Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
سائر مقطوعات له في أوصاف شتى
قال:
لعل الله يفتك المعنى ال ... أسير فيغتدي وهو الطليق
وإن أرجو التخلص من عظيم ... فقد ينجو من اللجج الغريق
لقد أنفذت من جلدي دروعا ... زرين على الذي نسجت سلوق
وصبرا لو تجسم لي مجنا ... كفاني ما رمته المنجنيق
وأفقد ما طلبت فلم أجده ... رفيق في صحابته رفيق
فأصبح وهو للعنقاء ثان ... وثاو حيث فرخت الأنوق
صحبت بهذه الدنيا أناسا ... إذا غدروا فغدرهم وثيق
ولم أصحبهم ودا ولكن ... كما جمع العدوين الطريق لعله ذهب في هذا القول إلى قول أبي الطيب:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد وقال:
بعيشك ناد أيامي وقل هل ... لديك إلى مرد من سبيل
стр. 2907
أراك كما يرى المحتاج مالا ... وقد ملكت عليه يد البخيل
أراحلة وما أبقيت مني ... سوى لحظ يترجيم عن قتيل
وقد عاقبت بالعبرات عيني ... بلا ذنب وما ذنب الرسول
وجدت الناس كلهم طلولا ... فلم أطيل الوقوف على الطلول
وتسمع منهم ما لا تراه ... كسامع ضربة السيف الصقيل
فمن بسواك باعك فاغن عنه ... كما استغنى علي عن عقيل عقيل أخو علي بن أبي طالب كان ولد معه توأما، ولذلك قال: زوحمت حتى في الرحم. ولما كان يوم صفين هرب إلى معاوية وفارق أخاه عليا.
وقوله: " أراك كما يرى المحتاج مالا " - البيت، أراه توارد فيه مع لدته وابن بلدته أبي علي بن رشيق حيث يقول:
والصبح قد مطل الليل العيون به ... كأنه حاجة في كف ضنين وقال ابن شرف:
وما بلوغ الأماني في موعدها ... إلا كأشعب يرجو وعد عرقوب
وقد يخالف مكتوب القضاء يدي ... فكيف [لي] بقضاء غير مكتوب
стр. 2908
وقال:
- سل عن رضاي عن الزمان فأنه ... كرضى الفرزدق عن بني يربوع
لله حالٌ قد تنقل عهدها ... بخلاف نقل الدهر حال صريع
دارت دراري الخطوب قواصداً ... حنى نظرن إلي من تربيع - كان صريع الغواني حاملاً فولاه بنو سهلِ جرجان فشرف.
وقال:
أهل الصفاء نأيتم بعد قربكم ... فما انتفعت بعيش بعدكم صافِ
وقد قصدت ندى من لا يوافقني ... فكان سهمي عنه الطائش الهافي
أردت عمراً وشاء الله خارجةً ... أما كفى الدهر من خلفي وإخلافي - وقال:
يقولون ساد الأرذلون بعصرنا ... وصار لهم قدر وخيل سوابق
فقلت لهم ولى الزمان ولم تزل ... تفرونُ في أخرى البيوت البيادق وقال:
قالوا تصاهلت الحمي ... ر فقلت إذ عدم السوابق
خلت البيوت من الرخا ... خِ ففررنت فيها البيادق
стр. 2909
وقال:
شكوت حزني وبثي ... إلى القريب المجيب
فكان عقباي عقبى ... نبيه يعقوب وقال:
لك منزل كملتْ ستارته لنا ... للهوْ لكن تحت ذاك حديث
غنى الذباب وظل يرمز حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث وهذا كقول السميسر:
ضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي
رقصُ البراغيث فيها ... على غناء البعوض - ما أخرجته من مراثيه لأهل القيروان بلده
قال من قصيدة وصف فيها إذلال أهل سوسة جالية القيروان وهي طويلة قطفت عيونها:
- آه للقيروان أنه شجوٍ ... عن فؤاد بجاحم الحزنِ يصلى
حين عادت به الديار قبورا ... بل أقول الديار منهن أخلى
стр. 2910
ثم لا شمعةٌ سوى أنجمٍ تخ ... طو على أفقها نواعس كسلى
بعد زهر الشماع توقد وقداً ... ومتان الذبال تفتل فتلا
والوجوه الحسان اشرق منهن ... ويفضلنهن معنىً وشكلا
لو رأيت الذين كان لهم سه ... لك وعراً قد صيروا الوعر سهلاً ومنها:
بعد يوم كأنما حشر الحل ... ق حفاةً به عواري رجلى
ولهم زحمة هنالك تحكي ... زحمة الحشر والصحائف تتلى
وعجيج وضجة كضجيج ال ... خلق يبكون والسرائر تبلى
من أيامي وراءهن يتامى ... ملئوا حسرة وشجوا وثكلا [٩٢]
وثكالى أراملاً حاملات ... طفلة تحمل الرضاع وطفلاً
وحصان كأنها الشمس حسنا ... كفنتها الأطمار نجلاء كحلا
فات كرسيها الجلاء فأضحت ... في ثياب الجلاء للناس تجلى
جار فيهم زمانهم وأولوا الأم ... ر ففروا يرجون في الأرض عدلا
تركوا الربع والأثاث وما يث ... قلٌ لا حامل من الناس ثقلا
لبسوا الباليات من خشنِ الصو ... ف ليغدو النبيه في الناس غفلا
стр. 2911
نادباتٍ، عفراء تسعد سعدى ... وسعادٌ تجيبُ بالنوحِ جملا
ليس منهن من يودعُ جاراً ... لا ولا حرمةٌ تشيع أهلا
كلهن اعتدى الفراقُ عليه ... فاقتحمن الجلاء حفلاً فحفلا
فإذا القفرُ ضمهم فوق الده ... رُ لهم غيرَ ذلك النبلِ نبلا
من ثعابين حاملينَ نيوبا ... عصلاً: ذابلاً ونبلاً ونصلا
وشياطينَ رامحين يلاقو ... نَ بجونِ الفلا مساكين عزلا
فترى للظهور تعتلُ عتلاً ... وتشق البطون تغسلُ غسلا
فإذا مطمعٌ أصابوه في أح ... شاءِ قومٍ عموا بذلك كلاً
فإذا نجت المقادير منهم ... راحلاً بالخلاصِ يحملُ رحلا
لقيَ الهون في المذلةِ أنى ... كان من سائر البلاد وحلا
ليس يلقى إلا أمراً مستطيلاً ... طالباً عندهُ حقوداً وذحلا
فترى أشرف البرية نفساً ... ناكساً رأسه يلاطفُ نذلاً
فهم كلما نبتَ بهم أر ... ضٌ مطايا الفراقِ خيلاً ورجلا
مزقوا في البلاد شرقاً وغرباً ... يسكبون الدموع هطلاً ووبلا
لا يلاقي النسيب منهم نسيباً ... يتعزى به ولا الخل خلا
ليت شعري هل عودةٌ ليَ في الغي ... بِ إلى ما طال شجوي أم لا
стр. 2912
قوله " حينَ عادتْ به الديارُ قبوراً " يشبه من وجهٍ قول أبي تمام:
- وما الفقرُ بالبيدِ القواءِ بلِ التي ... نبتَ بي وفيها ساكنوها هي القفرُ وأخذه بعض أهل عصري وزاد فقال:
ثاوٍ بحمصِ كأنما هي قبره ... لو لم يقاس بها صروف زمانه وقوله " ثم لا شمعةٌ سوى أنجم " ينظر إلى قولِ محمد بن هانئ الأندلسي:
وبات لنا ساقٍ يقوم على الدجى ... بشمعة صبحٍ لاتقط ولا تطفا ويروى " بشمعة ليلٍ "، وإنما أخذه من قول أبي الحسنِ سليمان ابن حسان النصيبي:
وإن يكُ ليلنا فيه نهاراً ... فشمعةُ بدرهِ ليست تقطُ وربما توارد معه لأنه كان معاصره، إلا أن ابنَ هانئ أقدم موتاً.
حكى أبو علي في رسالة " قراضة الذهب " أنه مات سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
стр. 2913
- وقال أبن شرف من قصيدة وصف ما كان من صيانة الحريم في أوطانها، ثم ما صارت إليه من الانكشاف في الحل والترحال، وركوب طهور الخطوبِ والأهوال فيها:
- بعد خطوب خطبت مهجتي ... وكان وشكُ البين إمهارها
ذا كبدٍ أفلاذها حولها ... قسمت الغربةُ أعشارها
أطافل ما سمعت بالفلا ... قطٌ فعانيتُ الفلا دارها
ولا رأت أبصارها شاطئاً ... ثم جلتْ باللجِ أبصارها
وكانت الأستارُ آفاقها ... فعادت الآفاقُ أستارها
ولم تكن تعلو سريراً علا ... إلا إذا وافق مقدارها
ثم علت كل عثور الخطا ... يرمي بها الأرض وأحجارها
ولم تكن تلحظها مقلةٌ ... لو كحلت بالشمسِ أشفارها
فأصبحت لا تتقي لحظةً ... إلا بأن تجمع أطمارها قوله " وكانت الأستار آفاقها " من الكلام الفصيح، والقلب المليح. ويشبه منحاه، وإن لم يكنْ في معناه، قول الأول:
стр. 2914
فردَ شعورهن السودَ بيضاً ... وردَ وجوههن البيض سودا وكقول الآخر:
نديمي جاريةٌ ساقيه ... ونزهتي ساقيةٌ جاريه وله من أخرى:
كأني وأفراخي إذا الليل جننا ... وبات الكرى يجفو جفوناً ويطرقُ
حمائم أضللنَ الوكور فضمها ... تجانسها حتى تراءى المفرق
إذا أفزعتهم نبوةٌ زاحموا لها ... ضلوعي حتى ودهم لو تفتقُ
ويصغر جسمي عن جميع احتضانهم ... فيثبتُ ذا فيه وذا عنه يزهق
كأنهم لم يسكنوا ظلَ نعمة ... لها بهجة ملُ العيون ورونق
إلى أن غدوا فيء فتارةً ... تباعُ وفي بعضِ الأحايين تعتقُ
وطوروا على موجٍ البحارِ كأننا ... قذى قد وثقنا أننا ليس نغرق [٩٣]
ونحن نفوس تسعةٌ ليس بيننا ... وبين الردى إلا عويد ملفق نظم هذا من قول الفيلسوف وقد ركب سفينةً فقال للملاح:
كمْ غلطُ لوح سفينتك - قال: إصبعان. قال فإنما بيننا وبين الموت إصبعان.
стр. 2915
وقوله " إذا أفزعتهم نبوةٌ " - البيت، بناهُ على قول امرئ القيس، إلا أن الوجدُ لذعه لذعةٌ أنطقته بالحال، وقولته السحر الحلال، فعلمته كيف يفتت الأكباد، ويفتُ في الأعضاد، وهو قوله:
إذا أخذتها هزة الروعِ أمسكت ... بمنكبِ مقدامٍ على الهولِ أروعا وقال من أخرى:
يا قيروان وددتُ أني طائرٌ ... فأراك رؤيةَ باحثً متأملِ
آها وأية آهةٍ تشفى جوى ... قلبٍ بنيران الصبابةِ مصطلي
أبدت مفاتيح الخطوب عجائباً ... كانت كوامن تحت غيبٍ مقفل
زعموا ابن آوى فيك يعوي والصدى ... بذراك يصرخ كالحزينِ المثكل
يا بيدَ روطةَ والشوارعُ حولها ... معمورةٌ أبداً تغص وتمتلي
يا أربعي في القطب منها كيف لي ... بمعاد يومٍ فيك لي ومن أين لي -
يا لو شهدتِ. إذا رأيتكَ في الكرى ... كيف ارتجاع صباي بعد تكهل
لا كثرةٌ الإحسان تنسي حسرةً ... هيهاتَ تذهبُ علةٌ بتعلل
وإذا تجددَ لي أخ ومنادمٌ ... جددتُ ذكر إخاءِ خلٌ أول
- " لو كنتُ أعلمُ أن آخر عهدهم ... يومُ الرحيلِ فعلتُ ما لم أفعلِ "
стр. 2916
وهذا البيت لجرير؛ وإنما تضمنه. وبعده قولُ جرير:
- لو كنتُ أحذر وشكَ بينٍ عاجلٍ ... لقنعتُ أو لسألت ما لم يسأل وقوله " وإذا تجددَ لي أخٌ ومنادمٌ " ومن قول أبي تمام:
- نقلْ فؤادكَ حيثَ شئتَ من الهوى ... ما القلب إلا للحبيبِ الأول وقال أبو الحسنِ الرضي:
- ما ساعدتني الليالي بعد بينكمُ ... إلا ذكرتُ ليالينا بذي سلمِ وقال ابن شرفٍ من قصيدة:
كأنَ الديارَ الخالياتِ عرائسٌ ... كواسدُ قد أزرت بهن الضرائرُ
وتنكرُ بقياها الأسرةُ حسراً ... عواطل لا تفشى لهن السرائر
إذا أقبل الليل البهيمُ تمكنت ... بها وحشةٌ منها القلوب نوافر
ولا سرجٌ إلا النجوم وربما ... تغطت فسدت جانبيها الدياجر
يمرُ عليها المور يسحبُ لحفه ... ولا كانسُ إلا الريحُ الغدائر
ويمتدُ عمرُ الصوتِ فيها وربما ... تجود مراراً بالكلامِ المقابرٌ
فلو نطقت ما كان أكثرٌ نطقها ... سوى قولها أين الخليطُ المعاشر -
ألا قمرٌ إلا المقنعُ في الدجى ... فأين اللواتي ليلهنَ المعاجرِ
стр. 2917
- ألا منزلٌ فيه أنيسٌ مخالطٌ ... ألا منزلٌ فيه أنيسٌ مجاور -
ترى سيئاتِ القيروانِ تعاظمت ... ألم تكُ قدماً في البلادِ الكبائر - ضجرَ أبو عبد الله - عفا الله عنه؛ وفيها يقول:
ترحل عنها قاطنوها فلا ترى ... سوى سائرٍ أو قاطنٍ وهو سائر
تكشفت الأستار عنهم وربما ... أقيمت ستورٌ دونهم وستائر
إذا جاذبت أستارها تبتغي بها ... لأقدامها ستراً تبدتْ غدائر
تبيت على فرش الحصى وغطاؤها ... دوارسُ أسمال زوارٍ حقائر
فيا ليتِ شعر القيروانِ مواطني ... أعائدةٌ فيها الليالي القصائر -
ويا روحتي بالقيروان وبكرتي ... أراجعة روحاتها والبواكر -
كأن لم تكن أيامنا فيك طليقةً ... وأوجه أيامي السرور سوافر
كأن لم يكن كلٌ ولا كان بعضه ... سيمضي به عصرٌ ويمضي المعاصر قولهُ " كأن الديار الخاليات " ينظر من وجهٍ إلى قول أبي تمام:
وكذاك لم تفرط كآبةٌ عاطلٍ ... حتى يجاورها الزمان بحال وقال أبي شرفٍ من أخرى:
стр. 2918
سقى القصرَ فالميدان أخلافُ مزنةٍَ ... وراحت على الروحاء منها أفاويق
- على أنه مرمى نبت عنهُ أسهمي ... فلا حزَ لي في الأفق منه ولا فوق
أناديهِ والبحرُ المحيطُ مجاوبي ... ودوني خليجٌ منه أفيح مخروق
وقرطبةٌ ضمت إليها جوانحي ... كما ضم من عفراءِ عروة تعنيق
نزلنا [بها] لا نبتغي السوق عندها ... فما كان بدٌ أن أقمت لنا سوق
وأحيا أبن يحيى ميتات خواطري ... وفسحَ آمالي وكان بها ضيق
أبا حسنٍ وأحسنت بدءاً وعودةً ... وللغصنِ إثمارٌ إذا كان توريق
فلم يرَ بؤسٌ إذ وليت أمورها ... ولا كسدتَ سوقٌ إذ ألتفت السوق
وكم لقيت حربَ الأزراق منهمُ ... وكمْ زرقت في جانبيه المزاريق قال أبن بسام: وكثيراً ما يذكر أبنُ شرفٍ في شعره أحياء الأعراب التي أخرجتهم من القيروان كبني هلال [٩٤] وقرة وزغبة وهم الذين تولوا حرب بلدهِ في التاريخ المتقدم الذكر؛ فمن ذلك قصيدةٌ أولها:
جسومٌ على حكمِ العيون صحاحُ ... وفي طي أحناءِ الضلوع جراحُ يقول فيها:
إذا كان للأحباب رسلٌ فرسلنا ... بروقٌ إلى أحبابنا ورياح
ومن دون تلك الرسل أخضرُ زاخرٌ ... أجاجٌ ومهجورُ الفجاجِ فياح
стр. 2919
وللسهم دون القيروانِ تسهمُ ... وما شوكه إلا ظبا ورماح
وقرةٌ قد قرتْ هناك عيونها ... وزغبةٌ ريشت زغبها ورياح
كأن لم يكن لي أمس في عرصاتها ... من العيشِ جد طيبٌ ومزاح
يخيلها زورُ الكرى لي في الدجى ... فأرغب في ألا يلوح صباحُ
كسيتُ قناع الشيب قبل أوانه ... وجسمي عليه للشبابِ وشاح
ويارب وجهٍ فيه للعينِ منزه ... أمانع عيني منه وهو مباح
وأهجره وهو اقتراحي من الورى ... وقد تهجر الأمواه وهي قراح وهذا مصراعُ بيت المعري:
والعذبُ يهجرُ للإفراطِ في الحصرِ ... وقوله: " يخيلها زورُ الكرى " ألم فيه أبن شرف بقول العباس ابن ألأحنف:
حتى أقول إذا استيقظتُ من أسفٍ ... يا ليتني كنتُ دهري راقداً أبدا وله من أخرى يمدحُ الأمينَ ابن السقاء:
فيا أخويَ من أسد وسعدٍ ... أحي حي زغبةٌ أم دفين
فلا اشتملت مساكنها بشمل ... ولا هدأ القرار به سكون
стр. 2920
ولا سرت الرياحُ على رياحٍ ... لواقح مزنةٍ أنى تكون
فقد دارت علينا من رحاها ... طحون كلما لاقت زبون
فلا وطنٌ لنا إلا المطايا ... وإلا الماءُ طوراً والسفين
لعلك أيها البرقُ اليماني ... إذا كشفتَ عن خبرٍ تبين
أفي وكناتها عقبانُ قوم ... كعهدي أم خلتْ منها الوكون
وبين قبابِ صبرةٍ والمصلى ... نهى ومها وآسادٌ وعين
وأجبالٌ تمور بها المذاكي ... وأقمار تميس بها الغصون
وقرطبة أعيدت قيروانا ... لنا لما دهت تلك الفتون
وكيف يضيعُ مثلي في مكانٍ ... يكون به أبو الحسنِ الأمين
أيا منُ أن تكون النونُ راءً ... وقد وجبتْ له راءٌ ونون انتهى ما أخرجته من أخبار ابن شرف، ونتلو ذلك بطرف من أخبار ابن السقاء مدبرِ الدولة الجهورية بقرطبة. ونشير إلى مقتله، ونلمعُ بذكرِ أوله، وكيف ارتقي من الحضيضِ، إلى ذروة الجاه العريض، حتى زاحم نجوم الأفلاك. وملأ صدور الأملاك، وسارت عنه في السياسةِ أخبار. محتْ أضواء الأسحار. وعطرت أنفاس الأزهار.
جملة من أخبار ابن السقاء القرطبي، مدبر الملك الجمهوري
قال ابن حيان: كان أبو الحسن إبراهيم بن محمد بن يحيى المعروف بابن السقاء قد كابدَ من شظف المعيشة في فتاءِ سنه ما لا شيء فوقه، إذ
стр. 2921
كان يعالج السقطَ بسويقة أبن أبي سفيان في قرطبة ببضاعة نزره. وأعلى ما انتقل إليه عند إكداء تلك الحرفة الاستخراج من جهة الأحباسِ، وراثة عن والده محمد السقاء. وبأسبابها خدم القضاة وتمرن مع الفقهاء، وهو يقتات معيشته مياومةً، ويأوي ليله الى بيتٍ في دويرة والده محمد بجوفي المسجد الجامع، يحاضرُ فيه جماعةً إخوةً لا يجد بينهم إلى مد ساقه سبيلاً. وما هو إلا أن حملَ الأمانة على كاهله، فوضفها أسفل رجله، وتذكر عضَ الكلابِ لعصاه، فتحول جرذاً للسرقِ والخيانة، وابتنى القصور المنيعة، واقتنى الضياع المغلة، إلى أملاك لا تحصى كثرة.
قال ابن بسام: وقد رأيت ابن حيان مدحَ ابن السقاء في غير ما موضعٍ من كتابه فيه في فصل:
وصار من المناجح للدولة الجهوريةِ أن استعانَ فيها الوزيرُ الرئيسُ أبو الوليدَ جهورٌ على أمره بالأمين أبي الحسن إبراهيم بنِ محمد، متولي النظر في المسجد الجامعِ على قديم الأيام، خادمه الكافي المنقطع إليه، ونصيحه المتهالك في طاعته. فتفرس فيه فراسة مثله. فقلده القيام بأعباء دولته، فأصاب نقافاً يخذم، ونفذ فيما يريد عنه كالسنان اللهذم، لجودة استقلاله، ورجاجة وزنه.
ثم ذكره بعد مقتله فقال: وهذه عصفة من عصفات الدهر الخؤون، الذي هو لمن أصغى إليه أنصح الواعظين [٩٥] . قصفت من هذا الرجل
стр. 2922
الظالم - كان - لنفسه، الغاش لمصطنعه، سرحةً نوارة أطال الباطل مرعها من غراس أودع خضراء دمنة. فموه على أهل وقته بليانة كانت فيه سوقية، وخلابة جبلية، عضدها جدَ صاعدُ رقاه من الحضيض إلى السها، وحرسته إلى مدة اجتذبته عند توفيها أعراقه اللئيمة، فتولى ذميماً لسوءِ أفعاله، فلا سماؤه بكتْ عليه ولاأرضهُ، وقد كنتُ كتبت من وصف ظاهر محاسنه أوان اعتلاقه بقهرمة أميرنا محمد بن جهور، وعددت من حسان خصاله ما لم يبعد عن الصدق عنه، لأخذنا بظاهر ما تموه في العيون وقت بنائه لنفسه، وتنفيقه لكساده، من طأة الخلق، وحسن الاحتمال، ولين الحجاب، وخفة المواطأة، وجودة الوساطة، معرضين فيه عن ذكر ما لم يمكن لنا النفث عنه مما في باطنه من نذالة الخيم، ونطف الصحبة، وتهمة الخلوة. وإذا به متخلق ليسمو إلى مراد أناله المقدار إياه، فتنة من الله. فلم يلبث أن أدركه عرق السوء، واجتذبه إلى نصر طباعه، فاستحال وتغير، وعتا واستكبر، وخان وغدر فاستخف المظالم، واستهان الكبائر، واطرح الفروض، واحتقر الحقوق، واغترى بذوي الهيئات، وحملة المروات. فأذال صونهم، وأغرى غاشيته من سفلة الناسِ وأوغادهم بهم، فأضرع خدودهم، وحط أقدارهم، وأشعر الأعزة الذلة، وألصق أنوفها بالرغام، وأصمتها عن الكلام. فارتفع الأمر بالمعروف جملةً، ووسع أهل السلامة الدخول تحت التقية. فصرنا ممن أخذ بذلك في ذكره، فيما كتبنا له من ظاهر أخبار مدة ستر الله عليه، إلى أن ارتفعت بزوال سلطانه، وأمان عدوانه، ففارقنا
стр. 2923
الحزام في ذكره، ولزمنا العذر عنه بالنقض لما أسلفناه من تقريظه.
قال ابن حيان: ولما رآه ولد ابن جهور آخذاً بخطط الملكِ اجمعها. ومراتب الرئاسة بكليتها. وتركهم أعطالا. وبسط يده إلى مال الخراج وأحتوى عليه. يأخذه كيف شاء، وينفقه فيما يريد، واصطنع الرجال، وأتخذ الأصحاب والغلمان. فخضعت له الرقاب، وسمت إليه الآمال. فتوقل ذروه الإمارة حالاً حالاً، حتى ثنى الجند والرعية لنفسه، وصدهم عن لقاء أميرهم ابن جهور. ولم يستحي من الله ولا من عباده في خون أمانتي. ولا تستر عن الإعلان بغلول وديعته، وقد تولى أمر السلطان وهو فقير فلم يستتر في الاكتساب، بل جاهر في التحامل على الجيرة والإكراه بالمستضعفين ممن يصاقبه من ذوي خطة أو سهمةٍ. له في كل ذلك أمور لا تحصى كثرة. ثم خلط لأول ترقية في الرئاسة بان اتخذ لنفسه جند سوء. مال به طبعه الرذل إلى الاستظهار بهم على أقادم الجند بقرطبة ممن مرن على الاستقامة، فتخير هو من أراذل الطبقات ومصاص شرار الناس، وانتقاهم من أصناف الدعرة والدائرة والأساود والرقاصة، نخل من كل طبقةٍ مرفوضة ما بعث على الناس منهم ذئاباً عادية، وأعدهم ليوم الكريهة فلم يغنوا عنهم شيئاً لما حاق به قضاؤه. وكان قد أقفر دار الخدمة في قرطبة ونقلها إلى داره، فجعلت المواكب تزدحم على بابه، ولم
стр. 2924
يوقفه الله لاختيار حاجبٍ لبيب يعلو جماعة حجابه، فيحمل له وجوه الناس ويرتب قعودهم بدهليزه فيطعمهم بخروجه أو يعتذر إليهم عنه بما يؤيسهم منه، فيذهبون لسبيلهم معافين من سوء غلمانه؛ وما كانوا يلقونه إلا [في] فصيل فيه أفدام الرجال لسوء أدب حجبته في حملهم على الناس بعنف الرد. ولربما دقوا الأنوف ونتفوا الشوارب غير مميزين لطبقة الناس، فحقدوا عليه، إلى أشتات من المساوئ نظمها، وأنواع من المخازي جمعها. وألقي له على قلوب الناس رهبةٌ مع أضغان شبوا بها أصبغة مساويه، والأقدار تدفع عنه، إلى أن حاقت به فكبا لفيه. ولم يزل يرجع في مراتع الباطل، ويلبس على الناس أمرهم، وصدهم عن أميرهم، وأخذ الله بسمعه وبصرهم. وتمثل لهم الجسد الملقى على كرسي سليمان، فحارت ألبابهم فيه، وتاهت منه، من وزير في قعود أمير، وقاضٍ في مسلاخ جندي، وفقيهٍ على دينٍ يحيى بالقول ويقتل بالفعل. فسبخان من سواه من ألأم طينةٍ فأمهله مدة. من رجلٍ عهر الخلوة لزهده في النساءِ وكلفة بالغلمان. واتخذ داراً آخر مدته للخلوة بهم، فكان لا
стр. 2925
يخدمه فيها [٩٦] ولا يحف به غير خاصة غلمانه، ولا يأذن لأحد من طبقات الناس بالدخول إليه فيها. فأكثر الناس القول في هذه الدار وسموها " دار اللذة " لأنه كان يجيشها في اكثر النهار عند فراغه من أحكامه فيقضي بها راحته. فإذا جاء الليل عاد إلى دار سكناه التي فيها أهله. ومن تمام العجب في شانه انه لم يكشفه ولا نبش صداه إلا تلك الطائفة من بطانته التي اختارهم لنفسه من أرذال الطبقات، وذلك معهود في أمثالهم. فالصنيعة لا تزكو إلا عند ذي حسب ودين.
قال ابن حيان: فلما قطع أموال الناس جملة عن بني جهور، وأخلى أبوابهم من جميع الطبقات، ولم يدع لابن جهور من سلطانه غير التوقيع وحده، وتقدم إلى جميع أصحابه وحجابه أن يدعى بالسلطان، فكان إذا ركب إلى دار أميره ابن جهور سأل سائل: أين يكون السلطان - قال حجابه: في دار الوزير، فيجيئون بمعكوس من القول يمجه السمع، دان له الناس بذلك عنوة، وخاطبوه بالتمويل دعاء ومكاتبة، إلا قليلا تمسكوا بالمروءة فاكتسبوا لديه مقتا. فظل يزداد مع الأيام استكبارا، ويبطن تدبيرا، ويسيء تفكيرا. أخبرت انه قال [له] يوما بعض بطانته عندما رآه يرتكب من الفواحش: خفض عليك، فقال له: وما علينا - والله ما بها كلب ينبح فيجتمع إليه. وما علم الحائن الشقي أن هناك شبل أسد جهوري قد لبد لبطش
стр. 2926
به وهو عبد الملك الأصغر من اخوته، لم يستشر في الفتك به غير نفسه. فلما كان في يوم السبت لسبع بقين لرمضان سنة خمس وخمسين أعد له رجالةً في فصيل أبيه، واقام هو ينتظره، وأرسل عنه رسولاً كان أبوه يوجهه عنه. فلما وصل إلى باب ابن جهور ومعه من أصحابه الناشبين معه نزر يسير، وأراد النزول على حجر لاصق بالباب، وإذا بعبد الملك قد قام عليه بخنجر أعده له فضربه ثم خرج عليه الرجالة المعدون له وابتدروه كالصقور بالسيوف وحزوا رأسه. وركب من حينه عبد الملك وجعل رأسه على رمحه وطيف به البلد كله حتى انتهى إلى داره " دار اللذة " ورمى رأسه للعامة، فعاثت فيه، وكسروا أنيابه ونتفوا لحيته، فأصبح شأنه عجباً. واحتوى عبد الملك على تلك الدار وحازها بما فيها، وعلى أصاغر غلمانه. واجتاز على السجن وأطلق من فيه. وسمع أبوه محمد بن جهور خبر الواقعة فخرج دهيشاً، ورآه مجدلاً فارتاع وتلهف، وانتهز ابنه وهو يحاول تطويف الرأس ولم يقف على أبيه. وأمر ابن جهور بستر جسده في دهليز الإصطبل. وتقدم بإصلاح أبواب المدينة، وركب إلى المسجد الجامع وقد دخل الناس في السلاح وجاشوا جيشاً عظيماً، وأبدوا بقتل ابن السقاء سروراً عظيماً، وأعلنوا بالشمات به وإقداح القول فيه.
وقعد ابن جهور بالمسجد الجامع على كرسي المصحف، وبادر المجيء إليه لأول الهيشة الوزير الزمن، بقية وزراء الفتنة، أبو إسحاق
стр. 2927
ابن حمام عدو ابن السقاء كأنما أنشط من عقال. وقتل ذلك اليوم من حاشيته نحو من عشرين رجلاً. واعتصم أخوه بمنار المسجد الجامع فنجا. وانطلقت أيدي الناس على [أتباعه] فنهبت دورهم. ثم أمر ابن جهور بسوق رأسه وضم إلى جسده، ووري في أخدود خد له بباب مسجد ابن السقاء في أطماره، وهيل عليه التراب هيلاً. وسلبت كسوة المسجد وثرياه، وعطلت فيه الصلاة، فصار ثوياً للثاوي.
فصل في ذكر الأديب الأستاذ أبي الحسن علي بن عبد الغني
الكفيف المعروف بالحصري واجتلاب جملةٍ
من نظمه ونثره
وأبو الحسن هذا ممن لحقته أيضاً بعمري، وأنشدني شعره غير واحد من أهل عصري. وكان بحر براعة، ورأس صناعة، وزعيم
стр. 2928
جماعة. طرأ على جزيرة الأندلس منتصف المائة الخامسة من الهجرة بعد خراب وطنه بالقيروان، والأدب يومئذ بأفقنا نافق السوق، معمور الطريق. فتهادته ملوك طوائفها تهادي الرياض النسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم، على أنه كان فيما بلغني ضيق [٩٧] العطن، مشهور اللسن. يتلفت إلى الهجاء تلفت الظمآن إلى الماء. ولكنه طوي على غره، واحتمل بين زمانته وبعد قطره. ولما خلع ملوك الطوائف بأفقنا - حسبما شرحت فيما تقدم من هذا المجموع وأوضحت - وأخوت تلك النجوم، وطمست من الشعر الرسوم، اشتملت عليه مدينة طنجة، وقد ضاق ذرعه، وتراجع طبعه. وله على ذلك سجع، يمج أكثره السمع، لم يسمح نقدي أن أكتبه، ولا رأيتني أن أرويه، وما أراه يسلك إلا سبيل المعري فيما انتحاه، وكان هو وإياه كما وصف العباس بن الأحنف:
стр. 2929
هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا أو كما قال ابن الرومي:
دعوا الأسد [تربض] في غابها ... ولا تدخلوا بين أنيابها وهيهات في قدرة العمى، أن يجمع بين الأرض والسما، ولا بتقارب الصفات، تقترن منازل الموصوفات:
أكل أبي ذؤيب من هذيل ... وكل أبي دواد من إياد - جملة ما أخرجته من نثر الحصري المكفوف
فصل له من رقعة: السلام عليك أيها القلب الثاني، والبعيد الداني، الراقي في سماء المعالي، الواقي من داء الليالي. أول من عددت، وأفضل من أعددت. ومن لا زال النسيم في البكر والعشيات، يهدي إليه طيب التحيات. ومن جعلت وقاءه، ولا عدمت لقاءه، فإذا كان الكريم سالماً، كان الزمان مسالماً.
стр. 2930
وله من أخرى: وصل كتابك أبهى من الحلي والحلل، وأشهى من القبول والقبل. وشي مرقوم، ودر منظوم، وأنفاس عراقية، ومياه دجلية لا زعاقية:
فلو أني استطعت من ارتياح ... لطرت ببعض أجنحة الرياح
وكنت أطير لولا قص ريشي ... وكيف يطير مقصوص الجناح كتاب كأخلا لولا سواده، الهدب حروفه والحدق مداده. فاستقبلت منه قبلة الحسن، وقبلته تقبيل الركن، وقلت لصحبي: اقرأوه علي. فلما نظروه عجبوا من خطه، وتعجبت أنا من لفظه وضبطه. فتنزهوا بالنواظر، ونزهوني بالسمع والخواطر، فكنت الأظفر، وكان حظي الأوفر، إذ بصرت بما لم يبصروا به، من فنون العلم وضروبه.
قوله: " فتنزهوا بالنواظر، وتنزهت بالسمع والخواطر " معنى متداول منقول، وكأنه محلول من قول الرضي حيث يقول:
فاتني أن أرى الديار بعيني ... فلعلي أرى الديار بسمعي وله فصل من أخرى: والعلم منهاج، وسراج وهاج، ما صدي من سقاه صوب صفائه، ولا عري من كساه ثوب عرائه. ولا حاف عن الحق لسان من يرويه، ولا خاف من الخلق جنان من يحويه. هو الجوهر
стр. 2931
استخرجته أفكار الليالي من بحورها، فالتقطته أبكار المعالي لنحورها، وجميع العلوم كمال، والأدب منها جمال، هو لسان النبي العربي، صلى الله عليه: فقيه يلحن، حمار يطحن، وكاتب غير أديب، أشبه الحيوان بذيب، وشاعر غير معرب، أشبه من بان بمخرب، رب وزير يعجب الناس وهو صامت، فإذا نطق فكل حاسد به شامت.
وله من رقعة طويلة خاطب بها أب الحسين بن الطراوة، وجرت بينهما هنات، قال في أولها:
يموت من في البلاد طراً ... من طيب كان أو خبيث
فمستريح ومستراح ... منه كذا جاء في الحديث ما حياتي بين الحيات، وثباتي في الجميع أو الثبات، وقد حانت وفاة الوفاء، وخانت صفات الصفاء، وأرداني الزمان بأدرانه، وأعياني بتقلب
стр. 2932
أعيانه - الجاهل هو الحاظي، والعالم مبخوس الأحاظي، والغاوي مقبول الدعاوي. وما أبعد الخير من العير، والكيس من التيس، والفضل من الفسل! إذا كان الجاه للجاهل، والباس على الباسل، والمنافق هو النافق، وصوحت المراعي، وقل المساعد والمراعي، فيا دهر ما أسهاك، ويا موت ما أشهاك، المنية هي الأمنية. فالبر بائر، والحر حائر. بين أخون إخوان، وأجور جيران، إن وصلهم صرموه، أو سألهم حرموه. وإن أجاب بالصواب، قالوا أخطأ في الجواب [٩٨] .
ومما أضحكني ملء فيّ، وأطاشني وليس الطيش فيّ، هذا المتنحوي المتنخوي. سقط إلى دانية، وطمع في الأجادل، وإن كان أضعف من العنادل، فعاد ذمرا، وإن كان زمرا، وبعث رسوله لي بقول: كيف تكتف نقري - فقلت: إن كان الجنون داء فالكي يبري. ونظمت قصيدة سميتها سهم الشهم، وضمنتها مسائل لا تخفى على أولي الفهم. فما بلغته حتى دمغته، وألقاها كأنها حية لدغته.
وفي فصل منها: وأما زعمه أني لم أدر اسم سيبويه فمن مضحكات الدهر، أما كفاه خطأه في الآيات والأبيات حتى تعرض لعرضي غروراً: ﴿إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون﴾ (الفرقان: ٤) ، فقد جاءوا ظلماً وزوراً. أنا الذي سبقت الشعراء، وفضحت في المحافل الوزراء. فلو لاذ بسور حلمي لحميته، ولو عاذ بنور علمي لهديته، أيها المموه بجهله، والمدعي العلم وليس من أهله، سكرت فصحوك لا يجديك.
стр. 2933
اعترف بذنبك قبل صرعك على جنبك، فيدحض حجابك، وتطمس محاجك، إلام تلجأ فتاوي، إذا نفذت فيك الفتاوي -! وكأني بمن ضمك قد ضامك، وبمن لمك قد لامك، وبمن حلاك، قد خلاك! الحقائق واضحة، والمخارق فاضحة. تشبه بالحصي، أما يدري الفحل من الخصي -! مثل العالم والجاهل، مثل الناهق والصاهل:
وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل وزعم هذا الأهوج الأعوج أنه لم يعرف رسمي، ولا سمع باسمي، كأنما ولد بالأمس، أو بعث من الرمس، أو عمي عن الشمس، لو علم قدر نفسه لم يجهل العلم، ولو أراد السلامة لألقى السلم.
وفي فصل منها: يا مهموس، أنا الطاء وأنت الهواء، فلست من طباقي، كم بين همسك وإطباقي! لو زرت نقران ونجران، لألفيت ذكري قد علا، وشعري قد إلا. ما اغتابني في غيب، إلا ذو عيب وخيم، مع لؤم معلوم. ولولا بدؤك بالجه، لما كببتك على الوجه. وكنت فيما تظن نوراً فكسفك، ومستوراً فكشفتك، وما استوعبت خطأك ولا استقصيته
стр. 2934
ولو رمت عدده ما أحصيته، وهل شعرك إلا كنحوك -! وما أبرد الهواء من نحوك، ألست المنشد في الحاجب أبي حكم:
أبا حكم فت الملوك جلالة ... فكلهم فاس المخافة عالك لو زدت الياء في فاسك، لكان أشبه بأنفاسك -
وله من أخرى إلى الأديب غانم بمالقة: أبي صرف القضاء، وشبيه لسانك في المضاء، ونظير صدرك ويديك، في سعة المعروف والعلوم لديك، أن أكون من زوارك، فأقبس من أنوارك، وأقطف من أنوارك، يا لباب أولي الألباب، يا سلسبيل أبناء السبيل:
فارقتني وأنا والشوق إلفان ... فاسأل رسولك عني كيف ألفاني
قبلت كتبك من فرط الهوى قبلا ... أقلهن إذا عددت ألفان ولما شقتني بغررك الأثرة، ورقتني بدررك النثيرة، ذممت عبد الحميد، ومحمد بن العميد، وأنشدت:
لقد فات في نثره غانم ... بديع الزمان وقابوسه
وروى الظماء بماء النعيم ... فلا عيش إلا وقى بوسه
стр. 2935
وكنت - أبقاك الله منهلا عذبا لأودائك، ومنصلا عضبا على أعدائك - صنعت قصيدا يحيي الطرب إذ كان [ميتا] ، فيه تسعة وتسعون بيتا، وكنت كتبته، فلم أجده إذ طلبته، وفكرت الآن فيه، فلم أحفظ غير قوافيه، وهذين البيتين:
تحيتي وسلامي ... على الأديب البليغ
المرتدي بالمعالي ... والحلم قبل البلوغ وأنا رب القريض الجيد، لأني أقول في الأديب السيد:
من طين طوبى خلقت فذاً ... فأنت في ذا الورى غريب
بدلت النون فيك باء ... فالناس طين وأنت طيب وله من أخرى إلى أبي الفضل بن حسداي شاكيا بصهره ابن عياش اليهودي: سيدي الذي حتمت عليه المنح، فختمت به المدح، حفظ الله علاك سمائه، وأعاذك من العين بأسمائه. بحسن أوصافك، احكم بإنصافك [٩٩] أترضى لصهرك المشرف، بأخلاق البخيل المسرف - قصدت بالرهان للسلف، فعدت بالدهان والصلف، وسألت في الزمان، فأعطيت عطاء الزمان، وأنا شاعر الزمان، فأحط، فما رفع أو حط، ولا بد أن أنشده لأرشده:
стр. 2936
أيها المشرف حاشا ... لأولي الرأي الخطاء
لا تقل ما بيدي ما ... ل ولا عندي عطاء
بيت أموالك بحر ... ما على البحر غطاء
أحمد غير علي ... حين يشتد الوصاء
هل هما في الهمس والإط ... باق إلا ها وطاء
وكذاك الخيل من ... هن سراع وبطاء وصديقك إن لم يأت، فابسط عذره بهذه الأبيات:
عرفان عرفك شاقني ... فلو استطعت لساقني
ما بال صهرك صدني ... وإلى سناك أتاقني
وأنا الرحيق سقيته ... فاسأله كيف أراقني
ولقد حلوت وليتني ... أمررت لما ذاقني
قد كنت رحب الصدر حت ... ى غاظني فأذاقني
هو عقني وبررتني ... هو عن لقائك عاقني
إني أخف على [الوزي ... ر] ولو ثقلت لطاقني
نفسي فداؤك يا أبا ال ... فضل الذي قد راقني
أحببته وأحبني ... فاشتقته واشتاقني
من سأل عنك أجبته ... ما فقته بل فاقني
стр. 2937
ما أخرجته من شعره في أوصاف شتى
النسيب وما يتشبث به
أغيد ريان بماء النعيم ... ألبسني السقم بلحظ سقيم
قد خط بالمسك على خده ... ما الحسن إلا لأديمي أديم
يا عاذلا يحسبني مثله ... لا تحسب السالم مثل السليم وقال:
وهبت قواي للحدق الضعاف ... وإن كنت بسفك دمي تكافي
فكان الضعف قوتها علينا ... وهل ذا الطبع إلا في السلاف -
شغلنا عن مساعدة اللواحي ... بشاغلة الحجيج عن الطواف
خضبت الشيب أخدعها فقالت ... تشبهت الحمامة بالغداف
فقلت صدقت لم أنكرت مني ... وأنت عفيفة نبت العفاف
فقالت بيننا في الشيب خلف ... ويفتينا بمسألة الخلاف
ولما أينعت رمانتاها ... ونادى الوصل حي على القطاف
تأذت فيهما بفمي فقالت ... شمائل عاشق وفعال جاف
стр. 2938
قوله: " تشبهت الحمامة بالغداف " كقول القائل:
يا أيها الرجل المسود شعره ... كيما يعد به من الشبان
أقصر فلو سودت كل حمامة ... بيضاء ما عدت من الغربان وما أملح قول أبي بكر الخالدي:
ما كان ينفع لدي شبابه ... فعلام يجهد نفسه بخضابه -! وقال الحصري:
من لي بظبي جناه معسول ... دمي بدمعي عليه مغسول
أقرأ في خده كتاب هوى ... أن دم العاشقين مطلول
حسام عينيك من فتورهما ... كأنه مغمد ومسلول
اغمد وسل ليس لي وزر ... أنا على الحالتين مقتول وقال:
ردي حشاشة عاشق مهجور ... بين الملوك عليك والمعذور
اللؤلؤ المنظوم في فمك انبرت ... عبراته كاللؤلؤ المنثور
стр. 2939
ذكر الفراق فمات إلا شوقه ... وأولو الهوى موتى بغير قبور
ودعت من أهوى بل استودعتها ... قلبي وسر مدامعي وزفيري
فبكت بنرجستين خفت عليهما ... نفسي فلم ألثم بغير ضميري
قالت: أترحل والأحبة هاهنا ... قلت: القضاء كما علمت ضروري
قالت: متى الرجعى فقلت: إذا انتهى ... مقدور ربيّ، مقدر المقدور
وعسى مفرقنا سيجمع بيننا ... إن العسير عليه غير عسير
ولئن أبى من تعلمين فربما ... حدثت أمور لا نتقاض أمور
لا تجزعي من نكبة الدنيا وإن ... ساءت فرب مساءةٍ لسرور وله في غلام كان يسمى هارون:
يا غزالاً فتن النا ... س بعينيه فتونا
أنت هاروت ولكن ... صحفوا تاءك لونا وقال مما ذهب به مذهب أبي الفتح البستي صاحب الطريقة الأنيقة في تجنيس القوافي:
أصبحت مفتوناً بكم مدنفاً ... وإنما برئي لمى فاتني
يا أملح الناس وحق الهوى ... لو كان لي الحكم لما فاتني
стр. 2940
وقال: [١٠]
رابه علتي ضنىً فأتاني ... عائداً في يديه [لي] يا سمين
فتفاءلت أنه قد تهدى ... لهزالي فقال لي يا سمين وقال:
رب ظبيٍ هويته ... ينتمي للهوازنه
فلت ما أثقل الهوى ... قال ما للهوى زنه وقال:
إن كتمت الهوى فقد ... صار سري علانيه
لقامٍ أذابني ... وشحوبٍ علانيه وقال:
فكرت في خلق الورى فاستوى ... عندي عبيد وسلاطين
أصل الفريقين - ومن أجل ذا ... قلبي عن الهم سلا - طين وكان سأل بعض الملوك أن يكسوه ومطله ثم أعطاه قمحاً مسوساً، فقال فيه:
يريد سياسةً من لا يسمى ... وطبع فيه يأبى أن يسوسا
سألت كسىً فمناني بقمحٍ ... وأعطاني مكان القمح سوسا
стр. 2941
وقال أول جوازه إلى الأندلس:
في كل أرض موطن ... يعرف فيه جاهنا
وإنما ألجأنا ... إلى هنا إلهنا وقال:
يا من تكحل طرفها ... بالسحر لا بالإثمد
نفسي كما عذبتها ... وقتلتها بالإثم دي وأنشد يوماً بيت المعري:
ياقوت ياقوت روحي ... روحي براح براح وفيه ست كلماتٍ متجانساتٍ على قصر عروضه. وكلف تذييله فقال:
أوفاك أوفاك رقي ... رقي بطاح بطاح فقيل له لو ذيلته ببيتٍ فيه ياء النداء، كما في بيت أبي العلاء، فقال:
يا زور يا زور فيها ... فيها نواحي نواحي وقد قلت فيما تقدم من تلخيص التعريف بخبر الحصري إنه ابتع المعري في سلوك هذه المسالك، فضل عنها هنالك. على أنه لا يتفق لأحد لضيق هذا الباب، أكثر من الوزن والإعراب.
стр. 2942
وله في المدح
قال:
ظمئت ومنهل المدامع منهلي ... ولا حوم لي إلا على ورد حومل
على سلسلٍ من ذي غروب وإن غدت ... مغاني الفوافي كالرداء المسلسل
فيا نعم وافاك النعيم فأنعمي ... ويا جمل والاك الجمال فأجملي
حلفت لربات الخدور بما جنى ... فم الصب من ورد الخدود المقبل
وما صام كمن خصرٍ لهن مخفف ... وأفطر من ردف لهن مثقل
وما وردت من أدمعي بموردٍ ... وما خلخلت من أضلعي بمخلخل
وما شافني من شق جيبٍ ومدمعٍ ... أسيل على خد أسيل بمأسل
لأنتن أشفى للسلبيم من الرقى ... وأطيب للظمآن من كل سلسل
وإن يك دهري ضمني ثم ضامني ... فإن علياً خير مولى وموئل
همام إذا [ما] هم بالأمر فامتطى ... عزيمته ناءت برضوى ويذبل وقال من أخرى:
على العدوة القوصوى وإن عفت الدار ... سلام غريبٍ لا يؤوب فيزداد
وحق بكاء العين والقلب مسعد ... لمن بات مثلي لا حبيب ولا جار
стр. 2943
أعادي على فضلي وأستصحب العدا ... ولي حسنات عندهم هي أوزار
مديحي هجاء وابتسامي تجهم ... وشكواي كفر واعترافي إنكار
ولم أر مثلي فاضلاً ينقصونه ... بلى قلما يخلو من القرض دينار
عزيز علينا أن نقيم بذلةٍ ... فليت حشايانا الوطيئة أكوار
شفى الله داء القيروانين بعدنا ... فقد مرضت للقيروانين أبصار
وكيف غناء الطير في غير أيكها ... وقد بعدت فراخ وأوكار -
وإني لأولى بالبكاء لأنها ... تطير إذا اشتاقت وما أنا طيار
ألا يا بروقاً لحن من نحو صبرةٍ ... وليس لها إلا دموعي أمطار
عسى فيك من ماء الحنيات شربة ... ولو مثل ما يوعي من الماء منقار ومنها يعتذر مما كان قرف به:
أصيب قصيد فيه كفر فنيط بي ... وكم شاعرٍ قيلت على فيه أشعار
ومن كل كف قد رميت بصخرةٍ ... وفي راحتي لو أمكن الرأي أحجار وله من أخرى في المعتمد:
أعن الإغريض أم البرد ... ضحك المتعجب من جلدي يقول فيها:
стр. 2944
يا هاروتي الطرف ترى ... نفثت [ألحاظك] في العقد
فطعنت الأسد بلا أسل ... عبثاً وقتلت بلا قود
رشأ يصطاد الأسد وكم ... رامته الأسد فلم تصد
واهاً لجديد منك وهي ... وشباب بان فلم يعد
رضت الأيام جوامحها ... وكففت اللد عن اللدد
وبلوت الناس فلست أرى ... كبني عبادٍ من أحد
القوم بحار مسجورا ... ت محفوفات بالزبد
لم يعدم واردها درر ال - ... آداب ولا درر الصفد [١٠١]
أبني عبادٍ ما حسنت ... إلا بكم الدنيا فقد
نقد الكرماء الدهر معي ... فتخيركم في المنتقد
وقضى لكم بالفضل على ... من في أداني أو في البعد
دانت بغداد لقرطبة ... وخلائفها للمعتمد
سمعوا برشاد فتى لخمٍ ... فنفوا هارون عن الرشد
قرأوا شعر اللخمي فلم ... يرض المعتز عن الولد
يا فرع المنذر والنعما ... ن بلغت النجم فطل وزد
طفئت أنوار أمية في ... قصر الخلفاء فقلت قد
نافست بقصرهم إرماً ... فكأن أمية لم تشد
مر وافتح باقي أندلسٍ ... ما صببٍ أو في صعد
стр. 2945
عبد الرحمن ولي خمسين ... وأنت تزيد على العدد
لو أن الأرض بلا جبل ... وعليها حلمك لم تمد
بشار أمك ممتدحا ... فأنس بغرائبه الشرد
يكبو عبود في خببي ... فالعير وراء المنجرد
ولعل بلادك لي وطن ... فأحط الرحل عن الأجد
وأقابل منك سنا قمر ... لو قابله الأعمى لهدي وله من أخرى: وهي من أعلى حججه، وأجلى سرجه، أنشدها أحمد بن سليمان بن هود المتقلب - كان - من الألقاب السلطانية بالمقتدر حين غلب علي بن مجاهد على دانية:
كذا تقتض أبكار البلاد ... ولا مهر سوى البيض الحداد
هديت العسكر الجرار ليلا ... فأهديت المظباة إلى الهوادي
ملأت به الفضاء فضاء ليل ... محت فيه الظبا شكل السواد
следующие страницы →