← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

أخلائي وفي قرب الصدور ظبا تقتضي على قمم الدهور وللتهامي: لو أشرعوا أيمانهم من طولها طعنوا بها عوض القنا الخطار وقال قيس بن الخطيم: اذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب وقال الآخر: اذا الكماة تنحت أن يصيبهم حد الظباة وصلناها بأيدينا وقال ادريس: أكحيلة الأجفان بالسحر الذي لولاه ما زوت البلابل بابل قد كان قلبي غافلا عما به أودى وقلب [أخي] السلامة غافل حتى دهاني منك صدر رامح ذرب سناناه وطرف نابل ما عقدك الممهى بجيدك درة لكن فرند في حسام جائل كملت سيوف الهند فوق جفونها وطوال أهداب الجفون حمائل ومنها: سار وغاد بالجياد كأنها لجج وأكباد العداة سواحل وكأنما الآجال فوق رماحه ورق على شجر الآراك هوادل الخاطفات أسافلا وأعاليا فكأنهن ضراغم وأجادل

стр. 2137

يلوي القنا في نحر كل مدجج ليا كما فتل السوار الفاتل بأسا كما نزل القضاء، يديره رأي كما صقل الحسام الصاقل وأذا شراب القوم كان منية لم يدن من تلك المدامة واغل [٩٧ أ] نغم السيوف ألذ ما هو سامع ومنى النفوس أقل ما هو باذل هذا ابن خاصب ذي الفقار بجانبي وادي حنين والصفوف حوافل وبخيبر والحرب بارق عارض وبنات أعوج ما شحته زائل دفع الرسول إليه رايته وقد طمحت عيون نحوه وأنامل أربت على الغابات غاية مجدهم فالوهم عن إدراكها متضائل تزدان أقلام بهم ومحابر وتطول أرماح بهم ومناصل فكأنما المريخ من أنصاره وكأنما البرجيس فيه مجادل تصبو إليك مشارق ومغارب وتهيم فيك منابر ومحافل وتود سابحة الكواكب أنها لك سابحات والدجون قساطل تجري بما منها تشاء كأنما حركاتها فعل وأنت الفاعل لولا اضطرام البأس فيك لدى الوغى لاخضر في يدك الوشيج الذابل وهذا البيت من قول المعري: يتهللون طلاقة وكاومهم ينهل منهن النجيع الأحمر لا يعرفون سوى التقدم آسيا فجراحهم بالسمهرية تسبر من كل من لولا تسعر بأسه لاخضر في يمنى يديه الأسمر وله من أخرى:

стр. 2138

يلقى الوغى بأديم وجه ضاحك صافي الأسرة في العجاج الأكدر بطل ترى الأبطال منه كالقطا أشفقن من زجل الجناح مصرصر في سرجه زحل وبهرام معا وببردتيه عطارد والمشتري بأسا يخلي الخيل حين يخوضها كالأيكة انقصفت بريح صرصر وذكاء فهم كلما استخبرته ألفيت أذكى مندل في مجمر في كل كف منه خمس أصابع لكنها في الجود خمسة أبحر ولادريس من قصيد فريد: [٩٧ [] سرت في قميص الصبح وهو جسيد فأبلت قميص الليل وهو جديد ولما استمد الأفق من نور وجهها تقاصر باع الليل وهو مديد بشمس يكاد الوهم يدمي أديمها لها الليل تاج والنجوم عقود فلو يتأتى وردها أو مرادها تسلسل مورود وطاب مرود وأين من المرتاد أعفر مقمر نفور كنوم العاشقين شرود غزال كناس بل غزالة كله تزين الحلى منها سوالف غيد كأن جفوني فوق عيني من اجلها ثياب دوام تحتهن شهيد أوحشية الإعراض عنا ومالها من الوحش إلا مقلتان وجيد من الهيف تستجفي النسيم إذا جرى غليلا على أعطافها فتميد وتحتمل الياقوت يرسو ثقيله فيجفو على صدر زهاه نهود أيعطى مناه من ترائبك الحصى ويحرم مشغوف الفؤاد عميد من الصيد حران أطلت عويله وثغرك سلسال الرضاب برود فإن لم أرد ذاك اللمى العذب إنني على مهج الأسد الوراد ورود

стр. 2139

وان صديت شوقا إليك جوانحي فصد به من عارضيك صدود فحسبي من شهديه ماء صارم فلول ظباه لي بذاك شهود إذا سل في الهيجاء وهي دجنة تألق فيها للصباح عمود وكأس كرقراق السراب كأنما لها رعدة عند المزاج عقود هي العين عين الشمس تأبى عن القذى فتنفي القذى عن نفسها وتذود فبت نديما لابن عشر وأربع يدير رحيقا عتقته ثمود وما اصفر وجه الشمس إلا لأنه لوجه الأمير الأريحي حسود أياديهم فوق العفاة عقود وأحلامهم الجناة برود مضوا ونحور النبل من صبغ طعنهم كما أشربت ماء الحياة خدود بساحة فاس منه مطرد الندى وليس بناج من يديه طريد [٩٨ أ] ومنها: بحيث البحار الخضر وهي كتائب عليها السحاب الحمر وهي بنود خيول كعقبان الدجون وكلها لكل صيود في العجاج صيود لها من ذؤابات الحسان مقاود ومن لبد الأسد الوراد لبود تجرر عن [] المفر فما تني يروقك منها قائد ومقود حباب ولكن ليس يثنيه ذائد عباب ولكن ليس منه سدود فتى يخرق الأغيال وهي أسنة ويقتنص الأبطال وهي أسود فليس لمختال لديه مخيلة وليس لمريد عليه مرود بعيد المدى ماض يريك جلادة إذا لم يطق حر الجلاد جليد يحيد عن القول الكريه سماعه وليس عن القرن الكريه يحيد فأنت إذا اشتدت يد القهر لين وأنت إذا لان الكماة شديد وفي ابنه:

стр. 2140

إذا اعتد ذو مال به لزمانه فمالك كنز للعفاة عتيد لعمري لقد أنجبته لك مشبها فداناك منه متلطف ومفيد فغرته تعدي سناك على الدجى وراحته تبدي الندى وتعيد قريب تراه [منك] لا متباعد وكم من قريب منك وهو بعيد فنوه به حتى يساميك في العلا فقد يتساوى والد ووليد فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي الأصبغ ابن أرقم أحد كتاب الجزيرة المهرة، والنقدة الشعرة، ممن نهض في الصناعة بالباع الأسد، وأخذ فيها بالساعد الأشد، وجد في معاناتها، واقصر على كسب آلاتها، وجمع أدواتها، وارتاض في طرقها معيدا ومبديا، ورمى إلى أغراضها مصيبا ومخطيا، حتى تدرج في مدارجها، وخرج على جميع مناهجها، واطلع من ثناياها، وأشرف على خباياها، وجرت بينه وبين طائفة من أهل هذا الشان، في ذلك الزمان هنات، في ما انتقدوا عليه من ألفاظ وكلمات، وتقعير واستعارات بعيدة، وكانت تلك الطائفة قد أسندت في ذلك إلى ابن سيده، وقد أوردت من ذلك ما يليق بالديوان، ويستوفي جملة الإحسان.

стр. 2141

فصول من رسائله السلطانيات [٩٨ ب] فصل له من رقعة عن علي بن مجاهد إلى المعز بن باديس صاحب افريقية: اطال الله بقاء الملك الأجل ناظر عين الزمان، وروح جسم الأمان، وحسام عاتق الإسلام، وحلي جيد الأنام، ومهدي طوال الآمال، ومأوى شارد الإنعام والإفضال، مخلدة في الأنام دولته، مؤيدة مع الأيام مدته. أنا - أيده الله - أمت إلى دولته - خلدها الله وأيدها، كما وطدها ومهدها - بما أبأى به على الأقران، وأكافح كل زمان، وأفاوح كل بستان، وأحرز كل ميدان، [إلى] أن ارتقيت إلى سمائها، وصعدت في سوائها، مستهلا وعر المرتقى، لسهل الملتقى، ومستعذبا مر المجتلى، لحلو المجتنى، فشافهت بدرها، وتبوأ حجرها، وارتضعت درها، على حين أجفان الفضل كليلة، وأقدام المجد معقولة، وأيدي النصر مغلولة، وان قعدت عن مناسكك فرضها، فإني معيرها ضميرا كما انبلج النهار، وشكرا كما أرج النوار، وهل أنا إلا أحد أبنائها، وشهب سمائها، وشيعة علائها، وحماة أرجائها، وان جذم نأي الدار كف الخيار، ففي البعد

стр. 2142

اعتذار، وفي الجهد إعذار، وان مع التجاوز ليعم العيان، ومع التحاور ليطمئن البرهان، ومع التزاور لترود الأحوال، ومع التقارب ليقع الإخلال، والقوى المخلوقات قريبة الانحلال، سريعة الانفعال، والنيرات على وفور ضيائها، وظهور سناها وسنائها، فيما لا يقابل كليلة وعندما لا يسامت عليلة، وفيما لا ينال ظليلة. وفي فصل منها: وقد علم مبتلي السرائر، وحافظ البواطن والظواهر، أنها بصيرتي التي أستشعر، وسريرتي التي أضمر، وحقيقي التي أخفي وأظهر، وشريعتي [التي] بها وأجهر، وأن كفيل فعالي في موالاة سيدنا - خلد الله ملكه - على طول المدى، وشط المنتأى، وبعد المرمى؛ ولما وقف الأمر على الحد الذي قدمته، والقصد ذكرته، والرسم الذي أثبته، لم أستبد من إعلامه واستئماره، ولم أقعد عن استئذانه وإشعاره، ولم أنفذ إلا بعد استخباره. وفي فصل من أخرى: إذا كانت نعم الله عند الحضرة الإسلامية مشرقة المطالع، رحيبة الأرجاء والمراتع، وكان أنصارها وعبيدها

стр. 2143

وكتائبها المنصورة، وجنودها المرهوبة، في اجتماع من كلمتهم على طاعتها، واتفاق من أهوائهم في مناصحتها، وتظافر من جميعهم على خدمتها، فقد علت يد الإسلام، واحتمى غره أن يضام، وجانبه أن يرام، وشملت نعماها الأقطار، وأمدت أقاصي [٩٩أ] الديار، وأبرت على نأي المزار، فهي جماع الدين، وردء المؤمنين، ومحفل المسلمين. وفي فصل منها: ومما وجب التعريف به ما عم أقطار ثغرنا، وغشي مجامع أفقنا، من تمالؤ النصارى وتضافرهم من كل أوب إلينا، بجمع لا عهد بمثله، ملأ الفضاء، وطبق الأرجاء، وشغلنا بالفتنة بيننا عن تخفيف وطأتهم، وتضعيف سورتهم، فطمسوا الآثار، وجاسوا خلال الديار، موفورين لا مانع منهم، ولا دافع لهم إلا التفاتة الله تعالى لأهل دينه بأن أقل فائدتهم، وخيب مرامهم، وأطاش سهامهم، والحمد لله على منحته ومحنته. وله عنه من أخرى إلى مقاتل العامري: ولما اعترفت السعادة بارتباط ودك، والاغتباط بوثيق عقدك، رأيت أن أسلك بابني السبيل المثلى، والمنهج الأهدى، ويعلم أني نظرت له بأحسن ما نظر والد لولده، وحبا به أحد لفلذة كبده، حتى يكون إن أدركتني قبلك وفاة، وكانت له بعدي إناة، قد ظفر بأمل ينعه، وأوى إلى جبل يعصمه، أو تمادت لي معك حياة، وتطاولت لي ليلات، لم يضرره أن يعلق بيدين

стр. 2144

[ويعتمد على ركنين] ، ويسند إلى أبوين، فأنت الوالد وهو الولد، والساعد وهو اليد، بل قد اتصل الحلب بالكبد، وحل منك محل البنان من الكف والعضد، ومن حل في ذراك، ولاح في يمناك، فهو الشهاب الثاقب، والحسام القاضب، كما أن من عد في ذويك، واعتد في بنيك، فلن يقصر إن شاء الله عن معادلة الكهول وإن صغرت سنه، ولا يتأخر عن مقارعة النصول وان لان غصنه، فإنما يزاحم منك بعود، ويطاول بطود، ويقاتل بجمع، وينازل بنبع، ويقضي على الأيام بظهير، ويصول على الدهر بأمر كبير. ولما أذم اليك بهذه الحال، ودبت به نشوة الإدلال، تمنى أن توطئه الريح جناحا، وتعيره من البرق التياحا، وترفع له نحو السماء طماحا، بما يرجوه من حملك إياه على المهر المذهب، والورد الأغر المحبب، الذي استعيرت سرعته من إسراعك الى المكارم، وأخذ سبقه من سبقك إلى ندى حاتم، وعلم لين قيادك للصاحب، واسترقت جودته من سماع جودك على الطالب، وان يكن لا تؤثر به غير جنابك، ولا تختاره إلا لركابك، فمن لم يوق شح نفسه [فيه معذور] ، ومن ارتبطه بالضنانة به جدير

стр. 2145

وقاد المهر المستهدى لوالده، فأجابه بوصوله برقعة يقول في فصل منها: وصل - أيدك الله - البر المولي على الأرب، وأتى الورد المحلى [٩٩ ب] بالذهب، يسبح في حلية، ويمرح في محاسن زيه، فقمت أمسح بردائي على وجهه وأطرافه، وآخذ ناظرا في نعومة وأوصافه، فإذا بالقمر قد أعطاه غرته، والصباح قد حباه بلجته، والغلس قد كساه دلجته، فجمع بين دهمة الليل وشقرة الشفق، ووضع فبقة القمر على صهوة الغسق، ومد جلال الزلفة إلى حجلة الفلق، وأردت إنعاله فإذا الرياح قد أنعلته أجنحة، وتفقدت جلاله فإذا الفراهة قد ألحفه أوشحة، فلو عزي الى الأعوج لأنف، أو نمي إلى العصا لوجف، ولو كان سليمان لما عدل بالصافات العتاق، ولا طفق لها مسحا بالسوق والأعناق؛ ولما راق منظره، وفاق مخبره، جعلت ودي معرضه، ونفسي مربطه، وخاطري مرتعه، وناظري مشرعه، وقلت: لله دره، فما أحكم الصنعة فيه، وما أصح جود مهديه!! وله عنه [من أخرى] إلى رزين: قد يكون - أعزك الله - الأجل

стр. 2146

في الأمل، وربما صحت الأجسام بالعلل فكم من امرئ نشر من كفنه، أخر أوتي من مأمنه، من نعم الله على البد أن يقاتل عنه من ناواه بحسامه، ويناضل دونه من عاداه بسهامه، [حتى يكون قتيل سهم رماه بيده، ومصاب أمر أجراه على معتقده] ، والسعيد من نام والأقدار تحرسه، وأقام والأيام تخدمه، واتكل والله يكفله، فحق له ألايجزع إذا دهى خطب، فإن الرج معه، وإلا يهلع إن عدا كرب، فإن الله قد رآه وسمعه، ولا سيما إن قصد بظلم واعتمد ببغي، ففي التنزيل: (ثم بغي عليه لينصرنه الله) (الحج: ٦٠) . [وفي فصل منها] : ولما دعاه إلى السلم، وناداه باسم الصلح الاثم، غره بأيمانه، واستدناه من مكانه، فقبض عليه، وخاس بما ألقاه من العهد إليه، ثم أراد أن يتبع الإساءة ضعفا، والإبالة ضغثا، باعتزامه الغدر بأخيه الأقرب، ومحل أبيه الحدب، فصرف الله كيده في نحره، وأذاقه وبال أمره، ووضح ما كان من سره وضوح النهار، وتطلعت بنات صدره تعلو على الأستار، وهو لا يشعر أنه شعر به، ولا بأنه قد أبه له، بل خال عمايته نهار الأديب فانكشف سره، وظن غباوته غفلة الرقيب فانهتك ستره، وكان قد فكر وقدر، ﴿فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر﴾ (المدثر: ١٩ - ٢٠) وليته قبل تدبيره لو نقح ما دبر، وحين حفره لو وسع إذ حفر، وسمع قول القائل:

стр. 2147

يا حافر الحفرة وسع فقد يسقط في الحفرة حفارها وقول الآخر: من ير يوما به والدهر لا يغتر به وما كان إلا أن قبض الله ظله، وفضح غله، وفاز بحظ الحرمان، وحلي بطائل الخسران، وفزع اللهفان، لا يجد أما، وخبط الحيران، لا يهتدي أما، على [حين] ما كان مستحكم الأمل، داني الرجاء، متمكن الطمع [١٠٠ أ] في ختر أخيه والأخذ بكظمه، والاقتدار على ظلمه، فإذا به نشر من قبره، وشقي بضره، حين راماه بسهمه، وأخذه بحكمه، وأتاه بعلمه، ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة﴾ (هود: ١٠٢) وجزاؤه إذا جازى القلوب وهي آثمة ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ (الكهف: ٤٩) ﴿فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ (الجن: ٢٧) . فالحمد لله الذي صيره نهبا، وكفاك منه حربا، فقد كان فيما بلغ ناهدا إليك، وعلى ما أتصل وافدا عليك، ولعل الصنع له كان من حيث لم يعلم، والعناية خصت به من أين لم يفهم، فربما كانت وفادته برجمية السائر، وسعايته مشئمية الطائر، وبدايته مندمية الآخر. وله فصول من رقعة طويلة خاطب بها الفقيه أبا بكر بن صاحب الأحباس

стр. 2148

وشرح فيها الكلمات التي انتقد عليه ابن سيدة في رسالته [إلى مصر] ، واحتاج فيها لنفسه، قال في صدرها: لما كنت - أعزك الله - في أكف الآداب علما، وعلى لسان العرب وغيره حفيظا وقيما، لاقتباسك العلم من كتب ووراثتك إياه عن كلالة أب، ولم تزل تتلقاه كابرا عن كابر، وتترقاه باهرا عن باهر، لست ابن سمعك، ولا عبد طبعك، تقلد كاتبا ساذجا، وتعتقد قارئا هازجا، وتقبل البصر بلا بصيرة، وتقفو الأثر على غير وتيرة، تراعي الحروف، ولا تبالي عن التحريف، وتتلو الصحف، ولم تقتصر على حفظ سطور من كتاب سيبويه، و " شرح الفصيح " لابن درستويه، واستظهار أوراق من الغريب، والتحفظ مع الشروق ما تنساه مع الغروب، ولم تشد إلى المخرقة بفرفوريوس، ولا الغطرسة بأرسطاليس، والفرقعة بقافات أرثماطيقا وأنولوطيقا، والصفير بسينات قاطاغورياس وباري أرمينياس وضيعت علوم القران والتفنين في حديثه ﵇ وصحابته، وتفهم أعراضه ولغاته، واجتناء زهره وثمراته وأغفلت " الكامل " و " البيان "، وتواريخ الأزمان، ونوادر البلغاء أهل اللسن والبيان، وأهملت أشعار العرب والمحدثين، إلا طلبك أثرا بعد عين، وقد أربيت على الستين، ولم تتمعدد

стр. 2149

أعجميا، ولم تتبغدد بدويا، ولم تكن مرة شبيبيا، ومرة قطريا، وتارة طبيعيا، وتارة فلكيا، ولم تتزبب حصرما، ولم تتشحم ورما، ولم تدعدع في الأمن، ولم تجعجع بلا طحن، ولم تقعقع بلجمك، ولم تجلب بخيلك، ولم تحمل بأسنتك، ولم ترهب بصوارمك، ولم تكر بجيادك، ولم تستظهر بأجنادك، ولم تحارب جالسك، ولم تقاتل ناعما، ولم تجر بالخلاء، ولم تشجع على الأولياء، وأنت الذي أدر لي غمائم الأدب، وأطلع لي من كمائمه كل معجب، وما كاد الشباب يحل تمائمي، ولا الزمان يطلعني من كمائمي. وفي فصل منها: فاندب العلم وأهليه، وارثه وحامليه، وابك رسومه وحي طلوله، [١٠٠ ب] وسلم عليه تسليم وداع، واشفق لعلقه المضاع، واعلم أن صدعه كصدع الزجاجة أعيا الصناع، فيا له مغنما هجر على برد موقعه، ونفلا زهد فيه على شرف موضعه وموردا ترك على درور أخلافه، ووطأة أكنافه، وقد تولى الفهماء ولم يبق إلا من قدمت نعوته وحلاه، ووصفت حذوه وحذياه، وأغناني ما صدرت به عن إعادة ذكراه، (واقترب الوعد الحق) ، (الأنبياء: ٩٧) وبر الله تعالى وصدق في قوله L أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) (الرعد: ٤١) وقال ﵇:

стр. 2150

" إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا " - الحديث، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا؛ ومن الأمر المعجب، والخطب المغرب أنهم يدعون - على جهلهم، وما بينت من وصفهم - الترؤس في الأدب من غير رياسة، والمنافسة لأهليه من غير نفاسة، ومناهضة ذوي العلم باللسان بالهذيان، حين انسوا عدم المنتقد، وفقدان المفتقد: وإني وإياهم كمن نبه القطا ولو لم ينبه باتت الطير لا تسري وليس كل سواد أسود البصر، وما كل فائح ريحان، ولا كل ملتو خيزران، ولو عقلوا لاعتقلوا، ولو تبصروا لأبصروا. وفي فصل منها: وتفسير ما أجملته، وتفصيل ما أبهمته، أورده عليك محلول العقدة، منضو البردة، وذلك أن إقبال الدولة - أيده الله - أمرني بانشاء رسالتين إلى مصر، فلما علت شرفاتهما، وروضت عرصاتهما، ورد عليهم منهما المقيم المقعد، وكاد يهلكهم الحس، وبهت العدو وكمد، وقال الولي: لا قبل لأحد بمثلها ولا يد، فطول ما حضرت انطلق لسان الموالي، وخفق جنان المناوي؛ وعرضت

стр. 2151

وجهتي إلى المعتصم [بالله] فأنشد منشدهم: يا لك من قبرة بمعمر خلالك الجو فبيضي واصفري ونقري ماشيت أن تنقرى وقالوا: هذا حين يرى الرئيس، أن هذا العلق الذي نفس به ليس بنفيس، وطاروا طيران الفراش حول النار، وجالوا جوالان الذباب بين الأزهار، مرة يستفتون الفقهاء، ومرة يستشهدون السفهاء، ومرة يقولون: هذا يسأل عنه إن كان يقال، وربما كان له في مضمار اللغة مجال، ويتسورون، حديث النساء بعد البعول، وهريف الإماء دون الكفل: وقلت لها عيثي جعار وجرري بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره فاتفق رأيهم، واستمر هديهم، إلى سؤال أبي الحسن بن سيده، فلم يفكر أبو الحسن في العواقب، ولم ينظر نظر أهل التجارب، فسلم لهم واغتر بمثل وشي الحيات، وانقاد في زمام الزخارف والترهات: وكان بما يأتي به ويجيزه مجرب سوء يشرب السم للخبر والأدب ينشدهم: تنق بلا شيء شيوخ محارب وما خلتها كانت تريش ولا تبري

стр. 2152

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت فدل عليها صورتها حية البحر فرد مواضع أنا واصفها وجوابها على سرد، وذاكرها وما يجل ارتيابها على حرد. قال ابن بسام: وطول أبو الأصبغ في جوابه المفسر، وسماه ب " عقاب المتسور "، ولم يمكن اثبات الجميع في هذا المجموع، فالطول مملول، وجئت منه بفصول، تخفيفا للتثقيل، وهربا من التطويل. قال أبو الأصبغ: كان أول التحميد: " الحمد لله تيمنا بحمده، وتحديا لحده، الهادي من ارتضاه سبل رضاه، الحدي من انتقاه، إلى علم تقاه "، فأنكر " تحديا " ووضع مكانه " تصديا "، ويكفي في هذا [قول] بشار في سيبويه: أسيبويه يا ابن الفارسية ما الذي تحديت من شتمي وما كنت تنبذ أطلت تغني سادرا بمساءتي وأمك بالمصرين تعطي وتأخذ وقال صاحب " العين ": حدا بمعنى تبع، فإذا بنيت منه تفعلت قلت: تتبعت. وذكر أبو علي الفسوي في كتاب " الحجة " أن الفعل تحمل أمثلته على أمثلة نظيره وما كان في معناه، وباب التفعل سائغ شائع، لم يمنعه مانع، ولا قطع به قاطع، إما أن يأتي مركبا على ثلاثي ماض، وإما أن

стр. 2153

يأتي بذاته ليكون في معنى الثلاثي البسيط، أو يكون للخروج من أمر إلى غيره، فالمركب مثل: تقفيته وتأبيته، ومن السلم تتبعته؛ والذي يأتي بذاته غير مركب مثل تحفيته وتوفيته، وما يراد به الخروج من أمر إلى غيره فمباح غبر محظور، ومستباح غير محجوب مثل: تكوف وتمصر؛ وقال أبو تمام: نبطت قلائد عزمه بمقيد متكوف متدمشق متبغدد على أنه لم يسمع: تدمشق، ولكنه مقول؛ وقال عمر ﵁: تمعددوا واخشوشنوا. وقال: " الحادي ليس من صفات الله، ولا يجوز أن يوصف إلا بما وصف به نفس تعالى، أو بما وصفه رسوله " " وبدل " الحادي " ب " المرشد ". الجواب انظر ما أعظم هذا السهو، وما أضيق هذا الشأو، وما أقبح هذا البهت، وما أخشن هذا النحت، وماذا على من قال: الحمد لله منقذنا من الغمرات، ومبرئنا من العلل الفادحات، ومرشدنا إلى سبل الهدى، وسائقنا لما يحب ويرضى، والله مسددنا وعصمتنا

стр. 2154

وملاذنا وملجأنا [وشبهه] ، وليس شيء من هذا في القرآن، ولا حديثه ﵇؛ واسم الفاعل في ما بعده كالفعل يجري مجراه، وينحو منحاه، وأفعالها كلها لله تعالى، هو الفاعل، هذا مذهب [أهل] السنة وغيره مذهب البدع والمعتزلة. قال أبو بكر الباقلاني: يوصف الله تعالى بما لا يقع إجماع المسلمين على منعه؛ وخطب عبد الله بن الزبير فقال: الحمد الله [١٠١ ب] الهادي الفاتن؛ ولو شهد أبو الحسن الجمعة لسمع على النبر من صفات الله تعالى ما ليس في القران وفي حديثه ﵇، وقد أجازوا " السيد " من أسمائه [تعالى] وليس في القران ولا في الحديث، واختلف فيه عن مالك، وقال أبو عبد الله محمد بن عمر المرزبان أول كتابه في " الرياض ": الحمد لله الهادي إلى حمده برحمته، والموجب من برأفته؛ و " الموجب " ليس في القران، ولكنه أجراه مجرى الفعل كما فعلنا نحن. وللباقلاني وابن فورك من الاستفتاحات بمثلها ما لا يحاط بكنهه، ويطول الكتاب بجمعه، وأين هذا من قول الراجز المروي المستشهد به: لا هم لا أدري وأنت الداري وقول العجاج فارتاح ربي وأراد رحمتي نعم، وأسماء الله تعالى يشركه فيها المخلوق إلا الله والرحمن؛ قال أصحاب أهل اللغة: الحادي بمعنى السائق، وحدا بمعنى ساق، قال القطامي: وإذا يريبك والحوادث جمة حدث حداك إلى أخيك الأوثق

стр. 2155

وقال الآخر: إن لها لسائقا خدلجا لا يدلج الليلة في من أدلجا ويروى: لحاديا خدلجا؛ وحدا بمعنى ساق أغزر من النمل، واكثر من الرمل؛ فأما إبداله إياه بالمرشد أو الداعي فلهو المقيم ولهو المدلج الساري، وهم يتسببون إلى إنكار " الحادي " لأنه ليس من كتاب الله ويهذون بذلك، والمرشد والداعي ليس في القرآن، فأتوا بما أنكروه، وأثبتوا ما ردوه، ولو اقتصرت على بدلهم لكانت فيه فضيحتهم وخزيهم، وبداية وهنهم ووهيهم، وأين هذا الذي معناه في القرآن وفحواه، وفي حديث الرسول الكريم ﵇ وما يعضده البرهان، وأجمع على قبوله الثقلان، من قول أبي الحسن في خطبته التي توصل بها إلى شرح صدر من كتاب سيبويه، وهو يصف الله تعالى: " مزمع إحداثنا، لانبعاثنا من أجداثنا، يوم لا حكومة إلا بيد الصفاح العليم " والإزماع: العزم بعد التدبير، والاجماع بعد التفكير، والنشاط بعد الكسل، هذه صفة بعيدة من القديم سبحانه، والصفاح أيضا ليس في كتاب الله ولا في حديث رسوله. وأبو الحسن تخيل القذاة في عين أخيه ولم ير الجذع في عينه ﴿ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾ الآية (الأنعام: ١٢٥) . ورد قولنا " فألفت عقيلة نفسه في ذرى الحضرة كفئا من الرضى كفيلا، وظلا من [١٠٢ أ] المنى ظليلا " فأمكر " عقيلة نفسه " وبدله

стр. 2156

" فألفى وارد نفسه " ولم يدر ما قدمت، ولا على ما أعدت، ورأى من علمه بالبلاغة وتحققه بالفصاحة أن " كفئا " و " كفيلا " بوارد نفسه أليق منه بعقيلة نفسه، وأنكر استعارة " العقيلة " للنفس، ولا شك أنه ينفي المجاز، وينكر ما فيه من الابداع والاعجاز، قال عمارة بن عقيل: [تبحثتم سخطي] فغير بحثكم نخيلة نفس كان نصحا ضميرها ولن يلبث التخشين نفسا كريمة عريكتها أن يستمر مريرها وما النفس إلا نطفة في قرارة إذا لم تكدر كان صفوا غديرها فاستعار للنفس: النخيلة والعريكة والغدير والنطفة، وبديع كلام العرب الاستعارة حتى خرق بهم الاتساع، إلى غير ما شهر وذاع، وسوى ما غلب وشاع؛ قال الراجز: ولم تذق من البقول الفستقا وقال الآخر: إلى ملك أظلافه لم تشقق ولولا الإطالة لجلبنا على ذلك دواوين، واستظهرنا بعدد الحصى براهين، ورد قولنا: " فان مولى الحضرة اعتمد قضاء حقها، وإتيان

стр. 2157

وفقها، وأداء فرضها " فأنكر " أداء فرضها " وبدله " تأدية " الجواب: عذره في ذلك لائح، وأمره واضح، لأنه لن يقرأ قوله تعالى ﴿وأداء إليه بإحسان﴾ (البقرة: ١٧٨) ولا قرأ شعر زهير: بأي الجيرتين أجرتموه فلم ينجيكم إلا الأداء ولا قرأ في كل كتاب " وأداء الخراج " مهزوز، اللهم إلا إن كان أراد وزن الكلام، وتعديل الأقسام، فوازن " قضاء " الذي هو أول الفقرتين ب " تأديه " التي جعلها أول الفقرتين الأخريين ولم بر موازنة " قضاء " ب " أداء "، فله عذر يليق به، ووجه هو خليق له؛ وقد قال هو في خطبته المذكورة " وإذا لا أستطيع قضاء حقه وأداءه، فأخذني الله من كل مكروه بدله وفداءه "، وأنا أقول: " قبل الله دعاءه، وأجاب نداءه ". ورد قولنا: " فتنسم مولى الحضرة رياها عطرا " وأنكر الجواز في تذكير " رياها " وبدله " أرجها ". الجواب: لم يعلم أن الريا يذكر إذا أريد به النسيم ومثله، وانه تأنيث غير حقيقي، وأني عدلت إليها لعذوبتها ولدونتها، وهم قد فالوا [١٠٢ب] في التأنيث الحقيقي: " حضر القاضي اليوم امرأة، وامرأة اليوم، والحمل على المعنى فصاحة، وقد قال تعالى (قد جاءكم بصائر من ربكم) (الأنعام: ١٠٤) (ومن بعدما جاءهم البينات) (آل عمران: ١٠٥) وكثير من هذا، قال الشاعر:

стр. 2158

وإن كليبا هذه عشر أبطن وأنت بري من قبائلها العشر وقال عمر بن أبي ربيعة: فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر والعالم بالصناعة لا يظاهر بما ظاهر به أبو الحسن، ولا يجاهر بما جاهر؛ ومن مضحكاته وضعه " أرجها " مكان " رياها " والأرج طيب الرائحة وعطرها، قال كثير: تأرج الحي إذ مرت بظعنهم ليلى ونم عليه العنبر العبق [وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم] . ورد قولنا: " وقضى حق ما أولاه، وتوشح به [وارتداه] " وقال: التوشح حلية النساء، وبدله ب " تأزر " الجواب: يا لهذه المنازع الطريفة والمقاطع الفظيعة، لو تركناه بغره، وطويناه على عره، لكفانا البيان عنه والفضيحة له، فجمع ضروبا من الجهل باللفظ والمعنى، وصنوفا من العثار في سهل [ذلك] المدى؛ [عنده] أن الإزار ليس من لبس النساء، والازار لهن أخلق، وبهن أليق، قال ﵇ لعائشة [﵂] : " اشددي عليك إزارك "، وقال

стр. 2159

للمستفي: " اشدد عليه إزارها، وشأنك بأعلاها ". وقال الشاعر: فدى لك من أخي ثقة إزاري يريد أهله، فكنى به المرأة، حكاه أبو علي الفسوي في كتاب " الحجة " والازار اكثر ما يكنى بع عن الفرج، كما قال الفرزدق: مازال مذ عقدت يداه إزارة وقال آخر: والطيبون معاقد الأزر فتجنب " الازار " إلى " الوشاح " آدب وأوجه، والوشاح من استعمال الرجال بعيد عن موضع الفرج وعن الكناية عنه، وقد لبسه الجلة في سلمهم وجعلوه نظير السلاح في حربهم، قال جرير: لبست سلاحي والفرزدق لعبة عليه وشاحا كرج وجلاجله فعابه في الحرب بالوشاح لا في السلم، لأن الوشاح ليس من لبس الحرب، كما أن السلاح ليس من لبس السلم؛ والعرب تمدح وتتمدح في السلم بالنعمة والخفض واللباس الجميل، والرياش النبيل، قالت الخنساء:

стр. 2160

وفي السلم يلهو ويرخي الإزارا [١٠٣ أ] وقال عبد الملك بن مروان للأحنف: ما أحسن ما مدحت به، قال: قول القائل من جملة أبيات: جلا المسك والحمام والبيض كالدمى وفرق المدارى رأسه فهو أنزع وقال الآخر: إذا غدا المسك يجري في مفارقهم راحوا كأنهم مرضى من الكرم وقالت ليلى الأخيلية: ومخرق عنه القميص تخاله وسط الندي من الحياء سقيما حتى إذا رفع اللواء رأيته تحت اللواء على الخميس زعيما وقال بدر أخو المرار: مخدمون ثقال في مجالسهم وفي الرحال إذا صاحبتهم خدم ومثل هذا كثير لا يحصى، ومثل لا يقصى. وليس مرادنا أنه لبس وشاحا بعينه، ولا مراد غيرنا لبس إزارا بعينه، وانما المعنى الجلي عند صبيان المكاتب أنه لبس الخطية كالوشاح، في التزين بها والتجمل بموضعها، كما أراد بقوله الذي ألقى أبا الحسن في هذا الجهل، فحمله على غير وجه الحمل:

стр. 2161

إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا إنما هو تخذ شعارا ولباسا كالإزار، ولو أن القافية تسوغه لقال: فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتوشحا كما قال أبو ذؤيب: وكلاهما متوشح ذا رونق عضبا إذا مس الكريهة يقطع وقال أقدم من أبي ذؤيب: تركت النهاب وأهل النهاب وأكرهت نفسي على ابن الصعق جعلت يدي وشاحا له وبعض الفوارس لا تعتنق وقال أبو الحسن في خطبته المتقدمة الذكر: " لم يزل الأدب يوشح ذاتي بحليه، ويرشح نباتي لجنيه " فأتى بما صرفه، واختار ما زيفه. على أن توشيح الذات بالحلي من الكلام النقي والمعنى القصي، فتأمل هذه الغرائب، وتبين هذه العجائب: على أنها الأيام قد صرن كلها عجائب حتى ليس فيها عجائب وقد ذكر أيضا أبو الحسن الإزار في خطبته فقال يصف جارية له [١٠٣ ب] :

стр. 2162

" أما ما تشد اليه إزارها فسقط، وأما ما تعقد عليه زنارها فمسمط " ومن أضل الله فلا هادي له. ورد قولنا: " وسلفت السير، واستمررت المرر، بإطراف الموالي سادتهم، وإلطاف الخدام قادتهم، وإتحاف الأولياء ذادتهم " وقال: الذادة مشترك يقال في الرفيع والوضيع. الجواب: لقد كنت أبؤو به أن أقول: ما أقبح هذا المنزع، وأوقع هذا المقطع!! وهب أن ذلك مشترك - وليس بمشترك - فقد حف بالفضل من جنبيه، وكنفه من حواليه ما يرفع الإشكال، ويجلو وجه المقال، وكثير من الكلام مشترك المعنى، مشتبه المنحى، إلا أن فرشه ومقدمته تبين مشكله وتوضح مبهمه، وتبيح ممتنعه، وتحسن موضعه؛ وللبلغاء [من] تقفية " السادة " ب " الذادة " و " القادة " ما لا يحصى، والجاحظ أفصح أهل وقته في كتاب " البيان والتبين " قال: " الذادة " و " القادة " الذين هم ملح الأرض ونور الدنيا، وحكي عن العرب مثله في هذا الكثير، وقال زيد الخيل يصف رؤساء طيء: أما بنو حية فملوكنا وملوك غيرنا، هم القداميس القادة، والحماة الذادة

стр. 2163

والأنحاء السادة، أعظمنا خميسا، وأكرمنا رئيسا، وأحملنا مجالس، وأنجدنا فوارس. وهذا المتسور على نقد الكلام معذور لأنه لم يقرأ قط هذا المعنى، ولا سمع بهذا المغزى. ورد قولنا: " وما النفوس وحاملوها، ولا الدنيا وأهلوها، [ولا الأرض وعامروها، بكفاء لبعض واجبات الحضرة] " [فضرب على الفقرة التي هي " ولا الدنيا وأهلوها "] وقال: هو بمعنى قوله: " ولا الأرض وعامروها " فلا يجوز تكراره. الجواب: حوى في هذا التسور ضروبا من الغباوة، واجتنى صنوفا من الخزاية، منها جعل الدنيا هي الأرض، والأرض هي الدنيا، على تحليه بعلم المنطق الذي لو علمه لم ننفس عليه علمه، ولم نغبطه حمله، ولم [يعلم] أنه يقال: الدنيا محيطة بالأرض، وليست الارض محيطة بالدنيا، والدنيا جنس، والأرض تحتها نوع؛ وفي الحديث الصحيح: " سماء الدنيا " وفي الدنيا الخلق الروحاني ممن ليس في الأرض؛ ومنها: أنه لم يعلم أن من رسم العرب وفصاحتها تكرير المعنى إذا اختلفت الألفاظ، قال تعالى ﴿وغرابيب سود﴾ (فاطر: ٢٧) وقال ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعين﴾ (الحجر: ٣٠، ص: ٧٣) [ومشبهه في كلام العرب كثير] ولا فرق بين من لم يعلم هذا والعدم ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (الحج: ٤٦) . ورد قولنا. " ولا أظلم أفق كان شمسه "، أنكر " أظلم " ورده " دجا ".

стр. 2164

الجواب: هذه الداهية الشنعاء، والقضية الشوهاء، يدعي علم الكلام، من لا يعرف الإصباح والإظلام، لقد كان ملففا فانكشف، ومنكورا [١٠٤ أ] فاعترف: وكان كعنز السوء قامت بظلفها إلى مدية تحت التراب تثيرها ثم ختم رقعته يقول: أتيت بمنطق العرب الأصيل وكان بقدر ما عانيت قيلي فعارضه كلام كان فيه بمنزلة النساء من البعول وليس يصح في الأوهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل قال أبو الأصبغ: وما أنكر علي إلا كل لفظة جاءت مع أختها كما اقترن الكوكب والسعد، والتقى الجيد الأغيد والعقد، وشانوا ببعرهم الدرر، وبحممهم الغرر، وكان كلامهم كالبرص في أديمه، والكسوف في نجومه، وعلم الله أنهم لو ردوا مردا، وتحدوا متحدى، وذهبوا صددا، لما أنفت ولا قلقت، ولا حرجت ولا ضجرت، ولأنصت وأنصفت وانقدت، فقد قال السلف الصالح: رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا؛ وقالوا: الفاضل من عدت سقطاته؛ وقال ﵇: ما هلك امرؤ عرف قدر نفسه. والمرء في سعة من عقله ما لم يقل شعرا وينشئ كلاما، وما أبرئ نفسي، ولا أعجب بأمري ولا أفخر، ولا أذب ذب المزدهي بما حبر، فما أحد أنشأ نثرا، ولا قال شعرا

стр. 2165

إلا استدرك عليه، وفوقت سهام القول إليه، وما أكثر أحد إلا أهجر، ولا أطال جواد المدى إلا عثر، ولا سبر معين إلا تغير، وقد لحن النحويون عبد الله بن عامر في قراءته ﴿ولا يحق المكر الشيء إلا بأهله﴾ (فاطر: ٤٣) وقال أبو عمرو بن العلاء: ما قالت العرب قط: برق البصر، بفتح الراء؛ ولحنوا يعقوب في فراءته ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ (هود: ٧٨) وقال بلال بن أبي بردة ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ (الزمر: ٥٣) - بكسر النون - فقال أبو عمرو: لحن الأمير، فسأل عيسى بن عمر فقال: اللغتان مقولتان؛ وروي عن الحسن أنه قال: على من تنزل الشياطون، وقال عثمان ﵁: إني أرى في المصحف لحنا ستصلحه العرب بألسنتها. وقال عمران بن حطان: لقد خطبت فحسبت أني بدرت، فسمعت فتية من تميم تقول: أي خطيب لولا أنه عطل خطبته من القرآن؛ وسموا خطبة زياد " البتراء "، وفسر العتبي قوله تعالى ﴿شديد المحال﴾ بفلان إذا كاده؛ وقال الرماني في كتابه " في المذكر والمؤنث ": العصر

стр. 2166

يجمع أعصر في القليل وعصر في الكثير، ويجمع الجمع فيقال أعاصير كما قال الشاعر: وبينما المرء في الأحياء مغتبط إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير [١٠٤ ب] فالأعاصير جمع أعصر، والياء في الأعاصير زائدة؛ ووهم الرماني، إنما الأعاصير جمع إعصار وهي الريح الشديدة، قال تعالى ﴿فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت﴾ (البقرة: ٢٦٦) وقال الشاعر: الناس بعدك قد خفت حلومهم كأنما نفخت فيها الأعاصير وذكر أبو حاتم في " التذكير والتأنيث " عن عمارة بن عقيل، وأنشد الصولي في كتابه " في الشبان " لبعض قريش يوم فتح مكة: خزرجي لو يستطيع من البغض رمانا بالنسر والعواء وأخذ على جميع المؤلفين بحق وباطل، ولولا الاشتهار في الأمر ومذهب الاختصار لأوردت منه الجزيل الطويل، والموصوف المعروف، والكثير الغزير، والموجود المعدود؛ ولكن هذا الرجل أبدى عواره، ورفع شناره، وكان مستورا موفورا، يقلد فيه، وينصب لدعاويه، ويحتمل على المعرفة سرائره ومفاديه، فأساء أدبه، وهتك حجبه، وفضح مذهبه: لم تكن عن جناية لزمتني لا يميني ولا شمالي رمتني بل جناها أخ علي كريم وعلى أهلها براقش تجني ويشهد الله لقد كنت أيام محاولته لاطفاء نوري، ومبادرته تقبيح الحسن

стр. 2167

من أموري، أذكي أنواره، وأطلع أقماره، وأرفع للساري مناره، وهو يدب الضراء، ويسر حسوا في ارتغاء، ويمالئ الحسدة والأعداء، ويحارب معهم الأولياء، فجاهر بكتم ذكاء، وخسف نجوم السماء، ولم ينظر حتى يكون التقديم مع المشاهدة والضور، فيعذر في تقصير لو كان أو تعذير، على أن الخلة، وشرط الأخوة والمروة، أن يناضل بظهور الغيب ويحامل، ويناصب دون الباطل ويجادل، بحكم الأدب، الذي هو أمس رحم وأوكد نسب، فكيف بتزييف المنتقد، وتضعيف القوي، وطمس الشمس، ورد العيان، والمجاهرة بالإفك والبهتان، وصد ما تقدم به الحجة بما لا تقوم له حجة ولا برهان، وما زلنا نشاهد الشيوخ يحسنون التأويل، ويسرون الخلل الجليل، فلم يجر أبو الحسن على سننهم، ولا تأدب بأدبهم، وكم أعرضت عن تصانيفه، وربأت بتواليفه، كرده على يعقوب في " إصلاح المنطق " بما هو المردود المحدود، والمكروه المنجوه، وكخرافاته المضحكات في " شرح الحماسة: وك " المحكم " الذي ليس له معلم، و " المخصص " [١٠٥ أ] الذي لو كتب بالسين لكان أشبه بصفته، وأليق بحليته، وأكثر هذا الكتاب " المخصص " مصحف محرف، وكنت شرعت في استخراج ما ضمه من الكلم المصحفات والحروف المحالات، ولما أحس بالمكوى: والعير يضرط والمكواة في النار

стр. 2168

لاذ بأنه كان إذ ألفه محجورا، فيا له عذرا يسمى تعذيرا، وقد أتت عليه الدهور، وأخذ عنه الفرض المشهور، والجزاء المذكور، كما أعطي القصب غير السابق، وخلق غير الخليق اللاحق، وما أعظم منتشبه، وأشام عليه نسبه!! ولم آت أكثر مما لمحت له هذه الخطبة، كما خطفت البرق، ورجع الطرف، وكجلوة العروس، وقعدة الخطيب، فوقعت عيني منها على منكر مستشنع، ومكروه مستشنع، ومقطع مستضعف، ومنزع مستخلف، كلها زيوف فلا تنقد، وهراء فلا تحدد، رداءة أقسام، ودناءة كلام، وقعقعة زخاريف، وجعجعة أراجيف، وإجلاب بعساكر، وركوب في مواكب وجماهير، ومديح لنفسه، وثناء على ذاته، وتعظيم لشانه، وتكبير لسلطانه، وذكر لشرح جاليوس، ووصف فرفوريوس، وخطأ وضع، وتحريف شعر، ومردود لفظة، وادعاء باطل وهجر، واسجاع كأنها قعقعة القراع، ووعوعة المصاع، مؤدبية المنزع، قلقة الموضع، خشنة الموقع، ملأها خمسين ورقة بهذيانات وترهات، وتزويرات وسخافات، [من عراب ارتبطها، وسيوف اخترطها، وجارية وصفها، وريقة رشفها] وفرية قرطها وشنفها، وعظيمة من

стр. 2169

المنكر تسمنها واعتسفها، وموبقات زيف بها حديث رسول الله ﷺ وصحابته، وصنفها، وآثر عليها آراء الفلاسفة وشرفها، ولم يأت فيها بكلمة من كتاب الله تعالى، ولا من حديث رسول الله ﷺ وصحابته، ونعوذ بالله من الخذلان، ونزعات الشيطان. فصول من خطبة ابن سيده مما نقد ابن أرقم عليه ذكر الخضاب فعابه، وذكر من خضب فسفهه وجانبه، وقال: هذا خطيب اليونانية غليانش، وهو الذي يوثق بكلامه ويستانس، قد قال: إن التسويد من الزينة الآنيثة، فلا يستعمله من الأنام إلا أهل الطينة الخبيثة. الرد: تأملوا واعتبروا يا أولي الأبصار، قد علم الكبير والصغير، والخطير والحقير، أن الشيب معيب، وأن السواد مرغوب، وأن آدم ﵇ لما رأى شيبة بلحيته فزع منها، وأن رسول الله ﷺ روي عنه الخضاب، وأما صحابته الأكرمون، وعترته الطيبون، فكلهم خضب شيبه وغيره وستره، ولما جيء [١٠٥ ب] يأبي قحافة إلى رسول الله ﷺ ورأسه كالثغامة قال ﵇: " هلا غيرتموه "؛ وكان معاوية حيث كان من الجلالة والأصالة، له خاضبة تخضبه بالسواد، ولما فرغت مرة من خضابه أنشدته: هل عندك اليوم شكر للتي جعلت ما ابيض من قادمات الرأس كالحميم

стр. 2170

وفي السواد إغلاظ على العدو، وتجمل للأهل، وتسكين للروعة من الشيب، وتأنيس للنفس، وتعليل للقلب، وهل هذه النكتة من أبي الحسن تخفى، او هذه الزرعة يكتم منها فحوى، أو يستر لها مغزى -! وقال في فصل منها: " والحساد في كل ذلك تكسر علي أرعاظها ولا تفتر من النظر إلي ألحاظها، وأنا أنشدهم ما أنشدته عن أبي العلاء صاعد بن الحسن الربعي عن أبي رجاء الضبعي: حسود كئيب القلب يخفي أنينه ويضحي كئيب البال عندي حزينه يلوم على أن ظلت للعلم طالبا أجمع من عند الرواة فنونه وأكتب أبكار الكلام وعونه وأحفظ مما أستفيد عيونه فيا حاسدي دعني أغال بقيمتي فقيمة كل الناس ما يحسنونه الرد: في هذا البرسام غريبتان، إحداهما مقالة الحاسد الذي يكسر عليه أرعاظه، قوله " دعني أغال بقيمتي "، هذا جواب الأولياء، لا جواب الحسدة والأعداء، والأخرى تحريفه الشعر عن وجهه، وصرفه عن كنهه، ولو تبين وقرأ طرائق الشعراء، ومذهب الفصحاء والخطاب، لما استجازه، ولأجاد نقده وإحرازه، فهذا الشعر لأحمد بن المعذل مشهور مأثور: غزال سقيم اللحظ يخفي أنينه ويضحي كئيب القلب عندي حزينه ونسي نفسه أبو الحسن في تأمل البيت الأول: وكيف يجمع فيه " كئيب

стр. 2171

القلب " " كئيب البال " وكيف يكون حزين البال، والشاعر منزه عن هذا السقط، مبرا من مثل هذا الغلط، ولم ينظر بالعين الجلية، فيرى فساد القضية، وأن الحسود ليس من رسمه، ولا من رسم العرب في وصفه أن يلوم على طلب العلم، ولا يرجع بمثل هذا الرفق، وإنما أراد أحمد ابن المعذل أن من إلفه وأنسه، فتغرب عنه إلى طلب العلم نفسه، يلومه على تشاغله عنه وتباعده منه، وأومأ إلى صبره وجده في طلب العلم وبحثه قول أحمد ينظر إلى قول كثير: [١٠٦ أ] إذ ما أرد الغزو لم تثن همه حصان عليها نظم در يزينها وقال الحسن: تقول التي من بيتها خف مركبي عزيز علينا أن نراك تسير أما دون مصر للغنى متطلب بلى إن أسباب الغنى لكثير فقلت وعزتها سوابق أدمع جرت فجرى في جريهن عبير دعيني أكثر حاسديك برحلة إلى بلدة فيها الخصيب أمير وقال: لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ولم يلهني عنه غزال مقنع وقال أبو الحسن في فصل آخر منها: " يرهب ألا ترجح أعماله يوم القيامة قسطاسه، وألا تنجح آماله فيؤتى غير ذات اليمين قرساسه "

стр. 2172

الرد: ضم قاف قرطاس كما ضم قاف قسطاس للمشاركة، على دناءة اللغة، ووحاشة التقفية، وفساد المقابلة، وجور القسمة، ولم يرد أن القسطاس - بكسر القاف - لغة شائعة قرأتها بها القراء، ونطقت بها الفصحاء، ولو علمنا لما احتاج إلى هذا المرمى البعيد، والمنحى الزهيد، والوجه الشتيم، والغرض الذميم. وفي فصل منها: " وكذلك أنضيت عراب الخيل، فرميت بها حمامة النهار وغراب الليل ". قال ابن أرقم: وليس من شأن العراب أن يرمى بها الحمامة، النهار وغراب الليل ". قال ابن أرقم: وليس من شأن العراب أن يرمى بها الحمامة، والعراب هذه استعارة غير متصلة، وقلادة غير منتظمة، وفقرة غير مرتبطة، ومن يقول رميت الحمامة بالعراب، يلزمه أن يقول: جاريت الصبا بالسهام. وقال في فصل آخر: " حين استقدمت سنابكها سبائك العقيان ". قال ابن أرقم: يقال له مع تكرر سيناتك أرنا استقدحت، وأرنا السبائك من نتاج الاستقداح، فإن تلك استعارة لا تحسن ولا تتصل، وقضية لا تتمعنى ولا تتحصل؛ ومثل تكرر هذه السنات ما يحمل عن بعض المؤدبين بشرق الأندلس، وكان يصفر في الصاد والسين صفيرا منكرا، أنه قال: يا سادة، يا جيران المسجد، سقط الطاووس من سقف موسى ابن أبي الغصن، فكسر ساق صبيتنا؛ انتهى ما اقصصته من رده على ابن سيدة.

стр. 2173

جعل له من الانشاءات السلطانيات فصل له من رقعة عن ابن مجاهد إلى صاحب مصر: وبعدها لزم الاستفتاح به وهي الإصباح شهبه، فإن مولى الحضرة الطاهرة - صلوات الله عليها - اعتمد قضاء حقها [١٠٦ ب] وإتيان وفقها، وعليه من حلل النعمة أضفاها، ومن حلل السعادة أبهاها، ومن جنن السلامة أوقاها، ومن قبله من أولياء الحضرة وحذاها، وعبيد دولتها، وسهام كناتها، وشهب سمائها، ورقيق ملكها، وشيع ملكها، المستنجحين بطائرها السانح، المتبركين بفضلها اللائح، في كنف الله وعصمته، وخفارة سعد أمير المؤمنين وذمته، وما ولاه الله من البلاد، وخوله من العتاد، وأولاه من تالد ومستفاد، على ما يرضي أمير المؤمنين وفور عدد، وظهور يد، وانه سلف لمولى حضرته الطاهرة الاستئمار في تفيؤه لبرود ظلالها، والاستئذان في ادراعه لبرود أفضالها، وارتضاعه لحلمات قبولها وإقبالها، وقدم عقيلة نفسه ورائد قلبه، ووصف مبادي نزاعه وطلائع انجذابه، ودواعي مهاجرته، وجواري مفاتحته، وأعلم أنه ذخرها ليومه وغده، واعتدها لنفسه وولده، فإنها الشمس بعد جرمها وكثر ضوءها، ونأى محلها ودنا ظلها، فصدرت المراجعة الباهرة بما أضاء جوانحه، وزجر سوانحه

стр. 2174

وأمرع مواطنه ومسارحه، وتبين السعد معانقه ومصافحه، وصادف رائد قلبه مرادا خصيبا، وريحا جنوبا، وتقبل المولى منها مراحا مروحا ومقيلا، وتتوج رسم الخلافة المستنصرية إكليلا؛ وإن بعدت أقطاره، فعلى مقدار بعد الهجرة إيثاره، وما تتأتى السبل، ومتون الرياح الحوامل والرسل، فإن لم تكن سليمانية النصبة، فإنها علوية النسبة، فالآن استمر المرير، واستقر الضمير، واطرد الأمر على بصير، فتنسم مولى الحضرة وياها عطرا، وراد روضها زهرا، وشام برقها ممطرا، واستوضح هلالها مبدرا، وارتشف ماءها خصرا، فما الشكر وإن جزل، يرقى ثنايا ذلك الإنفصال والإنعام، ولا اللسان وإن جعل يتعاطى ذلك الثناء ولا الأقلام، ولا الجهد يقدر قدر ذلك الإكبار والإعظام، ولا الوجد يفي بتلك العوارف الجسام، ولا الطوق يقوم بأعبائها حق القيام، وأي وسع يباري البحر وهو طام، وأي طوق يطيق ركني شمام -! ولو كانت للمولى بالقدر يدان، وساعده إمكان، وساعفه زمان، لأم شخصه كعبة الآمال، واستقبل بقصده قبلة السعد والإقبال، واستلم بيده ركن الإنعام والإسبال، فإذا لم ينسك محرما، ولم يقرب مستلما، ولم ينقل إليها قدما، فحسبه النية التي هي أس البنية والطوية، على نائي الطية، وما تيسر من هدي يهديه، وعمرة عنه تجزيه، وإن شط المحل. وسلفت السير، واستمرت المرر، بإطراف الموالي [١٠٧ أ] سادهم وإتحاف الأولياء ذادتهم، وإلطاف الخدام قادتهم، على سمح الأوان

стр. 2175

لا على الخطر والشان، وعلى حكم التخدم والاهتبال، لا على حكم الهمم والأحوال، فما النفوس: فكيف النفائس وحاملوها، ولا الدنيا وأهلوها، ولا الأرض وعامروها، بكفاء لبعض واجبات الحضرة، ولا بجزء من أجزاء فرضها، ولا لنبذة من جمل قرضها، ما عدا أن الله سبحانه قبل منا اليسير، وصفح عن التقصير، وتجاوز عن الحقير، فألف المولى أشتاتا، ونظم أفرادا، وجمع أصنافا، وهيأ ألطافا، من تحف أفقه، وخواص أرضه، وغرائب مغربه، وطوائف ثغره، شرح أنواعها، وأفراد جماعها، ونثر نظامها، وفصل تؤامها، في ملطف طي مكاتبته هذه، وأودع ما نوعه، وضمن ما جمعه، حربيا من أشد نمطه حصانة، وأوفره أمانة، وأكثره عدة وعدة، وأفضله جدة وجدة، وأبهجه حلية وبردة، وتفاءل المولى في اسمه ووسمه، فخرق أديم البحر على اليمن والطائر السعد، والفأل الصدق، كأنه هلال سائر، أو عقاب كاسر، أو باز مهابذ، أو شهاب قاقب، أو سهم نافذ، ولحضرته الطاهرة - صلوات الله عليها - تأكيد العارفة، وتأييد الصنيعة، وتشفيع الكرامة في حسن القبول، والتجاوز عن خلل المعقول والمقول، وتأول أمر مولاها أحسن التأويل. وله من أخرى مثل ذلك إلى الوزير هنالك: أطال الله البقاء، وأدام العزة والعلاء، والسعادة والنماء، ورحب الفناء، ونضارة الأرجاء
следующие страницы →