← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

القلب " " كئيب البال " وكيف يكون حزين البال، والشاعر منزه عن هذا السقط، مبرا من مثل هذا الغلط، ولم ينظر بالعين الجلية، فيرى فساد القضية، وأن الحسود ليس من رسمه، ولا من رسم العرب في وصفه أن يلوم على طلب العلم، ولا يرجع بمثل هذا الرفق، وإنما أراد أحمد ابن المعذل أن من إلفه وأنسه، فتغرب عنه إلى طلب العلم نفسه، يلومه على تشاغله عنه وتباعده منه، وأومأ إلى صبره وجده في طلب العلم وبحثه قول أحمد ينظر إلى قول كثير: [١٠٦ أ] إذ ما أرد الغزو لم تثن همه حصان عليها نظم در يزينها وقال الحسن: تقول التي من بيتها خف مركبي عزيز علينا أن نراك تسير أما دون مصر للغنى متطلب بلى إن أسباب الغنى لكثير فقلت وعزتها سوابق أدمع جرت فجرى في جريهن عبير دعيني أكثر حاسديك برحلة إلى بلدة فيها الخصيب أمير وقال: لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ولم يلهني عنه غزال مقنع وقال أبو الحسن في فصل آخر منها: " يرهب ألا ترجح أعماله يوم القيامة قسطاسه، وألا تنجح آماله فيؤتى غير ذات اليمين قرساسه "

стр. 2172

الرد: ضم قاف قرطاس كما ضم قاف قسطاس للمشاركة، على دناءة اللغة، ووحاشة التقفية، وفساد المقابلة، وجور القسمة، ولم يرد أن القسطاس - بكسر القاف - لغة شائعة قرأتها بها القراء، ونطقت بها الفصحاء، ولو علمنا لما احتاج إلى هذا المرمى البعيد، والمنحى الزهيد، والوجه الشتيم، والغرض الذميم. وفي فصل منها: " وكذلك أنضيت عراب الخيل، فرميت بها حمامة النهار وغراب الليل ". قال ابن أرقم: وليس من شأن العراب أن يرمى بها الحمامة، النهار وغراب الليل ". قال ابن أرقم: وليس من شأن العراب أن يرمى بها الحمامة، والعراب هذه استعارة غير متصلة، وقلادة غير منتظمة، وفقرة غير مرتبطة، ومن يقول رميت الحمامة بالعراب، يلزمه أن يقول: جاريت الصبا بالسهام. وقال في فصل آخر: " حين استقدمت سنابكها سبائك العقيان ". قال ابن أرقم: يقال له مع تكرر سيناتك أرنا استقدحت، وأرنا السبائك من نتاج الاستقداح، فإن تلك استعارة لا تحسن ولا تتصل، وقضية لا تتمعنى ولا تتحصل؛ ومثل تكرر هذه السنات ما يحمل عن بعض المؤدبين بشرق الأندلس، وكان يصفر في الصاد والسين صفيرا منكرا، أنه قال: يا سادة، يا جيران المسجد، سقط الطاووس من سقف موسى ابن أبي الغصن، فكسر ساق صبيتنا؛ انتهى ما اقصصته من رده على ابن سيدة.

стр. 2173

جعل له من الانشاءات السلطانيات فصل له من رقعة عن ابن مجاهد إلى صاحب مصر: وبعدها لزم الاستفتاح به وهي الإصباح شهبه، فإن مولى الحضرة الطاهرة - صلوات الله عليها - اعتمد قضاء حقها [١٠٦ ب] وإتيان وفقها، وعليه من حلل النعمة أضفاها، ومن حلل السعادة أبهاها، ومن جنن السلامة أوقاها، ومن قبله من أولياء الحضرة وحذاها، وعبيد دولتها، وسهام كناتها، وشهب سمائها، ورقيق ملكها، وشيع ملكها، المستنجحين بطائرها السانح، المتبركين بفضلها اللائح، في كنف الله وعصمته، وخفارة سعد أمير المؤمنين وذمته، وما ولاه الله من البلاد، وخوله من العتاد، وأولاه من تالد ومستفاد، على ما يرضي أمير المؤمنين وفور عدد، وظهور يد، وانه سلف لمولى حضرته الطاهرة الاستئمار في تفيؤه لبرود ظلالها، والاستئذان في ادراعه لبرود أفضالها، وارتضاعه لحلمات قبولها وإقبالها، وقدم عقيلة نفسه ورائد قلبه، ووصف مبادي نزاعه وطلائع انجذابه، ودواعي مهاجرته، وجواري مفاتحته، وأعلم أنه ذخرها ليومه وغده، واعتدها لنفسه وولده، فإنها الشمس بعد جرمها وكثر ضوءها، ونأى محلها ودنا ظلها، فصدرت المراجعة الباهرة بما أضاء جوانحه، وزجر سوانحه

стр. 2174

وأمرع مواطنه ومسارحه، وتبين السعد معانقه ومصافحه، وصادف رائد قلبه مرادا خصيبا، وريحا جنوبا، وتقبل المولى منها مراحا مروحا ومقيلا، وتتوج رسم الخلافة المستنصرية إكليلا؛ وإن بعدت أقطاره، فعلى مقدار بعد الهجرة إيثاره، وما تتأتى السبل، ومتون الرياح الحوامل والرسل، فإن لم تكن سليمانية النصبة، فإنها علوية النسبة، فالآن استمر المرير، واستقر الضمير، واطرد الأمر على بصير، فتنسم مولى الحضرة وياها عطرا، وراد روضها زهرا، وشام برقها ممطرا، واستوضح هلالها مبدرا، وارتشف ماءها خصرا، فما الشكر وإن جزل، يرقى ثنايا ذلك الإنفصال والإنعام، ولا اللسان وإن جعل يتعاطى ذلك الثناء ولا الأقلام، ولا الجهد يقدر قدر ذلك الإكبار والإعظام، ولا الوجد يفي بتلك العوارف الجسام، ولا الطوق يقوم بأعبائها حق القيام، وأي وسع يباري البحر وهو طام، وأي طوق يطيق ركني شمام -! ولو كانت للمولى بالقدر يدان، وساعده إمكان، وساعفه زمان، لأم شخصه كعبة الآمال، واستقبل بقصده قبلة السعد والإقبال، واستلم بيده ركن الإنعام والإسبال، فإذا لم ينسك محرما، ولم يقرب مستلما، ولم ينقل إليها قدما، فحسبه النية التي هي أس البنية والطوية، على نائي الطية، وما تيسر من هدي يهديه، وعمرة عنه تجزيه، وإن شط المحل. وسلفت السير، واستمرت المرر، بإطراف الموالي [١٠٧ أ] سادهم وإتحاف الأولياء ذادتهم، وإلطاف الخدام قادتهم، على سمح الأوان

стр. 2175

لا على الخطر والشان، وعلى حكم التخدم والاهتبال، لا على حكم الهمم والأحوال، فما النفوس: فكيف النفائس وحاملوها، ولا الدنيا وأهلوها، ولا الأرض وعامروها، بكفاء لبعض واجبات الحضرة، ولا بجزء من أجزاء فرضها، ولا لنبذة من جمل قرضها، ما عدا أن الله سبحانه قبل منا اليسير، وصفح عن التقصير، وتجاوز عن الحقير، فألف المولى أشتاتا، ونظم أفرادا، وجمع أصنافا، وهيأ ألطافا، من تحف أفقه، وخواص أرضه، وغرائب مغربه، وطوائف ثغره، شرح أنواعها، وأفراد جماعها، ونثر نظامها، وفصل تؤامها، في ملطف طي مكاتبته هذه، وأودع ما نوعه، وضمن ما جمعه، حربيا من أشد نمطه حصانة، وأوفره أمانة، وأكثره عدة وعدة، وأفضله جدة وجدة، وأبهجه حلية وبردة، وتفاءل المولى في اسمه ووسمه، فخرق أديم البحر على اليمن والطائر السعد، والفأل الصدق، كأنه هلال سائر، أو عقاب كاسر، أو باز مهابذ، أو شهاب قاقب، أو سهم نافذ، ولحضرته الطاهرة - صلوات الله عليها - تأكيد العارفة، وتأييد الصنيعة، وتشفيع الكرامة في حسن القبول، والتجاوز عن خلل المعقول والمقول، وتأول أمر مولاها أحسن التأويل. وله من أخرى مثل ذلك إلى الوزير هنالك: أطال الله البقاء، وأدام العزة والعلاء، والسعادة والنماء، ورحب الفناء، ونضارة الأرجاء

стр. 2176

لحضرة سيدنا الوزير الأجل صفي أمير المؤمنين، ولا برحت القلوب حوائم على شرعته، كما زين نحرها بقلائد الخلافة، وحلي جيدها بنظام الأمامة، والشمس محل السعد: * وفي عنق الحسناء يستحسن العقد* فما أظلم ليل كان سيدنا صبحه، ولا أبهم معنى كان شرحه، ولا أساء زمان كان حسنته، ولا بخل وقت كان موهبته، ولا أذنب عصر كان عذره، ولا ذوى روض كان زهره، ولا أوحش أمر كان أنسه، ولا أظلم أفق كان شمسه، ولا عطل نحر كان حلية، ولا ضل ملك كان هديه. وإني أطال بقاء حضرة سيدنا، وإن لم أحل بمكاتبته تقليدا، ولم أحظ بمداخلته مستفيدا، فبه أثمر غرسي، وله انتظم غدي وأمسي، وعليه تهدل جنى نفسي، فمحاسنه التي ملأت الملوين، ثنتني فانثنيت، وأنواره التي طبقت الخافقين، هددتني فاهتديت، فسرت إليه مسير السيل إلى قراره، وانجذبت نحوه انجذاب النجم إلى مداره، وجريت على نهج أبي ﵀[١٠٧ ب] الحضرة والمكاتبة لها والمهاجرة إليها، وما ندي لي من ثراها، وتمهد لي من رضاها، وأحظاني من سني جوابها، وبهي تحيلها، والإقبال علي بقبولها، فذلك الفخر تاج على مفرقي، وذلك الفضل طوق في عنقي، فحق أن تتأكد بصيرتي، وتستمر مريرتي، وأطرد على وتيرتي، فلا أزال مطالعا وخادما لها.

стр. 2177

وسبقت السير، واستمرت المرر بأن يطرف المولى سيده، ويلطف الولي معتمده، وقلت الدنيا وصمتها، والأرض ووفرها، لمستمسك بحبل الحضرة؛ ولا جرم أنها خدمة تخبر عن همة، وسيرة تنبئ عن سريرة، وقربة يتقبل [فيها] الوتج الحقير، ويتجاوز عن القصور والتقصير، علما بأنها على الاختفاء لا على الاحتفال، وعن الإخبار عن الضمير لا على الأخطار، فهيا شيعة سيدنا وصفوته، سمح الأوان، وعجالة الإمكان، على النوى القذوف والنتأى الغروف، أندادا من ألطاف حوزته، وأفرادا من خواص عمله، وأعدادا من تحف جهته، يشرف بعضها بحضرة الخلافة، وبعضها بحضرة الوزارة؛ وضمنها من بياض خاصته: [حربيا] حصين البنية، أمين الطوية، رائق البردة، وافر العدة، تقلده الأستاذ أبو الحسن كوثر نعمته، وعهده الحضرة، فنفذ في حفظ الله وصحبته، وفي كفالة سعد أمير المؤمنين؛ وسلك البحر كأنه في أديمه شامة، بل في سمائه غمامة، وحضرة الوزير - أعزه الله - تسد في الجهتين الخلل، فتحمل وتجمل، وتقبل وتتقبل، وتغتفر خطل ما نقول ونفعل، وتتأوله إن شاء الله أحسن التأول، وتكسوه المعرض الأجمل، فهي الهادية لضوال الآمال، المحلية لعواطل الأعمال.

стр. 2178

وله من أخرى: وقد علمت الحضرة - صلوات الله عليها - أني مستمد التعلق بحبها من كثب، ووارث التحقق بفضلها عن كلالة أدب، على هذا المهاد نشأت، وبهذا القرار ثويت، ومن هذا الثمر اغتذيت، وبهذه البصيرة تتوجت وارتديت، وقد كان للموفق أبي، مولى الحضرة، منزع علق بسببه، وأرب وسم أجمل وسم به، أن يثبت في ديوان مكاتبتها اسمه، ويلحق في رسوم خدمتها رسمه، ويحرز الخصل في ميدانه، ويبرز في افقه وزمانه، ويحلي مغربنا بما لم يكن حاليا به، ويفض عذرة أمر لم يهتد لجانبه، فوافاه حمامه - أكرم الله نزله - وهو في ذمائه يمهد أكناف نيته، ويقيم شرفات بنيته، فقضى ولم يسعده القضا، ومضى ولم يكن الأمضى؛ ثم دفع مولى الحضرة - أنا - إلى فتن جذبته عن تلك الفرائض؛ وقبضته من تلك المعارض. ثم إن الله تعالى أيد مولى الحضرة فمهدت له هنيئا من الظفر، ونتجت [١٠٨ أ] له سنيا من الوطر، فلما فرغ لنيته التي كانت أمام ذكره، وملء صدره، أزمع الإيراد لآماله الحائمات، والسفور عن هممه المتقنعات، والإنزال لعزائمه المرفقات، فها نحن واردوا تلك الحياض، وخارقو ذلك الوفاض، ومنبضون إلى تلك الأغراض، فلسنا في تلك القوافي إقواء

стр. 2179

ولا في ذلك المضمار بطاء، ولا سهمنا غلاء. ومولى الحضرة مملأ من كرمه مؤيده بجنوده: من كتائب تملأ الفضاء، وتغشي الدأماء، فتصدعها بجبال كالرياح، ورياح كالجبال، ثانية الأقدار، وثالثة الليل والنهار، تحمل من قد قامت من آساد هي خدورها، وصوارم هي غمودها، وسهام هي كنائنها، وأفئدة هي جوانحها، فلو لقوا المنايا لصرعوها، أو ضربوا الجبال لصدعوها، أو رموا الأوهام لقرعوها، أو راموا النجوم لفزعوها. وفي فصل منها: ولم يكن ليقدم إليها غير الإستئمار، ولا ليقصد نحوها غير الإشعار، لتكون بضائعه خوالص الإضمار والإظهار، وطلائعه سوابق الإسناد والاستظهار، فهي أعز جنابا، وأعظم مهابا، من أن يقرع إليها بابا إلا بإباحتها، ويصل منها حجابا إلا بسماحتها؛ ولما جرد مولى الحضرة هذا المذهب من البأو بمكاتبتها، ولخص هذا الأرب من التشرف بمراسلتها، رأى من توقيرها وتكبيرها، تقليدها من يكون كفيلا بها أو طيقا لتحملها، فندب لها من أبناء الوزراء، وصفوة الظهراء، من له السابقة المذكورة، والعين المشهورة، والأحوال الخطيرة، والخلال المشكورة، ودماثة الجانب وسكون الطائر، مضمنا مركبا

стр. 2180

من مراكبه، يدل به مدل الليل بالصباح، وينم عليه كما نمت على الزهر الرياح، خلا أن من سكن المغرب الأقصى، وجاور الثغر الأعلى، وجاذب اللسان الأجفى، وارتضع الجعجعة الخشناء، والعجرفة الصماء، ثم حاول حرمة الخلافة العظمى، والحضرة العليا، وغشي مصر الإسلام ونخبة الأنام، ومحفل الجماهير العظام، فمعذور أن تعشيه أنوارها، ويغشيه إكبارها، وتحضره مهابتها، وتخرسه جلالتها؛ ومن فواضل الحضرة وسرعان إنعامها، وبواكر إكرامها، إرقاؤه إلى البساط المعظم ليلثمه، وإدناؤه [من] الحرم المكرم ليستلمه. ولو أن مولى الحضرة يستعير الروض نشره، والمسك عطره، والبحر دره، والسحات قطره، والزمان عمره، وعطارد نظمه ونثره، فيسد بها الأفقين، ويملأ ما بين الخافقين، ليوصل معقده، ويؤدي تعظيمه وحمده، وينهي كنه ما عنده، لما استوفت عده، ولا سبرت عده. [١٠٨ ب] . وله من أخرى إلى الوزير هنالك: فالحضرة العلية معنى هو شرحها، وشمس وهو صبحها، وأذن وهو قرطها، وجيد وهو عقدها، ومعصم

стр. 2181

وهو سوارها، وعين وهو نورها، ورأس وهو عينها، ومبسم وهو ثغرها، وكف وهو بنانها، ورمح وهو سنانها، وحسام وهو غرارها، وسماء وهو بدرها، وروض وهو زهرها، وساق وهو قدمها، ذلل لها المستصعبات، وفتح لها المبهمات، وأوضح لها المشكلات، وأضاء لها الظلمات، وأن انتظامها به، وكمال بهجتها بخدمته، وتمام سعادتها بولايته، وأرج نشرها بمظاهرته، وبروز سبقها بمؤازرته. وكان للموفق أبي نهج لمداخلتها، ومفتتح لمراسلتها، لم يفارقه - روض الله مثواه - إلى أن فارق دنياه، فكنت أبا عذرتها، وفاتق أكمتها، وفاتح مرتتجها، وسالك منهجها، فبرزت بين أبناء مغربي في مداخلتها وعرض صاغيتي وخدمتي عليها، وتوفيد مكاتبتي ومراسلتي إليها، في مركبي الذي أعلمته خالا في صفحة البحر، وسويداء في مقلة العصر، ووصلت بمكاتبتي من هو لها كفؤ، ولي ظهير ونشأ، من أبناء أهل الخطر، وذوي الشرف والقدر، ومن له الشيم الهادية، والريح الساكنة، والمناصحة البالغة، فلان، [أحد أبناء الحضرة، وذوي السرو والقدرة] ؛ إلا أن أهل مغربنا مرتضعون العجمة، مدرعون الحشمة، بمصاقبة الثغور الخشنة، ومجاذبة الألسن الثقيلة، وممازجة الأمزجة الكليلة، فمن

стр. 2182

دفع منهم بعد إلى خدمة الخلافة العلية، وجاور الألسنة العضبة، وشافه النفوس الرطبة، وداخل الأمزجة العذبة، وارتقى إلى سماء تلك العزة، فعذره مقبول، وأمره على الاجتهاد الأصيل والاعتقاد النبيل محمول، وما الأقلام وإن مدحت، ولا الأقوال وإن جمحت، ولا الأوصاف وإن سمحت، بمعبرات عما عنده من حسن الصاغية، وخلوص الناحية، والممالأة الصافية، والمناصحة الزاكية، والخدمة الوافية؛ وإن بعد مثواه فلم يبعد من كانت الضمائر وسائله، والرياح رسائله، ولا تكتم النيرات عن حدقه، ولا تنحرف أفلاكها عن أفقه، ولا تتجافى [في] مسالكها عن طريقه. وله من أخرى في مثله: وإن مولى الحضرة العلية لما حمل من تأميلها ما أضاء جوانحه، وارتسم من خدمتها ما أراه سوانحه، فتعرف اليمين باكره ورائحه، وتبين السعد معانقه ومصافحه، تفيأ برود ظلالها، ليدرع برود تشريفها وإيفضالها، ولرتضع حلمات جنابها، ليستدر أخلاف طلابها، واستأمر بخطابها، ليحظى بسني جوابها [١٠٩ أ] ، ووجه من صفوة نظرائه أبا مروان بن نجية، معلما باستئماره، مستظهرا باشعاره، بعد أن صفت نطف سرائره، وتبلجت أزاهر ضمائره، وثريت أرض صلغيته، ونديت

стр. 2183

روض طاعته، وكادت تورق صفاة طرقه، وتعشب حصى أفقه، وتطلع من عزيمته الشمس، وتثمر آماله قبل الغرس، وكاد الجسم يسبق النفس، والناظر يقدم الحس، بصريمة تخلج خلاج المنتوى، وتحتز وداج النوى، عودها نضار لا عرار، وسرها محض لا سمار. وفي فصل من أخرى: حضرة سيدنا - أيده الله - قلائد يروق على نحر الخلافة نظامها، وتخفق على عاتق الثريا أعلامها، تبرئ الأسماع من صممها، وتشفي الصدور من وحرها، وتصح الجسوم من وصبها، وتريح النفوس من نصبها، كما تصك أسماع العدا، وتخلع قلوب من ناوا، وتقض جسم من عصى، وتقطع وريد من اعتدى، فهي حياة وردى، وشهب وقضب، ونجوم ورجوم، لا برحت تمطر الولي ربيعا، والعدو نجيعا، ولا زال سيدنا حسام عاتق الملك، وواسطة ذلك السلك، وخالصة ذلك السبك، فإنه سرى إلي من مآثر حضرته ما أخجل المسك رياه، وكسف الشمس محياه. ولم يحضرني من شعر أبي الأصبغ حين تحرير هذه النسخة إلا هذان البيتان من مرثية في ابنته: انكسفي ويحك يا شمس واره بما ضمنت يا رمس في سر أجفانك لي مقلة وبين أضلاعك لي نفس وابنة أبو عامر: بوادي آش من عمل المرية، ناظم ناثر، ولم يقع

стр. 2184

إلي من شعره ما أجعله سببا إلى ذكره، إلا نتف يسيرة تدل على انطباعه، كدلالة الفجر على انصداعه؛ له: سريت والليل من مسراك في وهل مبرأ العزم من أين ومن كسل وسرت في جحفل يهدي فوارسه سناك تحت الدجى والعارض الهطل هوت أعاديك من سار يؤرقه ركض الجواد وحمل الأمة الفضل إذا الملوك نيام في مضاجعهم مستحسنون بهاء الحلي والحلل لله صومك من أيام فطرهم وما توخيت من وجه ومن عمل نحرت فيه الكماة الصيد محتسبا وحسب غيرك نحر الشاء والابل إذا صرير المدارى هزهم طربا ألهاك عنه صرير البيض والأسل وإن ثنتهم عن الإقدام عاذلة مضيت قدما ولم تأذن إلى العذل كم ضم ذا العيد من ولاه به غزل وأنت تنشد أهل اللهو والغزل: " في الخيل والخافقات البض لي شغل ليس الصبابة والصهباء من شغلي " ظللت يومك لم تنفع به ظمأ وظل رمحك في عل وفي نهل وكلما رامت الروم الفرار أتت من كل أوب وضمتها يد الأجل فصار مقبلهم نهبا ومدبرهم وعاد غانمهم من جملة النفل فكم فككت من الأغلال عن عنق وكم سددت بهذا الفتح من خلل أنت الأمير الذي للمجد همته وللممالك يحميها وللدول وللمواهب أو للخط أنمله ما لم تحن إلى الخطية الذبل

стр. 2185

لمزدلي لواء كان يرفعه مناسب كالضحى والشمس في الحمل الجابرين صدوع المعتفي كرما والكاسرين الظبا في هامة البطل والعادلين عن الدنيا ونضرتها والسالكين على الأهدى من السبل خير التبابغ والأذواء من يمن الغالبين على الآفاق والملل يسود في آخر الأعصار آخرهم وساد أولهم في الأعصر الأول يا أيها المالك المرهوب صولته والمرتجى غوثه في الحادث الجلل من كابد العدم لم يكمل له أمل والعدم من أقطع الأشياء بالأمل فاصفح لعبدك يا مولاه مغتفرا ما كان من خطأ أو منطق خطل وكتبت شافعا: سيدي الأعلى، وعلقي الأغلى، وسراجي الأجلى، ومن أبقاه الله والأمكنة بمساعيه فسيحة، والألسنة بمعاليه فصيحة، موصلة - وصل الله جذلك - حيوان، يصفر كل أوان، ويسفر بين الإخوان، رقيق الحاشية، يعتمد على كرواء، ويستمع بخذواء، وينظر من عين كأنها عين، ويلفظ بمنقار كأنه من قار، يسلي المحزون، بالمقطع والموزون، وينفس عن المكظوم، بالمنثور والمنظوم، مسكي الطيلسان، تولد بين الطائر والإنسان، كما سمعت بسمع الفلاة، وعمرو بن السعلاة، قطع من منابت الربيع، إلى منازل الصقيع، ومن مطالع الزيتون، إلى

стр. 2186

مواقع [١١٠ أ] السحاب الهتون، فصادف من الجليد، ما يذهب قوى الجليد، ومن البرد، ما لا يدفعه الريش والبرد، والحدائق قد غمضت أحداقها، وانحسرت أوراقها، والبطاح قد قيدت الفور، بحبال الكافور، وأوقعت الصرد، في حبائل الصرد، فمني البائس بما لم يعهده، كما وسم بالزور من لم يشهده. ولما فال رأيه، [وأخفق] أو كاد سعيه، التفت إلى عطفه أشمط، وإلى أديمة أرقط، فناح، ثم سوى الجناح، وقد أنكر مزاجه، ونسي ألحانه وأهزاجه، ولا شك أنه واقع بفنائك، راشف من إنائك، آمل حسن غنائك واعتنائك، وأنت بارق ذلك العارض، ورائد ذلك الأنف البارص، تهيئ له حبا، يجزيك عليه ثناء وحبا، وقد تحفظ يا سيدي رسائل، جعلت له وسائل، فسام بها أهل الآداب، سوء العذاب، ودعا البطيء منهم إلى الإهذاب: *وابن اللبون إذا ما لز في قرن * لا زلت منافسا في العلوم، آسيا للأحوال والكلوم، إن شاء الله . وله في أبي محمد الزبير بن عمر، مكن الله سعده، وقد قدم

стр. 2187

مرض وأراد الغزو: صحت بصحة جسمك الأحوال واسترجعت أرواحنا الآمال ووقى الإمارة من وقاك بمنه فسرى إليها السعد والإقبال والتاج بدر للعلا متألق واهتز غصن للندى ميال واعتاد [من] لعد الذبول نضارة واعتاد بعد النقص ذاك كمال لم يثن عزمتك الضنى عن وجهة فيها نكال للعدا وقتال فأخذت بالأثر الصحيح وإنما بيد الإله البرء والاعلال لله أخلاق الزبير فانها للمعتفين الروضة المحلال ومحاسن منه تروق، ببعضها سادت على مر الزمان رجال فمناسب ومفاخر ومعارف وديانة وبسالة ونوال أرجو مساعيه وأما ماله فعليه إن مال الزمان يمال لكتبتها مستعجلا إذ ما تني لا يقتضى بنسيئها استعجال سيكون منه وإن بعدت تخدم يدني المراد، وإن سكت مقال لا زلتما في عزة وسعادة تغشاكما من أجلها الآمال [١١٠ ب] وله في الأمير تاشفين:

стр. 2188

أيا أيها الملك الأعظم أضاء بك الزمن المظلم وزينة منك تلك العلا كما ازدان بالغرة الأدهم أدال الشقاء لنا بالنعيم فينعم من كان لا ينعم وأقبل مستعتبا مثلما تنصل من جرمه المجرم فنشكر نعمى أتانا بها ولا بد أن يشكر المنعم نهضت وحولك لمتونة كما حف بالقمر الأنجم بكل أغر طويل النجاد له المجد والشرف الأقدم يلوذ به البائس المعتفي ويرهبه الفارس المعلم إذا سفروا فهم كالبدر وهم كالأهلة إن لثموا فيا حسنهم إن تجلوا ضحى وقد ركبوا الخيل واستلأموا ومدهم الله من عنده بجند من النصر لا يهزم فحكمهم في الذي أملوا وأظفرهم في الذي يمموا وحلوا بارض العدا فانبرت على كل ناحية صيلم فكل رجالهم قتلوا وكل معاقلهم هدموا كأن الجماجم بذر لهم وسقي الذي بذروه الدم فقل لرئيسهم أين ما حكمت لقد ساء ما تحكم تعاطى الثبوت على زعمه فلم يغن عنه الذي يزعم ورام الفرار فلا مجهل يفر إليه ولا معلم وأضحى ومركوبه أبلق فأمسى ومركوبه أدهم أتى والبنود على رأسه مهانا وتحسبه يكرم

стр. 2189

يصرصر عقبانها فوقه ويصفر من بينها الأرقم لتهنأ هذي الفتوح التي تناسق كالدر إذ ينظم [١١١ أ] على الشرق والغرب من عزها حفيظ ومن حسنها ميسم ولولاه كان السرور الذي أقر العيون بها مأتم رجوت الأمير لعلمي به وما جاهل مثل من يعلم وقلت عسى المحل أن ينجلي ويعقبنا الوابل المثجم فقد يقرب النازح المنتأي وينفتح المغلق المبهم بني تاشفين سلمتم لنا فمهما بنا نسلم وأنت لدين الهدى عصمة بها يحتمي وبها يعصم خلافتكم غير مجهولة وسر إمامتكم تعلم فلو ينطق الله فينا الجماد لناجتك - أعظم بها - زمزم فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي المطرف بن مثنى وهو عبد الرحمن بن أحمد بن صبغون، استوزره المأمون يحيى ابن ذي النون عدة سنين، ورمى إليه بيده، في تدبير بلده، فاستقل بأعباء ما تقلد، وعار ذكره وأنجد.

стр. 2190

قال أبو مروان بن حيان: وكان أبوه أحمد من أبناء أكابر الفقهاء بحضرة قرطبة بعهد الجماعة؛ وكان أبو المطرف عفيفا دمثا طاهرا الأثواب، حلو الشمائل مطلق البشر، متحققا بصناعة الكتابة، بذ أهل وقته في البيان والبلاغة، وكان مع ذلك يحمل قطعة وافرة من علم الحديث وأنواع الفنون، وتوفي ﵀ سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. فصل من رقعة فيها طول لأبي الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي إليه منها: أكال الله بقاء سيدي، وجعل درج المعالي مستقرة تحت قدمه، وسرج مسفرة عن بوارق هممه، وظامئات الأماني روية من لعاب سن قلمه، وعذبات الإقبال منوطة بألوية عزائمه وآرائه، وسطوات الأقدار مربوطة بأروية مآربه وأنحائه، وصب نوب الزمان على حسدته وأعدائه. وفي فصل منها: وقد كانت -[أيدك الله]- رياض أخباره تزهر عندي بنوار الزكية التي هي أشهر من فلق الصباح، وتعبق بمحاسنه الرضية هي أسير في الآفاق من هبوب الرياح [١١١ ب] فتلطف بنوافر الأرواح، حتى كأنها المصافاة بين الماء والراح، فترتع الأسماع

стр. 2191

من نضارتها في مرتع خصيب، وترفل من غضارتها في ثوب من الأنس قشيب، فلله هذه المناقب التي جعلت العين حاسدة للأذن، والفضائل التي حاجزت بين القلب والبدن، فكلما ازدادت بالأخبار بضائعها أرباحا، ازدادت النفوس إلى تبضعها طربا وارتياحا، وكلما ركضت دهمها في ميادين الفضائل مراحا، استفادت بالإحماد غرارا وأوضاحا. ومنها: وكنت مررت ببلاد شموس الفضائل في آفاقها مكسوفة، وعيون العلم والآداب في عرصاتها مطروقة، وستائر الأحرار بين أهلها مهتوكة مكشوفة، وجنباتها بأنواع البلاء محفوفة، وقد نضبت في رباعها مياه الأمانة والأمان، ونبعت بين أهلها عيون الخيانة والبهتان، وضعف حبل الديانة فيهم والإيمان، فجنحوا إلى جحود النعم والكفران، وتوسعوا في مطاوعة الظلم والعدوان، فأبدلهم الله من النور في أحوالهم ظلاما، وبالحلال في مكاسبهم حراما، وخص أسعارهم بالغلاء، وجمعهم بالفناء، ولفيهم بالتشتت والجلاء، وللخراب ما يعمرون، وللقتل ما يلدون، وللنهب ما يجمعون، ولغيرهم ما يكسبون، ﴿وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ (الزمر: ٤٨) ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ (هود: ١٠٢) .

стр. 2192

ركبت جوادا من العزم قلما امتطاه راكب إلا فاز بمبتغاه، وشكر دأب سيره وسراه، ونثلت درعا سابغة من الحزم لم يندم على ادراعها لابس، ولا استثقل حملها من الرجال أخو نجدة ممارس، فكت عني حلق الخدع من الأعداء والمكايد، وحلت دوني عقد الحبائل منهم والمراصد، فخلصت من دواعي احتفالهم خلوص الخمر من نسج الفدام، والشمس من تحت الغمام، ولم أزل أقطع المفاوز مسجورة، وأجزع الطرق مشحونة باللصوص والدعار، أخفي نفسي إخفاء القنفذ رأسه، واكتم حسي كتمان الغراب سفاده. وفي فصل: وأكبرت أن أفارق بلد الأندلس وقد أظهر الله فيه إحدى آياته، الدالة على عظم معجزاته، الناطقة بصحة براهينه وبيناته، بسيدنا المأمون بن ذي النون - أطال الله بقاء سلطانه، وقوى دعائم ملكه وأركانه - الذي أيده الله بعناية بسطت قدرته، وأعلت كلمته، فأضرمت شهاب هيبته فملأت القلوب رعبا، وأذكت بوارق سطوته فاختطفت النفوس شرقا وغربا، ومدت بحار سحائبه [١١٢ أ] فاستملك الرقاب

стр. 2193

عجما وعربا، لأجلوا قذى ناظري ببهي طلعته، وأزين أصغري بتحبير بدائع مدحته؛ وقد كاتبت الحضرة العالية تلويحا بما ذكرته، راغبا في ما اقترحته، من تحسين عرضه بالموقف الأشرف زاده الله شرافة، وتجديد المأثرة في النيابة عني به، وستر عورة إن مرت، وإقالة عثرة إن خطرت. فأجابه ابن مثنى برقعة أيضا فيها طول يقول فيها: وافى كتابك، فحين لحظته تلقيته بيد المقدم، والتزمته التزام المحب المكرم، وقلت عندما استوعبت أنواعه وفنونه، واستوضحت محاسنه وعيونه، وقيد نور لحظي عيانه، وجلا صدأ فؤادي بيانه: هذا السحر الحلال، والعذب الزلال، والدر راق في نظامه، والنور تفتح عن أكمامه، والقطر انهل من غمامه، وهكذا تكون جزالة الأفاضل، وصفاء الموارد والمناهل، وصحة الالتئام والاتفاق، والاطراد والاتساق: فكائن فيه من معنى خطير وكائن فيه من لفظ بهي فنضوت عن منكبي رداء الوقار، واهتززت اهتزاز [المهند بيد] البطل المغوار، ولما استقريت ما حواه، واستوعبت ما طواه، قلت: هذه مكارم الأخلاق، وبدائع أنفاس العراق، وأنحاء ذوي الأفهام والألباب

стр. 2194

ومآخذ أهل الفضل والاحتساء، وقد كان أدهشني ما اخترعت، وعمر فكري ما شرعت، فناديت نفسي وقد استشرفت أؤنبها، ونازعتها وقد شرقت أؤدبها: حذار من زلة القدم، ومأثور الكلم، يا نفس قفي عند مقدارك، وكفي من غلوائك، واعلمي منتهى خطوك، ومدى شأوك، فقد رمت بغداد بأفلاذ كبدها إلينا، وأطلعت نسيج وحده علينا، فأنى لك بمعارضته وقد باهى به على أبنائه الزمن، وخرست في أوصافه وخلاله الألسن، فلا تتمرسي لهذا الألمعي، النقاب، داهية الغبر، وعلم البشر، فما أبعد ما بين العلو والخفض، والسماء والأرض، وأين النور من الظلمة، والإفصاح من العجمة، ورقة الطبع من جفائه، وكدر الجو من صفائه، وكيف مجاراة الكودن للعتيق، ومقارنة التشبيه بالتحقيق -! وكيف نجاريهم، وإنما نحكيهم، وهل نحن - أهل هذه الجزيرة النائية عن خيار الأمم، المجاورة لجماهير العجم - إلا أجدر البرية باللكن، وأولاها بعدم الفطن، وأخلقها بالخرس، وأحقها بغلط الحس -! فلم يقرع سمع ابن من أبناء خاصتنا عند ميلاده، ولا خامر طبع الرضيع منهم في مهده، إلا كلام أمة وكعاء، أعجمية خرقاء، ولا

стр. 2195

ارتضع إلا ثديها، ولا اكتسب إلا عيها، ولا سكن [١١٢ ب] إلا في حجرها، ولا مرن إلا بتدبيرها، حتى إذا صار في عديد الرجال، وانتهى إلى حدود الكمال، باشر طوائف النصرانية فخاطبهم بألسنتهم، وجد في حفظ لغتهم، وعانى طباقهم، وحابد أخلاقهم، أفليس الذكاء مع هذا أبعد من ذكاء عنه - وأما العامة منا فقد انقطع فيها المقال، وصحت المخيلة والخال، فلما قرعتها هذا التقريع، وروعتها، هذا الترويع، عادت إلى الخمود، بعد الوقود، وآلت إلى الفتور والخمول، وعاذت بالنكوس والنزول، قد انفل حدها، وآل سكونا تحريكها وجدها؛ ثم لم أستبد أن أجري في ميدان الرأي جواد نظري، وأرسل في أرض الاختبار رائد فكري، وأرفع عن النفس غطاء الترك، وأخلص الصواب عن الإبريز من السبك، ورأيت ما في التوقف عن مطالعك، من الإخلال بمكارمتك، فرشح جبيني عرقا، وانزعج قلبي تحرقا، فراجعت مخاطبة النفس، ممسكا من وحشتها بطرف من الأنس: إن أبا الفضل سيدي - دامت حياته -، قد ناداني بلسان وداده، وأومأ إلي ببنان اعتقاده، وأطار نحوي طائر الارتياد، فلم يقع مني إلا على ثمرة الفؤاد، وحن إلي حنين الألوف الأليف، وواصلني مواصلة الحليم الحليف، وأهدى إلي نزاعه، وألقى علي بعاعه

стр. 2196

فكيف لي أن أعدل عمن إلي أقبل، وأصدف عمن بي كلف - فعارضتني أشد المعارضة، وناقضتني أبلغ المناقضة، هيهات! لا يبلغ الخصم بالقضم، ولا ينتهي منال الكف إلى مباراة النجم، فاسلك النهج القويم، فمنك من أعتبك، وأخوك من صدقك، فوجدتني بين حالي اضطرار، ليس فيهما لمختار، فإما أن أعتمد المخاطبة، وألتزم المكاتبة، على علاتي، ونبو شباتي، بطبع كليل، وذهن غير صقيل، وإما أن أرفض المراجعة رفض المليم، فأكون عين الجافي الذميم؛ فأنفذت كتابي مبتغيا وجه موافقتك وإرضائك، ومتوخيا مضمون تغمدك وإغضائك، وأنك إن ألفيت حسنا تناهيت في نشره، أو عاينت قبيحا طويته على عره، وبودي أن معتمدي لا يسلط عليه حقيقة نقده، ولا يصرف إليه مرهف حده، وأن يلمحه بأقل لمح، ويسمح فيه أفضل سمح. وأما ما ارجع إليه وينطق لساني به من الإشادة بالشكر، الذي أبغيه سمة في وجه الدهر، والكناية عن العهد الذي هو أثبت من ثبير، وأطيب من الماء النمير، فلو أمكنني أن أوصله إليك على متون الرياح لأوصلت، ولو أتيح لي أن أمثله لك حتى تراه لمثلث، وقد استوفيت ما جال به بيانك الذي عذب منهله ومشربه، وشف جوهره ورف ذهبه، [١١٣ أ] واصفا وصف المستكمل، وموضحا إيضاح المحتفل، وفهمت ما نصصته

стр. 2197

فيما سنت لك عوائد الأيام، من الانتباذ عن الطوائف اللئام، الذين ألبسهم ملابس الملام، وحليتهم بحلى المذام، حتى لشغلت بوصفهم الأفكار، فأوجبت الاستعاذة والاعتبار، وأتيت بأغرب الشنع، في ما أوردت من تلك اللمع، وسردت القول الرفيع سردا، فكأنما نظمت به في جيد الدهر عقدا. وإنك - أعزك الله - لما نمي إليك ما تحملته الركائب، وأثنت به الحقائب، وغمر المسامع، وعمر المشاهد والمجامع، وامتلأت منه الآفاق، ووقع عليه الإصفاق، من محاسن المأمون ذي المجدين التي هي كالنجوم اعتلاء، الصباح انجلاء، والروض بهاء، وأنك شمت من كرم شيمته برق النجاح، وأملت أن تضرب في خدمته بمعلى القداح، أحببت أن ترمي إليه بعزمتك، وتقذف نحوه بهمتك، فتجلو ناظرك، وترهف خاطرك، بمجاورة بحر المنن، وفخر الزمن، وزعيم الأنام، وكريم الأخوال والأعمام، وبديع الأوصاف، وموطأ الأكناف، وأحلم من فرخ الطائر، وأمضى من الحسام الباتر، ومن سجيته الفضل، وسيرته العدل، وقوله الفصل، وحباؤه الجزل، تلوح على وجهه تباشيره، وتتملى الإمامة أساريره، ملاه الله أطول الأعمار، كما حاز له أعظم الفخار، فأرجو أن قد أصبت ثمرة الغراب، وارتدت أزهر الجناب، واجتنيت

стр. 2198

خيار الجنى، ومهدت في موطن العلا، فما أغبطني باختيارك، وأبهجني بدنو مزارك، فما كان سهمك ليمضي إلا بعيدا، وليقع إلا سديدا، وما كان ميزك ليختل، ولا سعيك ليضل، فالمرء مستدل عليه بفعله، واختياره قطعة من عقله، وقد ناديته فأجاب، واستمطرت سحاب بره فاصاب، وتلقاك باليمين، ولأقرك بالمكان المكين، واستطال نحوك الزمان، بل استكثر الساعات والأحيان، وانتظرك غدوا ورواحا، وترقبك مساء وصباحا، وأما الفؤاد فإليك منجذب، وبودك مشرب، ولو استطعت خفضت طرفي فلم أبصر به حتى أراك، شرها إلى لحاقك، وتهالكا على نفيس أخلاقك. قال ابن بسام: ولأبي المطرف، غير ما فصل مستطرف، وقلما يتعطل من حلي البديع، وانحفزت في تحرير هذه النسخة من هذا المجموع، وفاتت [دركي] ، ولم يعلق منه إلا ما كتبت [بشركي] . [فصل] في ذكر الوزير الكاتب أبي عمر القلاس من عليه كتاب الثغر الأعلى - كان -، في ذلك الأوان، [وهو على

стр. 2199

الجملة] ناثر مجيد، ومحسن معدود، في كتاب بني [١١٣ ب] هود، وله ترسيل كثير، معرب عن أدب غزير، وإنشاء ذهب فيه إلى التطويل اقتضبت منه بعض الفصول، تخفيفا للتثقيل، تليق بالكتاب، وتشره إلى مطالعتها أنفس الكتاب. جملة من رسائله في أوصاف شتى فصل له من رقعة عن ابن هود إلى مجاهد أبي الجيش الموفق: نحن وإن قصرنا بالمخاطبة، وأغببنا بالمكاتبة، محافظون على العهد القديم، معترفون بالحق الكريم، معتقدون للفضل العميم، شاكرون لله تعالى على الهبة السنية فيك، والنعمة بك، إلا أنه كدر نعمتنا وصفو المعيشة عندنا، وأقلق دعة النفوس، وشرد وسن العيون، ما ترد به الأنباء من الوحشة الواقعة بينك وبين المنصور - أيدكما الله - مما لو يستطيع الفداء له بكل علق غال، ومعالجة التياثه بكل نفيس عال، لما تأخر عن ذلك أحد، ولا قر على غيره خلد، رغبة في الألفة بينكما، وحرصا على تمام النعمة للمسلمين فيكما، فأنتما فئة الإسلام، وعمدة الأنام، ومتى اضطرب لكما حبل، وانصرم منكما وصل، فشمل الكل شتيت، ووصل الجميع مبتوت، فالله الله في الدين أن يألم بكما، والحرمة أن تذهب بينكما، فالعيون في الصلاح إنما كان سموها إليكما، فما ظنكما

стр. 2200

بالمسلمين وقد أصيبوا في مستقر آمالهم، وجدت الاستحالة حيث كان الرجاء في صلاح أحوالهم -! [وله] من أخرى [عنه إليه] : من استضاء بسراح رأيك المسدد، واستنجح بيمن سعدك المؤيد، واستظهر بنافذ عزمك، وتكثر ببالغ حزمك، واعتضد بخالص إخائك، وأسند إلى صدق وفائك، كان قمينا أن تنجاب عنه ظلم المشكلات، وتنفرج له قحم المعضلات، وتستقل به مراكب النجاح، وتتطلع إليه عواقب الصلاح، ويذل له الصعب الجامح، ويسهل عليه الخطب الفادح، فإنك - والله يبقيك - الميمون النقيبة، الكريم الضريبة، السعيد الجد، المحمود العهد، الذي إن اقتدح زندا أورى، وان اعتمد حدا فرى، وان ود صدق وحقق. وقد فصل: واني منذ استنجحت فيما كنت أحاوله من ذلك الأمر، ببركة سفارتك، واستظهرت عليه بسعادة وساطتك، وضربت مستعصبه بحد مؤازرتك، واقتدت ممتنعه بقوة مظاهرتك، لم أزل أشيم تباشير النجح لائحة، وأتبين مخايل الفلج واضحة، وأجد شدة قيادة تلين، وعز إباية يهون، إلى أن تأتى - بحول الله - الأمل، وأنجح العمل، وأصحب ما كان أبيا، وقرب ما كان قصيا؛ وكان للوزير الكاتب أبي [١١٤ أ] فلان في ذلك المناب الحميد، والسعي الوكيد، الذي سهل به الحزن وقرب البعيد، وكذا يكون [من] ثقفه تأديبك، وأقام

стр. 2201

أود تهذيبك، إذا سفر أصلح، وإذا سعى أنجح، وهذه الحال [لك] أولها وآخرها، وباطنها وظاهرها، فبك اتضح منهاجها، وأضاء سراجها، وبسعيك انفسحت سبلها، وتأتى مؤملها، وارتفعت أعلامها، وتهيأ تمامها، وأنت المسدي لها والملحم، والعاقد لأسبابها المبرم. وله من أخرى: إن أحق الأخبار، بالتحدث عنها والإخبار، وأولاها بأن تثيرها ألسنة التهادي والتناقل، وتنشرها أيدي التكاتب والتراسل، خبر أعرب عن نعمة تعم المسلمين، ومنة ينظم نفعها الدنيا والدين، وأبان عن مسرة وقعت والآمال دون نيلها واقعة، وبشرى طلعت والأحوال عن مثلها دافعة، وكان له من ذاته شاهد يصدقه، وبرهان يحققه، ووضوح يحميه عن أن تعترض عليه شبهة الظنون، وجمال يغنيه عن تكلف التحلية والتزيين، وتلك صفة ما أقصد محادثتك بنعم الله علينا فيه، وأعتمد إهداءه اليك مشروحة جملته موفاة معانيه. وفي فصل: ان أولى النعم بأن يتحدث عنها حديث اعتماد لشكرها، وينبه عليها تنبيه إشادة بقدرها، نعمة خصت الدين، وعمت المسلمين، وأعلت للإسلام يدا، وفتت من الشرك عضدا، وشدت من الإيمان سننا، وأوهت من الكفار ركنا، فإنها موقع العموم

стр. 2202

واقعة، والقريب والبعيد في نفعها جامعة. وله: انه لما كان من شرط من ابتدأ أن يتمم، وسنة من سدى أن يلحم، وحكم من نهج عملا أن يفضي به إلى غايته، وسبيل من أخذ في سعي أن لا يرجع دون نهايته، وجب على فلان - أبقاه الله - أن يتلوم على الحال التي انفرد بفخر تأسيسها وتشييدها، وفرز بحسن منابه في تقريرها وتمهيدها، حتى يستوفي فيها حقائق العمل، ويبرئ منها [جمع] العلل، ويسد من جوانبها دقائق الخلل، إذ كان هو الذي شرع مباديها، وبه انتظم متناثرها، وبلطفه سكن متنافرها، وما زال يسعى أفضل سعي، ويصدع بأجمل رأي، حتى قرر الأمور على أثبت قواعدها، وشد رباط معاقدها، فلما صححها أمن التياثه، وأبرمها إبراما لم يحذر انتكائه، وجب عند أن يقع صدره، ويحين منصرفه، فصدر محتقبا اليك من حقيقة ودي، وطيب ثنائي وحمدي، ما إذا جلاه في معرضه راقك مجتلاه، وإذا أجناه على حسبه عذب عندك جناه، وبه اكتفيت عن مد أطناب [١١٤ ب] القول في الإخبار عن هذا وسواه، فهو بتفضيل جملته لديك جدير، وبها خبير.

стр. 2203

الخبر ببادرة أحمد بن سليمان بن هود فيما كان رامه من الفتك باخيه أبو مروان: وفي رمضان من سنة خمسين وأربعمائة سقط الخبر إلينا بذلك، وكانا اتفقا على الالتقاء طلبا للسلم والكف عن الفتنة، فلما خرجا للمكان المتفق عليه، تكارما في اللقاء وتدانيا دون أحد من أصحابهما، وكلاهما حاسر أعزل، على ما تشارطاه، تمكينا لطمأنينتهما، فتنازعا الكلام فيما جاءوا إليه، فلم يرع يوسف إلا إطلال فارس عليه من ناحية موقف معسكر أخيه أحمد، شاكي السلاح، يبرق سنان رمحه، وإذا بطريق من مستأمنة النصارى الحربيين معه قد واطأه أحمد على الفتك بأخيه، فانقض على يوسف وهو يكلم أخاه، وأحمد يصيح، حتى خالط يوسف وطعنه ثلاث طعنات، وتحت ثوب يوسف درع حصينة كان قد استظهر بلباسها خلال أثوابه أبدا بالحزم، فردت سنان المح عنه، وصاح يوسف نحو أصحابه: " غدرت "!! فابتدروه ونجوا به وقيذا بجراحه، وقد ابتدر أحمد رجاله، واختلط الفريقان اختلاطا قبيحا، كادت تقع بينهم ملحمة، أطفأها أحمد بالبرؤ من العلج لوقته والبدار إلى قتله، ورفع رأسه والنداء عليه، فسكن شغب الفريقين، وانكفأ

стр. 2204

كل إلى وطنه، فعادت حال ابني هود كالذي كانت من التفرق. ورد كتاب يوسف على ابن جهور بقرطبة من إنشاء أبي عمر، يقول فيه بعد الصدر: وبعد، باعدتك الأسواء، فإن حوادث الدهر وصروفه آيات للنبصرين، وفي أحوال ذوي الشرة والفسوق عبرة للمعتبرين، واذا تصفحت منها القريب والبعيد، والمنقضي والجديد، لم أجد في جميعها حالا توازي حال الحب الخبيث، والغدور النكوث، علم دهره فجورا وخترا، ونسيج وحده نفاقا وعذرا، القاطع مني بلؤم أفعاله وشيمه، أسباب قرباه ورحمه، والمتقدم بذميم بغيه وتعديه، إلى صميم أسرته وأدانيه، وهذه صفة لا يخفى مكان الموصوف بها وأنه صاحب سرقسطة - قارضه الله هو أهله، وأبعد مثله وأين لا أين مثله -! -. وقد كانت الأيام أبدت منه أفاعيل مستنشقة شرق ذكرها وغرب، كما [١١٥ أ] أبدع وأغرب، وكادت تكون سمرا للسامرين، وقصصا تتلى في الغابرين، وحاول أمورا مستفظعة مقته فيها الرشيد والغوي، وتبرأ منه الداني والقصي، لم تفده إلا الخزي الذي لا يزال ناظرا من بقائه، ولم تكسه إلا العار الذي لا يراه مباينا باحتفائه، وأبى على ذلك إلا تماديا فيها وإلحافا، وأبت الأقدار غليه إلا إعراضا وإخلافا، فكلما مد بالبغي يدا، أوهن الله بطشها وأيدها، وكلما نصب للمكر جباله هون ختلها وكيدها، فضلا من الله ونعمة، وكفاية لمن توكل عليه وعصمة، وجزاء للباغي بمكره، وقرضا للمتصدي

стр. 2205

بغدره، والله لا يهدي كيد الخائنين، ولا يصلح عمل المفسدين. وكنت قد أبرمت معه بعد ذلك الهنات التي جرت، والشدائد التي انقضت عقدة السلم، فاعتزم صاحب برشلونة على حربه، واستنهضني للدخول في حزبه، ففلت بعد جهد مني حد غربه، واستمرت الحال على أعدل مناهجها، ولم يتعذر مني قط عليه بغية، ولا أبطأت معونة، ولم يزل يقسم لي بإيمانه التي تضج إلى الله من فجوره فيها مشافهة ومكاتبة، بعدها أقسم من قبل به وأشهد أعلام المسلمين عليها، بأنه لا يضمر لي بقية الأيام غائلة، ولا يدخل علي داخلة، وطالت مصانعته لي بزبرج من نفاقه وخداعه، يرف على بهرج من أخلاقه وطباعه، وأنا على ذلك عالم بدخائله وسرائره، مستعيذ بالله من الانطواء على ضمائره، فلما أراد الله أن يفضحه الفضيحة العظمى، ويقنعه بالخزية الكبرى، تقدمت بيننا مقدمات اقتضت لنا الاجتماع، فحركني إلى طرف عمله، وقد كنت آنست منه شرا بنى عليه مع بعض علوج البشاكنة في الفتك بي، فأوصيت إليه ألا يحضرنا أحد منهم، فقلق قلقا صرح به، وأقام مترددا بالثغر يزمع تلك البغية، إلى أن التقينا، وكنت قد استشعرت من سوء الظن بمن هو كصرف الدهر لا أمان منه ولا أغترار به، فأوصيت إلى أصحابي باحتضار سيوفهم، واطراح ما عداها من سلاحهم، ولبست أنا [أيضا] تحت ثيابي درعا حصينة، والتقينا، ثم تجارينا في فنون القول، فإذا

стр. 2206

بفارسين من عبيده قد جمعا رمحيهما في، وثالث قد سبق إلي، يمسك عنان فرسي، إلا [أني] ركضته، فخرج بعتقه، واستل أصحابي عند ذلك سيوفهم، وأدركتهم حفائظهم، فحملوا إلي وفر أولئك عني، واكتفني أصحابي، فانصرفت وبي طعنات قد واقعتني على الذراع لم يعظم بحمد الله كلمها، وانصرف الغادر قد أدحض الله سعيه، وأبطل بغيه، يعض بنانه [١١٥ ب] أسفا، ويقرع سنه ندما، ولا صفقة كصفقته الخاسرة، ولا سوءى كفعلته الفاجرة، فلما وصل إلى بلده أراد ستر الحال بزعمه، وتوهيمها على ما جرى في وهمه، فأشاع أن النصارى الذين كانوا معه أرادوا غدري وغدره، وخرق في ثيابه خرقا زعم أنه أثر رمح أشرع إليه، فكان اعتذاره بهذا العذر زائدا في ذنبه، وإتيانه بهذا البهت الظاهرة مادة لجرمه، وهيهات أن يخفى ما شهر، أو يجوز ما زور، وما حليمة بسر، ولا على وجه النهار من ستر. فرأيت مساهمة الأولياء والحلفاء بصفة الحال، وعرضها من المبدأ لتعرض ما وصفته على حسن نظرك، وتعبيره بصدق تدبرك، فتزن مؤثر هذه الحال بوزنه، وتقدر محتقب شرها بقدره، والله قبل وبعد أعدل من قضى وحكم، وأحق من أثاب وانتقم، وهو تبارك اسمه المستعدى على من اعتدى وظلم.

стр. 2207

فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي عبد الله محمد بن مسلم آية الزمن، ونهاية الفطنة واللسن، نفث بالسحر، واغترف من البحر، ونظم الدرر بلألاء من الدر. ولم أظفر عند وضعي هذا الديوان، بشيء مما له من الاحسان، إلا بفصول من رسائل، سماها " طي المراحل " سبق في ميدانها عفوا، وتصرف بين حسنها وإحسانها تصرفا حاوا، وقد اقتبضت من فصولها ما يشهد بتفصيلها، وحذفت سائرها لطولها، دللت بها على فضل منشيها، دلالة الشمس على ما يليها. فصول له من تلك الرسائل خاطب بها أغلب صاحب ميورقة فصل منها: إن أغببت على بعد الديار مكاتبتك، وأقللت مع شحط المزار مخاطبتك، فإني أخاطبك بلسان وداد، وأناجيك فؤادا

стр. 2208

لفؤاد، وإنما يتخاطب أهل بعد المكان، ويتكاتب ذوو النأي عن العيان، وأنت في الضمير جائل، فما تزيد الرسائل - وبين الجفون ماثل، فما تفيد الوسائل - لكن العين لا تبرأ من الأرق، حتى تطبق مستقرها على الحدق، والنفس لا تهدأ من القلق، حتى تجمع شطريها إلى أفق، فلهذا يجب على الصديق تأكيد العهد، ولو باهداء السلام، إذا لم يستطع على الإلمام، وتجديد الود بالكتاب، إذا لم يطق المفاوضة على الخطاب، لكن قد يأتي من عوائق الزمان، وعوارض الحدثان، ما يحول [١١٦ أ] بين المرء وقلبه، حتى يسهو في مثوله للصلاة بين يدي ربه، فلا يدري أثنتين صلى الضحى أم ثماني، وأياما شهد التشريق أم ليالي. وفي فصل: وليت زمانا فرغ للقائك، وأوانا بلغ إلى تلقائك، حتى أبرد نفسي بمحاضرتك، وأجدد أنسي بمذاكرتك، ولكني بين حل وترحال، ورجوع وإقبال، لا يجعلان إلى أمنية سبيلا، ولا يوجدان إلى مأربه وصولا؛ ولعلك - أيها الفاضل - ممن يظن هذه الأسفار فرجة، ويخال لها بهجة، وكيف والسفر قطعة من العذاب، والمسافر ومتاعه على فلت الذهاب، وان اتفقت مع ذلك فترة تستدمن، وبدرة تستحسن، فإنما هي كراحة المحتضر، ودرة المستبحر، ولا بد مع الخواطي من سهم صائب، وعند جفوف جانب من خضرة جانب، ولي منذ أجول

стр. 2209

البلاد، وأجوب الصخر بالود، ما يزيد على عشر حجج نصفها، وعلى سبعة أعوام ضعفها، لم ألق إلا يوما يجعل الولدان شيبا، والجبال كثيبا مهيلا، وإن شئت أن أقصص عليك من نبأي قصصا، وأضرب لك من بعض أسفاري مثلا، ففزغ لي ذهنك، وأصغ إلي أذنك، حتى تسمع من أحوال صديقك ما يفلح ويثلج، ويغم ثم يبهج، فقد أودعت كتابي هذا نبذا مما لقيته في سفري، كان من خبري: لما صفا الحصن الفلاني إلى من أيده الله أجلب عليه المقتدر بخيله ورجله، وأحدق حوله بضبطه ومنعه، حتى صار كالسماء ملئت حرسا شديدا وشهبا ﴿فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا﴾ (الجن: ٩) فدعا إقبال الدولة إخوانه لإنجاده، ونادى حلفاءه لإمداده، فاستغشوا بأردانهم، وجعلوا أصابعهم في آذانهم، وعوضوا من عونه في إصلاح ذات البين، والحصن في أثناء ذلك قد اشتد وثاقه، وضاق خناقه، حتى أيقن أهله بالهلكة، وكادوا يلقون بأيديهم إلى التهلكة، فلما رأى انه ربما أودى العليل قبل أن يؤتى الشفاء، ويهلك المريض قبل أن يركب الدواء، وعلم أن الليث لا يقتبس إلا زنده، ولا يفترس إلا وحده، وفي كفه أنصاره، وفي شدقه شفرته وناره، أقام للزحف أعلامه، وجعل أمامه، فنصر بالرعب، وفر عدوه قبل الحرب.

стр. 2210

وفي فصل منها: وحسبنا أن يكون من أصحاب المشئمة، فتواصينا بالصبر والمرحمة، وتذكرنا قوله تعالى ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسرم لك من أصحاب اليمين﴾ (الواقعة: ٩٠، ٩١) فأخذنا يمنة الطريق، وتيممنا أويولة على الفج العميق، فإذا بصماء منه قد انكدرت فأمطرت علينا حجارة من سجيل، كادت تجعلنا [١١٦ ب] كعصف مأكول، فقوم شدخت رؤوسهم، وقوم ضمت عليهم رموسهم، كأنهم كانوا بقية من اًصحاب الفيل، أو نفاية من قوم لوط. فجئنا فلانة، وقد سد بابها، ونام بوابها، والسيل قد طمى، يحمل غثاء أحوى، فلم تشك القلوب أن نفوسنا ذائقة الموت، حتى إذا بلغت النفوس التراق، والتفت الساق بالساق، وقيل من راق وأشعر صاحب الحصن بمكاني، وقص عليه شاني، فأمر بفتح باب المدينة، وآواني إلى دار حصينة، وتقدم بالضرام فأجج، وبالطعام فروج، وبالمدام فشب وأسرج، وقلنا ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴿ (فاطر: ٣٤) وكفانا المحن. وفي فصل منها: ثم نفذت لطيتي، وقرنت بالعمل نيتي، في هواء سجسج، وأفق متبلج، حتى جئت المرية، وكان عهدي بها
следующие страницы →