجلبابه كالرداء المحبر، وحليه يشرق في ترائبه، ونده يتضوع من جوانبه، وطلائع أنواره تتمرمر، وكواكب أكواسه تزهر، وأبارقه تركع وتسجد، وأوتاره تنشد وتغرد، وبدوره تستحث أنجمها محيية، وتقبل أنملها مفدية، وسائر نغماتها، خذ وهاتها، وأقصى أملنا، ومنتهى جذلنا، أن تحث خطاك، حتى يلوح سناك، ونشتفي بمرآك.
стр. 2085
وله من أخرى في مثله: طلع علينا هذا اليوم فكاد يمطر من الغضارة صحوه، ويعشى من الإنارة جوه، ويحيي الرميم اعتداله، ويصبي الحليم حسنه وجماله، فلفتنا زهرته، ونظمتنا بهجته، في روضة خلعت عليها السماء سبائبها، ونثرت علينا كواكبها، ووفد عليه النعمان بشقيقه، واحتل فيه الهند بخلوقه، وبكر إليه بابل برحيقه، فالجمال يشخص لحسنه طرفه، والنسيم يهز لأنفاسه عطفه، وتمنينا - أعزك الله - أن يتبلج صبحك من خلال فروجه، وتحل شمسك في منازل بروجه، فإن رأيت أن تطلع علينا الأنس بطلوعك، وتهدي الفرح بوقوعك، فلن تعدم نورا يحكي شمالك طيبا وبهجة، وراحا تخال خلالك صفاء ورقة، وألحانا تثير أشجان الصب، وتبعث أطراب القلب، وندامى ترتاح لهم الشمول، وتتعطر بأرجهم القبول، ويحسد الضحى عليهم الأصيل، ويقصر بمجالستهم الليل الطويل.
وله من رقعة: ورد كتابك مشتملا على أنفس كلام راق في نظامه، وأحسن زهر تطلع من كمامه، فأبتهج النفس برائع البيان، وملك الطرف بباهر الحسن والإحسان، لا عدمتك تهدي نوادر وفوائد، ومعجزا في مصادر وموارد، ويعلم الله استيحائي من بعدك، وإشفاقي من فقدك، ولكن هذه الأيام لا تسمح بمرغوب، ولا تجري إلى إثبات
стр. 2086
ناقص
стр. 2087
ناقص
стр. 2088
مخاطبة، ومن أين تجد سبيلا إلى ذلك وزمانك كله مقسم في أشغال، ومرتب على أحوال، تنام بالضحى مثقلا من السكر، وتتململ على فراشك إلى الظهر، حتى يتكرر رسول فلان [٨٢أ] فيوقظك من المنام، ويحركك إلى القيام، ثم تركب وتجد المائدة موضوعة، والأيدي لإبطائك مرفوعة، فتدنو من الطعام بكسل، وأنت شاك من بقايا خمار أو ثمل، وتخدش من الخبز بظفرك، وتأكل شيئا لطيفا على قدرك، ثم تستلقي وتتمدد، وتتثاءب وتتوسد، وتستحضر جنانك فتسأله عن الجنة منى سقاها، والروضة إن كان رواها، والأزهار هل تحفظ بها وجناها، وبينا أنت في ذلك يستأذن عليك وكيلك في ضياع الانزال، فتأذن له في الخول، ثم تستفهمه متى أقبل، وأي شيء عمل، وكم جمع، وما زرع، وتعلل بهذه العلل والأخبار، حتى تنقضي بقية النهار، ثم تتنشط لتستدفع شرب الماء، في ود أحد الرؤساء، وتقيم من بعد دست الأنس، حتى تعود في مثل ذلك الأمس، فمتى تتفرغ مع هذا للصديق، وكيف تتمكن من قضاء حقوق -! وأيضا فإن السياسة تقتضي أن تعرض عن ذكر مثلي، وتلعن وقتا وصلت به حبلي، لاسيما وقد دهيت من جهتي، وكاد السلطان يجفوك من أجل خلطتي، أنت لعمري في أوسع العذر، فاجر مع الدهر.
وله من أخرى: ولئن كانت الأيام تنسيك، فالأماني تدنيك، ولئن
стр. 2089
كنت محجوبا عن الناظر، فإنك مصور في الخواطر، أناجيك بلسان الضمير، وأعاطيك سلاف السرور، وأداعبك مداعبة الحضور، وأجاذبك فضول اللعب، وأبلغ معك إلى حد الطرب، حتى أسكن شوقي إليك، وأقضي وطري منك، وأنت في كل حال لا تشعر، وذاهل لا تذكر، ولا تقطع زمانك إلا بحظيرة حولك تصنعها، وخيمة ترفعها، فإذا تم لك هذا اللهو، تداخلك الزهو، وشمخ بأنفك البأو، وخلت أنك متوج على سرير، أو رب خورنق وسدير، فمتى نلتقي على حال، ويتفق مذهبنا في وصال -! هذا لعمري بعيد، اللهم ان كان من الدهر حلم، واكتهال السن نوم، ونجوم الشيب قد طلعت من الغدائر، وعمايات الصبا قد انجلت عن البصائر، فتذكر من الود ما أذكر، وتفكر في النأي كما أفكر، وتحن إلى تلاق، وتبرد غليل اشتياق.
وله فصول من رسائل، في العنايات والوسائل
فصل من رقعة: معرفتك بتقلب الأيام بذوي الفضل، وحكمها [فيهم] بغير السوية والعدل، تغني عن عرض ذلك عليك، وتقريره لديك. وفلان ممن عرفت حاله في الثروة والمنعة، ورتبته في الجاه والرفعة، لكن أساءت إليه بعد الإحسان، وامتحنته [٨٢ ب] بأنواع من الامتحان، حتى ذهبت بجميع وفره، واضطرته إلى بني دهره؛ وقصدك مستجيرا من عثرته، ومثلك إلى مشاركته، وحض على إسلاف البر إليه، ورغب في وضع الصنائع لديه.
стр. 2090
وفي فصل من أخرى: للصنائع - أعزك الله - عوائد من الحمد، تطيل بناء المجد، ومثلك انتهى في إسلافها منتهى الجاهد، ونافس فيها بالطارف والتالد؛ والأديب أبو فلان ممن تزكو لديه، ويتظاهر جمالها عليه، بما له من المحاسن التي تؤلف منثور المفاخر، وتنظم أشتات المآثر، ثم بالأدب الذي يمتع بالاجتناء زهره، والفهم الذي يتطاير عند الاقتداح شرره، إلى ما يرجع إليه من عفة طعمته، وعلو همته، وتحل بأجمل المذاهب، وتتنزه عن دني المكاسب، وأنت بسروك ترى صلة مثله ذماما، ووضع العارفة عنده اغتناما.
وفي فصل من أخرى في مثله: مكاتبتك - أعزك الله - في البر بمن يرد، والمكارمة لمن يطرأ عليك ويفد، كمن يستمطر السحاب وقد أخضلته، ويستعجل الرياح وقد استقبلته، ولكنها سنن وعوائد، تفعل وإن لم تستجلب بها زوائد وفوائد؛ وفلان ممن علمت فضله وأصالته، ويقظته وجزالته، ولطفه وحلاوته، وما الظفر بقربه إلا فرصة تغتنم، ولا المشاركة لأمثاله إلا فضيلة تلتزم، لأنه بالشكر رحب الذراع، وفي بسط الثناء طويل الباع، وحسبي أن أشير وأنت تكتفي بالإيماء، فتوفي في مكارمته على الأمل والرجاء.
وفي فصل من أخرى: حيث الكلأ يرتع، وأمكنة الخصب تنتجع
стр. 2091
والنفس إلى من أحسن اليها أنزع، والأمل في من وصل أطمع؛ وقد كان فلان قصد تلك الحضرة - دام جمالها بك - فأوسعت مطالبه قضاء، وكنت له قليبا ورشاء، حتى انصرف بفوائد وفرها اهتبالك، وأثمرها جاهك ومالك. وكما انتجع بعدها مراعي أذكرته السعدان، أو ورد موارد أصدرته غير ريان، ولما أضل الكرم رجع إلى حيث ينشد، وعاود من يعتقد، والعود أحمد، وأنا أرغب أن يكون له في فضلك معاد، ومن طولك ازدياد.
وفي فصل من أخرى: أعاذ الله عمادي من المحن والنوائب، ولا أعدمه إسداء المنن والمواهب، فقد عقد الله على الخير سريرتك، وصحح في ابتغاء الأجر بصيرتك، فما تدعى إلى حسنة إلا وأنت سابق اليها، وموف [٨٣ أ] بسعدك عليها. وموصل كتابي رجل من الثغر ووجوه الأطراف، امتحنته الأيام في النعم، أوان الشيخ والهرم، وابتلته بذل الأسر، وطول الشقاء في دار الكفر، وبحسب حاله في الثروة، ومكانه من النجدة، اشتط عليه، وأخذ منه في الفداء جميع ما في يديه، وارتهن أولاده في بقايا بقيت عليه، وأنت بفضلك تحملها في مالك، ولا يضيق عنها حالك، حتى تفوز وحدك بأجرها، ولا يسهم لغيرك في ذخرها، وتنفرد بجمال الذكر في خبره، وتتلافى ما اختل من أمره
стр. 2092
فهو ممن يقوم الأعداد، في مواطن الجهاد، ومواقف الجلاد، والله على ذلك مؤيدك، وهو بمنه مسددك.
وله فصل من أخرى: توهم الشيخ - أبي، شاكرك - أن الأدب شيء يشرف حامله، ويكسب الجاه ناقله، فأراد أن يستعين على ما رغب، وليس عنده أنه مع الخطوب خطب، ومع الزمان على منتحليه ألب، ولا في عمله أن الأيام لا تمكنني من دفع مضرة عن ذراي، فكيف عن جلب منفعة لسواي، ولا في حسابه أن من كانت سعوده موليه، ونحوسه مستعلية، فبعض خاذليه في النصرة اليد، وأول مسلميه عند الحاجة العضد، وقد سمع - أعزك الله - أن لي نصيبا من ودك، فألح علي في قصدك، لأرغب له وأسأل، وقد عزمت أن أفعل، لكن رأيت الرقعة بالسؤال أسمح، والقلم في الرغبة أفصح وأنجح، فلذلك جعلت الخطاب عوضا، وتركت من القصد مفترضا.
وله من أخرى: غير ذاهب عنك - أيدك الله - ما في جبلة الإنسان، من الحنين إلى الأوطان، وأنه لا يفارقها في أكثر الأحيان، إلا باضطرار، ولا يخرج عنها إلا غير مختار، ومهما طال اغترابه، وكثر في البلاد اضطرابه، ولها عنه باسعاد من الزمان، وتسلى بضروب من السلوان، فلا بد للنفوس من اشتياق إليها وتولع، ونزوع نحوها وتطلع، وقد أشار إلى العلة في ذلك المتقدمون والمحدثون، وأوضحها بعد المولدون، وعبروا عنها بغير ما عبارة حتى اتضح وضوح النهار معناها، وانتهت منها الأقوال
стр. 2093
منتهاها، واستوي في معرفة سرها وخبرها، واستغني باستهارها عن ذكرها؛ وإحاطة علمك بحال الوزير الكاتب أبي فلان من بدئها إلى انتهائها، يغني لك عن ذكرها وإجرائها، ولما دخل إلى بيضته التي منها خرج، ووكنه [٨٣ ب] الذي منه درج، تذكر حال أولاده فجذبته إليه جواذبها، وغلبته على رأيه غوالبها، ولم يتماسك أن حن إلى العودة لمغناه، فحسنت له ما اعتزمه ورآه، ولم أر بأسا في تحوله من ناحيتك إلى ناحيتي، فليس بمفارق حضرتك من ينتقل إلى جهتي، ولا ينفصل من جملتك من يحصل في جملتي، لأنه لا فرق بين الحالتين، ولا تباين بين الجهتين.
وفي فصل من أخرى: لئن كان مولاي أعلى الملوك مكانا، وأعظمهم شانا، وأكثرهم إنعاما وامتناعا، وأعلمهم ببواطن السرائر، وأفطنهم لهواجس الخواطر، وأسبقهم إلى العطاء دون أن يسأل، وأسمعهم بالمأمول قبل أن يؤمل، فإن عادة العبيد من الموالي أن يستزيدوا وإن غمر إحسان، وأن يذكروا وإن لم يكن نسيان، ليقف موقفه المؤمل، ويزداد رغبة في تطوله المتطول؛ فإن كنت قد وصلت من عزته الرفيعة إلى داري؛ وحصلت منها في موضع استقراري، ونلت من تقريبه فوق قدري ومقداري، فأنا الآن بمنزلة ضيف وبودي ألا أكونه، بل كنت أشتهي أن أرى نفسي بمنزلة من ألقى العصا، وأمن روعة النوى، وخيم مستوطنا، واتخذ سكنى وسكنا، وصار من دنياه في أمل، وقلب الطرف بين خيل وخول، ولا والله ما يختلج ببالي غير ذلك كله، ولا
стр. 2094
استبطأت من طول مولاي وفضله، ولكن ليس للمرء من عمل، في قوله ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ (الأنبياء: ٣٧) ولئن تسرعت وعجلت، فعلى فضل أتاه مولاي عجلت، وعليه عولت واتكلت، ولولا ثقتي بالرأي الجميل، والمعتقد الكريم النبيل، لوقفت عند قدري، وما تعديت طوري، حتى يكون هو - أيده الله - السابق إلى ما يغني عن إنشاده:
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب * *
ومثلك من كان الوسيط فؤاده ... فكلمه عني ولم أتكلم ومن رسائله في التعازي
فصل له من رقعة: من أي الثنايا - أيدك الله - طلعت علي النوائب، وأي حمى رتعت فيه المصائب، فواها لحشاشة الفضل أرصدها الردى غوائله، وبقية الكرم جر عليها الدهر كلاكله، وواحسرتا للجة المواهب كيف سجرت، ولشمس المعالي كيف كورت، ويا لهفا على هضبة الحلم كيف زلزلت، وحدة الذكاء والفهم كيف [٨٤ أ] فللت، فإنا لله [وإنا إليه راجعون] أخذا بوصاياه، وتسليما لأقداره وقضاياه.
стр. 2095
ومدحه ابن خيرون بشعر قال فيه:
لا تكثري لوم المحب وما به يكفيه من مضض الهوى وعذابه
يقول فيه:
بأبي المطرف روضة الأدب الذي أضحى به فردا بغير مشابه
إن قلت قس فهو أفصح منطقا أو قلت سحبان فقد أزرى به
أو قلت صابئ دهره أو دغفل أخطأت، ما جاءا بمثل خطابه
يا غرة الزمن البهيم وماجدا ما إن يوازى في علو نصابه
لو أنصف الزمن الخؤون ذوي العلا كنت الوحيد الفرد من كتابه
لكنه يحبو اللئيم بأريه ويجود للحر الكريم بصابه
يرد الوضيع من البرية ماءه صفوا، ويخدع ذا النهى بسرابه
خذه إليك أبا المطرف واغتفر زللي فديت فلست من أترابه
فأجابه أبو المطرف بشعر قال فيه:
يا معربا في كل معنى سؤدد نظم العلا فأجاد في إعرابه
نفسي فداؤك من خليل واصل أهدى إلينا الدر من آدابه
لله ذاك الطبع هم بمنطق فغدا الشرود مذللا لخطابه
صواغ أنواع البديع فما الرضي ومن الوليد ومن أبو خطابه
علقت يميني منك علق مضنة شدت أناملها على أسبابه
وسللت منك على الزمان مهندا يفري فرى الخطمي حد ذبابه
стр. 2096
وكسوتني من حر شعرك ملبسا قد كان غير عواتقي أولى به
فأجبت عنه على الروي وربما كنت المقصر في اعتراض جوابه
أسدل علي بستر فضلك واصلا فالشعر مما لا أطوف ببابه
وأبو المطرف القائل في غلام وسيم رأى بيده عصفورا:
يا حامل الطائر الغريد يعشقه تهنا العصافير ان فازت بقرباكا
تمسي وتصبح مشغوفا بعجمتها في غفلة عن دم أجرته عيناكا
إذا رأتك تغنت كلها طربا حتى كأن طيور الجو تهواكا
يا ليتني الطير في كفيك مطمعه وشربه حين يظما من ثناياكا
وله من رقعة خاطب بها الوزير الكاتب أبا محمد بن عبد البر: لما أصبحت - أعزك الله - في صناعة البلاغة إماما، ولأشتات الفضائل نظاما، لم تتهمم في وداد تدعيه، واعتلاق تبتغيه، من سمت به إليك همم، أو تقدمت له فيها قدم، لأنك المنتهى الذي إليه يجرى، وتبتغى لديه الزلفى، ويتوصل به إلى العليا، وأنا ممن يتشيع فيك تشرعا، ويحبك طبعا لا تطبعا، واستنزل في الجمع بك الأقدار، وأستخدم في التعلق بأسنانك الليل والنهار، لتلحقه بالعتاق السوابق، وتلقي عليه شعاعك فيشرق في المغارب والمشارق. ولما سنى الأمل لالقاء، واتصلت النفس بذلك الفضل والعلاء، جاشت بالحمد الخواطر، وهاجت بأسرارها الضمائر، لتستكشف من الثناء، تحقق النفس بالولاء، وتكون على ثقة
стр. 2097
بالمسامحة والاغضاء، فلست بالشعر آنسا، ولا بمعاناة النظم والنثر متلابسا، وإنما أنطقتني بما قلته الود، وأملى علي ما كتبته المجد.
ثم ختم رقعته هذه بأبيات يقول فيها:
قد كنت ذا حنق على الدهر الذي ما زال يسخطني صباح مسائي
حتى لقيت أبا محمد الرضى فأدال ذاك السخط بالارضاء
طلق الجبين وفيه فضل مهابة يغضي لها ذو المقلة الشوساء
حلم لو أن الدهر حمل بعضه لشكت عواتقه من الإعياء
وإذا تناولت الرقاع بنانه أنستك طرز الوشي في صنعاء
وزرت على ورد الخدود وفوقها لام العذار على انعطاف الراء
تقضي بأن سنا البلاغة لم يلح من قبلهن لأعين البلغاء
وله إذا شاء النظام غرائب لا تدعيها فطنة الشعراء
برئت من التعقيد في تأليفها فأتتك أملس من زلال الماء
أفراد حمد حازما متفرد وهي في الورى مقسومة الأجزاء
ما كنت بالمداح غيرك واصلا لو كانت الشعرى عليه جزائي [٨٥ أ]
ولأنت أوصل من رعى أسبابها فبنى لمهديها سماء علاء
فصل في ذكر الأديب أبي الربيع سليمان بن مهران السرقسطي
من شعراء الثغر، كان، في ذلك العصر، وله شعر كثير، وإحسان
стр. 2098
مشهور، وعلى لفظه ديباجة رائقة، غير أنه لم يمر بي من شعره عند نقلي هذا المجموع إلا أبيات سمعت القوالين يتداولونها لعذوبتها وسلاستها، وتتعلق بذيلها حكاية وجدتها في بعض تعاليق الفقيه أبي محمد علي بن حزم الشافعي بخطه عن محمد بن الحسن المذحجي المعروف بتبن الكتاني المتطبب؛ قال ابن الكتاني: شهدت يوما مجلس العلجة بنت شانجه ملك البشكنس، زوج الطاغية شانجه بن غرسيه بن فرذلند - بدد الله شيعتهم - لبعض ترددنا عن ثغرها إليه في الفتنة، وفي المجلس عدة قينات مسلمات من اللواتي وهبهن له سليمان بن الحكم - المتقدم ذكره صدر هذا الديوان - أيام إمارته بقرطبة، فأومأت العلجة إلى جارية منهن فأخذت العود وغنت بهذه الأبيات:
خليلي ما للريح تأتي كأنما يخالطها عند الهبوب خلوق
أم الريح جاءت من بلاد أحبتي فأحسبها ريح الحبيب تسوق
سقى الله أرضا حلها الاغيد الذي لتذكاره بين الضلوع حريق
أصار فؤادي فرقتين فعنده فريق وعندي للسياق فريق
فأحسنت وجودت، وعلى رأس العلجة جاريات من القوامات أسيرات كأنهن فلقات قمر، فما هو إلا أن سمعت إحداهن الشعر فأرسلت عينيها [كأنهما] مزادتان، فرققت لها وقلت: ما أبكلك - قالت: هذا الشعر لأبي، وسمعته فهيج شجوي، فقلت لها: يا أمة الله، ومن أبوك - قالت:
стр. 2099
سليمان بن مهران السرقسطي، ولي في هذا الإسار مدة، ولم أسمع لأهلي بعد خبرا.
قال ابن الكتاني: فما جزعت على شيء جزعي عليها يومئذ.
قال أبو الحسن [ابن بسام] : هكذا وجدت خبر هذه الأبيات بخط الفقيه أبي محمد المذكور، ولم يخبر [ابن الكتاني] انه امتعض لفك أسر تلك الجارية هنالك، ولا وفقه الله لشيء من ذلك، وكان [٨٥ ب] تركه لها في الأسر، مع ما أطلعته عليه من الأمر، مما يوقد الضلوع، ويسكب الدموع.
وأخبرني أيضا بهذه الأبيات الفقيه أبو بكر بن العربي قال: أخبرني الحميدي عن الفقيه أبي محمد بن حزم، قال: أنشدني محمد بن الحسن المذحجي قال: أنشدني الأديب سليمان بن مهران في مجلس الوزير أبي الأصبغ عيسى ابن سعيد وزير المظفر بن أبي عامر، وأنشد الاربع الأبيات المتقدمة.
وكان محمد بن الكتاني المتطبب فرد أوانه، وباقعة زمانه، منفقا لسوق قيانه، يعلمهن الكتاب والإعراب، وغير ذلك من فنون الآداب
стр. 2100
وكان متحيلا كثير الترقيح والاستعمال، لضروب من الكذوب [وزور المقال] ، فربما أنشأ عدة رسائل فينحلها القيان، ويبيعهن بأغلى الأثمان، وقد ذكرنا في أخبار ابن رزين أنه باع منه قينة بثلاثة آلاف دينار، حسبما حكاه أبو مروان [ابن حيان] .
ولابن الكتاني فصل من رقعة يصف فيها تعليمه القيان، يقول فيه: فأنا منبه الحجارة، فضلا عن أهل الفدامة والجهالة، واعتبر ذلك بأن في ملكي الآن أربع روميات كن بالأمس جاهلات، وهن الآن عالمات حكيمات منطقيات فلسفيات هندسيات موسيقاويات أسطرلابيات معدلات نجوميات نحويات عروضيات أديبات خطاطيات، تدل على ذلك لمن جهلهن الدواوين الكبار التي ظهرت بخطوطهن في معاني القرآن وغريبه وغير ذلك من فنونه، وعلوم العرب من الأنواء والأعاريض والأنحاء، وكتب المنطق والهندسة وسائر أنواع الفلسفة، وهن يتعاطين إعراب كل ما ينسخنه ويضبطنه فهما لمعانيه ولكثرة تكرارهن فيه، وفي هذا أعظم الشهود أني واحد عصري ونسيج وحدي، وأني أفنيت الزمان تجربة، والدهر تبصره، فاعرف - أعزك الله - قدري، ووفني قسطي، ولا تطمع أن تظفر بعالم مثلي، أو متفرغ فضولي شبهي، ولو طفت الآفاق، وساءت الرفاق، ومشيتا العراق، من زقاق إلى زقاق.
وأنشدت لابن مهران من شعر كتب به إلى بعض كتاب الثغر من جملة أبيات:
стр. 2101
لا تنسني من سحتك المكسوب واجعل نصيبك منه مثل نصيبي
واذا اغترى بك في القيامة أهله فبمثل ما أوليتني تغيري بي [٨٦أ]
وهي الذنوب، وبالغ في لؤمه أقصى النهاية باخل بذنوب
قال أبو الحسن [ابن بسام] : وحدثني من أثقه عن الفقيه أبي الحسين عبيد الله بن منينه الشنتمري قال: دخل بعض شعراء العصر على ابن ست الجيش، وكان جد ابن منبه لأمه - وقد تقدم ذكره والخبر عن مقتله في أخبار القاضي ابن عباد - فأنشده هذه الأبيات.
وإخبار ابن منبه بهذه الحكاية عن جده [مادحا له] ، على ما فيها من قبح الاحدوثة وشناعة الذكر، ليثبت أن ذلك الخائن البائر، المتعسف الجائر، كان جده، ويعرب عن شرفه، ويدل على نباهة سلفه. وشبيه بهذا [الخبر] ما حكي عن أبي العباس المبرد أنه صنع هذه الأبيات ليثبت نسبه في ثمالة، [وهي] :
سألنا عن ثمالة كل حي فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم فقالوا زدتنا بهم جهاله
وقال لي المبرد خل عني فقومي معشر فيهم نذاله
стр. 2102
فصل في ذكر الأديب الأستاذ النحوي أبي عبد الله بن خلصة الضرير
وكان أحد العلماء بالكلام، وله حظ من النثر والنظام، ولكنه بالأئمة العلماء، أشبه منه بالكتاب والشعراء، وقد مرت بي له أشعار يشير بها إلى البديع، ويذهب إلى التصنيع، وقد أوردت منها جملة تليق بالديوان، وتنبه على موضع قائلها من الاحسان.
فصول من كلامه في أوصاف شتى
فصل له من رقعة عن إقبال الدولة إلى المعتصم: كتبت - أدام الله إعزازك، وصان ارتياحك للمحامد واهتزازك - بعد قفول من قفل عنك، وحلول من صدر بما شرح الصدور من لدنك، والحال شاملة الصلاح، فائزة القداح، جارية على الاختيار والاقتراح، ومما ضرح القذاة من شربي، واستنزح الأذاة عن سربي، وزورى روعة روعي، وروى بماء الثقة عودي، حتى رسخت في أرضها أصولي ورفت فروعي، ما حلاك به من عميم الفضائل، وكريم الشمائل، فأقر صحة ما بلاه منك في فؤادي، وأشربه ذاتي. فوحياتك التي بها حياة الكرم، لقد أسمعوا
стр. 2103
من لطائف البر، وأودعوا من غرائب الثناء [٨٦ ب] الحر، ونشروا من كرم الخلال، مع ركانة الوقار ومهابة الحال، وإعظام الجليس، والتزام التواضع والتأنيس، بعد توفية الرياسة حقها، وتقضية السيادة أجل واجباتها وأدقها، جعل الله الآمال طاعتها والأيام رقها، ثم استوصفتهم التذاذا بطيب أنبائك، صورة مجلسك مع وزرائك وأحبائك، فأوردوا من ذلك ما هو أشهى من السعادة، وأحلى من الحياة المعادة، وأسبى للنفوس من مراض الحدق، وأجلى للشكوك من غرة الفلق، فطارت بي هزة الشوق كل مطير، وأصارتني غرة الفرح بين روضة غناء ووداد مطير، وقلت: الحمد لله، قد وفقت أمري، وقام عند العواذل عذري، وسطع شهاب حجتي بأن خلعت عليه نفسي، وأودعت يديه مهجتي.
وفي فصل منها:
ومثلك من كان الوسيط فؤاده فكلمه عني ولم أتكلم
* *
والحق أبلج قد هديت إلى الصراط المستقيم
ووثقت أني لم أبوئ حرمتي إلا حريمي
стр. 2104
ما ضاع حق كريمة هديت إلى كفؤ كريم
يا كاسب الحمد الحديث ووارث المجد القديم
قاسمتك النفس [النفيسة] واختصصتك بالصميم
أي بر - أعزك الله - يعارض به برك، وقد عرض في المكارم برك وبحرك، أم أي فعال توازي فعالك، وقد ودت النيرات أن تكون نعالك، أم أي شكر يكون كفاء أياديك، وقد تمنت الأيام أن لها ألسنا تطريك، و [أن لها] أنفسا تفاديك، أم أي عرف يكون جزاء عرفك، وقد فغم الخافقين ريا عرفك. لهنك الخير الذي لا يضاهى ولا يباهى، والحر الذي لا يبارى، والجواد الذي لا يجارى، والمصيب الذي لا يناضل، والحسيب الذي لا يكارم ولا يفاضل، والملك الذي لا تجانس صفاته، ولا تجاذب أواخي أسبابه، ولا تحاذى أواذي عبابه:
مليك إذا الهى الملوك على اللهى خمار وخمر هاجر الدل والدنا
ولم تنسه الأوتار أوتار قينة إذا ما دعاه السيف لم يثنه المثنى
وهوب ولكن لا تعد هباته بموحد إن عد الهبات ولا مثنى
أشم إذا وازنت يوما بحلمه شماما ورضوى لم تجد لهما وزنا
ولا للمنى إلا بساحة جنى ولا للغنى إلا براحته معنى
ولو جاد بالدنيا وعاد بمثلها لظن من استصغارها أنه ضنا [٨٧ أ]
стр. 2105
ولا عيب في إنعامه غير أنه إذا من لم يتبع مواهبه منا
وأنى تساميه الملوك وإنما وجدنا الورى لفظا ومعناهم معنا
تقيل من آبائه الغر سادة قيولا فبذ البحر واحتقر المزنا
وفي فصل من أخرى: كتابي عن ود لا يكدر صفو موارده، وعهد لا يفنى بحكم معاقده، ونفس ترتاح لذكراك، وتتمثل مع الساعات مرآك، وحق لمن أرعيته الخصب من روض إخائك، وسقيته العذب من مشرع وفائك، أن يفصح في بث محاسنك لسانه، وينفسح في نشر فضائلك ميدانه، ويفوز في وصف فضائلك بيانه، وينظم لفخرك على أجياد شكرك عقودا، ويحوك لمجدك وسنائك [من تقريظك وثنائك] برودا، يوشيها بذكرك الخطير، ويطرزها بالترفيع لك والتوقير، والله تعالى يحرس بحراستك فواصل الخلال، ويبقي ببقائك محاسن الآثار والأفعال، بعزته.
وله من أخرى: كتابي كتاب مبتدي الحمد، مستهدي الود، ضابط على ذؤابة الإخاء، رابط بافتتاح مكاتبتك أسباب التكرم منك والوفاء، لا طالبا فضل الابتداء عليك، ولا مستزيدا على التوسل بمباراتك إليك، إلا هوادة طبيعة، وودادة شريعة، يبعثها في ذات الله مراد، لها من الفؤاد مراد، وسرائر، أحكمت عقد الإخلاص منها مرائر، صان الله بإدامة حياتك، وحسن الدفاع عن ذاتك، الفضل الذي إليك منزعه ومفزعه، ولديك مستقره ومستودعه.
следующие страницы →