← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

تزداد انهماكاً إلى أن مات عبد الملك، وكبت كبوة لم تستقلها آخر الدهر. قال ابن حيان: وكانت ولاية عبد الملك وفرق النصرانية بأسرها منتقصة، وعهدها قريب بالاجتماع على المسلمين، وأطماعها بموت حتفها المنصور ثابتة. وكانت الأفرنجة في آخر وقت المنصور قد تمسكت بالمسالمة، فلما سمعت بموته طمعت، واحتاج عبد الملك إلى التثاقل عنهم توطيداً للحضرة، إلى أن اعتدلت فيها الدولة، وأخبار الثغور توافيه كل وقت بما لا يوافقه. وكان أهم جموع طوائف الطواغيت عليه يومئذ أميراً شيطانهم الرجيم، ومغويهم الزعيم، شانجه بن غرسيه بن فرذلند صاحب قشتيلة. وكان يليه في النكاية منتدس [بن] عندشلب قومس غليسية، وكافل ملكهم أذفونش بن برمند، وسائر القواميس عندهما سقط وحاشية. فقدم عبد الملك الحذر منهما، فألقى مولاه واضحاً الفتى صاحب مدينة سالم على شانجه، فصالحه واضح سنة ثلاث وتسعين ولاطفه إلى أن تمهدت قواعد الدولة. وجرد عبد الملك يومئذ إلى ثغر قلمرية قاصية الثغر المواجه لأرض غليسية جيشاً كثيفاً، وبقي في وجه منتدس بن عندشلب، وصمد عبد الملك بلد الإفرنجة إذ لم تزل عند ولاة الأندلس مبدأ كل علة. فاستعد لقصدهم، واقتحم أرضهم في جموعه وأوغل في بسيط برشلونة، وحطم غير ما مدينة

стр. 2767

وعاد قافلاً سالماً غانماً. فهابته الإفرنجة وأذعنت إلى السلكن وجاء رسولها إلى قرطبة، وقد أعد عبد الملك لوروده أكمل العدة من ترتيب الجنود، فكان يوم دخل ذلك الرسول بقرطبة آخر أيام الزينة، إذ انتقض الملك على أثره سريعاً ووقعت الفتنة. قال ابن حيان: سمعت بعض المشايخ يومئذ يقول: إنه ما كان بالأندلس مثل ذلك في أمد الدولة، بما اجتمع له من كثرة الجمع والزينة والعزة السلطانية. وأما التجار الغرباء فدخلوا يومئذ إلى موضع هيئة التجافيف والأعلام المصورة وسائر القطع العجمية والقنا الهندية، وموقف خيل الركاب بالسروج الثقال، والتراس المذهبة والمفضضة، معها بغال الركاب الرائقة في زيها المشهور، وما اتصل بذلك من عدة غريبة. وتوصل أولئك التجار إلى ذلك المكان قبل إباحته للنظارة بإذن التمسوه من عبد الملك، فلم يختلفوا في استيساع ما عاينوه، واتفقوا - وكانوا جملة عراقيين ومصريين وغيرهم - على أنه ما شاهدوا لأحد من ملوكهم مثله. ولما أحكم عبد الملك الشد الفتن الفرنجة دبر قصد شانجه، فخرج نحوه صائفة سنة أربع وتسعين، وأوغل في أرضه وخام عنه شانجه ولم يظهر له، وقفل عبد الملك إلى قرطبة. فاضطر شانجه إلى السلم ووفد بنفسه إلى قرطبة، فأعظم عبد الملك مورده، وضمن أن يغزو معه قومه. فخرج مع عبد الملك سنة خمس وتسعين، فاقتحم جليقية وغادر أعمال بني غومس مصطلمة، وهدى المسلمين شانجه إلى عورات قومه، وانتهى بهم إلى مدينة ليونه وهي من أمنع المعاقل، ولم يكن المنصور بلغها لصعوبتها

стр. 2768

وطمع عبد الملك فيها ونازلها فأعيت عليه، وقفل إلى قرطبة. وبقي شانجه في مسالمته ثلاثة أعوام يستعد لحربه. فأحس عبد الملك بغدره، فسابقه بالغزو سنة ست بعدها، وضحى عبد الملك يومئذ بمدينة سالم، ووافاه هنالك رسول الروم من القسطنطينية بكتابه إليه، يسأله المواصلة على سبيل سلفه مع ملوك المروانية. وساق له هدية وعدة من أسارى الأندلس طير عليهم بأطراف جزائره البحرية، فسر عبد الملك بذلك، وإذا كتابه مكتوب بالذهب على رسم ملوك الروم الذي فات الصنعة. وذكر صاعد ورود ذلك الرسول في شعر قال فيه: زلزلت بالمرهفات صاحب قس ... طنطين حتى اتقاك بالكتب يطلب فيها رضاك مجتهداً ... من قبل أن يتقيك بالهرب فليس بالفائت البعيد مع الل ... هـ إذا [ما] هممت بالطلب وتمادى استعداد شانجه سراً لغزو عبد الملك فسابقه [٥٤] سنة سبع وتسعين، وظهر المسلمون عليهم. ثم قفل إلى قرطبة آخر ذي الحجة منها. ثم غزا سنة ثمان غزوته الأخير في شوال، فاعتل في مدينة سالم، ورجع إلى قرطبة محرم سنة تسع وتسعين. فكانت آخر غزاة نفذت إلى بلاد الحرب لوشكان موته في صفر منها. وضبط أخوه عبد الرحمن الأمر بعده لنفسه.

стр. 2769

فصل في ذكر الوزير أبي الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدارمي، وإثبات جملة من أشعاره مع ما يتشبث بها من طريف أخباره بلغني أنه خرج من بغداد إذ مات أبوه، وأساء عشرته أخوه، وسنه دون العشرين، فلحق بالأمير محمود، وشهد حروبه بأرض الهنود، وله فيه غير ما قصيد، إلى أن توفي فولي أكبر ولده بعده، فبقي أبو الفضل على حاله عنده، إلى أن خرج بعض إخوته عليه، فنهض لحربه، فدبر وزراؤه في طريقه الفتك به، وشاوروا أبا الفضل في القضية، فأبى من تلك الدنية، وأودع أذن الأمير، ذلك التدبير، فخاف وزراؤه أن يفتضحوا، وعاجلوه قبل أن يصبحوا، وقيدوه قبل أن يقدم أخوه، فسبقهم أبو الفضل إليه، ونص ما فعلوه بأخيه عليه. فشكر له وفاءه لصاحبه، وقال: الوفاء حلية الأحرار، والغدر ثوب الأشرار، ووصل القوم بعد بأخيه، ففك عن أغلاله، وحبسه عند بعض عماله، وضرب أعناق الغدرة، وقرب أبا الفضل واستوزره، إلى أن خرج عنه في خبر طويل

стр. 2770

ولحق بشروان شاه، وصحبه إلى أن توفي أيضاً وولوا أخاه، فكاتب أبو الفضل الخليفة أبا جعفر القائم ببغداد في الوصول إليه، فاتفق ورود كتابه إثر وفود رسول المعز بن باديس عليه، فطلب الخليفة رجلاً يسفر بينهما، فأرشد إلى أبي الفضل، فوجه عنه وورد، فجهزه وخرج مستتراً من بلد إلى بلد حتى وصل حلب، فاشتهر خبره وطلب، فمدح معز الدولة بقصيدته التي ا، لها: " عهود الصبا من بعد عهدك آمل " فأمر له بثياب سرية، وحمله على فرس عربية. ثم انفصل عنه واجتاز بمعرة النعمان، وبها المعري أحمد بن سليمان، فوصل إليه، وأنشده قصيدته اللامية، فقبل المعري بين عينيه، وقال له: بأبي أنت من ناظم! ما أراك إلا الرسول إلى المغرب. فوصل مصر ووزيرها يومئذ صدقة ابن يوسف بن علي الملقب بالفلاحي، فقصد مجلس قاضي القضاة بها، وأثبت عقداً على رجل مشهور، كان يومئذ ببلاد المغرب بشهادات زور، ولما ثبت ذلك من الطومار، خرج من مصر في زي التجار، يؤم بلاد إفريقية، فوقع على خبره صاحب الإسكندرية، وطلبه فأعجزه. وبلغ

стр. 2771

طرابلس المغرب أول عمل المعز، فأفشي أمره، وفضح سره، فأمر المعز بإشخاصه. فلما وصل سعي به عنده وأراد قتله، فقال له: تأن في، واستقص علي، فإن صدقت وإلا قتلت. فمشى أبو الفضل بالقيروان مرقباً عليه، إلى أن ورد كتاب القائم بصدقه، فاعتذر إليه، ورفع منزلته وأكرمه، وبسط يده في مطاليبه وحكمه. فحملهم أبو الفضل إلى منزله، وأحسن إليهم، وخلع عليهم. فعجب المعز من كرمه، وقلده تدبير حشمه. وكان ورود أبي الفضل بلد القيروان سنة تسع وثلاثين. حكى ذلك أبو علي بن رشيق وقال: إنه أول من أدخل كتاب اليتيمة للثعالبي عندهم، وشهد حصار القيروان معهم. فلما كان عام ستة وأربعين صرف المعز خطبته إلى صاحب مصر، ونبذ العباسية. فخرج أبو الفضل إلى سوسة، فتطاول عليه أهلها، فخرج عنهم بعد أن أوقع الفتنة بينهم، وتركهم فرقتين: قيسية ويمنية، وأوقع في نفوسهم أن الحرب قائمة بين هاتين القبيلتين إلى يوم القيامة. فاقتتل الفريقان إلى أن تغلب عليهم تميم بن المعز. وتردد أبو الفضل هنالك عدة سنين، وشهد الحروب مع بلقين. ثم انتبذ من تلك الناحية، وركب البحر فنزل بدانية، فبعث إليه أميرها ابن مجاهد بلحم وأرباع دقيق أول نزوله، فصرفها في وجه رسوله، وتعجل الارتحال عنه إلى بلنسية فلقي براً، واستجلبه المأمون ابن ذي النون فحسن بطليطلة مثواه [٥٥] وأجزل قراه، وتوسع له ولعبيده في البر، وأجرى له ستين مثقالاً في الشهر. وكان دخوله طليطلة

стр. 2772

يوم الجمعة لثلاث بقين لجمادى الأولى سنة أربع وخمسين، وتوفي بها ﵀ منتصف شوال سنة خمس وخمسين. ومن غريب وفاء المأمون له - زعموا - إنه استمرت جرايته على حاشيته، وتجافى عن ميراثه وجعله وصية له إذا لم يوص لفجأة وفاته. ورثاه الحكم أبو محمد بن خليفة بشعر يقول فيه: سقى الله قبراً حل فيه أبو الفضل ... سحاباً يسح المزن وبلاً على وبل وكيف يسقي المزن قبراً يحله ... وفي طيه بحر المكارم والفضل وبدر تمام من تميم نجاره ... ملوك لهم قام الملوك على رجل ومنها: وما الدهر إلا آكل من نفوسنا ... ونحن لديه في الحقيقة كالأكل وهذا كقول المعري: وما الأرض إلا مثلنا الرزق تبتغي ... وتأكل من هذا الأنام وتشرب وقد كرر المعري هذا المعنى في مواضع: فشم صارماً واركز قناةً فللردى ... يد هي أدرى بالطعان وأدرب أفض لهامات وأرمى بأسهم ... وأطعن في قلب الخميس وأضرب

стр. 2773

ووزير مصر الملقب بالفلاحي المتقدم الذكر، والده كان يوسف ابن علي الذي هجاه الواساني بالقصيدة التي أولها: يا أهل جيرون هل لسامركم ... إذ استقلت كواكب الحمل وهو يومئذ مشرف على دمشق في أيام الحاكم، وهي قصيدة في معناها فريدة. وقال الحاكم يوماً: أريد سماع هذه القصيدة من رجل حسن النشيد. فقيل له صوت الذي قيلت فيه، لا أحد يجاريه، فأحضر واستعفى من نشيدها فلم يعذر، وأنشد إلى أن انتهى إلى قول الواساني فيها: كنت على باب منزلي سحراً ... أنتظر الشاكري يسرج لي وطال ليلي بحاجة عرضت ... باكرتها والنجوم لم تمل فمر بي [في الظلام] أسود كال ... فيل عريض الأكتاف ذو عضل مشقق الكعب أفدع اليد وال ... رجل طويل الساقين في سمل فأهدت الريح منه لي أرجاً ... مثل جني الروض في الندى الخضل فصحت من خلفه رويدك يا ... أسود مالي بالعدو من قبل فكر نحوي عجلان يعثر في ... مرط كساء مبرغث قمل وقد مذى فالمذي يقطر من ... غرموله في الذيول كالوشل وظن أني صيد فأبرز لي ... فيشلة مثل ركبة الجمل

стр. 2774

وقال: لج داركم لأولجها ... فيك وإن كنت لم تبل فبل فطالما أسهلت طبيعة من ... ليس بأمثالها بمحتمل فانظر إليها فإن رأيت لها ... شبهاً فلا تدعني أبا الجعل وخذ عموداً فلاغه شرج ... لم يمتعهن ساعة ولم يذل قلت له: والذي يمد لك ال ... عمر ويعطيك غاية الأمل ما شق دبري مذ قط فيشلة ... ولا انتخاب الأيور من عملي ولا لهذا [دعيت] فاطلب لغر ... مولك من يستلذه بدلي وهات قل لي بالله من أين أقبل ... ت ودعني من هذه العلل فقال لي بت عند عاملكم ... هذا أبي الفضل يوسف بن علي فصاك بي طيبه وصاك به ... مني صنان في حدة البصل تركته في النهار أخفش لا ... ينظر في خدمة ولا عمل ملت ترديت واعتديت على ... شيخ نبيل ينمى إلى نبل لعله غيره فصفه فما ... تخدع مثلي بهذه الحيل فقال: يا سيدي عجلت بمك ... روهي وكان الإنسان من عجل هذا الذي بت عنده نصف ... دون من وفوق مكتهل آدر رخو العجان منحرف ال ... مبعر ألحى مهيج السفل

стр. 2775

أنتن من كل ما يقال إذا ... بالغ في النتن ضارب المثل نعم، وفي باب سرمه وضح ... أبيت ليل منه على وجل أخاف يعدي أيري ببرصته ... فأغتدي مثلةً من المثل فقلت: هذي صفاته ولقد ... شغلت قلبي بذلك الرجل ومنها في التعريض بمنشا بن إبراهيم: فقلت قل لي من أين تعرفه ... فقال ذرني من هذه العقل كنت أجيراً ببد معصرةٍ ... كانت قديماً لكاتب البجل فنمت يوماً وكنت من سهر ال ... ليل وقيذا كالشارب الثمل فاجتاز للحين والقضاء الذي ح ... م منشا في موكب زجل وكان منه التفاتة فرأى ... ذيل قميصي قد قدّ من قبل فاشتد تحديقه إليّ كما ... حدق ذئب طاوٍ إلى حمل [٥٦] ولم أبت ليلتي وعيشك يا ... مولاي حتى رفعت بالرسل فجئته خائفاً كما يلج ال ... عصفور مستكرهاً على الورل فارتعت لما رأيت لحيته ... وكدت أخرى من شدة الوجل

стр. 2776

وظن أني استحييته فغدا ... يبسطني بالمزاح والغزل وقال إن كنت مكرمي ثل قد ... ري فبعض الهوان أرفع لي إنتف سبالي وأصفع قفاي ولا ... تنظر إلى قدرتي ولا خولي ولم يزل دائباً يشمرخ شا ... قولي ويحتال لي على مهل فحين أدليت كالحمار بدا ... يرفع أثوابه على الكفل وخر للوجه والجبين وقد ... رطب حولي خصييه بالبلل طعنته طعنة بصدق الأنا ... بيب أصم الكعوب معتدل ثم رمى صفحتي بلحيته ... فقلت ذا السرم من بني ثعل فقال أخطأت إذ أسلت دمي ... فقلت كلا والله لم يسل أين النجيع القاني فديتك من ... لطخ رجيع كالورس منسجل فقال أير أرى به هوجاً ... قد جاز حد الجنون والخبل يا سيدي ما اسمه فقلت أبو ال ... أسود يكنى وليس بالدؤلي وهي طويلة، فلما فرغ قال له الحاكم: لمَ لمْ تقطع لسانه - والله لا عملت لي عملاص بعد، فصرفه.

стр. 2777

جملة من أشعار أبي الفضل في أوصاف شتى النسيب وما يناسبه كان يوماً مع المعز بن باديس في مجلس أنس، وغلام وسيم يدور بالكأس فقال فيه: ومعذر نقش الجمال بمسكه ... خداً له بدم القلوب مضرجا لما تيقن أن سيف جفونه ... من نرجس جعل النجاد بنفسجا وكان له هوى بغلام في مدينة السلام فإذا رآه أنكر حبه، والغلام يعرف شدة وجده وكلفه، فدمعت عينا أبي الفضل، فقال الغلام: دمعك شاهد عليك، فقال: وهبني قد أنكرت حبك جملةً ... وآليت أني لا أروم محطها فمن أين لي في الحب جرح شهادةً ... سقامي أملاها ودمعي خطها ودخل يوماً على قينة وهي تتبخر بالند، ودخانه قد علا وجهها فقال:

стр. 2778

ومحطوطة المتنين مهضومة الحشا ... منعمة الأرداف تدمى من اللمس إذا ما دخان الند من جيبها [علا] ... على وجهها أبصرت غيماً على الشمس وهو القائل: يغرس ورداً ناضراً ناظري ... في وجنة كالقمر الطالع فلم منعتم شفتي قطفه ... والحكم أن الزرع للزارع -! وقال: ومبلبل من صدغه العطر الذي ... أهدى لي البلبال دون حجاب وحياة ما غرس الحياء بخده ... من ورده بعتابه وعتابي لأغررن بمهجتي في حبه ... غرراً يطيل مع الخطوب خطابي ولئن تعزز إن عندي ذلةً ... تستعطف الأحباب للأحباب وقال: يا ليل هلا انجليت عن فلق ... طلت ولا صبر لي على القلق جفت جفوني الآماق فيك فما ... تسبل أشفارها على الحدق

стр. 2779

كأنني صورة ممثلة ... ناظرها الدهر غير منطبق وإنما أشار في هذا إلى قول بشار: جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار فنقل لفظه ومعناه، وقصر عنه كما تراه. وقد أخذ أيضاً العتابي هذا المعنى، واجتناه أرياً، فرده شرياً، بقوله: في ماقيي انقباض عن جفونهما ... وفي الجفون عن الآماق تقصير وقال أبو الفضل: بدر تم علي ليس يلين ... خاب فيما رجوت فيه الظنون طالباً للخلاف إن لم أكن كا ... ن وإن كنت حاضراً لا يكون فعلى ذا ما نلتقي قط حتى ... يتلاقى المضاف والتنوين وقال: وظبي أراني غرة من جبينه ... تزيد ضياء بين أصداغه الدهم تجرعت بالإسعاف جرعة ظلمه ... لأني رأيت الظلم يدرأ بالظلم وكم أمكنتني فرسة فتركتها ... حياء من الشيب الموقر بالحلم ولو كنت في ثوب الشبيبة رافلاً ... لصح على إتيان زلتها عزمي

стр. 2780

وهذا كقول الآخر: دعتني عيناك نحو الصبا ... دعاء تكرر في كل ساعه فلولا وحقك عذار المشيب ... لقلت لعينيك سمعاً وطاعه وهذا مثل قول جرير: [٥٧] [يقول العاذلات علاك شيب ... أهذا الشيب يمنعني مراحي] ومنه أنشد: [٥٧] لولا الحياء وأنني مشهور ... والعيب يلحق بالكبير كبير لحللت منزلك الذي تحتله ... ولكان منزلنا هو المهجور وابن الرقاع هو القائل: لولا الحياء وأن رأسي قد عسا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم وقال بعض أهل عصرنا: فلولا حياء المحيا وما ... عراني لفقد الصبا من مصاب

стр. 2781

لمرغت خدي وألفت بين ... هشيم المشيب وروض الشباب وقال محمد بن هانئ: والله لولا أن يسفهني الهوى ... ويقول بعض القائلين تصابى لكسرت دملجها بضيق عناقها ... ولثمت من فيها البرود رضابا بنتم فلولا أن أغير لمتي ... عبثاً وألقاكم علي غضابا لخططت شيباً في عذاري كاذبا ... ومحوت محو النقس عنه شبابا وخلعته خلع النجاد مذمما ... واعتضت من جلبابه جلبابا وخضبت مسود الحداد عليكم ... لو أنني أجد البياض خضابا وسأله أبو منصور الثعالبي أن يصف غلاماً صغيراً كان بديع الحسن ليثبت ذلك في كتابه المترجم بألف غلام، فقال: إني عشقت صغيراً ... قد دب فيه الجمال وكاد يفشي حديث ال ... فضول منه الدلال لو مر في طرق الهج ... ر لاعتراه ضلال وتاه فيه اغتراراً ... لو لم يغثه الوصال يريك بدراً تماماً ... في الحسن وهو هلال وسأله أيضاً أن يصف غلاماً كاتباً كان حسن الخطين خط اليد وخط الوجه، فقال:

стр. 2782

وكاتب أهديت نفسي له ... فهي من السوء فدا نفسه سلط خديه على مهجتي ... فاستأصلاها وهي من غرسه كأنما خط على خده ... مثل الذي قد خط في طرسه فلست أدري بعد ما حل بي ... بمسكه أتلف أم نقسه وقال فيه: وشادن أسرف في صده ... وزاد في التيه على عبده الحسن قد بث على خده ... بنفسجاً يرنو إلى ورده رأيته يكتب في طرسه ... خطاً يضاهى الدر في عقده فخلت ما [قد] خطه ... للحسن قد خط على خده وألم أبو الفضل في هذا بقول بعض الكتاب: ما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئاً ولا ألفاته من قده وكأنما أنفاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من جلده وينظر إلى هذا من طرف خفي، قول [ابن] أبي سمرة الدارمي قال: سراب الفيافي صادق عند وعدها ... وسم الأفاعي مبرئ عند صدها رمتني ولم أسعد بأيام وصلها ... بعيني مهاة أنحستني ببعدها

стр. 2783

تعلقها قلبي كما قد تعلقت ... صوالج صدغيها بتفاح خدها فقلبي لما أضعفته كخصرها ... ودمعي لما نظمته كعقدها وقال أبو الفضل: قلت للملقى على الخدين من ورد خمارا ... والذي سل على العشاق باللحظ شفارا ... أسبل الصدغ على خد ... ك من مسك عذارا أم أعان الليل حتى ... قهر الليل النهارا - قال ميدان جرى الحس ... ن عليه فاستدارا ركضت فيه عيون ... فأثارته غبارا وقال يتشوق إلى بلده: أهيم بذكر الشرق والغرب دائباً ... وما بي شرق للبلاد ولا غرب ولكن أوطاناً نأت وأحبةً ... فقدت متى أذكر عهودهم أصب إذا خطرت ذكراهم في خواطري ... تناثر من أجفاني اللؤلؤ الرطب ولم أنس من ودعت بالشط سحرةً ... وقد غرد الحادون واستعجل الركب أليفان هذا سائر نحو غربةٍ ... وهذا مقيم سار عن صدره القلب وقال في مثله:

стр. 2784

تذكر نجداً والحمى فبكى وجدا ... وقال سقى الله الحمى وسقى نجدا وحيته أنفاس الخزامى عشيةً ... فهاجت إلى الوجد القديم وجدا فأظهر سلواناً وأضمر لوعةً ... إذا طفت نيرانها وقدت وقدا ولو أنه أعطى الصبابة حكمها ... لأبدى الذي أخفى وأخفى الذي أبدى ولم أنسه والسكر يفتل قده ... إذا ما تثنى كدت أعقده عقدا وقال: ومخمور الجفون بلا خمار ... حكى بدر الدجى حسناً وبعدا فما زالت به حيلي إلى أن ... دنا ورأى لدي الغي رشدا وجاد بقبلةٍ فشممت مسكاً ... وذقت مدامة وقطفت وردا فكان السكر لي سبباً سقاني ... على ظمأ الهوى العذري بردا [٥٨] فيا شرباً وردت فكان عذباً ... ويا نجماً لحظت فكان سعدا وقال: قالوا تبدى شعره فأجبتهم ... لابد من علم على الديباج والبدر أبهر ما يكون ضياؤه ... إذ كان ملتحفاً بليل داج وقال: ظبي إذا حرك أصداغه ... لم يلتفت خلق إلى العطر غنى بشعري منشداً ليتني ال ... لفظ الذي أودعته شعري

стр. 2785

فكلما كرر إنشاده ... قبلته فيه ولم يدر وقال: يا ذا خط الجمال بوجهه ... سطرين هاجا لوعةً وبلابلا وهذا كقول ابن رشيق: وهل [على] عارضيه إلا ... حمائل قلدت حساما وقال أبو الفضل في بعض غلمانه وكان له به هوىً: علي لا تصل وبن ... فقلبي غير مرتهن غضبت فزد ودم غضباً ... فإني عن رضاك غني أتخفي بغصتي سراً ... وتبدي الحب في العلن - لقد غرتك في ميلي ... إليك كواذب الظنن أتطمع أن أزيد هوى ... وودك لي على دخن - إذا فسدت يد قطعت ... ليسلم سائر البدن فأجابه الغلام: غلامك غير ممتهن ... تخونه ولم يخن وتطلب عتبه ظلماً ... على غضب ولم يكن

стр. 2786

وتوقعه بما قد قل ... ت في بحر من المحن فقل لي كل طرفك أم ... خلا طرفي من الفتن - وقال أبو الفضل: وحبيب [قد ضن] بالوصل تيهاً ... هل تضن البدور بالإشراق أنا أخشى إن دام ذا الهجر أن ين ... شط من حبه عقال وثاقي فأريح الفؤاد مما اعتراه ... وأرد الهوى على العشاق وقال: سمحت بنفسي غداة الرحيل ... غراماً على القمر الآفل وبت أفض ختام الجفون ... وأبكي على الجسد الناحل ومن عجب العشق أن القتيل ... يحن ويصبو إلى القاتل! وقال: يا حادياً وجمال الحي سائمة ... ماذا تريد بقلبي أيها الحادي - كلفته السير من جسمي ففارقه ... وهل يسير أسير ما له فاد - رفقاً فقد هجت شوقاً ما استعد له ... فكيف يرحل مشتاق بلا زاد - وقال:

стр. 2787

أيا بصري عزاً علي ويا سمعي ... ويا مسرفاً عند التضرع في منعي إذا كنت مطبوعاً على الهجر والجفا ... فمن أين لي صبر فأجعله طبعي -! سل المطر الغمر الذي عم أرضكم ... أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي - ما أخرجته من شعره في سائر الأوصاف كان ليلة مع بعض إخوانه وبين أيديهم شمعة، فأفضى حديثهم إلى وصفها، فجعل من حضر يريض نفسه، ويعمل في ذلك حسه، فقال أبو الفضل: ذهبنا فأذهبنا الهموم بشمعةٍ ... غنينا بها عن طلعة الشمس والبدر أقول وجسمي ذائب مثل جسمها ... ودمعتها تجري كما دمعتي تجري كلانا لعمري ذوبيان من الهوى ... فنارك من جمر وناري من هجر وأنت على ما قد تقاسين من أذىً ... فصدرك في نار وناري في صدري وله في وصف طرف: حكى فرسي الليل في لونه ... فقابله البدر عند اضطرار فكان له غرةً في التمام ... ونعلا لحافره في السرار

стр. 2788

وقال: رب ليل أبطا علي فلما ... مد ضافي دجاه ما استبطاني جئت أسعى إليه سعي زلال ال ... ماء يستن في حشا الظمآن ظلت أسري بمثله فيه حتى ... خلتني قد أحاط بي ليلان فهو طرف له خضابي سواد ... أنا فيه كهيئة الإنسان وأرى السلامي قد نبهه على هذا التشبيه، وإن كان أبو الفضل قد زاد فيه، وكان السلامي قد ركب زورقاً بدجلة فقال: وميدان تجول به خيول ... تقود الدارعين وما تقاد ركبت به إلى اللذات طرفاً ... له جسم وليس له فؤاد جرى فظننت أن الأرض وجه ... ودجلة ناظر وهو السواد وقال عبد الجليل للمعتمد بن عباد من شعر قد تقدم إنشاده في صفة جواز البحر: فسرت فوق دفاع الله تهصره ... براحة الدين والتقوى فينصهر كأنما كان عيناً أنت ناظرها ... وكل شط بأشخاص الورى شفر وقال أبو الفضل في زامر أسود: [٥٩]

стр. 2789

وحالك اللون كالليل البهيم له ... فضائل مشرقات الحسن كالفلق تنوب عن نطقه ريح مؤثرة ... في قلب مصطبح أو لب مغتبق تخال مجلسنا وجهاً به حسنا ... إذ صار فيه كخال معجب لبق كأنما كفه من زمره سلبت ... أو زمره من يديه جد مسترق تراه يحفظ ما يوحى إليه به ... وسره أبداً يهوي بمنخرق يحدو بأنفاسه الأوتار مجتهداً ... فتستقيم به الألحان في الطرق أهدى الشباب إليه حسن بهجته ... فناسب المسك في لون وفي عبق وقال: هات اسقني فالعيش شاك جرأة ... والدهر نكب عن لقاء أعزلا من قهوة تدع الفتى مستحسناً ... من غفلة في شربه أن يجهلا مع ناعس الألحاظ تخبر أنه ... ما قال فيما ريم منه قط لا والثلج يحكي في اكتنان سقوطه ... وضئيل جثته دقيقاً غربلا ويا بعد ما بين هذا وبين قول بعض أهل عصرنا وهو: [] ... والشمس طالعة ولما تغرب خلت الرذاذ برادةً من فضة ... قد غربلت من فوق نطع مذهب ولأبي الفضل في الشيب:

стр. 2790

طاقة نغصت علي شبابي ... فتعمدت نتفها غير وان فأقامت عند المكان ونابت ... عند نتفي من غيرها طاقتان قلت ماذا هذا لعمر التصابي ... لشبابي وجدتي محنتان قالتا قد جرى من الرسم للسل ... طان أخذ البراة قبل الجان وإن ازددت في الجفاء فلا تن ... كر قدومي عليك مع أعوان ألم في البيت الأخير بقول [الآخر] : [وزائرة للشيب لاحت بعارضي ... فبادرتها بالقطف خوفاً من الحتف] [فقالت على ضعفي استطلت ووحدتي] ... رويدك حتى يلحق الجيش من خلفي وفي البيت الثاني والثالث بقول كشاجم: أخي قم فعاوني على شيبة بغت ... فإني منها في عذاب وفي حرب إذا ما مضى المنقاش يأتي بها أبت ... وقد أخذت من دونها جارة الجنب كجان على السلطان يجزى بذنبه ... تعلق بالجيران من شدة الرعب وقال أبو الفضل من طردية: أنعت كلباً لم يصب مثاله ... يطمعه من حرصه خياله مثل الهزبر سلبت أشباله ... أو كالظليم ضل عنه راله

стр. 2791

يسأم من مَطالِهِ مطالُه ... وفي وديق فمه جرياله فكلنا من صيده عياله ... وله من قصيد طويل: كأنما الفحم والنيران تلهبه ... هام من الزنج في ثوب من السرق أو الزنود براها السيف في رهجٍ ... من الهنود عليها شطبة العلق مد الرماد عليه بهد رقدته ... عيناً له حسك من حمرة الشفق أقول للنار والأحزان نائرة ... والقلب في غمرات الحب لم يفق إياك أن تقربي ناراً مؤججةً ... بلاعج الشوق في قلبي فتحترقي أظن أنك ما لاقيت ما لقيت ... قلوب أهل الهوى من جاحم القلق ولا منيت بتوديع وقد جعلوا ... بيض السواعد أطواقاً على العنق ولا فجعت بغزلان ألفتهم ... ساروا بقلبك إذ ساروا مع الرفق سطا الفراق عليهم غفلة فغدوا ... من جوره فرقاً من شدة الفرق فسرت شرقاً وأشواقي مغربة ... يا بعد مانزحت من طرقهم طرفي لولا تدارك دمعي يوم كاظمة ... لأحرق الركب ما أبديت من حرق يا سارق القلب جهراً غير مكترث ... أمنت في الحب من بعدي على السرق ارمق بعين الرضا تنعش بعاطفة ... قبل المنية ما أوهيت من رمق

стр. 2792

لم يبق مني سوى لفظ يبوح بما ... ألقى فيا عجباً للفظ كيف بقي صلني إذا شئت أو فاهجر علانيةً ... فكل ذلك محمول على الحدق ومنها في وصف الطل والنور: كأن قطراته من بعد ما جمدت ... لآلئ فوق أصداف من الورق فالنور قد رمدت بالثلج أعينه ... فليس يرنو بجفن غير منطبق والغصن قد ضربت أيدي الضريب على ... أوراقه فتراه مائل العنق قوله: " بيض السواعد أطواقاً على العنق " معنى مشهور، ومنه قول القائل وهي أبيات بتداولها القوالون: مشتاقة طرقت بالليل مشتاقاً ... أهلاً بمن لم يخن عهداً وميثاقا يا زائراً زار من قرب على بعد ... آنست مستوحشاً لا ذقت ما ذاقا يا ليل عرس على خلين قد جعلا ... بيض السواعد للأعناق أطواقا ومن قصائده المطولات في المدح وما يتعلق به من الصفات ما أخرجته من مقطوعاته الإخوانيات وغيرها قال من قصيدة في معز الدولة صاحب حلب: وقفت على رسم الديار مسائلاً ... وهل يشتفي من لوعة الحب سؤال

стр. 2793

فألوى رسوم الصبر رسم من اللوى ... وطل دموعي بالسبيبة أطلال [٦٠] يحيي بها صوب الحياء معالماً ... خلعن عليهن المحاسن أنوال فما روضت أرض المهاد ملاحف ... وزهور باها الحلي والنور خلخال وورقاء تستملي حنيني بنوحها ... كلانا على عهد الأحبة هدال وإني إذا ما أزور عني منزل ... رمى الحل في قطربه شد وترحال أقيم إذا ما العز وطد مفرشي ... وأنبو إذا ما أعقب العز إذلال أنا ابن السرى إن ملني متن سابق ... تسلمني شخت الجزارة مرقال كأن الفلا ظئر لها الليل حجلة ... تحن إليها من ركابي أطفال تفوز في قطع المفاوز جرأتي ... إذا كاع عن قطع المجاهل جهال إذا البدر جلى وجهة البر نوره ... فمدة ظلي فوق وجنته خال سقى حلباص والحى من آل عامر ... هزيم توالى من نشاصك مهطال فكم أثمرت فيه القنا من مناقف ... وكم أتعبت فيه الصوارم أبطال إذا خطبوا العلياء يوم كريهةٍ ... فأسيافهم فيها مهور وأجعال بيمن معز الدولة انكشفت لنا ... من الدهر أحوال مرتهن أحوال تجافى محيا المال حتى كأنما ... يقابله منه وشاة وعذال

стр. 2794

كأن الوغى طرف له الجبل محجر ... له النقع أكحال له الزان أميال وأسمر عسال إذا احتدم الوغى ... تصدق منه الزاد أطلس عسال وله من أخرى في ابن ذي النون المأمون: لا يشرب الماء ما لم يحف حافته ... حتى إذا قطرت أرماحه شربا ولا يرد المحيا الطلق بغرته ... كالقرن عن بيرق خلب خلبا ما بال بالي إذا سكنته نفرت ... عشاره وإذا كفكفته انسربا أللتبرم بالدنيا وزينتها ... أم البعيد من الآمال قد قربا بهمة الملك المأمون حين غدا ... إفضالها لتناهي همتي سببا الواهب الألف لا عيناً ولا ورقاً ... ولا عشاراً ولكن أنعماً قشبا في جحفل كسواد الليل مرتكم ... لكن أسنته صارت له شهبا كأنما نهج أنبوب الرماح به ... ما قد ورثت من العليا أباص فأبا قوم إذا ركبوا سدوا الفضاء وإن ... [حلوا] توهمتهم في البيد رجل دبا قد صيروا الحرب كأساً والدماء بها ... خمراً وما جوفت من بيضها حببا وله فيه من أخرى:

стр. 2795

ولم يفهموا ما تكتب البيض في الوغى ... ولا السمر حتى أعجما بالحوافر تسرع حتى خلت كل مقصر ... من الخيل محمولا على ظهر طائر وحتى توهمنا النجوم أسنةً ... وخلنا الهلال بينها إثر حافر وله من مرثية في الملك شروان شاه: يا موضعاً عن ملكه وسريره ... ماذا أضرك لو لبثت قليلا - طلت رزيته دمي إن لم أدع ... دم مقلتي في لحده مطلولا يا تاركاً رسل الملوك ببابه ... من ذا يرد عليهم التجميلا أرحلت ثم تركتنا ولقبل ذا ... كنا نحف إذا أردت رحيلا أترى دليلك في السرايا غره ... خطأ فسار إلى الحمام دليلا - صرنا نقبل قبره ولطالما ... كنا نبيح بساطه التقبيلا جدث غدا جفناً لأبصر ناظر ... أمسى وأصبح بالردى مكحولا يا قبر لم نعرف تشتت شملنا ... حتى غمدت الصارم المصقولا ظلنا نشق جيوبنا من بعد أن ... كنا نجرر في ذراه ذيولا ونعب كاسات الدموع كأننا ... في أنس مجلسه نعب شمولا عذل البكاء فظل ينشد نفسه ... بيتاً يمهد عذره المقبولا

стр. 2796

رد الجموح الصعب أيسر مطلباً ... من رد دمع قد اصاب سبيلا ما للرماح قصرن عن درك المدى ... ورأين حمل نصولهن فضولا - ولقبل كن إذا رأينك عازماً ... عاين طولك فاسنفدن الطولا لبس الحداد حديدهن فما نرى ... إلا سناناً من صداه كليلا تبكيك أقلام [زهت] من عظم ما ... كتبت فتوحك بكرة وأصيلا وبحور شعر غاص مدحك فانتقى ... منهن دراً في النظام جزيلا وله من أخرى في بعض عبيده: أعبدي قد أسأرتما [في] جوانحي ... من الوجد داء مستكناً وباديا أسأتم وللحب المبرح حجة ... تحسن في عيني تلك المساويا لئن بزني دهري ببغداد ثروتي ... فما زلت من كسب المحامد كاسيا فيا ليتني لم آت بغداد نابها ... وأصبحت في أكناف شروان عاريا فلو كنت فيها لبم تحص قوادمي ... ولا أحفت الأشواق منها الخوافيا فمزقت أثواب الفلا بسوابق ... تظل بها الأنضاء تفلي الفيافيا إذا [ما] أمالتني بها نشوة الكرى ... ترنح في كفي المهند صافيا وإن أنا طلقت النهار بجوزها ... خطبت خدارياً من الليل داجيا ومن طلب الغايات جرع نفسه ... سلاف السرى واستنهض النجم ساقيا [٦١]

стр. 2797

ما أخرجته من مقطوعاته الإخوانيات وغيرها في أوصاف مختلفات له من قصيدة في وصف القيروان وقت فتنة العامة بها يقول فيها: حالت علي القيروان بحالها ... عما عهدت العيش فهو منغص فخرابها في كل يوم زائد ... وصبابة المعمور فيه تنقص ومنها: إن كان أرخصني الزمان فإنه ... أسدى إليّ بضائعاً لا ترخص أو كان غير من طباعي موضعي ... فالخمر إن تركت وعاها تقرص كيف الرجوع وطرف حالي عاثر ... وجناح آمالي الكسير مقصص وله من أخرى: ولما أن كساني الشيب ثوباً ... ولم يك وقت تغيير الثياب أتاني غفلة والنفس فيها ... بقايا من عقابيل التصابي وغصن شبيبتي غض نضير ... به ظمأ إلى ماء الشباب ورام الناس مني ما يضاهي ... مشيبي في فعالي أو خطابي ولم أقدم على وصل التصابي ... مخافة أن أدنسه بعاب فداومت المدام فما أبالي ... ببالي إن تخطى عن صواب فإن ظهر التصابي في يوماً ... أحلت به على فعل الشراب

стр. 2798

وهذا من قول حسان. نوليها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء وقال أبو الفضل: ومعنف لي في المقام ضرورة ... بالقيروان وما بها سلطان ألقى الهوان بها وكم من عزة ... قد ساقها نحو الرجال هوان جهلوا على الإحسان فيها موضعي ... لو كان ينفع عندهم إحسان فكأنني القرآن عند معطل ... أو في بلاد هرابذ رمضان ما الدر ينقص فضله في بحره ... أن ليس تعرف قدره الحيتان كلا وليس المسك يبطل عرفه ... إن ضيعته بجهلها الغزلان ما عيب ضوء الشمس عند بزوغها ... أن ليس يدرك نورها العميان والليث لا ينسى استطالة بأسه ... إن ضمه في خيسه خفان أو ما ترى الدنيا بفقد مليكها ... طرفاً ولكن ما له إنسان - وله من أخرى: وأعظم من مصيبات الليالي ... علي وصرفها خل خؤون يقابلني بود مستميل ... وبين ضلوعه داء دفين إذا عاتبته أبدى مجوناً ... وعلة ذلك العتب المجون ومن جعل السموم له دواء ... فيوشك أن يفاجئه المنون

стр. 2799

أهم بأن أجازيه فيأبى ... علي الأصل والعرض المصون أرى هذر الكلام المحض غثاً ... فيردعني عن الغث السمين ولم يزعج زئير الأسد حلمي ... أيزعجه من البق الطنين - أيطمع أن يشق غبار مهري ... ذليل تحته عير حرون - سل السمر الذوابل ما غنائي ... إذا اشتجرت بها الحرب الزبون ألم أجعل مثار النقع بحراً ... على أن الجياد له سفين - وله من أخرى في صاحب الخيل ابن أذين من قصيدة طويلة، منها قوله: وأعذب من يومنا بالعذيب ... سلامتنا اليوم من ذي سلم ولست بمن يطيبه الغنى ... ويرصد طيفاً له أن يلم ومن عبثت نفسه بالغنى ... تساوى الغنى عنده والعدم وكم طسم الدهر من جبلتي ... فرد نضارة ما قد طسم وكنت إذا ما رماني الزمان ... أو كاد أو هم بي أو عزم علقت أبا الحسن المرتجى ... فأمسيت من صرفه في حرم فتى لو رأى البخل في نومه ... أو الجبن خلقاً له لم ينم ولو كان طيفاً وكان الكرى ... طروقاص لغير العلا ما ألم فما لي أرى عقد إحسانه ... تبدد من سلكه ما نظم - ولم ذكني عنده حاسد ... كأن به جنةً أو لمم

стр. 2800

بدا وجهه فاشتهيت العمى ... وكلمني فاستزرت الصمم وقد كنت ترضع در الصفا ... ودادي فما لودادي فطم - كذا الطفل يرضع حتى إذا ... ترعرع غيب عنه الحلم يسائلني الناس عما تقول ... وما قلت لي قط إلا نعم [وله] : قالوا مدحت أناساً لا خلاق لهم ... مدحاً يناسب أنواع الأزاهير فقلت لا تعذلوني إنني رجل ... أقلد الدر أعناق الخنازير وقال: ما إن أرى قربكم صائباً ... وأنتم لي غير أجناس وما جلوسي عندكم أنني ... أعدكم من بعض جلاسي [٦٢] لكنني أجلس [ما] بينكم ... تعللاً من عدم الناس وقال في رجل يعرف بابن كثير: وما الخبر مما يرتجى في ابن واحدٍ ... فكيف نرجيه من ابن كثير - وقال: وكيف ترجو السحاب الجود من رجل ... لا يطمع الطير فيه وهو مصلوب أصبحت أحلب تيساً لا مدر له ... والتيس من ظن أن التيس محلوب وقال:

стр. 2801

يا لائماً عمران لا تنشدن ... عمرو بن كلثوم " ألا هبي " طمعت في كلب فداريته ... والكلب من يطمع في كلب فصل في ذكر طائفة من الشعراء المقلين الطارئين على هذا الأفق من بلاد المشرق، مع ما يتصل بذكرهم من المعارف المفيدة منهم سليمان بن محمد الصقلي: كان - فيما بلغني - من أهل العلم والأدب والشعر؛ ووفد على هذا القطر سنة أربعين وأربعمائة، وقصد بمديحه عدة من الرؤساء، وتقدم بفضل أدبه عند الكبراء، ووما أنشدته له في عذول قبيح قوله: رأى وجه من أهوى عذولي فقال لي ... أجلك عن وجه أراه كريها فقلت له بل وجه حبي مراءة ... وأنت ترى [تمثال] وجهك فيها ومن شعره:

стр. 2802

تقلب دهرنا فالصقر فيه ... يطالب فضل أرزاق الحمام على الدنيا العفاء فقد تناهى ... تسرعها إلى أيدي اللئام وما النعماء للمفضول إلا ... كمثل الحلي للسيف الكهام ذريني أجعل الترحال سلكاً ... أنظم فيه ساحات الموامي فإني كالزلال العذب يؤذي ... صفاه وطعمه طول المقام وهذا المعنى مشهور، وقد مر منه في تضاعيف هذا التصنيف كثير، كقول بعض أهل عصرنا: مللت حمص وملتني فلو نطقت ... كما نطقت تلاحينا على قدر وسولت لي نفسي أن أفارقها ... والماء في المزن أصفى منه في الغدر وكذلك قوله: " بل وجه حبي مراءة " معنى متداول، منه قول يوسف بن هارون الرمادي: وإذا أراد تنزهاً في روضةٍ ... أخذ المرأة بكفه فأدارها وقال الآخر: أنا كالمرآة ألقى ... كل وجه بمثاله وقال العباس بن الأحنف:

стр. 2803

هممت بإتياننا حتى إذا نظرت ... إلى المرآة نهاها وجهها الحسن ولبعض المصريين في غلام كان يهواه، مما يتطرف معناه: يجري النسين على غلالة وجهه ... وأرق منه ما يمر عليه ناولته المرآة ينظر وجهه ... فعكست فتنة ناظريه إليه ورأى أبو الحسن السلامي في يد غلام يميل إليه مرآةً فقال: رأيته والمرآة في يده ... كأنها شمسة على ملك فقلت للصورة التي احتجبت ... من غيره زهد فيها ولا نسك يا أشبه الناس بالحبيب ألا ... تخبرنا عنك غير مؤتفك قال أنا البدر زرت بدركم ... وهذه قطعة من الفلك قلت فإني أرى بها صدأً ... فقال هذي بقية الحبك

стр. 2804

وذكرت بذكره المرآة قول القراطيسي الكوفي، وهي أبيات يتداولها القوالون: ما تنقضي من عجب فكرتي ... في خصلة فرط فيها الولاه ترك المحبين بلا حاكم ... لم يقعدوا للعاشقين القضاه وقد أتاني خبر ساءني ... مقالها في السر: واسوأتاه أمثل هذا يبتغي وصلنا ... أما يرى ذا وجهه في المراه! قال القراطيسي: وقلت يوماً للعباس بن الأحنف: هل ألممت بهذا المعنى - فأنشدني لنفسه: جارية أعجبها حسنها ... ومثلها في الناس لم يخلق خبرتها أني محب لها ... فأقبلت تصحك من منطقي والتفت نحو فتاة لها ... كالرشإ الوسنان في قرطق قالت لها قولي لهذا الفتى ... انظر إلى وجهك ثم اعشق وحدثني الفقه أبو بكر بن الوزير [أبي محمد ابن] العربي؛ قال: حدثت عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي عن سليمان بن محمد

стр. 2805

الصقلي، قال: كان بسوسة إفريقية رجل أديب ظريف يهوى غلاماً جميلاً من غلمانها، واشتد كلفه به، فتجني الغلام عليه، فبيناه ذات ليلة يشرب منفرداً وقد غلب عليه السكر خطر بباله [٦٣] أن يأخذ قبس نار فيحرق به داره، ففعل وجعله عند باب الغلام فاشتعل ناراً، فاتفق أن رآه بعض الجيران فأطفأه، فلما أصبح حمل إلى القاضي فسأله لم فعل ذلك، فأنشأ يقول: لما تمادى على بعادي ... وأضرم النار في فؤادي ولم أجد من هواه بداً ... ولا معيناً على السهاد حملت نفسي على وقوفي ... ببابه حملة الجواد وطار من بعض نار قلبي ... أقل في الوصف من زناد فاحترق الباب دون علمي ... ولم يكن ذاك من مرادي فاستظرفه قاضي البلد، وتحمل عنه ما أفسد. قال الحميدي: وكنت أظن أن هذا المعنى مما تفرد به هذا القائل حتى أخبرت أن نصر بن أحمد الخبزرزي ابن المقنى في إثر حريق المربد، فقال له: هل قلت في هذا شيئاً - فقال: ما قلت، ولكن أنشدك ارتجالاً، وجعل ينشد هذه الأبيات:
следующие страницы →