← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تكلفتها والليل قد جاش بحره ... وقد جعلت أمواجه تتكسر ومن تحت حضي أبيض ذو سفاسق ... وفي الكف من عسالة الخط أسمر هما صاحباي من لدن كنت يافعاً ... مقيلان من جد الفتى حين يعثر فذا جدول في الغمد تسقى به المنى ... وذا غصن في الكف يجنى فيثمر فلما انتهيت تأملني عتيبة ثم قال: اذهب فقد أجزتك. وغاب عنا. فقال لي زهير: من تريد بعد - قلت: صاحب طرفة. فجزعنا وادي عتيبة، وركضنا حتى انتهينا إلى غيضة شجرها شجران: سام يفوح بهاراً، وشحر يعبق هندياً وغاراً. فرأينا عيناً معينةً تسيل، ويدور ماؤها فلكياً ولا يحول. فصاح زهير: يا عنتر بن العجلان، حل بك زهير وصاحبه، فبخولة وما قطعت معها من ليلة، إلا ما عرضت وجهك لنا! فبدا إلينا راكب جميل الوجه، قد توشح السيف، واشتمل عليه كساء خز، وبيده خطي، فقال: مرحباً بكما! واستنشدني فقلت: الزعيم أولى بالإنشاد، فأنشد: لسعدى بحزان الشريف طلول ... حتى أكملها، فأنشدته من قصيدة:

стр. 247

أمن رسم دارٍ بالعقيق محيل ... حتى انتهيت إلى قولي: ولما هبطنا الغيب نذعر وحشه ... على كل خوار العنان أسيل وثارت بنات الأعوجيات بالضحى ... أبابيل من أعطاف غير وبيل مسومة نعتدها من خيارها ... لطرد قنيص أو لطرد رعيل [إذا ما تغنى الصحب فوق متونها ... ضحياً أجابت تحتهم بصهيل] ندوس بها أبكار نور كأنه ... رداء عروسٍ أوذنت بحليل رمينا بها عرض الصوار فأقعصت ... أغن قتلناه بغير قتيل وبادر أصحابي النزول فأقبلت ... كراديس من غض الشواء نشيل نمسح بالحوذان منه أكفنا ... إذا ما اقتنصنا منه غير قليل فقلنا لساقيها أدرها سلافةً ... شمولاً ومن عينيك صرف شمول فقام بكأسيه مطيعاً لأمرنا ... يميل به الإدلال كل مميل وشعشع بكأسيه مطيعاً لأمرنا ... برأس كريمٍ منهم وتليل إلى أن ثناهم راكدين لما احتسوا ... خليعين من بطش وفضل عقول نشاوى على الزهراء صرعى كأنهم ... أساطين قصر أو جذوع نخيل فصاح عنتر: لله أنت، اذهب مجاز. وغاب عنا.

стр. 248

ثم ملنا عنه فقال لي زهير: إلى من تتوق نفسك بعد من الجاهلين - قلت: كفاني من رأيت؛ اصرف وجه قصدنا إلى صاحب أبي تمام؛ فركضنا ذات اليمين حيناً، ويشتد في أثرنا فارس كأنه الأسد، على فرس كأنها العقاب، وهو في عدوه ذلك ينشد: طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائرٍ ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها فاستربت منه، فقال ي زهير: لا عليك، هذا أبو الخطار صاحب قيس بن الخطيم. فاستبى لبي من إنشاده البيت، وازددت خوفاً لجرأته وأننا لم نعرج عليه؛ فصرف إليه زهير وجه الأدهم، وقال: حياك الله أبا الخطار، فقال: أهكذا يحاد عن أبي الخطار ولا يخطر عليه. قال: علمناك صاحب قنص، وخفنا أن نشغلك. فقال لي: أنشدنا يا أشجعي، وأقسم أنك إن لم تجد ليكونن يوم شر؛ فأنشدته قولي من قصيدة: منازلهم تبكي إليك عفاءها ... ومنها: خليلي عوجا بارك الله فيكما ... بدارتها الأولى نحي فناءها فلم أر أسراباً كأسرابها الدمى ... ولا ذئب مثلي قد رعى ثم شاءها

стр. 249

ولا كالضلال كان أهدى لصبوتي ... ليالي يهديني الغرام خباءها وما هاج هذا الشوق إلا حمائم ... بكيت لها سمعت بكاءها عجبت لنفسي كيف ملكها الهوى ... وكيف استفز الغانيات إباءها - ولو أنني أنحت علي أكارم ... ترضيت بالعرض الكريم جزاءها ولكن جرذان الثغور رمينني ... فأكرمت نفسي أن تريق دماءها إليك أبا مروان ألقيت رابياً ... بحاجة نفس ما حربت خزاءها هززتك في نصري ضحى فكأنني ... هززت - وقد جئت الجبال - حراءها نقضت عرى عزم الزمان وإن عتا ... بعزمة نفسٍ لا أريد بقاءها فلما انتهيت تبسم وقال: لنعم ما تخلصت! اذهب فقد أجزتك. ثم انصرفنا وركضنا حتى انتهينا إلى شجرة غيناء، يتفجر من أصلها عين كمقلة حوراء. فصاح زهير: يا عتاب بن حبناء، حل بك زهير وصاحبه، فبعمرو والقمر الطالع، وبالرقعة المكفوفة الطابع، إلا ما أريتنا وجهك! فانفلق ماء العين عن وجه فتى كفلقة القمر، ثم اشتق الهواء صاعداً إلينا من قعرها حتى استوى معنا. فقال حياك الله يا زهير، وحيا صاحبك! فقلت: وما الذي أسكنك قعر هذه العين يا عتاب - قال: حيائي من التحسن باسم الشعر وأنا لا أحسنه. فصحت: ويلي منه، كلام محدث ورب الكعبة؛ واستنشدني فلم أنشده إجلالاً له، ثم أنشدته: [أبكيت إذا ظعن الفريق فراقها ...

стр. 250

حتى انتهيت فيها إلى قولي] : إني امرؤ لعب الزمان بهمتي ... وسقيت من كأس الخطوب دهاقها وكبوت طرفاً في العلا فاستضحكت ... حمر الأنام فما تريم نهاقها وإذا ارتمت نحوي المنى لأنالها ... وقف الزمان لها هناك فعاقها وإذا أبو يحيى تأخر نفسه ... فمتى أؤمل في الزمان لحاقها - فلما انتهيت قال: أنشدني من رثائك. فأنشدته: [أعينا امرءاً نزحت عينه ... ولا تعجبا من جفون جماد إذا القلب أحرقه بثه ... فإن المدامع شلو الفؤاد] يود الفتى منهلاً خالياً ... وسعد المنية في كل واد [ويصرف للكون ما في يديه ... وما الكون إلا نذير الفساد] لقد عثر الدهر بالسابقي ... ن ولم يعجز الموت ركض الجواد لعمرك ما رد ريب الردى ... أريب ولا جاهد باجتهاد

стр. 251

[سهام المنايا تصيب الفتى ... ولو ضربوا دونه بالسداد] أصبن على بطشهم جرهماً ... وأصمين في دارهم قوم عاد وأقعصن كلباً على عزه ... فما اعتز بالصافنات الجياد إلى أن انتهيت فيها إلى قولي: ولكنني خانني معشري ... وردت يفاعاً وبيل المراد وهل ضرب السيف من غيرٍ كفٍ - ... وهل ثبت الرأس في غير هاد - فقال: زدني من رثائك وتحريضك، فأنشدته: أفي كل عام مصرع لعظيم - ... أصاب المنايا حادثي وقديمي هوى قمرا قيس بن عيلان آنفاً ... وأوحش من كلب مكان زعيم فكيف لقائي الحادثات إذا سطت ... وقد فل سيفي منهم وعزيمي - وكيف اهتدائي في الخطوب إذا دجت ... وقد فقدت عيناي ضوء نجوم - مضى السلف الوضاح إلا بقيةً ... كغرة مسود القميص بهيم

стр. 252

ومنها: رميت بها الآفاق عني غريبةً ... نتيجة خفاق الضلوع كظيم لأبدي إلى أهل الحجى من بواطني ... وأدلي بعذرٍ في ظواهر لوم أنا السيف لم تتعب به كف ضاربٍ ... صروم إذا صادفت كف صروم سعيت بأحرار الرجال فخانني ... رجال ولم أنجد بجد عظيم وضيعني الأملاك بدءاً وعودةً ... فضعت بدارٍ منهم وحريم فقال: إن كنت ولابد قائلاً، فإذا دعتك نفسك إلى القول فلا تكد قريحتك، فإذا أكملت فجمام ثلاثة لا أقل، ونقح بعد ذلك، وتذكر قوله: وجشمني خوف ابن عفان ردها ... فشقفتها حولاً كريتاً ومربعا وقد كان في نفسي عليها زيادة ... فلم أر إلا أن أطيع وأسمعا وما أنت إلا محسن على إساءة زمانك. فقبلت على رأسه، وغاص في العين. ثم قال لي زهير: من تريد بعده - قلت: صاحب أبي نواس، قال: هو بدير حنة منذ أشهر، قد غلبت عليه الخمر، ودير حنة في ذلك الجبل.

стр. 253

وعرضه علي، فإذا بيننا وبينه فراسخ، فركضنا ساعةً، وجزنا في ركضنا بقصرٍ عظيم قدامه ناورد يتطارد فيه فرسان، فقلت: لمن هذا القصر يا زهير - قال: لطوق بن مالك؛ وأبو الطبع صاحب البحتري في ذلك الناورد فهل لك في أن تراه - قلت: ألف هل، إنه لمن أساتيذي، وقد كنت أنسيته. فصاح: يا أبا الطبع، فخرج إلينا فتىً على فرس أشعل، وبيده قناة، [فقال له زهير: إنك مؤتمنا، فقال: لا، صاحبك أشمخ مارناً من ذلك لولا أنه ينقصه؛ قلت: أبا الطبع على رسلك، إن الرجال لا تكال بالقفزان، أنشدنا من شعرك] . فأنشد: ما على الركب من وقوف الركاب ... حتى أكملها، ثم قال: هات إن كنت قلت شيئاً، فأنشدته: هذه دار زينبٍ والرباب ... حتى انتهيت فيها إلى قولي: وارتكضنا حتى مضى الليل يسعى ... وأتى الصبح قاطع الأسباب فكأن النجوم في الليل جيش ... دخلوا للكمون في جوف غاب وكأن الصباح قانص طير ... قبضت كفه برجل غراب

стр. 254

ومنها: وفتو سروا وقد عكف اللي ... ل وأرخى مغدودن الطناب وكأن النجوم لما هدتهم ... أشرقت للعيون من آدابي يتقرون جوز كل فلاة ... جنح ليلٍ جوزاؤه من ركاب عن ذكري لمدلجيهم فتاهوا ... من حديثي في عرض أمر عجاب همة في السماء تسحب ذيلاً ... من ذيول العلا وجد كابي ولو أن الدنيا كريمة نجرٍ ... لم تكن طعمة لفرس الكلاب جيفة أنتنت فطار إليها ... من بني دهرها فراخ الذباب ومنها يفخر: من شهيد في سرها ثم من أش ... جع في السر من لباب اللباب خطباء الأنام إن عن خطب ... وأعاريب في متون عراب حتى أكلمتها، فكأنما غشى وجه أبي الطبع قطعة من الليل، وكر راجعاً إلى ناورده دون أن يسلم. فصاح به زهير: أأجزته - قال: أجزته، لا بورك فيك من زائر، ولا في صاحبك أبي عامر. [فضرب زهير الأدهم بالسوط، فسار بنا في قنته] ، وسرنا

стр. 255

حتى انتهينا إلى أصل جبل دير حنة، فشق سمعي قرع النواقيس، فصحت: من منازل أبي نواس، ورب الكعبة العلياء؛ وسرنا نجتاب أدياراً وكنائس وحانات، حتى انتهينا إلى دير عظيم تعبق ورائحه، وتصوك نوافحه. فوقف زهير ببابه وصاح: سلام على أهل دير حنة! فقلت لزهير: أو هل صرنا بذات الأكيراح - قال: نعم. وأقبلت نحونا الرهابين، مشددة بالزنانير، قد قبضت على العكاكيز، بيض الحواجب واللمحى، إذا نظروا إلى المرء استحيا، مكثرين للتسبيح، عليهم هدي المسيح؛ فقالوا: أهلاً بك يا زهير من زائر، وبصاحبك أبي عامر، ما بغيتك - قال: حسين الدنان. قالوا: إنه لفي شرب الخمرة، منذ أيام عشرة، وما نراكما منتفعين به. فقال: وعلى ذلك. ونزلنا وجاءوا بنا إلى بيت قد اصطفيت دنانه، وعكفت غزلانه، وفي فرجته شيخ طويل الوجه والسبلة، قد افترش أضغاث زهر، واتكأ على زق خمر، وبيده طرجهارة، وحواليه صبية كأظب تعطو إلى عرارة. فصاح به زهير: حياك الله أبا الإحسان! فجاوب بجوابٍ لا يعقل لغلبة الخمر عليه. فقال لي زهير: اقرع أذن نشوته بإحدى

стр. 256

خمرياتك، فإنه ربما تنبه لبعض ذلك، فصحت أنشد من كلمةٍ لي طويلة: ولرب حان قد أدرت بديره ... خمر الصبا مزجت بصفو خموره في فتية جعلوا الزقاق تكاءهم ... متصاغرين تخشعاً لكبيره وإلى علي بطرفه وبكفه ... فأمال من رأسي لعب كبيره وترنم الناقوس عند صلاتهم ... ففتحت من عيني لرجع هديره يهدي إلينا الراح كل معصفرٍ ... كالخشف خفره التماح خفيره فصاح من حبائل نشوته: أأشجعي - قلت: أنا ذاك، فاستدعى ماءً قراحاً، فشرب منه وغسل وجهه، فأفاق واعتذر إليّ من حاله، فأدركتني مهابته، وأخذت في إجلاله، لمكانه من العلم والشعر. فقال لي: أنشد، أو حتى أنشدك - فقلت: إن ذلك لأشد لتأنيسي، على أنه ما بعدك لمحسنٍ إحسان، فأنشد: يا دير حنة من ذات الأكيراح ... من يصح عنك فإني لست بالصاحي يعتاده كل محفوف مفارقه ... من الدهان عليه سحق أمساح

стр. 257

لا يدلفون إلى ماءٍ بآنيةٍ ... إلا اعترافاً من الغدران بالراح فكدت والله أخرج من جلدي طرباً. ثم أنشد: طرحتم من الترحال أمراً فغمنا ... وأنشد أيضاً: لمن دمن تزداد طيب نسيم ... على طيب ما أقوت وحسن رسوم تجافى البلى عنهن حتى كأنما ... لبسن من الإقواء ثوب نعيم واستمر فيها حتى أكملها. ثم قال لي: أنشد. فقلت: وهل أبقيت للإنشاد موضعاً - قال: لابد لك، وأوعث بي لا تنجد. فأنشدته: أصفيح شيم أم برق بدا ... أم سنا المحبوب أورى أزندا هب من مرقده منكسراً ... مسبلاً للكم مرخٍ للردا يمسح النعسة من عيني رشا ... صائد في كل يوم أسدا قلت: هب لي يا حبيبي قبلةً ... تشف من عمك تبريح الصدى

стр. 258

فانثنى يهتز من منكبه ... قائلاً: لا؛ ثم أعطاني اليدا كلما كلمني قبلته ... فهو إما قال قولاً رددا كاد أن يرجع من لثمي له ... وارتشافي الثغر منه أدردا قال لي يلعب: خذ لي طائراً ... فتراني الدهر أجري بالكدا [وإذا استنجزت يوماً وعده ... قال لي يمطل: ذكرني غدا] شربت أعطافه خمر الصبا ... وسقاه الحسن حتى عربدا وإذا بت به في روضةٍ ... أغيداً يقرو نباتاً أغيدا قام في الليل بجيدٍ أتلعٍ ... ينفض اللمة من دمع الندى رشأ بل غادة ممكورة ... عممت صبحاً بليل أسودا أححت من عضتي في نهدها ... ثم عضت حر وجهي عمدا فأنا المجروح من عضتها ... لا شفاني الله منها أبدا فلما انتهيت قال: لله أنت، وإن كان طبعك مخترعاً منك. ثم قال لي: أنشدني من رثائك شيئاً، فأنشدته من قولي في بنيةٍ صغيرة:

стр. 259

[أيها المعتد في أهل النهى ... لا تذب إثر فقيد ولها حتى انتهيت إلى قولي] : وإذا الأسد حمت أغيالها ... لم يضر الخيس صرعات المها وغريب يا ابن أقمار العلا ... أن يراع البدر من فقد السها فلما انتهيت قال لي: أنشدني من رثائك أشد من هذا وأفصح. فأنشدته من رثائي في ابن ذكوان؛ ثم قال: أنشدني جحدريتك من السجن، فأنشدته: قريب بمحتل الهوان بعيد ... حتى انتهيت فيها إلى قولي: فإن طال ذكري بالمجون فإنني ... شقي بمنظوم الكلام سعيد وهل كنت في العشاق أول عاشقٍ ... هوت بحجاه أعين وخدود

стр. 260

وفمن مبلغ الفتيان أني بعدهم ... مقيم بدار الظالمين طريد لست بذي قيد يرق وإنما ... على اللحظ من سخط الإمام قيود فبكى لها طويلاً ثم قال: أنشدني قطعةً من مجونك، فقد بعد عهدي بمثلك، فأنشدته: وناظرة تحت طي القناع ... دعاها إلى الله والخير داعي سعت بابنها تبتغي منزلاً ... لوصل التبتل والإنقطاع فجاءت تهادى كمثل الرؤوم ... تراعي غزالاً بأعلى يفاع أتتنا تبختر في مشيها ... فحلت بوادٍ كثير السباع وريعت حذاراً على طفلها ... فناديت: يا هذه لا تراعي! فولت وللمسك من ذيلها ... على الأرض خط كظهر الشجاع فلما سمع هذا البيت قام يرقص به ويردده، ثم أفاق، ثم قال: هذا والله شيء لم نلهمه نحن؛ ثم استدناني فدنوت منه فقبل بين عيني، وقال: اذهب فإنك مجاز على بظر أم الكاره. فانصرفنا عنه وانحدرنا من الجبل، فقال لي زهير: ومن تريد بعد

стр. 261

قلت له: خاتمة القوم صاحب أبي الطيب، فقال: اشدد له حيازيمك، وعطر له نسيمك، وانثر عليه نجومك. وأمال عنان الأدهم إلى طريقٍ، فجعل يركض بنا، وزهير يتأمل آثار فرسٍ لمحناها هناك؛ فقلت له: ما تتبعك لهذه الآثار - قال: هي آثار فرس حارثة بن نعمان المغلس صاحب أبي الطيب، وهو صاحب قنص. فلم يزل يتقراها حتى دفعنا إلى فارسٍ على فرس بيضاء كأنه قضيب على كثيب، وبيده قناة قد أسندها إلى عنقه، وعلى رأسه عمامة حمراء، قد أرخى لها عذبةً صفراء. فحياه زهير، فأحسن الرد ناظراً من مقلة شوساء، قد ملئت تيهاً وعجباً. فعرفه زهير قصدي وألقى إليه رغبتي. فقال: بلغني أنه يتناول، قلت: للضرورة الدافعة، وإلا فالقريحة غير صادعة، والشفرة غير قاطعة، قال: فأنشدني، وأكبرته أن أستنشده، فأنشدته قصيدتي التي أولها: أبرق بدا أن لمع أبيض قاصل ... حتى انتهيت فيها إلى قولي: تردد فيها البرق حت حسبته ... يشير إلى نجم الربى بالأنامل ربى نسجت أيدي الغمام للبسها ... غلائك صفراً فوق بيض غلائل سهرت بها أرعى النجوم وأنجماً ... طوالع للراعين غير أوافل وقد فغرت فاها بها كل زهرةٍ ... إلى كل ضرعٍ للغمامة حافل

стр. 262

ومرت جيوش المزن رهواً كأنها ... عساكر زنجٍ مذهبات المناصل وحلقت الخضراء في غر شهبها ... كلجة بحرٍ كللت باليعالل تخال بها زهر الكواكب نرجساً ... على شط وادٍ للمجرة سائل وتلمح من جوزائها في غروبها ... تساقط عرش واهن الدعم مائل وتحسب صقراً وافعاً دبرانها ... بعش الثريا فوق حمر الحواصل وبدر الدجى فيها غديراً وحوله ... نجوم كطلعات الحمام النواهل كأن الدجى همي ودمعي نجومه ... تحدر إشفاقاً لدهر الأراذل هوت أنجم العلياء إلا أقلها ... وغبن بما يحظى به كل عاقل وأصبحت في خلفٍ إذا ما لمحتهم ... تبينت أن الجهل إحدى الفضائل وما طاب في هذي البرية آخر ... إذا هو لم ينجد بطيب الأوائل أرى حمراً فوق الصواهل جمةً ... فأبكي بعيني ذل تلك الصواهل وربت كتاب إذا قيل: زوروا ... بكت من تأنيهم صدور الرسائل وناقل فقه لم ير الله قلبه ... يظن بأن الدين حفظ المسائل وحامل رمح راح فوق مضائه ... به كاعباً في الحي ذات مغازل حبوا بالمنى دوني وغودرت دونهم ... أرود الأماني في رياض الأباطل وما هي إلا همة أشجعية ... ونفس أبت لي من طلاب الرذائل وفهم لو البرجيس جئت بجده ... إذاً لتلقاني بنحس المقاتل

стр. 263

ولما طما بحر البيان بفكرتي ... وأغرق قرن الشمس جداولي رحلت إلى خير الورى كل حرةٍ ... من المدح لم تخمل برعي الخمائل وكدت لفضل القول أبلغ ساكتاً ... وإن ساء حسادي مدى كل قائل فلما انتهيت قال: أنشدني أشد من هذا، فأنشدته قصيدتي: هاتيك دارهم فقف بمعانها ... فلما انتهيت قال لزهير: إن امتد به طلق العمر، فلابد أن ينفث بدرر، وما أراه إلا سيختصر، بين قريحة كالجمر، وهمة تضع أخمصه على مفرق البدر. فقلت: هلا وضعته على صلعة النسر -! فاستضحك إليّ وقال: اذهب فقد أجزتك بهذه النكتة. فقلبت على رأسه وانصرفنا. قال لي زهير: من تريد بعده - فقلت: مل بي إلى الخطباء، فقد قضيت وطراً من الشعراء. فركضنا حيناً طاعنين في مطلع الشمس ولقينا فارساً أسر إلى زهير، وانجزع عنا. فقال لي زهير: جمعت لك خطباء الجن بمرج دهمان، وبيننا وبينهم فرسخان، فقد كفيت العناء إليهم على انفرادهم. قلت: لم ذاك - قال: للفرق بين كلامين اختلف فيه فتيان الجن. وانتهينا إلى المرج فإذا بناد عظيم، قد جمع كل زعيم، فصاح زهير: السلام على فرسان الكلام، فردوا وأشاروا بالنزول، فأفرجوا حتى صرنا مركز هالة مجلسهم، والكل منهم ناظر إلى شيخ أصلع، جاحظ العين

стр. 264

اليمنى. على رأسه قلنسوة بيضاء طويلة. فقلت سراً لزهير: من ذلك - قال: عتبة بن أرقم صاحب الجاحظ، وكنيته أبو عتيبة؛ قلت: بأبي هو! ليس رغبتي سواه، وغير صاحب عبد الحميد. قال لي: إنه ذلك الشيخ الذي إلى جنبه؛ وعرفه صغوي إليه وقولي فيه، فاستدناني وأخذ في الكلام معي، فصمت أهل المجلس، فقال: إنك لخطيب، وحائك للكلام مجيد، لولا أنك مغرى بالسجع، فكلامك نظن لا نثر. فقلت في نفسي: قرعك - بالله - بقارعته، وجاءك بمماثلته. ثم قلت له: ليس هذا - أعزك الله - مني جهلاً بأمر السجع، وما في المماثلة والمقابلة من فضل، ولكني عدمت ببلدي فرسان الكلام [ودهيت بغباوة أهل الزمان، وبالحرا أن أحركهم بالازدواج. ولو فرشت للكلام] فيهم طولقا، وتحركت لهم حركة مشولم، لكان أرفع لي عندهم، وأولج في نفوسهم، فقال: أهذا على تلك المناظر، وكبر تلك المحابر، وكمال تلك الطيالس - قلت: نعم، إنها لحاء الشجر، وليس ثم ثمر ولا عبق. قال لي: صدقت، إني أراك قد ماثلت معي. قلت: كما سمعت. قال: فكيف كلامهم بينهم - قلت: ليس

стр. 265

لسيبويه فيه عمل، ولا للفراهيدي إليه طريق، ولا للبيان عليه سمة. إنما لكنة أعجمية يؤدون بها المعاني تأدية المجوس والنبط. فصاح: إنا لله، ذهبت العرب وكلامها! ارمهم يا هذا بسجع الكهان، فعسى أن ينفعك عندهم، [ويطير لك ذكراً فيهم، وما أراك مع ذلك إلا ثقيل الوطأة عليهم، كريه المجيء إليهم] ، فقال الشيخ الذي إلى جانبه، وقد علمت أنه صاحب عبد الحميد، ونفسي مرتقبة إلى ما يكون منه: لا يغرنك منه أبا عيينة ما تكلف لك من المماثلة، إن السجع لطبعه، وإن ما أسمعك كلفة، ولو امتد به طلق الكلام، وجرت أفراسه في ميدان البيان، لصلى كودنه، وكل برثنه. وما أراه إلا من اللكن الذين ذكر، وإلا فما للفصاحة لا تهدر، وللأعرابية لا تومض - فقلت في نفسي: طبع عبد الحميد ومساقه ورب الكعبة؛ فقلت له: لقد عجلت أبا هبيرة - وقد كان زهير عرفني بكنيته - إن قوسك لنبع، وإن ماء سهمك لسم، أحماراً رميت أم إنساناً، وقعقعة طلبت أم بياناً - وأبيك إن البيان لصعب، وإنك منه لفي عباءة تتكشف عنها أستاه معانيك، تكشف است العنز عن ذنبها. الزمان دفء لا قر، والكلام عراقي لا شامي. إني لأرى من دم اليربوع بكفيك، وألمح من كشى الضب على ما ضغيك. فتبسم إليّ وقال: أهكذا يا أطيلس، تركب لكل نهجه، وتعج إليه عجه - فقلت: الذئب

стр. 266

أطلس، وإن التيس ما علمت؛ فصاح به أبو عيينة: لا تعرض له، وبالحرا أن تخلص منه. فقلت: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام! فقال: إنها كافية لو كان له حجر؛ فبسطاني وسألاني أن أقرأ عليهما من رسائلي، فقرأت رسالتي في صفة البرد والنار والحطب فاستحسناها، ومن رسالتي في الحلواء حيث أقول: خرجت في لمة من الأصحاب، وثبة من الأتراب، فيهم فقيه ذو لقم، ولم أعرف به، وغريم بطن، ولم أشعر له، رأى الحلوى فاستخفه الشره، واضطرب به الوله، فدار في ثيابه، وأسال من لعابه، حتى وقف بالأكداس، وخالط غمار الناس، ونظر إلى الفالوذج فقال: بأبي هذا اللمص، انظروه كأنه الفص، مجاجة الزنابير، أجريت على شوابير، وخالطها لباب الحبة، فجاءت أعذب من ألسنة الأحبة. ورأى الخبيص فقال: بأبي هذا الغالي الرخيص، هذا جليد سماء الرحمة، تمخضت به فأبرزت منه زبد النعمة، يجرح باللحظ، ويذوب من اللفظ، بم ابيض - قالوا بماء البيض البض. قال: غض من غض، ما أطيب خلوة الحبيب، لولا حضرة الرقيب. ولمح القبيطاء فصاح: بأبي نقرة الفضة البيضاء، لا ترد عن

стр. 267

العضة. أبنار طبخت أم بنور - فإذا أراها كقطع البلور؛ وبلوز عجنت أم بجوز - فإني أراها عين عجين الموز. ومشى إليها وقد عدل صاحبها أرطال نحاسه. وعلق قسطاسه من أم راسه؛ فقال: رطل بدرهمين، وانتهشها بالنابين، فصاح: القارعة ما القارعة. هيه! ويل للمرء من فيه. ورأى الزلابية فقال: ويل لأمها الزانية، أبأحشائي نسجت، أم من صفاق قلبي ألفت - فإني أجد مكانها من نفسي مكيناً، وحبل هواها على كبدي متيناً، فمن أين وصلت كف طابخها إلى باطني، فاقتطعتها من دواجني - والعزيز الغفار، لأطلبنها بالثار؛ ومشى إليها، فتلمظ له لسان الميزان، فأجفل يصيح: الثعبان الثعبان! ورفع له ثمر النشا، غير مهضوم الحشا، فقال: مهيم -! من أين لكم جنى نخلة مريم - ما أنتم إلا السنار، وما جزاءكم إلا السيف والنار؛ وهم أن يأخذ منها، فأثبت في صدره العصا، فجلس القرفصا، يذري الدموع، ويبدي الخشوع. وما منا أحد إلا عن الضحك قد تجلد. فرقت له ضلوعي، وعلمت أن الله فيه غير مضيعي. وقد تجمل الصدقة على ذوي وفر، وفي كل ذي كبد رطبة أجر. فأمرت الحلواني بابتياع أرطال منها تجمع أنواعها التي أنطقته، وتحتوي على ضروبها التي أضرعته. وجاء بها وسرنا إلى مكان خالٍ طيب، كوصف المهلبي:

стр. 268

خان تطيب لباغي النسك خلوته، وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا فصبها رطبة الوقوع، كراديس كقطع الجذوع؛ فجعل يقطع ويبلع، ويدحو فاه ويدفع، وعيناه تبصان، كأنهما جمرتان، وقد برزتا على وجهه كأنهما خصيتان، وأنا أقول له: على رسلك أبا فلان! البطنة تذهب الفطنة! فلما التقم جملة جماهيرها، وأتى على مآخيرها ووصل خورنقها بسديرها، تجشأ فهبت منه ريح عقيم، أيقنا لها بالعذاب الأليم، فنثرتنا شذر مذر، وفرقتنا شغر بغر، فالتمحنا منه الظربان، وصدق الخبر فيه العيان: نفح ذلك فشرد الأنعام، ونفح هذا فبدد الأنام، فلم نجتمع بعدها والسلام. فاستحسناها وضحكا عليها، وقالا: إن لسجعك موضعاً من القلب، ومكاناً من النفس، وقد أعرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وملاحة سوقك، ما أزال أفنه، ورفع غينه. وقد بلغنا أنك لا تجازى في أبناء جنسك، ولا يمل من الطعن عليك، والاعتراض

стр. 269

لك، فمن أشدهم عليك - قلت: جاران دارهما صقب، وثالث نابته نوب، فامتطى ظهر النوى، وألقت به في سرقسطة العصا. فقالا: إلى أبي محمد تشير، وأب القاسم وأبي بكر - قلت: أجل. قالا: فأين بلغت فيهم - قلت أما أبو محمد فانتضى علي لسانه عند المستعين، وساعدته زرافة استهواها من الحاسدين، وبلغني ذلك فأنشدته شعراً، منه: وبلغت أقواماً تجيش صدورهم ... علي، وإني منهم فارغ الصدر أصاخوا إلى قولي فأسمعت معجزاً ... وغاصوا على سري فأعياهم أمري فقال فريق: ليس ذا الشعر شعره ... وقال فريق: أيمن الله ما ندري أما علموا أني إلى العلم طامح ... وأني الذي سبقاً على عرقه يجري وما كل من قاد الجياد يسوسها ... ولا كل من أجرى يقال له: مجري فمن شاء فليخبر فإني حاضر ... ولا شيء أجلى للشكوك من الخير وأما أبو بكر فأقصر واقتصر على قوله: له تابعة تؤيده. وأما أبو القاسم الإفليلي فمكانه من نفسي مكين، وحبه بفؤادي دخيل، على أنه حامل علي، ومنتسب إليّ. فصاحا: يا أنف الناقة ابن معمر، من سكان خيبر! فقام إليهما جني أشمط ربعة وارم الأنف، يتظالع

стр. 270

في مشيته، كاسراً لطرفه، وزاوياً لأنفه، وهو ينشد: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا فقالا لي:: هذا صاحب أبي القاسم، ما قولك فيه يا أنف الناقة - قال: فتى لم أعرف على من قرأ. فقلت لنفسي: العصا من العصية١ إن لم تعربي عن ذاتك، وتظهري بعض أدواتك، وأنت بين فرسان الكلام، لم يطر لك بعدما طائر، وكنت غرضاً لكل حجر عابر. وأخذت للكلام أهبته، ولبست للبيان بزته؛ فقلت: وأنا أيضاً لا أعرف على من قرأت. قال ألمثلي يقال هذا - فقلت: فكان ماذا - قال: فطارحنى كتاب الخليل، قلت: هو عندي في زنبيل، قال: فناظرني على كتاب سيبويه. قلت: خريت الهرة عندي عليه وعلى شرح ابن درستويه؛ فقال لي: دع عنك، أنا أبو البيان، قلت: لاها الله! إنما أنت كمغن وسط، لا يحسن فيطرب، ولا يسيء فيلهي، قال: لقد علمنيه المؤدبون، قلت ليس هو من شأنهم، إنما هو من تعليم الله تعالى حيث قال: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان﴾ (الرحمن: ٣ - ٤) ليس من شعر يفسر، ولا أرض تكسر، هيهات حتى يكون المسك من أنفاسك، والعنبر من أنقاسك، وحتى يكون مساقك عذباً، وكلامك رطباً، ونفسك من نفسك، وقليبك من قلبك؛ وحتى تتناول الوضيع فترفعه، والرفيع

стр. 271

فتضعه، والقبيح فتحسنه -! قال: أسمعني مثالاً، قلت: حتى تصف برغوثاً فتقول: أسود زنجي، وأهلي وحشي؛ ليس بوان ولا زميل، وكأنه جزء لا يتجزأ من ليل، وشونيزة، أوثبتها غريزة، أو نقطة مداد، أو سويداء قلب قراد؛ شربه عب، ومشيه وثب؛ يكمن نهاره، ويسري ليله؛ يدارك بطعنٍ مؤلم، ويستحل دم كل مسلم، مساور للأساورة، يجر ذيله على الجبابرة؛ يتكفر بأرفع الثياب، ويهتك ستر كل حجاب، ولا يحفل ببواب؛ يرد مناهل العيش العذبة، ويصل إلى الأجراح الرطبة، لا يمنع منه أمير، ولا ينفع فيه غيرة غيور، وهو أصغر كل حقير، شره مبثوث، وعهده منكوث، وكذلك كل برغوث؛ كفى بهذا نقصاً للإنسان، ودالاً على قدرة الرحمن. وحتى تصف ثعلباً فتقول: أدهى من عمرو، وأفتك من قائل حذيفة بن بدر؛ كثير الوقائع في المسلمين، مغرى بإراقة دماء المؤذنين؛ إذا رأى الفرصة انتهزها، وإذا طلبته الكماة أعجزها؛ وهو مع ذلك بقراط في إدامه، وجالينوس في اعتدال طعامه؛ غداؤه حمام أو دجاج، وعشاؤه تدرج أو دراج. قال أبو عامر: وكان فيما يقابلني من ناديهم فتى قد رماني بطرفه

стр. 272

واتكأ لي على كفه، فقال: تحيل على الكلام لطيف وأبيك! فقلت: وكيف ذلك - قال: أومأ علمت أن الواصف إذا وصف شيئاً لم يتقدم إلى صفته، ولا سلط الكلام على نعته، اكتفى بقليل الإحسان، واجتزا بيسير البيان - لأنه لم يتقدم وصف يقرن بوصفه، ولا جرى مساق يضاف إلى مساقه، وهذه نكتة بغدادية، أنى لك بها يا فتى المغرب - فقلت لزهير: من هذا - قال: زبدة الحقب، صاحب بديع الزمان. فقلت: يا زبدة الحقب، اقترح لي. قال: صف جارية، فوصفتها؛ قال: أحسنت ما شئت أن تحسن؛ قلت: أسمعني وصفك للماء، قال: ذلك من العقم [قلت: بحياتي هاته، قال] : أزرق كعين السنور، صاف كقضيب البلور؛ انتخب من الفرات، واستعمل بعد البيات، فجاء كلسان الشمعة، في صفاء الدمعة. فقلت: انظره يا سيدي كأنه عصير صياح، أو ذوب قمرٍ لياح؛ لعه في إناثه، اصباب الكوكب من سمائه؛ العين حانوته، والفم عفريته، كأنه خيط من غزل فلق، أو محضر يضرب به من ورق؛ يرفع عنك فتردى، ويصدع به قلبك فتحيا. فلما انتهيت في الصفة، ضرب زبدة الحقب الأرض برجله، فانفرجت له عن مثل برهوت، وتدهدى إليها، واجتمعت عليه، وغابت عينه، وانقطع أثره. فاستضحك الأستاذان من فعله، واشتد

стр. 273

غيظ أنف الناقة علي فقال: وقعت لك أوصاف في شعرك تظن أني لا أستطيعها - فقلت له: وحتى تصف عارضاً فتقول: ومرتجز ألقى بذي الأثل كلكلاً ... وحط بجرعاء الأبارق ما حطا سعى في قياد الريح يسمح للصبا ... فألقت على غير التلاع به مرطا وما زال يروي الترب حتى كسا الربى ... درانك، والغيطان من نسجه بسطا وعنت له ريح تساقط قطره ... كما نثرت حسناء من جيدها سمطا ولم أر دراً بددته يد الصبا ... سواه، فبات النور يلقطه لقطا وبتنا نراعي الليل لن نطو برده ... ولم يجر شيب الصبح في عرفه وخطا تراه كملك الزنج في فرط كبره ... إذا رام مشياً في تبختره أبطا مطلاً على الآفاق والبدر تاجه ... وقد علق الجوزاء من أذنه قرطا حتى تصف ذئباً فتقول: إذا اجتاز علوي الرياح بأفقه ... أجد لعرفان الصبا يتنفس تذكر روضاً ذا شوي وباقر ... تولته أحراس من الذعر تحرس إذا انتابها من أذؤب القفر طارق ... حثيث إذا ما استشعر اللحظ يهمس أزل كسا جثمانه متستراً ... طيالس سوداً للدجى وهو أطلس فدل عليه لحظ خب مخادع ... ترى ناره من ماء عينيه تقبس

стр. 274

فصاح فتيان الجن عند هذا البيت الأخير: زاه! وعلت أنف الناقة كآبة، وظهرت عليه مهابة، واختلط كلامه، وبدا منه ساعتئذ بوادٍ في خطابه، رحمه لها من حضر، وأشفق عليه من أجلها من نظر. وشمر لي فتى كان إلى جانبه عن ساعدٍ، وقال لي: وهل يضر قريحتك أو ينقص من بديهتك أو تجافت لأنف الناقة وصبرت له - فإنه على علاته زير علم وزنبيل فهم وكنف رواية. فقلت لزهير: من هذا - فقال: هو أبو الآداب صاحب أبي إسحاق بن حمام جارك. فقلت: يا أبا الآداب، وزهرة ريحانة الكتاب، رفقاً على أخيك بغرب لسانك، وهل كان يضر أنف الناقة، أو ينقص من علمه، أو يفل شفرة فهمه، ان يصبر لي على زلة تمر به في شعر أو خطبة، فلا يهتف بها بين تلاميذه، ويجعلها طرمذة من طراميذه - فقال: إن الشيوخ قد تهفو أحلامهم في الندرة. فقلت: إنها المرة بعد المرة. ثم قال لي الأستاذان عتبة بن أرقم وأبو هبيرة صاحب عبد الحميد: إنا لنخبط منك ببيداء حيرة، وتفتق أسماعنا منك بعبرة، وما ندري أنقول: شاعر أم خطيب - فقلت: الإنصاف أولى، والصدع بالحق أحجى، ولابد من قضاء. فقالا: اذهب فإنك شاعر خطيب. وانفض الجمع والأبصار إليّ ناظرة، والأعناق نحوي مائلة. قال ابن بسام: وامتد بأبي عامر الكلام في هذا الباب، ومد فيه أطناب الإطناب والإسهاب، فلذلك وقفت دون الغاية، وقطعت قبل النهاية.

стр. 275

قوله في ما عرض به لصاحب أبي تمام: " بعمرو والقمر الطالع، والرقعة المفكوكة الطابع " أشار إلى قول أبي تمام في غلامه: يا عمرو قل للقمر الطالع ... اتسع الخرق على الراقع يا طول فكري فيك من حاملٍ ... لرقعة مفكوكة الطابع ما أنت إلا رشا خاذل ... حل بمعنى أسدٍ جائع وحكى الصولي في أخباره قال: كان أبو تمام يتعشق غلاماً خزرياً للحسن بن وهب، وكان الحسن يتعشق غلاماً رومياً لحبيب. فرآه يعبث بغلامه فقال له: والله لئن سرت إلى الرومي لأسيرن إلى الخزري. فقال الحسن: لو شئت حكمتنا واحتكمت! فقال أبو تمام: أنا أشبهك بداود ﵇، وأشبهني أنا بخصمه. فقال الحسن: لو كان هذا منظوماً! فقال أبو تمام من جملة أبيات: أذكرتني أمر داود وكنت فتىً ... مصرف القلب في الأهواء والفكر أعندك الشمس لم يحظ المغيب بها ... وأنت مشتغل الألحاظ بالقمر - إن أنت لم تترك السير الحثيث إلى ... جآذر الروم أعنقنا إلى الخزر ورب أمنع منه جانباً وحمىً ... أمسى وتكته مني على خطر

стр. 276

جردت فيه جنود العزم فانكشفت ... عنه غياهبها عن نيكة هدر أنت المقيم فما تعدو رواحله ... وأيره أبداً منه على سفر وقيل لأبي تمام: غلامك أطوع للحسن من غلامه لك. قال: أجل لأن غلامي يجد عنده مالاً، وأنا أعطي غلامه قيلاً وقالا. وكان ابن الزيات قد وقف على ما كان بينهما في غلاميهما، فاتفق أن عزم يوماً غلام أبي تمام على الاحتجام، فكتب إلى الحسن يعلمه بذلك، ويستدعيه مطبوخاً. فوجه إليه بمائة زق ومائة دينار، وكتب إليه بشعر يقول فيه: ليت شعري يا أملح الناس عندي ... هل تداويت بالحجامة بعدي - دفع الله عنك لي كل سوءٍ ... باكر رائحٍ وإن خنت عهدي قد كتمت الهوى بمبلغ جهدي ... فبدا منه غير ما كنت أبدي وخلعت العذار إذ علم النا ... س بأني إياك أصفي بودي فليقولوا بما أحبوا إذ كن ... ت وصولاً ولم ترعني بصد واتفق أن وضع الرقعة تحت مصلاه، وبلغ محمد بن الزيات خبرها، فوجه إلى الحسن من شغله بالحديث، وأمر من جاءه بتلك الرقعة، ففكها وقرأها وكتب فيها على لسان أبي تمام: ليت شعري عن ليت شعرك هذا ... أبهزل تقوله أم بجد

стр. 277

فلئن كنت في المقال مجداً ... يا ابن وهب لقد تطرفت بعدي وتشبهت بي وكنت أرى أن ... ي أنا العاشق المتيم وحدي لا أحب الذي يلوم وإن كا ... ن حريصاً على صلاحي ورشدي بل أحب الأخ المشارك في الحب ... وإن لم يكن به مثل وجدي كنديمي أبى علي وحاشا ... لنديمي من مثل شقوة جدي إن مولاي عندي غيري ولولا ... شؤم جدي لكان مولاي عندي ثم قال: ضعوا الرقعة مكانها. فلما قرأها الحسن قال: إنا لله! افتضحنا والله عند الوزير! وأعلم أبا تمام بما جرى، ووجه إليه بالرقعة. فلقيا محمد بن عبد الملك، فقالا له: إنما جعلنا هذين الغلامين سبباً لتكاتبنا بالأشعار، فلا يظن الوزير - أعزه الله - إلا خيراً. فقال: ومن يظن غير هذا بكما - فكان قوله أشد عليهما. رجع: قال ابن بسام، قال ابن حيان: وكان أبو القاسم المعروف بابن الإفليلي الذي به عرض، وجعله الغرض، قد بذ أهل زمانه بقرطبة، في علم اللسان العربي، والضبط لغريب اللغة، وفي ألفاظ الأشعار الجاهلية والإسلامية، والمشاركة في بعض معانيها، وكان غيوراً على ما يحمل من ذلك الفن، كثير الحسد فيه، راكباً في الخطأ البين إذا تقلده

стр. 278

أو نشب فيه، يجادل عليه، ولا يصرفه صارف عنه. وعدم علم العروض ومعرفته مع احتياجه إليه، وإكمال صناعته به، فلم يكن له شروع فيه. وكان لحق الفتنة البربرية بقرطبة، ومضى الناس من حائن وظاعن، فازدلف إلى الأمراء المتداولين بقرطبة من آل حمود ومن تلاهم إلى أن نال الجاه. واستكتبه محمد بن عبد الرحمن المستكفي بعد ابن برد، فوقع كلامه جانباً من البلاغة، لأنه كان على طريقة المعلمين المتكلفين، فلم يجر في أساليب الكتاب المطبوعين فزهد فيه. وما بلغني أنه ألف في شيء من فنون المعرفة إلا كتابه في شعر المتنبي لا غير. ولحقته تهمة في دينه في أيام هشام المرواني في جملة من تتبع من الأطباء في وقته كابن عاصم الشبانسي والحمار وغيرهم. وطلب ابن الفليلي وسجن بالمطبق، ثم أطلق. وفيه يقول موسى بن الطائف من قصيدة: يا مبصراً عميت نواظر فهمه ... عن كنه عرضي في البديع وطولي

стр. 279

لو كنت تعقل ما جهلت مقاومي ... من ضاق فرسخه بخطوة ميل ولئن ثلبت الشعر وهو أباطل ... فلقد ثلبت حقائق التنزيل وخلعت ربق الدين عنك منابذاً ... ولبست ثوب الزيغ والتعطيل وأقمت للجهال مثلك في الغبا ... علماً مشيت أمامه برعيل ومن المغائظ أن تكون مقلداً ... علماً، ولو مقدار وزن فتيل تعتل في الأمر الصحيح معانداً ... أبداً وفهمك علة المعلول وتظن أنك من فنوني موسر ... وكثير شأنك لا يفي بقليلي سيسل روحك من خبيث قراره ... تأثير هذا الصارم المصقول وأخص سيف الدولة الملك الرضى ... ليعيد عقد رباطك المحلول وأريك رأي العين أنك ذرة ... عبثت بها مني قوائم فيل رجع الحديث إلى أخبار ابن شهيد قال أبو عامر: وحضرت أنا أيضاً وزهير مجلساً من مجالس الجن، فتذاكرنا ما تعاورته الشعراء من المعاني، ومن زاد فأحسن الأخذ، ومن قصر، فأنشد قول الأفوه بعض من حضر: وترى الطير على آثارنا ... رأي عينٍ ثقةً أن ستمار وأنشد آخر قول النابغة:

стр. 280

إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب تراهن خلف القوم خزراً عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجيشان أول غالب وأنشد آخر قول أبي نواس: تتأيى الطير غدوته ... ثقةً بالشبع من جزره وأنشد آخر قول صريع الغواني: قد عود الطير عادات وثقن بها ... بهن يتبعه في كل مرتحل وأنشد آخر قول أبي تمام: وقد ظللت عقبان أعلامه ضحىً ... بعقبان طير في الدماء نواهل أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل فقال شمردل السحابي: كلهم قصر عن النابغة، لأنه زاد في المعنى، ودل على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح، وكلامهم كلهم

стр. 281

مشترك يحتمل أن يكون ضد ما نواه الشاعر، وإن كان أبو تمام قد زاد في المعنى؛ وإنما المحسن المتخلص المتنبي حيث يقول: له عسكرا خيل وطير إذا رمى ... بها عسكراً لم تبق إلا جماجمه وكان بالحضرة فتىً حسن البزة، فاحتد لقول شمردل، فقال: الأمر على ما ذكرت يا شمردل، ولكن ما تسأل الطير إذا شبعت أي القبيل الغالب. وأما الطير الآخر فلا أدري لأي معنى عافت الطير الجماجم دون عظام السوق والأذرع، والفقارات والعصاعص - ولكن الذي خلص هذا المعنى كله، وزاد فيه، وأحسن التركيب، ودل بلفظة واحدةٍ على ما دل عليه شعر النابغة وبيت المتنبي، من أن القتلى التي أكلتها الطير أعداء الممدوح، فاتك بن الصقعب في قوله: وتدري سباع الطير أن كماته ... إذا لقيت صيد الكماة سباع لهن لعاب في الهواء وهزة ... إذا جد بين الدارعين قراع تطير جياعاً فوقه وتردها ... ظباه إلى الأوكار وهي شباع تملك بالإحسان ربقة رقها ... فهن رقيق يشترى ويباع

стр. 282

وألحم من أفراخها فهي طوعه ... لدى كل حربٍ والملوك تطاع تماصع جرحاها فيجهز نقرها ... عليهم وللطير العتاق مصاع فاهتز المجلس لقوله، وعلموا صدقه. فقلت لزهير: من فاتك بن الصقعب - قال: يعني نفسه. قلت له: فهلا عرفتني شانه منذ حين -[إني لأرى نزعات كريمة] . وقمت فجلست إليه جلسة المعظم له. فاستدار نحوي، مكرماً لمكاني، فقلت: جد أرضنا - أعزك الله - بسحابك، وأمطرنا بعيون آدابك؛ قال: سل عما شئت، قلت: أي معنى سبقك إلى الإحسان فيه غيرك، فوجدته حين رمته صعباً عليك إلا أنك نفذت فيه - قال: معنى قول الكندي: سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال قلت: أعزك الله، هو من العقم. ألا ترى عمر بن أبي ربيعة، وهو من أطبع الناس، حين رام الدنو منه والإلمام به، كيف افتضح في قوله: ونفضت عني النوم أقبلت مشية ال ... حباب وركني خيفة القوم أزور قال: صدقت، إنه أساء قسمة البيت، وأراد أن يلطف التوصل، فجاء مقبلاً بركنٍ كركنه أزور؛ فأعجبني ذلك منه، وما زلت مقدماً لهذا المعنى رجلاً، ومؤخراً عنه أخرى، حتى مررت بشيخٍ يعلم بنياً له صناعة

стр. 283

الشعر وهو يقول له: إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليه غيرك فأحسن تراكيبه وأرق حاشيته، فاضرب عنه جملة، وإن لم يكن بد ففي غير العروض التي تقدم إليها ذلك المحسن، لتنشط طبيعتك، وتقوى منتك، فتذكرت قول الشاعر وقد كنت أنسيته: لما تسامى النجم في أفقه ... ولاحت الجوزاء والمرزم أقبلت والوطء خفيف كما ... ينساب من مكمنه الأرقم فعلمت أنه صدق، وابن أبي ربيعة لو ركب غير عروضه لخلص، فقلت أنا في ذلك: ولما تملأ من سكره ... فنام ونامت عيون العسس دنوت إليه على بعده ... دنو رفيق درى ما التمس أدب إليه دبيب الكرى ... وأسمو إليه سمو النفس وبت به ليلتي ناعماً ... إلى أن تبسم ثغر الغلس أقبل منه بياض الطلا ... وأرشف منه سواد اللعس فقمت وقبلت على رأسه، وقلت: لله در أبيك!

стр. 284

قال ابن بسام: وذكر بعض الرواة إن هذين البيتين، [نعني البيتين المتقدمين على شعر أبي عامر] ، غنى بهما في مجلس الواثق مخارق، فطرب واستملح معناهما، وقال الواثق: قالت إذا الليل دجا فأتنا ... فجئتها حين دجا الليل خفي وطء الرجل من حارسٍ ... ولو درى حل بي الويل وأنشد بعضهم لأبي دهبل الجمحي: قالت: إذا ما جئتنا فأتنا ... ليلاً إذا ما هجع السامر واسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناه ولا زاجر قال أبو عامر: فقال لي فاتك بن الصقعب: فهل جاذبت أنت أحداً من الفحول - قلت نعم، قول أبي الطيب: أأخلع المجد عن كتفي وأطلبه ... وأترك الغيث في غمدي وأنتجع قال لي: بماذا - قلت بقولي:

стр. 285

ومن قبةٍ لا يدرك الطرف رأسها ... تزل بها ريح الصبا فتحدر إذا زاحمت منها المخارم صوبت ... هوياً على بعد المدى وهي تجأر تكلفتها والليل قد جاش بحره ... وقد جعلت أمواجه تتكسر ومن تحت حضني أبيض ذو سفاسق ... وفي المف من عسالة الخط أسمر هما صاحباي من لدن كنت يافعاً ... مقيلان من جد الفتى حين يعثر فذا جدول في الغمد تسقى به المنى ... وذا غصن في الكف يجنى فيثمر فقال: والله لئن كان الغيث أبلغ، فلقد زدت زيادةً مليحة طريفة، واخترعت معاني لطيفة. هل غير هذا - فقلت: وقوله أيضاً: وأظمأ فلا أبدي إلى الماء حاجةً ... وللشمس فوق اليعملات لعاب قال: بماذا - قلت: بقولي: ولم أنس بالناووس أيامنا الألى ... بها أيننا محبوبها وحبابها وفتية ضربٍ من زناتة ممطر ... بوبل المنايا طعنها وضرابها وقفنا على جمر من الموت وقفةً ... صلي لظاه داب قومي ودابها إذا الشمس رامت فيه أكل لحومنا ... جرى جشعاً فوق الجياد لعابها فصاح صيحةً منكرةً من صياح الجن كاد ينخب لها فؤادي فزعاً والله منه.
следующие страницы →