Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
وله من أخرى إلى المستعين يتعذر من خروجه عنه: الدهر - أيده الله مولاي - منتقل متقلب، والدنيا دول وعقب، ومقام القطان في الأوطان، كمقام الأرواح في الأبدان، تصحبها إلى آجال موفاة، عند آماد مستوفاة، فمدد الأحوال مناسبة للأعمار:
وإنما الناس نفوس الديار
وقد عمرت ذلك الأفق ما امتد المهل، فلما نبا أجد الظعن والتحول، وليس للمملوك على مولاه حق يدعيه، ولا مطلب يقتضيه، وإنما هو إحسان يوثق ويقيد، أو تسريح يطلق فيشرد، قال تعالى ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (آل عمران: ١٥٩) وقال الحكيم: " من لان تألف، ومن شد نفر "؛ ولكل مقام مقال، ولكل زمان رجال، وفي كل مضيق مجال، وقلما اطردت الحظوة في الدول، لمن اختص بالأسلاف الأول، ومن خدم الآباء لم يخدم الأولاد، فضلا عن من خدم الأجداد، وأنا أية تصرفت، وحيث تقلبت، العبد القن، فليحسن بي الظن، فإني لا ألم بنقص ولا ثلم، ولا أهم ببغض ولا وصم. ومن أملي أن ألقى مولاي يوما من الدهر، بوجه يسفر عن أساريره الزهر، صافي الفرند من صدأ [يعيب] ، نقي الأديم من خجل يريب، وله علي من كرم العهد كالئ ورقيب
стр. 2242
وإن أضمرتني من جوانح البلاد حجب وغيوب:
فلو كنت بالنقاء أربا سومها لخلتك إلا أن تصد تراني
وقد خاطبت من ثقت بوده، وأنست إلى جده، فإن جاد مولاي بالصفح، وعاد بالخلق السمح، فهو الذي يضطره إليه عالي منصبه، وسامي رتبه، وإن صرم الحبل، وجذم الأصل، فهو حكم الزمان الفاسد، ولا نعمى للشامت الحاسد، فليس بالباقي ولا الخالد، فكل عرض ذاهب مع جسمه الفاني، و " ذكر الفتى عمره الثاني " وان استحل حرام، من دار أورثها كرام، فالعفاء على الجفن إذا سلم الحسام، وقد صانه وأغمده، من زانه إذا تقلده، وإن تعدى إلى تغيير الرسوم، فربما لبس على الإقواء ثوب النعيم، وقد قال سقراط: اذا انكسر الحب لم ينكسر المكان، ولا يتسع في تغييره الامكان، ولك في ما تراه المثل الأعلى، وفي ما تتوخاه الشرف الأزكى.
قوله: " وانما الناس نفوس الديار " لفظ بيت علي بن محمد الإيادي، حيث [١٢٥ أ] يقول:
ماتوا فماتت أسفا دارهم وإنما الناس نفوس الديار
стр. 2243
وقوله: " فالعفاة على الجفن إذا سلم الحسام " من قول المعري في مرثية في أبيه، ومن جملة شعر يقول فيه:
وإجلال مغناك اجتهاد مقصر إذا النصل أودى فالعفاة على الجفن
وقوله: " فربما لبس مع الإقواء ثوب النعيم " من قول أبي نواس:
لمن دمن تزداد طيب نسيم على طول ما أقوت وحسن رسوم
تجافى البلى عنهن حتى كأنما لبسن على الإقواء ثوب نعيم
وإنما أخذه أبو نواس من قول أحد الأعراب:
شطت بهم عنك نية قذف غادرت الشعب غير ملتئم
واستودعت سرها الرياض فما تزداد طيبا إلا مع القدم
أو من قول الآخر:
ما غير الدار بعد ساكنها ريح ولا ديمة ولا مطر
كأنها ترعة يمانية قد نشرت في عراصها الحبر
وقال الأخطل:
لأسماء محتل بناظرة البشر قديم ولما يعفه سالف الدهر
يكاد من العرفان يضحك رسمه وكم من ليال للديار ومن شهر
стр. 2244
وقال أبو صخر الهذلي:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها وأخرى بذات البين آياتها سطر
كأنما م الآن لم يتغيرا وقد مر للدارين من بعدنا عصر
وقال مزاحم العقيلي:
تراها على طول القواء جديدة وعهد المغاني بالحلول قديم
وله من أخرى: الناس - أيد الله مولاي - أطوار، وللبصائر ظلم وأنوار، وأكثرهم ساع لأمر لا يدركه، مراع لرأي لا يملكه، والحق مستبهم على من يتعسف المجهل فيما يسلكه، ومن أبصر رشده، واستوضح قصده، أمضى عزمه مجدا في سعيه، ولم يستشر غير نفسه [١٢٥ ب] في رأيه، وقد سدد الله تعالى وأنجح المسعى، وقذفتنا غربة النوى، حين هوت بي حيث الإلف والهوى، وله الطول في الإذن والقبول، والتوطئة للحلول، بتمهيد منزل يتبوأ، وبمديد ظل يتفيأ، لا زال فناؤه للقصاد مألفا آهلا، وحرما آمنا.
وله من أخرى عن المؤتمن إلى ابن طاهر: محلك - أعزك الله - في طي الجوانح دان وإن شط المزار، وعيانك في أحناء الضلوع باد وإن نزحت الديار، فالنفس فائزة منك بتمثيل الخاطر بأوفر الحظ، والعين
стр. 2245
نازعة إلى تمتع من لقائك بظفر اللحظ، فلا عائدة أسبغ بردا، ولا موهبة أسوغ وردا، من تفضلك بالخفوف واصلا مسعدا، إلى مأنس يتم بمشاهدتك التئامه، وشمل يتصل بمحاضرتك انتظامه، ولك فضل الإجمال، في الامتناع [من ذلك] بأعظم الآمال، والإعداء على الأيام بقضاء دين ممطول، وإنجاز موعود لم أحل منه بغير تسويف وتعليل، وأنا على شرف سؤددك حاكم، وعلى مشرع سنائك حائم، وأنت - وصل الله سعدك - بسماح شيمك، وسجاحة خلائقك وهممك، تنشي للمؤانسة وعدا، وتوري بالمكارمة زندا، وتقتضي بالمشاركة شكرا حافلا وحمدا.
وله من أخرى عنه أيضا: وردني كتابك، أحسن ما أملاه خاطر، واجتلاه ناظر، من ألفاظ ومعان، اطردت في سلك إبداع وبيان، فحيت بالروضة الأنف، وعادت بعذاب النطف، وهو المقال الصادر عن كرم الطبع، الدال على شرف الأصل والفرع، الذي تفتر عن واضح الود مباسمه، وتنشق عن ناضر العهد كمائمه، وتنهل بواكف البر غمائمه، وقد وعيت منه ما توفر به الحظ، وتسوغه السمع واللحظ
стр. 2246
وإن كانت لك مزية السبق بفضل البيان [الذي] يبذ الجاهدين عفوة، ويفوت المجتهدين شأوه، فالتكافؤ واقع بالتساوي، والتوازي نازل بمحض التجازي، اكتفاء بما تضمره القلوب، وتستشفه الغيوب، وهو اليقين الذي تجد النفوس برده، وتقف المعارف عنده.
وله عنه من أخرى: أنا على رسمي في الحظ الموفور منك منافس، وإلى عهدك الكريم النضير آنس، ولما انتظم بيننا من مواثيق الوفاء كالئ حارس، وان سدت دون اللقاء المطالع، فما صدت عن الصفاء المشارع، وإني لأدخرك للجلى، وأجيل في الاعتداد بسنائك القدح المعلى، [١٢٦ أ] والله يديم للعصر التحلي بمحاسنك، ويوضح سروه بسمات فضائلك:
وله من أخرى: إذا انتظمت القلوب - أعزك الله - بالوداد المكين، ووردت بصفائه في المشرع المعين، تساوى البعاد والاقراب، ولم يوحش التوقف والإغباب، ولا مزيد على ما تحققه من جنوحي إلى فضلك، وتصريحي بأحسن الثناء على جلال محلك، واعلم أن عهدك الناضر لا يذوى، وبرك المستجد لا يبلى.
وله من أخرى: المقدمات توطئ في الكلام لإيضاح النتائج، وإمرار الكلام على اطراد المناهج، وأما إذا كان المطلوب جليا متبينا، والوداد المرتاد في النفوس زكيا متمكنا، فتكلف ما يستغنى عنه عي
стр. 2247
لا سيما إذا خوطب ذكي ألمعي، ومثلك الحميم الكريم الذي يتيقن صفاؤه، ويدخر وفاؤه؛ وكنت قد خاطبتك مشعرا نيتي في التحول، سوعزمي في التجول، حتى تلقى العصا، وتستقر النوى، حيث الصغو والهوى، وأومئ في ذلك إلى البيت الذي يعرف ويروى:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ولم تدر أني للمقام أطوف
وقد تفسح المسلك بما يسره الله من تملك تلك القاعدة، وأنا بحول الله مزمع للرحيل، إذا انفرجت السبيل، فطولك في إعلامي بحال المسالك من مرسية إلى المغارب المتياسرة والمتباينة، وكيف مكان التشييع حتى يوصل إلى مأمن بذمام لا يخفى وعرف لا ينكر، فأمجدني من ذلك بيانا، كأني قد شاهدته عيانا، فالحازم الذي يسدد إلى الغرض قبل إرسال سهمه.
وله [من أخرى] إلى ذي الوزارتين أبي بكر بن عمار عناية بابن الحداد: المحاسن التي تؤثر عنك بالسرو والسناء، والمحامد التي تتلاقى عليك بها ألسنة الثناء، تميل إليك أحناء القلوب، وتقف عليك نخائل
стр. 2248
الصدور، وقد أصبت بفضل الله حلية الزمان، ومفخر الأوان، ومسمى عيون الأفاضل والأعيان، بما نزعت به من كرم الخلائق، وسمو الهمم السوابق؛ وما زلت - أدام الله عزك - تجلو على المتوسلين إليك صفحات البشر، وتنزلهم في ذراك عرصات الإجمال والبر، فتجني ثمرات المجد، وتتنشق نفحات الشكر [والحمد] .
ومن أولئك الأعيان الأكابر، [بل] المبر عليهم بخصائص المآثر، فلان، فاني ما أفاوضك في وصف مناقبه، وأعلمك بكريم ضرائبه، واعتلائه [١٢٦ ب] في مراقي العلم وتسنمه، وشفوفه بالبراعة في الإبداع وتقدمه، مفاوضة من يسم لديك غفلا، وينبه خاملا، ويذكر ناسيا، فإنك أعلى ملحظا، وأزكى تيقظا، من أن يغيب عليك مكان مثله، ولا يقرر لديك سمو محله، في إحسانه وفضله، وحسبك به جملة تغني عن التفصيل، مع عالي نظرك الجليل، أني ما عاشرت أكبر منه في البر والصلة، ولا أقوم بحقيقة الود والخلة، ولا ناسمت أطيب منه نفسا، ولا أمتع أنسا، نفاسة خيم، صادرة عن شرف أروم، وأنت خليق بالاستكثار من جانبه، والاجمال في معونة مطالبه.
وكتب عن المقتدر إلى أخيه صاحب لاردة: وصلت الهدية التي
стр. 2249
أصدرتها ساحة الفضل، وتضمنتها راحة النبل، وزقها المجد زفاف الهدي ترفل في الحلي والحلل، وتقدم سفير الآس، فأذاع ما حمل من طيب الأنفاس، وتلقيته بما يتقلى مثله من كرام الزوار، إذ كان بحكم الإجماع سيد الزهر والنوار، بدوام عهدته، وبقاء جدته، وتمادي نضرته، وتناولت الظرف الظريف الواصل معه ففضضت ختامه، وترشف مستودعه، وتسوغت منه شمولا معتقة، لذة عبقة، قد تناهت رقة وصفاء، ولم تبق الأيام منها إلا هباء ولألاء، فهي تمنع الكف، ما تبيح الطرف، وأدرتها بالقدح الذي أجلت به معلى القداح، قائما على قدم الإعظام أهز عطف الارتياح، وتخيلت أني في ذلك المألف العزيز حاصل، وفي ذلك المأنس الجليل ماثل، فنحن متلاقيان بعيان الإمحاض، وان تناءينا بالذوات والأشخاص؛ ووصل مبكر البهار الجني، ممتعا بمنظره البهي، وعرفه الذكي، قد شخصت أحداقه، وراقت أوراقه، يمد بنان لهب، ويرنو بحدق حمر [تلتهب] ، كأنه إكليل تبر، مرصع بيواقيت صفر، وهو شبيه الراح لونا ومشما، قد تكافأ بينهما الانتساب، يحكيه منها الجامد، ويحكيها منه المذاب
стр. 2250
وأسفر غض الاسفرج، عما خص به ذلك الأفق من التراب الدمث والهواء السجسج، فسقاه الله صوب السحاب، ولا زال مخضر الربى خضل الجناب، واقتضى حكم الأدب المتعارف في السلام والمباداة، رد التحية على سبيل المناولة والمعاطاة، لا على سبيل المعارضة والمباراة، وقد أنفذت ريحانا مشموما، ورحيقا مختوما، ولك الفضل في تسوغ ما سقيت، وتنشق ما أهديت [١٢٧ أ] .
وله من أخرى إلى المقتدر على لسان النرجس: أنا - وصل الله بهجة سلطانك، ونضرة أوطانك - إذا لحظتي بعين الاعتبار، قائد النور، ووافد الأزهار، وأنا لها جالب وهي طاردة ومبشر بورودها وهي مؤيسة متباعدة، فاني غلبت بما طبعي من التيقظ والذكاء، خلد التراب وصرد الهواء، فقمت عن إساءة الفصل عذرا، ونحلت الشتاء على الربيع فخرا، وفضلت الورد سيد الأزهار طرا، وتورده شاهد خجله، وتسترده من الحياء في أكمته وكلله، فلي عليه فضل العيون
стр. 2251
على الخدود، وشرف على المسود، فبينا أنا سقيم الجفون من غير سقم، مائل الجيد من دون ألم، حتى أتيح لي ظريف من خواصك يقصدني، ونبيل من عبيدك يعتمدني، فأوجست حذرا وتشوقا، حتى أنسني بالكلام تألقا، وقطفني بغير إيلام تلطفا، وحاورني بلفظ يلقنه النوار عيانا، وإن لم يحسن عنه بيانا: يا أيها الزهر الفارد، والنور الشارد، الساحر بحدقه وأجفانه، الناظر بورقه وأغصانه، الباهر بورقه وعقيانه، ما لي أرى قضبك غبرا ذابلة، ومنابتك شعثا ناحلة، وعهدي بك تمج الأنوار ريقتها في ثغورك فتصبح حافلة، وترضع الأنداد أفنانك فتغدو حاملة، فتنوء بجيدك منثنيا، كأنك أصبحت منتشيا، وقد ساءني ما عاينت من ضناك ونحولك، فبادرت جناك لإشفاقا من ذبولك، لأنقلك من جناب النبات الهشيم، إلى جناب السرور المقيم، وتسعد بالفوز العظيم، باستلام راحة الملك الكريم،
وفي فصل منها: فليت الرياض تعلم بمكاني فتذبل كمدا، وتدوى
стр. 2252
حسدا، وتراني وقد أنرت في أفقك البهيج، وزهرت في روضك الأرج، فكم تمنى الأزهار أن تضام لديك مطالبي، وتكدر في ذراك مشاربي، فأزل عني حسدهم بكبتهم، فقد شجاهم تقدمي قبل وقتهم، وأكمل مسرتي وتمم أنسي، بلقاء شقيقة نفسي، فإني قسيمها وحميمها، ومني لونها وشميمها، وأنا أسبه بها إذا شجت وأدارت عيون حبب، من حصباء در في أرض ذهب، وطبعي طبعها، وما تقر عيني إلا بدمعها، فلا تحتقر أيها العزيز مناب مثلي واعظا مفصحا، وهنا شفيعا منجحا، فان الأزهار على العموم، تجلو قذى العيون وتفض ختام الهموم، فهي كالثغور أوضحها ابتسام، وكالآلي زانها [١٢٧ ب] في الأجياد انتظام. وما مثلت بين يديك إلا لأسم غفل العلم، فالعصا قرعت لذي الحلم، فلا تضه أيها الملك سبق تقدمي، وحق مقدمي، فقد أشخصت طرفي إليك آملا، وبسطت نحوك كفي سائلا، وحسبي أن تلاقيني ببشرك، وتناجيني بفكرك، فتنبه العزم من سنة، وتنشر الحزم من جننه، فلك من براعة العلا، وأصالة النهى، ذكاء يري لأول اقتداح زنده، ومضاء يفري بأيسر هز حده، ولديك من مناهل الكرم، وفواضل النعم، ما يزري بالمزن ويوفي على الديم:
стр. 2253
فانفح لنا من طيب خلقك شيمة إن كانت الأخلاق مما توهب
ورو برح ظماي، وانقع صداي، ولا تكل إلى الأنواء سقياي.
وله عنه من أخرى إلى المظفر أخيه، وقرن بالرقعة ظرف بلور [أحمر] مملوءا خمرا مع باقة آس، يسليه عن ابن توفي له، واشتد حزنه عليه: لما كانت نفائس المواهب، وخطيرات الرغائب، مرتادة لأجل النفس، التي بها مادة الحياة والحس، وهي نور البدن المبصر وسائسه المدبر، وجب بحكم العقل الذي أفاض عليها سناه، وأفضى إليها بهداه، أن تكون العناية بدوام صحتها، موازية لتقدمها بالفضيلة على البدن ومزيتها، إذ كان لها البقاء وله الفناء، ولها الفوز في المعاد، وله الانتفاض إلى الأضداد؛ وخاصة النفس التي تنفرد بها ولا تشارك فيها معنى السرور والجذل، وغاية الرجاء والأمل، وبه المتاع في الدنيا، والنعيم في الأخرى، ونقيضه الحزن، وهو ألم من آلامها يطمس نورها ويكدر صفاءها، وينغص نعمتها وهناءها، فإذا انجذبت مجيبة لدواعي الهم منقادة في زمانه، ولم تدافعه عند اعتراضه وإلمامه، اشتملت على المضض والنكد، وحصلت في غمرة الركود والتلبد. وبحكم ذلك يحق على الحازم اللبيب، أن لا يني عن الأخذ من أقسام المسرة بأوفى النصيب، فيستمتع بالمواهب أيام مصاحبتها، ولا يجزع عند ارتحالها
стр. 2254
ومفارقتها، ويستشعر أنها معارة لتؤدى، مودعة لتقضى، فلا يأسف عند اقتضائها وارتجاعها، ولا يأسى عند بينها ووداعها، ويجاهد الهم إذا اعتلج في صدره، بمضاء عزمه وقوة صبره. وقد أسمى الله من مراقي شغفوك وتقدمك، وأوضح من معالي سجاياك وشيمك، بحيث يقتدى بأثرك، ويهتدى بعملك، وحسبي [١٢٨ أ] أن أومئ بما عرضته مذكرا، فتلحظه بنظرك الجلي معتبرا، وتعرض عن نوازع الخطوب كقصرا، وتستأنف مقتبل الزمان الأغر الجديد، والدهر الميمون السعيد، فتشرع لمطالعة الأنس بابا، وتمهد لمواصلته جنابا، وقد تعرض لي إلف كنت أصله وأدنيه، فأنا الآن أهجره وأقصيه، فلقي مني انزواء عنه وانقباضا، وشكا مني جفاء وإعراضا، فتصدى ضارعا ملحفا، في أن أرسله نحوك مستعطفا، فأسعفته وأودعته، ما تحمله وأزعجته، وهو - أنس الله مشاهدتك، وأنضر معاهدتك - زائر ملطف يتقد طبعه ذكاء، ومؤنس يستشف ظرفه صفاء، عطر المذاكرة عبق المفاكهة، يفض ختام الهموم بنفح المناسمة وطيب المفاوضة، وقد زار متوصلا برسالتي، متوسلا بشفاعتي، وصار عن يدي وانتقل عن راحتي، وهو المجفو المهجور حتى تأذن بتقريبه وإيثاره، والعامل المصروف حتى تمن بتوليته وإقراره.
وكتب على لسان المنجم بلاردة، الملقب بالعافية، وقد أصيبت إحدى
стр. 2255
عينيه، إلى الطبيب بها الملقب بالبرذقون، وقد أصيب إحدى خصييه: أنا أدعو [لك]- يا سيدي ومولاي ومن أنا عبده على العموم - بمعهود الدعاء بدوام النعمة، وأقابله بعد بما يخصه، حسب ما علي ينصه:
فوقيت بقراط الطيور تطببا إذا عالج البرسام أو أبرأ البرص
من المنسر الأشغى ومن حزة المدى ومن بندق الرامي ومن قصة المقص
فهذي دواهي الطير وقيت شرها إذا الدهر من أحداثه جرع الغصص
وقد جرعتني أحداث الدهر غصصا، وعدت مثلوما منتقصا، مشوها بعد اقتبال الجمال، مؤنس اليمين موحش الشمال، كأني شق في قفر، أو حوت موسى في بحر، وقد صنتها برقعة خمار أسود، وأدعي أني أشكو الرمد، وربما سقط فأتبعه باليد، وأنشد قبل أن أنشد:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد
стр. 2256
ومالي سلو عندما دهتني الأيام بالنقص في أكرم أعضائي وأشرف جوارحي إلا بما أنسني به إخواننا قائلا: هاك حديثا يسليك ويعزيك، بمزيد حظ وصل إلى الحكيم أخيك، فقلت: هات حدثني بالحق عن البرذقون، فلست ممن يؤمن بالأغرقون، فقال: إني اختلست منه في الحمام نظرة فرأيت إحدى خصيتيه في قدر الدلاعة العظيمة، [١٢٨ ب] والأخرى على الهيئة القديمة، فقلت له: أراك أبرزت قثاءة في عباءة، قد ركبت باذنجانة وأردفت دباءة. فأطربني طيب نادرته، وأمتعتني خبر لإفادته، وعدت إلى اللازم من مخاطبتك بالتهنئة والإيناس، وما علينا من كلام الناس، وما تخطتني نعمة وفدت عليك، ولا آلمني نقص مع مزيد وصل إليك، والعاقل لا يتنكد بما تراه العوام قبيحا مستحيلا، إذا كان في حكم الخواص حسنا جميلا؛ وفي عظيم إحدى خصيتيك - أنماهما الله - فضائل يعرفها العلماء، ولا يجهلها الحكماء، فقد الفيلسوف: إن البيضتين كالمعلاقتين، تعدلان الجسم، وتسوسان
стр. 2257
البدن، وهما كالمادة للقوة الطبيعية، والمعونة للحرارة الغريزية، ويشبهان بالأثقال تعلق من السقاء فترم رخيه، وتضم قصيه، وإذا عظمت الواحدة، بانت الخصلة الزائدة، فان البناء إنما يزن برصاصة، والمهندس يرصد بشاقول، وربما هجس في نفسك، أنك تصير إلى الفرك من عرسك، فتشدك، وإنما تقصدك:
قد حلفت بالله لا أحبه أن طال خصياه وقصر زبه
وهذا النشيد، في مثلك بعيد، فان متاعك يطول للصغرى، وتطوله الكبرى، فيتبين اعتداله، ويبدو كماله، وقد سلمتا من التشبيه بفروجين أو أترجتين، ولا يسوغ فيهما ولا يجوز، أن يكونا كثنتي حنظل في ظرف عجوز؛ أستغفر الله، وكيف تفركك غانية، أو تعتصم منك مخدرة، وما على ظهرها خود إلا وهي إذا عثرت في مرطها أعيذت باسمك
стр. 2258
ولا فتاة عروب إلا وهي تستغشي من غير نعسة رجاء في لقاء خيالك، ولا محبوبة مصونة إلا وهي ترقع الكوى بالمحاجر لممرك، وهل في تمامك ريب فيعالج بحجة، أو في فضلك رد فيثبت ببينة، وقد استويت الآن بأثقالك، واعتدلت بأرطالك، ولوددت أن الأيام أعطتني ما منحتك زيادة على ما نقصتني فكانت تكمل صناعتي، وتنفق بضاعتي، ولا ستغنيت عن اسطرلاب كري، وكرة ذات كرسي، إذ كنت أعوذ من الأدرة، إلى أصح كرة، قد ماسها جرم أسطواني، ومخروط عصباني، يكون تارة عضادة اسطرلاب، وتارة مقياس باب. وما أنا وتمني ما لا أدرك، وحسد ما لا أبلغ!! الآن عدت فائقا في الجماع، وليس العيان كالسماع، فالخصية إذا عظم جرمها، وكبر حجمها، تضاعفت في التوليد قوتها، وتزايدت مادتها، ولك المزية، فإنك إنسان حجلي، أو حجلي إنسي، [١٢٩ أ] فقد ذكر صاحب كتاب الحيوان أن إناث القبج
стр. 2259
تستقبل الذكورة، فتتنسم الريح تهب من تلقائها فتحبل، وتصيخ للصوت يصل من تلقائها فتحمل، فاسحب أذيالك فاخرا، فقد تقدمت أولا وآخرا، فلك من جهة الإنسانية سبقك في الفضائل، وحلاوة الشمائل، وحرارة النادرة، وطيب الفكاهة، مع شفوفك في الصناعة، فعلاجك في الاصابة واللطف كأنه وحي أو أخذ بالكف، إذ كنت تهزل بجالينوس، وتلهو بلحية اسقليبيوس، فإنك من فرقة أصحاب الحيل، وهذا رأي أتاك من جهة مزاج الحجل، فنصرت تاسلاس، على جميع الناس، وغنيت بجنس الاسترسال والاحتباس، عن هذيان أصحاب القياس؛ وأما فضلك من جهة القبج فهناك الملاحة والحلاوة، والرشاقة والطلاوة، فلك من جمال الشفة، ما يعرفه أهل النصفة، فقد قبح كل لمى بالسمرة، وحسن لماك بفضل الحمرة، فالحسن أحمر، وهذا حق لا ينكر، ولك من جهة المشي ما جهدت الطير في امتثاله، كلفا بجماله، وربما
стр. 2260
تشبهت بمشي الحجل، فينلن الحسن بالحيل:
وكم من غراب رام مشية قبجة فأني ممشاه ولم يمش كالحجل
وما تفعل برقة ساقك مع عموم محاسنك وبراعة حلاك، فلا تحفل بقول الراجز الجلف، فكلامه يخرج إلى الخلف:
وهل علمت يا قفي التتفله ومرسن العجل وساق الحجله
وهذا الغزال، وهو النهاية في الجمال، له دقة الشوى ونشوز القرن وصدع الظلف؛ والطاووس - وهو الغاية في الحسن - له قبح الرجلين وعرى الساقين، وإنما يوصف الشيء بالأغلب عليه، فيذكر به وينسب إليه، فقد برعت وبهرت وقهرت، فأنت كالشمس لا يتعلق بها دنس ولا ثلب، وما يضر القمر أن ينبحه كلب.
стр. 2261
جوابها من إنشائه أيضا على لسان الحكيم البرذقون المذكور: يا سيدي الذي أعترف بخصائصه التي انفرد بجمالها، وأقر له بمحاسنه التي استبدت بكمالها، وإن كانت قد دبت عقارب حسادته، وما يستطيع أن ينسلخ عن ذميم عادته، ووجدته قد نعى بصره، وشكا عوره، وأثنى على شرجي، ولم يحفل بعرجي:
إن في الجسم دماميل وقرحات ملحه
ليتها في عين من يز عمها مالا وصحة
وقبح الله النهم فعنه تكون العلل المتولدة، وكل داء أصله البردة، ومع ما ركب في من الشره [١٢٩ ب] إلى المأكل، فإني متطفل على استجازة أكل الخجل، فأذهب الله نفسي، يوم أروم أكل أبناء جنسي، إذن أكون كالرنج الأجناس، الذين يستجيزون أكل لحوم الناس، بل أني أطلبها من مظانها وأرتادها، وأنصب لها الحبائل واصطادها، ثم أرسلها أسرابا وأفواجا، وأسرحها فرادى وأزواجا، وأنشد متمثلا:
أيا شبه ليلى لا تراعي فأنني لك اليوم من وحشية لصديق
وإن تكن - جعلت فداك - قد أصابك عور، ونالك منه ضعف وخور
стр. 2262
وهو نقص في الظاهر ومزيد في الباطن، فقد حبيت باجماع نور البصر وكان متفرقا، واتحاده وكان مبددا، فقد كان النور مرسلا إلى الحدقتين في العصبتين الجوفاوين، فلما انسد ثقب الواحدة عاد إلى الأخرى موفورا، وشفع بنورها نورا، كالحال في القمر يطلع في لياليه البيض، ساطع السناء باهر الوميض، يجلو الدياجي، فيهدي الساري، فإذا غرقت أعقابه، وتكامل غيابه، فقدته النجوم، فاعتراها الوجوم، ولفها الليل في ملاءة دياجيه، وأردف أعجازه ونأى بهواديه، فلو جمعت الكواكب منتظمة في القدر، لكانت أضعاف البدر، وهي على ما هي عليه من الانتثار، لا تهدي الساري قصد الآثار، فبصرك الآن بحمد الله أجمع نورا، وأضوأ شعاعا، وأنفذ نظرا وأبعد اطلاعا، ولذلك قال القائل:
شمس الضحى يعشي العيون ضياؤها إلا إذا نظرت بعين واحدة
فذاك تاه العور واحتقروا الورى فاعرف فضيلتهم وخذها فائده
نقصان جارحة أعانت أختها فكأنما قويت بعين زائدة
والعقاب الكاسر، والنسر الطائر، وابن الماء المحلق، بالإضافة إليك خفافيش، وبالمقايسة بك أخلاد، وقد أزويت بزرقاء اليمامة
стр. 2263
وما يبعد أن تحسب في لحظة ألف حمامة، وترى حضنا من أقصى تهامة، فحدثنا عن هقعة لجوزاء أو نثرة السرطان: هل هي كواكب صغار منتظمة، أو [لطخة] سحابية مظلمة - فان بصرك يدرك حقيقة ذلك ولا يكل عن نيل مداه، وبلوغ أقصاه؛ وأما رؤيتك الثريا سبعة أنجم فهو ما لا يفخر به مثلك، وإنما يقاس به الحديد البصر، وأنت في ذلك أقوى البشر. وحدثنا عن كلف القمر ما هو - واشرح لنا الحال في قطر السحاب كيف هو - فإنك تبصره مجتمعا قبل ان يصير بددا، وتلحظه ذائبا [١٣٠ أ] قبل ان يجمد بردا، وهذا كله مما تراه عيانا، فأمجدنا فيه بيانا، ولولا أنك عند الفقهاء غير مقبول لما تدعيه من [علم] التأثير، إذ يرمون أهله بالتعثير، لبشرت بهلال العيد بعد الاجتماع بساعتين، وبعده عن الشمس بدرجتين، وقد كنت بالأمس، عند رفع الأسطرلاب إلى الشمس، تغمض إحدى عينيك لتعدل لك رؤية الشعاع، وموضع العضادة في أخذ الارتفاع، وقد كفيت ذلك بالعور، مع زيادة النظر؛ ولأمر ما تلطف أهل الثغر في عورك، فليس عندك شيء من خبرك، إذ صرت رابئة تنذرهم بالخيل على بعد مراحل ومسافة أيام، فأنت عندهم من أكرم البرية، وأجدى من منار الاسكندرية، لكنهم لم يشعروا أنك الدجال المنظر، وقد خرجت عليهم بخروج عينيك، وبرزت إليهم ببروزها عنك. فان اعترض معترض وقال: إن الدجال
стр. 2264
يقدمه خروج الدابة، فان يكن هذا هو الدجال فأين الدابة - فالجواب: أنك كنت الدابة ثم صرت بالعور دجالا. وقد جال الصدق في ذلك مجالا؛ وأنت قيطوس دابة البحر تعوم في حبك الماء، وتسبح [مثل] لها في فلك السماء، فان صورة قيطوس التي أثبتها جالينوس كواكب تعرف بدابة البحر، وبطنها غائص في كواكب النهر، فذنبها مما يلي الدلو حيث ينصب ماؤه في فم الحوت الجنوبية، وبأعلى عرفها المعروج، كواكب الحوت من فلك البروج، فهي مغمورة من كل ناحية بالمياه، مأنوسة بالأقارب والأشباه، وقد فازت بالطبع المعتدل، بما حازت من مجاورة برج الحمل، فهذا المجد الباذخ، والأصل الراسخ، والفرع الشامخ؛ فأنت حقا الدجال الأعور، والقائم المنتظر، الذي نبأنا به الأثر، نسأل الله أن يعزنا بأعلامك، وينصرنا في أيامك، ونبتهل إليه في أن يكفينا أشراطك، ويزري عنا تعديك ولإفراطك، حتى إذا ظلمت وجرت، وغيرت وبدلت، قذف بك في قرار اليم العظيم، والتقمك الحوت وأنت مليم، إن الله بعباده لرءوف رحيم.
стр. 2265
وله من رقعة عن المقتدر عناية بالحصري: ما أثل من مجدك وعلائك، وأكمل من سروك وسنائك، وأصدر عنك من محاسن الشيم، وقصر عليك من معالي الهمم، يقود إليك الأهواء تنتحيك بصفو ودادها، وتعتفيك بصدق ارتيادها، وما زال ذراك الرفيع سابغا على ذوي الأخطار ظله، غامرا لذوي الآداب إفضاله باهرا فضله، وأحقهم بأجزل البر الأوفى، من هاجر إليه على بعد المدى، [١٣٠ ب] مهلا بمحامده ومدائحه، مستشعرا لميامن قصده ومناجحه، وهو الشيخ الفاضل الكامل أبو الحسن بن عبد الغني، ألم بجهتي - جهتك - فوفد علي منه الوافد الأثير والزائر الكريم، وأنس بذكاء مناسمته، وأمتع بجمال محاضرته، وهو البارع المتقدم في إحسانه، وتصرفه في الإبداع وافتتانه، وربما تقول كاشح، ونمق كادح، وزور حاسد، وأوهم خب معاند، لأجل استقراره في ذلك الجانب، واشتماله بظل المجانب، أنه انحرف بصفو وداد، أو حرف بقول واعتقاد، والله تعالى قد شرف رتبتك ونزه منصبك عن الاصغاء إلى تنميق الوشاة، والإجازة لكيد العداة، والارتياب بعهده المخلصين الثقات، وعصم النبيل النبيه مثله، ممن زكى الله [دينه] وعقله، من العدول عما دان به، واعتلق بسببه، من الاعتزاء إلى ولائك، [والتشيع في عليائك] ، والتشرع بمدحك وثنائك.
стр. 2266
ومن شعر أبي الفضل
من ذلك أبيات اندرجت له في تلك الرسالة المتقدمة على لسان النرجس:
تقضى زمان، طائر الأنس عنده مذود وسرب اللهو فيه مروع
وطال انتظاري دولة الوصل بعدها تصرم بالهجران مشتى ومربع
عرضت له حبي فأعرض جانبا ولكن رعى عهدي الذي لا يضيع
وأرسلني كيما أدل بحرمة لديك بها حق كريم مشفع
فأقبلت أستجدي رضاك وان تعد يسارع إلى وصلي المحبون أجمع
وها فاعتبر من منبتي وتقلبي فكل لأصل واحد يتفرع
لأوى بجثماني البلى وأباده وأثبت روحا نيرا يتطلع
يرى الوهم منه جوهرا متضرما يروق ونشرا ساطعا يتضوع
كذلك أجسام تبيد وأنفس إلى الشرف الأعلى تعود وترجع
وما العيش إلا فرصة يستديمها اللبيب بأثمار السرور فيمتع
فبادر زمان الأنس واعمر جنابه فزاهره ريان بالحسن ينزع
ولا تمصل اللذات عمرك مثلما يسوف بالدين الغريم ويدفع
وكتب إليه ذو الوزارتين أبو عامر بن الفرج: [١٣١ أ] .
إن كان عندك شيء من الدياخيلون
стр. 2267
فابعث به تتعوض منه بشكر ثمين
فان عندي خراجا من بابسة التليين
ولا يكن مثل شعري من الطراز الدون
قد قلت بالمزج أجري بطبع دهر خئون
فإن تزيدت زدنا من نوع هذا الجنون
عساه يجنح بعد حرب زبون
فالشبه يألف شبها والمثل مثل القرين
فأجابه أبو الفضل:
يا آخذا باليمين في المجد شتى الفنون
سلم لعلمي في الطب والقراباذين
لا ينبغي أن يداوى الخراج بالتسليين
[حتى يقوم ردع ال أخلاط بالتسكين]
وقد بعثت شرابا يعزى إلى الزرجون
يغني إذا ذقته عن شراب الافسنتين
ولأبي الفضل:
أيها الماء الذي لولاه ما برح الإسلام يشكو الغصصا
стр. 2268
جملة مني ولا حاجة لي في حديثي أن أطيل القصصا
أبدا تقنص أطيار العلا مستفيدا فاتخذني قنصا
وانثر الحب فإني طائر غرد لا أتعدى القفصا
وله:
يا صاحبي سلا هل سال نعمان بعدي وأورق فيه الطلح والبان
قالا نعم سال جريا في مدائنه وأمرعت منه وبطنان
أنى ولم يسر طيف للسحاب به ولا تندت بدمع منه أجفان
بلى كفاه أبو عيسى وأحسبه نداه فهو روي الشرب سيحان
رأى الغمائم في عسر فأقرضها إن الجزاء على الإحسان إحسان
سجية هو منها موسر كرما حاز الكمال فما يعروه نقصان
حي الخيام فلي في الحي آنسة واقرا السلام فلي بالجزع إخوان
تسير نفسي اليهم والحداة بها هوى وشوق وتأميل وإذعان
أطوي المراحل ى ألوي على وطر يشجي ولو ذكرت بالعهد أوطان
قد أنكر [-.ٍ من نفسي معالمها وفي المجاهل لي أنس وعرفان
أرض يجلق والنهرين مونقة أريضة كلها قصر وبستان [١٣١ ب]
أمست دياري خلاء في معاهدها وحلها ديسم بعدي وسرحان
إذا نبا بلد يوما بساكنه ففي سواه له أهل وجيران
وفي جناب أبي عيسى لنا بدل إذ قطعت من حبال الوصل أقران
стр. 2269
حتى يمهدني قطر قرارته تيماء والهضبة العلياء عمران
هو المجير من الأيام إن غدرت وهي وبعض من الإخوان خوان
وأخبرني أبو عامر ابن الفرج قال: كنت بحصن روطة ضيفا عند ابن المرشاني، واتصلت مجالس أنسنا بها وغبوقا، وأظلنا العيد، وورد الوزير أبو الفضل من سرقسطة، فكتب إلى ابن المرشاني بشعر يقول فيه:
العيد أيام أكل ومشرب وبعال
وقد أكلنا فهات اسقنا من الجريال
إذ لا نكاح لنا في محرم أو حلال
إلا ما نرتجي من نكاح طيف الحيال
قال أبو عامر: فكلفني فجاوبته فقلت، وبعث إليه بما رغب إليه:
زفت إليك عروس بكر من الجريال
قميصها ذهبي كالشمس في الآصال
وحليها فضي منظم كاللآلي
فدونك اشرب هنيئا لا زلت ناعم بال
واجمع من الطيف بين الشنوف والخلخال
стр. 2270
ومعنى هذا البيت كقول الكاتب أبي الحسن صالح الشنتمري، وقد تقدم إنشاءه:
أسنى ليالي الدهر عندي ليلة لم أخل فيها الكاس من إعمال
فرقت فيها بين جفني والكرى وجمعت بين القرط والخلخال
وأنشدت لأبي الفضل:
وأطربنا غيم يمازح شمسه فيستر طورا بالسحاب ويكشف
ترى قزحا في الجو يفتح قوسه مكبا على قطن من الثلج يندف
وذكرت بما وصفه من قوس قزح خبرا هن أبي الطيب المتنبي، وان ذهب في الغلو أبعد مذهب: ندف له قطن في ثوب أمر بعمله، فوجه لصانعه فيه درهما فاستقله وصرفه عليه، فمثل الصانع بين يديه، وطلب منه فيه دينارا، فقال له المتنبي: والله لو ندفته بقوس [١٣٢ أ] قزح على أجنحة الملائكة ما أعطيتك عليه دينارا.
ومن أملح ما جاء في صفة قوس قزح قول القائل:
стр. 2271
كأن السحاب الجون قمص تراكبت على الأفق والحواشي على الأرض
يطرزه قوس السماء بأحمر على أصفر في أخضر فوق مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائل مصبغة والبعض أقصر من بعض
وأنشدت لعز الدولة بن المعتصم بن صمادح في جارية:
صاغت الجوزاء قرطين على مسمعها والثريا دملجا
واستجادت من سماها حلالا فكساها قزح ما نسجا
وقال الأسعد بن بليطة:
محيرة العينين من غير سكرة متى شربت ألحاظ عينيك اسفنطا
أرى صفرة المسواك في حوة اللمى وشاربك المخضر بالمسك قد خطا
عسى قزح قبلته فإخاله على الشفة اللمياء قد جاء مختطا
وأكثر الشعراء تشبيههم قوس السماء السحابي بقزح، وهو منهي أن يسمى قزحا.
وروى الاخباريون أن نوحا ﵇ استقرت السفينة على الجودي سأل الله تعالى أن يؤمن ولده من الغرق، فأوحى الله إليه: قد أمنت ولدك آخر الدهر، وجعلت لهم علامة يرونها في السماء: قوسا.
стр. 2272
وقالوا: قزح من أسماء الشيطان فلا ينبغي أن ينسب إليه هذا القوس.
وقال أبو بكر بن الملح:
غرته الشمس والحيا يده بينهما للنجيع قوس قزح
وقد تقدمت هذه الأبيات، ولكني استجزت تكرارها لأنسق الأعجاز بالصدور، وأضم الأول إلى الأخير.
وسمع القطعة التي تعزى للحكيم المصري، وأولها: " توريد خدك للأحداق لذات "، فقال أبو الفضل:
عهد للبنى تقاضته الأمانات بانت وما قضيت منه لبانات
يدني التوهم للمشتاق ممتزجا من الوصال وفي الأوهام راحات
تقضى عدات إذا هب الكرى وإذا هب النسيم فقد تهدى تحيات
لعل عتب الليالي أن يعود إلى عتبي فتبلغ أوطار ولذات [١٣٢ ب]
بشرى تحقق ما زار الخيال به فربما صدقت تلك المنامات
وله مراجعا إلى الوزير أبي محمد بن سقبال:
قابلت بالعتبى عتابك جاهدا للعهد حفظ العين للأجفان
وبسطت أوضح من زياد عذره لو لم تكن أقسى من النعمان
стр. 2273
أسقيك عذبا باردا وسقيتني إذ جاش حميك من حميم آن
أغضبت جهلا أم نسبت إلى الصبا فامرح فإنك منه في ريعان
وركب المستعين بالله يوما بسرقسطة يريد طراد لذته، وارتياد نزهته، وافتقاد أحد حصونه المنتظمة واجتمع له من أصحابه، من اختصه لاستصحابه، وفيهم أبو الفضل، مشاهدا لانفراجهم، سالكا لمنهاجهم، والزوارق قد حفت به، والتفت بجوانبه، ونغمات الأوتار تحبس السائر عن عدوه، وتخرس الطائر المفصح بشدوده، والسمك تثيرها المكايد، وتغوص إليها المصايد، فتبرز منها قضبان در أو سبائك لجين، فقال:
لله يوم أنيق الغرر مفضض مذهب الآصال والبكر
كأنما الدهر لما ساء أعتبنا فيه بعتبي وأبدى صفح معتذر
نسير في زورق حف السفين به من جانبيه لمنظوم ومنتثر
مد الشراع به نشرا على ملك بذ الأوائل في أيامه الأخر
هو الهمام الامام المستعين حوى علياء مؤتمن عن هدي مقتدر
تحوي السفينة منه آية عجبا بحر تجمع حتى صار في نهر
تثار من قعره النينان مصعدة صيدا كما ظفر الغواص بالدرر
стр. 2274
وللندامى به عب ومرتشف كالريق يعذب في ورد وفي صدر
والشرب في ود من لي خلقه زهر يذكو وغرته أبهى من القمر
جواب ابن هود إلى أبي الفضل عند فراره عنه: سيدي وأجل عددي، وأسنى الذخائر عندي، وأزكى الفوائد بيدي، ومن أبقاه الله في أتم نعمة، وأعم حرمة؛ وردني كتابك بما أودعته من صورة وجهتك وممرك، وصفة مستوطنك ومستقرك، وعرفت [١٣٣ أ] حقيقة منزعك، في تعجبك وتسرعك، وما علمتك - على معلوم ذكائك - يذهب السداد في آرائك، ولكن لا تملك عنانك في اعتساف طرقك، وخالق خلقك، وكان الأشبه بالجميل، أن تشعر بإزماع الرحيل، فتوصل وتشيع، ولا تصد عن غرضك ولا تمنع، مهدت بك الحال هنالك تبرح موضعك، ولا فارقت مألفك ومجمعك، بما يقتضيه انتظام الجانبين، والتفات الأفقين، وكيفما تصرفت فأنت الولي الحميم، لا ينكر ودك، ولا يخفر عهدك، والله يلقيك كل خير، ويجنبك ثمر الغبطة في كل مقام وسير.
قال أبو الحسن بن بسام: ورأيت هنا أن ألمع بيسير من أخبار أبي الطيب، سوقا لفائدة أدى إليها الخبر، وإشارة إلى بعض محاسنه عنه تؤثر، وإن كان خارجا عن هذا الغرض الذي شرطته من حذف التطويل، والاجتزاء عن الكثير بالقليل. ولكنه سنح لي هنا فصل من أخباره وبديهته، وتصرفه البديع بين إشارته وفكرته، ورويته وبديهته:
стр. 2275
استنشده سيف الدولة قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم *
وكان معجبا بها، كثير الاستعادة لها، فاندفع أبو الطيب ينشدها، فلما وصل إلى قوله:
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الابطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
قال له: قد انتقدنا عليك هذا البيت كما انتقد على امرئ القيس بيتاه:
كأني لم أركب جوادا للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال
وبيتاك لا يلتئم شطراهما، كما لا يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس؛ كان ينبغي لامرئ القيس أن يقول:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل لخيلي كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروي للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولك أن تقول:
وقفت وما في الموت شك لواقف ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال: أيد الله مولانا، إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هنا
стр. 2276
أعلم منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولاي يعلم أن البزاز لا يعرف الثوب معرفة الحائك، لأن [١٣٣ ب] البزاز لا يعرف إلا جملته، والحائك يعرف جملته وتفاريقه، لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية؛ وإنما قرن لمرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلته الأعداء؛ وأنا لما ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه، ولما كان وجه الجريح المهزوم لا يخلو أن يكون عبوسا وعينه من أن تكون باكية قلت: " ووجهك وضاح وثغرك باسم " لأجمع بين الأضداد في المعنى، وإن لم يتسع اللفظ لجمعها، فأعجب سيف الدولة بقوله وبالغ في صلته.
ولما أنشد أبو الطيب سيف الدولة قصيدته التي يقول فيها:
يا أيها المحسن المشكور من جهتي والشكر من قبل الإحسان لا قبلي
أقل أنل أقطع احمل عل سل أعد زد هش تفضل أدن سر صل
وقع سيف الدولة تحت " أقل " أقلناك، وتحت " أنل ": يحمل إليه من الدراهم كذا، وتحت " أقطع ": قد أقطعناك الضيعة الفلانية، ضيعة بباب حلب، وتحت " احمل ": يقاد اليه الفرس الفلانية، وتحت " عل ": قد فعلنا، وتحت " ادن ": ادنيناك، وتحت " سر ": قد سررناك.
قال أبو الفتح: فبلغني أن أبا الطيب قال: انما أردت " سر " من السرية، فأمر له بجارية، وتحت " صل ": قد فعلنا..
стр. 2277
وكان المعقلي وهو شيخ بحضرته ظريف قال له، وقد حسد أبا الطيب على ما أمر له به: قد فعلت له من كل ما سألك، فهلا قلت لما قال هش بش: هئ هئ، يحكي الضحك، فضحك سيف الدولة وقال له: ولك أيضا ما تحب، وأمر له بصلة.
وسيف الدولة، مع ما شهر به من الكرم والسخاء، وعرف به من انفجار ينابيع جوده على الشعراء، قد قصر في توقيعه تحت " احمل " عن غيره من الأمراء، يحكى أن أبا القاسم الزعفراني لما أنشد الصاحب قصيدته التي يقول فيها:
وحاشية الدار يمشون في صنوف من الخز إلا أنا
وقع فيها الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أن رجلا قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، وقد أمرنا لك من الخز بجبة وقميص ودراعة وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ نت الخز لأعطيناكه.
ومما يؤثر عنه من نفاذ خاطره وحضور جوابه أنه دخل على سيف الدولة وأنشده بعض قلائده فيه، وطار به السرور كل مطار، فلما أراد الانصراف إلى الدار [١٣٤ ا] ، قال له السيف ملغزا على من حضر:
стр. 2278
تتبختر يا أبا الطيب، فقال: نتيه أيها الأمير، فضحك سيف الدولة وتعجب من فهم أبي الطيب وقال للحاضرين: أردت ب:تتبختر " تصحيفه: " بت بخير " فقال::نتيه " وتصحيفه: " بت به ".
ومن أظرف الجواب، وأغرب مزاح الكتاب، ما اتفق لي مع الوزير أبي محمد بن عبدون أول ما لقيته، وسمع بعض الإخوان يدعوني باسمي، فقال لي: أنت علي بن بسام حقا -! قلت: نعم، [قالٍ] : وتهجو حتى الساعة أباك أبا جعفر وأخاك جعفرا، فقلت له: كلأك الله، وأنت عبد المجيد -! قال: نعم، قلت: ويتغزل فيك حتى الآن ابن مناذر -! فضحك من حضر لهذا الجواب الحاضر؛ وعلي بن بسام باقعة زمانه، لم يسلم من هجائه أمير ولا وزير، ولا من أهل بيته صغير ولا كبير، وعبد المجيد كان أجمل أهل زمانه، وكان ابن مناذر يعشقه ويغزل فيه. هذا وما أشبهه من المزاح المباح، البعيد عن الجناح.
стр. 2279
فصل في ذكر الأديب أبي الربيع سليمان بن أحمد القضاعي
من قدماء الأدياء - كان - بذلك الثغر، ومن كتاب العصر، المتصرفين في النظم والنثر، وكلامه يجمع بين الحلاوة والجزالة، ويصرف في لطائف الصنعة، [كان] يعمد إلى خسيس المعاني فيقيم لها أودا، بسلاطة لسانه، وقوة مادته وحسن بيانه، فان كان في كلامه بعض الطزل، فهو غير مملول، لظريف ألفاظه واستعارته التي يفخم بها التافه الحقير، ويقلل المنزور الكثير، وفي ما أثبت هاهنا من فصول اقتضبتها من رسائله وإنشاءاته، ما هو الشاهد العدل على ما أجريته من صفاته.
فصل له من رقعة خاطب بها يوسف الاسلامي وقد طلب منه آلة نجار، خدم عنده فوجه بها حاشا المئشار، يقول فيها: من دخل في ملة التزمها، وليس من شريعة هذا الدين منع الماعون، ومن تمام الإسلام، حفظ الجوار و [رعاية] الذمام، ومن أحسن الإحسان، قضاء لبانات الإخوان، وما تعلم العوان الخمرة، ولا نجد بك من نية
стр. 2280
فأنت المستولي أمد النهايات، والمبرز في غلاب المذكيات، والحاوي قصب السبق إلى الغايات، وان كان قد قال الجهابذة أولا:
وأي الجياد لا يقال [له] هلا *
وما تعزى إلى بخل وأنت أسمح [من] لافظة، ولا تبصر من جهل وأنت قطب العلوم الثاقبة، وقد أنكرت أشد الإنكار، بخلك بالمئشار، وأعلمت الفكرة [١٣٤ ب] في النظر إلى بعد مراميك، والبحث عن غموض معانيك، فلاحت لي دريئة مرماك، وأشرفت مطلا على مغزاك، وحسدت بعد تسديد سهام التوهم، ورميت عن قسي التفهم، أن علة ضنائك به من أجل ما مر ببالك ذكر الشجرة التي أشرت وفيها يحيى بن زكريا ﵇، فتحرجت أن تخرج من حريمك آلة كانت فيما مضى سببا إلى حدث مشئوم، بسفك دم [نبي] كريم، ولو لمحت وجه مطلبي تأملك لعلمت، وما أظنك جهلت، أن الخشبة
следующие страницы →