← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مشترك يحتمل أن يكون ضد ما نواه الشاعر، وإن كان أبو تمام قد زاد في المعنى؛ وإنما المحسن المتخلص المتنبي حيث يقول: له عسكرا خيل وطير إذا رمى ... بها عسكراً لم تبق إلا جماجمه وكان بالحضرة فتىً حسن البزة، فاحتد لقول شمردل، فقال: الأمر على ما ذكرت يا شمردل، ولكن ما تسأل الطير إذا شبعت أي القبيل الغالب. وأما الطير الآخر فلا أدري لأي معنى عافت الطير الجماجم دون عظام السوق والأذرع، والفقارات والعصاعص - ولكن الذي خلص هذا المعنى كله، وزاد فيه، وأحسن التركيب، ودل بلفظة واحدةٍ على ما دل عليه شعر النابغة وبيت المتنبي، من أن القتلى التي أكلتها الطير أعداء الممدوح، فاتك بن الصقعب في قوله: وتدري سباع الطير أن كماته ... إذا لقيت صيد الكماة سباع لهن لعاب في الهواء وهزة ... إذا جد بين الدارعين قراع تطير جياعاً فوقه وتردها ... ظباه إلى الأوكار وهي شباع تملك بالإحسان ربقة رقها ... فهن رقيق يشترى ويباع

стр. 282

وألحم من أفراخها فهي طوعه ... لدى كل حربٍ والملوك تطاع تماصع جرحاها فيجهز نقرها ... عليهم وللطير العتاق مصاع فاهتز المجلس لقوله، وعلموا صدقه. فقلت لزهير: من فاتك بن الصقعب - قال: يعني نفسه. قلت له: فهلا عرفتني شانه منذ حين -[إني لأرى نزعات كريمة] . وقمت فجلست إليه جلسة المعظم له. فاستدار نحوي، مكرماً لمكاني، فقلت: جد أرضنا - أعزك الله - بسحابك، وأمطرنا بعيون آدابك؛ قال: سل عما شئت، قلت: أي معنى سبقك إلى الإحسان فيه غيرك، فوجدته حين رمته صعباً عليك إلا أنك نفذت فيه - قال: معنى قول الكندي: سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال قلت: أعزك الله، هو من العقم. ألا ترى عمر بن أبي ربيعة، وهو من أطبع الناس، حين رام الدنو منه والإلمام به، كيف افتضح في قوله: ونفضت عني النوم أقبلت مشية ال ... حباب وركني خيفة القوم أزور قال: صدقت، إنه أساء قسمة البيت، وأراد أن يلطف التوصل، فجاء مقبلاً بركنٍ كركنه أزور؛ فأعجبني ذلك منه، وما زلت مقدماً لهذا المعنى رجلاً، ومؤخراً عنه أخرى، حتى مررت بشيخٍ يعلم بنياً له صناعة

стр. 283

الشعر وهو يقول له: إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليه غيرك فأحسن تراكيبه وأرق حاشيته، فاضرب عنه جملة، وإن لم يكن بد ففي غير العروض التي تقدم إليها ذلك المحسن، لتنشط طبيعتك، وتقوى منتك، فتذكرت قول الشاعر وقد كنت أنسيته: لما تسامى النجم في أفقه ... ولاحت الجوزاء والمرزم أقبلت والوطء خفيف كما ... ينساب من مكمنه الأرقم فعلمت أنه صدق، وابن أبي ربيعة لو ركب غير عروضه لخلص، فقلت أنا في ذلك: ولما تملأ من سكره ... فنام ونامت عيون العسس دنوت إليه على بعده ... دنو رفيق درى ما التمس أدب إليه دبيب الكرى ... وأسمو إليه سمو النفس وبت به ليلتي ناعماً ... إلى أن تبسم ثغر الغلس أقبل منه بياض الطلا ... وأرشف منه سواد اللعس فقمت وقبلت على رأسه، وقلت: لله در أبيك!

стр. 284

قال ابن بسام: وذكر بعض الرواة إن هذين البيتين، [نعني البيتين المتقدمين على شعر أبي عامر] ، غنى بهما في مجلس الواثق مخارق، فطرب واستملح معناهما، وقال الواثق: قالت إذا الليل دجا فأتنا ... فجئتها حين دجا الليل خفي وطء الرجل من حارسٍ ... ولو درى حل بي الويل وأنشد بعضهم لأبي دهبل الجمحي: قالت: إذا ما جئتنا فأتنا ... ليلاً إذا ما هجع السامر واسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناه ولا زاجر قال أبو عامر: فقال لي فاتك بن الصقعب: فهل جاذبت أنت أحداً من الفحول - قلت نعم، قول أبي الطيب: أأخلع المجد عن كتفي وأطلبه ... وأترك الغيث في غمدي وأنتجع قال لي: بماذا - قلت بقولي:

стр. 285

ومن قبةٍ لا يدرك الطرف رأسها ... تزل بها ريح الصبا فتحدر إذا زاحمت منها المخارم صوبت ... هوياً على بعد المدى وهي تجأر تكلفتها والليل قد جاش بحره ... وقد جعلت أمواجه تتكسر ومن تحت حضني أبيض ذو سفاسق ... وفي المف من عسالة الخط أسمر هما صاحباي من لدن كنت يافعاً ... مقيلان من جد الفتى حين يعثر فذا جدول في الغمد تسقى به المنى ... وذا غصن في الكف يجنى فيثمر فقال: والله لئن كان الغيث أبلغ، فلقد زدت زيادةً مليحة طريفة، واخترعت معاني لطيفة. هل غير هذا - فقلت: وقوله أيضاً: وأظمأ فلا أبدي إلى الماء حاجةً ... وللشمس فوق اليعملات لعاب قال: بماذا - قلت: بقولي: ولم أنس بالناووس أيامنا الألى ... بها أيننا محبوبها وحبابها وفتية ضربٍ من زناتة ممطر ... بوبل المنايا طعنها وضرابها وقفنا على جمر من الموت وقفةً ... صلي لظاه داب قومي ودابها إذا الشمس رامت فيه أكل لحومنا ... جرى جشعاً فوق الجياد لعابها فصاح صيحةً منكرةً من صياح الجن كاد ينخب لها فؤادي فزعاً والله منه.

стр. 286

وكان بنجوة منا جني كأنه هضبة لركانته وتقضبه، يحدق في دونهم، يرميني بسهمين نافذين، وأنا ألوذ بطرفي عنه، وأستعيذ بالله منه، لأنه ملأ عيني ونفسي. فقال لي لما انتهيت، وقد استخفه الحسد: على من أخذت الزمير - قلت: وإنما أنا نفاخ عندك منذ اليوم - قال: أجل! أعطنا كلاماً يرعى تلاع الفصاحة، ويستحم بماء العذوبة والبراعة، شديد الأسر جيد النظام، وضعه على أي معنى شئت. قلت: كأي كلام - قال: ككلام أبي الطيب: نزلنا على الأكوار نمشي كرامةً ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا نذم السحاب الغر في فعلها به ... ونعرض عنها كلما طلعت عتبا وكقوله: أرأيت أكبر همة من ناقتي ... حملت يداً سرحاً وخفاً مجمرا تركت دخان الرمث في أوطانها ... طلباً لقوم يوقدون العنبرا وترفعت ركباتها عن مبرك ... تقعان فيه، وليس مسكاً أذفرا فأتتك دامية الأظل كأنما ... حذيت قوائمها العقيق الأحمرا وكقوله:

стр. 287

على كل طاوٍ تحت طاو كأنما ... من الدم يسقى أو من اللحم يطعم لها تحتهم زي الفوارس فوقها ... فكل حصان دارع متلثم وما ذاك بخلاً بالنفوس على القنا ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم فآدني والله بما قرع به سمعي، وقلت له: أي ماء لو كان من جمامك، واستهلت به عيون غمامك! ثم استقدمت فأنشدته: ولرب ليل للهموم تهدلت ... أستاره فمحا الصوى بستوره كالبحر يضرب وجهه في وجهه ... صعب على العبار وجه عبوره طاولته من عزمتي بمضبرٍ ... أثبت همي في قرارة كوره وعلي للصبر الجميل مفاضة ... تلقى الردى فتكل دون صبوره وبراحتي من فكرتي ذو ذكرةٍ ... عهدت تذكرني لطبع ذكيره فرداً إذا بعثت دياجي جنحه ... هولاً علي خبطت في ديجوره حتى بدا عبد العزيز لناظري ... أملي فمزقت الدجى عن نوره [وأنشدته: الله في أرض غذيت هواءها ... وعصابةٍ لم تتهم إشفاقها نكزتهم أفعى الخطوب وعوجلوا ... بمثمل منها فكن درياقها

стр. 288

وافتح مغالقها بعزمة فيصل ... لو حاولت سوق الثريا ساقها ولو أنها منه إذا ما استلها ... تتعرض الجوزاء حل نطاقها] وأنشدته: لا تبكين من الليالي أنها ... حرمتك نغبة شارب من مشرب فأقل ما لك عندها سيف الردى ... يستل من شعر القذال الأشيب ورحيل عيشك كل رحلة ساعةٍ ... وفناء طيبك في الزمان الأطيب وأنشدته: ولم أر مثلي ما له من معاصر ... ولا كمضائي ما له من مضافر ولو كان لي في الجو كسر أؤمه ... ركبت إليه ظهر فتخاء كاسر وهمت بإجهاش علي وقد رأت ... مصابي في آثار إحدى الكبائر فقلت لها: إن تجزعي من مخاطرٍ ... فإنك لن تحظي بغير المخاطر [تشهت ثمار الوفر مني وإنها ... لدى كل مبيض العنانيز وافر

стр. 289

له في بياض اليوم يقظة فاجر ... وتحت سواد الليل هجعة كافر] رويدك حتى تنظري عم تنجلي ... غيابة هذا العارض المتناثر ودون اعتزامي هضبة كسروية ... من الحزم سلمانية في المكاسر إذا نحن أسندنا إليها تبلجت ... مواردنا عن نيرات المصادر وأنت ابن حزم منعش من عثارها ... إذا ما شرقنا بالجدود العواثر [وما جر أذيال الغنى نحو بيته ... كأروع معرورٍ ظهور الجرائر] إذا ما تبغى نضرة العيش كرها ... لدى مشرعٍ للموت لمحة ناظر فسل من التأويل فيها مهنداً ... أخو شافعيات كريم العناصر [لمعتزلي الرأي ناءٍ عن الهدى ... بعيد المرامي مستميت البصائر] يطالب بالهندي في كل فتكةٍ ... ظهور المذاكي عن ظهور المنابر وأنشدته: وقالت النفس لما أن خلوت بها ... أشكو إليها الهوى خلواً من النعم: حتام أنت على الضراء مضطجع ... معرس في ديار الظلم والظلم - [وفي السرى لك، لو أزمعت مرتحلاً ... برء من الشوق أو برء من العدم] ثم استمرت بفضل القول تنهضني ... فقلت: إني لأستحبي بني الحكم

стр. 290

المحلفين رداء الشمس مجدهم ... والمنعلين القريا أخمص القدم ألممت بالحب حتى لو دنا أجلي ... لما وجدت لطعم الموت من ألم وذادني كرمي عمن ولهت به ... ويلي من الحب أو ويلي من الكرم تخونتني رجال طالما شكرت ... عهدي وأثنت بما راعيت من ذمم لئن وردت سهيلاً غب ثالثةٍ ... لتقرعن علي السن من ندم هناك لا تبتغي غير السناء يدي ... ولا تخف إلى غير العلا قدمي حتى تراني في أدنى مواكبهم ... على النعامة شلالاً من النعم ريان من زفرات الخيل أوردها ... أمواه نيطة أرعى لحق العلا من سالف الأمم ففتح علي عينين كالماويتين ثم قال لي: من القائل - طلع البدر علينا ... فحسبناه لبيبا والتقينا فرأينا ... هـ بعيداً وقريباً قلت: أبي، قال: فمن القائل - [فيا من إذا رام معنى كلامي ... رأى نفسه نصب تلك المعاني] شكوت إليك صروف الزمان ... فلم تعد أن كنت عون الزمان

стр. 291

وتقصر عن همتي قدرتي ... فيا ليتني لسوى من نمائي ولا غرو للحر عند المضيق ... أن يتمنى وضيع الأماني قلت: أخي، قال: فمن القائل - صدود وإن كان الحبيب مساعفاً ... وبعد وإن كان المزار قريباً وما فتئت تلك الديار حبائباً ... لنا قبل أن نلقى بهن حبيبا ولو أسعفتنا بالمودة في الهوى ... لأدنين إلفاً أو شغلن رقيبا وما كان يجفو ممرضي، غير أنه ... عدته العوادي أن يكون طبيبا قلت: عمي، قال: فمن القائل - أتيناك لا عن حاجة عرضت لنا ... إليك ولا قلب إليك مشوق ولكننا زرنا بفضل حلومنا ... حماراً تلقى برنا بعقوق قلت: جدي، قال: فمن القائل - ويلي على أحور تياه ... أحسن ما يلهو به اللاهي أقبل في غيد حكين الظبا ... بيض تراق حمر أفواه يأمر فيهن وينهى ولا ... يعصينه من آمرٍ ناهي

стр. 292

حتى إذا أمكنني أمره ... تركته من خيفة الله قلت: جد أبي، قال: فمن القائل - ويح الكتابة من شيخ هبنقةٍ ... يلقى العيون برأس مخه رار ومنتن الريح إن ناحيته أبداً ... كأنما مات في خيشومه فار قلت: أنا، قال: والذي نفس فرعون بيده، لا عرضت لك أبداً، إني أراك عريقاً في الكلام، ثم قل واضمحل، حتى إن الخنفساء لتدوسه، فلا يشغل رجليها. فعجبت منه، وقلت لزهير: من هذا الجني - فقال لي: استعذ بالله منه، إنه ضرط في عين رجل فبدرت من قفاه، هذا فرعون بن الجون. فقلت: أعوذ بالله العظيم، من النار ومن الشيطان الرجيم! فتبسم زهير وقال لي: هو تابعة رجل كبير منكم، ففهمتها عنه. وله فصل في مثل ذلك: قال أبو عامر: ومشيت يوماً أنا وزهير بأرض الجن أيضاً نتقرى الفوائد، ونعتمد أندية أهل الآداب منهم، إذ أشرفنا على قرارة غناء، تفتر عن بركة ماء، وفيها عانة من حمر

стр. 293

الجن وبغالهم، قد أصابتها أولق فهي تصطك بالحوافر، وتنفخ من المناخر، وقد اشتد ضراطها، وعلا شحيجها ونهاقها، فلما بصرت بنا أجفلت إلينا وهي تقول: جاءكم على رجليه، فارتعت لذلك، فتبسم زهير وقد عرف القصد، وقال لي: تهيأ للحكم. فلما لحقت بنا بدأتني بالتفدية، وحيتني بالتكنية، فقلت: ما الخطب، حمي حماك أيتها العانة، وأخصب مرعاك - قالت: شعران لحمارٍ وبغل من عشاقنا أختلفنا فيهما، وقد رضيناك حكماً. قلت: حتى أسمع. فتقدمت إليّ بغلة شهباء، عليها جلها وبرقعها، لم تدخل فيما دخلت فيه العانة من سوء العجلة وسخف الحركة، فقالت: أحد الشعرين لبغل من بغالنا وهو: على كل صبٍ من هواه دليل ... سقام على حر الجوى ونحول وما زال هذا الحب داءً مبرحاً ... إذا ما اعترى بغلاً فليس يزول بنفسي التي أما ملاحظ طرفها ... فسحر، وأما خدها فأسيل تعبت بما حملت من ثقل حبها ... وإني لبغل للثقال حمول وما نلت منها نائلاً غير أنني ... إذا هي بالت بلت حيث تبول والشعر الآخر لدكين الحمار: دهيت بهذا الحب منذ هويث ... وراثت إراداتي فلست أريث كلفت بإلفي منذ عشرين حجةً ... يجول هواها في الحشا ويعيث [وما لي من برح الصبابة مخلص ... ولا لي من فيض السقام مغيث]

стр. 294

وغير منها قلبها لي نميمة ... نماها أحم الخصيتين خبيث وما نلت منها نائلاً غير أنني ... إذا هي راثت رثت حيث تروث فضحك زهير، وتماسكت وقلت للمنشدة: ما هو يث - قالت: هو هويت، بلغة الحمير، فقلت: والله إن للروث رائحة كريهةً، وقد كان أنف الناقة أجدر أن يحكم في الشعر! فقالت: فهمت عنك، وأشارت إلى العانة أن دكيناً مغلوب، ثم انصرفت قانعةً راضية. وقالت لي البغلة: أما تعرفني أبا عامر - قلت: لو كانت ثم علامة! فأماطت لثامها، فإذا هي بغلة أبي عيسى، والخال على خدها، فتباكينا طويلاً، وأخذنا في ذكر أيامنا، فقالت: ما أبقت الأيام منك - قلت: ما ترين، قالت: شب عمرو عن الطوق! فما فعل الأحبة بعدي! - أهم على العهد - قلت: شب الغلمان، وشاخ الفتيان، وتنكرت الخلان، ومن إخوانك من بلغ الإمارة، وانتهى إلى الوزارة، فتنفست الصعداء وقالت: سقاهم الله سبل العهد، وإن حالوا عن العهد، ونسوا أيام الود، بحرمة الأدب، إلا ما أقرأتهم مني السلام؛ قلت: كما تأمرين وأكثر. وكانت في البركة بقربنا إوزة بيضاء شهلاء، في مثل جثمان النعامة، كأنما ذر عليها الكافور، أو لبست غلالةً من دمقس الحرير، لم أر أخف من رأسها حركة، ولا أحسن للماء في ظهرها صباً، تثني سالفتها

стр. 295

وتكسر حدقتها، وتلولب قمحدوتها، فترى الحسن مستعاراً منها، والشكل مأخوذاً عنها، فصاحت بالبغلة: لقد حكمتم بالهوى، ورضيتم من حاكمكم بغير الرضى؛ فقلت لزهير: ما شأنها - قال: هي تابعة شيخٍ من مشيختكم، تسمى العاقلة، وتكنى أم خفيف، وهي ذات حظ من الأدب، فاستعد لها، فقلت: أيتها الإوزة الجميلة، العريضة الطويلة، أيحسن بجمال حدقتيك، واعتدال منكبيك، واستقامة جناحيك، وطول جيدك، وصغر أسك، مقابلة الضيف بمثل هذا الكلام، ولقي الطارئ الغريب بشبه هذا المقال - وأنا الذي همت بالإوز صبابةً، واحتملت في الكلف بها عض كل مقالة، وأنا الذي استرجعتها إلى الوطن المألوف، وحببتها إلى كل غطريف، فاتخذتها السادة بأرضنا، واستهلك عليها الظرفاء منا، ورضيت بدلاً من العصافير، ومكلمات الزرازير، ونسيت لذة الحمام، ونقار الديوك، ونطاح الكباش. فدخلها العجب من كلامي، ثم ترفعت وقد اعترتها خفة شديدة في مائها، فمرة سابحة، ومرة طائرة، تنغمس هنا وتخرج هناك، [قد تقبب جناحاها، وانتصبت ذناباها، وهي تطرب تطريب السرور] ؛ وهذا الفعل معروف من الإوز عند الفرح والمرح، ثم سكنت وأقامت عنقها، وعرضت صدرها، وعملت بمجدافيها، واستقبلتنا جائية كصدر المركب، فقالت: أيها الغار المغرور، كيف تحكم في الفروع وأنت لا تحكم الأصول - ما الذي تحسن - قلت: ارتجال شعر، واقتضاب خطبة، على حكم المقترح

стр. 296

والنصبة، قالت: ليس هذا أسألك، قلت: ولا بغير هذا أجاوبك، قالت: حكم الجواب أن يقع على أصل السؤال، وأنا إنما أردت بذلك إحسان النحو والغريب اللذين هما أصل الكلام، ومادة البيان. قلت: لا جواب عندي غير ما سمعت، قالت: أقسم أن هذا منك غير داخلٍ في باب الجدل، قلت: وبالجدل تطلبيننا [وقد عقدنا سلمه، وكفينا حربه] وإن ما رميتك به منه لأنفذ سهامه، وأحد حرابه [وهو من تعاليم الله عندنا في الجدل في محكم تنزيله، قالت: أقسم أن الله ما علمك الجدل في كتابه، قلت: محمول عنك أن خفيف، لا يلزم الإوز حفظ أدب القرآن، قال الله في محكم كتابه حاكياً عن نبيه إبراهيم ﵇: ﴿ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت﴾ (البقرة: ٥٥٨) . فكان لهذا الكلام من الكافر جواب، وعلى وجوبه مقال، ولكن النبي ﷺ لما لاحت له الواضحة القاطعة رماه بها وأضرب عن الكلام الأول، قال ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب؛ فبهت الذي كفر﴾ وأنا لا أحسن غير ارتجال شعر، واقتضاب خطبة، على حكم المقترح والنصبة. فاهتزت من جانبيها، وحال الماء من عينيها، وهمت بالطيران، ثم اعتراها ما يعتري الإوز من الألفة وحسن الرجعة، فقدمت عنقها ورأسها إلينا تمشي نحونا رويداً، وتنطق نطقاً متداركاً خفياً، وهو فعل الإوز إذا أنست واستراضت وتذللت، على أني أحب الإوز وأستظرف حركاتها وما يعرض من سخافاتها] . ثم تكلمت بها مبسبساً، ولها مؤنساً، حتى خالطتنا وقد عقدنا

стр. 297

سلمها وكفينا حربها، فقلت: يا أم خفيف، بالذي جعل غذاءك ماء. وحشا رأسك هواء، ألا أيما أفضل: الأدب أم العقل - قالت: بل العقل، قلت: فهل تعرفين في الخلائق أحمق من إوزة، ودعيني من مثلهم في الحبارى - قلت: لا، قلت: فتطلبي عقل التجربة، إذ لا سبيل لك إلى عقل الطبيعة، فإذا أحرزت منه وبؤت منه بحظ، فحينئذ ناظري في الأدب، فانصرفت وانصرفنا. قال أبو عامر: وكنت يوماً بحمام لي مع أصحابنا فأتى رسول الحاجب أبي عامر يرغب إخلاءه لبنيان عرض في حمامه منعه من دخوله، وكنت لم أصحبه، فخرجنا له عنه، ورغبوا أن أكتب إليه في ذلك فقلت: شكرت للدهر حسن ما صنعا ... طائر مجد بجنتي وقعا نفرت لما أيقنت جيئته ... وطارت النفس عندها قطعا يا حسن حمامنا وقد غربت ... شمس الضحى فيه بعد ما متعا أيقن أن الهلال زاكنه ... فضاء للحاضرين واتسعا فانعم أبا عامر بنعمته ... واعجب لأمرين فيه قد جمعا نيرانه من زنادكم قدحت ... وماؤه من بنانكم نبعا قال أبو الحسن: وننشد هنا بعض مقطعات تتعلق بذكر الحمام

стр. 298

قال المنفتل: انظر إلى حمامنا قد حكى ... حالين من حال الأحباء حرارة الأنفاس يوم النوى ... وحرة الأنفاس في الماء فماؤه من أدمعي سائل ... وناره من حر أحشائي وقال في صفة حمامٍ كانت مضاويه من زجاج أحمر، وفي سمائه حمرة وبياض: تحيرت من طيب حمامنا ... بخيل لي أن فيه الفلق فمن حمرة فوقنا وابيضاض ... كخد الحبيب إذا ما عرق رأى الدهر ما شذ من حسنه ... فسد كوى سقفه بالشفق ومما يتعلق أيضاً بصفته قول الآخر، ولكنه خلطه بالنسيب، وأشار فيه إلى معنى غريب، فقال: ولم أدخل الحمام يوم رحيلهم ... طلاب نعيم قد رضيت ببوسي ولكن لتجري دمعتي مطمئنةً ... فأبكي ولا يدري بذاك جليسي ودخل الحمام يوماً من أهل عصرنا الأديبان: أبو جعفر ابن هريرة التطيلي، وأبو بكر ابن بقي، فقال أبو جعفر: يا حسن حمامنا وبهجته ... مرأى من السحر كله حسن ماء ونار حواهما كنف ... كالقلب فيه السرور والحزن ثم أعجبه هذا المعنى أيضاً فقال فيه:

стр. 299

ليس على لهونا مزيد ... ولا لحمامنا ضريب ماء ويه لهيب نارٍ ... كالشمس في ديمة تصوب وابيض من تحته رخام ... كالثلج حين ابتدا يذوب وقال أبو بكر: حمامنا فيه فصل القيظ محتدم ... وفيه للبرد سر غير ذي ضرر ضدان ينعم جسم المرء بينهما ... كالغصن ينعم بين الشمس والمطر وقال أبو جعفر التطيلي، وقد نظر فيه إلى غلام وسيم: هل استمالك جسم ابن الأمير وقد ... سالت عليه من الحمام أنداء - كالغصن باشر حر النار من كثبٍ ... فظل يقطر من أعطافه الماء - وفي أبي عامر ابن المظفر الذي ذكر يقول أبو عامر بن شهيد من جملة قصيدةٍ بقول فيها: جمعت بطاعة حبك الأضداد ... وتألف الأفصاح والأعياد كتب القضاء بأن جدك صاعد ... والصبح رق والظلام مداد ونقلت من خط أبي مروان ابن حيان قال: سلف لأبي عامر بن المظفر

стр. 300

هذا بقرطبة عيشة راضية في سرور وحبور وقتاً، إلى أن ساءت الأيام بطامة ففارقها بغصة، وكان من محاسنه أنسه بالأدب، وغلبة أهله على خاصته، ولم يكن في مغدىً ولا مراح، فتجملت آثاره بهم، وسارت أقوالهم فيه، وكان من ألهجهم بذكره أبو عامر بن شهيد، له معه أخبار مأثورة مشهور. شاهدتهم ليلةً في مجلسه [و] طفيلةً صغيرةً عجيبة الخلق كانت تسقيهم [تسمى] أسماء عجبوا من مكابدتها السهر معهم، على صغر سنها، وحسن قيامها بخدمتهم، فسأله ابن المظفر وصفها فقال: أفدي أسيماء من نديمٍ ... ملازمٍ للكؤوس راتب قد عجبوا في السهاد منها ... وهي لعمري من العجائب قالوا: تجافى الرقاد عنها ... فقلت لا ترقد الكواكب قال أبو عامر وابن حيان: واستوحش أبو عامر ابن المظفر هذا من هاشم المعتد ووزيره حكم بن سعيد القزاز، وكانوا قد رموه بذنب سليمان بن هشام الناصري، فلما خاف دبر الفرار، وخرج في لمةٍ من ثقات أصحابه وأعوانه، وحمل معه عيون ذخائره وخاصة حرمه، وقطع أرضاً بعيدة، ولم يعلم المعتد بخبره، إلى أن جاء خبر اجتيازه قرطبة راجعاً على عقبه من شاطبة، لم يتفق له فيها ما أراد، فكر إلى ابن عبد الله بقرمونة مستجيراً به في ظنه، فأحلف ابن عبد

стр. 301

الله ظنه، وخاطب قائده بحصر المرور وبإزعاجه عن قطره، ولا يجتاز على شيء من عمله، فضاقت به الأرض يومئذ، فألقى نفسه على أبي حمامه حرزة اليصدراني، فأجاره وبوأه منزلاً في حصنه على نهر قرطبة، أقام به كمد وغصة، والحمام يغازله إلى أن مات عنده. وحدثني أبو عبد الله ابن هريرة الكاتب قال: قصد أبو عامر ابن المظفر في خروجه من شاطبة إلى مواليه العامريين بعد مراسلة متقدمة، لما وصل ردوه خجلا خائباً، فرغب أن تخرج إليه أخته بنت المظفر الأيم المقيمة - كانت - عندهم وقتهم، فأسعفوه بذلك وخرجت إليه، فخلا بها وأودعها جوهراً نفيساً كان احتمله، وولى ناكصاً، والعبدى تطرده عن ناحيتها، وأسلموه غرضاً للحتوف، فمات عند حرزة اليصدراني كما وصفناه. وعلم ابن عمه عبد العزيز بمكان ذلك الجوهر، فلما هلك اختدعها ووعدها أن ينكحها، وكانت ضعيفة الرأي، فأسلمته إليه وغدر بها ولم ينكحها، فصارت بقية دهرها تجفوه وتشتمه. ولما استقر أبو عامر عند حرزة، وأيس المعتد من انصرافه، قبض ما خلفه بداره ونقله إلى القصر، فطلب أسبابه، وتتبع ودائعه وعقاره، فانفتح على أهل قرطبة في هذا الباب بذلك الوقت بلاء عظيم، أجلى بعضهم عن الأوطان، بسبب تلك الودائع العامرية؛ انتهى كلام ابن حيان. @جملة من شعره في أوصاف شتى حدث عن نفسه قال: لما قدم زهير الصقلبي فتى بني عامر حضرة

стр. 302

قرطبة من المرية، وجه أبو جعفر ابن عباس وزيره عن لمة من أصحابنا منهم ابن برد، وأبو بكر المرواني، وابن الحناط، والطبني، فسألهم عني، وقال: وجهوا عنه، فوافاني رسوله مع دابة له بسرجٍ محلى ثقيل، فسرت إليه ودخلت المجلس، وأبو جعفر غائب، فتحرك المجلس لدخولي وقاموا جميعاً إليّ، حتى طلع أبو جعفر علينا ساحباً لذيل لم ير أحد سحبه قبله، وهو يترنم، فسلمت عليه سلام من يعرف حق الرجال، فرد رداً لطيفاً، فعلمت أن في أنفه نعرةً لا تخرج إلا بسعوط الكلام، ولا تراض إلا بمستحصد النظام، فرأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه فسألتهم عن ذلك، فقال لي الحناطي، وكان كثير الإنحاء علي، جالباً في المحافل ما يسوء الأولياء إليّ: إن الوزير حضره قسيم من شعره، وهو يسألنا إجازته. فعلمت أني المراد، فاستنشدته فأنشده، وهو: مرض الجفون ولثغة في المنطق ... فقلت لمن حضر: لا تجهدوا أنفسكم فلستم المراد؛ فأخذت القلم وكتبت بديهةً: مرض الجفون ولثغة في المنطق ... سيان جرا عشق من لم يعشق من لي بألثغ لا يزال حديثه ... يذكي على الأكباد جمرة محرق يبني فينبو في الكلام لسانه ... فكأنه من خمر عينيه سقي

стр. 303

لا ينعش الألفاظ من عشراتها ... ولو إنها كتبت له في مهرق ثم قمت عنهم فلم ألبث أن وردوا علي، وأخبروا أن أبا جعفر لم يرض ما جئنا به من البديهة، وسألوني أن أحمل مكاوي الكلام على حتاره، وذكروا أن إدريس هجاه فأفحش، فلم أستحسن الإفحاش، فقلت فيه معرضاً إذ التعريض من محاسن القول: أبو جعفر رجل كاتب ... مليح شبا الخط حلو الخطابه تملأ شحماً ولحماً وما ... يليق تملؤه بالكتابه وذو عرق ليس ماء الحياء ... ولكنه رشح فضل الجنابه جرى الماء في سفله جري لينٍ ... فأخذت في العلو منه صلابه [قال ابن بسام: وليت شعري ما التصريح عند أبي عامر إذا سمى هذا تعريضاً - ولولا أن الحديث شجون، والتتابع فيه جنون، والكلام إذا لان قياده، سهل اطراده، وإذا قرب بعضه من بعض، لم يفرق فيه بين سماء وأرض، لما استجزت أن أشين كتابي بهذا الكلام البارد معرضه، البعيد من السداد غرضه، وقد يطغى القلم، وتجمح الكلم. وقوله: جرى الماء في سفله جري لين ... يشبه قول الآخر، وضمن بيت النابغة:

стр. 304

يا سائلي عن خالد، عهدي به ... رطب العجان وكفه كالجلمد " كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعياله وأسفله ندي " وقوله: وذو عرق ليس ماء الحياء ... ألم به ابن زيدون فقال من جملة أبيات: مخضت في أسته الأيور حليباً ... فعلى عينه من الزبد نقطه وتأنق في هذا المعنى أبو الحسين ابن الجد فقال: وأزرق والأمور لها اشتباه ... وتؤتى العين من قبل العجان ومما شك أسفله العوالي ... بدا في عينه زرق السنان] قال ابن بسام: قول أبي عامر في صفة الألثغ مما أحسن فيه، لا سيما على البديه. ومن أحسن ما سمعت في صفته قول الرمادي: لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا ... الهجر يجمعنا فنحن سواء فإذا خلوت كتبتها في راحتي ... فبكيت منتحباً أنا والراء

стр. 305

وأخذ لفظ الرمادي هذا أبو القاسم ابن العريف فقال: أيها الألثغ الذي شف قلبي ... جد ينطق ولو نطقت بسب هجرك الراء مثل هجري سواء ... فكلانا معذب دون ذنب فإذا شئت أن أرى لي مثيلاً ... في هواني خططت راء بجنبي على أن أبا الطيب قد قال فأحسن: قشير وبلعجلان فيها خفية ... كراءين في ألفاظ ألثغ ناطق ويشبه قول أبي الطيب قول بعض أهل عصرنا، وهو أبو الوليد ابن حزم الإشبيلي، يصف سكران: ويروم قول أبي الوليد وربما ... كتمت مكانه لامه الواوان وقال أبو عامر يتغزل: مر بي في فلك من ربرب ... قمر مبتسم عن شنب زينوا أعلاه بالدر كما ... ثقلوا أسفله بالكثب

стр. 306

فازدهتني أريحيات الصبا ... واستخفتني دواعي طربي فتعرضت لتسليم له ... فإذا التياه لا يعبأ بي قال: هذا العبد من دلله ... ما الذي أمنه من غضبي - يا ظبا لحظي خذي لي رأسه ... فهو لا شك من أهل الريب فانبرت ألحاظه تطلبني ... وأنا قدامها في الهرب لو تراني وأنا ألطفه ... وأداريه مداراة الصبي خلته جبار قوم مردوا ... وأنا في لطف الوعظ نبي قال أبو عامر: ومن الواجب على الناقد أن يبحث عن الكلام، ويفتش عن شرف المعاني، وينظر مواقع البيان، ويحترس من حلاوة خدع اللفظ، ويدع تزويق التركيب، ويراطل بين أنحاء البديع، ويمثل أشخاص الصناعة، فقد ترى الشعر فضي البشرة، وهو رصاصي المكسر، ذا ثوب معضد أو مهلهل، وهو مشتمل على بهق أو برص، مبنياً بلبن التماثيل، وصفوان التهاويل، وهو لا يجن صاحبه عن النسيم فضلاً عن الحرجف، ولا يقيه رقيق ريق الندى فضلاً عن شؤبوب الكنهور، وقد ملحته ملاحة الأسماء، واتقد فيه الهوى، واضطرمت في جانبه نيران الجوى، ولمع فيه البرق، واستن فيه الودق، وسفحت عليه الدموع، وبان فيه الخشوع، وهو

стр. 307

﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً﴾ (النور: ٣٩) لا يستحق صاحبه غير أن يكون تلعابةً، أو صاحب براعة. وإنما يستحق اسم الصناعة بتقحم بحور البيان، وتعمد كرائم المعاني والكلام، وأن ينطق بالفصل، ويركب أثباج الجد، ويطلب النادرة والسائرة، وينظم من الحكمة ما يبقى بعد موته، ويذكر بعد فوته، ويتصرف تصرف الملح، ويتلون تلون أبي براقش. ونحن نرجو أنا ذهبنا بقولنا هذا مذهباً كريماً من الكلام: ولما رأيت الليل عسكر قره ... وهبت له ريحان تلتطمان وعمم صلع الهضب من قطر ثلجه ... يدان من الصنبر تبتدران رفعت لساري الليل نارين فارتأى ... شعاعين تحت النجم يلتقيان فأقبل مقرور الحشا لم تكن له ... بدفع صروف النائبات يدان فقلت: إلى ذات الدخان، فقال لي ... وهل عرفت نار بغير دخان - فملت به أجتره نحو جمرةٍ ... لها بارق للضيف غير يمان إذا ما حسا ألقمته كل فلذةٍ ... لفرخة طير أو لسخلة ضان فما زال في أكل وشرب مدارك ... إلى أن تشهى الترك شهوة واني فألحفته فامتد فوق مهاده ... وخداه بالصهباء تتقدان وما انفك معشوق الثواء نمده ... ببشر وترحيب وبسط لسان تغنيه أطيار القيان إذا انتشى ... بصنجٍ وكيشار وعود كران

стр. 308

ويسمو دخان المندل الرطب فوقه ... كما احتملت ريح متون عثان إلى أن تشهى البين من ذات نفسه ... وحن إلى الأهلين حنة حاني فأتبعته ما سد خلة حاله ... وأتبعني ذكراً بكل مكان قوله: " وعمم صلع الهضب " ... البيت، كقول بعض أهل عصرنا يصف الثلج أيضاً: وأترع الوهد من ازباد لجته ... بالبرس ينبت بين القوس والوتر فالأرض ملساء لا أمت ولا عوج ... كنقطة من سراب القاع لم تمر وقوله: " فأتبعته ما سد خلة حاله " ... البيت، كقول حبيب: فراح في ثنائي ... ورحت في ثيابه وأخذه بعض أهل عصرنا فقال: وخذ حمدي بجودك، ذا بهذا ... كلانا اليوم أربح صيرفي لأصبح من نوالك في رياش ... وتصبح من مقالي في حلي قال أبو عامر: ولما أنشد المعتلي بالله يحيى بن علي بن حمود قول ابن قاضي ميلة يصفف مركباً للروم أوقع به المسلمون وغرقوه وذكر قتل العلج:

стр. 309

إذا طفا أبصر الصمصام يرقبه ... أو غاص في الماء من خوف الردى شرقا وأي عيشٍ لموقوف على تلفٍ ... يراقب الميتتين: السيف والغرقا وكانت إثر ذلك وقعة للمعتلي بالله على السودان بإشبيلية، فأمر أبا عبد الله ابن الحناط بصفة ذلك إذ الوقعتان متشابهتان، ففعل؛ وبلغني أنا ذلك، فكتبت إلى المعتلي بشعر طويل في المعنى أوله: غناك سعدك في ظل الظبا وسقى ... " فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقا " ومنها في صفة الوقعة: سقياً لأسد تساقى الموت أنفسها ... وتلبس الصبر في يوم الوغى حلقا قامت بنصرك لما قام مرتجلاً ... خطيب جودك فيها ينثر الورقا سريت تقدم جيش النصر متخذاً ... سبل المجرة في إثر العلا طرقا في ظل ليلٍ من الماذي معتكر ... يجلو إلى الخيل منه وجهك الفلقا وصفح قرن غداة الروع يكتبه ... من الظبا قلم لا يعرف المشقا أجريت للزنج فوق النهر نهر دمٍ ... حتى استحال سماء جللت شفقا وساعد الفلك الأعلى بقتلهم ... حتى غدا الفلك بالناجي به غرقا من كل أسود لم يدلف على ثلج ... بأن جدك يجلو صفحه يققا كأن هامته والرمح يحملها ... غراب بينٍ على بان النقا نعقا

стр. 310

ومنها: إذا ولى ثغر ثغرته ... أو عاذ مسلوب القوى غرقا وأي نهر يرجي العبر عابره ... وسفنه طافيات غودرت فلقا قوله: " حتى استحال سماءً " ... البيت، إلى قول المعري أراه أشار. وعلى الأفق من دماء الشهيدي ... ن علي ونجله شاهدان فهما في أواخر الليل فجرا ... ن وفي أولياته شفقان وقوله: " كأن هامته والرمح " ... البيت، أخذ معناه ابن الحداد فقال من قصيدة في مدائح ابن صمادح، يصف غلبته على وادي آش سنة خمس وخمسين: بلاد غدت يأجوج فيها فأفسدت ... فكنت كذي القرنين والجحفل السد وما زال شرقي المرية عاطلاً ... إلى أن علاها من رؤوسهم عقد وقد عوضوا من بائنات جسومهم ... بمصمتةً لا عظم فيها ولا جلد كأنهم فيها غرابيب وقع ... على باسقات لا تروح ولا تغدو ومن مشهور هذا المعنى قول الآخر:

стр. 311

وعاد لكنه رأس بلا جسد ... يسري ولكن على ساق بلا قدم وإذا تراءى على الخطي أسفر في ... حال العبوس لنا عن ثغر مبتسم ولم أسمع في صفة الرأس المصلوب على الرمح أحسن من قول أبي فراس يخبر عن سيف الدولة وقد أنقذ أبا وائل التغلبي من الأسر، وقتل آسره: وأنقذ من ثقل الحديد ومسه ... أبا وائل والدهر أجدع صاغر وآب ورأس القرمطي أمامه ... له جسد من أكعب الرمح ضامر وكان هذا المقتول الذي أوقع به سيف الدولة قد ظهر على أطراف الشام والتفت عليه القبائل، وكان يعرف بالمبرقع، فحارب أبا وائل تغلب بن داود وهو خليفة سيف الدولة على حمص، فهزمه وأسره وألزمه شراء نفسه بعدد من الخيل والمال، فخرج سيف الدولة من حلب وأسرى حتى لحق في اليوم الثالث بنواحي دمشق، فأوقع بالمبرقع، وفي ذلك يقول المتنبي: ولو كنت في أسر غير الهوى ... ضمنت ضمان أبي وائل فدى نفسه بضمان النضار ... وأعطى صدور القنا الذابل

стр. 312

ومناهم الخيل مجنوبةً ... فجئن بكل فتىً باسل كأن خلاص أبي وائلٍ ... معادوة القمر الآفل دعا فسمعت وكم صامت ... على البعد عندك كالقائل قال ابن بسام: وإذ قد أجرى أبو عامر ذكر يحيى بن حمود، فلنشر إليه، ونتلو قصيدة أبي عامر بفصل نجعله منبهاً عليه، إذ قد مر ذكره فيها، ونسقت له قوافيها. وأنا أشرح في هذا الموضع مقتله خاصةً، إذ كان خاتمة آثاره، ومميزاً من سائر أخباره. وسيمر في أخباره عمه القاسم كيف نجم ملكه، وعلى يدي من نظم سلكه. @ذكر الخبر عن مقتل يحيى بن حمود الذي ذكر قال ابن حيان: حكى لي أبو الفتح البرزالي قال: لما كان عيد الأضحى سنة ست وعشرين وأربعمائة، وانغمس يحيى بن حمود في شربه ولهوه، سرت مع لمة من بني عمي إلى اللحاق بإشبيلية، للاجتماع بابن عمنا محمد بن عبد الله والقاضي ابن عباد، فوصلنا وأنبأناهما من خبر ابن حمود يحيى ولهوه ما رأيا أن يوجها إليه بجيشٍ لقتاله. فخرج إسماعيل بن عباد مع ابن عمنا محمد بن عبد الله في المحرم من سنة سبع وعشرين بعدها، وهما في بيعة هشام بن الحكم تلك الأيام، فجئنا إلى باب قرمونة بالجيش كي نغيظ يحيى فيخرج

стр. 313

أو يخرج أحد من قبله، وقد قدمنا سريةً كمن الجيش ناحية أخرى، وقد كنا وجهنا فوارس ليلاً للسامرة بسور قرمونة، فطار الخبر إلى يحيى وهو تلك الليلة على شراب وقد أخذ منه، فنعر نعرةً ووثب قائماً يقول: وابياض بختي الليلة، وابن عباد ليلاً على باب قرمونة، وأصحابه يتلاحقون، فالتأمت عدته في نحو ثلثمائة فارس أكثرهم دغل السريرة، فمضى على وجهه مغتراً يضرب إبطي أهجن خيله، معنقاً إلى حينه. قال أبو الفتح: وأقول إنه على ذلك عند انتهائه، لو ضرب مصافاً يقيم فيه ويقدم رجاله للحرب طائفة يمدهم بطائفة، وتقف خيلهم ردءاً لهم ما فارق الصواب. لكن الحين غطى على بصره فألقى نفسه علينا في أوائل خيله، ولما تستبن الأشباح ظلمةً. فانتشب الحرب معنا غلس ذلك اليوم ووالى علينا الشدات الصعاب بنفسه، فعلمنا أنه لا ينجينا إلا الصدق، فاستقبلناه بوجوهنا ثم رددنا عليه الكرة، وطاولنا بالقوة، فحمل علينا حملة ثالثةً مع أصيحاب له، وكنا في سند ضروس كؤود، منيع الصعود إلينا، نؤود منه وننال من أصحابه، فإذا رددنا عليهم استعنا بفضل الانحدار من علٍ، فنخطفهم خطف الأجادل، فصدقنا هذه الحملة، فساقنا حتى رمانا على إسماعيل بن عباد ومن معي من الأندلسيين، فثاروا في وجهه، فتواقف الفريقان ساعةً، وظهر كمين

стр. 314

ابن عباد وجاد صبره، وحرض غلمانه العجم، فشدت الجماعة على يحيى شدة منكة، وحدروا من ذلك التل الذي تسنموه فانكسروا، وصرع في ذلك قوم وتمادى الطلب وراءهم بعد مواقفة عظيمة، فصرع يحيى وحز رأسه، وطير به إلى ابن عباد بإشبيلية فخر ساجداً وسجد من حضر لسجوده، وانطبق البلد فرحاً، واستمرت الهزيمة على أصحاب يحيى، حتى ساء ذل محمد بن عبد الله، وبدت عصبيته لقومه، وكلم ابن عباد في رفع السيف عنهم فأطاعه في ذلك، وتم لابن عبد الله ما أراد من حقن دماء قومه، إذ لم يأت الذي أتاه إلا عن ضرورة، ولم يتلعثم أن أسرع الركض إلى قرمونة دون إسماعيل بن عباد، فجاءها لوقته وقد ملك سودان يحيى أبوابها على أهلها، فدنا إلى مكان عورتها من سورها الجوفي وقد عرفه، ففتح له ودخل من ساعته دار يحيى وحاز جميع ما ألفاه من مال ومتاع، واشتمل على نسائه وأباح حرمه لبنيه، واستحل حرامهن، واستوى في مجلسه، ونصر نصراً لا كفاء له، ورد الله عليه ملكه، ثم لم يجده على ذلك شاكراً للنعمة، ولا مقصراً عن ارتكاب المعصية. وسقط الخبر بمقتل يحيى على أهل قرطبة فما صدقوه من الفرح. قال أبو عامر: ومما يلزم المدعي لصناعة الكلام إذا اعتمد وصف حالة أن يسوفي جميعها، ويكون ما يطلبه من الإبداع والاختراع فيها غير خارجٍ عنها وما هو بسبيلها، فذلك أبهى لكلامه، وأفخم للمتكلم به

стр. 315

وأدل على أن الكلام له ومن تأليفه، لا كما شهدته يوماً عند ابن حمود وقد قد صدر عن ابن الشرب، ومدحه عدة شعراء صدور أشعارهم لزينب والرباب ولميس وفرتنى، وأعجازها للجود والكرم وبذل اللهى، ولم يلمم أحد منهم بذلك الغرض والمغزى إلا في بيتين أو ثلاثة، فأنشدته أنا يومئذ من جملة قصيدة أولها: فريق العدا من حد عزمك يفرق ... وبالدهر مما خاف بطشك أولق عجبت لمن يعتد دونك جنةً ... وسهمك سعد والقضاء مفوق ومن يبتني بيتاً ليقطع دونه ... ممر رياح النصر وهو الخورنق وما شرب ابن الشرب قبلك خمرةً ... من الذل بالعجز الصريح تصفق توهم فيه الرعن حصناً فزرته ... بأرعن فيه مرعد الموت مبرق وحولك أسياف من السعد تنتضى ... وفوقك أعلام من النصر تخفق بأبيض مسود الدلاص كأنه ... شهاب عليه من دجى الليل يلمق وأسود مبيض القباء كأنما ... يطير به نحو الكريهة عقعق وخيل تمشى للوغى ببطونها ... إذا جعلت بالمرتقى الصعب تزلق وهذا البيت مما لم يحسن أبو عامر سرقته، ولا بلغ به طبقته، وهو من قول أبي الطيب: إذا زلقت مشيتها ببطونها ... كما تتمشى في الصعيد الأراقم

стр. 316

وله من أخرى في سليمان المستعين: بكى اسفاً للبين يوم التفرق ... وقد هون التوديع بعض الذي لقي وما للذي ولى به البين حسرة ... بكيت، ولكن حسرةً للذي بقي وقد شاقني الورق السواجع بالضحى ... ومن يستمع داعي الصبابة يشتق على فنن من أيكة قد تعلقت ... بحبل النوى من قلبي المتعلق فصدقتها في البين من غير عبرةٍ ... وكم من كثير الدمع غير مصدق لعل نسيم الريح تأتي به الصبا ... بنشر الخزامى والكباء المعبق كأن عليها نفحةً عبشميةً ... أتت من جناب المستعين الموفق ومنها: فنلت الذي قد نلت إذ ليس للعلا ... سواك كأن الدهر للناس منتقي قوله: " وما للذي ولى به البين حسرةً " ... البيت، يلمح قول محمد بن هانئ: لا تسلني عن الليالي المواضي ... وأجرني من الليالي البواقي وأوضح منه قول الآخر:

стр. 317

ليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنما الميت مبت الأحياء وقوله: " كأن الدهر للناس منتقي " ... لفظ بيت أبي الطيب: ولما رأيت الناس دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد ولأبي عامر قصيدة يقول فيها، وقد أزمع على الخروج من قرطبة إلى مالقة لاحقاً بيحيى بن علي: أرى أعيناً ترنو إليّ كأنما ... تساور منها جانبي أراقم أدور فلا أعتام غير محاربٍ ... وأسعى فلا ألقى أمرءاً لي يسالم ويجلب لي فهمي ضروباً من الأذى ... وأشقى امرئ في قرية الجهل عالم وأوجع مظلوم لقلب وذي حجىً ... فتى عربي تزدريه أعاجم غنيتم على ما تزعمون عن الورى ... لقد سفهت تلك الحلوم الزواعم وهل يقدم البازي على الطير في الضحى ... إذا زال عن ريش الجناح القوادم سلام عليكم لا تحية شاكرٍ ... ولكن شجىً تنسد منه الحلاقم وما قرعت سني عليكم ندامةً ... وأوشك غداً أن يقرع السن نادم عليكم بداري فاهدموها دعائماً ... ففي الأرض بناءون لي ودعائم لئن أخرجتني عنكم شر عصبةٍ ... ففي الأرض إخوان علي أكارم وإن هضمت حقي أمية عندها ... فهاتا على ظهر المحجة هاشم ولا غرو من تلك القلانس جالياً ... إذا عرفت حقي هناك العمائم

стр. 318

قال أبو الحسن: وقد تقدم القول من تحيل حذاق الصناعة في أخذ المعاني أن تترك القافية والوزن، وكذلك يجب أن يقصد إلى التطويل إذا قصر المتقدم؛ ألا ترى قول أبي عامر حين سمع الرمادي يقول: ولم أر أحلى من تبسم أعين ... غداة النوى عن لؤلؤ كان كامنا فقال أبو عامر في هذه القصيدة: ولما فشا بالدمع من سر وجدنا ... إلى كاشحينا ما القلوب كواتم أمرنا بإمساك الدموع جفوننا ... ليشجى بما تطوي عذول ولائم [فظلت دموع العين حيرى كأنها ... خلال مآقينا لآل توائم] أبى دمعنا يجري مخافة شامت ... فنظمه بين المحاجر ناظم وراق الهوى منا عيون كريمة ... تبسمن حتى ما تروق المباسم فقام بهذا التركيب ما نسيت له حيلة التطويل. وبيت الرمادي من قول ابن عبد ربه: وكأنما غاص الأسى بجفونها ... حتى أتاك بلؤلؤ منثور فاحتال الرمادي حتى أتى باللؤلؤ وعوض من الغائص التبسم، ووقعت له استعارة التبسم للعين موقعاً لطيفاً، وإنما هو للثغور، بسبب توسط اللؤلؤ الذي هو للعيون والثغور، فنسخ المعنى نسخاً، وقلبه قلباً.

стр. 319

وتشبيه الدموع باللؤلؤ أكثر من أن يحصى، ومن أحسنه قول القائل: ولما وقفنا للوداع ودمعها ... ودمعي يثيران الصبابة والوجدا بكت لؤلؤاً رطباً وفاضت مدامعي ... عقيقاً فصار الكل ف نحرها عقدا ومن أحسن ما جاء من توقع أهل النمائم، والاحتيال لكتمان الدموع السواجم، لا سيما وقد أزف الفراق، وعصت بما فيها من الدمع الآماق، قول بعض العرب: ومما شجاني. أنها يوم ودعت ... تولت ودمع العين في الجفن حائر فلما أعادت من بعيد بنظرةٍ ... إليّ التفاتاً أسلمته المحاجر وقال آخر: ولما أبت عيناي أن تحسبا البكا ... وأن تمنعا در الدموع السواكب تثاءبت كي ابغي لدمعي علةً ... ولكن قليلاً ما بقاء التثاؤب أعرضتماني للهوى ونممتما ... علي، لبئس الصاحبان لصاحب وأنشد ثعلب: ومستنجد بالحزن دمعاً كأنه ... على الخد مما ليس يرقأ حائر ملا مقلتيه الدمع حتى كأنه ... لما انهل من عينيه في الماء ناظر نظرت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من ماء الصبابة أنظر> فعيناي طوراً تغرقان من البكا ... فأعشى وطوراً تحسران فأبصر

стр. 320

ناقص
следующие страницы →