Полный текст (3 281 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وله من أخرى في سليمان المستعين:
بكى اسفاً للبين يوم التفرق ... وقد هون التوديع بعض الذي لقي
وما للذي ولى به البين حسرة ... بكيت، ولكن حسرةً للذي بقي
وقد شاقني الورق السواجع بالضحى ... ومن يستمع داعي الصبابة يشتق
على فنن من أيكة قد تعلقت ... بحبل النوى من قلبي المتعلق
فصدقتها في البين من غير عبرةٍ ... وكم من كثير الدمع غير مصدق
لعل نسيم الريح تأتي به الصبا ... بنشر الخزامى والكباء المعبق
كأن عليها نفحةً عبشميةً ... أتت من جناب المستعين الموفق ومنها:
فنلت الذي قد نلت إذ ليس للعلا ... سواك كأن الدهر للناس منتقي قوله: " وما للذي ولى به البين حسرةً " ... البيت، يلمح قول محمد بن هانئ:
لا تسلني عن الليالي المواضي ... وأجرني من الليالي البواقي وأوضح منه قول الآخر:
стр. 317
ليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنما الميت مبت الأحياء وقوله: " كأن الدهر للناس منتقي " ... لفظ بيت أبي الطيب:
ولما رأيت الناس دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد ولأبي عامر قصيدة يقول فيها، وقد أزمع على الخروج من قرطبة إلى مالقة لاحقاً بيحيى بن علي:
أرى أعيناً ترنو إليّ كأنما ... تساور منها جانبي أراقم
أدور فلا أعتام غير محاربٍ ... وأسعى فلا ألقى أمرءاً لي يسالم
ويجلب لي فهمي ضروباً من الأذى ... وأشقى امرئ في قرية الجهل عالم
وأوجع مظلوم لقلب وذي حجىً ... فتى عربي تزدريه أعاجم
غنيتم على ما تزعمون عن الورى ... لقد سفهت تلك الحلوم الزواعم
وهل يقدم البازي على الطير في الضحى ... إذا زال عن ريش الجناح القوادم
سلام عليكم لا تحية شاكرٍ ... ولكن شجىً تنسد منه الحلاقم
وما قرعت سني عليكم ندامةً ... وأوشك غداً أن يقرع السن نادم
عليكم بداري فاهدموها دعائماً ... ففي الأرض بناءون لي ودعائم
لئن أخرجتني عنكم شر عصبةٍ ... ففي الأرض إخوان علي أكارم
وإن هضمت حقي أمية عندها ... فهاتا على ظهر المحجة هاشم
ولا غرو من تلك القلانس جالياً ... إذا عرفت حقي هناك العمائم
стр. 318
قال أبو الحسن: وقد تقدم القول من تحيل حذاق الصناعة في أخذ المعاني أن تترك القافية والوزن، وكذلك يجب أن يقصد إلى التطويل إذا قصر المتقدم؛ ألا ترى قول أبي عامر حين سمع الرمادي يقول:
ولم أر أحلى من تبسم أعين ... غداة النوى عن لؤلؤ كان كامنا فقال أبو عامر في هذه القصيدة:
ولما فشا بالدمع من سر وجدنا ... إلى كاشحينا ما القلوب كواتم
أمرنا بإمساك الدموع جفوننا ... ليشجى بما تطوي عذول ولائم
[فظلت دموع العين حيرى كأنها ... خلال مآقينا لآل توائم]
أبى دمعنا يجري مخافة شامت ... فنظمه بين المحاجر ناظم
وراق الهوى منا عيون كريمة ... تبسمن حتى ما تروق المباسم فقام بهذا التركيب ما نسيت له حيلة التطويل.
وبيت الرمادي من قول ابن عبد ربه:
وكأنما غاص الأسى بجفونها ... حتى أتاك بلؤلؤ منثور فاحتال الرمادي حتى أتى باللؤلؤ وعوض من الغائص التبسم، ووقعت له استعارة التبسم للعين موقعاً لطيفاً، وإنما هو للثغور، بسبب توسط اللؤلؤ الذي هو للعيون والثغور، فنسخ المعنى نسخاً، وقلبه قلباً.
стр. 319
وتشبيه الدموع باللؤلؤ أكثر من أن يحصى، ومن أحسنه قول القائل:
ولما وقفنا للوداع ودمعها ... ودمعي يثيران الصبابة والوجدا
بكت لؤلؤاً رطباً وفاضت مدامعي ... عقيقاً فصار الكل ف نحرها عقدا ومن أحسن ما جاء من توقع أهل النمائم، والاحتيال لكتمان الدموع السواجم، لا سيما وقد أزف الفراق، وعصت بما فيها من الدمع الآماق، قول بعض العرب:
ومما شجاني. أنها يوم ودعت ... تولت ودمع العين في الجفن حائر
فلما أعادت من بعيد بنظرةٍ ... إليّ التفاتاً أسلمته المحاجر وقال آخر:
ولما أبت عيناي أن تحسبا البكا ... وأن تمنعا در الدموع السواكب
تثاءبت كي ابغي لدمعي علةً ... ولكن قليلاً ما بقاء التثاؤب
أعرضتماني للهوى ونممتما ... علي، لبئس الصاحبان لصاحب وأنشد ثعلب:
ومستنجد بالحزن دمعاً كأنه ... على الخد مما ليس يرقأ حائر
ملا مقلتيه الدمع حتى كأنه ... لما انهل من عينيه في الماء ناظر
نظرت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من ماء الصبابة أنظر>
فعيناي طوراً تغرقان من البكا ... فأعشى وطوراً تحسران فأبصر
стр. 320
ناقص
стр. 321
ناقص
стр. 322
فرأى سوابق عبرةٍ مسفوحةٍ ... عمرو فقال: بكى أبو الخطاب! وقال العباس بن الأحنف، ورجع إلى الطريق:
لكن ذهبت لأرتدي ... فطرفت عيني بالرداء وقال ابن فتوح من أهل عصرنا:
وقد تعلق بالأشفار منحدراً ... تعلق القطر بالأغصان والورق وقال أبو جعفر ابن هريرة التطيلي:
يكفكف من تلك الدموع وربما ... جلاها الرداء وامترتها الأصابع وحدث أبو بكر محمد بن أحمد بن جعفر بن عثمان المصحفي قال: دخلت يوماً على أبي عامر، وقد ابتدأت علته التي مات منها فتأنس بي، وجرى الحديث إلى أن شكوت إليه تجني بعض إخواني علي، ونفاره عني، فقال لي: سأسعى في إصلاح ذات البين، فخرجت عنه، واتفق لقائي بذلك المتجني مع بعض إخواني، وأعزهم علي، فلما رآني مولياً عن ذلك الصديق أنكر علي، وسأله عن السبب الموجب، فأخبره وزادا في مشيهما حتى لحقا بي وعزما علي في مكالمة صاحبي، وتعاتبنا عتاباً أرق من الهوى، وأشهى على الظما، حتى جئنا دار أبي عامر، لمما رآني ضحك وقال: من كان الذي تولى إصلاح ما كنا سررنا بفساده - فقلنا: قد كان ما كان، فأطرق قليلاً ثم أنشد:
стр. 323
من لا أسمي ولا أبوح به ... أصلح بيني وبين من أهوى
أرسلت من كابد الهوى فدرى ... كيف يداوي مواضع البلوى
ولي حقوق في الحب ظاهرة ... لكن إلفي يعدها دعوى
يا رب إن الرسول أحسن بي ... يا رب فاحفظني من الأسوا قال ابن المصحفي: ودخلت عليه يوماً في تلك العلة ومعي غلام وسيم من إخواننا، وكان أبو عامر قبل ذلك يجب ممازحته فينافره، حتى خاطب أبو عامرٍ بعض إخوانه بشعر مسه فيه بطرف لسانه، فقال له ذلك الغلام: فجوتني يا أبا عامر دون أن تستثبت في أمري، وأن تعلم من سري ما يوجب ذلك، فقال: علي تكفيره بما يمحوه من القراطيس والصدور، وكان ذلك إثر صلاة العشاء الأولى، فطفنا بالجامع ثم انصرفنا إليه وأنشدنا:
ألا بأبي زائري في العتم ... بوجه يجلي سواد الظلم
تكتم بالليل في ظله ... وهل يمكن الصبح أن يكتتم -
أتى يستجير أليفاً له ... كما جاور البان رطب العنم
وقد رق ما ورد تلك الخدود ... بما سال من مسك تلك اللمم
وكان يحمحم تحت العذار ... كحمحمة الخيل تحت اللجم
فقلت: من الزائري والدجى ... يسد العيون بثوب أحم
فقال أبو جعفر: لائم ... بما جئت من كذب ينتظم
стр. 324
فأيقنت أن أبا خالد ... سرى وخيال حبيبي ألم
فأبصرت وجهاً حكاه الهلال ... وثغراً حكى الدر لما ابتسم
وإلا فعفو يقيل العثار ... فذو العرش يرحم من قد رحم
فقال: بل العفو يا سيدي ... وقبلني من بعيد وضم
فبت على برد طيب الرضى ... أسر بليلي وإن لم أنم
وقلت: ابن زيدون، لا كنت لي ... بخال ولا كنت لي بابن عم
خبيث سعى بيننا بالنميم ... وقطع خلتنا بالجلم @فصل في ذكر آخر أيام أبي عامر ووفاته، ﵀
قال: ولما طال بأبي عامر ألمه، وتزايد سقمه، وغلب عليه الفالج الذي عرض له في مستهل ذيب القعدة من سنة خمس وعشرين وأربعمائة، لم يعدمه حركةً ولا تقلباً، وكان يمشي إلى حاجته على عصا مرةً، واعتماداً على إنسان مرة، إلى قبل وفاته بعشرين يوماً، فإنه صار حجراً لا يبرح ولا يتقلب، ولا يحتمل أن يحرك لعظيم الأوجاع، مع شدة ضغط الأنفاس وعدم الصبر، حتى هم بقتل نفسه، وفي ذلك يقول من قصيدة:
أنوح على نفسي وأندب نبلها ... إذا أنا في الضراء أزمعت قتلها
رضيت قضاء الله في كل حالةٍ ... علي وأحكاماً تيقنت عدلها
стр. 325
أظل قعيد الدار تجنبني العصا ... على ضعف ساق أوهن السقم رجلها
وأنعى خسيسات ابن آدم عاملاً ... براحة طفل أحكم الضر نصلها
ألا رب خصمٍ قد كفيت، وكربة ... كشفت، ودار كنت في المحل وبلها
ورب قريض كالجريض بعثته ... إلى خطبة لا ينكر الجمع فصلها
فمن مبلغ الفتيان أن أخاهم ... أخو فتكةٍ شنعاء ما كان شكلها
عليكم سلام من فتى عضه الردى ... ولم ينس عيناً أثبتت فيه نبلها
يبين وكف الموت تخلع نفسه ... وداخلها حب يهون ثكلها ونقلت من خط الفقه أبي محمد علي بن حزم الشافعي قال: كتب إليّ أبو عامر ابن شهيد في علته التي اعتلها بهذه الأبيات:
ولما رأيت العيش ولى برأسه ... وأيقنت أن الموت لا شك لاحقي
تمنيت أني ساكن في غيابةٍ ... بأعلى مهب الريح في رأس شاهق
أذر سقيط الحب في فضل عيشةٍ ... وحيداً وحسي الماء ثني المفالق
خليلي من ذاق المنية مرةً ... فقد ذقتها خمسين قولة صادق
كأني وقد حان ارتحالي لم أفز ... قديماً من الدنيا بلمحة بارق
فمن مبلغ عني ابن حزم وكان لي ... يداً في ملماتي وعند مضايقي
عليك سلام الله إني مفارق ... وحسبك زاداً من حبيب مفارق
فلا تنس تأبيني إذا ما فقدتني ... وتذكار أيامي وفضل خلائقي
فلي في إدكاري بعد موتي راحة ... فلا تمنعونيها علالة زاهق
وإني لأرجو الله فيما تقدمت ... ذنوبي به مما درى من حقائقي
стр. 326
ومن جواب ابن حزم له:
أبا عامر ناديت خلاً مصافياً ... يفديك من دهم الخطوب الطوارق
وألفيت قلباً مخلصاً لك ممحضا ... بودك موصول العرى والعلائق
شدائد يجلوها الإله بلطفه ... فلا تأس إن الدهر جم المضايق
ورب أسير في يد الدهر مطلق ... ومنطلق والدهر أسوق سائق
سفينة نوح لم تضق بحلولها ... وضاق بهم رحب الفلا المتضايق
فإن تنج قلت الحمد لله مخلصاً ... فمن أعظم النعمى بقاء المصادق وسمع في تلك العلة نعي الوزير الكاتب أبي جعفر ابن اللمائي، فقال في قصيدته هذه:
أمن جنابهم النفح الجنوبي ... أسري فصاك به في الغور غاري -
أهدي إليّ ظلاماً ردع نافجة ... أدماء شق بها الدأماء هندي
والليل قد قام في أثواب نادبةٍ ... كأنه فوق ظهر الأرض نوبي
والنجم تحسبه قدام تابعه ... حمامةً رامها في الجو بازي
وجدول الأفق يجري في منافسه ... ماء سقى زهرة الخضراء فضي
فقلت والسقم منشور على جسدي ... يحدو الردى ورداء العيش مطوي:
أهدى اللمائي من أزهار فكرته ... نشراً فقال الدجى: مر اللمائي
فقيل مات فقال الليل قارب ذا ... فانهل من مقلتي نوء سماكي
وبت فرداً أناجي مقلتي شغفاً ... كأنني في نقوب الدار جني
стр. 327
لا عشت إن مت لي يا واحدي أبداً ... وموتنا واحد لا شك مرئي
إن الكريم إذا ما مات صاحبه ... أودى به الوجد والثكل الطبيعي
إن مت قبلك لا تعجب فذو أمل ... قد حم من دونه يوماً حمامي
أومت قبلي فما منعاك لي عجب ... إن الكريم إلى الأصحاب منعي
زاد البلاء على نفسي فأعدمها ... صبري فصبري عليك اليوم وحشي
حتى أهم بقتلي كل داجيةٍ ... يا قوم هل رام هذا قبل إنسي -
إني إلى الله من عقبى بليت بها ... جرى بها الحكم والأمر الإلهي وقال أيضاً في علته تلك:
اقر السلام على الأصحاب أجمعهم ... وخص عمراص بأزكى نور تسليم
وقل له: يا أعز الناس كلهم ... شخصاً علي وأولاهم بتكريم
الله جارك من ذي منعة ظفرت ... منه الليالي بعلق غير مذموم
ما كان حبك إلا صوب غاديةٍ ... طيباً وحاشا لحبي فيك من لوم
إن شاء صرف الردى تقديم أطوعنا ... فقد رضيت - حماك الله - تقديمي
وإن أحب الثرى جسماً ليأكله ... أسمح بجسمي له يفديك تعظيمي
عشنا [أليفين] في بر الهوى زمناً ... حتى زقا بنوانا طائر الشئوم
فشتت نوب الأيام ألفتنا ... قسراً ولم يغنها ظني وتنجيمي وكتب أيضاً إلى جماعةٍ من إخوانه في علته يومئذ:
هذا كتابي وكف الموت تزعجني ... عن الحياة وفي قلبي لكم ذكر
стр. 328
إن أقضكم حقكم من قلة عمري ... إني إلى الله لا حق ولا عمر
لهفي على نيرات ما صدعت بها ... إلا وأظلم من أضوائها القمر
فاقر السلام على المنصور أفضل من ... سعى لثأر بني الإسلام فانتصروا
واعطف بها عطفة تهتز من كرم ... على المظفر فهو الفلج والظفر وقال أيضاً في علته تلك:
تأملت ما أفنيت من طول مدتي ... فلم أره إلا كلمحة ناظر
وحصلت ما أدركت من طول لذتي ... فلم ألفه إلا كصفقة خاسر
وما أنا إلا رهن ما قدمت يدي ... إذا غادروني بين أهل المقابر
سقى الله فتياناً كأن وجوههم ... وجوه مصابيح النجوم الزواهر
إذا ذكروني والثرى فوق أعظمي ... بكوا بعيون كالسحاب المواطر
يقولون: قد أودى أبو عامر العلا ... أقلوا فقدماً مات آباء عامر
هو الموت لم يصرف بإجراس خاطبٍ ... بليغ ولم يعطف بأنفاس شاعر
ولم يجتنب للبطش مهجة قادر ... قوي ولا للضعف مهجة صافر
يحل عرى الجبار في دار ملكه ... ويهفو بنفس الشارب المتساكر
وليس عجيباً أن تدانت منيتي ... يصدق فيها أولي أمر آخري
وليس عجيباً أن بين جوانحي ... هوى كشرار الجمرة المتطاير
يحركني والموت يحفز مهجتي ... ويهتاجني والنفس عند حناجري وبلغني أن آخر شعر قاله يودع إخوانه هذه الأبيات:
стр. 329
أستودع الله إخواني وعشرتهم ... وكل خرق إلى العلياء سباق
وفتيةً كنجوم القذف نيرهم ... يهدي، وصائبهم يودي بإحراق
وكوكباً لي منهم كان مغربه ... قلبي، ومشرقه ما بين أطواقي
الله يعلم أني ما أفارقه ... إلا وفي الصدر مني حر مشتاق
كنا أليفين خان الدهر ألفتنا ... وأي حر على صرف الردى باقي
فإن أعش فلعل الدهر يجمعنا ... وإن أمت فسيسقيه كذا الساقي
لا ضيع الله إلا من يضيعه ... ومن تخلق فيه غير أخلاقي
قد كان بردي إذا ما مسني كلف ... لا يثلم الحب آدابي وأعراقي
حتى رمتنا صروف الدهر عن كثب ... ففرقتنا، وهل من صرفه واقي -
إني لأرمقه والموت يضغطني ... فأقتضي فرجةً مرتد أرماقي ثم أوصى أن يدفن بجنب صديقه أبي الوليد الزجالي، ويكتب على قبره في لوح رخام هذا النثر والنظم:
بسم الله الرحمن الرحيم " قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون "، هذا قبر أحمد بن عبد الملك بن شهيد المذنب، مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. مات في شهر كذا من عام كذا، ويكتب تحت هذا النثر هذا النظم:
стр. 330
يا صاحبي قم فقد أطلنا ... أنحن طول المدى هجود -
فقال لي: لن نقوم منها ... ما دام من فوقنا الصعيد
تذكر كم ليلة لهونا ... في ظلها والزمان عيد -
وكم سرور همى علينا ... سحابة ثرةً تجود -
كل كأن لم يكن تقضى ... وشؤمه حاضر عتيد
حصله كاتب حفيظ ... وضمه صادق شهيد
يا ويلنا إن تنكبتنا ... رحمة من بطشه شديد
يا رب عفواً فأنت مولى ... قصر في أمرك العبيد ينظر قوله: " لن نقوم منها " ... البيت، إلى قول ابن المعتز يصف أهل القبور:
وسكان دار لا تزاور بينهم ... على قرب بعض في المحلة من بعض
كأن خواتيماً من الطين فوقهم ... فليس لها حتى القيامة من فض وما أرى أبا عامر إلا نقله من قول المعري في رثاء أمه حيث يقول:
سألت متى اللقاء - فقيل حتى ... يقوم الهامدون من الرجام قالوا: وكان أبو عامر كثيراً ما كان يخشى صعوبة الموت، وشدة السوق، فيسر الله عليه، وما زال يتكلم ويرغب إلى الله أن يرفق به، ويكثر من ذكره، وقد أيقن بفراق الدنيا، إلى أن ذهبت نفسه رحمه الله
стр. 331
يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وأربعمائة. لم يشهد على قبر أحد ما شهد على قبره من البكاء والعويل، وأنشد على قبره من المراثي جملة موفورة لطوائف كثيرة، منها قول أبي الأصبغ القرشي من قصيدة يقول فيها:
شهدنا غريبات المكارم والعلا ... تبكي على قبر الشهيدي أحمدا
وما زال أهل الدين والفضل والتقى ... عكوفاً به حتى حسبناه مسجدا
أريد بسقيا الغيث إحياء حفرة ... كدرنا بها نجم العلا المتوقدا
ولم أر مثلي بات مستسقي الحيا ... لماء حياء كان يشفي من الصدى
فاي جمال صار في قبضة الثرى ... وأي بهاء قد طوته يد الردى
وأي قناة في طلى الأرض غيبت ... وأي حسام في حشا القبر أغمدا
بنفسي الذي أودى وأنشأ للندى ... حماماً على دوح العلاء مغردا
أبا عامر، بعداً لسهم مصيبة ... رماك به ريب المنون فأقصدا
لقد فت في نشر الفضائل يافعاً ... وبرزت في جمع المكارم أمردا
لشقت عليك المكرمات جيوبها ... وأظهر فيك المجد خداً مخددا ومنه قول أبي حفص ابن برد الأصغر من قصيدة أولها:
بفيك الترب من ناع نعاني ... نعى غيري إليّ وما عداني
وكيف ولم يسل طرفي بدمعٍ ... عليه، ولم يجن له جناني
لأية خصلة تبكيك عيني ... ومالي بالحساب لها يدان
أللهمم المنوطة بالثريا ... أم الشيم المهذبة الحسان
стр. 332
أم الكرم الذي ما زال يجري ... مع الأنواء في طلق الرهان
أم القلم الذي قد كان يجني ... من القرطاس نوار البيان
أم الرأي الذي ما زال يغني ... عن السيف المهند والسنان
شهدت لقد أصيب بنو شهيدٍ ... بقاطعة السواعد والبنان
به درجوا من الدنيا فبانوا ... وكل ما خلا الرحمن فإني @فصل في ذكر ذي الوزارتين الكاتب أبي الوليد
@ابن زيدون، واجتلاب عيون من أخباره،
@وفصوص من رسائله واشعاره
قال أبو الحسن: كان أبو الوليد صاحب منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء مخزوم، أحد من جر الأيام جراً، وفات الأنام طراً، وصرف السلطان نفعاً وضراً، ووسع البيان نظماً ونثراً؛ إلى أدب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه، وللنجوم الزهر اقترانه. وحظٍ من النثر غريب المباني، شعري الألفاظ والمعاني.
حدثني غير واحد من وزراء إشبيلية قال: لما خلص ابن عبد البر
стр. 333
من يد عباد، خلوص الفرزدق من يد زياد، بقيت حضرته من أهل هذا الشان، أعرى من ظهر الأفعوان، وأخلى من صدر الجبان. فهم يوماً باستخلاف أبي عمر الباجي المشهور أمره، الآتي في القسم الثاني من هذا الكتاب ذكره، فكأن أبا الوليد غص بذلك، وواطأ أبا محمد ابن الجد على الإشارة بالاستغناء عما هنالك، فكانت الكتب تنفذ من إنشاء أبي الوليد إلى شرق الأندلس، فيقال: تأتي من إشبيلية كتب هي بالمنظوم أشبه منها بالمنثور.
قرأت في كتاب أبي مروان ابن حيان، وقد أجرى ذكر من اصطنع ابن جهور من رجال دولته فقال: ونوه أيضاً بفتى الآداب وعمدة الظرف، والشاعر البديع الوصف والرصف، أبي الوليد أحمد بن زيدون ذي الأبوة النبيهة بقرطبة، والوسامة والدراية وحلاوة المنظوم والسلاطة وقوة العارضة والافتتان في المعرفة. وقدمه إلى النظر على أهل الذمة لبعض الأمور المعترضة، وقصره بعد على مكانه من الخاصة والسفارة بينه وبين الرؤساء، فأحسن التصرف في ذلك، وغلب على قلوب الملوك.
قال أبو مروان: وكان أبو الوليد من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة في أيام
стр. 334
الجماعة والفتنة، وفرع أدبه، وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه، فذهب به العجب كل مذهب، وهون عنده كل مطلب. وكان علقه من عبد الله بن أحمد بن المكوي أحد حكام قرطبة ظفر أحجن أداه إلى السجن فألقى نفسه يومئذ على أبي الوليد ابن جمهور في حياة والده أبي الحزم، فتشفع له وانتشله من نكبته، وصيره في صنائعه. ولما ولي الأمر بعد والده نوه به وأسنى خطته، وقدمه في الذين اصطنعهم لدولته، وأوسع رابته، وجلله كرامةً لم تقنعه، زعموا. واتفق أن عن له مطلب بحضرة إدريس بن علي الحسني بمالقة فأطال الثواء هنالك، واقترب من إدريس، وخف على نفسه، وأحضره مجالس أنسه. فعتب عليه ابن جهور، [وصرفه عن ذلك التصرف قبل قفوله، ثم عاد إلى جميل رأيه فيه] ، وصرفه في السفارة بينه وبين رؤساء الأندلس فيما يجري بينهم من التراسل والمداخلة؛ فاستقل بذلك لفضل ما أوتيه من اللسن والعارضة
стр. 335
فاكتسب الجاه والرفعة، ولم يبعد في ذلك من التهافت في الترقي لبعد الهمة، فهوى عما قليل إلى عبادٍ صاحب إشبيلية، اجتذبه إلى ذلك فهاجر عن وطنه إليه، ونزل في كنفه، وصار من خواصه وصحابته، يجالسه في خلواته، ويسفر له في معهم رسائله على حال من التوسعة. وكان ذهابه إلى عباد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، [فخلا بالحضرة مكانه، وكثر الأسف عليه انتهى كلام ابن حيان] .
قلت: فأما سعة ذرعه، وتدفق طبعه؛ وغزارة بيانه، ورقة حاشية لسانه، فالصبح الذي لا ينكر ولا يرد، والرمل الذي لا يحصر ولا يعد.
أخبرني من لا أدفع خبره من وزراء إشبيلية قال: لعهدي بأبي الوليد قائماً على جنازة بعض حرمه، والناس يعزونه على اختلاف طبقاتهم، فما سمع يجيب رجلاً منهم بما أجاب به آخر، لحضور جنانه، وسعة ميدانه.
وقد أخرجت من أشعاره التي هي حجول وغرر، ونوادر أخباره التي هي مآثر وأثر، ورسائله التي أخرست ألسنة الحفل، [واستوفت أمد المنطق الجزل، ما يسر الآداب ويصورها، ويستخف الألباب ويستطيرها]
стр. 336
@جملة من نثره، مع ما ينخرط في سلك ذلك من شعره
[له من رقعةٍ خاطب بها ابن جهور من موضع اعتقاله يقول فيها:
يا مولاي وسيدي الذي ودادي له، واعتدادي به، واعتمادي عليه، أبقاك الله ماضي حد العزم، واري زند الأمل، ثابت عهد النعمة. إن سلبتني - أعزك الله - لباس إنعامك، وعطلتني من حلي إيناسك، وغضضت عني طرف حمايتك، بعد أن الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع ثنائي عليك، وأحس الجماد بإسنادي إليك، فلا غرو فقد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفي به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وإني لأتجلد فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين عضه إكليله، ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله، وسمهري عرضه على النار مثقفة - والعتب محمود عواقبه، والنبوة غمرة ثم تنجلي، والنكبة " سحابة صيفٍ عن قريب تقشع "، وسيدي إن أبطأ معذور.
وإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعله اللائي سررن ألوف وليت شعري ما الذنب الذي أذنبت ولم يسعه العفو - ولا أخلو من أن أكون برئياً، فأين العدل - أو مسيئاً فأين الفضل - وما أراني إلا لو أمرت بالسجود لآدم فأبيت، وعكفت على العجل، واعتديت في السبت، وتعاطيت فعقرت، وشربت من النهر الذي ابتلى به جنود طالوت، وقدت لأبرهة الفيل، وعاهدت قريشاً على ما في الصحيفة، وتأولت في بيعة العقبة
стр. 337
ونفرت إلى العير ببدر، وانخزلت بثلث الناس يوم أحد، وتخلفت عن صلاتي في بني قريظة، وأنفت من إمارة أسامة، وزعمت أن خلافة الصديق فلتة، " ورويت رمحي من كتيبة خالد "، وضحيت بالأشمط الذي عنوان السجود به، لكان فيما جرى عليّ ما يحتمل أن يسمى نكالاً، ويدعى ولو على المجاز عقاباً.
وحسبك من حادثٍ بامرئ ... ترى حاسديه له راحيمنا فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح، ونبأ جاء به فاسق - والله ما غششتك بعد النصيحة، ولا انحرفت عنك بعد الصغية، ولا نصبت لك بعد التشيع فيك، ففيم عبث الجفاء بأذمتي، وعاث في مودتي، وأني غلبني المغلب، وفخر على الضعيف، ولطمتني غير ذات سوار - ومالك لا تمنع مني قبل أن أفترس، وتدركني ولاما أمزق وقد زانني اسم خدمتك، وأنلت الجميع من سماطك، وقمت المقام المحمود على بساطك -
ألست الموالي فيك نظم قصائدٍ ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
стр. 338
وهل لبس الصباح إلا برداً طرزته بمحامدك، وتقلدت الجوزاء إلا عقداً فصلته بمآثرك، وفيت المسك إلا حديثاًَ أذعته بمفاخرك، وما يوم حليمة بسر، وحاش لله أن أعد من العاملة الناصبة، وأكون كالذبالة المنصوبة تضيء للناس وهي تحترق.
وفي فصل منها:
ولعمري ما جهلت أن الرأي في أن أتحول إذا بلغتني الشمس، ونبا بي المنزل، وأضرب عن المطامع التي تقطع أعناق الرجال، ولا أستوطئ العجز فيضرب بي المثل: خامري أم عامر. وإني مع المعرفة بأن الجلاء سباء، والنقلة مثلة، لعارف أن الأدب الوطن الذي لا يخشى فراقه، والخليط الذي لا يتوقع زياله، والنسب الذي لا يجفى؛ أينما توجه ورد أعذب منهل، وحط في جناب قبول، وضوحك قبل
стр. 339
إنزال رحله، وأعطي حكم الصبي على أهله،
وقيل له أهلاً وسهلاً ومرحباً ... فهذا مبيت صالح وصديق غير أن الوطن محبوب، والمنشأ مألوف، واللبيب يحن إلى وطنه، حنين النجيب إلى عطنه، والكريم لا يجفو أرضاً بها قوابله، ولا ينسى بلداً فيه مراضعه، قال الأول:
أحب بلاد الله ما بين منعجٍ ... إليّ وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها عق الشباب تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها مع مغالاتي بعلو جوارك، ومنافستي، في الحظ من قربك، واعتقادي أن الطمع في غيرك طبع، والغنى من سواك عناء، والبدل منك أعور، والعوض لفاء:
وإذا نظرت إلى أميري زادني ... ضناً به نظري إلى الأمراء وكل الصيد في جوف الفرا، وفي كل شجر نار واستمجد المرخ
стр. 340
والعفار. فما هذه البراءة ممن يتولاك، والميل عمن يميل إليك؛ وهلا كان هواك في من هواه فيك، ورضاك لمن رضاه لك:
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم أعيذك ونفسي أن أشيم خلبا، وأستمطر جهاماً، وأكد غير مكدم، وأشكو " شكوى الجريح إلى العقبان والرخم ". وإنما أبسست بك لتدر، وحركت لك الحوار لتحن، ونبهتك لأنام،، وسريت إليك لأحمد السرى لديك، بعد اليقين أنك إن سنيت عقد أمري تيسر، ومتى أعذرت في فك أسري لم يتعذر، وعلمك محبط بأن المعروف ثمرة النعمة، والشفاعة زكاة المروءة، وفضل الجاه - تعود به - صدقة.
وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعةً ... من جاهه فكأنها من ماله
стр. 341
لعلي ألقي العصا بذراك، وتستقر بي النوى في ظلك، فتستلذ جنى شكري من غرس عارفتك، وتستطيب عرف ثنائي من روض صنيعتك، فأستأنف التأدب بك، والاحتيال على مذهبك، فلا أوجد للحاسد مجال لحظة، ولا أدع للقادح مساغ لفظة، والله شهيدك من إطلابي بهذه الطلبة، وإشكائي من هذه الشكوى، لصنيعة تصيب بها طريق المصنع، وقد تستودعها أحفظ مستودع، [حسبما أنت خليق له، وأنا منك حري به، فذلك بيدك، وهين عليك] . [ولما توالت غرر هذا النثر، واتسقت درره] ، فهز عطف غلوائه، وجر ذيل خيلائه، عارضه النظم مباهياً، بل كايده مداهيا، حين أشفق من أن يعطفك استعطافه، وتميل بنفسك ألطافه، فاستحسن العائدة منه، واعتد بالفائدة له، وما زال يستكره الذهن العليل، والخاطر الكليل، حتى زف إليك منه عروساً مجلوة في أثوابها، منصوصة بحليها وملابها، وهاهي:
الهوى في طلوع تلك النجوم ... والمنى في هبوب ذاك النسيم
سرنا عيشنا الرقيق الحواشي ... لو يدوم السرور للمستديم ومنها:
стр. 342
وطر ما انقضى إلى أن تقضى ... زمن ما ذمامه بالذميم
زار مستخفياً وهيهات أن يخ ... فى سرى البدر في الظلام البهيم
فوشى الحلي إذ مشى وهفا الطي ... ب إلى حسن كاشح بالنميم
أيها المؤذني بظلم الليالي ... ليس يومي بواحد. من ظلوم
ما ترى البدر إن تأملت والشم ... س هما يكسفان دون النجوم
وهو الدهر ليس ينفك ينحو ... بالمصاب العظيم نحو العظيم
بوأ الله جهوراً شرف السؤ ... دد في السر واللباب الصميم
واحد سلم الجميع له الفص ... ل فكان الخصوص فوق العموم
قلد الغمر ذا التجارب فيه ... واكتفى جاهل بعلم عليم ومنها في ذكر اعتقاله:
سقم لا أعاد منه وفي العا ... ئد أنس يفي ببرء السقيم
نار بغي سرت إلى جنةالأر ... ض بياتاً فأصبحت كالصريم
[بأبي أنت إن تشأ تك برداً ... وسلاماً كنار إبراهيم]
للشفيع الغناء والحمد في صو ... الحيا للرياح لا للغيوم وبعد تمام هذه القصيدة: هاكها - أعزك الله - يبسطها الأمل، ويقبضها الخجل، لها ذنب التقصير، وحرمة الإخلاص، فهب ذنباً لحرمة، واشفع نعمة بنعمة، لتأتي الإحسان من جهاته، وتسلك إلى الفضل طرقاته، إن شاء الله] .
стр. 343
وهذا البيت الأخير، إلى معنى بيت البحتري يشير:
حماز حمدي وللرياح اللواتي ... تجلب الغيث مثل حمد الغيوم وأخذه البحتري من قول أبي تمام:
وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعةً ... من جاهه فكأنها من ماله وقوله: " سقم لا أعاد منه " ... البيت، من قول علي بن الجهم
بيت يجدد للكريم كرامةً ... ويزار فيه ولا يزور ويحقد وله أيضاً في ابن جهور، وكتب بها [إليه] من السجن:
ما جال بعدك لحظي في سنا القمر ... إلا ذكرتك ذكر العين بالأثر
ولا استطلت ذكاء الليل من أسف ... إلا على ليلةٍ سرت مع القصر
في نشوة من سنات الوصل موهمة ... أن لا مسافة بين الوهن والسحر
يا ليت ذاك السواد الجون متصل ... قد استعار سواد القلب والبصر
أما الضنى فجنته لحظة عنن ... كأنها والردى جاء على قدر
فهمت معنى الهوى من وحي طرفك لي ... إن الحوار لمفهوم من الحور ومنها:
стр. 344
من يسأل الناس عن حالي فشاهدها ... محض العيان الذي يغني عن الخبر
لم تطو برد شبابي كبرة وأرى ... برق المشيب اعتلى في عارض الشعر
قبل الثلاثين إذ عهد الصبا كثب ... وللشبيبة غصن غير مهتصر
يا للرزايا لقد شافهت منهلها ... غمراً فما أشرب المكروه بالغمر
هل الرياح بنجم الأرض عاصفة ... أم الكسوف لغير الشمس والقمر
إن طال في السجن إيداعي فلا عجب ... قد يودع الجفن حد الصارم الذكر
وإن يثبط أبا الحزم الرضى قدر ... عن كشف ضري فلا عتب على القدر
من لم أزل من تأنيه على ثقة ... ولم أبت من تجنيه على حذر
وزير سلم كفاه يمن طائره ... شؤم الحروب ورأي محصد المرر
أغنت قريحته مغنى تجاربه ... ونابت اللمحة العجلى عن الفكر
كم اشترى بكرى عينيه من سهرٍ ... هدوء عين الهدى في ذلك السهر
في حضرة غاب صرف الدهر خشيته ... عنها، ونام القطا فيها ولم يثر
حرمت منه وحظ الناس كلهم ... لهذه العبرة الكبرى من العبر
وكنت أحسبني والنجم في قرن ... ففيم أصبحت منحطاً إلى العفر
أحين رف على الآفاق من أدبي ... غرس له من جناه يانع الثمر
وسيلة سبب إلا تكن نسباً ... فهو الوداد صفا من غير ما كدر
يا زهرة الزهر حياً وهو إن فنيت ... حياته زينة الآثار والسير
لي في اعتمادك في التأميل سابقة ... وهجرة في الهوى أولى من الهجر
стр. 345
هل من سبيل، فماء العتب لي أسن ... إلى العذوبة من عتباك والخصر
لا تله عني فلم أسألك معتسفاً ... رد الصبا غب إيفاء على الكبر
فاشفع أكن مثل ممطور ببلدته ... جذلان بالوطن المألوف والمطر [قوله: قد استعار سواد القلب والبصر " لفظ المعري حيث يقول:
يود أن ظلام الليل دام له ... وزيد فيه سواد القلب والبصر] وقوله: " هل الرياح بنجم الأرض عاصفة " ... البيت، معنى قد طوي ونشر، ومنه قول أبي تمام:
إن الرياح إذ ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد ولم يعبأن بالرتم
بنات نعشٍ ونعش لا كسوف لها ... والشمس والبدر منها الدهر في الرقم وأخذه منه البحتري فقال:
ولست ترى شوك القتادة خائفاً ... سموم الرياح الآخذات من الرند
ولا الكلب محموماً وإن طال عمره ... ألا إنما الحمى على الأسد الورد وبيت البحتري الأخير من قول حبيب أيضاً:
فإن تك قد نالتك أطراف وعكة ... فلا عجب قد يوعك الأسد الورد
стр. 346
وأخذه الأمير شمس المعالي، وننشد القطعة بجملتها:
[قل للذي بصروف الدهر عيرنا: ... هل عاند الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تطفو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر]
فإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا ... ونالنا من تمادي بؤسه ضرر
ففي السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر ومعنى بيت شمس المعالي الثاني من متداولات المعاني، منها قول ابن الرومي:
دهر علا قدر الوضيع به ... وغدا الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلاً وتطفو فوقه جيفه وقد كرره ابن الرومي في مواضع، منها قوله:
قالت علا الناس إلا أنت قلت لها: ... كذاك يسفل في الميزان ما رجعا وقال المتنبي:
ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجيش وانحط القتام وقول ابن زيدون: " حضرة غاب صرف الدهر خشيته ".. [البيت
стр. 347
مع الذي بعده، لم يخله من برد، ولا أقامه على ساق نقد، وخير منهما ما وصف من خبر التاجر] مع أبي دلف وقد مر به في مكان، فوطئ له طرف طيلسان، فقال له: يا أبا دلف، ليس هذا كرجك، هذه حضرة أمير المؤمنين، الشاة والذئب يشربان فيها من إناء واحد.
ومن اللفظ المليح، الطيار الخفيف الروح، في هذا المعنى قول ابن عمار:
وألف بين الظبي والذئب عدله ... فلا تجزعي أن زار ربعك ذيب وله أيضاً قصيدة فريدة خاطب بها ابن جهور، وهو تلك الحال من الاعتقال، أولها:
ألم يأن أن يبكي الغمام على مثلي ... ويطلب ثاري البرق منصلت النصل
وهلا أقامت أنجم الليل مأتماً ... لتندب في الآفاق ما ضاع من نبلي
فلو أنصفتني وهي أشكال همتي ... لألقت بأيدي الذل لما رأت ذلي
ولافترقت سبع الثريا وغاظها ... بمجمعها ما فرق الدهر من شملي
لعمر الليالي إن يكن طال نزعها ... لقد قرطست بالنبل في مقتل النبل
стр. 348
تحلت بآدابي وإن مآربي ... لسانحة في عرض أمنية عطل
أخص لفهمي بالقلى وكأنما ... يبيت لذي الفهم الزمان على ذحل
وأجفى على نظمي لكل قلادة ... مفصلة السمطين بالمنطق الفصل
ولو أنني أسطيع - كي أرضي العدا - ... شريت ببعض العلم حظاً من الجهل
أمقتولة الأجفان مالك والهاً ... ألم ترك الأيام نجماً هوى قبلي -
أقلي بكاء لست أول حرةٍ ... طوت بالأسى كشحاً على مضض الثكل
وفي أن موسى عبرة إذ رمت به ... إلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي
ولله فينا علم غيب وحسبنا ... به عند جور الدهر من حكم عدل
وإن رجائي في الهمام ابن جهور ... لمستحكم الأسباب مستحصد الحبل
كريم عريق في الكرام وقلما ... يرى الفرع إلا مستمداً من الأصل
يرف على التأميل لآلاء بشره ... كما رف لآلاء الحسام على الصقل
ويغنى عن المدح اكتفاءً بسروه ... غنى المقلة الكحلاء عن زينة الكحل
أبا الحزم إني في عتابك مائل ... على جانب تأوي إليه العلا سهل
حمائم شكري صبحتك هوادلاً ... تناديك من أفنان آدابي الهدل
جواد إذا استن الجياد إلى مدى ... تمطر فاستولى على أمد الخصل
ثوى صافناً في مربط الهون يشتكي ... بتصهاله ما ناله من أذى الشكل
أأن زعم الواشون ما ليس مزعماً ... تعذر في نصري وتعذر في خذلي -
ولم أستثر حرب الفجار ولم أطع ... مسيلمة إذ قال إني من الرسل
وإني لتنهاني نهاي عن التي ... أشار بها الواشي ويعقلني عقلي
стр. 349
أأنفقض فيك المدح من بعد قوةٍ ... فلا قتدي إلا بناقضة الغزل -
هي النعل زلت بي فهل أنت مكذب ... لقيل الأعادي إنها زلة الحسل
ألا إن ظني بين فعليك واقف ... وقوف الهوى بين القطيعة والوصل
وإلا جنيت الأنس من وحشة النوى ... وهول السرى بين المطية والرحل
سيعنى بما ضيعت مني حافظ ... ويلفى لما أرخصت من خطري مغلي
وأين جواب منك ترضى به العلا ... إذا سألتني عنك ألسنة الحفل - ومعنى هذا البيت الأخير كقول الآخر:
فاختر لنفسك ما أقول فإنني ... لابد أخبرهم وإن لم أسال وقوله: " ثوى صافناً في مربط الهون " كقول المتنبي:
وإن تكن محكمات الشكل تمنعني ... ظهور جريٍ فلي فيهن تصهال قال القسطلي:
وذو غرة معروفة السبق في المدى ... وقد قرح التحجيل من ألم الشكل وقوله: " ويغنى عن المدح اكتفاء بسروه " البيت، معنى متداول وينظر إليه قول القائل:
стр. 350
وأعشق كحلاء المدامع خلقةً ... لئلا ترى في عينها منة الكحل وفي بني جهور يقول:
بني جهورٍ أحرقتم بجفائكم ... جناني فما بال المدائح تعبق -
تعدوني كالمندل الرطب إنما ... تطيب لكم أنفاسه حين يحرق وأراه توارد في هذين البيتين مع أبي علي ابن رشيق القيرواني حيث يقول:
أراك اتهمت أخاك الثقه ... وعندك مقت وعندي مقه
وأثني عليك وقد سؤتني ... كما طيب العود من أحرقه وأخذاه معاً من قول أبي تمام:
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود وأنشدني بعض أهل وقتنا وهو أبو مروان ابن شماخٍ لنفسه:
نوائب غالتني فأبدت فضائلي ... فكانت وكنت النار والعنبر الوردا ولغيره:
إن مست النار جسمي ... أبديت طيب نسيم
كالدهر إن عض يوماً ... أبان فضل الكريم
стр. 351
وأبو الوليد ابن زيدون على كثير إحسانه كثير الاهتدام، في النثار والنظام.
وكتب إلى الأديب أبي بكر ابن مسلم وهو مختف بقرطبة بعد فراره من السجن فصلاً من رقعة [يقول فيها] :
أبدأ أولاً بشرح الضرورة الحافزة إلى ما صنعت، إذ بلغني أنك صدر اللائمين لي عليه، ومن أمثالهم: ويل للشجي من الخلي، وهان على الأملس ما لاقى الدبر. وأعاتبك على افنصالك عني، وبراءتك أمد المحنة مني، [عسى أن تتلاقى عوداً ما أضعت بدءاً، وإن كنت في ذلك كدابغة وقد حلم الأديم، ومنفعة الغوث قبل العطب، وفي علمك أني سجنت مغالبةً بالهوى، وهو أخو العمى، وقد نهى عنه تعالى فقال: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ (ص: ٢٦) الآية. وشهد علي فلان الناشر أذنيه طمعاً، ليأكل بيديه جشعاً، قال، وكان القول ما قالت حذام؛ وليت مع قبول من لا تجهل شهادته علي يعذر فيه إليّ، ولم يقرن الحشف بسوء الكيلة. وكنت أول حبسي بموضعٍ جرت العادة فيه وضع مستوري الناس وذوي الهيئات منهم، وفي الشر خيار، وبعضه أهون من بعض. ثم نقلت بعد إلى حيث الجناة المفسدون
стр. 352
واللصوص المقيدون، ومنع مني عوادي، فشكوت إلى الحاكم الحابس لي، فصم عني، ولو ذات سوارٍ لطمتني:
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيفٍ ولم يغلبك مثل مغلب] فلم استطع صبراً، وعلمت أن العاجز من لا يستبد، والمرء يعجز لا المحالة، ولم أستجز أن أكون ثالث الأذلين: العير والوتد. وذكرت أن الفرار من الظلم، والهرب ممن لا يطاق، من سنن المسلمين، وقد قال تعالى على لسان موسى: ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ (الشعراء: ٢١) فنظرت في مفارقة الوطن، إذ قديماً ضاع الفاضل في وطنه، وكسد العلق الغبيط في معدنه، كما قال:
أضيع في معشري وكم بلدٍ ... يعود عود الكباء من حطبه واستخرت الله في إنفاذ العزم، وأنا الآن بحيث أمنت بعض الأمن، إلا أن السعي لم يرتفع، ومادة البغي لم تنقطع. وختم رسالته بهذا النظم:
شحطنا وما للدار نأي ولا شحط ... وشط بمن نهوى المزار وما شطوا
أأحبابنا ولت بحادث عهدنا ... حوادث لا عهد عليها ولا شرط
стр. 353
لعمركم إن الزمان الذي قضى ... بشت جميع الشمل منا لمشتط
وما شوق مقتول الجوانح بالصدى ... إلى نطفة زرقاء أضمرها وقط
بأبرح من شوقي إليكم ودون ما ... أريد المنى منه القتادة والخرط
وفي الربرب الإنسي أحوى كناسه ... نواحي ضميري لا الكثيب ولا السقط
ألا هل أتى الفتيان أن فتاهم ... فريسة من يعدو ونهزة من يسطو -
وأن الجواد الفائت الشأو صافن ... تخونه شكل وأزرى به ربط -
عليك أبا بكر بكرت بهمة ... لها الخطر العالي، وإن نالها حط
أبي بعد ما هيل التراب على أبي ... ورهطي فذاً حين لم يبق لي رهط
لك النعمة الخضراء تندى ظلالها ... علي ولا جحد لدي ولا غمط
ولولاك لم تقدح زناد قريحتي ... فينتهب الظلماء من نارها سقط
هرمت وما للشيب وخط بمفرقي ... ولكن لشيب الهم في كبدي وخط
وطاول سوء الحال نفسي فأذكرت ... من الروضة الغناء طاولها القحط
ولما انتحوني بالتي لست أهلها ... ولم يمن أمثالي بأمثالها قط
فررت فإن قالوا الفرار إرابة ... فقد فر موسى حين هم به القبط
وإني لراج أن تعود كبدئها ... لي الشيمة الزهراء والخلق السبط
فما لك لا تخصني بشفاعة ... يلوح على دهري لميسمها علط - كأن أول هذه القصيدة ناظر إلى قول راشد أبي حكيمة حيث يقول:
стр. 354
ومستوحش لم يمس في أرض غربة ... ولكنه ممن يحب غريب [وقال الآخر:
فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى ... ولكن من تنأين عنه غريب ويناسبه أيضاً قول المتنبي:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم وقوله: " هرمت وما للشيب " ... البيت، ناقص عن قول المتنبي:
إلا يشب فلقد شابت له كبد ... شيباً إذا خضبته سلوة نصلا وقوله: " وإن الجواد "، كقول أبي الطيب أيضاً:
وما في طبه أني جواد ... أضر بجشمه طول الجمام وقد كرر هذا المعنى أبو الطيب في مواضع من شعره، وكلف به وشغف، وصرف الكلام فيه فتصرف، وقد تقدم إنشاده. ومنه أيضاً قول عبد الجليل، المرسى للمعتمد بن عباد:
أتتك على خلائقها جيادي ... وإن كان الضياع لها شكالا وكتب من سجنه إلى أبي حفص ابن برد:
стр. 355
ما على ظني باس ... جرح الدهر وياسو
ربما أشرف بالمر ... ء على الآمال ياس
ولقد ينجيك إغفا ... ل ويرديك احتراس
والمحاضير سهام ... والمقادير قياس
يا أبا حفص وما سا ... واك في فهم إياس
من سنا رأيك لي في ... ظلم الخطب اقتباس
وودادي لك نص ... لم يخالفه القياس
أذؤب هامت بلحمي ... فالتهام وانتهاس
كلهم يسأل عن حا ... لي وللذئب اعتساس
يلبد الورد السبنتى ... وله بعد افتراس
إن أكن أصبحت محبو ... ساً فللغيث احتباس
فتأمل كيف يغشى ... مقلة المجد النعاس
ويفت المسك في التر ... ب فيوطا ويداس
لا يكن عهدك ورداً ... إن عهدي لك آس
وأدر ذكري كاساً ... ما امتطت كفك كاس
فعسى أن يسمح الده ... ر فقد طال الشماس قوله: " يلبد الورد السنتى " ... البيت، كقول النابغة:
وقلت يا قوم إن الليث منقبض ... على براثنه للوثبة الضاري
следующие страницы →