علق مع تراخي الأيام طيب كفك، وكيف جاء كأنك كتبته من أمم، وأنقذته وبيننا خطوة قدم، وكيف لم يغيره ما قطع من مهاول قفار، وليل ونهار، وعدو كاشح، ورقيب لامح، فأنعم به من ريحانة ألفاظ دامت لدونتها، وباكورة وصال سلمت غضوضتها (١) ومسحة يدٍ بقي أثرها أرجا، وروضة كلم دام على الصيف بهجتها (٢) .
وفي فصل منها: فأما سؤالك عني فما يشبه سيرتك الحسنى، ولا يليق بطريقتك المثلى، كيف تسألني والإجابة معك - وكيف تستخبرني ومحل الخبر والاستخبار عندك - / [١٤٠] ومتى سمعت بجواب جسدٍ رهينة - وأين رأيت طماح عين لواحظها مقيدة كليلة - ألم أفارقك وقلبي عندك أعشار، وأضلعي منه قفار -
وفي فصل: وردت الموصل التي خالف اسمها معناها، وكانت مقطعاً بيننا لولا خدع الأماني، وفصلاً لولا المرجو من عفو الليالي، فوجدت هواءها يعطل سوق بقراط اعتدالاً وطيبة، وماءها يسلي عن مجاج النحل استمراء وعذوبة، وصقعها قد تبغدد رقةً ولطفاً، وجوها قد تزندق تنعماً وظرفاً، تكاد تثقله عقود الغانيات، ويخجله تتابع اللحظات، كل شمأله نسيم، وكل جنوبه حياً عميم، ورأيت أرضها أطيب الأرض خيما، وأزينها أديما (٢) ، تنسج بالسندس الأخضر، وتفتر عن الأقحوان الأحمر، وألفيت بنيانها هو الذي حمده الله في تنزيله (٤) ، وأحبه لنا أن نكون مثله جهاداً في سبيله، مرصوصاً بوقاح الجلمد، ملاءماً بينه بالشيد الممرد، قد حصن ظاهره على باطنه عن تداخل الإبر، ومساكن الذر، يزل عنه ظفر الطائر، وتتدحرج عليه أحداق (٥) الناظر، وتغنى به العروس عن الماوي المنير (٦) ، وتستبين
стр. 3117
به الجفون منابت الشكير من أهدابها والغمير، متلافية أقطارها على رجال كأنهم أنسلاء عادٍ وثاقة أجسام، وصلابة أحلام، وبعد مرام، لطفوا عن بدوية الشام وغلظته، وجمدوا عن ذوب العراق وخلابته، قد عقدت ألسنتهم بالصدق فما ينثر الباطل من عذباتها، وصحت غرائسهم في المودة فما يجتنى الغدر من ثمراتها، إن سلماً فسلماً وإن حرباً فحرباً، لا يعرفون تدليس الأخلاق، ولا تمويه النفاق، وشعراؤهم (١) ملء اليدين، وكتابهم أثر بعد عينٍ، أدبهم [حسن] (٢) على قلة الملوكي فيه، وعلمهم متقن لمن تأمل أدق مسربٍ (٣) في فتن معانيه، قد محص تهذيب المحن شرارهم وأوهن خيارهم، بلدهم أطلال، وأحوالهم آل، قويهم يئن ضعفاً وضعيفهم يماطل حتفاً، بقيت عليهم أسمال النعم وذهب الدهر بأجسامها، وانجلت عنهم ظلل المحن وهم يتأوهون من غير آلامها، إلا أن فيهم بقية نقية، وفيهم موضع تداركٍ إن رزقوا سيرة مرضة، فلولا ما أرجوه من مداواة أسقامهم، وإعادة صالح أيامهم، لفضاني الانتماء بمعايشتهم قبل معاناتهم، وبملاحظتهم قبل مقاستهم، لكني أعلم أن من يحيي العظام وهي رميم، ويبعث (٤) الروض وهو هشيم، وينشئ [-] بعد ما كانت قفاراً، ويجعل من الشجر الأخضر ناراً، قادر على أن يجعل ثواب نيتي فيهم معونتي على ما أنويه لهم، وجزاء تأملي بهم بلوغ الغرض في تدارك رمقهم.
وفي فصل: لو أطقت تفصيل المجمل، وإيضاح المشكل، لجرت لك به يدي طلق الجموح، ولأغنتك أسماره عن الوتر الصدوح، إلا أن القب عليل، والخاطر كليل، والزمان ببلوغ الأمل بخيل.
стр. 3118
وفي فصل من أخرى إلى ذي السعادتين (٢) : للرياسة كلف لا يستقل بها إلا المهذب الكامل، ولا يخطو تحت أثقالها إلا الأوحد الفاضل، ولا يبلغ ذوائب أعاليها، إلا من شرب الأجاج من ماء واديها، ولا يلذ بملكها إلا من أغلى المهر من كريم مساعيه، ولا يفض ختامها إلا من جعل منازلة الخطوب سلكاً لعقود أيامه ولياليه، ولذلك قيل ما أنشدته استبصاراً، وأنا إلى إيراده أبين إصراراً:
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تعلق الصبرا (٢)
وإن سياسة الأقوام فأعلم لها صعداء مطلعها طويل (٣)
ويظلموا فنرى الأوان مسفرةً لا خوف ذل ولكن فضل أحلام
ويحتاج الرئيس إلى أعوان يظهر بهم كمين مكارمه، ويمضي فيهم وبهم ماضي عزائمه، فلولا الطالب لعاش الكريم مطوياً على حسرات أوطاره، ولولا الخاطئ لما وجد الحليم لذة حلمه ووقاره، وكلما كان التابع أبعد مذهباً في معناه، كان المتبوع أشد جذلاً بظهور مناقبه وعلاه.
وفي فصل: وقد كانت مني كبائر تكنفتها معاذير لا أشين وجه العفو بإيرادها، ولا أنتقص جملة الصفح والغفران بتعدادها، في أن لم أفتتح مناسكي بالسعي إلى حضرته، ولم أبدأ من مطالب شرعي بالتوفر على / [١٤١] خدمته، وقد علم الله
стр. 3119
أن ذلك ليس من اعتلال بصيرة بشرف الانتماء إليه، ولا انخفاض همةٍ عن سعادة المثول بين يديه، ولا إمعان في البدوية - وإن كنت من أهلها - حتى أذهل عن مطلع النير الأعظم من الأفق الذي سكنت ظله، ومفيض الفرات الأعذب من البلد الذي استوطنت محله، ولا أن ذكره لم يكن في تلك الأوطان زينة الأعياد، وحلية البلاد، وأنس الحاضر والبادي، وبلغة المسافر والحادي، ولا أني لم أكن ذكي الخاطر بتلاوة مآثر آلائه، ومستشفياً بنسيم الريح من أرضه وسمائه، ومعجباً بما جمع الله بتلاوة أهل الأدب، بل السراة أهل الرتب، ومعنى قول القائل:
يأتيك عن فهم الثناء عطاؤه عفواً وتلك عطية المستبصر
كرم تكشف عن حلى آدابه كالبحر يكشف غمره عن جوهر
وفي فصل من أخرى: ولما أزعجتني الأقدار إلى هذا المقر الجليل على اضطرار باد، ينبو ذلك المهاد، وردت مطرف الناظر، كليل الخاطر، فقصدت مع ذلك خدمته - في ورود الأول - باللقاء أو استطلاع الإذن بالمكاتبة، فأعجلهما مسيرة الميمون، فأحلت بذلك على اجد الظنون، والزمن الخؤون، ثم كتبت مستبدها في هذه الرقعة بأمور يشف عنها الكتمان بصادق ظنه، وينم بها السر والاختفاء إلى نجي ذهنه، فلم أبشر بقدومه حتى أنذرت بصدره، وقد كان من الحق أن أسير في أثره، وأنفذ في تصيد العز بملاحظة غرته، واستلام حضرته، ولكني أهديت من ضعف عذري وقوة ذنبي زينة إلى حلمه ومسامحته، ورجوت أن يضيف إلى الإغضاء فبضله، وأن أعرض عن كل من تغرب عليه الشمس لجرمي فبعدله، وإن يك ظني صادقي (١) فسينخدع لي انخداع ذوي الإنعام، ويتغابن في صمتي عن (٢) غيجابه تغابن الكرام، بأريحيته اللدنة الأعطاف،
стр. 3120
ورياسته الموطأة الأكناف.
ومن جواب ذي السعادتين له: للسؤدد محل يدعو إلى نفسه، ويسفر عن شمسه، ويأبى أن يتقلقل به مهاد، أو يتململ بقراره وساد، أو يكون إلا لمن وطأ له [كنفاً] ، وألان بحمله معطفاً، واستقل بأعباء تكاليفه، وأغمض بدائع أفكاره في تضاعيفه، ونص (١) المذكيات في مضماره، واستبرد المصطلى من أواره، وغدا لفارده عشراً، وشرح للعناء (٢) فيه صدراً، وكان كما قيل: إن رأى حسنةً قال، أو رأى سيئة أقال؛ فقد أحسن القائل:
إما يربني مفصل (٣) فقطعته فيوشك أن يدوى لذلك سائره
وإنما نصصت على الموقع الأنبه من حضرته، ودللت عليه بناره وسمته، لياذاً بقوة الدواعي منه في تمثل ما أجراه الاتفاق على ضد المراد، وثناه القدر الغالب فيه عن غرض الاعتقاد، وسنن الارتياد.
وفي فصل منه: حتى بدا مطلع الأمل من حيث شمته، وصدق اليقين بتلك الأوصاف اللائقة، والفضائل الشائقة الرائقة، ما تصورته وتحققته، وذر البدر (٤) الكامل بالكتاب المعرب عن جميع أدوات الفضل ومعانيه، وبوارع الأدب (٥) النبيل ومعاليه، فأكرم به من واصل بالمعنى في موضع العتب، ووافدٍ بالحسنى على الإساءة بالذنب، وأعجب بما حواه من رائع البلاغة وبارع العبارة، ومستكرم المآتة، ومستغنم الإطالة، ولقد أخبر من أنباء السلامة في النفس المحروسة ما ضاعف المسرة، وضاعف الغبطة والحبرة، وأشار فيما عداها إلى ما أسال العبرة، وأشعر الحسرة، ولله تعالى في مثل ذلك ألطاف توضح عن حسن عواقب
стр. 3121
التفويض، وتقوم بإكرام الإنابة والتعويض، وقد استرهن عندي بمبتدأ التطول بالمكاتبة يداً، اقتضى اعتدادي بها وشكري لها بما يبرهن عن توافقنا في الصفاء، وتشاكلنا في الإخاء، وسيدي يطيع في ذلك بواعث كرمه، ونوازع شيمه.
فأجابه ابن المغربي برقعةٍ قال فيها: ألقي إليّ كتاب كريم يكتفي شرف الهمة بخيال عنوانه، ولا يبلغ بشق النفس شكر ظاهره فضلاً عما في طي جنانه، ففضضته عن الروض العازب، والتقطت منه فرائد الكواعب، ووجدت فيه نسيم الشباب، وتعللت به في عطف الأيام / [١٤٢] السالفة العذاب، ووجدته قد احتوى من عقائل الفصاحة وكرائم البلاغة على ما يعدى المعجم العيي فينطق متخيراً، وينشده الناطق البليغ فيبلس متحيراً، وظننت أن العشاق لو أعيروا من ألفاظه مزاجاً للمراشف، ووهبوا من أنفاسه عطراً للسوالف، لصالوا بحجج تجل عن تسمية المعاذير، وتصبغ الخطأ بلمع الصواب المنير، ولو أنهم جعلوه رمي سهمة الفراق لكفت عواديها، وأخذة لأعين الرقباء لطفرت [من] مآقيها، ولو أن الحمام أصغت إليه لعاد نوحها شدواً، ولو أن الليالي تتدثر (١) به لصار دجاها غدواً، وعجبت مما حمل على منتي الضعيفة من منن كنت قبلها نضو العزيمة فكيف [أنهض] بها، ومن مبار يكاد يمنعني فادح أثقالها أن أستار مرفقها، فلو أن ذلك الكتاب الجليل صدر إليّ من عدوي لاهتززت ببدئاع ما فيه، ولو أنه تاه عن إنعام علي لغالطتني عذوبة لفظه عن مرارة معانيه، فكيف وقد جاءني عن الأيام عتبي، وجعل قلبي لخواطر الجذل نهباً، ولست ألم بشكره عن هذه العاطفة الكريمة فأوهم أنها مما تتناوله أفكاري الكليلة، ولا أتعرض لحمدها فأحبط أجري في الاعتراف بالتقصير عن مواهبها الجزيلة، ولكن أوفيها، ما وجب من إظهار العجز فيها.
стр. 3122
وأين الثريا من يد المتناول
لو أعنت بما تلاقى عليه [-] من خواطر ملتهبة المطالع، وألسنة معروفة المقاطع، لما ازداد هذا الدين علي إلا توثقاً، ولا استجد هذا الحق إلا تعلقاً.
دع ذا وعد القول في هرم (١)
أنا الآن من التسوق إلى خدمته لو وجدت إليها سبيلا، وأعلمت نحوها رحيلا، وقد كنت ارتحت للفقرة التي تضمنها كتابه العالي من ذكر التفويض والتعويض، ورأيت أنها لو صدرت عن الحسن البصري لما زادت (٢) على ما غشاها في عيني من البهاء وجلالة الصدق، ولقد انتفعت بها ورجوت يمن نقيبتها [وحسن] عاقبتها. وجملة ما أقترحه أن يتصور في ما يتصور في بعض الأقربين من خادم يصطنع فيجرى من الحنو عليه مجرى خواص الأهل وأداني الأصحاب، فله الرأي العالي في إنزالي حيث أنزلت نفسي من الاختصاص بجهته، فأما المكاتبة فقد تقدم القول في اقتناعي منها بمثل طيف الخيال، أو رضائي أن يخطر ذكري بالبال، إن شاء الله.
وطار للشريف أبي طاهر باز كان يتصيد إليه: بلغني خبر الغادر المفارق، والباشق الآبق (٣) ، فشاركته في الاستيحاش [من فراقه] لما كان يبدع من مصايده، ويقرب عن مطارده، ورأيته قد شاب فضائله بهذا الغدر الذي يسلي عن تذكاره، والإباق الذي ينسي محاسن آثاره، والنكث الذي ختم به عواقب عهده، وبغض إلينا، بل إلى سيدنا، استخدام أمثاله من بعده، لأن أحق الناس بكراهة الغدر من كان الوفاء رضيع لبانه، والحفاظ منبت أصوله ومنشأ أغصانه،
стр. 3123
وكأني بفقده وهو عند الدراج من أنعم الأعراس، ومن الوحشة منه وهي بين سراب الطيور من ألذ الإيناس، لأنها أريحت بعده من حتفها العاجل، وسمها القاتل، وأجلها القاصر، ووجلها الحاضر، وعقلة قوادمها وخوافيها، ودهشة نواظرها ومآقيها، والكوكب المنقض (١) على مسارحها، والسهم القاصد إلى مذابحها، والآفة التي كانت حرمت بها حسن الرياض المونقة، وثكلت برد الغدران المغدقة، وتنغصت مشاهدة هذا الجو الرقيق الشمائل، اللازوردي الغلائل، حتى صارت لا تلتذ بوكر تبنيه، ولا بفرخ تغذيه، علما بأن لها منه مفرق العدد، وفاجع الوالد بالولد؛ ولو علمت هذه الأطيار الشامتة بفناده، السالكة سبيل الأشر بافتقاده، بما يعده سيدنا لها من ذي ظفر مظفر، ومنسر للطير ميسر، وخلف صالح، وجارح جارح، أشد لها منه اصطلاما، وأسد إلى مقاتلها سهاما، لعلمت أن كثرتها استجماع (٢) له، وأن وفورها توفير عليه.
وفي فصل منها: وما ألوم المارق على ملله وانحياشه، لأنه كان قد تعود أن يصيد بمقدار قوته ومعاشه، فصار سيدنا يستخدمه بهمة تطلب الغاية البعيدة، وتستهل / [١٣٤] المشقة الشديدة، التي هزلها جد، وجورها قصد، ولعبها ارتياض، يتصير من لم ينقد إليها سريعا، [ذا] ضراوة على اقتناص من لم ينته إلى أوامرها مطيعا، فلم يطق على ذلك جلدا، ولم يجد بهذا الأمر الفادح يدا، فما أشد بسطي لعذره، ومعرفتي بسبب غدره، وآمل أن يتذكر ما كان له بفنائه من نعيم، خياله بين عينيه، وطيب عيش، تذكره أجدى له من حماقيه، فتدعوه عواطف التربية والإيثار، وتزول عنه عوارض السهو والاغترار، فيعود غلة رسمه، ويعوذ من جرمه، ويرجع وقد أدبته النكبة، وهذبته الغربة.
стр. 3124
وكان في ذلك الأوان بمدينة [تكريت. رئيس] (١) ممن يشار إليه، ويعول قومه عليه، فرأى في منامه (٢) النبي ﵇ مع علي بن أبي طالب، وحضاه على السلام، ووجد في الإنجيل ما دله على البشارة بمحمد ﵇، فاستدعي إلى الحضرة ببغداد، وطيف به في سائر البلاد، فكتب إليه ابن المغربي رقعة قال فيها:
ويعلم الله ما ورد علي وعلى كافة من حضر من المسلمين من السرور بما أبان الله (٣) من آية قطعت عذر الجاحدين، و [حجة] (٤) استهلكت شبه العائدين الجاهلين، لا أن هذا الدين - بمحمد الله - مفتقر من بعض حواشيه، إلى بينة تزيد فيه، ولا أن الاستدلال الصادق كان ترك شبهة إلا فضحها، ولا معجزة إلا أوضحها، وزائغا إلا قومه، وجاهلا إلا علمه، وركنا لباطل إلا خفضه، وعقدا للشرك إلا نقضه، إلا أن المخالفين قد شغلت الدنيا أكثرهم عن التأمل، وحجبت العادات خواطرهم عن التأول، فبعد بالحجج السالفة ذكرهم، واشتد إلى البراهين المستحدثة فقرهم، فكان أبلغ [برهان] إقبال مثله إلى المحجة عن غير رغبة استفزته، ولا رهبة هزته، ولا محاسدة أغرته، ولا مناظرة عزته، بل أطلق عنان عقله ومد به راشادا حتى وقفه على الصراط المستقيم، واستتلاه قاصدا حتى أورده إلى المنهج السليم، فوردت النعمة بتخيره صافية غير مكدرة، والمنحة في استئمانه وافية غير مقصرة، فهنأ الله الإسلام ما لا يزال يتولاه من إيضاح مناره، وتبلج أنواره، وإدامة صبحه
стр. 3125
ضاحكا تتصدع عنه دياجير الشبهات، وتنجلي منه ملابس الضلالات، وهنأ الله الشيخ ما رآه له أهلا من هذا السناء الذي تقف دونه المعالي، وتضيء به ظلم الليالي، وغرس عنده التوفيق الذي يسترهن لواء النعمة، ويضمن بقاء العصمة.
وفي فصل من أخرى: ولولا أني إذا أردت المواصلة بنفسي ثقلت ثقلين بالزيارة، وبالدالة (١) المستعارة، لما استنبت والله على لساني قلمي، ولا استنطقت يدي قبل فمي، ولكن الاضطرار يقود وأتبع، والزمان يقول فأستمع.
وله من رقعة [في] فتح: ولما تقاربت الفئتان إذا بعدونا في عدة قد اشتملت منهم على كل سهم في كنانتهم؛ قد استكثروا من علوج لا يخشون (٢) حومة اللقاء، ولا يثبتون على مقارعة الأكفاء، فلما اجتمع أعداء الله وقلوبهم بالذعر متفرقة، وأقدموا وأقدامهم القهقراء راجعة، وكانت لنا عيون تجثم على مدارج أنفاسهم، وطلائع تقبض على مسارح ألحاظهم.
وفي فصل منها: وبادرتهم فتيان بني عامر على الجرد الصلادم (٣) ، وقد برزوا الجنن تعجلا للطراد، وتخففوا من الرماح تقصيرا للبعاد، فوكزوهم بالرماح وكزا ترك الدروع منهم غلائل، وأماني الحياة فيهم قلائل، فلم يترك القتل منهم إلا أنفسا عافتها كرام السيوف، أو آخرين عزين (٤) تكفكف عنهم الرحم العطوف، يتمسكون بأنفسهم حوزا، ويعتدون ذل الفرار عزا، وافترقوا إلى أوطانهم يرقبون الليل كما يرقب الصباح، ويدلجون بكل ماش من الخيل بجناح، وكان أميرهم في بلهنية الاستهامة بهم، وقلة الفكر فيهم، قد بات يعمل كاسه ويلهي جلاسه، وغدا سكران
стр. 3126
على فرس جموح يبادر النهاب وهي أنفسهم، ويحاول الغنائم وهي مهجهم، فرقصت به الفرس فصادف ذلك الأجل المكتوب له، بجزى الله هذا الحي من آل عامر أهنأ الجزاء عاجلا، وأدومه آجلا، وثنى ببني عمنا الأقربين، وعشيرتنا المستخلصين، خفاجة وكذلك الجيران، وأهل البلد والأعيان [١٤٤] وألفاف (١) كانت أسماؤهم نكرة، فعرفتها المواقف الحميدة، وطوائف عاطلة حلتها الخطا البعيدة، وخاملة نبه عليها شكر السيوف لأيد منهم وصلت قصارها، وأوصلت في زحام الورد حوارها.
وفي فصل له: وكلما هممت بمفاتحته اعتضرتني خجلة المتاركة، واستوقفتني غفلة المجانبة، وخانت يدي قلمب، فلم تشفه بإظهار ضميره، ولم تحسن النيابة عنه في الاعتذار من تقصيره.
وهذه أيضاً جملة من شعره في أوصاف شتى
قال:
عجبت هند من تسرع شيبي قلت هذا عقبي فطام السرور
عوضتني يد الثلاثين من مس - ك عذاري رشا من الكافور
كان لي في انتظار شيبي حسابا غالطتني فيه صروف الدهور
والبيت الثاني منها كقوله الوزير أبي محمد ابن عبدون:
يا دهر ذنبك عندي غير مكفور على م عوضت من مسكي بكافور
وقال (٢) :
стр. 3127
علمت منطق حاجبيه والبيت ينشر رايتيه
وعرفت آلات النعي - م بقبلة في عاضيه
ولقد أراه في الخلي - ج (١) يشقه من جانبيه
والماء مثل السيف وه - وفرنده في صفحتيه
لا تشربوا من مائه أبدا ولا تردوا عليه
قد ذاب فيه الحسن [من] حركاته أو مقلتيه
والسلم أسلم فاحذروا من فترة في ناظريه
صبغت بياض النيل حم - رة وردة [في] وجنتيه
وقال:
تمنع أن رأى زغبا بعارضه قد التهبا
وتاه علي أن أبدت عقارب صدغه ذنبا
وقدر أنه سبب يقطع بيننا النسبا
ولا والله لا آلو لحق عنده طلبا
ولا خليت في كفي - هـ - قلبا طال ما انتبها
أما عيناه عيناه الل - تان أباحتا الريبا
وقال وقد كسفت الشمس:
لمثل ذا اليوم يا معذبتي كانت ترجيك أختك الشمس
قومي اخلفيها في ذا الكسفوف ففي وجهك عنها إن أوحشت [أنس] (٢)
وغالطي حاسب النجوم فإن لجت وغابت أصابه لبس
стр. 3128
وقال:
يوم الكسوف جلا على بصري قمرا أحار الجن والإنسا
قامت فأرخت من ذوائبها وتجللت من شعرها لبسا
فسألتها لم قد لبست دجى قالت أساعد أختي الشمسا
وقال:
قالوا كسوف الشمس مقترب قلت ادخرت لدفع نائبها
ثقتي بكاسفها وكاشفها وبفضل ماحيها وكاسبها
من لو يشاء أعاد مشرقها متبسما لك من مغاربها
هي شعلة من نوره فإذا ما شاء أظلم أو أضاء بها
وقال (١) :
أدر كأمس المدام فإن قلبي أتيح له عن التقوى ارتحال
حللت ببابل وأردت ألا أهيم بسحرهم، هذا محال
وقال (٢) :
دنف بحمص وبالعراق طبيبه يضنيه عنه بعاده ويذيبه
ما ناله إلا الذي هو أهله إذ غاب من بلد وفيه حبيبه
لزم السهاد تحيرا وتلددا وتأسفا إذ أوبقته ذنوبه
زعم الفراق دعا به فأجابه ونعم دعاه فلم أراد يجيبه
стр. 3129
وهذا كقول الآخر:
أتظعن عن حبيبك ثم تبكي عليه فمن دعاك إلى الفراق
وقال آخر:
كذبتك نفسك لست من أهل الهوى تشكو الفراق وأنت عين الظالم
وقال المغربي (١) :
ولما احتوى بدر الدجى صحن خده تحير حتى ما درى أين يذهب
تبلبل لما أن توسط خده وما زال من بدر الدجى يتعجب
كأن انعطاف الصدغ لام أمالها أديب يجيد الخط أيان يكتب
وهذا المعنى كقول الآخر، وأنشد القطعة بكمالها، استيفاء لجمالها:
تعلم العطف من صدغيه فانعطفا وكان من شأنه ألا يفي فوفي
دب العذار على ميدان صفحته حتى إذا هم أن يسعى به وقفا
كأنه كاتب عز المداد به أراد يكتب لاما فابتدا ألفا
وقال ابن المغرب:
حبيب سرى يسلقبل الليل وحده ويسبق آرام الصريم وأسده
فلا الأنس من أمثاله الأدم عاقه ولا الذعر من أعدائه الغلب صده
يخوض إلى الليل ما بل عطفه ويفرج غيل الدوح ما حل عقده
المصراع الأول منه كقول المعري (١) :
стр. 3130
عجبت وقد جزت الصراة رفلة وما خضلت مما تسربلت أذيال (١)
[١٤٥] / وقد طلعت في الرأس مني راية ثكلت بها هزل النعيم وجده
كلوح مشيب لو يكون (٢) تبسما كما زعموا ما [إن] بكى القلب عنده
وما زهرات الشيب فيه ظوالم كذا العشب يأتي يانع الزهر بعده
أخذت من الدهر التجاريب جملة وقبل أشدي ما بلغت أشده
قوله " كلوح مشيب " ينظر إلى قول ابن الرومي (٣) :
لم يضحك الشيب من فوديه بل كلحا سم القبيح من الأسماء ما قبحا
إن كان ابن المغربي قد نقص معناه، وطمس سناه، فقد زاد فيه ما ذهب ببعض جنايته، ومحا كثيرا ما إساءته، وكان الناس قديما وحديثا يستعيرون لبياض المشيب التبسم، حتى جاء ابن الرمي بحر الإبداع، وعذبة لسان الاختراع، فقال بيته المتقدم فأسكت به القائلين، ودفع في صدر المتقدمين، وبين أنه ربما كان الفضل للآخر، وأبقى السالف للغابر، وأرى أول من نحا هذا المنحى، وسلك بالشيب هذه المحجة المثلى، حيث استعار الضحك للشيب، غير مبال إلى ما في ذلك من العيب، دعبل حيث يقول (٤) :
لا تعجبني يا عبد من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى
فاستعار الجناح، وغدا على ألسنة الرواة وراح، وتتابع فيه الشعراء فأبدأوا فيه وأعادوا، ونقصوا وزادوا.
стр. 3131
وقال ابن المغربي:
ولما دعوت الكأس تؤنس وحشتي لبعدك زادتني اشتياقا إلى القرب
ومالت بأعطافي لها أريحية فقربك أحلى من جناها إلى القلب
فأنت مزاج العيش إن كان صافيا وأنت المعير الصفو في كدر الشرب
وقال في غلام تركي وسيم، كان به يهيم:
غزال لم ألابس قبله التبريح والكمدا
أظن عداه جانية لعشقي مذ كذا رصدا
وقال:
يا أهل مصر عاد ناسككم بالكرخ بعد التقى إلى الفتك
جمش قلبي [مقر] طق (١) غنج بدا لقلبي فيه من النسك
رمى فؤادي بسهم مقلته وكيف يخطي مولد الترك
وذكرت بمعنى البيت الثاني من هذه قول كشاجم، وإن لم يكن به، فيتعلق بسببه (٢) :
يقولون تب والكأس في يد أغيد وصوت المثاني والمثالث عال
[فقلت لهم لو كنت أزمعت توبة وشاهدت هذا في المنام بدا لي]
وقال ابن المغربي (٣) :
حبيب مللت الصبر بعد فراقه على أنني علقته وألفته
محاسن يأسي شخصه من تفكري فلو أنني لاقيته ما عرفته
стр. 3132
وقال:
الله يعلم ما إثم هممت به إلا وبغضه خوفي من النار
وإن نفسي ما هامت بمعصية إلا وقلبي عليها عاتب زار
وله في غلام نصراني:
رغبت في ملة عيسى وما يخيب من يرغب في ملته
رغبني في دينه شادن رأيته يخطر من بيعته
صنع حكيم ما أرى أنه يسلط النار على حكمته
إن كان ذا من ساكني ناره فناره أطيب من جنته
ومن مرثية له في الشريف أبي الحسن، صهره:
يا ناعي الدين والدنيا أشد بهما في حيث سال بآل الله واديه
هذي معالي قريش غاض آخرها ومجد هاشم زار الترب باقيه
قل يا أبا حسن والقول ذو سعة (١) لولا حجاب من الثرياء (٢) يثنيه
أآخر الدهر أم تحنى عواطفه وفيصل البين أم يرجى تلافيه
كلا لقد فات منك الوصل آمله مذ شيد الجدث المأهول بانيه
هنيت ربعا برغم المجد تسكنه تلقى أباك عليا في مغانيه
إن أخل بعدك بالدنيا أروضها فقد خلا بضمير النبع باريه
هل كنت تعلم إذ عودتني أبدا حسن التصبر أني فيك أفنيه
وهو القائل (١) :
стр. 3133
كنت في سفرة البطالة والغي زمانا (١) فحان منه قدوم
تبت عن كل مأثم فعسى يمحى بهذا الحديث ذاك القديم
بعد سبع (٢) وأربعين لقد ما طلت إلا أن الغريم كريم
انتهى ما أثبته لأبي القاسم من فصوص نثره، وملح شعره، وأختم ذكره بخبر يتعلق بكرمه، ومحاسن شيمه (٣) : كان يوما بداره ببغداد في نوروز سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وهو إذ ذاك وزيرها، وله تدبيرها، فدخل عليه وجوه أمراء الديلم والاسفهسلارية من الأتراك على طبقاتهم، ووضعت الهدايا بين يديه على رسم الفرس، فلما / [١٤٦] خبف المجلس وتعلى النهار، استؤذن عليه للديلمي مهيار، فأذن له ودخل، فلما مثل بين يديه قال: أيدك الله، هذه البضاعة التي معنا كانت كاسدة، وقد وجدنا لها نفاقا بحضرتك، فقال: هات ما معك، فأنشده قصيدته التي أولها (٤) :
عسى معرض وجهه مقبل
وهي قصيدة نيف فيها على المائة، وقد أثبت ما أخرجت منها في موضعها من هذا القسم، فجعل ينشدها وابن المغربي ينشدها وابن المغربي يستعيد أبياته النادرة فيها. ويكثر إعجابه بها، ويجمع كفيه ويبسطها ويقول: أحسنت والله، أجدت والله، إلى آخرها. فلما فرغ أشار له إلى دراهيم ودنانير كانت بين يديه دون باقي الهدايا، ففتح مهيار كمه الأيسر وجمع بين يديه حتى ملأ كمه الأيسر، ثم فتح كمه الأيمن وجمع بيده اليسرى إلى أن لم يبق في الموضع دينار ولا درهم، ونهض؛ وسئل مهيار بعد عن
стр. 3134
زنة ما حصل له يومئذ فقال: كانت الدنانير ألفا ومائة مثقال وعشرين، والفضة ثمانية آلاف درهم.
فصل في ذكر الفقيه الحافظ
عبد الوهاب بن نصر المالكي البغدادي (١)
ناصر دين المالكية، وإيراد قطعة من شعره
الذي هو حلاوة الأمان، وبشر وجه الزمان
كان أبو محمد في وقته بقية الناس، ولسان أصحاب القياس، وهو أحد من صرف وجوه المذهب المالكي، بين لسان الكناني، ونظر اليوناني، فقدر أصوله، وحرر فصوله، وقرر جمله (٢) وتفاصيله، ونهج فيه سبيلا كانت قبله طامسة المنار، دراسة الآثار، وكان أكثر الفقهاء ممن لعله كان أقرب سندا، وأرحب أمدا، قليل مادة البيان، كليل شباة اللسان، قلما فصل في كتبه غير مسائل يلقفها ولا يثقفها، ويبوبها ولا يرتبها، فهي متداخلة النظام، غير مستوفاة الأقسام، وكلهم قلد أجر ما اجتهد، وجزاء ما نوى واعتقد.
وقد وجدت له شعرا معانيه أجلى من الصبح، وألفاظه أحلى من الظفر بالنجح: ونبت به (٣) بغداد، كعادة البلاد، بذوي فضلها، وعلى حكم الأيام في محسني أهلها، فخلع أهلها، وودع ماءها وظلها، وقد حدثت أنه شيعه يوم فصل
стр. 3135
عنها، من أكابرها، وأصحاب محابرها، جملة موفورة، وطوائف كثيرة، وأنه قال لهم عندما وقفهم للتوديع، وعزم عليهم في الرجوع: والله يا أهل بغداد لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية؛ والخبز عندهم يومئذ ثلاثمائة ركل بمثقال. وزعموا أنه ارتجل يومئذ هذه الأبيات (١) :
سلام على بغداد في كل موطن وحق لها مني السلام المضاعف
لعمرك ما فارقتها قاليا لها وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت علي برحها ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
فكانت كخل كنت أهوى وصاله وتنأى به أخلاقه وتخالف (٢)
وبلغني أنه اجتاز في وجهته تلك بمعرة النعمان، وبها يومئذ أبو العلاء أحمد بن سليمان، فضيفه، وكتب إليه بما أثبته في موضعه، وفي ذلك يقول أبو العلاء (٣) :
والمالكي ابن نصر زار في سفر بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكا جدلا وينشر الملك الضليل إن شعرا
واستقر الفقيه أبو محمد بمصر. فحمل لواءها، وملأ أرضها وسماءها، واستتبع سادتها وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب، وانثالت في يديه الرغائب، فمات لأول ما وصلها، من أكلة اشتهاه فأكلها؛ زعموا أنه قال وهو يقلب، وفسه [قد] تصعد وتصوب " لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا ". وكانت وفاته بها ﵀ سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
وقد أخرجت من شعره ما يروق العيون، ويفوق المنثور والموزون، ومن شعره
стр. 3136
مما أنشده أبو المطرف المالقي (١) :
لا تتعجل قطيعتي فكفى يوما يد الدهر بيننا تقطع
عما قليل تحين (٢) فرقتنا ثمت لا ملتقى ولا مجمع
واستقضي بمدينة اسعرد (٣) ، فبلغه عن أحد أدبائها أنه قال عنه / [١٤٧] كلاما معناه: القاضي - أعزه الله - مجيد. في كل ما يريد، إلا أنه ربما فتر قوله إذا شعر، فقال عبد الوهاب:
أبغي رضاكم جاهدا إذا أملت حسنى عاد لي منكم أذى
إني لأصبح من تجن خائفا وبسلمكم من حربكم متعوذا
فإلى م صبري للتعتب منكم وإلى م إغضائي الجفون على القذى
لو شئت أمنني القريض من الذي أنا خائف ولكان لي مستنقذا
فيظل بي متململا متنغصا من كان قبل الشر بي متلذذا
لكنني أرعى الوداد وإن غدا غيري به متشدقا (٤) متطرمذا (٥)
وأظل يملكني الحنو عليكم وأكف عائر أسهمي أن ينفذا
وأجل قدري في المودة أن أرى بعد الحفاظ لعهدهم أن ينبذا
أتظن بغدادي طبع خالص يلفى هزيم من اغتدى متبغددا
هيهات إن من الظنون كواذبا والحزم أولى في الحجى أن يحتذى
إن تعتذر منها تجدني قابلا أو رمت تجديد الوداد فحبذا
стр. 3137
طبعي التجاوز عن صديق إن هفا وبغفر زلات الأخلاء اغتذى
فتجنبن عتبي وعد لمودتي لا تصغين لقول واش إن هذى
واعلم بأني لست غافر زلة إن رابني ظن بكم من بعد ذا
ذو الحلم إن سالمته لك منصف فإذا نضا عنه تجده قد بذا
يا شاعرا ألفاظه في نظمه دررا غدت وزبرجدا وزمردا
خذها فقط نظمتها لك حكة فيها وقل لمثلها أن يؤخذا
حتى تظل تقول من عجب بها من قال شعرا فليلقه هكذا
وقال (١) :
ونائمة قبلتها فتنبهت وقالت تعالوا فاطلبوا اللص بالحد
فقلت لها إني فديتك غاصب وما حكموا في غاصب بسوى الرد
خذيها وحطي (٢) عن أثيم ظلامة وإن أنت لم ترضي فألف عند العد
فقالت قصاص يشهد العقل أنه على المذنب الجاني ألذ من الشهد
وقالت ألم أخبرك بأنك زاهد فقلت بلى ما زلت أزهد في الزهد
فباتت يميني رهن (٣) هميان خصرها وباتت يساري رهن واسطة العقد
وقال (٤) :
ومحجوبة في الخدر عن كل ناظر ولو برزت بالليل ما ضل من يسري
أقول لها والعيس تحدج للنوى أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
стр. 3138
سأنفق ريعان الشبيبة آنفا على طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران أن لياليا تمر بلا نفع وتحسب من عمري
وإنا لفي الدنيا كواكب لجة نظن قعودا والزمان بنا يجري
وقال (١) :
حمدت إلهي إذ بليت بحبها وبي حول يغني عن النظر الشزر
نظرت إليها والرقيب يخالني نظرت إليه فاسترحت من العذر
وقال:
لا تترك الحزم في شيء تحاذره فإن سلمت فما في الحزم من باس
العجز ذل وما بالحزم من ضرر وأحزم الحزم سوء الظن بالناس
وقال:
لست وإن كنت معنى به مشتكيا منه أذى حبه
بل راضيا ما كان منه وإن حملت في الحب على صعبه
مر الهوى أطيب من عذبه وجدبه أنعم من خصبه
ما صدق الحب امرؤ لم تبت نيرانه تضرم في قلبه
يستعذب التعذيب فيه وإن آل به ذاك إلى نحبه
لا باغيا منه نوالا ولا يشكو الذي يلقاه من كربه
وقال:
الله يعلم أني يوم بينهم ندمت إذ ودعتني غاية الندم
стр. 3139
تزاحمت في فؤادي للنوى حرق تزاحم الدمع في أجفان منسجم
ثم انثنيت وفي قلبي لفرقتهم وقع الأسنة في أعقاب منهزم
وكتب يخاطب المستنصر بالله صاحب مصر: حصن الله المؤمنين من الشيطان [بجنن] الطاعة، ودثرهم من قر وسواسه بسرابيل القناعة، ووهبهم من نعمه مدداً ومن توفيقه رشداً، وصيرهم إلى منهج الإسلام وسبيله الأقوم، وجعلهم من الآمنين فيما هم عليه موقوفون، وزينهم بالتثبيت فيما هم عنه مسؤولون (وما ربك بظلام للعبيد) (فصلت: ٤٦) .
كتابي إليك من الجب بازاء مصرك، وفناء برك، بعد أن كانت بغداد لي الوطن، والألفة والسكن؛ ولما كنت على مذهب صحيح، ومتجرٍ ربيح، كثرت علي الخوارج، وشق [على] الماء ارتقاء المناهج، (ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز) (الحج: ٤٠) فأتيت مكة، حرسها الله لكي أقضي فرض الحج، من عج وثج، أسأل الله تعالى القبول، وكيف وإنما يتقبل الله من المتقين؛ وقد كنت عندي ذا سنةٍ ودين، محباً في الله تعالى وفي النبيين، وفي محمد ﷺ والمهديين، فورد الناطقون، وأتى المخبرون، بخبر ما أنت عليه، فذكروا أنك مدحض لمذهب مالك، موعد / [١٤٨] لصاحبه بأليم المهالك، هيهات هيهات (إنك ميت وإنهم ميتون، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) (الزمر: ٣٠ - ٣١) فأبيت القبول على أمر لم يصح بيانه لكثرة الكذب في الدنيا، وإذ لا يحل لمسلم أن يموت طوعاً، فأردت الكشف عن ذلك بكتاب منك، والسلام على من اتبع الهدى.
جواب المستنصر بالله: حرس الله مهجتك، وطول مدتك، وقدم أمير المؤمنين إلى المنية قبلك، وخصه بها دونك، ورد كتابك المكرم، وأتى خطابك المعظم، يفصح البكم، وينزل العصم، هبت عليه رياح البلاغة فنمقته، ووكفت
стр. 3140
عليه سحائب البراعة فرفقته، فيا له من خط بهي، ولفظ شهي، تذكر فيه حسن ظنونك بنا، وتثبت مآثرنا، فلما أن عرست بازائها ورد من فسخ عليك، فخذ بظاهر ما كان عندك ورد، ودع لربك علم ذات الصدور، والسلام.
ومن شعره أيضاً قوله (١)
أهيم بذكر الشرق والغرب دائماً وما بي شرق للبلاد ولا غرب
ولكن أوطاناً نأت وأحبةً فعدت متى أذكر عهودهم أصب
إذا خطرت ذكراهم في خواطري تناثر من أجفاني اللؤلؤ الرطب
ولم أنس من ودعت بالشط سحرةً وقد غرد الحادون واستعجل الركب
أليفان هذا سائر نحو فربةٍ وهذا مقيم سار عن صدره القلب
وقال (٢) :
ومحطوطة المتنين مهضومة الحشا منعمة الأطراف تدمى من اللمس
إذا ما دخان الند من طيبها علا [علىي وجهها أبصرت غيماً على الشمس
وقال:
رحلتم فكم من أنةٍ بعد زفرة مبينةٍ للناس شوقي إليكم
فإن كنت أعتقت الجفون من البكا فقد ردها في الرق حزني عليكم
وقال:
يأبى مقامي في مكان واحدٍ دهر بتفريق الأحبة مولع
كفكف فسيك يا فراق فإنه لم يبق في قلبي لسهمك موضع
стр. 3141
وقال (١) :
تذكر نجداً والحمى فبكى نجدا وقال سقى الله الحمى وسقى نجدا
وحيته أنفاس الخزامي عشية فهاجت إلى الوجد القديم له وجدا
فأظهر سلوانا وأضمر لوعةً إذ طفئت نيرانها وقدت وقدا
ولو أنه أعطى الصبابة حقها لأبدى الذي أخفى وأخفى الذي أبدى
ولم أنسه والسكر يفتل قده إذا ما تثنى كدت أعقده عقدا
وقال:
بالكرخ من جانب الغربي عن لنا ظبي ينفره عن وصلنا نفر
ذؤابتاه نجادا سيف مقلته وجفنه والشفرة الشفر
ضفيرتاه على قتلي تضافرتا يا من رأى شاعراً أودى به الشعر
وقال:
من بعد ودي رمتم أن تهجروا ما بعد فرقة [مز] معين تخير
وزعمتم أن الليالي غيرت عهد اللوى لا كان من يتغير
إن شئتم أن تنصفوني في الهوى لا تقطعوا حبل الوصال وتغدروا
ردوا الفؤاد كما عهدت إلى الحشا والمقلتين إلى الكرى ثم اهجروا
وقال:
أتبكي على بغداد وهي قريبة فكيف إذا ما ازددت عنها غداً بعدا
لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى لها أن وجدنا للفراق بها بدا
إذا ذكرت بغداد نفسي تقطعت من الشوق أو كادت تموت بها وجدا
كفى حزناً إن رمت لم استطع لها وداعاً ولم أحدث لشاطئها عهدا
стр. 3142
وقال (١) :
تملكت يا مهجتي مهجتي وأسهرت يا ناظري ناظري
وما كان ذا أملي يا ملول ولا خطر الهجر في خاطري
فجد بالوصال فدتك النفوس فلست على الهجر بالقادر
وفيك تعلمت نظم الكلام ولقبني الناس بالشاعر
أيا غائباً حاضراً في الفؤاد سلام على الغائب الحاضر
وقال:
وكل مودة في الله تبقى على الأيام من سعةٍ وضيق
وكل مودةٍ في ما سواه فكالحلفاء في لهب الحريق
وقال:
أمنزلتي سلمى وحسبي رباهما فمجتمعي واديهما بأثال
سلام على تلك المعاهد إنها مهب جنوبي أو مصاب شمالي
ليالي لا أخشى حزون قطيعة ولا أمش إلا في سهول وصال
فقد صار حظي من جميع لقائكم تعرض برقٍ أو طروق خيال
وقال:
يا أملح الناس بلا مريةٍ من غير مستثنى ولا مستعاد
ما زادني صدك إلا هوى والشزر [من] عينيك (٢) إلا وداد
فاحكم بما شيت ففيه الرضى وكن كما شيت فأنت المراد
стр. 3143
وما عسى تبلغه طاقتي وإنما بين ضلوعي فؤاد
وقال:
فؤادي فر من جسدي إليكم فجئت اليوم أطلبه لديكم
فضموا الجسم أو ردوا فؤادي فما في رده حرج عليكم
وقال:
يا لهف نفسي على شيئين لو جمعا عندي لكنتإذن من أسعد البشر
[١٤٩] كفاف عيشٍ يقيني كل مسألة وخدمة العلم حتى ينقضي عمري
وقال (١) :
أشكو الذين أذاقوني مودتهم حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا
واستنهضوني فلما قمت منتصباً بحمل (٢) ما حملوا من ودهم قعدوا
لأخرجن من الدنيا وحبكم بين الجوانح لم شعر به أحد
ألفت بيني وبين الحب معرفة ما تنقضي أبداً أو ينقضي الأبد
وقال:
ولما رأيت العيش أزمع للنوى عزمت على الأجفان أن تترقرقا
فخذ حجتي من ترك قلبي سالماً وجيبي ومن حقيهما أن يمزقا
يدي ضعفت عن أن تمزق جيبها ولو كان قلبي حاضراً لتمزقا
وقال:
حرق سوى قلبي ودعه فإنني أخشى عليك وأنت في سودائه
جاورته سوء الجوار فسؤته لما حللت فناءه بفنائه
стр. 3144
وقال:
في النفس ضيق وفي الفؤاد سعه فآله الجود غير متسعه
البخل لا أستطيع أفعله والجود لا أستطيع أن أدعه
وقال:
قضت أيامنا سهماً صحيحاً لمن يأوي إلى فهم سقيم
كأن علي للإعدام ديناً فلازمني ملازمة الغريم
وقال:
يحتاج من كان في مواعدكم إلى ثلاث من غير تكذيب
أموال قارون يستعين بها وعمر نوحٍ وصبر أيوب
وقال:
طولت للنفس في الأماني فحسرتي اليوم حسرتان
لما رأيت الشباب ولى وطالع الشيب قد علاني
أيقنت [أني] على فناءٍ مشعر الذيل غير وان
يا طول شوقي إلى أناسٍ خلفني عنهم التواني
وقال:
أنا في الغربة أبكي ما بكت عين غريب
لم أكن يوم خروجي من بلادي بالمصيب
عجباً لي ولتركي وطناً فيه حبيبي
وقال (١) :
بغداد دار لأهل المال واسعة وللصعاليك دار الضنك والضيق
стр. 3145
أصبحت فيها مهاناً في أزقتها (١) كأنني مصحف في بيت زنديق
وقال:
جرد عزيمة ماضي الهم معتزم ودون نيل الذي تبغيه لا تنم
ولا يصدنك عنها خوف حادثةٍ فإنما المر رهن الموت والسقم
ما قدر الله آت كنت في سفر أو في مقرك بين الأهل والحشم
وقال:
إن يكن ما بك هزل فالذي بني منك جد
جملة تغني عن النف - سير: ما لي عنك بد
وقال:
إن ترد الوصل فهذا أنا وإن ترد هجري لك الأمر
ما أنا محتاج ولا وامق فواحد وصلك والهجر
وقال:
لما نشرن على عمدٍ ذوائبها يكاد منها فتيت المسك ينتشر (٢)
تقول يا عمتا كفي ذوائبه ويحي ضنيت وأخفى جيدي الشعر
مثل الأساود قد أعيا مواشطها فيه تضل مداريها وتنكسر
تدعو على شعرها لما أضر بها يا ليته كان [فيه] الجعد والقصر
وقال:
رحلت وخليت الفؤاد لديكم رهيناً وإن لم تخل منه الأضالع
فإن أنتم ضيعتموه أسأتم وما الحق إلا أن تصان الودائع
стр. 3146
وقال:
أطال بين الديار ترحالي قصور مالي وضعف آمالي
إن برت في بلدة مشيت إلى أخرى فما تستقل أجمالي
كأنني فكرة الموسوس ما تبقى مدى ساعةٍ على حال
وقال يتشوق في بغداد (١) :
خليلي في بغداد هل أنتما ليا على العهد مثلي أم غدا العهد باليا
وهل أنا مذكور بخير لديكما إذا ما جرى ذكر بمن كان نائبا
وهل ذرفت عند النوى مقلتكما علي كما أمسي وأصبح باكيا
وهل فيكما من إن تنزل منزلاً " أنيقاً وبستاناً من النور حاليا "
" أجد لنا طيب المكان وحسنه منىً فتمنين فكنت الأمانيا " (٢)
كما بي عن شوقٍ شديدٍ إليكما كأن على الأحشاء منه مكاويا
على أدمعٍ منهلةٍ فتأملا كتابي تبن آثارها في كتابيا
ولا تيأسا أن يجمع الله بينا كأحسن ما كنا عليه تصافيا
" فقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا " (٣)
فدى لك يا بغداد [أهلاو] منزلا ولم أر فيها مثل دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرق شمائلا وأعذب ألفاظاً وأحلى معانيا
وكم قائلٍ لو كان ودك صادقاً لبغداد لم ترحل، فكان جوابيا
" يقيم الرجل الأغنياء بأرضهم وترمي النوى بالمعسرين المراميا " (٤)
стр. 3147
" وما هجروا أوطانهم عن ملالةٍ ولكن حذاراً من شمات الأعاديا "
" إذا زرت أرضاً بعد طول اجتنابها فقدت حبيبي والديار كما هيا "
وقال: / [١٥٠]
وماذا عليكم لو مننتم بزورة فأجزلتم فيها علينا التفضلا
فإن لم تكونوا مثلنا في اشتياقنا فكونوا أناساً يعرفون التجملا
وقال (١) :
هبني أسأت كما زعمت فأين عاقبة الأخوه
ولئن أسأت كما أسأت فأين فضلك والمروه
وقال:
ولما حدا الحادي بعيس أحبتي ونادى غراب البين بالبين يهتف
بكيت دماً حتى لقد قال قائلب ترى ذا الفتى من جفن عينيه يرعف
وقال:
قلت لها يوماً وأبصرتها بسباسةً في كنها نرجس
ما أقبح الصد فقالت: بلى، أقبح منه عاشق مفلس
وقال:
متى أخف الغرام يصفه جسمي بألسنة الضنى الخرس الفصاح
فلو أن الثياب فحصن عني خفيت خفاء خصرك في الوشاح
وقال (٢) :
قطعت الأرض في شهري ربيعٍ إلى مصر وعدت إلى العراق
стр. 3148
فقال لي الحبيب وقد رآني سبوقاً [للمضمرة] العتق
ركبت على البراق - فقلت كلا ولكني ركبت على اشتياقي
فصل في ذكر الأديب الأريب
أبي عبد الله بن قاضي ميلة (١)
وهو ممن طرأ (٢) ذكره، وانتهى إليّ شعره، إذ ضرب في الأدب بأعلى قدح، وافتر عنه على أوضح صبح، وأقام دوحه على سوقه، وبنى المنازل (٣) على سواء طريقه، ورأيت أبا علي بن رشيق قد ذكره في ما اندرج من كلامه في شعراء " الأنموذج "، وأعرب عن فضائله، وأوضح ما لم يخف من دلائله (٤) ، ولعل بعض من يتصفح كتابي هذا يقول: إن شعراء الأنموذج مائة شاعر وشاعرة، وأكثرهم كان في المائة الخامسة من الهجرة، تقاربت موالدهم، وتشابهت مصادرهم ومواردهم، أفلا ذكرهم عن آخرهم، وما له اقتصر على بعضهم دون سائرهم -! فبعض الجواب أني كثرت بهذا الكتاب عددي، وجردته في محاسن أهل بلدي، ثم عرضت بعد معارضته أبا منصور، بذكر من هنالك من شاعر مشهور، واجتلاب ما يتعلق بذلك من خبرٍ مأثور، فأشرت إلى ذكر من كان في هذا الوقت المؤرخ ممن طال (٥) طلقه، وشرق أفقه.
стр. 3149
ولأبي عبد الله أشعار شاردة سارت على ألسنة الأنام، وكتبت في جبهات (١) الأيام، غير أنه لم يقع إليّ منها عند تحرير هذه النسخة إلا ما أثبت، فمن ذلك ما حدث به أبو محمد بن خليفة المصري (٢) قال: لما ولي ابن البواب وزارة المعز بن باديس سأله أبو عبد الله أمراً كلفه، فمطله فيه حتى صرفه، فكتب إليه (٣) :
أقول له إذ طيشته رياسة أتت غفلة مهلاً فقد غلط الدهر
ترفق يراجع فيك دهرك عقله فما سدت إلا والزمان به سكر
فما برحت أيامه أن تصرمت وما عندنا شكر ولا عنده عذر
وأنشد أيضاً له المصري المذكور (٤) :
جاءت بعودٍ تناغيه فيتبعها (٥) فانظر بدائع ما يأتي به الشجر
غنى على عودها الأطيار مفصحة رطباً فلما عسا (٦) غنى به البشر
فما يزال عليه أو به طرب (٧) يهيجه الأعجمان الطير والوتر
قال ابن بسام: وهذا في ما وصف، كقول ابن شرف (٨) :
سقى الله أرضاً أنبتت عودك الذي زكت منه أغصان وطابت مغارس
تغنى عليه الطير والعود أخضر وغنى عليه الناس والعود يابس
стр. 3150
وأنشد أيضاً له المصري (١) :
أشقى لجدك أن تكون أديباً أو أن يرى فيك الورى تهذيبا
إن كنت مستوياً ففعلك كله عوج وإن أخطأت كنت مصيبا
كالنقش ليس يصح معنى ختمه حتى يكون بناؤه مقلوبا
وأنشد له أيضاً (٢) :
لدنياك نور ولكنه ظلام يحار به المبصر
فإن عشت فيها على أنها كما قيل قنطرة تعبر
فلا تعمرن بها منزلاً فإن الخراب لما تعمر
ولا تذخرن خلاف التقى فيفنى ويبقى الذي تذخر
وظن أناس بأن قد سموا فقالوا علونا ولم يشعروا
كذا البحر يطفو عليه القذى ويرسب في قعره الجوهر
وكان لابن قاضي ميلة صديقان فتقاطعا وندما، واتفق أن بنى أحدهما منزلاً، فقيل لصاحبه: لست تجد وقتاً لمراجعة صديقك أحسن من تهنئتك له بهذه الدار الجديدة، فركب إليه وهنأه، وكان على صاحب المنزل قباء ديباج فيه صور طواويس، فكرر بصره فيها ذلك القاصد، فقال له صاحبه: أتعجبك هذه / [١٥١] الصور - قال: أجل، فوهب الثوب له صاحب المنزل، فقال له القاصد: وأنا عندي طواويس حية تصلح لهذه الدار، فلبس صاحب المنزل القباء غلاماً وسيماً له اسمه نحرير، كان صديقه يهواه، وأهداه إليه، وأخذ صديقه الطواويس وأهداها مع غلامٍ له اسمه بديع كان صاحب المنزل أيضاً يكلف به،
стр. 3151
فبلغ ذلك الأكحل تأييد الدولة (١) صاحب صقيلية (٢) ، فأمر الشعراء بصفة ذلك، فمن شعر ابن قاضي ميلة فيهما هنالك، من جملة قصيدة:
ولله يومكما إذ أتاك مبتهجاً بتمام البناء
فأنفذ في حضن نحريره طواويس موشية في قباء
فما جنك الليل حتى بعثت بديعاً بكل بديع المكاء
بأحسن متخذٍ في البيزت وأطرف مكتسب في القباء
تقابلتما لاختلاف الصفات ولولاهما لاختلاف الهواء
ويعلي الذنابى مدلاً بها على رأسه كانتصاب اللواء
فتلحظ مرأى يروق العيون ويقضي لواصفه بالغناء
هدايا أقمتم لإيصالها ظباء تجر ذيول البهاء
وما عاين الناس من قبل ذا طواويشس [فوق] أكف الظباء
ومنها:
وعاين رجليه في معزلٍ من الحسن حل عقود البكاء
فيهدم جلوته بعدما أقام لها محكمات البناء
ومن سام بالنفس عين التمام نازعه النقص حظ النماء
فيا قمري سؤددٍ قابلا وجوه السنا بوجوه السناء
إذا الدهر رفع قدريكما فقد سربل الدهر ثوب العلاء
ومن شعره (٣) :
قالت الحسناء لما أن رأت أدمعي ترفض في ما ابتدرا
ليس هذا الدمع ما خبرته أنا من يهدي إليك الخبرا
стр. 3152
رق في خدي من ماء الصبا رونق يعشي سناه البصرا
تأخذ الألحاظ منه ريها فإذا جاز التناهي قصرا
وله من قصيد فريد يقول فيه (١) :
ولما التقينا محرمين وسيرنا بلبيك يطوى والركائب تعسف
نظرت إليها والمطايا كأنها غواربها منها معاطس رعف
وقالت أما منكن من يعرف الفتى فقد رابني من طول ما يتشوف
أراه إذا سرنا يسير أمامنا ونوقف أخفاف المطايا فيوقف
فقلت لتربيها ابلغاها بأنني بها مستهام قالتا: نتلطف
وقولا لها يا أم عمروٍ أليس ذا منىً والمنى في خيفه ليس تخلف
تفاءلت في أن تبذلي طارف الهوى بأن عن لي منها البنان المطرف
وأما دماء الهدي فهو تواصل بدوم ورأي في الهوى يتألف
وفي عرفاتٍ ما يخبر أنني بعارفةٍ من نيل وصلك أسعف
وتقبيل ركن البيت إقبال دولةٍ لنا وزمان بالمودة يعطف
فأبلغتها ما قلته فتبسمت وقالت أحاديث العبافة زخرف
بعيشي ألم أخبركما أنه امرؤ على لفظه برد الكلام المفوف
فلا تأمنا ما استطعتما كيد نطقه وقولا ستدري أينا اليوم أعيف
لئن كنت ترجو في منى الفوز بالمنى فالبخيف من إعراضنا تتخوف
وقد أنذر الإحرام أن وصالنا حرام وأنا عن مزارك نصدف
فهذا وقذفي بالحصى لك منذر بأن النوى بي عن ديارك تقذف
فبادر (٢) نفاري ليلة النفر إنه سريع وقل من [في] العيافة أعرف
стр. 3153
ومن مليح الزجر وغريب الفأل قول أبي حية (١) :
جرى يوم رحنا عامدين لأرضها سنيح فقال القوم مر سنيح
فهاب رجال منهم فتعفوا فقلت لهم: جارٍ إليّ ربيح
عقاب بأعقاب من الدار [بعد] ما نأت نية بالظاعنين طروح
وقالوا حمامات فحم لقاؤها وطلح فزيرت والمطي طليح
وقال صحابي هدهد فوق بانةٍ هدىً وبيان بالنجاح يلوح
وقالوا دم دامت مواثيق بيننا ودام لنا حلو الصفاء صريح
لعيناك يوم البين أسرع واكفاً من الفنن الممطور وهو مروح
وقال ذو الرمة (٢) :
رأيت غراباً ساقطاً فوق قضبةٍ من القضب لم ينبت لها ورق خضر
فقلت غراب لاغترابٍ وقضبة لقضب النوى هذي العيافة والزجر
وقال آخر (٣) :
دعا صرد يوماً على غصن بانةٍ وصاح بذات البين منها غرابها
فقلت أتصريد وشحط وغربة فهذا لعمري نأيها واغترابها
ومن قصيدة جحدر (٤) :
ومما هاجني فازددت شوقاً بكاء حمامتين تجاوبان / [١٥٢]
стр. 3154
تجاوبتا بلحنٍ أعجمي على عودين من غربٍ وبان
فكان البان أن بانت سليمى وفي الغرب اغتراب غير دان
وفي هذه القصيدة يقول:
فيا أخوي من كعب بن عمرو أقلا اليوم إن لم تسعداني
يحاذر سطوة الحجاج ظلماً وما الحجاج ظلام لجان
وكان من آخر معه أن الحجاج جوع له أسداً ثم سلطه عليه، فبادر جحدر إليه وقتل الأسد، فعفا عنه الحجاج لما رأى من جرأته، واتخذه من صحابته.
وحكى المدائني قال (١) : خرج كثير من الحجاز يريد مصر، فلما قرب منها رأى غراباً على شجرة ينتف ريشه، فتطير من ذلك ومضى لوجهه، فلقيه رجل من بني لهب فقال: يا أخا الحجاز، مالك كاسف اللون، هل رأيت شيئاً أنكرته - قال: أجل، غراب على بانة ينتف ريشه وينعب، قال: إنك تطلب حاجة لا تدركها، فقدم مصر والناس منصرفون من جنازة عزة، فقال:
رأيت غرباً ساقطاً فوق بانةٍ ينتف أعلى ريشه ويطايره
فقلت ولو أني أشاء زجرته بنفسي للنهدي هل أنت زاجره
فقال غراب لاغتراب من النوى وفي البان بين من حبيب تجاوره
فما أعيف النهدي لا در دره وأزجره [للطير] لا عز ناصره
ومن مليح الزجر (٢) قول أبي نواس وقد اجتمع إخوانه واختفوا عنه، ووجهوا
стр. 3155
رسولاً إليه بظهر قرطاس لم يكتبوا فيه شيئاً، وخزموه بزير وختموه بقارٍ، ورمى بالكتاب من وراء الباب، فاستعلم موضعهم وأنشدهم:
زجرت كتابكم لما أتاني يمر بسانح الطير الجواري
نظرت إليه مخزوماً بزير (١) على ظهرٍ ومختوماً بقار
فقلت الزير ملهية ولهو وخلت القار من دن العقار
وخلت الظهر أهيف قرطقياً يحر (٢) العقل منه باحورار
فهمت إليكم طرباً وشوقاً فما أخطأت داركم بدار (٣)
فكيف ترونني وترون زجري ألست من الفلاسفة الكبار
ومن أبدع ما لأبي عبد الله وأغربه، وأحلى الكلام وأوطئه قوله من كلمةٍ، يعني السيف، وقد رويت لغيره (٤) :
حيث التقى أسد العرين وشادن (٥) تحت اللحاف وصارم وسوار
قالت أرى بيني وبينك ثالثاً ولقد عهدتك بالدخيل تغار
أأمنت نشر حديثنا فأجبتها هذا الذي تطوى به الأسرار
وقوله أيضاً (٦) :
وتعجبني الغصون إذا تثنت ولا سيما وفيهن الثمار
إذا اهتزت (٧) نهود في قدودٍ فقل للحلم قد ذهب الوقار