Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
وأرته أن ذلك من سعيها لا يستوي على سوقه، ولا يخلو بسواء طريقه، إلا [بإطلاق] تلك الطائفة المغربة بمطبق وبذة، المحترقة أفلاذ أكبادهم، بنيران دمهم وأحقادهم: داء دفين، وشر مضمون. وسولوا له أنه إذا فك أغلالهم، ووصل بحبل الحياة حبالهم، غسل جوانحهم، وتألف نصائحهم، وشاركهم في ذوات صدورهم، واعتد عليهم منة نشورهم، والبعثة من قبورهم. فأثار منهم مدى وشفاراً، [أعد] بهم لخراب ملكه أعواناً وأنصاراً. فأدخلهم البلد سراً من بعض مداخله الخفية، وقد سترهم باللثم، وأوهم أنهم بعض الحرم، حتى وصلوا إليه، ومثلوا بين يديه، وذلك اليوم يوم الجمعة لعشر خلت لمحرم سنة ثمان وستين.
وكان الذي مالأ ابن ذي النون على ذلك، وسهل له - زعموا - تلك المناهج الخبيثة والمسالك، الفقيه ابن المشاط متولي القضاء كان يومئذ بقونكة. وكان أبو بكر بن الحديدي [يألفه] ويسكن إليه قديماً، فاستدرجه بالأمان، واستفزه إلى مصرعه يومئذ بمزورات الأيمان، حتى جرعه رداه، وأسلمه إلى عداه. ودخل ابن الحديدي يومئذ القصر، والمقدار يزعجه، والخائن الغدار ابن المشاط يستدرجه، فلما أنضى إلى مجلس ابن ذي النون رأى وجوهاً قد أمنها مما تخوفها
стр. 2837
وأنكرها من طول ما عرفها، فأيفن بالشر لا خلاص، ولات حين مناص، ثم وطن لمحنته، واتكأ فضل منته، فجاذبهم أطراف الخصام، وطلع عليهم من ثنايا النقض والإبرام، فقام ابن ذي النون من موضعه وابن الحديدي متعلق بأذياله، مستجير به من أقتاله. فشغبوا عليه وشغلوه، وأحاطوا به حتى قتلوه، فقضي الأمر. وانقضى العجز والصدر. ولما أحست العامة بقتله، وهمت بسلاحها من أجله، ثار أولئك المخرجون في وجوههم، أطلال في أسمال. فأخذ كل واحد منهم بطرف من الطريق، وذهب ممن كان هنالك من العامة بفريق، بين صديق لهم يسر، وعدو يفر، وتشاغلوا بنهب دور بني الحديدي حين عجزوا عن نصرته، وعلموا أن لا سبيل إلى كرته. ولم يكن إلا كاملا، حتى أصبحت حبلا رثا، وهباءً منبثا.
وظن ابن ذي النون [أنه] قد راع أحشاء الأيام بفتكة براضية، وهتك أستار الخطوب عن حيلة عمرية. ولعمري لقد راع ولكن آمن سربه، ولقد هتك ولكن حجاب قلبه، أخلى وجهه لشرار أغمار. لم تكن لهم أحلام تحجرهم، ولا حلوم توقرهم، أذبة شهوات، وفراش ضلالات، أغضى الزمان لهم هنية فظنوا أنهم قد أعجزوه وانتهزوه، فوجدهم مغترين ليس لهم سلاح إلا مقاتلهم، ولا بهم حويل إلا تدابرهم وتخاذلهم، ونفث على نفسه من أولئك
стр. 2838
المخرجين شرار زناد، وأسرار عدوات وأحقاد، أحلاس السجون والأهوال، وبقايا القيود والأغلال. فلم يزد بموت ابن الحديدي وحياتهم على أن كان الشر سبباً فأصبح أسباباً، والناس حزباً فتفرقوا أحزاباً. وانتبذ ابن عبد العزيز لتلك الوهلة ببلنسية من جماعته، وخلع يده من طاعته، إلا هدنة على دخن، يتطارد له بصيدها، وينشده عن كيدها:
أحبك في البتول وفي أبيها ... ولكني أحبك من بعيد وفغر الطاغية أفونش بن فرذلند فمه على ثغوره المثغورة، فجعل لوقته يطويها طي السجل للكتاب، وينهض فيها نهضة الشيب في الشباب. وابن ذي النون يلقمه أفلاذ كبده، ويرجمه بسبده ولبده، وأذونش لعنه الله لا يقنع منه بصيد العنقاء، ولا ببيض الأنوق، بل يكلفه إحضار الأبلق العقوق، ويسومه درك الشمس، ويطلبه برد أمس. فلما أكل الإنفاق ثبج ماله، وأخذ الخناق بكظم احتياله، وأحس العدو المشاق بذلك من حاله، سما إلى معاقله المنيعة، وذرى أملاكه الرفيعة، عدد الأنام، ودروب الإسلام، فما راهنه منها عليه غلق، وما رام أخذه من يديه لم يدركه حتى مزق [٧٣] .
стр. 2839
فرار حفيد ابن ذي النون من طليطلة ودخول المتوكل
وانجرت الحال بينه وبين أولئك الشيوخ المخرجين من المطبق بمقدار ما رقعوا خروقهم، وجمعوا فريقهم؛ فلما استوثق أمرهم، وثاب إليهم شرهم، دلفوا لحزبه الذنوبي البسيس، تحت إحدى ليالي جديس؛ أرغت عليهم سقب السماء، وتمخضت لهم بالداهية الدهياء، ورؤسهم بأيدي الولدان لعباً، وأتى ابن ذي النون صريخهم تلك الليلة فصادف منه رأياً مغلوباً، وقلباً منخوباً، طار به الذعر ففر ودونه من عبيده أسد الشرى، والأسوار شامخة الذرى، كأنما ناجته القتال أضغاث حلمه، أو رأى وجوه الأقتال في وجوه حرمه، تجفل الظليم، لا يحفل بالعار المقيم، ولا يصيخ إلى الصديق الحميم. حدثت أن زوجه بنت المظفر بن أبي عامر، طريد جده - كان - من بلنسية، وابنته منها تبعتاه يومئذ راجلتين نيفاً على فرسخين، حتى أدركتا بمركوب، وقد أخذ الجهد منهما بأوفر نصيب، واجتمع مشيخة طليطلة بفناء القصر، مرتبكين بين اللجاج والذعر، عامتهم تتطاول بزعمها إليه، وخاصتهم تتحيل المثول بين يديه، وهم يظنونه بحيث يرى ويسمع، ويتوهمون أنه سفعل ويصنع، فوجدوه قد أذعن للدنية، وخرج من بعض تلك
стр. 2840
المخارج الخفية، ومشى القهقري، قبل عير وما جرى، فاستأسدت كلابهم لأكل لحم ليس له ناصر، وهزج ذبابهم أثناء روض ليس [له] وارد ولا صادر. ولقوا يومئذ في سؤر الطاغية أذفونش من تلك الجواهر المكنونة، والذخائر المصونة.
وتلاحق بابن ذي النون بقية سربه المنفر، وفل عسكره المدبر، بحصن من حصونه. وأقام أهل طليطلة بعده أياماً ولا كالسائمة المهملة نام راعيها، وأكبثت مراعيها، يتهادون لحماً بين قديد ومعجل، ويرتمون بشحم كهداب الدمقس المفتل، في هياط ومياط، ولجب واختلاط، ليس عليهم أمير، ولا فيهم إلى الصواب مشير، وتشاوروا في أي ملوك الطوائف يحكمونه فيهم، ويلقون إليه بأيديهم، فطار طائرهم، واختلفت بوطنهم وظواهرهم، واشرأب من كان يليهم منهم لمملكة لم يحكموا إليها أسباباً، وغنيمة لم يوجفوا عليها خيلا ولا ركاباً.
وكان عندهم يومئذ أبو محمد يوسف بن القلاس البطليوسي أحد
стр. 2841
عفاريت الظلال، وأكلة الأموال، من رجل أجرأ خلق الله على دم وهو أجبن ممن صافر، وأجسرهم على ركوب ثبج محرم وهو أضعف من لحظ فاتر، نبهت تلك الفتنة على قدره، ورفع عدم الرجال صوته بذكره، فهبت ريحه شمالاً وصبا، واتخذ سبيله في البر والبحر عجبا، فعرض عليهم بصاحبه المتوكل عمر بن المظفر ابن الأفطس، وأعرب لهم عن لين مكسره، وضيق مسافة نظره، واشتغاله باللذات عن أكثره، فقالوا: برد كبرد، ما أشبه سعدا بسعد! فأتاه سفيرهم، وخف إليه عيرهم ونفيرهم، فجاءهم ينظر من خفاء، ويمشي على استحياء، كودنا ساموه خطة سباق، وحبينة أقاموها على ساق، فدخل طليطلة عقب سنة اثنتين وسبعين، وأقام عندهم نحوا من عشرة أشهر، أضل من يد في رحم، وأذل من لحم على وضم.
[و] قد كان ابن ذي النون حين انفلت من يد المقتنص، انفلات الحمامة من القفص، تهيأ له دخول كونكة في خبر طويل، فثاب إليه حسه، ورجعت قليلا نفسه، وراسل الطاغية أذفونش، وهو بحيث ينتهز الفرسة، ويسمع القصة، فذكره ابن ذي النون سالف
стр. 2842
عهده. وشهد عنده أنعم جده، فبالزناد الذنونية - زعموا - وريت ناره، ومن التلاع المأمونية تدفق تياره، أيام كان اسم هذا الطاغية مخمولا. وصعبه ذلولا، بتغلب، أخويه شانجه وغرسية عليه، وأخذهما طرفي سلكه من يديه، فآواه المأمون ابن ذي النون ونصره، واستقل بسلطان طاغوته حتى أظهره، وعند الله جزاء موفور، وإليه منقلب ومصير، فلبى دعواه، وسمع شكواه، وأظهر الارتماض لما عزه وعراه. وأقبل معه إلى طليطلة يرد ماء بماء، ويسر حسوا في ارتغاء يورد وردا إليه صدره، ويجلب حلبا له أكثره، والمتوكل بها طليح جفان، طريح أكواب ودنان، مكبا على قمش ما نحته المحنة، وتجافت عن انتهابه الفتنة، من فرش فخم، وسرادق ضخمن وآنية وكتب، وصعد من آلة الملك وصبب، حتى اجتمع عنده من خبث زبرتها، وغثاء غمرتها، مع ما أذابوا له صدر مقدمه من شحم سنامها، وأفاضوا من برد وسلامها، جملة علمته الجلوس في الصدر، وأرته الفرق بين الخل [٧٤] والخمر، وأهل طليطلة الممتحنون، في غمرتهم، في غمرتهم ساهون، وعلى أعقابهم ينكصون، يخوضون ويلعبون، ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين.
стр. 2843
خوارج المتوكل من طليطلة، ورجوع ابن ذي النون إليها
فلما تمكن المتوكل من الري والشبع، تذكر عواقب الطمع، ورأى أنه إن زاد على ملء بطنه. كان كالسراج المنغمس في دهنه؛ فكايدهم بفراره، وأجلى مبادراً إلى بطليموس دار قراره، ينشد:
إن الله يرجعني من الغزو ولا أرى ... وإن قل مالي طالباً ما ورائيا ومن غريب تأويل الأحلام، أن رجلاً رأى المتوكل قبل دخوله طليطلة بأعوام، كأنه يأكل فيها طعاماً فيه سلق مع رجلٍ يسمى يوسف، ففسرها الأديب أبو عمر فتح المعروف بابن برلوصة، وقال: إن المتوكل سيدخلها على يد رجل يسمى يوسف، وينالان من مالها وذخائرها، لكنهما يسلقان بالألسنة فيها. ويقبح الحديث عنهما، فخرجت الرؤيا كما فسر.
ولما دخلها وحصل إليه منها ما حصل فر وتركهم كالسفينة خانتها الريح، والجسد بان عنه الروح، بين ناب الطاغية أذفونش وظفره
стр. 2844
يقدح لهم نار الفتنة عن حجره، ويريهم الموت في أهول صوره، مقسماً لا يبرح العرصة حتى يفي لابن ذي النون بضمانه، ويكافئه على سالف إحسانه. وكان عاقده ابن ذي النون أنه إذا ضرح قذاها، وأماط أذاها، واقتضى دينها، خلى بينه وبينها. هذا [ما] أضمره، فأما الذي أظهر، فإنه وعده أداء جملةٍ من المال، لا تفي به مدة الإقبال، ولا إرخاء الحال، راهنه بها أبناء الأمجاد، وبقيا معاقله الأفراد، وألقى أهل طليطلة بأيدي الصغار، على حين أيقنوا بالبوار، وضاقت عليهم أنشوطة الحصار. فجاء ابن ذي النون يقدمه أذفونش، وهو يظهر من التزام بره، وإعزاز نصره، ما بهر العقول. وكثر القال نوالقيل، حتى زعموا أنه رفع صوته يدعو إليه، وترجل يمشي بين يديه، وصار أعجب من تورط في حبائل كيده، وجعل الضرغام بازاً لصيده. وكم رام أهل طليطلة قتل ابن ذي النون في أثناء تلك الوشلات مرارا، ولكنه بلغ مداه، وكره الله لقاءه فأبقاه، وكانت لله فيه مشيئة أمضاها، وقضية أنظر به إناها، لذلك ما خبأته صروف الأيام، وسلم من الحمام إلى الحمام، فلما كان يوم النحر سنة أربع وسبعين، نهدوا له
стр. 2845
في عددهم وعديدهم، وزحفوا إليه بحدهم وحديدهم، فتجاوالوا عامة يومهم في شوارعها، يتراموان بدوامغ الحتوف وقوارعها؛ فأجلت الحرب عنهم قد شرقوا بغصتها، وخلوا بينه وبين عرصتها. وتساقطوا على أذفنوش يشكون ابن ذي النون إليه ويستصرخونه عليه. فرماهم بحجر، ولبس لهم جلدة نمر. فتفرقوا بكل سبيل، وطاروا على كل صعب وذلول، حتى مات ابن مغيث كبيرهم الذي علمهم السحر، وطاغوتهم الذي شرع لهم الكفر. بشيمتور من أرض قشتيلة بين الدنان والصلبان، فساروا وإلى الله إيابه، وعليه حسابه. ورجع بنوه أخيرا فانتزوا بمدينة مجريط، وانحشر إليهم ذؤبان الوقائع، وأذبة المطامع فكانت بين ابن ذي النون وبينهم أيام عدتهم له عدا، وساقتهم إليه وردا، حتى باد جمهورهم، وتلاحقت أعجازهم وصدورهم. وبلغ ابن ذي النون من هدم ربوعهم، وصلبهم على جذوعهم، ما يبرد صدر الموتور، ويضحك سن الموت المبير.
بقية الحديث عن شؤون ابن ذي النون بطليطلة
وإسلامها لظهيره الطاغية أذفنوش، وما انطوى في ذلك
من خبر، والتف به قبيح أثر
قال ابن بسام: وأخذ ابن ذي النون أهل طليطلة لحين استقراره فيها بفك تلك المعاقل، وأداء ما كان ضمن لأذفنوش من الأموال
стр. 2846
الجلائل؛ فضرب مدبرهم بمقبلهم، وولى آخرهم كبر أولهم، حتى طمع فقيرهم في غنيهم، واجترأ ضعيفهم على قويهم، وأصبح الرجل منهم يرتاع من ظله، ويلتفت وإنما هو بين أهله. وانكدر أذفنوش على طليطلة ينتسف مرافقها، ويقعد لجالية أهلها ثناياها ومضايقها، يأسر ويقتل، ويحرق ويمثل. وسما السعر، وتفاقم الأمر، وأنكرت الموارد والمصادر، وبلغت القلوب الحناجر.
وكان من غريب ما اتفق [٧٥] وعجيب ما انتظم من ذلك واتسق، أن البر كان على زعمهم يمكث عندهم من خمسين سنة لا يؤثر فيه طول القدم، ولا يخاف عليه آفة العدم، ولم يرفع مدة الفتنة من البيادر - على تعذر بذره، وضيق الحيلة من محاولة شيء من أمره - إلا وقد بدا البلى عليه، وأسرعت الآفة إليه، أمر من الله لم يكن له مرد. ولا منه بد. ولما شمل البلاء، وفدحت البأساء، وأتى على أكثر أهل طليطلة القتل والجلاء، وقضى الطاغية أذفنوش - قصمه الله - قضاءه من استباحة الحريم، واستئصال الراحل والمقيم، وإتلاف الموجود والمعدوم، أسرى تحت الليل، في قطعة غير وافرة من الخيل، فنزل المنية المصورة التي كان المأمون يحشد إليها كل حسن، ويباهي بها جنة عدن، ويقلب الحوير في جيد بنيانها، والإشادة بشانها، ظهرا لبطن. فاتخذ عروشها مرابط لأفراسه، وإيواناتها ملاعب لأراذلته وأرجاسه. وهجم الشتاء فمنعه من ميرة تأتيه
стр. 2847
أو مدد يوافيه، فأقام نيفا على شهرين لا يسيغ الشراء، ولا يملك المجيء ولا الذهاب، ليس له شوكة إلا ظل لوائه، ولا مدد إلا ضعف من كان بإزائه. ولولا اهتبال ملوك الطوائف بأقامة موافقه، وإصغاؤهم إلى هدر شاشقه، لطار شعاعا، وذهب ضياعا. وطفق أهل طليطلة يستصرخون من حولهم، ويعملون في ذلك فعلهم وقولهم، فيعكفون على طلل بائد، ويضربون في حديد بارد. فلما نأى الشتاء بجانبه، وخلى بين كل ذاهب ومذاهبه، سال بأهل طليطلة سيل لا يقوم له سهل ولا فجر. واضطر من أخطأته الحوادث، وتخطته تلك الخطوب الكوارث، - من أشدها ضيق الحصار، وكلب البوار، وإبطاء المرافق والأنصار - إلى مداخلة الطاغية أذفنوش، فشرعوا في ذلك غير مظهرين للاستسلام، ولا متبرئين من الصبر على ضنك ذلك المقام. طمعا في أن يغروه ولو باغلاء سوم، ويخدعوه على أذماء نفوسهم ولو ببياض يوم، إشارة الغريق إلى الساحل، واستراحة المحتضر إلى الطبيب الجاهل؛ فأبى أذفنوش إلا عرصة الدار. وأم الأوطار، ولجاجا بين التمادي والاستمرار، لعلمه أين ينتهي طلقهم، وتقديره لما عسى أن يفي به رمقهم. فخرج من أعيانهم جملة إلى مضرب أذفنوش في بعض تلك الأيام، وقد ضاق المجال، وتلمظت الآجال، وأقبلت الحتوف تختال، فقام الحجاب دونه، وقالوا: هو نائم فكيف توقظونه - فعدلوا إلى مضرب ششنند
стр. 2848
شره العتيد، وشيطانه المريد، وهامانه الذي أوقد له على الطين، وعلمه الدفع بالشك في صدر اليقين، أحد أعلاج ابن عباد - كان - من رجل متوقد جمرة الذكاء، بعيد المذهب بين الجرأة والنكراء، سفر بين المعتضد والطاغية فرذلند، فعقد وحل، ونهض بما حمل من ذلك واستقل. ثم خاف المعتضد على نفسه، فنزع به عرق اللوم، إلى المقر المذموم. واستقرت قدمه بجليقية، فاضطلع بالدروب والثغور، وغلب على سائر السياسة والتدبير. وصار بعد قصارى ملوك الطوائف بالجزيرة نظرة من اهتباله، وأدنى خطرة من باله، فأدخل على أذفنوش يومئذ جماعة فوجدوه يمسح الكرى من عينيه، ثائر الرأس، خبيث النفس، وجعلوا ينظرون إليه وهو يضعف ثغامة رأسه، فما نسوا دفر أطماره، ودرن أظفاره. ثم أقبل عليهم بوجه كريه، ولحظ لا يشكون أن الشر فيه، وقال لهم: إلى متى تتخادعون، وبأي شيء تطمعون - قالوا: بنا بغية، [ولنا] في فلان وفلان أمنية، وسموا له بعض ملوك الطوائف، فصفق بيديه، وتهافت حتى فحص برجليه، ثم قال: أين رسل ابن عباد - فجيء بهم يرفلون في ثياب الخناعة، وينبسون بألسنة السمع والطاعة. فقال لهم: مذ كم تحومون علي، وترومون الوصول إلي - ومتى عهدكم بفلان، وأين ما جئتم به ولا كنتم ولا كان - فجاءوا بجملة ميرة، وأحضروا بين يديه كل خيرة خطيرة. ثم ما زاد على أن ركل ذلك برجله، وأمر بانتهابه كله؛ ولم يبق ملك من ملوك الطوائف إلا أحضر يومئذ رسله، وكانت حاله حال من كان قبله. وجعل أعلاجه يدفعون في ظهورهم، وأهل طليطلة يعجبون من ذل مقامهم ومصيرهم، فخرج مشيختها من عنده وقد سقط في أيديهم. وطمع كل شيء فيهم. وخلوا بينه
стр. 2849
وبين البلد، لثلاثة أيام من المشهد. ودخل طليطلة على حكمه، وأثبت في عرصتها قدم ظلمه، حكم من الله [٧٦] سبق به القدر، فلم يكن منه وزر.
وخرج ابن ذي النون خائبا مما تمناه، شرقا بعقبى ما جناه، والأرض تضج من مقامه، وتستأذن في انتقامه، والسماء تود لو لم تطلع نجما إلا كدرته عليه حتقا مبيدا، ولم تنشئ عارضا إلا مطرته عذابا فيه شديدا. واستقر بمحلة أذفنوش مخفور الذمة، مذال الحرمة، ليس دونه باب، ولا دون حرمه ستر ولا حجاب. حدثني من رآه يومئذ بتلك الحال وبيده اصطرلاب يرصد يرصد فيه أي وقت يرحل، وعلى أي شيء يعول، وأي سبيل يتمثل، وقد أطاف به النصارى والمسلمون، أولئك يضحكون من فعله، وهؤلاء يتعجبون من جهله.
وعتا الطاغية أذفنوش - قصمه الله - لحين استقراره بطليطلة واستكبر، وأخل بملوك الطوائف في الجزيرة وقصر، وأخذ يتجنى ويتعتب، وطفق يتشوف إلى انتزاع سلطانهم والفراغ من شانهم ويتسبب. ورأى أنهم قد وقفوا دون مداه، ودخلوا بأجمعهم تحت عصاه.
وولى ششنند المذكور تدبير طليطلة. فهون عليهم الرزية، وحبب إليهم إعطاء الدنية، بما أراهم من سهولة مرامه. وبسط فيهم من عدل أحكامه، حتى استمال قلوب أعلامها، وحبب التنصر إلى عامة طغامها. وفجأ المسلمين من اختلاف أهوائهم، وتنصر سفهائهم. ما ضاقت عنه صدور الأيام، واضطربت له قواعد الإسلام. وقد كان من رأي ششنند الإبقاء على أهل طليطلة. وقال لأذفنوش: لست
стр. 2850
تجد بمن تعمرها، ولا تظفر بعامل أطوع من ابن ذي النون يدبرها، فأبى أذفنوش إلا لجاجا في سفهه، وانحطاطا في حبل شرهه. فلما تهيأ له ملكها. وانتثر في يديه سلكها، قال له ششنند: اخفض جناحك لأهلها، واستجلب جاليتها بما تمد من ظلها، ولا تلح على ملوك الجزيرة فلست تستغني عنهم، ولا تجد عمالا أطوع منهم، فإنك إن أبيت إلا الإلحاح عليهم، والتسرع بالمكروه إليهم، نفرتهم عن ذراك، وأحوجتهم إلى مداخلة سواك. فكان من صنع الله أن اتهم أذفنوش يومئذ منحاه، وخالفه إلى ركوب هواه، وشرع لوقته في تغيير المسجد الجامع بها، خاتمة النوائب، ونكبة الشاهد والغائب. فقال له ششنند: إنك إن فعلت أوغرت الصدور، وأبطلت التدبير، وسكنت من نشط، وقبضت من انبسط، فشمخ أفنوش - لعنه الله - بأنفه، وثنى من عطفه، وأصغى إلى طنانة جنونه وسخفه، وأمر بتغيير المسجد الجامع يوم [.....] لربيع الأول سنة ثمان وأربعمائة. وحدثني من شهد طوغيته تبتدره، في يوم أعمى البصائر والأبصار منظره، وليس فيه إلا الشيخ الأستاذ المغامي آخر من صدر عنه، واعتمده في ذلك اليوم ليتزود منه، وقد أطاف به مردة عفاريته، وسرعان طواغيته، بأن أكمل، ثم قام ما طاش ولا تهيب، فسجد به واقترب، وبكى عليه مليا وانتحب، والنصارى يعظمون شأنه، ويهابون مكانه، لم تمتد إليه يد، ولا عرض له بمكروه أحد.
وقد حدثت أن شيعة أذفنوش - لعنه الله وبددها - أشاروا عليه يومئذ بلبس التاج، وزينوا له زي من سلف بالجزيرة قبل فتح المسلمين
стр. 2851
إياها من أعلاج، فقال: لا، حتى أطأ ذرون الملك، وآخذ قرطبتهم واسطة السلك. وكان أعد لمسجدها الجامع - حمى الله ساحته من الخطوب الروائع - ناقوسا تأنق في إبداعه، وتجاوز الحد في استنباطه واختراعه، فالحمد لله موهن أيده، ومبطل كيده. وجزى الله أمير المسلمين، وناصر الدين، أبا يعقوب يوسف بن تاشفين، أفضل جزاء المحسنين، بما بل من رماق، ونفس من خناق. ووصل هذه الجزيرة من حبل، وتجشم إلى تلبية دعائها واستنقاذ ما بها من حزن وسهل، حتى [ثل] عروش المشركين، وظهر أمر الله وهم كارهون، والحمد لله رب العالمين.
فصل في ذكر الأديب الكامل أبي عبد الله محمد بن شرف
وسياقة جملة وافرة من نظمه ونثره
قال ابن بسام: كان أبو عبد الله بن شرف بالقيروان. من فرسان
стр. 2852
هذا الشان، وأحد من نظم قلائد الآداب، وجمع أشتات الصواب، وتلاعب بالمنظوم والموزون، [تلاعب] الرياح بأعطاف الغصون، وبينه وبين أبي علي ابن رشيق ماج بحر البراعة ودام، ورجع نجم هذه الصناعة واستقام، وذهبا من المناقضة مذهباً تنازعاه شراً طويلاً، وخلناه ذكراً محمولاً، واحتملاه - إن لم يسمح الله - وزراً ثقيلاً. وكان أبو علي أوسعهما نفسا، وأقربهما ملتمسا، ولابن شرف أصالة منزعة، وجلالة [٧٧] مقطعه، ومتانة لفظه، وسعة حفظه، فتسمع بشعره ملآن من وعوعة وجعجعة، ولكن ما أبعد ما يرومه وأبدعه! وسال سيل فتنة القيروان، اللاعب بأحرارها، المعفي على آثارها، فتردد على ملوك الطوائف بالأندلس، بعد مقارعة أهوال، ومباشرة خطوب طوال، وقد نبت شفرته، وطفئت جمرته، وفد قلت فيما تقدم إنه انتحى منحى القسطلي في شكوى الزمن، والحديث عن الفتن، كان معه كمن تصدى الرياح بجناح، وقابل الصباح بمصباح، واستقر أخيراً عند المأمون بن ذي النون، فعليه خلع آخر لبوسه، ونثر بقية كيسه.
وكانت لعباد همة في اصطحاب الأحرار، واستجلاب ذوي الأخطار، ينصب لذلك الحبائل، ويعمل فيه الحق والباطل، حتى إذا عشوا إلى سرجه، واغتروا بزبرجه، سامهم رد أبي قبيس على أبيه، وأخذهم
стр. 2853
بالسعاية بين الفرقد وأخيه، فمن أعياد منهم ركوب الصعاب، وعضه التقلب بين المضايق والرحاب، عزه في الخطاب، وأطاع به سلطان الارتياب. ﴿أيمسكه على هون أم يدسه في التراب﴾ (النحل: ٥٩) وقد ذكرت في أخبار ابن عبد البر الكاتب أنه انسل من يد عباد انسلال الطيف، ونجا منه واسأله كيف. وكان ابن شرف هذا ممن فهم منحاه، وصم عن رقاه، فلم يجتمع مع عباد في صعيد، ولا أهدى له السلام إلا من بعيد. وستأتي أخباره معه ومع سواه، محررة النقد، مقدرة السرد.
ولأبي عبد الله عدة تواليف أفاضها بحارا، وأطلعها شموساً وأقماراً، منها كتابه الموسوم ب - " أعلام الكلام " وكتاب " أبكار الأفكار " وقلب له هذه الترجمة بإشبيلية بعض الوزراء الكتاب، فجاء في ذلك بالعجب العجاب. وقد أثبت في هذا الفصل من كلام ابن شرف ما يشهد بذكائه، ويغني عن إطرائه.
جملة من نثره ما يتشبث به من شعره
بلغني أنه استنهض صاحبه ابن رشيق - مع منافرة كانت بينهما
стр. 2854
- في أن يجتمع العدوان بالطريق، ويجوزا معاً إلى الأندلس فأنشده ابن رشيق:
مما يبغضني في أرض أندلس ... سماع مقتدر فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد فأنشد ابن شرف:
إن ترمك الغربة في معشر ... قد جبل الطبع على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم وتصرف ابن شرف في هذا المعنى فقال:
يا خائفاً من معشرٍ ... لا يصطلى بنارهم
[إن تبل من شرارهم ... على يدي شرارهم]
أو ترم من أحجارهم ... وأنت في أجحارهم
فما بقيت جارهم ... ففي هواهم جارهم
وأرضهم في أرضهم ... ودارهم في دارهم وكان أول ما بعث إلى المعتضد بإشبيلية خمس قصائد من شعره مع رقعة خاطب بها وزيره أبا الوليد بن زيدون، يقول في فصل منها:
стр. 2855
الآداب - أعزك الله - لأربابها، كالمحارم لذوي أنسابها، تبدي البنت زينتها لأبيها، وترف الأخت لأخيها، ولمن كان له في المحرم شبيها، وكذلك حكم ذوي الآداب فيها، يرفعون بينهم حجب التحفظ بيد الاسترسال، ويدفعون ستر التقبض بأكف البشر والإقبال. وقد رفعت إلى حضرته الرفيعة خمس أبكار عرب، تخدمهن وليدة ذات حسن وأدب، خصصت بالخمس القرائض خير الملوك، وبالوليدة بر الحر المملوك. وهن وإن زدن على أربع الشرع واحدة، فليست في دين الشعر بزائدة؛ ولما جاز أكثر من أربع لخير الأنام، اقتدينا بذلك في خير الكرام.
ولما كنت - أعزك الله - حسانه المقدم، رأينا ما رآه صلى الله عليه في سيرين. وقد كانت النية، لو تمت الأمنية، حضوري بذاتي، لزفاف بنياتي، فمنع من المراد مانع، ودفع بيد الأقدار دافع. ولنا صار الفعل الماضي مستقبلاً، وبقيت للحاق مؤملاً، وكلت بهن ذا محرمهن، وائتمنت عليهن ابن [ ... ] وهو الشيخ أبو فلان. فللوزرير الأجل علو الرأي في قبول ما عرضه وليه المدل على إكرامه ومكارم أخلاقه، بما ينم عليه من طيب أعراقه، ويقوم بعذري إن وهمت، وبشكري إن فهمت. فهو بدري إذا ليلي عسعس، وشمسي إذا صبحي تنفس، وأنا وإن بعثت بالأقمار في الأطمار، وبالشموس في خشن الملبوس، فهو برافقه ودقيق حذقه يلطف الهجن، ويحسن الخشن، ويقدم
стр. 2856
في الغيبة، ما يعين عند اللقاء على الهيبة، بقوي منته، وعظيم مننه، إن شاء الله.
فأجيب ابن شرف برقعة من إنشاء الوزير الكاتب أبي محمد بن عبد البر قال فيها: [٧٨]
رب أمنية شطط، قد أتاحها قدر، ونجية فرط، قد أراحها ظفر، وقد تقرب الأماني ما يظنه المرء نازحاً بعيداً، كما تفيت ما يعتده حاضراً عتيداً. وكانت أخبارك - أبقاك الله - ترد علينا أرجة النسيم، عطرة الشميم، شهية المسموع، رفيعة المحمول والموضوع؛ وأشعارك تزف إلينا عرائس الألباب، ونفائس الآداب، فنفديك على البعد بالأنفس والأقارب، ونستدنيك بالأماني ونحسبها من الكواذب؛ حتى أسمع الخبر باغترابك، وطلع البشير بارتقابك، ووافت وراد خطابك، وقهقه مجلجل سحابك، وتصدت بحار الطلب لسقياك، ونمت رياض الأدب برباك، وهز الكرم عطفه للقياك، ووصل المجد الأطراف طرفه برعياك، وحليت عليك عرائسه الحالية في معارض الشدو والإنشاد، فسعدت من أكرم الأكفاء بالقبول والوداد؛ وحظيت عنده بالترفيع والإعزاز، ووضع ثوبها الأنفس في يدي بزاز. وقد استعملت معك في اسم المعتضد بالله مفضلك - أيده الله - مذهباً من مذاهب رواة الحديث يسمونه بالتدليس، ويكاد ينسب إلى الإشكال والتلبيس
стр. 2857
للعلم المحيط أن الكرم من أسمائه وصفاته، والمجد من ألقابه وسماته، وسترد، فتستقصر وصفي بما تجد. فاقصد قصده، تحل بطائل الإفادة، وأمه وحده، تحظ بنائل الرفادة. ولا تبع في سوق الكساد فالنفاق أمامك، ولا تسم ببضاعتك فالسوق قدامك. واذكر ما أنكره ابن الزيات على حبيب، وأنت المكتفي بحالك عن الضمير، وبما خولك الله عن المشير. فذاتك أنفع شفائك، وأدواتك أرجح سفرائك. وقد خاطبك مستقدماً، وجد معتزماً، ووجه نحوك شيئاً يكون من زادك إليه، ويعين على مؤنة طريقك في قدومك عليه، وذلك ثلاثون مثقالاً من ضرب السكة قبله، ولم يرد بها غير ما أعلمك، حتى توافي إن شاء الله فتستوفي. وعسى أن يكون وصولك إسفار الفجر الذي صدعته إلينا، وحلولك نهار الصبح الذي أطلعته علينا، وكان من البر أن أراجع عن الشعر، لكن لا أخطو في ميدانك ولو كنت جريراً، ولا أرجح في ميزاتك ولو احتضنت ثبيراً.
قال ابن بسام: والذي ذكر ابن عبد البر مما أنكر ابن الزيات على أبي تمام لما مدحه بقصيدته التي أولها:
لهان علينا أن نقول وتفعلا ...
стр. 2858
وهي من أحسن شعره، وقع له على ظهرها:
رأيتك سهل البيع سمحاً وإنما ... يغالي إذا ما ضن بالشيء بائعه
فأما إذا هانت بضائع بيعه ... فيوشك أن تبقى عليه بضائعه
هو الماء إن أجممته طاب ورده ... ويفسد منه أن تباح شرائعه فاعتذر إليه أبو تمام في قصيدته التي يقول فيها:
أما القوافي فقد حصنت غرتها ... فلا يصاب دم منها ولا سلب
ولو عضلت عن الأكفاء أيمها ... ولم يكن لك في أطهارها أرب
كانت بنات نصيب حين ضن بها ... على الموالي ولم تحفل بها العرب وقد قيل إن أبا تمام أجابه بقوله:
أبا جعفر إن كنت أصبحت شاعراً ... أسامح في بيعي له من أبايعه
فقد كنت قبلي شاعراً تاجراً به ... تساهل من عادت عليك منافعه
فصرت وزيراً والوزارة مكرع ... يغص به بعد اللذاذة كارعه
وكم من وزير قد رأينا مسلطاً ... فعاد وقد سدت عليه مطالعه
ولله قوس لا تطيش سهامها ... ولله سيف لا تقل مقاطعه
стр. 2859
وقيل إن هذه الأبيات منحولة لحبيب، وقيل قالها ولم تظهر إلا بعد موته.
رجع
فتوقف ابن شرف عن القدوم بقدمه، وكلف ذلك سن قلمه وطرر تأليفه " أبكار الأفكار " باسم عباد، وبعث به إليه على العباد. وقد كان وسمه قبل باسم باديس بن حبوس في خطبة طويلة قال فيها: ما ظننت الابتداع إلا بلغ، ولا حسبت الاختراع إلا فرغ، حتى إذا استأثرت بنيات صدري، ولطائف فكري، ببيت واحد الجنسية، ومعنى غريب الأبنية، قلت لنفسي: هيهات! لاشك أنك سبقت إلى هذه الغاية، وعلتك قلة الرواية، وكثر سباق الرواد، وفراط الوراد، فما تركوا للمتأخرين من الرياض زهرة، ولا من الحياض قطرة؛ كما أن جيش الكرم قد انهزم، وزائر الشرف قد انصرف، ومركوب المجد قد ند، فعشت أظن هذا الظن، حتى سافرت إلينا رفاق الأخبار بشهادات زكاها مرور الأيام، ودؤوب الدوام، تشهد بسؤدد بان عن السؤدد العصامي، وحزم فاق الحزم الهشامي، وجود جاوز الجود الكعبي، وبأس أنسى البأس المصعبي. ثم سفر لي الدهر عن سفر إلى مغرب [٧٩] الدنيا ومشرق العليا، والبقعة المباركة الباديسية، والدولة المظفرية، والمملكة الشامخة الحميرية، والحضرة الشريفة المنيفة الغرناطية، فعاينت عالماً في عالم، قد شركوه في النسبة إلى آدم، وانفرد من مناسبتهم، وشذ عن مجانستهم، بجميل طرائق، وحميد خلائق
стр. 2860
انفردت انفراد سهيل، وجمعت في المرأى والمسمع ما زاد على زيد الخيل. مغرى بالأدب المهجور بل المطرود، سالياً عن المال المعشوق بل المعبود، منفقاً للحمد الدفين المرسوس إلى صنوف من الفضائل، وأنواع من الجلائل، لا يحيط بها الوصف، ولا يجمعها الرصف، يغني النقل الكافي والتواتر الإجماعي عن تأتيتها على ألسنة الأقلام إلى إفهام الأنام. وقد قدحت زند الفكر فأورى شرراً، وامتحت قليب القلب فأجرى نهرا، فرقمت في هذا المجموع من الكلام المنثور المسجع الأوساط والأطراف، والمنظوم المكلل بتيجان القوافي، ما استنبطه من ذوات صدري، واستنتجته من بنات فكري: فقراً ابتدعتها وسجعتها، ومعاني حكايات اخترعتها، تطرزها الأقلام، وترقم بها أردية الكلام، وأنا استغني بقراءة القارئ أصنافها، عن أن أقدم أوصافها، وهي بنات مؤلفها، وأسجاع مصنفها، وليست كالأسجاع المنسوبة لابن أبي الزلازل، وهي بنات شتى قبائل، لم يزد على أن بتر حكاياتها، وطمس معالم آياتها، ليصح له ما شرط في السجع من الأعداد، فأضاع ما يراد لصون ما لا يراد. وقد تجمل بغير ثيابه، وأنفق من غير اكتسابه، وأنا أنشد قول أبي النجم:
стр. 2861
أبا أبو النجم وشعري شعري ... وعلى أي حال كان مجموعنا هذا، فيشرفه شرف من له يجمع، وإلى يده العلية يرفع، فمسته يمناه، ولحظته عيناه. فلو كان صمصام عمرو لسواه، ما انتهى من الذكر منتهاه؛ ولولا حاجب ابن زرارة ما ذكرت قوسه، ولولا حبيب ما عرف أوسه، وإنما عرف الطور بالكليم، وشرف المقام بإبراهيم.
ومن كلامه في صدر كتاب المترجم ب - " أعلام الكلام " فصل يقول فيه: قد أطلت الوقوف بالعكوف، على غير ما تصنيف، في شتى الأنواع، فلم أرها إلا ولداً عن والد، وطارفاً عن تالد، فلا تكاد تريك غريبة ولا شاردةً إلا منقولة: ب - " حدثني فلان، وسمعت عن فلان "، والمؤلفون قصاص بأقلامهم، وإن لم يقصوا بكلامهم، وقد تكررت تواليفهم على الأبصار والأسماع، والمكرر مملول بالإجماع، وللنفس صبابة بالغرائب، وإن لم تكن من الأطايب، لانفرادها عما سئمته القلوب، وتجافت به الجنوب؛ إلا أن الابتداع والاختراع عليهما [باب، بينه] وبين الاستطاعة حجاب. وقد كنت حاولت منه ما لم سبق إليه، ولم أجعل سوى ناظري معيني عليه، فصنفت الكتاب الملقب ب - " أبكار الأفكار "، يشتمل على مائة نوع من مواعظ وأمثال، وحكايات قصار وطوال، مما عزوتها إلى من لم يحكها، وضفت نسجها إلى من لم يحكها، قد طرزت
стр. 2862
بلمح الجد والهزل، وحسنت بمقابلة الضد للمثل، ليس في ذلك كله [رواية] رويتها عن قديم ولا جديد، ولا حدثت بها عن قريب ولا بعيد. وقد رفعت إليه البكر، ابنة الفكر، في هودجها الفرج، وجلبابها الأرج، وأنت الكفؤ الكريم، وأشرف من أهدي إليه الحريم، الذي لا يشوبه التحريم، وعلى كرمك القبول، وما أهداه الود فمقبول.
فلما وصل الكتاب والخطاب إلى المعتضد لم يجد بداً من إنفاذ صلته إليه على البعد، وراجع ابن شرف برقعة من إنشاء ابن عبد البر أيضاً، قال فيها: ورد كتابك الأثير، فاقتضبت من النثر البديع، والنظم الرفيع، ما يهز أعطاف الضمائر، ويسري في حواشي الخواطر، وتتلقاه النفوس تلقي ارتياح إلى بدائعه، وفتنة بمباديه ومقاطعه، ولا غرو، فإنك علم العلم الذي لم يزل يحوي قصب السبق في ميادينه، ويهدي اليانع الغض من رياحنه. وقد كان لي نزاع إليك، ورص عليك، وتصور للأنس بك، لولا من جلا لك الغش في بعض النصيحة إذ حسد، ولم يشك فيما ترد عليه من صلاح الحال فلم يأل أن افسد. ولا بد لعقارب الحسدة من دبيب " وما كل مؤت نصحه بلبيب " ولك - مع توقفك، وأني سلكت بك مقاصد تصرفك - لدي المحل الكريم، فذكرك في نفسي الشاهد المقيم.
وتأدى من قبل الوزير الكاتب التأليف الرائق، والتصنيف الفائق، فأجلت نظري منه في سحر إلا أنه حلال، وفتقت به ثبج بحر إلا
стр. 2863
أنه زلال، ورأيت كيف تزحم في العلم بالمنكب العمم، وتأخذ من البلاغة في المذهب الأمم. فما شئت من مثل سائر، وبيت [٨٠] نادر، وفقر محذوةٍ بأمثالها، ونكتة غريبة مضافة إلى أشكالها، مما اتصلت به يد الإحاطة بصحة البراعة، وتزينت ديباجة الطبع برقم الصناعة، فهو مؤنسي، وشغل مجلسي. وقد وجهت إليك مع الوزير المتقدم الذكر، ما أحب أن تضع عليه يد الستر، مكان لسان الشكر، فإني أعلم أنه عدد يقصر عن قدرك، ويقل في جنب اللازم لك، وذلك مائة مثقال من ضرب السكة قبلي. فتفضل بقبولها، والإعلام بوصولها.
قال ابن بسام: ومع وصول هذه الصلة إلى ابن شرف، لم يزل على ملوك الطوائف يومئذ يتطوف وينتقل في الدول من منزل إلى منزل، ومن بلد إلى بلد، إلا حضرة المعتضد، فإنه كان يخاطبه وينشده:
أحبك في البتول وفي أبيها ... ولكني أحبك من بعيد وتوهم جملةً أن بوادي إشبيلية تمساحاً من تماسيح النيل، وجعل هجيراه بيتي أبي نواس حيث يقول:
стр. 2864
أضمرت للنيل هجراناً ومقليةً ... إذ قيل لي إنما التمساح بالنيل
فمن رأى النيل رأى العين من كثب ... فلا أرى النيل إلا في البواقيل وقد حدثت أيضاً أنه خاطب المعتضد بهذه الأبيات:
أأن تصديت غيري صيد طائرةٍ ... أوسعتها الحب حتى ضمنها القفص
حسبتني فرصة أخرى ظفرت بها ... هيهات ما كل حين تمكن الفرص
وظاهر حسن أيضاً لقصتها ... لكن لها باطن في طيه قصص
لك الموائد للقصاد مترعة ... تروي وتشبع لكن بعدها غصص
ولست أعجب من قوم بها انتشبوا ... لكنما عجبي من معشر خلصوا
ولم يطب قط لي من يلذ ولا ... سلوى إذا كان في عقباهما مغص قال هذا لتواتر الخبر عن المعتضد بازورار ركنه، وخشونة حزنه، فأضرب عن ضربه، ولم يتعرض للنشبة في حبائل نشبه، خوفاً أن يورطه الهوى في هوان، ويسقط العشاء به على سرحان، ويطيح في جملة من طاح على يديه من الخلطاء والندمان.
стр. 2865
فصول من نثره في أوصاف شتى
فصل: جرى بكودنه إلى غاية تتباطأ عنها السوابق، وتتطأطأ عن سموها السوامق، فلم يحط بوصفها ابن صفوان، ولا سحب فيها لسانه سحبان. وأين لسان باقل، من سحبان وائل - فالفصحاء في العجز عنها معذورون، فكيف المعذرون -
فصل: كم حاول دفن الشمس في الرمس، ورد الأمس بالخمس، ونيل النجم باللمس.
فصل: أوضح من جبال تهامة، لعيني زرقاء اليمامة. أشهر من النار على المنار، والليل كالقار. أبين من الكعبة للطائفين، ومن المساجد للعاكفين. أشهر من الزبرقان عند جرول، ومن الأبلق الفرد عند السموأل. أظهر في العينين من الهرمين. أشهر في العطاء من الطائي، وفي الأيادي من الإيادي. أشهر من الآس في الأعراس. أوضح من النجوم لبطليموس، والطب لجالينوس، والعاج في الآبنوس.
فصل في ضده: هو أخفى من نقطة الجيم، ومن بياض الميم. أخفى من الأسرار عند الأحرار. أخفى من السهى، ومنديل الرها - الرها مدينة
стр. 2866
بالشام وكان أهل الإنجيل يخفون هذا المنديل في كنيستها ويزعمون أنه منديل عيسى ثم سرق واشتري فعدمت بركته -. أخفى من نفس الجبان [إذا التقت] حلقتا البطان. أخفى من بيضتي الخائف، وقد أحس بالطائف. أخفى من تفسير شعر لبيد، على فهم البليد. أخفى من عطارد على المطارد. أخفى من السوسة في العدو، ومن السر في الرعود.
فصل: قدحه معلى، وسيفه مجلى، ورياضه أرجة، وحلله مدبجة؛ وطباعه مهذبة، وخلائقه مؤدبة، وعقده مؤربة، وأرضه معشبة، وألفاظه رائقة معجبة. لا يمله جليسه، ولا يجفوه أنيسه. عقله أحنفي، وعلمه سريجي، وذكاؤه إياسي، وأدبه خليلي.
فصل: يقدم الحزم، ويثني بالعزم. يواكب الكواكب، ويتعقب العواقب، يشاور ذوي الألباب، على أن رأيه لباب، يثب وثوب الليث، ويتدفق دفوق الغيث. ويراوح بين العجل والريث. نومه غرار واضطرار، وحاجاته سرار ثم اقتدار. لا تثبطه الظلل ولا الظلال، ولا تطبيه الكلل ولا يثنيه الكلال. عزماته شهابية، وإضباباته عقابية. رأيه قبسه، وعزمه فرسه بصيرته بصره. وصدره ورده وصدره.
стр. 2867
فصل: هرم الجود، على العلات والوجود. كفه غيث، لا يبالى من حيث. ماله أكثر جوده، على جنوده، أغنى جيشه. لذاته في الإكثار والإيثار، والأخذ بالثار. يزيح الأغلال، ويبلغ الآمال. يحدث بمكارمه الركب، وينسى بفرط سماحه حاتم وكعب.
فصل [٨١] : أسد وحده، ودع جنده. قلبه يخرجه عن القلب، وضرائبه تقتاده إلى مكان الطعن والضرب. يحمل إذا مالوا، ويثبت إذا جالوا، تارةً هو للميسرة يمين، وتارةً لميمنة كمين، وتارةً للقلب حصن حصين، تستأسد به الذؤبان، ويشجع بقربه الجبان، عيون عسكره، إلى مغفره، ثعلي السهام، عبسي الإقدام، بسطامي المرباع، عامري الطباع، عصامي السيادة، مصعبي الجلادة.
فصل: عادل ولا مجادل، منصف منتصف. سلطانه رحمة، وسيرته نعمة. يأخذ الحق ويعطيه، ويرمي الغرض فلا يخطيه. ينصف المملوك من الملوك، ويأخذ للرئيس من الصعلوك. مرفوع الحجاب، منزوع رداء الإعجاب، يقيم الحق على شقيقه، ويحكم بالعدل لعدوه على صديقه، سواء عنده البعيد والداني، والقحطاني والعدناني، سيان عنده القرشي في الحق والعكلي، والعنسي والسلولي؛ لا فرق عنده بين مضر في الحق، وحمير وسائر الخلق، الغربة عنده قربة قريبة، ما لم تصحبها ريبة. لا يغلو في الهاشمية، ولا يعدو على الأموية، ولا يلتفت
стр. 2868
إلى الأهاجي الباهلية. (سلول وعنس وعكل وباهلة ألأم قبائل العرب. وقيل إن سبب ذلك أن الشعراء هجتها ولم يكن لهم شعراء يذبون عنها فلبسهم الذم وأكلهم الهجاء.)
فصل: أمير يأمره حلمه فيطيع، ويحمله ما لا يستطاع فيستطيع: كم أعطي الظفر فغفر، وجرع الصبر فصبر. له حلم معاوية، على الأعداء العادية. له ثبات يلملم، وتحنك الجذع الأزلم. قلبه قليب واسع، وغوره بغيد شاسع.
فصل: وزير ينيم أميره، مستوطناً سريره. متحرك وهو قار، ويرى جالساً وهو مار، كالنجم يرى وهو ساكن، وقد تحركت به أماكن.
فصل: كاتب، فضله راتب، وحقه وجاب. أقلامه رماح، ورسائله صفاح، وألفاظه فصاح، وأخلاقه فساح. إن قرطس أصاب، وإن سئل أجاب، وأصاب عين الصواب. لسانه لسان الملك، ومكانه واسطة السلك.
فصل: قائد عليه عبء التعويل، في أول الرعيل، إذا الصبر عيل، لا يباح ما حمى، ولا يشوي إذا رمى. عود إذا زحف، وطود إذا وقف، وسيل إذا حمل، وكتيبة إذا اعتزل. حسامه إمام، يهدي في ظلمة القتام، ويهتدي إلى مسالك الحمام. لا تردعه لامعة السيوف، ولا تفزعه مصارعة الحتوف. رماحه نجوم ظلام القتام، ونجومه
стр. 2869
رجوم شياطين الأنام. لا ترد حاجات مواضيهن ولا تمطله عند تقاضيه، المغافر المتينة، ولا الدروع الموضونة.
فصل: قاض يشهد له عدله، أن غسله سريع حله، يقسم نظره بالقسطاس، بين جميع الناس. حفظ رسالة عمر، وعمل فيها بما نهى وأمر. لا يبيع القضايا بالهدايا. به عشا، عن الرشا. ينام الخصمان، وهو يقظان. إن عجل فعن استدلال، وإن عجز فلتأمل إشكال. سريجي الإجابة، عمراني الإصابة.
فصل: زهاد تركوا العرض، وأصابوا الغرض، اقترحوا الغنا، واطرحوا الغنى. رفضوا المزايل، وطلبوا الطايل، وأعرضوا عما يبيد، وأقبلوا على ما يفيد. لم يزاحموا على الجيف، ولا استخدموا بطونهم في تعمير الكنف. تركوا ذلك لمن تركوا، وقنعوا بأقل ما ملكوا، وجعلوا الزاد إلى الجنة، الأنة بعد الأنة، وظمأ الهواجر، في شهر ناجر. فكروا فبكروا. علموا فسلموا من العقال، وتركوا الأعناق لحمل الأثقال. رجوا فنجوا، وبنوا فعلوا، ومهدوا فرقدوا، وعملوا فوجدوا.
وذكرت بهذا الفصل حديث أبي هريرة قال، قال لي رسول الله ﵇: " يا أبا هريرة ألا أريك الدنيا جمعاء بما فيها - قلت: بلى
стр. 2870
يا رسول الله. فأخذ بيدي، وأتى وادياً من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رؤوس وعذرات في خرق وعظام، ثم قال: يا أبا هريرة، هذه الرؤوس كانت تحرص كحرصكم، وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم عظام بلا جلد، ثم هي صائرة رماداً. وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها، ثم قذفوها من بطونهم، فأضحت والناس يتحامونها. وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم، أصبحت والرياح تصفقها. وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون على أطراف البلاد. فمن كان باكياً على الدنيا فليبك ". قال: فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا.
ووقف سقراط على كساح وقد خرج من الحش بكساحة فقال: يا أهل أثينا، هذا الذي كنتم تغلقون عليه الأبواب، وتقيمون لحفظه الخزان، وكانت شهواتكم تستخدم عقولكم في إعداده؛ واليوم نفوسكم آنفة منه [٨٢] وطباعكم نافرة عنه.
فصول له في الذم ونقض ما تقدم
فصل: فلان غوره أقرب قريب، وقلبه مورود القليب؛ فسرائره مكشوفة، ودخيلته معروفة، كتمانه إخبار، وتدبيره إدبار، رأيه وراء، وساحته عراء. حسه هامد، وفهمه جامد. لا يعرف
стр. 2871
الرشد من الغي، ولا يفرق بين التقبيل والكي. طلل بال، لا يخطر على بال. الشمس عنده سهى، والحمق نهى. لا يعلم رأسه، من أين أنفاسه؛ ولا يدري دماغه، أين أصداغه.
فصل: همه جواز يومه، وحلاوة نومه. أعلى همته، إرجال جمته، واعتدال عمته؛ وأسر سروره، تناهي قدوره، وترويق خموره. أعداؤه سمان، في أمان؛ وأولياؤه في هزال، وانتظار النكال. حسن الظن بالزمان، وضروب الحدثان. رائح القرائح، ساكن الجوارح، مسرور مغرور، ثاني العطف عن الناصح، متعام عن الأمر الواضح، مستغن بعبده، عن جنده. متشاغل بالأنياب الطاحنة في فمه، عن الأنياب الوالغة في دمه. ينام عن مسهرات الأنام، وعن جب الغارب والسنام. فكرته ساهية، وخواطره لاهية، وقواعده واهية، حتى تبغته الداهية.
فصل: يجود الجلمود، ولا يجود، ويعود إلى إثماره يلبس العود، وهو لا يبدي ولا يعيد. كيسه مغلق، وبنانه مطبق، وداره سملق، وجيشه مملق، وميزانه حبيس لا يطلق، كفتاه ككفيه لا تذيبهما النار، ولا يعرفان الدرهم ولا الدينار. وأكياسه كالنقد، قد خنقتها العقد. يده حافر وقاح، وقفله ليس له مفتاح، تمر
стр. 2872
الأيام، ولا يشم له طعام. لو ملك طوفان نوح، لم يسمح منه بشربة لظمآن مجروح.
فصل: هو يوم المطاعنة، ولد الملاعنة. لا حسب يقاتل عنه، ولا نسب يستحيي منه. يراعة ترعد، وتقوم وتقعد. إذا الحرب دعت أبطالها، وزلزلت الأحشاء زلزالها، نخب ما بين جنبيه، وغاب السواد من عينيه، مهزمة لجنوده، ومهدة لعدته وعديده. يوسع أعذار الفرار، ولا يرى على الجبناء من عار. بيناه في أول الرعيل ضارب، إذا به وراء الساقة هارب. يزحف عند الزحف، إلى خلف، ويروعه الواحد وهو في ألف. لو كان سنور مدينة لسار، ولو ربط إليه الطور لطار. إن هذا في الحرب من بني العنبر، وأدهش من مستطعم الماء على المنبر. إذا ثار القتام. سقط من كفه الحسام.
وخبر بني العنبر، أشهر من أن يذكر، وقريط منهم، ولما استنجدهم فلم ينجدوه قال:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا ومستطعم الماء على المنبر خالد القسري عامل هشام بن عبد
стр. 2873
الملك على العراق. دهش يوم الجمعة في حرب الخوارج وهو على المنبر، فقال: أطعموني ماءً! فقيل فيه:
هتفت بكل صوتك أطعموني ... شراباً ثم بلت على السرير فصل: أضرها على الأنام، على قديم الأيام، العصبية في الجاهلية والإسلام. فما لهذا السلطان، وخراب الأوطان - والعصبية تفسد بين الأولياء، وتكثر في الأدعياء. وأبو نواس كان أشدهم فيها قولاً، وهو قن مولى، تعصب لليمن على مضر لكون سعد العشيرة من اليمن وهم من مواليه، فهجا قبائل مضر، وغض من قريش، هذا وهو مولى ملصق، وليست سعد العشيرة له بعشيرة، بل لها منه الجريرة.
سلطان يشتري بدينه ودمه، رضى ابن عمه. خاسر التجر، محروم الأجر، لا يساوي بين أهل القبلة وهم سواء، ولا يتكافأ عنده المسلمون وهم عند [الله] أكفاء. وجبلة التفاوت أفاتت جبلة الرشد. وحميته أحمت عليه دار الخلد. تعصب جاشت له صدور الجيش، وتكدر به صفاء العيش. وللمساعدة في العصبية طارت الرؤوس والسواعد، وتهدمت الذرى والقواعد، وحالفت ربيعة الأباعد.
فصل: قد يتسمى بوزير، من شغله البم والزير، يعجبه اللهو
стр. 2874
ويغلبه السهو. دمار من [أوى] إليه، وبوار من عول عليه، إن دبر أدبر، وإن ترك هلك. خدن لواعب، وزير كواعب. ليله ناعس، ونهاره بالس. لم يعلق به من الوزارة، إلا حسن الشارة، وركوب الهماليج المسيارة، وشدة الإعجاب، والدخول على سلطانه بلا حجاب، والأكل بملء فيه، هذا جميع ما فيه، حتى إذا طرقت السرايا [٨٣] وسيقت السبايا، ونفر النافر، وضج البادي والحاضر، ونزع ثقات الأجناد، فتفرقوا في البلاد، فزع إلى الوزير، في وجه التدبير، فكان جوابه دموعه، وصوابه هلوعه، فحينئذ دارت الدائرة، واضطرمت النائرة، وانصرمت الدول، وتبدلت الحلل.
فصل: كاتب ما عرف قط، كيف البرية والقط، ولا نسخ قط سطراً، إلا مسخ منه شطراً. ألفاظه ملحونة، ومعانيه ملقونة، ومقاصده خفية مكنونة، وحروفه مطمونة. إن تهجني هجا، وإن تكلم شج وشجى. ألفاته سجود، ولاماته رقود، وميماته عقد لا عقود، وقافاته واوات، ونوناته راءات. يرفع بالنواصب، ويكثر [من] النقط الكواذب، ويعمي عين المعنى الجلي، ويخاطب العدو مخاطبة الولي. وتقر كتبه بما فيها من الفساد، بأنه قرة عيون الأعداء والحساد.
стр. 2875
فصل: ولايته القضاء، من سوء القضاء. جائر حائر: إن جار فعن تعمد، وإن حار فعن قلة تعهد. ليله منتش، ونهاره مرتش. تعجبه العين في النقاب، ولا يفكر في العقاب. إذا رأى الأمرد تمرد على خصمه، ومال عليه بحكمه، يزري باختيار سلطانه، ويستخف بفقهاء زمانه. يجور في نظره المقسوم، ويبصق في وجه الخصوم، ويركلهم برجله، ويلطمهم بنعله.
فصل: إخوان أخون من السراب للعين، ومن أهل الكوفة للحسين، وأشد من طالب دين، على صفر اليدين. ليس فيهم نفع ولا دفع، إن استنصرتهم خذلوك، وإن سئلوا إسلامك بذلوك.
فصل: تبسم للعدو العابس، ولن لتخلق اليابس. عامل ظالمك بالصبر، واجعل صدرك له كالقبر، لا يدري ما فيه رحمة أم نقمة، وبلاء أم نعمة، حتى تمكنك الوثبة عليه، فتله لجبينه ويديه.
ومن ترسيله
فصل له من رقعة خاطب بها المظفر بن الأفطس: كتبت وشوقي إلى شرف لقياه، وشيم سقياه، شوق القارظين إلى سكون
следующие страницы →