Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
الرشد من الغي، ولا يفرق بين التقبيل والكي. طلل بال، لا يخطر على بال. الشمس عنده سهى، والحمق نهى. لا يعلم رأسه، من أين أنفاسه؛ ولا يدري دماغه، أين أصداغه.
فصل: همه جواز يومه، وحلاوة نومه. أعلى همته، إرجال جمته، واعتدال عمته؛ وأسر سروره، تناهي قدوره، وترويق خموره. أعداؤه سمان، في أمان؛ وأولياؤه في هزال، وانتظار النكال. حسن الظن بالزمان، وضروب الحدثان. رائح القرائح، ساكن الجوارح، مسرور مغرور، ثاني العطف عن الناصح، متعام عن الأمر الواضح، مستغن بعبده، عن جنده. متشاغل بالأنياب الطاحنة في فمه، عن الأنياب الوالغة في دمه. ينام عن مسهرات الأنام، وعن جب الغارب والسنام. فكرته ساهية، وخواطره لاهية، وقواعده واهية، حتى تبغته الداهية.
فصل: يجود الجلمود، ولا يجود، ويعود إلى إثماره يلبس العود، وهو لا يبدي ولا يعيد. كيسه مغلق، وبنانه مطبق، وداره سملق، وجيشه مملق، وميزانه حبيس لا يطلق، كفتاه ككفيه لا تذيبهما النار، ولا يعرفان الدرهم ولا الدينار. وأكياسه كالنقد، قد خنقتها العقد. يده حافر وقاح، وقفله ليس له مفتاح، تمر
стр. 2872
الأيام، ولا يشم له طعام. لو ملك طوفان نوح، لم يسمح منه بشربة لظمآن مجروح.
فصل: هو يوم المطاعنة، ولد الملاعنة. لا حسب يقاتل عنه، ولا نسب يستحيي منه. يراعة ترعد، وتقوم وتقعد. إذا الحرب دعت أبطالها، وزلزلت الأحشاء زلزالها، نخب ما بين جنبيه، وغاب السواد من عينيه، مهزمة لجنوده، ومهدة لعدته وعديده. يوسع أعذار الفرار، ولا يرى على الجبناء من عار. بيناه في أول الرعيل ضارب، إذا به وراء الساقة هارب. يزحف عند الزحف، إلى خلف، ويروعه الواحد وهو في ألف. لو كان سنور مدينة لسار، ولو ربط إليه الطور لطار. إن هذا في الحرب من بني العنبر، وأدهش من مستطعم الماء على المنبر. إذا ثار القتام. سقط من كفه الحسام.
وخبر بني العنبر، أشهر من أن يذكر، وقريط منهم، ولما استنجدهم فلم ينجدوه قال:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا ومستطعم الماء على المنبر خالد القسري عامل هشام بن عبد
стр. 2873
الملك على العراق. دهش يوم الجمعة في حرب الخوارج وهو على المنبر، فقال: أطعموني ماءً! فقيل فيه:
هتفت بكل صوتك أطعموني ... شراباً ثم بلت على السرير فصل: أضرها على الأنام، على قديم الأيام، العصبية في الجاهلية والإسلام. فما لهذا السلطان، وخراب الأوطان - والعصبية تفسد بين الأولياء، وتكثر في الأدعياء. وأبو نواس كان أشدهم فيها قولاً، وهو قن مولى، تعصب لليمن على مضر لكون سعد العشيرة من اليمن وهم من مواليه، فهجا قبائل مضر، وغض من قريش، هذا وهو مولى ملصق، وليست سعد العشيرة له بعشيرة، بل لها منه الجريرة.
سلطان يشتري بدينه ودمه، رضى ابن عمه. خاسر التجر، محروم الأجر، لا يساوي بين أهل القبلة وهم سواء، ولا يتكافأ عنده المسلمون وهم عند [الله] أكفاء. وجبلة التفاوت أفاتت جبلة الرشد. وحميته أحمت عليه دار الخلد. تعصب جاشت له صدور الجيش، وتكدر به صفاء العيش. وللمساعدة في العصبية طارت الرؤوس والسواعد، وتهدمت الذرى والقواعد، وحالفت ربيعة الأباعد.
فصل: قد يتسمى بوزير، من شغله البم والزير، يعجبه اللهو
стр. 2874
ويغلبه السهو. دمار من [أوى] إليه، وبوار من عول عليه، إن دبر أدبر، وإن ترك هلك. خدن لواعب، وزير كواعب. ليله ناعس، ونهاره بالس. لم يعلق به من الوزارة، إلا حسن الشارة، وركوب الهماليج المسيارة، وشدة الإعجاب، والدخول على سلطانه بلا حجاب، والأكل بملء فيه، هذا جميع ما فيه، حتى إذا طرقت السرايا [٨٣] وسيقت السبايا، ونفر النافر، وضج البادي والحاضر، ونزع ثقات الأجناد، فتفرقوا في البلاد، فزع إلى الوزير، في وجه التدبير، فكان جوابه دموعه، وصوابه هلوعه، فحينئذ دارت الدائرة، واضطرمت النائرة، وانصرمت الدول، وتبدلت الحلل.
فصل: كاتب ما عرف قط، كيف البرية والقط، ولا نسخ قط سطراً، إلا مسخ منه شطراً. ألفاظه ملحونة، ومعانيه ملقونة، ومقاصده خفية مكنونة، وحروفه مطمونة. إن تهجني هجا، وإن تكلم شج وشجى. ألفاته سجود، ولاماته رقود، وميماته عقد لا عقود، وقافاته واوات، ونوناته راءات. يرفع بالنواصب، ويكثر [من] النقط الكواذب، ويعمي عين المعنى الجلي، ويخاطب العدو مخاطبة الولي. وتقر كتبه بما فيها من الفساد، بأنه قرة عيون الأعداء والحساد.
стр. 2875
فصل: ولايته القضاء، من سوء القضاء. جائر حائر: إن جار فعن تعمد، وإن حار فعن قلة تعهد. ليله منتش، ونهاره مرتش. تعجبه العين في النقاب، ولا يفكر في العقاب. إذا رأى الأمرد تمرد على خصمه، ومال عليه بحكمه، يزري باختيار سلطانه، ويستخف بفقهاء زمانه. يجور في نظره المقسوم، ويبصق في وجه الخصوم، ويركلهم برجله، ويلطمهم بنعله.
فصل: إخوان أخون من السراب للعين، ومن أهل الكوفة للحسين، وأشد من طالب دين، على صفر اليدين. ليس فيهم نفع ولا دفع، إن استنصرتهم خذلوك، وإن سئلوا إسلامك بذلوك.
فصل: تبسم للعدو العابس، ولن لتخلق اليابس. عامل ظالمك بالصبر، واجعل صدرك له كالقبر، لا يدري ما فيه رحمة أم نقمة، وبلاء أم نعمة، حتى تمكنك الوثبة عليه، فتله لجبينه ويديه.
ومن ترسيله
فصل له من رقعة خاطب بها المظفر بن الأفطس: كتبت وشوقي إلى شرف لقياه، وشيم سقياه، شوق القارظين إلى سكون
стр. 2876
وسكنى، والقيسين إلى ليلى ولبنى، واعتلاقي بذكره اعتلاق مالك بعقيل، وقفا نبك بالملك الضليل، وبلال بشامة وطفيل، والله ببلوغ الأمل خير كفيل. وحال وليه بالناحية التي استقذرتها حال من ذهبت منه اللذاذة والفتاء، والشيخ يهدمه الشتاء. وقد رأيت طوفان قرطبة يقيم دهراً، وإنما أقام طوفان نوح شهراً، وأما صيفها فكما قال:
لم أستتم عناقه لقدومه ... حتى ابتدأت عناقه لوداعه وله من أخرى:
لي رغبة إلى مفاخره، وتطارح بين يدي مآثره، وإدلال على سماحة سجاياه، وتحامل على احتمال علياه. وذلك أن شيخاً يفناً قصد فنائي، فبكى حتى بل بفضل دموعه ردائي، ومنعه الشوق بشجاه، من الكلام على ما ارتجاه. ثم ذكر أنه كاسب نسيات، وأبو بنين وبنيات، فنسبته فقال: أنا أبو جعدة نهشل، وذكر
стр. 2877
مولانا المظفر فوصف خيراً كثيراً هو أكثر منه، ودعا بخير أجابه الله عنه، ووصف أن بغاة بغوه، وحسدةً آذوه، وتنصل من ذنوب قرفوه بها، ومولاي أعلم بصدقها من كذبها. ولم يظهر حرصاً إلا في الميتة الأهليه والتربة الوطنية. فبكى - علم الله - مع باك، وشكا مني إلى شاك، وذو الشكوى يرحم الشكوى، لعلمه بمرارة البلوى. ولا شك أنه سيبلغه تفضل المظفر بالالتفات إلى ذكري، والعناية ببعض أمري؛ فلا يظن أن ذلك باستحقاقي، وإن رقاني من الشرف هذه المراقي، ومن يسمع يخل، وما كل ذي سلاح بطل. وقد تلطفت له بإذن الله في القول، وبرئت إليه تعالى من القوة والحول، ووقفته على رأي المظفر الموفق، وحكمه العدل المحقق. وبودي لو تكلفت بآماله، وجمعت بينه وبين أطفاله، فهو في قعدد لبد، وهامة اليوم أو الغد؛ إلا أني - أيده الله - لا أوثر مرادي على مراده، ولا أشاركه في العلم بأهل بلاده، إلا أن يتفضل بالأحسن الأجمل، علي وعلى أبي جعدة نهشل، فيعود - أيده الله - بفضيلة الإيثار، ويكسبني في الناس أطيب الأخبار والآثار. لقد هجمت في العناية بما لا أعلم ثقة بما أعلم، وهو المتطول إن شفع، والمعذور إن دفع. والجواب على هذه السطور المحتوية على هذه الأمور، بالأقوال والأفعال، من كمال الإحسان والإفضال.
стр. 2878
فأجابه المظفر برقعة من إنشاء الوزير أبي مروان بن قزمان، قال فيها:
ورد كتابك المبتدأ خطابه من الشعر بما هو السحر الحلال، والمصدر من القريض بما شعد لك بالجلال. ولو قصد الطائيان قصده لأجبلا، أو حذا الحمادان حذوه لدبرا فيه وما أقبلا. لم تدع فيه فناً من الحكمة إلا أهديته [٨٤] ولا معنى لطيفاً إلا أبديته، ولا نوعاً من الأدب إلا جلبته؛ ولا غريباً من المثل إلا ضربته: فلله بلاد غذاك هواؤها، ورؤساء تطابقت عليك أهواؤها. لقد بان فضلهم على أهل الزمان، كما ظهر تبريزك في هذا الميدان. ومن انتحل الأبيات، فبمثل شعرك فليات، وهيهات، ما أبعد الأرض من السموات!
ورأيتك قد شفعت القريض بشفاعة، وقرنته برغبة أعطتك مقاليد البلاغة والبراعة. وأسعفتك في الشيخ اليفن، والأشيب البدن، نهشل. فليسرع بالإقبال إلى بلده، وليلحق بأهله وولده، وليأت إليهم ذألانا، وليشكرنا سراً وإعلاناً. والله المان بك برده إلى وطنه وأهليه. يبلغ ما ترتجيه، ويعيد حالك إلى عهدها، والجمع بينك وبين الطبقة التي كنت واسطة عقدها.
ولابن شرف مقامات عارض بها البديع في بابه، وصب فيها على قالبه، منها مقامة فيهلا بعض طول، لكنه غير مملول، آخذة بطرف
стр. 2879
مستطرف من أخبار الأدباء، وذكر الشعر والشعراء، قال:
جاريت أبا الريان في ذكر أهل النظام، ومنازلهم في الجاهلية والإسلام، فقال: عدد الشعراء أكثر من الإحصاء، وأشعارهم أبعد من شقة الاستقصاء. قلت: لا أعنتك بأكثر من المشهورين مثل الضليل والقتيل، ولبيد وزعبيد، والنوابغ والعشي، والأسود بن يعفر ومن سواه من العمي، ولابن الصمة دريد، والراعي عبيد، وزيد الخيل، وعامر بن الطفيل، والفرزدق وجرير، وجميل وكثير، وابن جندل وابن مقبل، وجرول والأخطل، وحسان في أهاجيه ومدحه، وغيلان في ميته وصيدحه، والهذلي أبي ذؤيب، وسحيم ونصيب، وابن حلزة الوائلي، وابن الرقاع العاملي، وعنترة العبسي، وزهير المري، وشعراء فزارة، ومفلقي بني زرارة، وشعراء تغلب ويثرب، وأمثال هذا النمط الأوسط، كالرماح والطرماح، والطثري والدميني، والكميت الأسدي، وصريع الأنصاري، ودعبل الخزاعي، وابن الجهم القرشي، وحبيب الطائي
стр. 2880
والوليد البحتري، وابن المعتز العباسي، وأبي نواس وابن الرومي.
ومن الطبقة المتأخرة في الزمان؛ المتقدمة في الإحسان، كأبي فراس ابن حمدان، والمتنبي بن عيدان، وابن جدار المصري، وابن الأحنف الحنفي، وكشاجم الفارسي، والصنوبري الحلبي، ونصر الخبزرزي، وابن عبد ربه القرطبي، وابن هانئ الأندلسي، وعلي بن العباس الإيادي التونسي، والقسطلي.
قال أبو الريان: لقد سميت المشاهير، وابقيت الكثير؛ قلت: بلى ولكن ما عندك فيمن ذكرت -
قال: الضليل مؤسس الأساس، وبنيانه عليه الناس، كانوا يقولون " أسيلة الخد " حتى قال " أسيلة مجرى الدمع ". وكانوا يقولون: " تامة القامة وطويلة القامة، وجيداء، وتامة العنق "، حتى قال " بعيدة مهوى القرط ". وكانوا يقولون في الفرس السابق " يلحق الغزال والظليم " وشبهه، حتى قال " قيد الأوابد ". ولم يكن قبله من فطن لهذه الإشارات والاستعارات غيره فامتثلوه بعده. وكانت الأشعار قبل سواذج، فبقيت هذه جدداً وتلك نواهج؛ وكل شعر بعد ما خلاها فغير رائق النسج، وإن كان مستقيم النهج.
وأما طرفة فلو طال عمره، لطال شعره، وعلا ذكره. ولقد خص
стр. 2881
بأوفر نصيب من الشعر، على أيسر نصيب من العمر، فملأ أرجاء ذلك النصيب بصنوف من الحكمة، وأوصاف من علو الهمة، والطبع معلم صادق، وجواد سابق.
وأما الشيخ أبو عقيل فشعره ينطق بلسان الجزالة، عن جنان الأصالة، فلا تسمع له إلا كلاماً فصيحاً، ومعنى مبيناً صريحاً؛ وإن كان الشيخ والوقار، والشرف والفخار، لهاديات في شعره، وهي دلائله، قبل أن يعلم قائله.
وأما العبسي فمجيد في أشعاره، ولا كمعلقته، فقد أنفرد بها انفراد سهيل، وغبر في وجوه الخيل، وجمع فيها بين الحلاوة والجزالة، ورقة الغزل وغلظة البسالة، وأطال واستطال، وأمن السآمة والكلال.
وأما زهير: فأي زهر بين لهوات زهير، حكم فارس، ومقامات الفوارس، ومواعظ الزهاد، ومعتبرات العباد، ومدح تكسب الفخار، وتبقى بقاء الأعصار، ومعاتبات مرة تحسن، ومرة تخشن، وتارةً تكون هجواً، وطوراً تكاد تعود شكوى.
وأما ابن حلزة: فسهل الحزون، قام خطيباً بالموزون، والعادة أن يسهل شرح الشعر بالنثر، وهذا سهل السهل بالوعر، وذلك مثل قوله:
أبرموا أمرهم عشاءً فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من مناد ومن مجيب ومن تص ... هال خيل خلال ذاك رغاء فلو اجتمع [٨٥] كل خطيب ناثر، من أول وآخر، يصفون سفراً نهضوا
стр. 2882
بالأسحار، وعسكراً تنادى بالنهوض إلى طلب الثار، ما زادوا على هذا إن لم ينقصوا منه، ولم يقصروا عنه. وسائر قصيدته في هذا المسلك: شكاية وطلاب نصفة، وعتاب في عزة وأنفة، وهو من شعراء وائل، وأحد أسنة هاتيك القبائل.
وأما ابن كلثوم: فصاحب واحدة، فلا زائدة، أنطقه بها عز الظفر، وهزه فيها جن الأشر، قعقعت رعوده في أرجائها، وجعجعت رحاه في أثنائها، وجعلتها تغلب قبلتها التي تصلي إليها، وملتها التي تعتمد عليها، فلم يتركوا إعادتها، ولا خلعوا عبادتها، إلا بعد قول القائل:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمةٍ ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم على أنها من القصائد المحققات، وإحدى المعلقات.
وأما النابغة زياد: فأشعار الجياد لم تخرج عن نار جوانحه حتى تناهى نضجها، ولا قطعت من منوال خواطره حتى تكاثف نسجها، لم تهلهلها ميعة الشباب، ولا وهي الأسباب، ولا لؤم الاكتساب، فشعره وسائط سلوك، وتيجان ملوك.
وأما النابغة الجعدي: فنفي الكلام، شاعر الجاهلية والإسلام، واستحسن شعره أفصح الناطقين، ودعا له أصدق الصادقين؛ وكان شاعراً
стр. 2883
في الافتخار والثناء، قصير الباع لشرفه عن تناول الهجاء، وكان مغلوباً فيه في الجاهلية، وطريد ليلى الأخيلية.
وأما العشي بأجمعهم: فكلهم شاعر، ولا كميمون بن قيس، شاعر المدح والهجاء. والبأس والرخاء، والتصرف في الفنون، والسعي في السهول والحزون. نفق مدحه بنات المحلق، وكان في فقر ابن المذلق، وأبكى هجوه علقمة، كما تبكي الأمة.
وأما الأسود بن يعفر: فأشعر الناس إذا ندب دولة زالت، أو بكى حالة حالت، أو وصف ربعاً خلا بعد عمران، أو داراً درست بعد سكان، فإذا سلك [غير] هذه السبيل، فهو من حشو هذا القبيل، كعمرو وزيد، وسعد وسعيد.
وأما حسان، فقد اجتث بواكر غسان، ثم جاء الإسلام، وانكشف الإظلام، فجاحش عن الدني، وناضل عن خاتم النبيين، فشعر وزاد، وحسن وأجاد، إلا أن الفضل في ذلك لرب العالمين، وتسديد الروح الأمين.
وأما دريد بن الصمة: فصمة صمم، وشاعر جشم، وغزل
стр. 2884
هرم، وأول من تغزل في رثاء، وهزل في حزن وبكاء، فقال في معبد أخيه، قصيدته المشهورة يرثيه:
أرث جديد الحبل من أم معبد ... وهي من شاجيات النوائح، وباقيات المدائح.
وأما الراعي عبيد: فجبل على وصف الإبل، فصار بالراعي يعرف، ونسي ما له من الشرف.
وأما زيد الخيل: فخطيب سجاعة، وفارس شجاعة، مشغول بذلك، عما سواه من المسالك.
وأما عامر بن الطفيل: فشاعرهم في الفخار، وفي حماية الجار، وأوصفهم لكريمة، وأنعتهم لحميد شيمة.
وأما ابن مقبل: فقديم شعره، وصليب نجره، ومغلى مدحه، ومعلى قدحه.
وأما جرول: فخبيث هجاؤه، شريف ثناؤه، صحيح بناؤه، رفع شعره من الثرى، وحط من الثريا، وأعاد بلطافة فكره، ومتانة شعره، قبيح الألقاب، فخراً يبقى على الأحقاب، ويتوارث في الأعقاب.
стр. 2885
وأما أبو ذؤيب: فشديد أسر الشعر حكيمه، شغله فيه التجريب حديثه وقديمه، وله المرثية النقية السبك، المتينة الحبك، بكى فيها بنيه السبعة، ووصف الحمار فطول، وهي التي أولها:
أمن المنون وريبه تتوجع ... وأما الأخطل: فسعد من سعود بني مروان، صفت لهم مرآة فكره، وظفروا بالبديع من شعره، وكان باقعة من هاجاه، وصاعقة من حاجاه.
وأما الدارمي همام: فجوهر كلامه، وأغراض سهامه، إذا افتخر بمالك بن حنظلة، وبدارم في شرف المنزلة، وأطول ما يكون مدى إذا تطاول اختيال جرير عليه بقليله على كثيره، وبصغيره على كبيره، فإنه يصادمه حينئذ ببحر ماد، ويقاومه بسيف حاد.
وأما ابن الخطفى: فزهد في غزل، وحجر في جذل، يسبح أولاً في ماء عذب، ويطيح آخراً في صخر صلب. كلب منابحة، وكبش مناطحة، لا تفل غرب لسانه مطاولة الكفاح، ولا تدمي هامته مداومة النطاح، جارى السوابق بمطية، وفاخر غالباً بعطية
стр. 2886
وبلغته بلاغته إلى المساواة، وحملته جرأته على المجاراة. والناس فيهما فريقان، وبينهما عند قوم فرقان.
وأما القيسان وطبقتهما: فطبقة عشقة توقة، استحوذت الصبابة على أفكارهم، واستفرغت دواعي الحب معاني أشعارهم، فكلهم [٨٦] مشغول بهواه، لا يتعداه إلى سواه.
وأما كثير: فحسن النسيب فصيحه، لطيف العتاب مليحه، شجي الاغتراب قريحه، جامع إلى ذلك رقائق الظرفاء، وجزالة مدح الخلفاء.
وأما الكميت والرماح، ونصيب والطرماح، فشعراء معاصرة، ومناقضات ومفاخرة، فنصيب أمدح القوم، والطرماح أهجاهم؛ والرماح أنسبهم نسيباً، والكميت أشبهم تشبيباً.
وأما بشار بن برد: فأول المحدثين؛ وآخر المخضرمين؛ وممن لحق الدولتين، عاشق سمع، وشاعر جمع، شعره ينفق عند ربات الحجال، وعند فحول الرجال، فهو يلين حتى يستعطف، ويقوى حتى يستنكف، وقد طال عمره، وكثر شعره، وطما بحره، وثقب في البلاد ذكره.
وأما ابن أبي حفصة، فمن شعراء الدولتين، وممن حظي بالنعمتين
стр. 2887
ووصل إلى الغنى بالصلتين، وكان درب المعول، ذرب المقول، والد شعراء، ومنجب فصحاء.
وأما أبو نواس، فأول الناس في خرم القياس، وذلك أنه ترك السيرة الأولى، ونكب عن الظطريقة المثلى، وجعل الجد هزلاً، والصعب سهلا، فهلهل المسرد، وبلبل المنضد، وخلخل المنجد، وترك الدعائم، وبنى على الطامي والعائم، وصادف الأفهام قد نكلت، وأسباب العربية قد تخلخلت وانحلت، والفصاحات الصحيحة قد سئمت وملت، فمال الناس إلى ما عرفوه، وعلقت نفوسهم بما ألفوه، فتهادوا شعره. وأغلوا سعره، وشغفوا بأسخفه، وكلفوا بأضعفه. وكان ساعده أقوى، وسراجه أضوى، لكنه عرض الأنفق، وأهدى الأوفق، وخالف فشهر وعرف، وأغرب فذكر واستطرف. والعوام تختار هذه الأعلاق، وأسواقهم أوسع الأسواق، فشعر أبي نواس، نافق عند هذه الأدجناس، كاسد عند أنقد الناس. وقد فطن إلى استضعافه، وخاف من استخفافه، فاستدرك بفصيح طرده، طرفاً [من] حد اللسان وجده، وهو مجدود في كثرة التظاهر، على من غض منه بالحق الظاهر، ليس إلا لخفة روح المجون، وسهولة الكلام الضعيف الملحون، على جمهور العوام، لا على خصائص الأنام.
وأما صريع: فكلامه مرصع، ونظامه مصنع؛ وجملة شعره
стр. 2888
صحيحة الأصول، مصنعة الفصول، قليلة الفضول.
وأما العباس بن الأحنف فمعتزل بهواه، وبمعزل عما سواه. رفع نفسه عن المدح والهجاء، ووضعها بين يدي هواه من النساء. قد رقق الشغف كلامه، وثقفت قوة الطبع نظامه، فله رقة العشاق، وحوك الحذاق.
وأما دعبل: فمدبر مقبل، اليوم مدح، وغداً قدح، يجيد في الطريقتين، ويسيء في الخليقتين، وله أشعار في العصبية. وكان شاعر علماء، وعالم شعراء.
وأما علي بن الجهم: فرشيق الفهم، راشق السهمن استوصل شعره الشرفاء، ونادم الخلفاء، وله في الغزل الرصافية، وفي العتاب الدالية، ولو لم يكن له سواهما، لكان أشعر الناس بهما.
وأما الطائي حبيب: فمتكلف إلا أنه يصيب، ومتعب لكن له من الراحة نصيب، وشغله المطابقة والتجنيس، جيد ذلك أو ببس، جزل المعاني، مرصوص المباني. مدحه ورثاؤه، لا غزله
стр. 2889
وهجاؤه، طرفا نقيض، وخطتا سماء وحضيض. وفي شعره علم جم من النسب، وجملة وافرة من أيام العرب. وطارت له أمثال، وحفظت له أقوال، وديوانه مقرو، وشعره متلو.
قال ابن بسام: أما صفته هذه لأبي تمام؛ فصفة لم يثن عطفها حمية، ولا تعلقت بذيلها عصبية، حتى لو سمعها حبيب لاتخذها قبلة، واعتمدها ملة. فما آلم من أدب وإن أوجع، ولا سب من صدق وإن أقذع.
رجع:
وأما البحتري: فلفظه ماء ثجاج، ودر رجراج، ومعناه سراج وهاج، على أهدى منهاج. يسبقه شعره، إلى ما يجيش به صدره. يسر مراد، ولين قياد. إن شربته أرواك، وإن قدحته أوراك. طبع لا تكلف يغثيه، ولا العناد يثنيه، لا يمل كثيره، ولا يستكف غزيره، لم يهف أيام الحلم، ولم يصف زمن الهرم.
وأما ابن المعتز: فملك النظام، كما هو ملك الأنام، له التشبيهات المثلية، والاستعارات الشكلية، والإشارات السحرية، والعبارات الجهرية، والتصاريف الصنوفية، والطرائق الفنونية، والافتخارات
стр. 2890
الملوكية، والهمات العلوية؛ والغزل الرائق، والعتاب الشائق، ووصف الحسن الفائق:
وخير الشعر أكرمه رجالاً ... وشر الشعر ما قال العبيد وأما ابن الرومي: فشجرة [٨٧] الاختراع، وثمرة الابتداع وله في الهجاء، ما ليس له في الإطراء، فتح فيه أبوابا، ووصل فيه أسبابا، وخلع منه أثوابا، وطوق فيه رقابا، تبقى أعمارا وأحقابا، يطول عليها حسابه، ويمحق بها ثوابه. ولقد كان واسع العطن، لطيف الفطن، إلا أن الغالب عليه ضعف المريرة وقوة المرة.
وأما كشاجم: فحكيم شاعر، وكاتب ماهر، له في التشبيهات غرائب، وفي التأليفات عجائب، يجيد الوصف ويحققه، ويسبك المعنى فيرققه ويروقه.
وأما الصنوبري: فصيح الكلام غريبه، مليح التشبيه عجيبه، مستعمل لشواذ القوافي، يغسل كدرتها بمياه فهمه الصوافي، فيجيل ويدق، ويعذب ويرق. وهو وحيد جنسه في صفة الأزهار، وأنواع الأنوار. وكان في بعض أشعاره يتخالع، وفي بعضها يتشاجع. وقد مدح وهجا، وسر وشجا، وأعجب شعره وأطرب
стр. 2891
وشرق وغرب. ومدح من أهل إفريقية أمير الزاب جعفر بن علي، منفق سلع الأدب. فوصله بألف دينار.
وأما الخبرزي: فخليع الشعر ماجنه، رائق اللفظ بائنه، كثيرة محاسنه، صحيحة أصوله ومعادنه، رائقة البزة، [مائلة] إلى العزة، تسليه عن الحب الخيانة، ويربقه الوفاء والصيانة. وله على خشونة خلقه، وصعوبة خلقه، اختراعات لطيفة، وابتداعات طريفة، في ألفاظ كثيفة، وفصول قليلة الفضول نظيفة. حتى إن بعض كبراء الشعراء اهتدم أشياء من مبانيه، واهتضم تظرفا من معانيه، وهو من معاصريه، فقل من فطن لمراميه.
وأمات أبو فراس بن حمدان: ففارس هذا الميدان، إن شئت ضربا وطعنا، أو لفظا ومعنى، ملك زمانا، وملك أوانا، أشعر الناس في المملكة، وأشعرهم في ذل الملكة. وله الفخريات التي لا تعارض، والأسريات التي لا تناهض.
стр. 2892
وأما المتنبي: فقد شغلت به الألسن. وسهرت في أشعاره الأعين. وكثر الناسخ لشعره. وألآخذ لذكره، والغائص في بحره، والمفتش في قعره. عن جمانه ودرن. وقد طال فيه الخلف، وكثر عنه الكشف. وله شيعة تغلو في مدحه، وعليه خوارج تتعايا في جرحه. والذي أقول إن له حسنات وسيئات، وحسناته أكثر عددا، وأقوى مددا، وغرائبه طائرة، وأمثاله سائرة، وعلمه فسيح، وميزه صحيح، يروم فيقدر، ويدري ما يورد ويصدر.
وأما ابن عبد ربه القرطبي: وإن بعدت عنا دياره، فقد صاقبتنا أشعاره، ووقفنا على أشعار صبوته الأنيقة، ومكفرات توبته الصدوقة، ومدائحه المروانية، ومطاعنه في العباسية. وهو في كل ذلك فارس ممارس، وطاعن مداعس. واطلعنا في شعره على علم واسع، ومادة فهم مضيء ناصع. ومن تلك الجواهر نظم عقده، وتركه لمن تجمل بعده.
وأما ابن هانئ محمد الأندلسي ولادة، القيرواني وفادة وإفادة، فرعدي الكلام، سردي النظام، إلا أنه إذا ظهرت معانيه، في جزالة مبانيه، رمى عن منجنيق، يؤثر في النيق، وله غزل قفري لا عذرى
стр. 2893
لا يقنع فيه بالطيف، ولا يشفع بغير السيف. وقد نوه به ملك الزاب. وعظم شأنه بأجزل الثواب، وكان سيف دولته، في إعلاه منزلته، من رجل يستعين على صلاح دنياه بفساد أخراه، لبرداءة عقله، ورقة دينه، وضعف يقينه، ولو عقل لم تضق عليه معاني الشعر، حتى يستعين عليها بالكفر.
وأما القسطلي: فشاعر ماهر عالم بما يقول، تشهد له العقول، بأنه المؤخر بالعصر، المتقدم في الشعر. حاذق بوضع الكلام في موضعه، لا سيما إذا ذكر ما أصابه في الفتنة، وشكا ما دهاه في أيام المحنة. وبالجملة فهو أشعر أهل مغربه، في أبعد الزمان وأقربه.
وأما علي التونسي: فشعره المورد العذب، ولفظه اللؤلؤ الرطب، وهو بحتري الغرب، يصف الحمام، فيروق الأنام، ويشبب، فيعشق ويحبب، ويمدح فيمنح أكثر مما يمنح.
هذا ما عندي في المتقدمين والمتأخرين، على احتقار المعاصر، واستصغار المجاور، فحاش لله من الاتصاف، بقلة الإنصاف، للبعيد والقريب، والعدو والحبيب.
قلت يا أبا الريان، وقيت مرور الحدثان، فلقد سبكت فهماً، وحشيت علماً.
стр. 2894
مقامة له أخرى
حدثني الجرجاني قال: كان فتى بجرجان من أبناء الأقيال، قد جمع إلى النهاية في المال الغاية في الجمال. وكان مألفاً للأدباء، ومأوى للغرباء، ورزقاً للفقراء، فلا يخلو منزله من أهل الإعدام. فإني لعنده في بعض الليالي إذ استؤذن عليه لضرير فقير فأمر بإكرامه وإطعامه. فلما فرغ من شانه، استدعاه إلى إيوانه، فدخل علينا رجل شيخ وافر السبال [٨٨] ، قد عمه البياض بالكمال، مطموس العينين، مسترخي الحاجبين، قد صلعت هامته، وركعت قامته، وقصرت مسافة خطاه، وثقل جسمه على عصاه، فسلم بصوت ضئيل، ودعا بلسان ثقيل. وأقبل يذكر شبابه، ويتذكر أحبابه، وينوح على سالف زمانه، ويندب ثقات إخوانه. فرق له الفتى فأدناه، حتى أجلسه على يمناه، وصبره وسلاه. ثم سمرنا إلى وقت النوم، فرقد سائر القوم، ونام الفتى في مكانه، مراعاة لحق ضيفانه.
وكنت أدنى من الفتى مرقدا، كما كنت أدنى منه مقعداً، ولي عين أخف العيون هجعة، وأقربها إلى الانتباه رجعة. فأيقظني نبرة لم أكن عهدت من الفتى مثلها، ولا أجراها مع ضيف قبلها. فعجبت من خرق العادة، وأصغيت ألتمس [استزادة] . فسمعت الأعمى
стр. 2895
يقول: يا سيدي أنا صرورة، وثم ضرورة، وقد طالت الغربة، واضطرتني العزبة. فقال الفتى له: فما وجدت لضرورتك سواي، ولا لعزبتك حاشاي - قال له: فإن أبيت إلا أن تمنع، فدلني على ما أصنع. قال له الفتى: أرى لك أن تتسرى. قال: ومن للصعلوك بالمملوك - قال: فتتزوج. قال: والمحوج كيف يتزوج - قال له الفتى: فإنك لو خضخضت، لكان أشبه مما إليه تعرضت. قال الأعمى: والله يا مولاي لا يسعه خفي، فكيف كفي - فصاح الفتى: السلاح السلاح: " ألا أيها النوام ويحكم هبوا " قال الجرجاني فقلت: " فللشيخ زب ليس يشبهه زب ". فقال الفتى: أسمعت العجب العجاب - قلت: نعم، وحفظت العتاب. وجعلت أقول: ما سألك الشيخ في عسير، ولا حملك على خطير، فهلا قضيته فأرضيته - قال: فحسب الأعمى كلامي ردا، وظنه جداً، فقال: فديتك أيها الناصر. حين خذلني الأواصر، واحتقدني المعاصر، ثم تنهد وقال: آه واهرماه! بقينا حتى شقينا، آه. طاح أهل البذل والسماح، وبقي أهل البخل والجماح. انظر أي أجناس، بعد أي ناس، لكن الفقير حقير، قل المال، وذهب الرجال. سمعنا فطمعنا، يا فتى، أخبرنا عنك خبراً، ما رأينا له أثراً، ورب منسوب إلى حال، مرجوعها إلى محال؛ أين الكرم الذي ذكر، والخلق الذي شكر - هب ما سألناك يشق، أين الحق الذي يحق - كذب رائدنا، وقلت فوائدنا. فقال له الفتى: ويحك! اتق الله خالقك، فقد آن أن تترك
стр. 2896
فقال: يا مولاي، لو تركتني الشهوة لتركت، لكن حركتني فتحركت. إني وإن سبقني جمهور الأتراب إلى التراب، فلي قلب لهبي، وجسم ذهبي، لا يغيرهما إدمان الزمان، ولا يؤودهما حديث الحدثان. ولو عادت إليّ ساعة من أيامي، أو حصلت في يدي إبرة من حسامي، لسبقت كلومي فيكم كلامي، وسأجهد بهذه العصا، فأجاهد من عصا. ثم اهتز كأنه نسر مقصوص، أو حمار مرهوص، فقمنا وتركنا جانبه، وجعل يضرب بعصاه ما قاربه. فتركناه وشانه، وأدمنا عيانه، نصعد فيه ونصوب، ونعجب ونُعجب. فلم تزل شقشقته تهدر، وعصاه تتكسر، حتى كلت يداه، وانحلت قواه. ولاح وجه الصباح، وجئنا إليه بالمصباح، فإذا هو كالجدار المهدوم، والخدر المهشوم؛ قد فارق النفس النمرودية، ومات الميتة الجاهلية. فدفنه الفتى في أطماره، وسألنا كتمان أخباره، وأفن لعمري أي أفن، أن يطمع لخبر هذا في دفن، بل هو منشور، إلى يوم النشور.
ما أخرجته من شعر ابن شرف في أوصاف شتى
النسيب وما يناسبه
[قال] :
قد كنت في وعد العذار فأنجزا ... وقضى لحسنك بالكمال فأوجزا
стр. 2897
وافى لنصر الحسن إلا أنه ... ولى إلى فئة الهوى متحيرا
عطف تعلم منك عطفك عطفه ... وجد الفؤاد به السبيل إلى العزا
لم يكف وجهك حسنه وبهاؤه ... حتى اكتسى ثوب الجمال مطرزا
سبحان من أعطاك حسناً ثانياً ... وبثالث من فعل حسنك عززا وقال:
تصعد نفس لا صعود تنفس ... وترديد روح في حشاشة مكروب
فلا القرب يحيني ولا البعد قاتلي ... ولا الهجر يسليني ولا الصبر يلوي بي
وأصبحت ذا ضر ولقياك مبرئ ... لضري ولكن أين عيسى من أيوب وقال:
بين أجفانك سحر ... وعلى غصنك بدر
جردت عيناك سيفي ... ن لذا أمرك أمر
فعلى خدك من نث ... ر دم العشاق أثر
ومن الكثبان شطر ... لك والأغصان شطر
وسواء قلت در ... ما أرى أو قلت ثغر
وبماذا أصف الخص ... ر وما إن لك خصر [٨٩]
بك شغلي واشتغالي ... ومضى زيد وعمرو
стр. 2898
وقال:
وشمس تراخت أن تغيب لقبلتي ... كما أمست فيما مضى يوشع
فيا قاطعاً وصلي ويا واصلاً ... بأمسي ويومي في العذاب الممتع
صرفت رجائي عن لعل وعن عسى ... وأبعدتني باليأس من كل مطمع
أعنتي بإطماع الوصال على النوى ... إذا لم تقاتل يا جبان فشجع
لديك فؤاد ما له من مطالب ... أأطلب في بعضي وقد بان أجمعي -
وديعة ميت أنت فيها محكم ... وإن شئت فاحفظها وإن شئت ضيع
أرى مهجات في يديك فما ترى ... بمن شئت أوقع أو بما شئت وقع قوله: " إذا لم تقاتل يا جبان فشجع " مثل من أمثالهم، وإليه شار أبو نواس بقوله:
فكأني وما أزين منها ... قعدي يزين التحكيما وقال:
واذكر لياليك التي ذهبت لنا ... نهباً وعيشاً كان كالتهويم
يسعدك وابل أدمع في أربع ... شربت مياه الدمع شرب الهيم
أيام شمس المشرقين ضجيعتي ... فيها وبدر المغربين نديمي
ونجوم كاساتي طوالع بالمنى ... والسعد يستغني عن التقويم
стр. 2899
محمود عيش جاد لي دهري به ... ثم استرد فكان فيه خصيمي
ولي وخلي جمرة مشبوبة ... تذكي على الأحشاء نار سموم
فإذا رأيت لهيبها وسلامتي ... فاذكر بذلك نار إبراهيم ينظر معنى البيت الرابع من هذه إلى قول أبي الطيب:
يقر لي بالفضل من لا يوده ... ويقضي له بالسعد من لا ينجم ولأبي [الحسن] أحمد البصري من أناشيد الثعالبي:
كنت إذا ما سرت في حاجة ... أطالع التقويم والزيجا
فصار لي الزيج كتصحيفه ... وعاد لي التقويم تعويجا وقال بعض أهل عصرنا وهو أبو بكر الداني:
وبمهجتي نجم له في مهجتي ... مسرىً ولي في نوره تعديل
حولت عهد مناخه بمناخه ... فقضى بتحويلي له التحويل
стр. 2900
وقوله: " محمود عيش جاد لي دهري به " من متداولات المعاني، منها قول محمد بن هاني:
وهب الدهر نفيساً فاسترد ... ربما جاد لئيم فحسد وأخذه بعض أهل عصري فقال:
يهب القليل وقد يرى استرجاعه ... هبة اللئيم أقل منه وأنزر ومن قصائده المطولة في المدح وما يتشبث به
من سائر الأوصاف
قال في المنصور حفيد ابن أبي عامر:
مر بي غصن عليه قمر ... متجل نوره لا ينجلي
هز عطفيه فقلنا إنه ... ذو الفقار اهتز في كف علي
ورأيت الناس صرعى حوله ... فكأن اليوم يوم الجمل
تلك أخبار زمان قد مضى ... وأمور في السنين الأول
زمن المنصور قوى منتي ... وسرى همي وأحيا جذلي
وسرور النفس من بعد الصبا ... ناشر عصر الصبا والغزل
فاستطيب العيش في بلدته ... فكأن الناس في قطربل
وكأن الشمس من بهجتها ... أبداً فيها ببرج الحمل
стр. 2901
وله من أخرى في عباد:
فما جشأت نفسي عشية مشرف ... ولا احتلبت عيني حزوى وفيفاء
ولا لغرابي دمنة الدار ظلت ذا ... سؤال وما عند الغرابين أنباء
مقام زمان مات عروة حسرة ... عليه وظلت تسفح الدمع عفراء
فلو نال حظاً منه غيلان لالتقت ... له صيدح فيه ومي ودهناء ومنها في ذكر طفلتين له:
أجشهم ليل القفار وظلمة ال ... بحار وكم ريعوا وللسيد إرخاء
ولي منهما سهمان هذا ابن أربع ... وهذا ابن ست كلما كان إغفاء
أضمهما والليل داج كأنما ... هما نقطتا ياء وجسمي هو الياء
فطوراً يغشيهم على ذكرك الكرى ... فتصبح أضواء عليهم ولألاء
وطوراً يمجون الدجى ومطاله ... وما كان للغايات مطل وإرجاء
فتضجر منهم أنفس ربما بكت ... بكاً هو للصم الجلاميد إبكاء ومنها:
فإن أفحمتنا هيبة عمرية ... لديك لها في الشعر كسر وإقواء
بذلت انبساطات لنا علوية ... لها بعد مومات المهامه أفياء
стр. 2902
صيدح التي ذكرها ناقة غيلان، والدهناء وطنه، ومي صاحبته، وكان ذو الرمة بذكر هذه الثلاثة في شعره. وقوله [٩٠] " ولا لغرابي دمنة الدار " ... البيت، أشار إلى قول عروة بن حزام العذري في عفراء بنت مالك العذري، وتنشد الأبيات لحسنها، ولكون المعنى فرعاً من غصنها:
ألا غرابي دمنة الدار خبرا ... أبا لهجر من عفراء تنتحبان -
فإن كان حقاً ما تقولان فانهضا ... بلحمي إلى وكريكما فكلاني
ولا يعلن الناس ما كان ميتتي ... ولا يأكلن الطير ما تذران
جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني
فقالا: شفاك الله والله ما لنا ... بما ضمنت منك الضلوع يدان وضرب المثل بهيبة عمر بن الخطاب، وكان مشهوراً بها، وبانبساط علي بن أبي طالب ﵄.
وله من أخرى في ابن طاهر أمير مرسية وقته:
وعاجوا على عسفان والليل أليل ... ومروا بذات البين والصبح مسفر
وحازتهم حزوى ضحى وتروحوا ... بمنعج واستعلوا أباناً فنوروا
ولما تواقفنا بذي سلم بدا ... سلام لسلمى ظل يخفى ويظهر
شعرت له والركب حيران غافل ... وما شاعر أمراً كمن ليس يشعر
стр. 2903
رأت ظبية الوعساء عيني فهيجت ... لها ذكرهم والشيء بالشيء يذكر
سأبكي طلولاً كنت فيها مطلة ... عليها وكل الليل تحتك مقمر
تصرم ذاك العيش إلا إدكاره ... وإلا كذوباً في المنام تزور
فتى طاهري طاهر الثوب ذكره ... من المسك أذكى أو من الماء أطهر وله من أخرى في المعتضد:
لولاهم لحججت أول حجةٍ ... حرم الكرام وطال فيه طوافي
ولزرت حمص الغرب أغرب زائر ... بغرائب كالحلة والأفواف
وزحمت واديها بمثل عبابه ... من سلسبيل في القلوب سلاف
وأريته بحراً يفاخر قعره ... بلآلئ فيه بلا أصداف ومنها في مدحه:
يا حاسديه على علا خطت له ... سبق القضا بالنون بعد الكاف
يخلي الديار من الجسوم ويجتني ... تمر الرؤوس وطرفة الأطراف
فكأنما الأجسام بعد رؤوسها ... أبيات شعر ما لهن قواف قال ابن بسام: أظن ابن شرف، فيما وصف، شبه الأجسام دون رؤوسها بأبيات شعره في هذه القصيدة. فليست لها مبادئ ولا قوافي.
стр. 2904
وما امتري أن الغربة فلت غرب طبعه، وغسلت عن جوانحه، وأطفأت نار قرائحه.
ومن أشبه مدائحه قوله في علي بن أبي الرجال بعض أمراء القيروان من قصيدة:
جاور علياً ولا تحفل بحادثة ... إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل
اسم حكاه المسمى في الفعال فقد ... حاز العيين من قول ومن عمل
فالماجد السيد الحر الكريم له ... كالنعت والعطف والتوكيد والبدل
زان العلا وسواه شانها وكذا ... للشمس حالان في الميزان والحمل
وربما عابه ما يفخرون به ... يشنا من الخصر ما يهوى من الكفل
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل وله من أخرى:
ما لي كذا كل ما طلبته عسر ... وقد أخذت بحب المطلب العسر -
ما لي أجاذب ذي الدنيا موليةً ... فكل ثوب عليها قد من دبر
стр. 2905
ومنها:
يعطي الجزيل من التنويل معتذرا ... ورب معطي قليل غير معتذر
أتى الزمان على يأس به لبنى الد ... نيا كبشرى بمولود على الكبر
إني ومجدك صيرت الورى نهرا ... وقلت ما قاله طالوت في النهر
فأنت عندهم منهم غرفة بيدي ... حلت وحرم باقي النهر في الزبر ومعنى البيت الرابع من هذه كقول أبي تمام، ونقص فيه عن التمام:
بشرى الغني أبي البنات تتابعت ... بشراؤه بالفارس المولود وذكرت بقوله: " فكل ثوب عليها قد من دبر " قول الشاعر:
قميص يوسف لما قد من دبر ... كانت براءته فيها من الكذب
وفي قميصك لما قد من دبر ... مما يدل على الفحشاء والريب وفي الحسن بن وهب يقول القائل:
إذا لقيت بني وهب بمنزلة ... لم تدر أيهما الأنثى من الذكر
مؤدبون على الفحشاء من صغر ... مدربون على النكراء في الكبر
يحنكون ولم تقطع سرائرهم ... بين الحواضن والدايات بالكمر
قميص أنثاهم ينشق من قبل ... وقمص ذكرانهم تنقد من دبر [٩١]
стр. 2906
سائر مقطوعات له في أوصاف شتى
قال:
لعل الله يفتك المعنى ال ... أسير فيغتدي وهو الطليق
وإن أرجو التخلص من عظيم ... فقد ينجو من اللجج الغريق
لقد أنفذت من جلدي دروعا ... زرين على الذي نسجت سلوق
وصبرا لو تجسم لي مجنا ... كفاني ما رمته المنجنيق
وأفقد ما طلبت فلم أجده ... رفيق في صحابته رفيق
فأصبح وهو للعنقاء ثان ... وثاو حيث فرخت الأنوق
صحبت بهذه الدنيا أناسا ... إذا غدروا فغدرهم وثيق
ولم أصحبهم ودا ولكن ... كما جمع العدوين الطريق لعله ذهب في هذا القول إلى قول أبي الطيب:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد وقال:
بعيشك ناد أيامي وقل هل ... لديك إلى مرد من سبيل
стр. 2907
أراك كما يرى المحتاج مالا ... وقد ملكت عليه يد البخيل
أراحلة وما أبقيت مني ... سوى لحظ يترجيم عن قتيل
وقد عاقبت بالعبرات عيني ... بلا ذنب وما ذنب الرسول
وجدت الناس كلهم طلولا ... فلم أطيل الوقوف على الطلول
وتسمع منهم ما لا تراه ... كسامع ضربة السيف الصقيل
فمن بسواك باعك فاغن عنه ... كما استغنى علي عن عقيل عقيل أخو علي بن أبي طالب كان ولد معه توأما، ولذلك قال: زوحمت حتى في الرحم. ولما كان يوم صفين هرب إلى معاوية وفارق أخاه عليا.
وقوله: " أراك كما يرى المحتاج مالا " - البيت، أراه توارد فيه مع لدته وابن بلدته أبي علي بن رشيق حيث يقول:
والصبح قد مطل الليل العيون به ... كأنه حاجة في كف ضنين وقال ابن شرف:
وما بلوغ الأماني في موعدها ... إلا كأشعب يرجو وعد عرقوب
وقد يخالف مكتوب القضاء يدي ... فكيف [لي] بقضاء غير مكتوب
стр. 2908
وقال:
- سل عن رضاي عن الزمان فأنه ... كرضى الفرزدق عن بني يربوع
لله حالٌ قد تنقل عهدها ... بخلاف نقل الدهر حال صريع
دارت دراري الخطوب قواصداً ... حنى نظرن إلي من تربيع - كان صريع الغواني حاملاً فولاه بنو سهلِ جرجان فشرف.
وقال:
أهل الصفاء نأيتم بعد قربكم ... فما انتفعت بعيش بعدكم صافِ
وقد قصدت ندى من لا يوافقني ... فكان سهمي عنه الطائش الهافي
أردت عمراً وشاء الله خارجةً ... أما كفى الدهر من خلفي وإخلافي - وقال:
يقولون ساد الأرذلون بعصرنا ... وصار لهم قدر وخيل سوابق
فقلت لهم ولى الزمان ولم تزل ... تفرونُ في أخرى البيوت البيادق وقال:
قالوا تصاهلت الحمي ... ر فقلت إذ عدم السوابق
خلت البيوت من الرخا ... خِ ففررنت فيها البيادق
стр. 2909
وقال:
شكوت حزني وبثي ... إلى القريب المجيب
فكان عقباي عقبى ... نبيه يعقوب وقال:
لك منزل كملتْ ستارته لنا ... للهوْ لكن تحت ذاك حديث
غنى الذباب وظل يرمز حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث وهذا كقول السميسر:
ضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي
رقصُ البراغيث فيها ... على غناء البعوض - ما أخرجته من مراثيه لأهل القيروان بلده
قال من قصيدة وصف فيها إذلال أهل سوسة جالية القيروان وهي طويلة قطفت عيونها:
- آه للقيروان أنه شجوٍ ... عن فؤاد بجاحم الحزنِ يصلى
حين عادت به الديار قبورا ... بل أقول الديار منهن أخلى
стр. 2910
ثم لا شمعةٌ سوى أنجمٍ تخ ... طو على أفقها نواعس كسلى
بعد زهر الشماع توقد وقداً ... ومتان الذبال تفتل فتلا
والوجوه الحسان اشرق منهن ... ويفضلنهن معنىً وشكلا
لو رأيت الذين كان لهم سه ... لك وعراً قد صيروا الوعر سهلاً ومنها:
بعد يوم كأنما حشر الحل ... ق حفاةً به عواري رجلى
ولهم زحمة هنالك تحكي ... زحمة الحشر والصحائف تتلى
وعجيج وضجة كضجيج ال ... خلق يبكون والسرائر تبلى
من أيامي وراءهن يتامى ... ملئوا حسرة وشجوا وثكلا [٩٢]
وثكالى أراملاً حاملات ... طفلة تحمل الرضاع وطفلاً
وحصان كأنها الشمس حسنا ... كفنتها الأطمار نجلاء كحلا
فات كرسيها الجلاء فأضحت ... في ثياب الجلاء للناس تجلى
جار فيهم زمانهم وأولوا الأم ... ر ففروا يرجون في الأرض عدلا
تركوا الربع والأثاث وما يث ... قلٌ لا حامل من الناس ثقلا
لبسوا الباليات من خشنِ الصو ... ف ليغدو النبيه في الناس غفلا
следующие страницы →