← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

يا لائماً عمران لا تنشدن ... عمرو بن كلثوم " ألا هبي " طمعت في كلب فداريته ... والكلب من يطمع في كلب فصل في ذكر طائفة من الشعراء المقلين الطارئين على هذا الأفق من بلاد المشرق، مع ما يتصل بذكرهم من المعارف المفيدة منهم سليمان بن محمد الصقلي: كان - فيما بلغني - من أهل العلم والأدب والشعر؛ ووفد على هذا القطر سنة أربعين وأربعمائة، وقصد بمديحه عدة من الرؤساء، وتقدم بفضل أدبه عند الكبراء، ووما أنشدته له في عذول قبيح قوله: رأى وجه من أهوى عذولي فقال لي ... أجلك عن وجه أراه كريها فقلت له بل وجه حبي مراءة ... وأنت ترى [تمثال] وجهك فيها ومن شعره:

стр. 2802

تقلب دهرنا فالصقر فيه ... يطالب فضل أرزاق الحمام على الدنيا العفاء فقد تناهى ... تسرعها إلى أيدي اللئام وما النعماء للمفضول إلا ... كمثل الحلي للسيف الكهام ذريني أجعل الترحال سلكاً ... أنظم فيه ساحات الموامي فإني كالزلال العذب يؤذي ... صفاه وطعمه طول المقام وهذا المعنى مشهور، وقد مر منه في تضاعيف هذا التصنيف كثير، كقول بعض أهل عصرنا: مللت حمص وملتني فلو نطقت ... كما نطقت تلاحينا على قدر وسولت لي نفسي أن أفارقها ... والماء في المزن أصفى منه في الغدر وكذلك قوله: " بل وجه حبي مراءة " معنى متداول، منه قول يوسف بن هارون الرمادي: وإذا أراد تنزهاً في روضةٍ ... أخذ المرأة بكفه فأدارها وقال الآخر: أنا كالمرآة ألقى ... كل وجه بمثاله وقال العباس بن الأحنف:

стр. 2803

هممت بإتياننا حتى إذا نظرت ... إلى المرآة نهاها وجهها الحسن ولبعض المصريين في غلام كان يهواه، مما يتطرف معناه: يجري النسين على غلالة وجهه ... وأرق منه ما يمر عليه ناولته المرآة ينظر وجهه ... فعكست فتنة ناظريه إليه ورأى أبو الحسن السلامي في يد غلام يميل إليه مرآةً فقال: رأيته والمرآة في يده ... كأنها شمسة على ملك فقلت للصورة التي احتجبت ... من غيره زهد فيها ولا نسك يا أشبه الناس بالحبيب ألا ... تخبرنا عنك غير مؤتفك قال أنا البدر زرت بدركم ... وهذه قطعة من الفلك قلت فإني أرى بها صدأً ... فقال هذي بقية الحبك

стр. 2804

وذكرت بذكره المرآة قول القراطيسي الكوفي، وهي أبيات يتداولها القوالون: ما تنقضي من عجب فكرتي ... في خصلة فرط فيها الولاه ترك المحبين بلا حاكم ... لم يقعدوا للعاشقين القضاه وقد أتاني خبر ساءني ... مقالها في السر: واسوأتاه أمثل هذا يبتغي وصلنا ... أما يرى ذا وجهه في المراه! قال القراطيسي: وقلت يوماً للعباس بن الأحنف: هل ألممت بهذا المعنى - فأنشدني لنفسه: جارية أعجبها حسنها ... ومثلها في الناس لم يخلق خبرتها أني محب لها ... فأقبلت تصحك من منطقي والتفت نحو فتاة لها ... كالرشإ الوسنان في قرطق قالت لها قولي لهذا الفتى ... انظر إلى وجهك ثم اعشق وحدثني الفقه أبو بكر بن الوزير [أبي محمد ابن] العربي؛ قال: حدثت عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي عن سليمان بن محمد

стр. 2805

الصقلي، قال: كان بسوسة إفريقية رجل أديب ظريف يهوى غلاماً جميلاً من غلمانها، واشتد كلفه به، فتجني الغلام عليه، فبيناه ذات ليلة يشرب منفرداً وقد غلب عليه السكر خطر بباله [٦٣] أن يأخذ قبس نار فيحرق به داره، ففعل وجعله عند باب الغلام فاشتعل ناراً، فاتفق أن رآه بعض الجيران فأطفأه، فلما أصبح حمل إلى القاضي فسأله لم فعل ذلك، فأنشأ يقول: لما تمادى على بعادي ... وأضرم النار في فؤادي ولم أجد من هواه بداً ... ولا معيناً على السهاد حملت نفسي على وقوفي ... ببابه حملة الجواد وطار من بعض نار قلبي ... أقل في الوصف من زناد فاحترق الباب دون علمي ... ولم يكن ذاك من مرادي فاستظرفه قاضي البلد، وتحمل عنه ما أفسد. قال الحميدي: وكنت أظن أن هذا المعنى مما تفرد به هذا القائل حتى أخبرت أن نصر بن أحمد الخبزرزي ابن المقنى في إثر حريق المربد، فقال له: هل قلت في هذا شيئاً - فقال: ما قلت، ولكن أنشدك ارتجالاً، وجعل ينشد هذه الأبيات:

стр. 2806

أتتكم شهود الورى تشهد ... فما تستطيعون أن تجحدوا فيا مربديون ناشدتكم ... على أنني منكم مكمد جرى نفسي صعداً نحوكم ... فمن حره احترق المربد وهاجت رياح حنيني لكم ... فظلت بها ناركم توقد ولولا دموعي جرت لم يكن ... حريقكم أبداً يخمد فصل في ذكر الأديب أبي الفتوح ثابت بن محمد الجرجاني من جملة من وفد أيضاً على البلد في ذلك الأوان، وكان الغالب على أدواته علم اللسان، وحفظ الغريب والشعر الجاهلي والإسلامي، إلى المشاركة في أنواع التعاليم، والتصرف في حمل السلاح، والحذق بالآلات الجندية، والنفاذ في معاني الفروسية؛ فكان الكامل في خلال جمة. طرأ

стр. 2807

على الجانب منذ صدر الفتنة للذائع من كرمه، فأكرم نزله، ورفع من شانه، وأصحبه ابنه المرشح - كان - لسلطانه. فلم يزل له بها المكان المكين إلى أن تغير عليه يحيى بتغير الزمان، وتقلب الليالي والأيام بالإنسان، ففارقه ولحق في غرناطة بعسكر البرابرة، فحلت به من أميرهم باديس الفاقرة. ووجدت بخط الفقيه أبي محمد بن حزم، قال: إن أول من لقي من ملوك الأندلس مجاهد العامري المتقدم الذكر، فأكرم نزله وأنس به، وسأله يوماً عن رفيق له رآه معه، فقال الجرجاني: رفيق شتى ألف الدهر بيننا ... وقد يلتقي الشتى فيأتلفان قال أبو محمد بن حزم: ثم لقيت بعد ذلك أبا الفتوح فأخبرني عن بعض شيوخه أن ابن الأعرابي رأى في مجلسه رجلين يتحدثان، فقال لأحدهما من أين أنت - قال من اسبيجاب، وسأل الآخر فقال: من الأندلس، فعجب ابن الأعرابي من ذلك وأنشد البيت المتقدم. ثم أنشدني هذه المقطوعة:

стр. 2808

نزلنا على قيسية يمنية ... لها نسب في الصالحين هجان فقالت وأرخت جانب الستر دونها ... [لأية أرض أم من الرجلان فقلت لها أما رفيقي فقومه ... تميم وأما أسرتي فيمان رفيقان شتى ألف الدهر بيننا] ... وقد يلتقي الشتى فيأتلفان قال ابن حزم: وأخبرني أبو الفتوح الجرجاني، قال: أخبرني علي بن حمزة [إن القصيدة التي أولها " هذي برزت لنا فهجت رسيسا " قالها المتنبي في محمد بن زريق] وكيل زوامل ابن الزيات صاحب طرسوس وأنه وصله عليها بعشرة دراهم، فقيل له إن شعره حسن، قال: ما أدري أحسن هو أم قبيح، ولكني أزيده عشرة أخرى؛ فكانت صلته عليها عشرين درهما. فصل في ذكر الأديب عبد العزيز بن محمد السوسي أحد أضياف بن ذي النون قال ابن بسام: ولم يقع إليّ من شعر هذا الرجل إلا قصيدة من جملة قصائد لغير واحد، أنشدت للمأمون يحيى بن ذي النون، سنة خمس وخمسين في صنيع احتفل فيه لإعذار حفيده حسب ما أصفه. وقصيدة السوسي في ذلك طويلة، منها قوله:

стр. 2809

لما بنيت من المكارم والعلا ... ما جاوز الجوزاء في الإجلال أعملت رأيك في بناء مكرمٍ ... ما دار قط لآمل في بال لو زاره كسرى أنو شروان لم ... يصرف إلى الإيوان لحظ مبال يا ساقي الصهباء أين كبارها ... قد لذ ورد القهوة السلسال إعذار يحيى أبهج الدنيا وبين عذرنا في نحوة المختال ... حشد السرور لنا طهور مطهر ... من عائر الجبناء والبخال عرض من الآلام يجلب صحةً ... وطفيف نقص فيه كل كمال انتهى ما كتبته منها. ونذكر بعقبها ما تعلق بسببها فصلاً لابن حيان في وصف ذلك الصنيع الذنوبي، دل به على [٦٤] براعته، وأعرب به عن موضعه من صناعته، وسيمر أثناءه ذكر شعراء من هذه الطائفة الطارئة وسواها، لانتظام كلام ابن حيان إياها. فمنهم من ذكرت في هذا الموضع بارع أشعاره، وجرد فصلاً من كتابي في مستطرف أخباره، ومنهم من فات دركي، ولم يعلق بشركي، فاقتصرت في هذا الفصل على ذكره، وأثبت هاهنا ما وقع إليّ من شعره. وكان غير السوسي منهم أحق بالتقديم كمحمد بن شرف وسائر طبقته، ممن هو أعصف في البيان ريحاً، وأكثر عن الإحسان تصريحاً، ولكن وصلنا هذا الفصل بخبر هذا الرجل إذ لم يكن له سواه آية تتلى، ولا حسنة تجتلى.

стр. 2810

قال ابن حيان: كتب إليّ الأديب ابن جابر، قال: احتفل المأمون ابن ذي النون في مدعاة إعذار حفيده يحيى فحشد أمراء البلاد، وجملة الوزراء والقواد، فأقبلوا إليها كالقطا القارب أرسالا، وقد رسم لخدمته في توسيع مشارب هذا الإعذار، وإرغاد موائده، وتكميل وظائفه، وإذكاء مطابخه، رسوماً انتهوا فيها إلى حده، وشقق عليها جيوب أكياسه، وأمر بالاستكثار من الطهاة والإتآق للقدور، والإتراع للجفان، والصلة لأيام الطعام، والمشاكلة بين مقادير الأخباز والآدام، والإغراب في صنعة ألوانها مع شياب أباريقها بالطيوب الزكية، والقران فيها بين الأضداد المخالفة ما بين حار وبارد، وحلو وحامض؛ والمماثلة بين رائق أشخاصها وبين ما تودع فيه من نفائس صحافها، والاستكثار لها من أنواع الحلوة المجيرة للمعد من داء الإتخام، وتجاوز عليها إلى السكر. فجاءوا في ذلك كله بأمر كبار أبيدت لمطابخه أمم من الأنعام، جمع فيه بين المشاء والطيار والعوام. وانتسفت لمخابزه أهراء من الطعام، وأنفقت على مجامره ومعاطره جمل من الأموال الجسام، فاغتدى جماعاً لمداعي أهل الإسلام العظام. وشرف المأمون بالاشتراك مع تطهير حفيده يحيى صبياناً من بني أصحابه، وبدأ بحفيد قبلهم، فكان أسكن من حنف معه جأشاً، وأقلهم

стр. 2811

زمعاً، وإنه مشى - زعموا - إلى الحديد مشي البطل النجيد، ومكن الخاتن من عضوه فأعانه على إحكام صنعه، وسوى ختانه، وخفف آلامه، وأوشك إفراقه، فخلص من محنته هذه الشرعية، خلوص صادر السهام المصمي للرمية، فسر ابن ذي النون وشام برق الأمنية، فعند ذلك أذكى نيرانه، وأنضج أطعمته ونصب موائده، ودعا الجفلى إليها، ولم يفسح لأحد التخلف عنها. فاكتملت الأطعمة، وفتحت الأبواب، وسهل الحجاب، ورفعت الستور، وجليت المقاصير، وزينت القصور، واقيمت المراتب، ووكل بكل قسم منها كبير من وجوه الخدمة ضم إليه فريق من الأعوان والوزعة، يتصرفون بأمره، ويقفون عند حده، قد أخذوا بخفض الأصوات مع سرعة الحركات وحث الأقدام، فصار من بديع ذلك الصنيع الفخم أن لم يعل فيه صوت، ولا تشكي منه فوت، فطال العجب من استوائه في مثل ذلك المشهد. قال ابن حيان: ولما بكرت أفواج علية الناس إلى باب القصر مستبقين، وغشيته زمرهم وزرافاتهم مبتدرين، أنزلوا عن دوابهم عند باب المنصب الأول، فأذن لهم بالدخول على مراتبهم، فمشوا وقد حفهم سراة الصقلب الخصيان، وخواص الحشم والغلمان، فأجلسوا في الدار الأولى ذات الحائر الريان. فلما اكتملوا أدخلوا إلى المجلس الكبير. فلما استقر فيه جمعهم خرجت تسمية من الأمير المأمون بإدخال القضاة

стр. 2812

والفقهاء والعدول ومن يليهم من كبار الناس، دعاهم لذلك ذو الوزارتين أبو [عامر بن] الفرج، فقاموا والسكينة عليهم، يقدمهم قاضي القضاة أبو زيد بن عيسى القرطبي، فأدخلوا بتكريم على تؤدةٍ ورفق، وجيء بهم إلى الدار الكبرى الثانية ذات الساحة الواسعة الزاهرة، ثم وصلوا إلى مجلس قد فرش بالديباج التستري المرقوم بالذهب، وسدلت فوق حناياه ستور من جنسه تكاد تلتمع الأبصار بنصاعة ألوانها وإشراق عقيانها. وقد جلس لهم الأمير المأمون في جانب منه، وحفيده في جانب آخر، فأكب الناس عليه يهنئونه. ويلثمون أطرافه، ويتناغون فيما قد رووا وابتدهوا، وهو يشملهم بإقبال طرفه، ويعمهم بإجمال رده، فيثنون منه إلى حفيده [٦٥] يدعون له، ثم عدل بهم إلى مكان الأطعمة في المجلس الأول - على ذات اليسار من تلك الدار - الواسع القطر الرحب الأبواب، وقد فرش بالوطاء التستري، وعلقت على أبوابه وحناياه ستور الطميم المثقلة ذات الصور المقيدة للألحاظ، وقد مدت فيه صنوف الطعام. فأمعنت هذه الطائفة في الأكل ازدقاماً وسرطاً، واختصاماً وقضماً، وانتهالاً وعلاً.

стр. 2813

ووصفاء الموائد الحافون من حولهم يطردون الأذية عن مجلسهم بطوال المذاب البديعة الصنعة، المقمعة الأطراف بفاخر الحلية. ولما مضى لهم صدر من أكلهم، نجم لهم الأمير المأمون قائماً فوق رؤوسهم، متهمماً بشأنهم، مبالغاً في تكريمهم، قد حف به أذواء الوزارة وأهل الخدمة وأكابر الفتيان وأعاظم القواد قائمين بقيامه، ولما قضى وطراً من القيام بمكارمتهم صدر راجعاً إلى مرتبته. ولما فرغت تلك الطائفة جيء بهم إلى المجلس المرسوم لوضوئهم، وقد فرش أيضاً بوطاء الوشي المرقوم بالذهب، وعلقت فيه ستور مثقلة مماثلة، فأخذوا مجالسهم منه، وناولهم الوصفاء الطائفون بهم رفيع النقاويات والذرائر المطيبات في الأقداح والأشناندانات الفضيات المحكمة الصناعات، كادت تغنيهم بطيبها عن الغسل. ثم أدني إليهم إثر ذلك الوضوء في أباريق الفضة المحكمة الصنعة، يصبون على أيديهم في طسوس الفضة المماثلة لأباريقها في الحسن والجلالة، فاستوعبوا الوضوء وأدنيت من أيديهم مناديل يتضاءل لها ما عليهم من سني الكسوة. قم نقلوا إلى مجلس التطييب أفخم تلك المجالس، وهو المجلس المطل على النهر العالي البناء، السامي السناء، فشرع في تطييبهم في مجامر الفضة البديعة بفلق العود الهندي، المشوبة بقطع العنبر الفستقي، بعد أن نديت أعراض

стр. 2814

ثيابهم بشآبيب ماء الورد الجوري، يصب فوق رؤوسهم من أواني الزجاج المجدود، وفياشات البلور المحفور، ثم أدني إليهم قوارير المها المحكمة الصنعة، الرائقة الهيئة، قد أترعت بالغوالي الذكية، النامة بسرها قبل الخبرة، المتخذة من خالص المسك التبني، ومحض العنبر المغربي، لاءم بينها رشح البان البرمكي، فتناولوا من ذلك حتى لأقطرت سبالهم ذوباناً، وأعادت شيبهم شبانا، فلما استتم هؤلاء الخلة نعيم يومهم، من طعمهم وطيبهم، أقيموا للدخول على المأمون، فسلموا عليه، ودعوا له. فأقبل عليهم أحسن قبول، ورد أجمل رد، وأمر بإدخالهم إلى سيد مجالسه المسمى المكرم، نتيج همته، وبديع حكمته، السائر خبره، الطائر ذكره، المعدوم نظره، ليمتعوا أبصارهم بالنزهة، ولم يكن أكثرهم رآه إلى يومهم ذلك مع علوق وصفه بخواطرهم، فلما رأوه صغر عندهم ما كانوا يستكبرونه من وصفه، ورجعوا أبصارهم فيه، ونبه بعضهم بعضاً على دقائق معانيه. قال ابن حيان، قال ابن جابر: وكنت ممن أذهلته فتنة ذلك

стр. 2815

المجلس، وأغرب ما قيد لحظي من بهي زخرفه الذي كاد يحبس عيني عن الترقي عنه إلى ما فوقه إزاره الرائع الدائر باسمه حيث دار، وهو متخذ من رفيع المرمر الأبيض المسنون، الزارية صفحاته بالعاج في صدق الملاسة ونصاعة التلوين، قد خرمت في جثمانه صور لبهائم وأطيار وأشجار ذات ثمار، وقد تعلق كثير من تلك التماثيل المصور بما يليها من أفنان أشجار وأشكال الثمر ما بين جان وعابث، وعلق بعضها بعضاً بين ملاعب ومثاقف، ترنو إلى من تأملها بألحاظ عاطف، كأنها مقبلة عليه، أو مشيرة إليه. وكل صورة منها منفردة عن صاحبتها، متميزة [من] شكلها، تكاد تقيد البصر عن التعلي إلى ما فوقها. قد فصل هذا الإزار عما فوقه كتاب نقش عريض التقدير، مخرم محفور، دائر بالمجلس الجليل من داخله، قد خطه المنقار أبين من خط التزوير، قائم الحروف بديع الشكل، مستبين على البعد، مرقوم كله بأشعار حسان، قد تخيرت في أماديح مخترعه المأمون. وفوق هذا الكتاب الفاصل في هذا المجلس بحور منتظمة من الزجاج الملون الملبس بالذهب الأبريز، وقد أجريت فيه أشكال حيوان وأطيار، وصور أنعام وأشجار، يذهل الألباب [٦٦] ويقيد الأبصار. وأرض هذه البحار مدحوة من أوراق الذهب الإبريز، مصورة بأمثال تلك التصاوير من الحيوان والأشجار بأتقن تصوير وأبدع تقدير. قال: ولهذه الدار بحيرتان، قد نصت على أركانهما صور أسود

стр. 2816

مصوغة من الذهب الإبريز أحكم صياغة، تتخيل لمتأملها كالحة الوجوه فاغرة الشدوق، ينساب من أفواهها نحو البحيرتين الماء هوناً كرشيش القطر أو سحالة اللجين. وقد وضع في قعر كل بحيرة منهما حوض رخام يسمى الذبح، محفور من رفيع المرم، كبير الجرم، غريب الشكل، بديع النقش؛ قد أبرزت في جنباته صور حيوان وأطيار وأشجار، وينحصر ماؤهما في شجرتي فضة عاليتي الأصلين، غريبتي الشكل، محكمتي الصنعة، قد غرزت كل شجرة منها وسط كل مذبح بأدق صناعة، يترقى فيهما الماء من المذبحين فينصب من أعالي أفنانهما أنصاب رذاذ المطر أو رشاش التندية، فتحدث لمخرجه نغمات تصبي النفوس، ويرتفع بذروتها عمود ماء ضخم منضغط الاندفاع، ينساب من أفواهها ويبلل أشخاص أطيارها وثمارها، بألسنة كالمبارد الصقيلة، يقيد حسنها الألحاظ الثاقبة، ويدع الأذهان الحادة كليلة. قال ابن حيان: إلى هذا المكان انتهى تلخيصي ووصفي، وهو جلل عند قرانه بموصوفاته، ووشل عند إضافته إلى مغموضاته. وأبرأ من عهدة التقصير فيه، وأنهجه لمن تعاطى الاقتدار على الإبداع في وصفه. قال: وتوالى إطعام أفواج الناس في ذلك الإعذار، مجلساً بعد آخر

стр. 2817

أياماً متوالية، حتى استدعي له من بقايا أصناف الناس وأدونهم حتى الجفلى، وأزعجوا إلى النعيم الذي لا عهد لهم به، دخلوا على التطليق، وحفظوا من ضنك المضيق، وأوسعت مآكلهم من غليظ ورقيق، فالتهموا وازدرموا، ونهلوا وعلوا، ووضئوا وطيبوا. مجلس الأنس قال ابن حيان: وذهب المأمون إلى تتميم تكريم زواره من رجال الأمراء الذين استحضرهم يومئذ لشهود فرحته، بمشاهدة مجلس خلوته، وتنعيم أسماعهم بلذات أغانيه، وقد علم أن فيهم من يرخص في النبيذ ولا يسوغ له نعيم دونه، فاحتمل حرج ذلك مبالغة في تأنيسهم، فاحتفل لهم في مجلس قد نضد، وأحضر فيه جميع آلات الأنس. فلما استوى بالقوم مجلسهم، واشرأبوا إلى الأخذ في شأنهم، قرب إليهم أطعمة طيورية جوامد وباردة، وصنوفاً من المصوص والأشربة والطباهج، موائد مترعة اتخذوها بسطاً لنبيذهم. ثم انثنوا إلى الشراب ونفوسهم به صبة، وقد مدت ستارة الغناء لأهل الحجاب، ونظمت نوبة المغنين زمراً، فهاجوا الأطراب، واستخفوا الألباب، ونقلوا الطباع فجاءوا بأمر عجاب، بذهم فيه سابق حلبتهم، المحسد من

стр. 2818

جماعتهم، الإسرائيلي ذي، الزائد إحسانه على إبراهيم الموصلي، صديق إبليس، الظريف في فتنته، وتخايله بالماخوري المكنون، الذي اغتدى في باطله نسيج وحده، يزدهي العيدان جسه، ويخرس الأطيار شجوه، قاتله الله من آخذ بالقلوب! فطربوا وطرب المأمون ليلتئذ على وفور حلمه. وكان الذي غناه فيها ذي صوتاً شجياً، لحنه من خفيف الرمل، مطلق بالخنصر، في مقطوعة نظمها عبد الله بن الخليفة المقلب بالمصري، وهي: باكر لبكر الدنان إن ... هداء العروس في السحر واشرب عقاراً تخال حمرتها ... تحرق أيدي السقاة بالشرر فإن يحيى أحيا بدولته ... ما قد محاه تصرف القدر ملك هو الدهر في عزيمته ... يطلع فينا بطلعة القمر فطمح بابن ذي النون الإطراب، حتى حن حنين الناب، وخلع لوقته عليه ثوباً من التستري الأخضر مطرزاً بالذهب، ووصله بمائتي دينار ذهباً، ثم فض الصلات والخلع في سائر الطبقات. هذا آخر خطاب ابن جابر إليّ بوصف ذلك الإعذار، وجمله التي بسطتها من إدماجه، وسبكتها من نقده. خلا أنه سامني ذكر مقطوعات

стр. 2819

حشا بها كتابه إليّ، من صنعة صديقه عبد الله بن خليفة المصري. تعاور المغنون في تلك الليلة الغناء بها، وجميعها عندي في نهاية من الضعف [٦٧] والتخلف والتبرؤ من صنعة الشعر، يبغي بها توشيح هذا المشهد الجليل الذي قيلت فيه، ينظمها في عقده، فلم أسعده على ذلك ترفيعاً به عن هجنتها، وتبرئةً لنقدي على استجادة سبكها، ومذمة لزمن غفل أقحم قائلها في زمرة الشعراء، وجسره على إنشاد جلة الأمراء، وطالما عناني هذا الرجل بذكر ابن خليفة هذا وإنمائه إلى النسبة المصرية، وعزوه له إلى المعارف الحكمية، وأنا أحسبه مصري التربة، متطارح الغربة، مستطيراً على بعد النجعة، مرهف الحد، محتنك التجربة، أرتاح لذكره وأود لقياه والأخذ عنه. فأبرزه الفحص لي قطربي التربة، محالي الحومة، سوقي الحرفة؛ ابن جار لي من تجار الخفافين يسمى هليفة، عجمي نبز الأب ب - " المورته " مفجوء الميتة منذ سنوات قليلة. لم أعهد ابنه هذا يرتسم بأدب، ولا يسعى لطلب، إلى أن رمت به النوى قريباً إلى بلاد العدوة لابتغاء المعيشة، فأطال بها الثواء، ولقي الفهماء، وتقيل الجسراء، فكسر إلينا على زعمه مصرياً صليبة، وأديباً باقرة، وشاعراً باقعةً، وحكيماً نطيساً، وظريفاً ممتعاً. كل ذلك من غير طول رياضة، ولا تقدمة معرفة. وما إن يستنكر لقاسم الفضائل بين خلقه أن يجمع منها لواحد ما فرق في جماعة، له القدرة البالغة والحكمة القاهرة.

стр. 2820

وفي فصل له في ذكر الشعراء قال ابن حيان: وصار من مناكيد ذلك الصنيع الملحقة به عيب التقصير عدمه لحذاق من الشعراء يجيدون القول فيه، ويحسنون وصفه، فيوفون المبدع له حقه، إذ ألوى ببقاياهم الزمن العصيف المطاول للفتنة، وجاء بأشباه له من شعراء متكلفين مثل الخازباز المضروب مثلة، يهينمون بما لا ودق له من سمائهم، ويفرغون في قوالب تضيق عن إفراغهم، ويجهدون في حشو قوافيهم دون إرهاف للفظ ولا استنباط لمعنىً، فلا يسرون ناقداً، ولا يهزون ممترىً، ولا ينشطون راوياً. وأشق ما على الحائز لهم غلظهم في أنفسهم، واستقصارهم لمن امتدحوه في إخلاله وقعوده بهم، وهي لو عقلوا أقعد وأضيق واقصر وأعكس. فيا ويحهم ماذا عليهم في إلإنصاف من أنفسهم والاعتراف بتقصيرهم، أليس ذلك كان أولى بهم - فما أحسن قول " لا أدري " بمن يدري فضلاً بمن هو بضدها تصاب مقاتله. فلو قلدوا الزمن دؤولهم، ووله نقصهم، واعترفوا لبلواه، لكان أعذر لهم. فجلس لهم المأمون متخذ تلك المدعاة الفخمة في مرتبته ببرطيل المجلس الموصوف في أبهةٍ

стр. 2821

فخمة ورتبة كاملة مع كبار أهل مملكته من أذواء الوزارات المثنية والمفردة، ومن أصحاب الخطط العليات، وأذن لتلك الحلبة من شعراء [الحضرة] من طارئ وقاطن، وهم نفر عير منوه بهم ولا بأسمائهم، ولا تجانس برواتهم، فدخلوا إليه على هيئتهم يقدمهم شيخهم المقدم من جماعتهم ذلك اليوم، محمد بن شرف القيرواني القريب عهده بالهجرة، بعد خبطعه سمرات ملوك الأندلس بمحجنه، واعتصارهم بقصعته، فأذن لهم بالإنشاد بحسب تطبيقهم، فتقدمهم ابن شرف فأنشد قصيدة أولها: " يريني الهوى أن الهوى لين سهل "، ما إن هي لاحقة بعيون شعره، أطال فيها التشبيب فخلص إلى التهنئة، وقد استفرغ القريحة وطول فما أتى بطائل. ثم تقدم بعد البائس عبد الله بن خليفة الأندلسي المتمصر بزعمه، فيا بؤسى لسابق صلى بعده! فأنشد قصيدة ملفقة، ذات طنين وقعقعة، كثر أبياتها، وقلل أقواتها، أولها: " أرى أثلاث الجوع بالوصل تورق " تركه المأمون أيضاً يتصرف بها، ما إن هزت منه عطاً، ولا أبدت له بسماً. وقام بعده محمد بن زكي الأشبوني، فأنشده شعراً أوله: " اليوم أبهج منبر وسرير " ركب فيها سنن من قبله، ولحق ابن ذي النون سآمة من كلف يومه، فأمر بأخذ بطائق جميع من حضره من الشعراء، وأسلمها إلى

стр. 2822

وزيره الأثير يومئذ عبد الرحمن بن مثنى كي يتصفحها بفضل أدبه، ويطبق قائلها بحسب معرفته، فيأمر لهم بما يجده. فبدا على [٦٨] الشعر يومئذ انكسار، ولحق أخفافه أنهيار، وأصم به الناعي مسمعاً يندب شجوه بابن اليماني، منادياً ينادي: يا إدريساه، ولا إدريس يومئذ للقوافي، وكل شيء له حتف موافي. قال ابن حيان: وأكتب إثر هذا الفصل بعض ما اخترته من قصائد هؤلاء الشعراء على ما خيلت لئلا يخلو جيد التأليف من مخشلبها. فمن قصيدة ابن شرف في ذكر وطنه وحنينه قوله: تذكرتها واليم بيني وبينها ... وموصولة فيح ومهجورة غفل ومن دونها حرب عوان وفارض ... ولود لها من نفسها أبداً بعل ومنها في ذكر قصيدته: يقر امرؤ القيس بن حجر لفضلها ... ويظهر عنها العجز علقمة الفحل فلو وصلت عمري الليالي لوقته ... لقالت [له] الأشعار ما قالت النمل

стр. 2823

قال ابن بسام: وأثبت ابن حيان في كتابه لتلك الطائفة المنشدة يومئذ عدة قصائد، ولم يسلك فيها سبيل ناقد. قال: وأما المتكلف المصري فسكل الحلبة، فكان أبطأهم جراءً وأنآهم عن الغاية، لما اجتهد في المتح فجاء بقليل ماء، فوق ظمأه بخمسين بيتاً سدىً، لفقها قصيدة متخاذلة لم يفتق فيها معنى حسناً، ولا قافية حرةً، بل ما زاد على أن صرف النسيب في ست من الخلات مسميات، فضل فيهن إمام المحدثين أبا تمام بزيادة اثنتين، ثم قطع المديح توسعاً مع ما وجده هناك من آجر وجص، فهدف منها فيما لم يعنه عليه طبع، ولا أسعدته صنعة، فكان الذي أبدى كير نفخه من خالص سكبه قوله: وقد كان لي [في] مصر دار كرامة ... ولكن إلى المأمون كنت أشوق حللت عليه والمكارم جمة ... وسحب العطايا برقها يتألق انتهى ما لخصته من كلام ابن حيان.

стр. 2824

جملة من أخبار بني ذي النون وذكر أولية أمرهم قال ابن بسام: ونتلو هذا الفصل بنبذ لها بهذا الموضع موقع، من أخبار طليطلة البائسة، وشرح الحال التي أبادت مصانعها، وطيرت واقعها، وما آل إليه أمر المملكة القابضة للأنام، المبنية على هدم دعائم الإسلام، المجموعة من افتراق الجماعة، المغلوب عليها أئمة السمع والطاعة. ونذكر طرفاً من حديث مآل أميرها المترف المسرف، الملقب - كان - من الألقاب السلطانية بالقادر بالله، جهلاً من بحقيقته، وتهاوناً بالله وخليقته. خطة ذاده المقدار عن مستقرها، ودعوى دفع الليل والنهار في صدرها، ونأتي أولاً بفصل جوده ابن حيان في ذكر جده إسماعيل المتلقب - كان - بالظافر، رئيس الخلاف، ورأس الإنحارف، وجمهور الجور والإسراف. قال ابن حيان: وكانت أولية نباهة بني ذي النون من جدهم ذي النون، في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن، وقد اعتل له خصي في طريق قفوله من الثغر فتركه عنده بحصن أقليش يمرضه، فلما أفاق لحق بالحضرة مع الخصي، فأخذ له توقيفاً بتقديمه على حصنه، ثم تداول تلك الخطة ولده إلى أيام الحكم. فلما اضطلع بالدولة ابن أبي عامر، تعلق به المضراس بن ذي النون وإسماعيل ابنه معه، فلما انقرضت الدولة العامرية لحق بالثغر وجمع إليه بني عمه، وخطب من سليمان ولاية أقليش فولاه إياه، ثم تهيأت له قلعة كونكه، وكانت بيد واضح العامري، فلما مات ضبطها إسماعيل منتظراً بزعمه

стр. 2825

من يجتمع عليه الناس، وتحت ذيله من غلول واضح كثير، حين لم يترك إلا أطفالاً وأمهم حرته، ألقت بنفسها إليه، معتنقة بأمانه، فحصل لإسماعيل البلد. وسطا على مجاوريه من قواد الثغور، فاستقامت له الأمور. وثنى له الوزارة سليمان وسماه ناصر الدولة. فاستقل ذلك كله، وآثر الفرقة، واقتطع جانبه، فكان أول الثوار لمفارقة الجماعة، وفرطهم في نقض الطاعة، ثم اتفقت له أمور اتسع بها عمله، وكثرت جبايته وجمعه. وكان من البخل بالمال، والكلف بالإمساك، والتقتير في الإنفاق، بمنزلة لم يكن عليها أحد من ملوك عصره. لم يرغب في صنيعة، ولا سارع إلى حسنة، ولا جاد بمعروف، فما أعملت إليه مطية، ولا حملت أحداً نحوه ناقة، ولا عرج عليه أديب ولا شاعر، ولا امتدحه ناظم ولا ناثر، ولا استخرج من يده درهم في حق ولا باطل، ولا حظي أحد منه بطائل. وكان مع ذلك سعيد الجد، تنقاد إليه دنياه، وتصحبه سعادته فينال صعاب الأمور بأهون سعيه. وهو كان فرط الملوك في إيثار [٦٩] الفرقة؛ فاقتدى به من بعده، وأموا في الخلاف نعهجه. فصار جرثومة النفاق، وأول من استن سنة العصيان والشقاق، ومنه تفجر ينبوع الفتن والمحن، فتبارك من أملى له، ولم يرض له عقوبة الدنيا مثوبة. فقد كان أصحابه حفظوا عنه كلمات في سبيل ذكر السلف الصالح زيادة إلى مساوئه. وذلك أنه نوظر في شأن التأمير لبني أمية فقال: والله لو نازعني سلطاني هذا الصديق لقاتلته ولما سلمت له، فكيف أسلم سلطاني لمن يدعى إليه من بني أمية، ممن لا يوجب الله طاعتهم، عترة

стр. 2826

مروان خيط باطل، الذين لم يسبق لهم صحبة، ولا أدخلهم السلف في شورى الإمامة - قال ابن حيان: ومن أشهر حكاياته في ذلك، ما أخبر عنه أبو العباس السكري الإسكندري - رجل ممتع الحديث طيب المجالسة - وحضر مجلس ابن حمود بمالقه، فسأله إسماعيل بن ذي النون عن مجلسه معه، فأثنى عليه، فقال أتثني على أدعياء - فعل الله بهم وصنع، فبهت الإسكندراني وقال: معذرة إليك أيدك الله، فإني جهلت رأيك في هذا الرجل مع أني ألزمت نفسي ألا أذم ذا سلطان البتة، وأنت غير منازع في أئمتك المروانية، وهم أهل ذلك منك، أقاديم الملوك، وذو العدل والسياسة. [ومضى] الإسكندراني في إطرائهم ظناً أنه يسره، إذ كان يقول بدعوتهم في ذلك الوقت. فقطع عليه ابن ذي النون بأسوأ من قطعه على الهاشميين، وأنحى على ذم بني أمية فلم يبق، ووصل كلامه بأن قال: توارثوا هذه الإمارة مخرقة وضعها قريش لاستعمال الناس، والناس لأب وأم، والفخار باطل، أحقهم بالملك من استقل به. والله ما أولي غير نفسي، ولا أقوم إلا بسلطاني، ول نازعنيه فلان وفلان - وذكر السلف الصالح الذي كرم

стр. 2827

الله ذكرهم - لضربتهم دونه بسيفي ما استمسك بيدي. فقام عنه الإسكندراني مبهوتاً وأفشاه في غير أرضه. وأخباره في مشل هذا كثيرة. انتهى كلام ابن حيان. فقلت أنا: وليت إسماعيل هذا بقي ووقي، على فظاظة جانبه، واختلاف مذاهبه، وطول إعراضه عن عواقبه، فلقد كانت عليه وقته قليل رقبة، وعند بعض أهبة، لقرب عهده بأيام الجماعة، واستشعاره عودة السمع والطاعة، ولوفور من كان قبله يومئذ من مشيخة ذوي الهيئات، وزعماء سائر الطبقات، ولقد أساء من جاء بعده، ذهاباً في الكبر، وتهاوناً بالأمر، وقعوداً عن النصر، واستظهاراً بأحزاب الكفر، سلمه باطل وبطالة، وحربه غواية وجهالة، في المشركين نجومه وديمه، ولهم مواثيقه وذممه، وفي المسلمين همومه وهممه، وعندهم بوائقه ونقمه. بلغني أنه لما مات الظافر إسماعيل، كان حملة دولته ورؤوس جملته، الحاج ابن محقور وابن لبنون وابن سعيد بن الفرج. وكان آكد ما عهده إلى ابنه يحيى المتلقب بعده بالمأمون الاقتداء بهديهم، والانتهاء إلى رأيهم. قال بعضهم: فدخلنا عليه لأيام يسيرة من مهلك أبيه، وهو [في] إيوان كبير قد ملأه بنقر الفضة حتى لا فضل فيه عن مجلسه، فأمرنا بالدنو، فبعد لأي ما خلصنا إليه، لكثرة ما كان من ذلك بين يديه، وقد امتلأت صدورنا عجباً، وتقيدت ألحاظنا فما تجد متقلباً، لهذا الاتفاق كيف وقع، ولهذا السحت من أين

стр. 2828

جمع. فأخذ يفيل رأى أبيه في اختزانه، ويعرض بجمود كان كان في بنانه، ونحن نقول: لعله قد أنف لضياع ثغوره، وتشعث أموره، وانتشار الشرك بإزائه وظهوره. وكأنه فهم ما نحير، وعلم إلى أين نشير، فأظلم ما بيننا وبينه، وازور ازورارة أنكرنا بها أثره وعينه، [وقال:] من حق مثل هذا أن يصرف في مثل ضروب الحلية الرائقة، وأنواع الآنية المؤانقة. وأي معنى في كونها نقر - ما أعجب هذا وما أنكر! هذه بالحجارة أشبه منها بالآت الإمارة. فقال له ابن محقور، وكان أشدهم جرأة، وأثقلهم وطأة، لعزة ركنه، وإدلاله بفضل سنه: إن هذه - أيدك الله - إذا كانت نقراً بقيت ذخيرة زمان، وعدةً لحدث إن كان، ولا تحول آلات إلا بعد نفقة، وتحيف من كل طبقة، ثم لا تزال نصب عين من يرد من رسول، وينتاب من ابن سبيل، وينمي خبرها إلى الطاغية فرذلند فتدعو السياسة إلى أن يخص منها بقسم، ويضرب له في أنفسها بسهم، فزوى عنهم وجهه، ولم يأمنوا نجهه، وثقلوا بعد عليه، ويئسوا من شيء من الفلاح يجري على يديه. وخالفهم إلى ما أراد، فأبدى فيه وأعاد، وآلت حاله إلى ما قال الشيخ: ما لقص ولا زاد [٧٠] .

стр. 2829

ذكر الخبر عن بعض ما تناهى إليه المأمون من تشييد البنيان بقصور طليطلة قال ابن بسام: ثم أخذ المأمون في بناء مجلسه الكبير المكرم بناءً باء بإثمه، وخلا سريعاً من اسمه، لم يخلده في عقب، ولا قضى من لذته به كبير أرب، وكان الذي تولى له رصف بدائعه، وإحكام مصانعه، رجل من مهرة الفعلة، أكثر خلق الله صلفاً، وأشدهم تتايعا وسرفاً. وكان المأمون لعدم نظيره، يحتمل من اعتدائه وتغيريه، وتهاونه بجميع أموره، ما لا مزيد عليه، ولا انتهاء لأحد إليه. واتفق له مع ذلك الصانع أن وعده بتمام مجلسه المشيد قبل إطلال العيد، فرشح ابن ذي النون للجلوس في صدره، والاستظهار على زينة عيده بالفراغ من أمره، وتقدم إلى من كان بحضرته من الشعراء، على قلتهم ببابه، ونفارهم عن جنابه، لقلة نائله، وتفاهة طائله، في وصف مجلسه ذلك وتقريظ مبانيه، والثناء على مخترعه وبانيه، ثم إن ذلك الصانع استمر على ديدنه من الخلاف، وعمل على شاكلته من التهاون والإخلاف. واتفق أثناء ذلك أن ضربت خيل الطاغية فرذلند على بلاد المظفر بن الأفطس؛ وطئتها وطأة محت رسومها، واستباحت حريمها، واجتاحت حديثها وقديمها، وأنست ما كان قبلها من جب الذروة، وانصداع المروة، وأيأست من البقاء، وآذنت

стр. 2830

بشمول البلاء. فأخبرت عن وزيره أبي المطرف بن مثنى أنه كان يومئذ بمنزلة بين الوجوم والإطراق، وعلى نهاية الحذر والإشفاق، إذ وردت رسل المأمون عنه تترى، وهجمت عليه زمرةً بهد أخرى، فدخل عليه فوجده قد استشاط حنقاً، حتى كاد يتميز شققاً. فظن أن ذلك الضجر، لما كان ورد به الخبر من ضرب الخيل على بلد المظفر، وإخفار الذمم، وزلة القدم، وانهتاك الحرم. فطفق ابن مثنى يبسطه ويقبضه، تارةً يسليه وتارةً يحرضه، وطوراً يقول له: فيك الخلف مما فات، ومرة يقول: قد آن لك أن تنكر على الطاغية هذا الافتيات. فلما فهم منحى ابن مثنى منه، أعرض عنه، وقال له: ألا ترى هذا الضالع الفاعلي الصانع - يعني عريف بنيانه - صبرت له وأغضيت، وفعلت به كيت وكيت، فما زاد إلا تنغيصاً للذتي، واستخفافاً بإمرتي، وتصغيراً لشاني، واجتراء على سلطاني. وهبت ريحه العقيم، تقعد في غير شيء وتقيم، فسقط في يد ابن مثنى وانكسر إنكسارة تبينها ابن ذي النون فيه. ولم يجد بداً من أن قال له: هون عليك، والكل طوع يديك، وناهيك، وأنا أكفيك؛ وخرج ومثل بين يدي ذلك الصانع يعده ويمنيه، ويداوره ويداريه، والصانع مقبل على شأنه، ما أمره بالجلوس، ولا زاده على التجهم والعبوس، فبعد لأي ما ضرب له مثل العامة وهو قولهم: ما أفرس الجالس. ثم قال:

стр. 2831

وبالحري والله أن يتم إلى عبد آخر، فليجهد جهده، وليأت بكل ما عنده. فرجع ابن مثنى إلى ابن ذي النون وهون عليه الشأن، وخفف لديه ما كان. وخرج لا يدري من أي الثلاثة يعجب: أمن اغترار [ابن] ذي النون وجهله، أم إفضاء الضرورة بنفسه إلى خدمة مثله، أم من جرأة ذلك الصانع القصير اليد، النزر العدد، على ذل [ابن] ذي النون وذله. قال ابن بسام: فتبارك من أحاط بالأشياء، ولم يخف عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن جعل اليوم ذلك القصر العجيب بنيانه، الهادم - كان - للدين والدنيا شانه، مربطاً للأفراس، وملعباً للأعلاج الأرجاس، من رجال الطاغية أذفونش بن فرذلند، بدد الله شيعته. ذكر الخبر عن مآل حفيده المتلقب بالقادر مع (ما) يتشبث به من خبر نادر قد ذكرت في القسم الثاني من هذا المجموع ملك جده المأمون بقرطبة، ويعود بنا القول إلى ما بدأت به من ذكر حفيده المتخذ له

стр. 2832

ذلك الصنيع المعدود على الأيام ذنبه، الباقي في صفحة الإسلام ندبه، وقد ذكرت أيضاً في القسم الثالث منه مهلك حفيده ببلنسية، وأوضحت صبحه، واستوفيت شرحه، وأجرد هاهنا القول في أخذ طليطلة من يديه، ودوران الدائرة السوء بها على المسلمين وعليه، وما تعلق بأذيال ذلك من غريبة، وانخرط في سلكه من أعجوبة. كان يحيى حفيد ابن ذي النون ركين المجلس، ثري المغرس، حلو الحوار، لين التصرف بين الإيراد والإصدار، مليح شبا الخط [٧١] هذه كانت فضائله فقط. لم يكن له ولسلفه قبله باع في الطلب، ولاحظ في الأدب؛ وكان - زعموا - آية في قرب غوره، وسكون فوره، والحور بعد كوره، إمعة إمره، أجبن من قبره: إن حزم لم يعزم، وإن سدى لم يلحم، إلى ما كان يغرضه من غرض، ويلزمه أكثر مدته من مرض، من ذرب لازم - زعموا - كان لمعدته، واستحرار حاسم لمرته، وقد كان جده المأمون قسم الحضرة قسمين

стр. 2833

وأدار سياستها على رجلين، فجعل تدبير الأجناد، والنظر في طبقات القواد، إلى سائر الشؤون السلطانية، والأعمال الديوانية إلى ابن الفرج، وبقية الإصدار والإيراد، والنظر لجماهير الناس وكواف البلاد، والرأي والمشورة، والصغيرة والكبيرة، إلى الفقيه أبي بكر بن الحديدي، رجل كان له قدم وإقدام، وعنده نقض وإبرام، وكان قد عهد لحفيده هذا المرشح لأمره متى ورث سلطانه، وتبوأ مكانه، أن يشد على ابن الحديدي كلتا يديه، ولا يفتات بأمر من الأمور عليه. وأخذ الموثق الغليظ على ابن الحديدي ليبلغن كل مبلغ في شد أزره، وتثبيت أمره علماً باستقلاله، واستنامة إلى يمن مناقبه وخلاله، وحفظاً لما كان عنده من يده في إقامة أوده، وممالأته على أهل بلده. وقد كان أكثرهم فيما سلف نفروا عنه، وهموا بالاستبدال منه. فنكث أبو بكر هذا قوى مكرهم، وخاطب المأمون يومئذ إلى بلنسية بجلية أمرهم، خوفاً من الفتنة، وتفادياً من المحنة. فانكدر المأمون من حينه إلى طليطلة وقد ضاق ذراعاً، وكادت نفسه تذهب شعاعاً. وأدار الحيلة على مشيخة طليطلة في خبر طويل حتى سجن عامتهم بمطبق حصن [وبذة] ، أخرى قلاعة المنيعة، ولم يزالوا بها حتى شاب الشباب، وبليت الأحقاب، وتلك اليد كان المأمون يراعي لابن الحديدي، فوضع في حياته زمامه بيده، واستخلفه بعد وفاته على بلده وولده.

стр. 2834

مقتل الفقيه أبي بكر بن الحديدي فلما هلك المأمون بقطربة ونعي بطليطلة وماج بعضها في بعضها، وانطبقت سماؤها على أرضهلا، احتوشت إلى حفيده، اللابس لبروده، جملة ممن كان يتعلق بسببه، وينسب إلى وطء عقبه، وطفقوا يغرونه بأبي بكره، جماع أمره، ومظنة تأييده ونصره، لما كانوا يدبرون من التقلب عليه، ويتوهمون من ضعفه على ما في يديه، وخوفوه غوائل ختله، وزعموا أن سلطانه لا يتم إلا بعد الفراغ من قتله. وقد كان أثيره أبو سعيد بن الفرج ينهاه عن إخفار الذمام، ويخوفه سوء عواقب الأيام. فركب هواه، وخالف ناصحه وعصاه، وجرد قطعةً من جنده، وأمرها باستقبال تابوت جده في طريقهم من قرطبة، وأنهى إليهم سراً قتل ابن الحديدي المستقل بحمله، الناظم لأشتات فله. وقال لهم: إذا التقيتموه فكونوا حوله، وعظموا قوله، فإذا امكنتكم غرته، وبدت لكم ثغرته، فاقتلوه كيف أمكن، وعلى ما ظهر وبطن، ونما الخبر إلى ابن الحديدي فكفر بطاغوتهم، ونفض يديه من تابوتهم، ونكب إلى بعض ضياعه، في لمة من شيعته وأتباعه. فاضطرمت الصدور، وبطل ذلك التدبير، ثم وافى البلد ليلةً وقد استوحش من أنسه، وأوجس خيفةً في نفسه، وأصبح في المدينة خائفاً يترقب، ونادماً يتتبع ويتعقب، يعض يديه

стр. 2835

ويحسب كل صيحة عليه. وطفق أصحاب ابن ذي النون بزعمه يقولون: قد حذرك، وتيقن خبرك، ولا يصلح لك أبداً، ولا يرد عن مكروهك يدا. ومشت بينهما الرسل، وأعملت في اجتماعها الحيل، فركب إليه ذات يوم، وقد أخذ حذره، وحشد عرفه ونكره، واستبطن من كان تبعه يومئذ من الدهماء، وتعلق بركابه لمشهد أمره من الغوغاء. فملأوا أفنية القصر أسرع من الماء إلى الصبب، وأهول من النار في الحطب. فحين ارتفعت الأصوات، وغصن بهم العرصات، ارتاع ابن ذي النون، فأمر ابن الحديدي بالخروج، فخرج والدولة متعلقة بأذياله، وطبقات أعيانها عن يمينه وشماله، والعامة بين يديه ومن خلفه، يتمسحون بآثاره، ويرفلون في غباره، وهو يشكر صنيعهم، ويعم بالثناء جميعهم. وكان عندما أذكى عيونه، وحشر شياطينه، قد أوقع تهمته على شيخين من شيوخ الخدمة يدعيان مؤملاً وابن صروم، فأغرى العامة باستئصالهما، وتحبب إليهم [٧٢] بنهبة أموالهما، فكانا عنوان الفتنة، وباكورة المحنة. وقد حدثت أن ابنه أشار عليه يومئذ بالفراغ من شيعة ابن ذي النون ففيل رأيه، واستقصر سعيه، وبود طليطلة البائسة لو أنه فعل، ولو أمضاها ما اختلف بها اثنان، ولا انتطح فيها عنزان. وزين هذا الحزب المعلن بشره، من شيعة ابن ذي النون المغلوب على أمره، لصاحبهم اللجاج في غدره، والتمادي على غلواء مكره

стр. 2836

وأرته أن ذلك من سعيها لا يستوي على سوقه، ولا يخلو بسواء طريقه، إلا [بإطلاق] تلك الطائفة المغربة بمطبق وبذة، المحترقة أفلاذ أكبادهم، بنيران دمهم وأحقادهم: داء دفين، وشر مضمون. وسولوا له أنه إذا فك أغلالهم، ووصل بحبل الحياة حبالهم، غسل جوانحهم، وتألف نصائحهم، وشاركهم في ذوات صدورهم، واعتد عليهم منة نشورهم، والبعثة من قبورهم. فأثار منهم مدى وشفاراً، [أعد] بهم لخراب ملكه أعواناً وأنصاراً. فأدخلهم البلد سراً من بعض مداخله الخفية، وقد سترهم باللثم، وأوهم أنهم بعض الحرم، حتى وصلوا إليه، ومثلوا بين يديه، وذلك اليوم يوم الجمعة لعشر خلت لمحرم سنة ثمان وستين. وكان الذي مالأ ابن ذي النون على ذلك، وسهل له - زعموا - تلك المناهج الخبيثة والمسالك، الفقيه ابن المشاط متولي القضاء كان يومئذ بقونكة. وكان أبو بكر بن الحديدي [يألفه] ويسكن إليه قديماً، فاستدرجه بالأمان، واستفزه إلى مصرعه يومئذ بمزورات الأيمان، حتى جرعه رداه، وأسلمه إلى عداه. ودخل ابن الحديدي يومئذ القصر، والمقدار يزعجه، والخائن الغدار ابن المشاط يستدرجه، فلما أنضى إلى مجلس ابن ذي النون رأى وجوهاً قد أمنها مما تخوفها

стр. 2837

وأنكرها من طول ما عرفها، فأيفن بالشر لا خلاص، ولات حين مناص، ثم وطن لمحنته، واتكأ فضل منته، فجاذبهم أطراف الخصام، وطلع عليهم من ثنايا النقض والإبرام، فقام ابن ذي النون من موضعه وابن الحديدي متعلق بأذياله، مستجير به من أقتاله. فشغبوا عليه وشغلوه، وأحاطوا به حتى قتلوه، فقضي الأمر. وانقضى العجز والصدر. ولما أحست العامة بقتله، وهمت بسلاحها من أجله، ثار أولئك المخرجون في وجوههم، أطلال في أسمال. فأخذ كل واحد منهم بطرف من الطريق، وذهب ممن كان هنالك من العامة بفريق، بين صديق لهم يسر، وعدو يفر، وتشاغلوا بنهب دور بني الحديدي حين عجزوا عن نصرته، وعلموا أن لا سبيل إلى كرته. ولم يكن إلا كاملا، حتى أصبحت حبلا رثا، وهباءً منبثا. وظن ابن ذي النون [أنه] قد راع أحشاء الأيام بفتكة براضية، وهتك أستار الخطوب عن حيلة عمرية. ولعمري لقد راع ولكن آمن سربه، ولقد هتك ولكن حجاب قلبه، أخلى وجهه لشرار أغمار. لم تكن لهم أحلام تحجرهم، ولا حلوم توقرهم، أذبة شهوات، وفراش ضلالات، أغضى الزمان لهم هنية فظنوا أنهم قد أعجزوه وانتهزوه، فوجدهم مغترين ليس لهم سلاح إلا مقاتلهم، ولا بهم حويل إلا تدابرهم وتخاذلهم، ونفث على نفسه من أولئك

стр. 2838

المخرجين شرار زناد، وأسرار عدوات وأحقاد، أحلاس السجون والأهوال، وبقايا القيود والأغلال. فلم يزد بموت ابن الحديدي وحياتهم على أن كان الشر سبباً فأصبح أسباباً، والناس حزباً فتفرقوا أحزاباً. وانتبذ ابن عبد العزيز لتلك الوهلة ببلنسية من جماعته، وخلع يده من طاعته، إلا هدنة على دخن، يتطارد له بصيدها، وينشده عن كيدها: أحبك في البتول وفي أبيها ... ولكني أحبك من بعيد وفغر الطاغية أفونش بن فرذلند فمه على ثغوره المثغورة، فجعل لوقته يطويها طي السجل للكتاب، وينهض فيها نهضة الشيب في الشباب. وابن ذي النون يلقمه أفلاذ كبده، ويرجمه بسبده ولبده، وأذونش لعنه الله لا يقنع منه بصيد العنقاء، ولا ببيض الأنوق، بل يكلفه إحضار الأبلق العقوق، ويسومه درك الشمس، ويطلبه برد أمس. فلما أكل الإنفاق ثبج ماله، وأخذ الخناق بكظم احتياله، وأحس العدو المشاق بذلك من حاله، سما إلى معاقله المنيعة، وذرى أملاكه الرفيعة، عدد الأنام، ودروب الإسلام، فما راهنه منها عليه غلق، وما رام أخذه من يديه لم يدركه حتى مزق [٧٣] .

стр. 2839

فرار حفيد ابن ذي النون من طليطلة ودخول المتوكل وانجرت الحال بينه وبين أولئك الشيوخ المخرجين من المطبق بمقدار ما رقعوا خروقهم، وجمعوا فريقهم؛ فلما استوثق أمرهم، وثاب إليهم شرهم، دلفوا لحزبه الذنوبي البسيس، تحت إحدى ليالي جديس؛ أرغت عليهم سقب السماء، وتمخضت لهم بالداهية الدهياء، ورؤسهم بأيدي الولدان لعباً، وأتى ابن ذي النون صريخهم تلك الليلة فصادف منه رأياً مغلوباً، وقلباً منخوباً، طار به الذعر ففر ودونه من عبيده أسد الشرى، والأسوار شامخة الذرى، كأنما ناجته القتال أضغاث حلمه، أو رأى وجوه الأقتال في وجوه حرمه، تجفل الظليم، لا يحفل بالعار المقيم، ولا يصيخ إلى الصديق الحميم. حدثت أن زوجه بنت المظفر بن أبي عامر، طريد جده - كان - من بلنسية، وابنته منها تبعتاه يومئذ راجلتين نيفاً على فرسخين، حتى أدركتا بمركوب، وقد أخذ الجهد منهما بأوفر نصيب، واجتمع مشيخة طليطلة بفناء القصر، مرتبكين بين اللجاج والذعر، عامتهم تتطاول بزعمها إليه، وخاصتهم تتحيل المثول بين يديه، وهم يظنونه بحيث يرى ويسمع، ويتوهمون أنه سفعل ويصنع، فوجدوه قد أذعن للدنية، وخرج من بعض تلك

стр. 2840

المخارج الخفية، ومشى القهقري، قبل عير وما جرى، فاستأسدت كلابهم لأكل لحم ليس له ناصر، وهزج ذبابهم أثناء روض ليس [له] وارد ولا صادر. ولقوا يومئذ في سؤر الطاغية أذفونش من تلك الجواهر المكنونة، والذخائر المصونة. وتلاحق بابن ذي النون بقية سربه المنفر، وفل عسكره المدبر، بحصن من حصونه. وأقام أهل طليطلة بعده أياماً ولا كالسائمة المهملة نام راعيها، وأكبثت مراعيها، يتهادون لحماً بين قديد ومعجل، ويرتمون بشحم كهداب الدمقس المفتل، في هياط ومياط، ولجب واختلاط، ليس عليهم أمير، ولا فيهم إلى الصواب مشير، وتشاوروا في أي ملوك الطوائف يحكمونه فيهم، ويلقون إليه بأيديهم، فطار طائرهم، واختلفت بوطنهم وظواهرهم، واشرأب من كان يليهم منهم لمملكة لم يحكموا إليها أسباباً، وغنيمة لم يوجفوا عليها خيلا ولا ركاباً. وكان عندهم يومئذ أبو محمد يوسف بن القلاس البطليوسي أحد
следующие страницы →