← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

بفارسين من عبيده قد جمعا رمحيهما في، وثالث قد سبق إلي، يمسك عنان فرسي، إلا [أني] ركضته، فخرج بعتقه، واستل أصحابي عند ذلك سيوفهم، وأدركتهم حفائظهم، فحملوا إلي وفر أولئك عني، واكتفني أصحابي، فانصرفت وبي طعنات قد واقعتني على الذراع لم يعظم بحمد الله كلمها، وانصرف الغادر قد أدحض الله سعيه، وأبطل بغيه، يعض بنانه [١١٥ ب] أسفا، ويقرع سنه ندما، ولا صفقة كصفقته الخاسرة، ولا سوءى كفعلته الفاجرة، فلما وصل إلى بلده أراد ستر الحال بزعمه، وتوهيمها على ما جرى في وهمه، فأشاع أن النصارى الذين كانوا معه أرادوا غدري وغدره، وخرق في ثيابه خرقا زعم أنه أثر رمح أشرع إليه، فكان اعتذاره بهذا العذر زائدا في ذنبه، وإتيانه بهذا البهت الظاهرة مادة لجرمه، وهيهات أن يخفى ما شهر، أو يجوز ما زور، وما حليمة بسر، ولا على وجه النهار من ستر. فرأيت مساهمة الأولياء والحلفاء بصفة الحال، وعرضها من المبدأ لتعرض ما وصفته على حسن نظرك، وتعبيره بصدق تدبرك، فتزن مؤثر هذه الحال بوزنه، وتقدر محتقب شرها بقدره، والله قبل وبعد أعدل من قضى وحكم، وأحق من أثاب وانتقم، وهو تبارك اسمه المستعدى على من اعتدى وظلم.

стр. 2207

فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي عبد الله محمد بن مسلم آية الزمن، ونهاية الفطنة واللسن، نفث بالسحر، واغترف من البحر، ونظم الدرر بلألاء من الدر. ولم أظفر عند وضعي هذا الديوان، بشيء مما له من الاحسان، إلا بفصول من رسائل، سماها " طي المراحل " سبق في ميدانها عفوا، وتصرف بين حسنها وإحسانها تصرفا حاوا، وقد اقتبضت من فصولها ما يشهد بتفصيلها، وحذفت سائرها لطولها، دللت بها على فضل منشيها، دلالة الشمس على ما يليها. فصول له من تلك الرسائل خاطب بها أغلب صاحب ميورقة فصل منها: إن أغببت على بعد الديار مكاتبتك، وأقللت مع شحط المزار مخاطبتك، فإني أخاطبك بلسان وداد، وأناجيك فؤادا

стр. 2208

لفؤاد، وإنما يتخاطب أهل بعد المكان، ويتكاتب ذوو النأي عن العيان، وأنت في الضمير جائل، فما تزيد الرسائل - وبين الجفون ماثل، فما تفيد الوسائل - لكن العين لا تبرأ من الأرق، حتى تطبق مستقرها على الحدق، والنفس لا تهدأ من القلق، حتى تجمع شطريها إلى أفق، فلهذا يجب على الصديق تأكيد العهد، ولو باهداء السلام، إذا لم يستطع على الإلمام، وتجديد الود بالكتاب، إذا لم يطق المفاوضة على الخطاب، لكن قد يأتي من عوائق الزمان، وعوارض الحدثان، ما يحول [١١٦ أ] بين المرء وقلبه، حتى يسهو في مثوله للصلاة بين يدي ربه، فلا يدري أثنتين صلى الضحى أم ثماني، وأياما شهد التشريق أم ليالي. وفي فصل: وليت زمانا فرغ للقائك، وأوانا بلغ إلى تلقائك، حتى أبرد نفسي بمحاضرتك، وأجدد أنسي بمذاكرتك، ولكني بين حل وترحال، ورجوع وإقبال، لا يجعلان إلى أمنية سبيلا، ولا يوجدان إلى مأربه وصولا؛ ولعلك - أيها الفاضل - ممن يظن هذه الأسفار فرجة، ويخال لها بهجة، وكيف والسفر قطعة من العذاب، والمسافر ومتاعه على فلت الذهاب، وان اتفقت مع ذلك فترة تستدمن، وبدرة تستحسن، فإنما هي كراحة المحتضر، ودرة المستبحر، ولا بد مع الخواطي من سهم صائب، وعند جفوف جانب من خضرة جانب، ولي منذ أجول

стр. 2209

البلاد، وأجوب الصخر بالود، ما يزيد على عشر حجج نصفها، وعلى سبعة أعوام ضعفها، لم ألق إلا يوما يجعل الولدان شيبا، والجبال كثيبا مهيلا، وإن شئت أن أقصص عليك من نبأي قصصا، وأضرب لك من بعض أسفاري مثلا، ففزغ لي ذهنك، وأصغ إلي أذنك، حتى تسمع من أحوال صديقك ما يفلح ويثلج، ويغم ثم يبهج، فقد أودعت كتابي هذا نبذا مما لقيته في سفري، كان من خبري: لما صفا الحصن الفلاني إلى من أيده الله أجلب عليه المقتدر بخيله ورجله، وأحدق حوله بضبطه ومنعه، حتى صار كالسماء ملئت حرسا شديدا وشهبا ﴿فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا﴾ (الجن: ٩) فدعا إقبال الدولة إخوانه لإنجاده، ونادى حلفاءه لإمداده، فاستغشوا بأردانهم، وجعلوا أصابعهم في آذانهم، وعوضوا من عونه في إصلاح ذات البين، والحصن في أثناء ذلك قد اشتد وثاقه، وضاق خناقه، حتى أيقن أهله بالهلكة، وكادوا يلقون بأيديهم إلى التهلكة، فلما رأى انه ربما أودى العليل قبل أن يؤتى الشفاء، ويهلك المريض قبل أن يركب الدواء، وعلم أن الليث لا يقتبس إلا زنده، ولا يفترس إلا وحده، وفي كفه أنصاره، وفي شدقه شفرته وناره، أقام للزحف أعلامه، وجعل أمامه، فنصر بالرعب، وفر عدوه قبل الحرب.

стр. 2210

وفي فصل منها: وحسبنا أن يكون من أصحاب المشئمة، فتواصينا بالصبر والمرحمة، وتذكرنا قوله تعالى ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسرم لك من أصحاب اليمين﴾ (الواقعة: ٩٠، ٩١) فأخذنا يمنة الطريق، وتيممنا أويولة على الفج العميق، فإذا بصماء منه قد انكدرت فأمطرت علينا حجارة من سجيل، كادت تجعلنا [١١٦ ب] كعصف مأكول، فقوم شدخت رؤوسهم، وقوم ضمت عليهم رموسهم، كأنهم كانوا بقية من اًصحاب الفيل، أو نفاية من قوم لوط. فجئنا فلانة، وقد سد بابها، ونام بوابها، والسيل قد طمى، يحمل غثاء أحوى، فلم تشك القلوب أن نفوسنا ذائقة الموت، حتى إذا بلغت النفوس التراق، والتفت الساق بالساق، وقيل من راق وأشعر صاحب الحصن بمكاني، وقص عليه شاني، فأمر بفتح باب المدينة، وآواني إلى دار حصينة، وتقدم بالضرام فأجج، وبالطعام فروج، وبالمدام فشب وأسرج، وقلنا ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴿ (فاطر: ٣٤) وكفانا المحن. وفي فصل منها: ثم نفذت لطيتي، وقرنت بالعمل نيتي، في هواء سجسج، وأفق متبلج، حتى جئت المرية، وكان عهدي بها

стр. 2211

عهد طيف الكرى، بما بين العقيق إلى الحمى، إن سرى أصبح دونه بمراحل، أو هفا قطع المدى المتطاول، فكأني كنت ماء، وافق نفوسا ظماء، فكل فرج لي عن فلبه، وعانقني بكبده وخلبه، ولما لقيت المعتصم بالله - فتح الله له في البلاد، كما شرح بوده قلوب العباد - قال: مرحبا بالولي الحميم، والصديق الحديث القديم، أعنت لك عندنا أسباب أوجبت إقبالا، أو نحت بك نحونا ركاب طلبت فصالا - حل عن ذاتك، وأرح يعملاتك، فقلت: أيد الله مولاي، ما أجاءني حب الراحة، ولا طلب الإراحة، وإنما أنا في حكم شرع، وأداء فرض، فهو كالحج لا يحل فيه الصيد لا بالنص ولا بالقياس، والصلاة لا يصلح فيها شيء من أعمال الناس، وأنا أتمثل في ذلك قول الله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (المائدة: ٢) ﴿فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ (الجمعة: ١٠) ولا بد أن آخذ فيما فيه شخصت، وله قصدت، وإنما هي كلمات مكدودة، وألفاظ معدومة، لا تورث الناطق كلالا، ولا السامع ملالا. وفي فصل منها: حتى وصلنا إلى دار منفرجة الأقطار، مستوفزة الأنوار، [متدفقة الانهار] ، عواؤها جلاء للغم، وزيادة في العمر، ضياؤها شفاء للكظم، وانشراح للصدر؛ وكأن مياهها تنبعث من بنان

стр. 2212

سيدها، فصارت عينا سلسبيلا، وكان مزاجها زنجبيلا، أو كأنما مست عينا حيوانا، فأنبتت من الزبرجد ريحانا، ومن الزمرد شجرا فينانا، وجعلت من النارنج عقيانا، ومن زهر الآس لؤلؤا ومرجانا. وميل بنا إلى " التاج " وهو مصنع على مفرق القصر، من جانب البحر، مرد من قوارير، وألبس الصبح المستنير، وقلد قلادة الطاووس، ونقط نقط العروس، فممن يقول هو قبة الفلك، وممن يقول هو السماء ذات الحبك، وانهم ﴿لفي قول مختلف، يؤفك عنه من أفك﴾ (الذاريات: ٨، ٩) [١١٧ أ] ونظرنا في صدره من الملك الهمام، كالشمس تجلت من الغمام، فقضينا فرض السلام، وأخذنا مراتب القعود إلى الطعام، يطاف علينا بصحاف من فضة وذهب، وجفان كالجواب أترعت من كل أرب، فلما أتينا على الري قمنا إلى الوضوء، فجيء، بطساس من التبر، وأباريق رصعت بالدر، ووضئنا بماء قوامه بلور، ومزاجه كافور، ثم قمنا إلى المصنع " الزاهر "، وهو نظير " تاج " من الجانب الآخر، لما أعد فيه للشراب، ما بهر الألباب، فألفينا موردا عذبا، ومحلا رحبا، كأن أطباقه مقل الجفون، ملئت من قرة العيون، وأكواسه مراشف الحور، تعل بنطف الثغور، طلعت منها شجرة مباركة النوى ﴿أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾ (ابراهيم: ٢٤) صيغ عودها من الحلي المنيل، وقام عمودها كأنبوب السقي المذلل، والتفت بأغصانها

стр. 2213

التفات الذوائب الجعدة، والتقت أفنانها التقاء الصعدة بالصعدة، فبينا نحن نعجب من شانها، ونستغرب مناظر زهرها وأفنانها، إذ سطع من جرثومتها دخان المجمر، وارتفع من خلال لبسها غبار العرف المعطر، من دون أن يبدو إلى العيان نارها، ويعلم أين يوقد هنديها وغارها، فقلنا: تبارك الله كيف تحرق نار تخالها هامدة، وتورق أشجار تحسبها جامدة، إن الذي أنطق الجذع والحصى، وخلق الحية من العصا، والنار بعد أن كانت ضراما، وقال: كوني على إبراهيم بردا وسلاما، لقادر على أن يورق الصلاد، كما أنطق الجماد، وعلى أن يعمل النار في الخمود، كما أبطلها عند الوقود، وقام بالجريال ساق جعل المنديل، مكان حمائل السيف الطويل، وأدار نجوما بروجها أيدينا، وشموسا تطلع منه وتغرب فينا، ولما [كنت] لا أشرب إلا مشتبه الشراب، كالمزر والد وشاب، قدم إلي قعب من نبيذ الأزاذ، ومصري الداذ، فرفع نديمي شهابا، وأبرزت أنا غرابا: [لو تراني وفي يدي قدح الدشاب أبصرت بازيار غراب]

стр. 2214

وفي فصل: وأوحي إلى المزمار أن ينطق، وإلى الأوتار أن تخفق، وإلى الغناء أن يذوب القلوب، ويشق الجيوب، ويحث الشمول، ويكفي الساقي أن يقول، وقد أسبلت على بهو السماع وقبة الغناء قطعة من الخسروان اللازوردية، قد ألهب بالذهب نحورها وحواشيها، وقرنت بالعسجد أسافلها وأعاليها، وكحلت بأسلاك الجوهر خطوطها ورسومها، ووصلت بالياقوت الأحمر دوائرها ورقومها، فجاءت كطرة نقطت [بالنجوم] ، ولبة الفجر رصعت بغير كواكب الرجوم، فاندفعت منها بلابل المداري تغرد، وحمائم الأوتار تصوب وتصعد، وأطيار المعازف تتجاوب، وأصناف [١١٧ ب] الملاهي تتناوب، وأقبلت نجوم الطاس تنكدر في الصدور، وقلوب الناس تنتثر في الحجور، وما بقي عقل لم يقع في شرك، ولا جيب كان في سقه من درك. وفي فصل: ثم خرجت بعد إلى المظفر [الرئيس] أبي مناد، فكأن أيام طريقي إليه، كانت كفارة لما أصررت في المرية عليه، وتمحيصا لذنب شرب المزر، وتضييع حق الخمر، ولم أر في التناقص علي عارا

стр. 2215

ولا قنعت بابهام السر حتى يكون جهازا، فعوضني من وقود الراح ببرد الرياح، ومن دبيب العقار بسكوب الأمطار، ومن هدير الكيزان بنعيب الغربان، ومن أنس الخيمات بوحش الفلاة، حتى أتيت حضرة الرئيس الأجل فألفيته غائبا، فكتبت إلى الوزير أبي عثمان رقعة أقول فيها: إذا كانت بأساء إثر نعماء، ومست ضراء بعد سراء، وافقت كاهلا لدنا فأثقلته، وخاطرا رطبا فأوحلته، وإني فصلت عن تلك الحضرة بعد أيام الشباب، وليال كذوائب الكعاب، سكنا منها في السواد من القلوب، وسلكنا بين المخانق والجيوب، أنقل من يد إلى يد، وأحمل بين جفن وخلد، إن ظمئت سقيت برد السرور على الأكباد، أو طربت أطمعت حلاوة الوداد في الاخلاد؛ ولله يوم " التاج " و " الزاهر "، عند الملك الماجد الباهر، فيا له من أنس وطيب، بين الخورنق والكثيب، في مجلس كأنما ألفت قواريره من خدود وثغور، وثماره من نهود ونحور، صعدنا فيه إلى العلياء، وصرنا كأننا من أهل السماء، نشرب النجوم بالأقداح، ونحيي الجسوم بالأرواح، فبتنا فاكهين فرحين، نزمر بالكؤوس، ونرقص بالرءوس، ونثاقف الاخوان، ونواقف الندمان، مواقفه الكرام، بشرب المدام، لا بحد الحسام، نسقي ود الصديق للصديق، ونطلب الصبوح بثار الغبوق، حتى أخجلنا الشمس بضياء الراح، وقمنا نقد

стр. 2216

السراج من ضوء الصباح، وقلنا: دين المسيح، يعبده كل مليح، فطفنا حول الدنان، بمصابيح الرهبان، وما زلنا نسمع باقتراح، ونشرب على ارتياح، ونصل اغتباقا باصطباح، حتى شبت مصابيحنا لقفال، وحان أوان ظعن وارتحال، فخرجت كالمقلة استلت من الأشفار، والنفس انتزعت من فلوذ أعشار، ثم ارتحلت من الغد عن مقام كريم، إلى عذاب أليم، لا أملك فيه أدمعي، ولا أجد نفسي معي، وسرنا بين جبال وحشة، ومياه دهشة، فصاردتنا من ريح عاد، ذات صر وأبراد، أضرمت نار البرحاء، وكظمت أنفاس الصعداء، ومن أخذ بكظمه كيف يرجو الحياة، ومن أطبق بغمه أين يجد النجاة -! وما شك غمام الثلج المنثور، أني من أصحاب [١١٨ أ] القبور، فجعل يهدي إلي حنوطا وذرورا، ويندف علي قطنا ينثر كافورا، فلما تمت الأكفان، وصح الاندفان، طلعت إلي غرة الحاجب سيف الدولة أبي الفتوح، فقمت وقد انجلت عني المحن، وانتفضت فطار القبر والكفن، ومد إلي يد الرضوان، وغمسني في نهر الحيوان، فجعلت أطرف كما يطرف الفجر في سدفه الليل، وأنبت الحبة في حميل السيل

стр. 2217

ورأيت ملكا تقرأ النفاسة بين عينيه، وتبصر الرياسة طلوع يديه، حلي السيف باسمه فرقت مضاربه، وتوج الملك مفرقه فعزت جوانبه، جواد يندى في كفه الجماد، وتقدح بنبله الزناد، ويقتبس من وجهه الكوكب الوقاد، وعلى أعراقها تجري الجياد؛ كيف يعجب للسيف أن يقطع، ومن حديد الهند طبع، وللبدر أن يشرق، ومن نور الشمس استرق، وللبحر أن يزخر، وعن الريح المرسلة أخبر. وفي فصل: فلما كمل المراد، ووقفت حيث وقف الاجتهاد، كتبت إلى ذي الوزارتين الكاتب أبي محمد بن عبد البر أستريح إليه بأنبائي، وأصف ارتجاج الجو من برحائي، رقعة أقول فيها: سيدي وسندي، وسهمة يدي، ونعمة أبدي، ومن أبقاه الله معافى من النوب، موقى من وعثاء السفر وسوء المنقلب، كم لله من منن جزيلة، وأياد جميلة، وعوارف وكيدة، وعواطف حميدة، وإن أولى نعمة بالشكر، وأحجى قسمة بالذكر، نعمة صرفت بأساء، ومسرة دفعت غماء، وإني كتبت بعد حال متى حوسبت بها فهي النوتة الأولى، أو جوزيت عليها فلي النجاة الطولى، لأن الله أكرم من أن يميت أكثر من ميتتين، أو يعذب أحدا عذابي مرتين، مع ما منيت به من تطاول الأسفار، ومقاساة الضرار، ولو أن هذا يكون مع صدق وأمل، ونجح وعمل، لبرد غليلا، وكان تعليلا، فكيف وما هو إلا رجاء سراب، ووجدان حساب. وإني فصلت من ألش والشمس مجلوة الناظر، والجو كمقلة الساهر، فما

стр. 2218

كان إلا ك " ما " حتى التقت أجفان الغمام، ثم هلت إليه هل الدموع السجام، وصرنا بين صعيد زلق، وسماء طبق، ينثر قطره نبالا ويمطر وبله وبالا، وما زال الرعد يقصف، والمزن يكف، حتى خلت البحر صار سقفا، والسماء قد اسقطت علي كسفا، واستنجز القضاء، والتقى الماء والماء، فكلما أوينا إلى جدار كاد ينقض، أو لجأنا إلى قرار خسفت به الأرض، وقلنا: سنأوي إلى جبل يعصمنا من الماء. ويقينا معرة هذه البأساء، فما كان إلا أن لذنا بجانب الطور الغربي، وأستدنا إلى هضبة [١١٨ ب] الفسطاط الشرقي، وهناك [من] يشرح لك سره، ويوضح عندك أمره، فكأن الله قد تجلى للجبل فجعله دكا، أو كاد موسى ينتقه علينا نتقا، فانحدر هضابا، وتقطع آرابا، وأهوى إلى الوهدة التي كنا في طباقها، والعقدة التي حصلنا بين أطباقها، فلم نشك في أننا من أهل القبور، قد صبت علينا أرازب منكر ونكير، ولولا أن الله لقننا الحجة، ولأوضح لنا المحجة، وأعاننا على الخصمين، وعلمنا التخلص من النكيرين، لضغطنا ضغطة القبر، ونالتنا معرة الفقر؛ ثم إننا أخذنا في الهرب، وأخذت السيول والأمطار في الطلب، فتارة نقع من

стр. 2219

الوعر في شرك، وأخرى نهفو من الوحل في درك، حتى وصلنا أوريولة، ولا نراها من تراكم الظلم، واختلاط العشايا بالعتم، إلى أن ضربت في أسوارها جباهنا، فامتلأت من غبارها أفواهنا، والدجى يكفننا بظلمائه، والثرى يدفننا في طينه ومائه. وفي فصل: ومرت لنا الأيام لا نستطيع براحا، ولا نلذ غدوا ولا رواحا، فلما انقطعت ليال خمس، التفتنا الشمس التفات البكر، من خلال الستر، وصمت الماء من خريره، والهواء من صريره، فقلنا: قد يكون الرضى صماتا، والإذن التفاتا، وأخذنا في التفويض، وأسرعنا بالنهوض، وما زلنا في مسلكنا نموت ونحيا، ونتقلب بين الآخرة والأولى، حتى اصطلينا بنار الحباحب سيف الدولة أبي الفتوح، فقابل بوجه طلق وخلق سمح، فلما صرنا في ذراه، وكنفتنا نعماه، أنشدنا: فقل للسماء ارعدي وابرقي ... فانا رجعنا إلى المنزل وفي فصل: ثم اما حان إيابي، وزمت ركابي، إذا بكتاب المعتصم بالله إلى المظفر يذكر وفاة خاله المنصور بن أبي عامر، فلزمني الكتاب إليه، فكتبت ورجلي في غرز الواثب، وهنا قبل سقط الراكب، فإن كانت سقطة في كلامي، أو عثرة من أقلامي، فإنما أوجبتها حقحقة السير ومسابقة السيل؛ وكان كتابي: يا مولاي وسيدي المنعم، ومن لا زالت وجوه الكوارث عنه مصدودة، وأيدي الحوادث دونه مسدودة، بقاء المرء - أيدك الله - لفناء أسلافه

стр. 2220

ونماء أخلافه، كرامة للأدب، وسعادة للعقب، فما للإنسان يكون هلوعا، إذا مسه الخير منوعا، واذا مسه الشر جزوعا وإن كان المنصور مات فقيدا، فقد عاش حميدا، أو أمسى ملحودا، فطالما أصبح معمودا، لبث في أهله سنينا، وأقام في سلطانه مكينا، بين شفاء نفس، واستيفاء أنس، [١١٩أ] وتوطيد دولة، وإقامة سنة، وحماية أمة، حتى كمل جده، وأتاه بالموت وعده، فذوى دوحه وقد أثمر غرسك، وأفل بدره وقد بزغت شمسك، فقال المجد: هذا ربي هذا أكبر، وصاح الملك: هذا ردئي، هذا أكثر، فهل هذه - أيدك الله - نعمة صغرى، أم هي قسمة ضيزى، وهل طفئ سراج ناب عنه صباح، أو خفي منهاج دل عليه مصباح، أو هلك هالك، عقبه مالك. وفي فصل: ثم توجهت تلقاء مدين الأصعد، وموطن السؤدد، حضرة المعتضد بالله، وكان طريقي إليها على قرطبة، وكثيرا ما كنت اقترح بإتيانها، وإن كانت على هرم، وأتمنى وقفة فيها ولو على قدم، وأرغب زيارتها ولو اماما، وأود رؤيتها ولو مناما، لألمح دار الخلافة، وأرى بيت الرياسة، فخرج إلي أبو الحسن بن يحيى الوزير الجوهري، فأراني بحسن سمته وكلامه، ورجاحة عقله وتمامه

стр. 2221

مراتب الوزراء المتقدمين، ومناصب الفضلاء السابقين، فلما أديت الرسالة جعلت أسلك في منازة المدينة، وأنظر من تلك المشابه المبينة، فاذا برسومها قائمة الأعلام، ورموزها مفهومة الكلام، ونصبها ماثلة الشكل والقيام، إلا أنها كرداح مستها زمانه، وربحلة أدركتها من السن مهانة، لم يبق فيها إلا رسوم من الحسن كانتشاء الطرف، وإن مالت أجفان، وخطوط من الجمال كاعتدال الأنف، وإن سقطت أسنان، لكنها لم تفارق عطرها، وإن كانت بعد عروس، ولا تركت بزها وإن لم تطمع بمسيس، ولا دنست ثيابها، وإن كانت أسمالا، ولا عقت شبابها، وإن تجاوزت اكتهالا، فوقع بين قلبي ورونقها سفاح، لم يصدقه نكاح، وأمتع شمسي بمعتقها لصوق، لم يلحقه رفث ولا فسوق، ووقفت بالقصر المرواني، وطفت على المصنع القحطاني، وانتبذت إلى المنزه العبدي الرحماني، فاذا الثلاث الأثافي والديار البلاقع، فأخذت بالسنة في ديار ثمود، أسكب الدموع وأمجد المعبود، فقال قريبنا: هنا كانت قصورهم، وهنالك هي قبورهم، قد صارت مفاصلهم ترابا، ومساكنهم يبابا، وقد عادوا يسكنون القبور، وكانوا يستهجنون القصور، وظلوا يعتنقون الجلمود، وكانوا يسترهفون النهود، وصاروا يلزمون

стр. 2222

الطين، وكانوا يملون حشايا اللين، فقلت: أين من كان هنا من القيول الأبية، والملوك الأموية، ذوي التيجان المنظومة بالمرجان، والملابس المرقومة بالعقيان، والفرش المرفوعة إلى السكاك، والعرش الموضوعة على السماك، وقد نضدت بالنمارق، ومهدت على الأرائك، وحفت بالجنود [١١٩ ب] عند القعود للسلام والأحكام، وأين أسراب تلك الجواري الكنس، في هروط السندس، كأنما ما استعارت من الكثبان أكفالا، ولا من الأغصان اعتدالا، ولا من الروض أردانا، ولا من الظباء أجفانا، ولا رنت إحداهن عن جفن هم بالتهويم، فنبه النديم، ونظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم، والآن: قد كحلت تلك العيون بالتراب، وكان كحلها كحلا، ولصقت تلك الخدود بالكثبان وكان تقبيلها أملا، وانهالت تلك الأدعاص في الصعيد، وكان التفاتها جذلا؛ فوقعت معتبرا، وما أبقيت عبرة إلا أرسلتها، ولا دمعة إلا أسبلتها، بكاء على المآل، لا على الأطلال، وعلى المصار، لا على تلك الديار، وعلى فقد الأحباب، لا على ذلك الخراب. وفي فصل منها: ثم جئنا إلى المسجد الجامع، ونظرت من تلك المصانع، فرأيت بنيانا بديعا، وإيوانا رفيعا، شاده ذو عزم وتأييد، وبناه أولو قوة وأولو بأس شديد، فكأنما أرسته عاد، أو بنته ملائكة غلاظ شداد. مشينا من رتبة إلى رتبة، ومن قبة إلى قبة، حتى انتهينا إلى المقصورة فألفينا

стр. 2223

سقفا من فضة ومعارج إلى الجنة قد قرط سمكها بالذهب الأحمر، والفلز الأخضر، وبلط سطحها بماء الجوهر، وكافور المرمر، فكأن قبابها [قد] عقدت بالجفون الدعج، والحواجب البلج، وكأن درجات منبرها تكاسير الشعور، مالت على متون الحور، أو مناطق الأعكان، ضمت على الخصور اللدان، ألف من عاج كالمباسم، نقش نقش الدراهم، وأبنوس كالغدائر، طبع الدنانير، وصندل كأطراف البنان، كتبت بهدب الأجفان؛ ثم اعتمدنا إلى المحراب، فكل خر راكعا وأناب، وجيء بمصحف عثمان ذي النورين، يحمل على المفرق واليدين، فلما خلعت مطارفه، وفتحت صحائفه، اذا بمدرج من فردوس الجنات أنبت نباتا أخضر، وطرز كخدود الولدان كما أطلعت الشعر، وكأنما خطت بمجارس النحل، ونضدت من روادف النمل، فاستمد مدادها من قلوب الكافرين، وخلق خلوقها من عيون الشهداء والصديقين، فلذلك لم يحتج بيانه إلى ضبط ونقط، ولا افتقر قرآنه إلى أكثر من ورق وخط، جرى فيه كاتبه على سجية لسانه فأمن اللحن، وأخذ بسنة أهل زمانه فترك العجم والشكل، وأمر بقول رب العالمين ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: ٩) فألصقته بكدي ليبرد ذلك الأوار، وأمرغت فيه خدي عسى ألا تمسه النار، ولمحت

стр. 2224

أثر دم الشهيد، فجئت [١٢٠ أ] من دمعي بأربعة شهود، وقلت: ألا فض فم الحسام كيف قصف لحمة، وأرغم أنف السنان كيف استرعت دمه، وتبا لعبيد الدار كيف أغمدوا شفارهم، وعجبا من بقية الأنصار كيف ضيعوا انتصارهم، و ﴿لا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ (الواقعة: ٧٥) لو شاهدت [يوم] ذلك البرح، لصار القلم في يدي كصدر الرمح، وأضحى المقط في يدي أبيض مثل السيف، ولكانت سكيني هنالك حساما، ويميني عمرا وصمصاما، وقلبي على لينه جمادا، وسعيي على ضعف حويله جهادا، حتى أرمي من رمى في المقتل، وأقتل دونه قتلة المكب المقبل. ثم خرجنا وقد صدئت نفوسنا، ووجلت قلوبنا، وخلت من الدمع عيوننا، ولم يتسع يوم الإقامة، لأكثر من هذه المقامة. باكرت الرحيل، ويممت في الغد الملك الجليل، الذي ضارع به المشرق المغرب، وسادت لحم سائر العرب. فلما فصلت عنها ورأيت من حسنها وجمالها، واتصال مساكنها وظلالها، ما حبس عليه ناظري، وجذب إليه خاطري، فقلت: سقى جديدا من الأيام قرطبة ماء الشباب وريق البارد الخصر وقفا يمد الندى في روضه شرقا من الغمام مع الآصال والبكر كأنه فيه والإمساء يبسطه رداء إلفين قد صاروا إلى وطر حتى إذا شيب كافور الصباح به أضحت تصعده نار من الزهر وبين هذين من لين ومن لطف روح يقيم سجود النجم والشجر

стр. 2225

لليل فيه سواد يستهام به كأنه في سواد العين والشعر وللنهار سنا يحكي تبلجه نور البصيرة مقرونا مع البصر كأنما شمسها تحت الغمام سنا وجه تنفس في مرآته نضر والطل فيها غداة القطر تحسبه حليا سقى زهر اللبات بالدرر وصفحة النهر الفضي مبسمه في روضها مثل خيط الفجر في السحر ثم نفذت لطيتي، وأخذت في وجهتي، وكان لا عهد لي بلقاء المعتضد بالله - تخول الله الدين والدنيا ببقاه، وأدام به على الزمان بهاه - وله من بعد الصيت ورفعه الشان، وفخاخة الذكر وعزة السلطان، ما تهاب النفوس سماعه، كما تألف الجفون اطلاعه، وتجل القلوب [١٢٠ ب] مكانه، كما تستلذ العيون عيانه، فأدركني من توهم لقياه، وتخيل سناه، ما يدرك راكب البحر قبل نشر الرياح، وشارب الخمر قبل امتزاج الراح بالراح. وفي فصل: ثم لقيته من الغد فقابلت من وجهه بدرا تأخذ منه البدور، وقبلت من كفه بحرا تغرف منه البحور، ولا غرو أن تغترف من بحر بحار، وتستمد من نور أنوار، فإن مادة البحور، من البحر المسجور، وعلة الأنوار، شمس النهار، وشاهدت منه منظرا استمال عيني حتى عقد به أطرافها، ومخبرا استهوى نفسي حتى كره إلي انصرافها، وظل ينفث من نبله سحرا أضبطه بذهني، وينثر من لفظه درا ألقطه بأذني، حتى صارت لي الثريا قرطا، والمجرة مرطا

стр. 2226

وأخذت في الرسالة، فلما سامح الأدب، وساعد المذهب، قلت: أيدك الله، إن من أرسل رسولا في مهم تطلع، ومن رجا صديقا لدفع ملم توقع، لا سيما إن رجاه شفاء من الخطب، واستهداء هناء لموضع النقب، فقد تعلم كيف نظر السقيم إلى العائد، وناهيك إن كان طبيبا، والتفات المقيم إلى الوارد، ويكفيك إن أورد محبوبا، وإن رئيسي - معظمك - أرسلني إليك وانتظر، وأوفدني عليك ثم استمطر، وقد رأى أن إسعادك مراده، وإنجادك مراده، فلوى عنك ما بطأ السباق، وعاق دونك ما أخر اللحاق، حتى تطاول الزمان، وحالت الأحيان، وفي ذلك من تعذيب نفسه، وإرجاء أنسه، ما يدعو إلى إشفاقك من شغل باله، وارتماضك من نكد حاله، إذ لا يلذ بحال يدري ما له عندك، في حلوه ومره، ولا ينعم ببال حتى يجتلي ما تنهيه إليه من جدك، في يسره وعسره، فلك الفضل في إيشاك إيابي، وإراحة مآبي، حتى أسرع بسرائه، وأقطع بما يزيد في مضائه. فخاطبت بما اقتضيته من إيجابي، وألفيته من سريع اطلابي، وكتبت إلى الوزير أبي الوليد بن زيدون برقعة أقول فيها: لم أزل منذ فارقت الشرق، وتخلفت ذلك الأفق، أتقلب بين ثلج يكفن، ووحل يدفن، وريح تبعث من في القبور، ورعد ينفح في صور النشور، وبرق يرمق أصحاب الجحيم، ويريهم صورة العذاب الأليم، إلى أن وصلت محل العليا، ومنتهى سدرة الدنيا، حضرة

стр. 2227

المعتضد بالله وقلت: ﴿فنعم عقبى الدار﴾ (الرعد: ٢٤) ما ينكر لأهل الجنة السلوك على متن النار، وكنت أسمع أنباءه فأستغرب، وأنزع تلقاءه [١٢١ أ] فأستدني واستقرب، حتى رأيت عيانا، واستوضحت بيانا، فاذا الخبر أزرى بالخبر، [والعيان أربى على الأثر] ، وقلت: بحق سأل الكليم رؤية الرب، وقال ابراهيم ﴿بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ (البقرة: ٢٦٠] وإني رأيت ملكا لا يصعد الطرف إليه إجلالا، ولا تطيق النفوس عنه انفصالا، قد جمع مهابة العدل، إلى ودادة الفضل، وجلالة المنصب، إلى لطافة الأدب، وركانة القعدد، إلى بشاشة التودد، وبرق الحسام، إلى ودق الأيادي الجسام، إن رمق الأعداء فأجفان نصاله طارفة الشفار، أو وصل الأوداء فأنداد بناته آلفة الأوطار، ضالته الحكمة، وشريعته الحجة، وإن رأى حقيقة أنصف، وإن رمى بحجة أهدف، يصيب بذهنه حدق الغيوب، ويعلم بظنه خائنة الأعين والقلوب: الأ لمعي الذي يظن لك الظن كأن قد رأى وقد سمعا وفي فصل [منها] : والمعتضد بالله لا يدع في ذلك تأنيسي بكل تحفة يهديها مع الأحيان، وطرفة يوليها مع كل دقيقة من الزمان، ولقد

стр. 2228

تاحفني يوما عندما طرأت الأشابيل في النهر، وانسربت من البحر، بعدة أسماك منثنية الذوائب متمكنة الحياة، لدنة النقل والحركات، فظلت في مائها تطير سابحة، وتسبح طائرة، وأقبلت تأخذ مرة جائية وأخرى سائرة، وقد تخمنت بالعقيان في جفونها، وتتوجت بالجمان في عرانينها، وتطوثت بالمرجان في عثانينها، وعذرت بالريحان فوق متونها، وشابت قبل الإسنان بطونها، وأربت على النشوان في اضطرابها ولينها، فأعلمت فكري في شذوذ هذه الصفات، وغرابة هذه الآيات، حتى عرفت تعليلها، وفككت تأويلها، فإذا بها قد شربت ماء نداه فلم يعدم حيوانها، ورأت محياه فخصت بالحلية أجفانها، وقبلت بساط مثواه فطوقت بالدر مراشفها. [فصل] في ذكر الوزير الكاتب أبي جعفر بن جرج والإتيان بقطعة من محاسن نظمه ونثره قال ابن بسام: وكان أبو جعفر وقته أحد الأعلام، وفرسان الكلام، وحل آخر أيام ملوك الطوائف بأفقنا من الدول، محل الشمس من

стр. 2229

الحمل، فحملها على كاهله، وصرف أعنتها بين أنامله، حسن شارة، وكرم إشارة، وعلو همة، وظهور نعمة، وله رسائل مطبوعة، ومنازع إلى الأدب بعيدة، وقد كتبت في هذا الفصل من نظمه ونثره، ما يعرب عن كنه قدره. جملة من نثره [١٢١ ب] لما حل ابن طاهر أبو عبد الرحمن من وثاقه، وخرج خروج الزبرقان من محاقه، خاطبه برقعة قال فيها: ما أعجب الأيام - أعقبت منها السلامة والسلام - فيما تقضي، وكيف تمضي، تتعاقب بتلوين، وتتراءى بين تقبيح وتحسين، وهي تعتب وتعتب، وتعتذر كما تذنب، وتصدع وتشعب، كما تجد وتلعب، وإن صنيعها عندنا فيك وإن كان ألام فقد أحمد، إذ أخمد ما أوقد، فعاد غيث على ما أفسد، وإن يكن - حمى

стр. 2230

الله دارك، وأدنى أوطارك - كشفت إليك صفحة اعتزاء، وتخطت حماك بقدم اعتداء، فقد تراجعت تمشي على استحياء، متنصلة مما اجترمت، متأسفة على ما اخترمت، وعند مثلك للقدر التسليم، فأنت الخبير العليم، أنه ما اختلف الليل والنهار، إلا بنقض وإمرار، ولا دار الفلك المدار، إلا بطوالع ومغار، وكنت في الأرض من أسنى مطالعها الباهرة الأنوار، فلا غرو أن أدركك ما يدركها من الأفول حينا والسرار. فقد تكسف البدور، ثم تعاودها الاضاءة والنور، والحمد لله أخرجك من ظلمات تلك الغماء، خروج السيف من الجلاء، والبدر بعد الانجلاء، تقي الثياب من تلك الطيخاء، وستر الله تعالى دونك ضاف منسدل، وقدحك في كل حال من بلاء وإعفاء فائز معتدل، ولا تأس على أعراض الدنيا فهي رهينة بزوال وذهاب، " وكل الذي فوق التراب "، هنأك الله وهنأ أهل الفضل فيك طرا هذا الصنع الأجمل، وجزى الله الوزير الأجل [الأكمل] عماد الكل جزاء السادة الذادة الأحرار، ذوي الأنفة والانتصار، فيا لها منقبة [تنقب] في البلاد، ومكرمة غراء ترد بهيما كل أغر جواد، سرى لها

стр. 2231

وقد نامت عيون، وتغاضت جفون، فأحمدت به السرى، حين نضا الصبح ثوب الدجى، وانحسمت تلك الخطوب عن حياته دون حسامه، كما انصدع عن الصديع ممزق ظلامه، ولقد رمى [فأصابت صوائب سهامه، " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى "] (الانفال: ١٧) وهكذا يكون الرأي الأصيل، والسعي الجليل، والرعي الجميل، والوفاء الذي قصر عنه قصير، أبقاه الله بقاء هذا الأثر، الذي يبقى بعد فناء البشر. ومن جواب أبي عبد الرحمن له على هذا الخطاب: وافى كتابك الكريم رائدا في جناب التسلية، ومنيرا من أفق المشاركة والتهنية، وأي أنس لم أجتن منه وكل فصل فيه أنا الشاكر عنه، والأيام - كما قلت - تلون بين الإسادة والاحسان معلوم، وتقلب [١٢٢ أ] بالإنسان قديم، تنقص غب ما تبرم، وتعترض على إثر ما تسلم، فالتفويض إلى الله في خطبها أهدى، والرغبة في ثوابه جل وتعالى أحرى، وكان لها بحكمه [إيغال] في جانبي، وإطلال على نوائبي، عبس لها الزمان إلي وكان مبتسما، وتشعب وما زال منتظما، إلا أنه تعالى بلطفه الحفي، وصنعه الحفي، ألهم إلى الصبر، ودل على ما يعود بالأجر، فسايرت الغمرة كما سايرتني، وتجلدت لها كما نالت مني، وأتاح الله خلالها ذخرا كريما انتضى لي حساما من رأيه صقيلا، وبذل دوني مذهبا في سعيه جميلا

стр. 2232

فابتزني من يد الدهر، وخلطني بنفسه في الحلو والمر، واحدي الوزير الأجل أبا بكر بن عبد العزيز - أحسن الله ذكره، وأدى عني شكره -. وبعد، فحق مساهمتك جليل، وثنائي على مبرئك موصول، ولا ارتياب عندي بانزعاجك أولا وابتهاجك آخرا، وصحة مودتك باطنا وظاهرا. ولأبي جعفر بن جرج من أخرى: ورد كتابك [الكريم] حلو المناسمة جزل الضريم، كما عصفت الريح وهب النسيم، ومعلوم - أعزك الله، والعذر في ذلك قد قدمناه - أن الجذاع لها نشاط، وأن القرح من الإعياء على سقاط، فكيف نذارعك هذا البساط، وأنت تفتن من الكلام بين المطبوع والمصنوع، وتأخذ بطرفي الموصول والمقطوع، فطورا في سهول الوهاد، وطورا على حزون النجاد، فمن لي وكيف لي، بمن سيله يحط الجندل من عل: هو السيل إن واجهته انقدت طوعه وتقاده من جانبيه فيتبع ومن شعره، قال في النسيب: وخذ تأنق صباغه قد اختلفت فيه أصباغه فللدر والورد أبشاره وللمسك والآس أصداغه بديع المحاسن قد صاغه فأبدع ما شاء صواغه

стр. 2233

نتيج من الشمس في قالب من الصبح أحكم إفراغه جبيب له مقلة، طرفها عدو فؤادي لداغه وقال: يا أملح الناس بل [يا] فتنة الناس يا غصن آس لأدواء الهوى آسي يا من أشبهها حسنا إذا طلعت بدرا على غصن يهتز مياس ما لي وما لك تجزيني قلى بهوى كفى بهذا فدتك النفس من باس [١٢٢ ب] وقال: كم بالمواكب من زور على رقب خطرا على الهول في غاب القنا الأشب أسمو إلى نير الأفلاك مرتقيا حتى خلوت بشمس الخدر في الحجب وأنجم الجو تبدو في حدائقها كالنور أزهر في أحوى من العشب ثم انثنيت وقد رويت من غلل هميم ولم أنس بقيا الدين والحسب وقال: هم صيروني خيالا غير منتعش لا أستبين من الأسقام في فرش ان الهوى كتب الآجال في مقل ال آجال من أنس عن وصلنا وحش بيض مناظرها سود غدائرها كما تلاقى جيوش الروم والحبش كيف النجاة لقلب بات منتهشا ما بين عقرب ذاك الصدغ والحنش

стр. 2234

أهله في ليال السعد مطلعها أفلن من كلل هلهلن في غبش جناب روح أرى ورد النعيم به ولا ورود وقد أشفيت من عطش يا عيشة النفس يا روح الحياة لها رحماك لولا رجاك النفس لم تعش وقال: ومذهب الخد لم يذهب بابريز مطرز الصدغ لم يرقم بتطريز قد راق بالنور حتى ما نحدده بأنه بشر إلا بتمييز بدائع بكمال الله شاهدة معجزات سواه أي تعجيز وقال: ساروا فودعهم طرفي وأودعهم قلبي فقد بعدوا عني ولا قرب هم الشموس ففي عيني إذا طلعوا في القادمين وفي قلبي إذا غربوا وله يندب أطلال الزهراء: سقى الله زهراء القصور وإن بدت لعينيك غبراء الدثور حيا المزن فلا جو كالجو الصقيل بأفقنا وذاك الهواء الغض كالملمس اللدن على قدر ما أعطى العيون من الحسن سناها غدت تعطي النفوس من الحزن وكم قد جنت تلك المنى أهلها المنى فأضحت وما غير الأسى رائد اللحن

стр. 2235

عفا حسنها إلا أزاهر دمنة وعرفا كأن المسك فيها من الدمن [١٢٣ أ] تذكرنا تلك المباني بعرفها وبالزهر تلك الأوجه الزهر [في] الحسن إذ الملك فيها والملوك أعزة وفيها الغنى لو كان ذاك الغنى يغني ووقف أبو جعفر بن جرح على قبر أبي عامر بن شهيد فرأى شعره المنقوش الذي يخاطب فيه صاحبه الزجالي: يا صاحبي قم فقد أطلنا أنحن طول المدى هجود - الأبيات؛ فقال أبو جعفر: ماذا طوت ويبها اللحود من كرم فرعه حصيد هذا الشهيدي رهن قبر وشعره ناطق شهيد بادرني في الصفيح منه محاور صحبه مثيد وأفصح القبر باعتبار وامتع القول والنشيد كيف يحير الجواب قوم كالتراب في تربهم هجود قد عفيت منهم جنوب وعفرت منهم خدود ونخرت بالبلى عظام وانتثرت في الثرى الجلود كم شيدوا في الدنا قصورا وقصرهم ملحد مشيد كم نعموا لذة وكم قد غادتهم بالكؤوس غيد ما منهم ان دعا سئول مبدئ قول ولا معيد [ومنها] :

стр. 2236

أعزز أبا عامر علينا أنك من دوننا الفقيد لو كنت تفدى فدتك نفسي وطارف المال والتليد كم لك من منطق صؤول فصل كما تزأر الأسود أين غماماتك الغوادي يروى بها الوهد والنجود أين وزاراتك الهوادي أين إماراتك الصعود ولت كما أقشعت سحاب فلا بروق ولا رعود أودى عميد الورى فكل ال ورى لفرط الأسى عميد ان تحتصدك المنون حصدا فكل زرع غدا حصيد ولو تنيل العلا خلودا كان لتلك العلا خلود إيه أبا عامر وأنت ال جواد بالقول لا تجود إنا أزرنا الركاب قصدا قبرك حق له القصود كالبيت تهوي إليه شعث ومشعرات الهدي قود جاد بذاك الثرى ربيع كمثل ما جاد منك جود ليزهر النور في ذراه كأنه لفظك البرود يقول من جاءه أوشي أم ذلك المنطق السديد وقال أيضا يرثي أبا بكر بن عمار من قصيد أوله: قد طال ما عمر المرء ابن عمار مستدرجا بأماني وأخطار يملي له وتملى كل ما وطر وللمقادير فيه أي اوطار [١٢٣ ب] استدرجته لما قد أدرجته به حتى أتى لمناياه بمقدار

стр. 2237

موارد خفيت عنه كصادرها والحين ما بين إبراد وإصدار وهل معمر قوم خالد أبدا ولو غدا العمر موصولا بأعمار وهل ممتع حال دائم أبدا والدهر رهن باقبال وإدبار مستوزر لم يئل منها إلى وزر كم قد تحمل من أعباء أوزار والمرء محتقب شرا وتحسبه خيرا [لاشكال] إبطان وإظهار تأتي الأمور إذا أقبلن مشكلة لكن تفاسيرها تغري بادبار وليس مقتبل أمرا كمدبر ما خابط الليل كالساري بأنوار ومن يقده الهوى أشفى به عمها على شفا جرف يهوي به هار وان مضى فلقد جد الردى فمضى للمبطلين ببطال ونظار ومحاسن أبي جعفر أشهر مما أثبت، ولا يفي شرط الكتاب بأكثر مما كتبت. فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي الفضل بن حسداي الإسلامي وإيراد جلة من نثره ونظمه كان أبوه يوسف بن حسداي بالأندلس من بيت شرف اليهود، فنجم

стр. 2238

بأفق سرقسطة في ذرا دولة ابن هود، وكان له في الأدب باع، وبما حمل من أعباء تلك الدولة استقلال واضطلاع، وقد رأيت له شعرا لم أروه فأجتلبه، ولا استجدته فأبحث عنه وأطلبه. ونشأ أبو الفضل ابنه هذا صفة احتملها، وكناية اختزلها، هضبة علاء، وجذوة ذكاء. وذهبوا أن جارية ذهبت بلبه، وغلبته على قلبه، فجن بها جنونه، وخلع اليها دينه، وعلم بذلك صاحبها فزفها إليه، ووضع زمامها بين يديه، فتجافى عن موضعه من وصلها، أضيع ما كان بين دلالها ودلها، أنفة من أن يظن الناس أن إسلامه كان من أجلها، فحسن ذكره، وخفي على كثير من الناس أمره. وهو أحد من عني في هذا الاقليم، بالنظر في أنواع التعاليم، على مراتبها، وتناول الفنون من طرقها، وأحكم علم لسان العرب، وبلغ الرتبة العليا من البلاغة في الشعر والأدب، فطارت الكتابة باسمه، وخلت بينه وبين حكمه، ولم يكن له بالشعر [١٢٤ أ] فضل عناية، فلم يجر منه إلى بعيد غاية، وقد أثبت من كلامه ما تعلق بحفظي، ووقع في شرط صدري؛ وكان بالجملة كما وصفه أبو عبد الرحمن بن طاهر في فصل من خطاب خاطب به المقتدر بن هود يقول فيه: " والوزير

стр. 2239

الكاتب أبو الفضل، وحيد الفضل وينبوع النبل، وما عدا قول القائل: إن أبا الفضل له فضله وأين في الناس فتى مثله جمع الخلال الزكية فاحتواها، ورأى تلك الجلالة فاحتذاها، وحق لمن ربي في حجرها، وارتضع بدرها، أن يتبين فيه رجحانها، ويتنسم عليه ريحانها، وأن يكون له الشفوف والتبريز، ويتحلى به الجانب العزيز ". جملة ما انتخبته له من ترسيله فصل له من رقعة إلى ابن رزين: كنت أرتاح إذا ومض من أفقه البسام بارق، أوذر من سمته الوضاح شارق، فأقتصر من تلقائه على استنشاق نسيم، وأنى لي من عرار نجد بشميم، حتى ورد ما أمتع بوابل بعد طل، وسقى نهلا ووالى بعل، واستوهب بمعجزي سحر حرام وحل، قد قصر الله عليه الإبداع: [طورا] في الندى ببراعة خطيب وبلاغة كاتب، وطورا في الوغى ببديهة طاعن وروية ضارب، والرب يديم إمتاع أشياعه ببارع جلاله، ويصون عيون الحوادث عن كماله، بمنه. واستوضحت ما أومأ إليه من نشد العبد الآبق، على النهد السابق

стр. 2240

وقد أعلمت في بقائه المكايد، وبثثت في اقتناصه الحبائل والمراصد، فكأن الرياح تخطفته، والبحار فمرته، والبلاد أخفته وأضمرته، وكيف يظفر بعبد حوش الفؤاد، شكيس القياد، رغب عن خضوع المماليك، ولحق بذ ؤبان الصعاليك، يعتسف شتى المسالك، ويعروري ظهور المهالك، فاتح كاسمه سائح، على أجرد سابح: كأن على أعطافه ثوب ماتح وعسى أن يعود هذا الذاهب وشيكا إلى ملكه، وينتظم المتبدد من سلكه، وإن ند هذا الشارد، فما يأسى له الفاقد، فلا حظ في ارتباط غادر، ولو أربى في البأس على أسد خادر. وما أولاه - أيده الله - أن يرتاد لصنيعه طريق المصنع، ويودعها خير المستودع، وأن يرتاب بالثقات، ويسيء ظنا بالخدم تفرسا في السمات، وقد عري عن الخير من جمع تلك [١٢٤ ب] الصفات: من زرقة مقلة، وصفرة بشرة، وحمرة شعرة، لا جرم أنه نزع بدناءة الأروم، إلى أشباهه الروم، فليبعد مثله، فسيناله ما هو أهله، ويوبقه غيه وجهله.

стр. 2241

وله من أخرى إلى المستعين يتعذر من خروجه عنه: الدهر - أيده الله مولاي - منتقل متقلب، والدنيا دول وعقب، ومقام القطان في الأوطان، كمقام الأرواح في الأبدان، تصحبها إلى آجال موفاة، عند آماد مستوفاة، فمدد الأحوال مناسبة للأعمار: وإنما الناس نفوس الديار وقد عمرت ذلك الأفق ما امتد المهل، فلما نبا أجد الظعن والتحول، وليس للمملوك على مولاه حق يدعيه، ولا مطلب يقتضيه، وإنما هو إحسان يوثق ويقيد، أو تسريح يطلق فيشرد، قال تعالى ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (آل عمران: ١٥٩) وقال الحكيم: " من لان تألف، ومن شد نفر "؛ ولكل مقام مقال، ولكل زمان رجال، وفي كل مضيق مجال، وقلما اطردت الحظوة في الدول، لمن اختص بالأسلاف الأول، ومن خدم الآباء لم يخدم الأولاد، فضلا عن من خدم الأجداد، وأنا أية تصرفت، وحيث تقلبت، العبد القن، فليحسن بي الظن، فإني لا ألم بنقص ولا ثلم، ولا أهم ببغض ولا وصم. ومن أملي أن ألقى مولاي يوما من الدهر، بوجه يسفر عن أساريره الزهر، صافي الفرند من صدأ [يعيب] ، نقي الأديم من خجل يريب، وله علي من كرم العهد كالئ ورقيب

стр. 2242

وإن أضمرتني من جوانح البلاد حجب وغيوب: فلو كنت بالنقاء أربا سومها لخلتك إلا أن تصد تراني وقد خاطبت من ثقت بوده، وأنست إلى جده، فإن جاد مولاي بالصفح، وعاد بالخلق السمح، فهو الذي يضطره إليه عالي منصبه، وسامي رتبه، وإن صرم الحبل، وجذم الأصل، فهو حكم الزمان الفاسد، ولا نعمى للشامت الحاسد، فليس بالباقي ولا الخالد، فكل عرض ذاهب مع جسمه الفاني، و " ذكر الفتى عمره الثاني " وان استحل حرام، من دار أورثها كرام، فالعفاء على الجفن إذا سلم الحسام، وقد صانه وأغمده، من زانه إذا تقلده، وإن تعدى إلى تغيير الرسوم، فربما لبس على الإقواء ثوب النعيم، وقد قال سقراط: اذا انكسر الحب لم ينكسر المكان، ولا يتسع في تغييره الامكان، ولك في ما تراه المثل الأعلى، وفي ما تتوخاه الشرف الأزكى. قوله: " وانما الناس نفوس الديار " لفظ بيت علي بن محمد الإيادي، حيث [١٢٥ أ] يقول: ماتوا فماتت أسفا دارهم وإنما الناس نفوس الديار

стр. 2243

وقوله: " فالعفاة على الجفن إذا سلم الحسام " من قول المعري في مرثية في أبيه، ومن جملة شعر يقول فيه: وإجلال مغناك اجتهاد مقصر إذا النصل أودى فالعفاة على الجفن وقوله: " فربما لبس مع الإقواء ثوب النعيم " من قول أبي نواس: لمن دمن تزداد طيب نسيم على طول ما أقوت وحسن رسوم تجافى البلى عنهن حتى كأنما لبسن على الإقواء ثوب نعيم وإنما أخذه أبو نواس من قول أحد الأعراب: شطت بهم عنك نية قذف غادرت الشعب غير ملتئم واستودعت سرها الرياض فما تزداد طيبا إلا مع القدم أو من قول الآخر: ما غير الدار بعد ساكنها ريح ولا ديمة ولا مطر كأنها ترعة يمانية قد نشرت في عراصها الحبر وقال الأخطل: لأسماء محتل بناظرة البشر قديم ولما يعفه سالف الدهر يكاد من العرفان يضحك رسمه وكم من ليال للديار ومن شهر

стр. 2244

وقال أبو صخر الهذلي: لليلى بذات الجيش دار عرفتها وأخرى بذات البين آياتها سطر كأنما م الآن لم يتغيرا وقد مر للدارين من بعدنا عصر وقال مزاحم العقيلي: تراها على طول القواء جديدة وعهد المغاني بالحلول قديم وله من أخرى: الناس - أيد الله مولاي - أطوار، وللبصائر ظلم وأنوار، وأكثرهم ساع لأمر لا يدركه، مراع لرأي لا يملكه، والحق مستبهم على من يتعسف المجهل فيما يسلكه، ومن أبصر رشده، واستوضح قصده، أمضى عزمه مجدا في سعيه، ولم يستشر غير نفسه [١٢٥ ب] في رأيه، وقد سدد الله تعالى وأنجح المسعى، وقذفتنا غربة النوى، حين هوت بي حيث الإلف والهوى، وله الطول في الإذن والقبول، والتوطئة للحلول، بتمهيد منزل يتبوأ، وبمديد ظل يتفيأ، لا زال فناؤه للقصاد مألفا آهلا، وحرما آمنا. وله من أخرى عن المؤتمن إلى ابن طاهر: محلك - أعزك الله - في طي الجوانح دان وإن شط المزار، وعيانك في أحناء الضلوع باد وإن نزحت الديار، فالنفس فائزة منك بتمثيل الخاطر بأوفر الحظ، والعين

стр. 2245

نازعة إلى تمتع من لقائك بظفر اللحظ، فلا عائدة أسبغ بردا، ولا موهبة أسوغ وردا، من تفضلك بالخفوف واصلا مسعدا، إلى مأنس يتم بمشاهدتك التئامه، وشمل يتصل بمحاضرتك انتظامه، ولك فضل الإجمال، في الامتناع [من ذلك] بأعظم الآمال، والإعداء على الأيام بقضاء دين ممطول، وإنجاز موعود لم أحل منه بغير تسويف وتعليل، وأنا على شرف سؤددك حاكم، وعلى مشرع سنائك حائم، وأنت - وصل الله سعدك - بسماح شيمك، وسجاحة خلائقك وهممك، تنشي للمؤانسة وعدا، وتوري بالمكارمة زندا، وتقتضي بالمشاركة شكرا حافلا وحمدا. وله من أخرى عنه أيضا: وردني كتابك، أحسن ما أملاه خاطر، واجتلاه ناظر، من ألفاظ ومعان، اطردت في سلك إبداع وبيان، فحيت بالروضة الأنف، وعادت بعذاب النطف، وهو المقال الصادر عن كرم الطبع، الدال على شرف الأصل والفرع، الذي تفتر عن واضح الود مباسمه، وتنشق عن ناضر العهد كمائمه، وتنهل بواكف البر غمائمه، وقد وعيت منه ما توفر به الحظ، وتسوغه السمع واللحظ
следующие страницы →