← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

فبلغ ذلك الأكحل تأييد الدولة (١) صاحب صقيلية (٢) ، فأمر الشعراء بصفة ذلك، فمن شعر ابن قاضي ميلة فيهما هنالك، من جملة قصيدة: ولله يومكما إذ أتاك مبتهجاً بتمام البناء فأنفذ في حضن نحريره طواويس موشية في قباء فما جنك الليل حتى بعثت بديعاً بكل بديع المكاء بأحسن متخذٍ في البيزت وأطرف مكتسب في القباء تقابلتما لاختلاف الصفات ولولاهما لاختلاف الهواء ويعلي الذنابى مدلاً بها على رأسه كانتصاب اللواء فتلحظ مرأى يروق العيون ويقضي لواصفه بالغناء هدايا أقمتم لإيصالها ظباء تجر ذيول البهاء وما عاين الناس من قبل ذا طواويشس [فوق] أكف الظباء ومنها: وعاين رجليه في معزلٍ من الحسن حل عقود البكاء فيهدم جلوته بعدما أقام لها محكمات البناء ومن سام بالنفس عين التمام نازعه النقص حظ النماء فيا قمري سؤددٍ قابلا وجوه السنا بوجوه السناء إذا الدهر رفع قدريكما فقد سربل الدهر ثوب العلاء ومن شعره (٣) : قالت الحسناء لما أن رأت أدمعي ترفض في ما ابتدرا ليس هذا الدمع ما خبرته أنا من يهدي إليك الخبرا

стр. 3152

رق في خدي من ماء الصبا رونق يعشي سناه البصرا تأخذ الألحاظ منه ريها فإذا جاز التناهي قصرا وله من قصيد فريد يقول فيه (١) : ولما التقينا محرمين وسيرنا بلبيك يطوى والركائب تعسف نظرت إليها والمطايا كأنها غواربها منها معاطس رعف وقالت أما منكن من يعرف الفتى فقد رابني من طول ما يتشوف أراه إذا سرنا يسير أمامنا ونوقف أخفاف المطايا فيوقف فقلت لتربيها ابلغاها بأنني بها مستهام قالتا: نتلطف وقولا لها يا أم عمروٍ أليس ذا منىً والمنى في خيفه ليس تخلف تفاءلت في أن تبذلي طارف الهوى بأن عن لي منها البنان المطرف وأما دماء الهدي فهو تواصل بدوم ورأي في الهوى يتألف وفي عرفاتٍ ما يخبر أنني بعارفةٍ من نيل وصلك أسعف وتقبيل ركن البيت إقبال دولةٍ لنا وزمان بالمودة يعطف فأبلغتها ما قلته فتبسمت وقالت أحاديث العبافة زخرف بعيشي ألم أخبركما أنه امرؤ على لفظه برد الكلام المفوف فلا تأمنا ما استطعتما كيد نطقه وقولا ستدري أينا اليوم أعيف لئن كنت ترجو في منى الفوز بالمنى فالبخيف من إعراضنا تتخوف وقد أنذر الإحرام أن وصالنا حرام وأنا عن مزارك نصدف فهذا وقذفي بالحصى لك منذر بأن النوى بي عن ديارك تقذف فبادر (٢) نفاري ليلة النفر إنه سريع وقل من [في] العيافة أعرف

стр. 3153

ومن مليح الزجر وغريب الفأل قول أبي حية (١) : جرى يوم رحنا عامدين لأرضها سنيح فقال القوم مر سنيح فهاب رجال منهم فتعفوا فقلت لهم: جارٍ إليّ ربيح عقاب بأعقاب من الدار [بعد] ما نأت نية بالظاعنين طروح وقالوا حمامات فحم لقاؤها وطلح فزيرت والمطي طليح وقال صحابي هدهد فوق بانةٍ هدىً وبيان بالنجاح يلوح وقالوا دم دامت مواثيق بيننا ودام لنا حلو الصفاء صريح لعيناك يوم البين أسرع واكفاً من الفنن الممطور وهو مروح وقال ذو الرمة (٢) : رأيت غراباً ساقطاً فوق قضبةٍ من القضب لم ينبت لها ورق خضر فقلت غراب لاغترابٍ وقضبة لقضب النوى هذي العيافة والزجر وقال آخر (٣) : دعا صرد يوماً على غصن بانةٍ وصاح بذات البين منها غرابها فقلت أتصريد وشحط وغربة فهذا لعمري نأيها واغترابها ومن قصيدة جحدر (٤) : ومما هاجني فازددت شوقاً بكاء حمامتين تجاوبان / [١٥٢]

стр. 3154

تجاوبتا بلحنٍ أعجمي على عودين من غربٍ وبان فكان البان أن بانت سليمى وفي الغرب اغتراب غير دان وفي هذه القصيدة يقول: فيا أخوي من كعب بن عمرو أقلا اليوم إن لم تسعداني يحاذر سطوة الحجاج ظلماً وما الحجاج ظلام لجان وكان من آخر معه أن الحجاج جوع له أسداً ثم سلطه عليه، فبادر جحدر إليه وقتل الأسد، فعفا عنه الحجاج لما رأى من جرأته، واتخذه من صحابته. وحكى المدائني قال (١) : خرج كثير من الحجاز يريد مصر، فلما قرب منها رأى غراباً على شجرة ينتف ريشه، فتطير من ذلك ومضى لوجهه، فلقيه رجل من بني لهب فقال: يا أخا الحجاز، مالك كاسف اللون، هل رأيت شيئاً أنكرته - قال: أجل، غراب على بانة ينتف ريشه وينعب، قال: إنك تطلب حاجة لا تدركها، فقدم مصر والناس منصرفون من جنازة عزة، فقال: رأيت غرباً ساقطاً فوق بانةٍ ينتف أعلى ريشه ويطايره فقلت ولو أني أشاء زجرته بنفسي للنهدي هل أنت زاجره فقال غراب لاغتراب من النوى وفي البان بين من حبيب تجاوره فما أعيف النهدي لا در دره وأزجره [للطير] لا عز ناصره ومن مليح الزجر (٢) قول أبي نواس وقد اجتمع إخوانه واختفوا عنه، ووجهوا

стр. 3155

رسولاً إليه بظهر قرطاس لم يكتبوا فيه شيئاً، وخزموه بزير وختموه بقارٍ، ورمى بالكتاب من وراء الباب، فاستعلم موضعهم وأنشدهم: زجرت كتابكم لما أتاني يمر بسانح الطير الجواري نظرت إليه مخزوماً بزير (١) على ظهرٍ ومختوماً بقار فقلت الزير ملهية ولهو وخلت القار من دن العقار وخلت الظهر أهيف قرطقياً يحر (٢) العقل منه باحورار فهمت إليكم طرباً وشوقاً فما أخطأت داركم بدار (٣) فكيف ترونني وترون زجري ألست من الفلاسفة الكبار ومن أبدع ما لأبي عبد الله وأغربه، وأحلى الكلام وأوطئه قوله من كلمةٍ، يعني السيف، وقد رويت لغيره (٤) : حيث التقى أسد العرين وشادن (٥) تحت اللحاف وصارم وسوار قالت أرى بيني وبينك ثالثاً ولقد عهدتك بالدخيل تغار أأمنت نشر حديثنا فأجبتها هذا الذي تطوى به الأسرار وقوله أيضاً (٦) : وتعجبني الغصون إذا تثنت ولا سيما وفيهن الثمار إذا اهتزت (٧) نهود في قدودٍ فقل للحلم قد ذهب الوقار

стр. 3156

فصل في ذكر أبي الحسن علي بن محمد التهامي وإثبات جملة من شعره (١) كان مشتهر الإحسان، ذرب اللسان، مخلى بينه وبين ضروب البيان، يدل شعره [على] فوز القدح، دلالة برد النسيم على الصبح، ويعرب عن مكانه من العلوم، إعراب الدمع (٢) عن سر الهوى المكتوم. حملة من شعره في أوصاف شتى المدح وما يتصل به من النسيب له من قصيدة أولها (٣) : فؤادي الفداء لها من قبب طوافٍ على الآل مثل الحبب يقول فيها: كأن [على] الجو فضفاضةً مساميرها فضة أو ذهب كأن كواكبه أعين تراعي سنا الفجر أو ترقب فلما بدا طفقت هيبةً تستر أحداقها بالهدب وشقت غلائل ضوء الصباح فلا هو بادٍ ولا محتجب ومنها: أبا قاسم حزت صفو الكلام وغادرت ما بعده للعرب وليس كلامك إلا النجوم علوت فناثرتها من كثب

стр. 3157

رأيت الفصاحة حيث الندى وهل ينظم الروض إلا السحب وقد شرف الغيث إذ بينه وبين بنانك أدنى نسب ومنها في صفة القلم: وأرعن أخرس من كثرة الل - غات بأجرائه واللجب يلاقي النجوم بأمثالها من البيض من فوقها واليلب إذا واجه الشمس رد الشعاع واعترض الريح (١) سد المهب ثنيت بأرقش ذي زينةٍ (٢) تجلى الخطوب به والخطب / [١٥٣] إذا ما جعلت له لهذماً من النقس طال الرماح السلب وطالت به مفخراً أنها وإياه في الأصل بعض القصب تقلم أقلامك الحادثات فتبرا (٣) وتهتم ناب النوب وله من أخرى (٤) : وكيف لا تدركه نشوة واللحظ راح وجنى الريق راح لو لم تكن ريقته خمرة لما تثنى عطفه وهو صاح يبسم عن ذي أشر مثلما يلتقط الظبي بفيه الأقاح أفلته مني وقد صدته برقدةٍ صوت منادي الفلاح فنحن في نومٍ وفي يقظةٍ بين دنوٍ منهم وانتزاح وموقف لولا التقى لالتقى فيه نجادي ونظام الوشاح ومنها: ومجهلٍ مشتبه طرقه كأنما هن خطوط قزاح

стр. 3158

وهذا تشبيه مخترع، ومعنى مبتدع. كأنما أشباح أنضائنا قسي نبع وكأنما قداح حتى اجتلينا بعد طول السرى بغرة الكامل وجه الصباح فقال لي صحبي أبدر الدجى (١) فقلت لا بل هو بدر السماح ينبيك عن سؤدده بشره مخايل السؤدد خرس فصاح واصطلح الناس على فضله واختلفوا بعد فليس اصطلاح ومنها: إن لمس الطرس بأطرافها فاض نوالاً وبياناً وساح وشق من لؤلؤه أفخر الل - ؤلؤ هن الكلمات الفصاح (٢) وهذه القصيدة مدح بها أبا القاسم بن المغربي المتقدم الذكر وله من أخرى (٣) : لو جادهن غداة رمن رواحا غيث كدمعي ما أردن براحا ماتت لفقد الظاعنين ديارهم فكأنهم كانوا بها أرواحا وهذا كقول ابن الرومي وقد تقدم (٤) : فقد ألفته النفس حتى كأنه له جسد إن بان غودر هالكا متوارثي مرض الجفون وإنما مرض الجفون بأن يكن صحاحا من كان يكلف بالأهلة فليزر ولدي هلال زغبة ورياحا لا عيب فيهم غير شح نسائهم ومن السماحة أن يكن شحاحا

стр. 3159

طرقته في أترابها فجلت له وهناً من الغرر الصباح صباحا أبرزن من تلك الهيون أسنة وهززن من تلك القدود رماحا ومنها في المدح: يرمي الكتيبة بالكتاب إليهم فيرون أحرفه الخميس كفاحا ومن نقسه دهماً ومن ميماته زرداً ومن ألفاته أرماحا ساست أقاليم الورى أقلامه فأجم أطراف القنا وأراحا وله من أخرى (١) : بعثت إليك بطيفها تعليلا وخضاب ليلك قد أراد نصولا فأتاك وهناً والظلام كأنه نظم النجوم لرأسه إكليلا وإذا تأملت الكواكب خلتها زهراً تفتح أو عيوناً حولا أهدت لنا من خدها ورضابها [ورداً] تحيينا به وشمولا ورداً إذا ما شم زاد غضاضة ولو أنه كالورد زاد ذبولا وجلت لنا برداً يشهي برده نفس الحصور العابد التقبيلا برداً يذيب ولا يذوب فكلما شرب المتيم منه زاد غليلا وهذه كقول ابن الرومي، وقد تقدم (١) : ريق إذا ما ازددت من شربه رياً ثناني الري ضمآنا ومنها في ذكر القلم: يلقى العدا من كتبه بكتائب يجررن من زرد الحروب ذيولا فترى الصحيفة حلبة وجيادها أقلامه وصريرهن صهيلا في كفه قلم أتم من القنا طولا وهن أتم منه طولا

стр. 3160

قلم يقلم ظفر كل ملمةٍ ويرد حد شباتها مفلولا ومنها: يدعو النبي من الجدود وحيدراً ومن العومة جعفراً وعقيلا نسب ترى عنوانه في وجهه لا شبهة فيه ولا تأويلا ومن أخرى (١) : وأراد الخيال لثمي فصي - رت لثامي دون المراشف سترا اصرفي الكأس من رضابك عني حاش لله أن أرشف خمرا ولو أن الرضاب غير مدامٍ لم تكوني في حالة الصحو سكرى [ومنها في ذكر القلم] : وإذا راش بالأنامل منه قلماً واستمد ساء وسرا قلما دبر الأقاليم حتى قال فيه أهل التناسخ إمرا يتبع الرمح أمره إن عشري - ن ذراعاً بالرأي تخدم شبرا ومن شعره مما يبتعلق بأوصاف طيف الخيال، وله أغراض غريبة، وألفاظ عجيبة، قال (٢) : عبسن من شعر في الرأس مبتسم ما نفر البيض مثل البيض في اللم فقبلتني توديعاً فقلت لها كفي فليس ارتشاف الخمر من شيمي / [١٥٤] لو لم يكن ريقها خمراً لما انتطقت بلؤلؤ من حباب الثغر منتظم ولو تيقنت غير الراح في فمها ما كنت ممن يصد اللثم باللثم وزاد ريقتها برداً تحدرها على حصى بردٍ من ثغرها شبم

стр. 3161

ومعنى البيت الثاني من هذه كقول أبي الحسن الرضي (١) : وقبلته فوق اللثام لي هي الخمر إلا أنها بفدام وتشبيه أرياق الملاح بالراح أكثر من أن يحصى، وأشهر من أن يتقصى، ولكن التهامي ولد معنى حسنى، وجر ها هنا للبلاغة رسنا، بقوله: " لو لم يكن ريقها خمرا.. " البيت. وفيها يقول: إني لأطرف طرفي عن محاسنها تكرما وأكف الكف عن أمم ولا أهم ولي نفس تنازعني أستغفر الله إلا ساعة الحلم ومعنى هذا البيت حسن، ولكن أبا الطيب كان أملك لشهوته، وأعف في حين خلوته، حيث يقول (٢) : يريد يدا عن ثوبها وهو قادر ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد ألا تسمع كيف عف في الكرى، وأتى من حسن اللفظ وبراعة القسمة بما ترى - وقد أثبت في أخبار ابن الأبار (٣) ، في هذا المعنى عدة أشعار. وقال التهامي (٤) : أهدى لنا طيفها نجدا وساكنه حتى اقتنصنا ظباء البدو والحضر فبات يجلو لنا من وجهها قمرا من البراقع لولا كلفة القمر وراعها حر أنفاسي فقلت لها هواي نار وأنفاسي من الشرر وزاد در الثنايا در أدمعها فالتف منتظم منه بمنتثر فما نكرنا في الطيف الملم بنا ممن هويناه إلا قلة الخفر

стр. 3162

فسرت أعثر في ذيل الدجى ولها والجو روض وزهر الليل كالزهر وللمجرة فوق الأرض معترض كأنها حبنب تطفو على نهر وللثريا رقود فوق أرحلنا كأنها قطعة من فروة النمر كأن أنجمه والصبح يغمضها قسرا عيون غفت من شدة السهر فروع السرب لما ابتل أكرعه في جدول من خليج الفجر منفجر ولو قدرن وثوب الليل منخرق بالصبح رقعنه منهن بالشعر ومنها: لو لم يكن أقحوانا ثغر مبسمها ما كان يزداد طيبا ساعة السحر يا رب معنى بعيد الشأو أسلكه في سلك لفظ قريب الفهم مختصر لفظا يكون لعقد القول واسطة ما بين منزلة الإسهاب والخضر إن الكاتبة سارت نحو أنمله والجود فالتقيا فيه على قدر ترد أقلامه الأرماح صاغرة عكسا كعكس شعاع الشمس للبصر وفي كتابك فاعذر من يهيم به من المحاسن ما في أحسن الصور الطرس كالوجه والنونات دائرة مثل الحواجب والسينات كالطرر وله من أخرى (١) : قولا له هل دار في حوبائه أن القلوب تحوم حول خبائه ريم إذا رفع الستائر بيننا أعشاني اللألاء قبل (٢) روائه نم الضياء عليه في غسق الدجى حتى كأن الحسن من رقبائه أهدى لنا في النوم نجدا كله ببدره وغصونه وظبائه وسفرن في جنح الدجى فتشابهت في الليل أنجم أرضيه وسمائه

стр. 3163

وجلا جبينا واضحا كالبدر في تكويره وبعاده وضيائه حتى إذا حط الصباح لثامه ومضى الظلام يجر فضل ردائه حيا بكأس رضابه فرددتها نفسي فداء رضابه وإبائه قلبي فداؤك وهو قلب لم تزل تذكي شهاب الشوق في أثنائه جاورته شر الجوار وزرته لما حللت فناءه بفنائه حرق سوى قلبي ودعه فإنني أخشى عليك وأنت في سودائه ومعنى هذا اليت مشهور، وقد أجرينا منه طلقا فيما تقدم. ومن مراثيه قصيدته أولها (١) : حكم المنية في البرية جار ما هذه الدنيا بدار قرار يقول فيها: إني وترت بصارم ذي رونق أهددته لطلابة الأوتار يا كوكبا ما كان أقصر عمره وكذاك عمر كواكب الأسحار وهلال أيام مضى لم يستدر بدرا ولم يمهل لوقت سرار عجل الخسوف عليه قبل أوانه فمحاه قبل مظنه الإبدار واستل من أترابه ولداته كالمقلة استلت من الأشفار فكأن قلبي قبره وكأنه في طيه سر من الأسرار أشكو بعادك لي وأنت بموضع لولا الردى لسمعت فيه سراري والشرق نحو الغرب أقرب شقة من بعد تلك الخمسة الأشبار ومنها قصرت جفوني أم تباعد بينها أم صورت عينا بلا أشفار لو كنت تمنع خاض دونك فتية منا بحار عوامل وشفار

стр. 3164

فدحوا فريق الأرض أرضا من دم ثم انثنوا فبنوا سماء غبار قوم إذا لبسوا الدروع حسبتهم سحبا مزررة على أقمار ومن هنا أخذ ابن عبد البر الشنتريني قوله في صفة الاكواس: كأنها وشعاع الشمس داخلها قمص من الماء قد زرت على لهب وترى سيوف الدارعين كأنها خلج تمد بها أكف بحار لو أشرعوا أيمانهم من طولها طعنوا بها عرض القنا الخطار وكأنما ملأوا عياب دروعهم وغمدوا أنصلهم سراب قفار فتدرعوا بمتون ماء جامد وتقنعوا بحباب ماء جار يتزين النادي بحسن وجوههم كتزين الهالات بالأقمار من كل من جعل القنا (١) أنصاره وكرمن فاستغنى عن الأنصار والليث إن ساورته (٢) لم يعتمد إلا على الأنياب والأظفار وإذا هو اعتقل القناة حسبتها صلا تأبطه هزبر ضار شاب القذال وكل غصن صائر فينانه الأحوى إلى الإزهار وتلهب الأحشاء شيب مفرقي هذا الشعاع (٣) شواظ تلك النار ومن أخرى (٤) : أبا الفضل طال الليل أم خانني صبري فخيل لي أن الكواكب لا تسري يقول فيها: ولا حزن إلا يوم فارقت شخصه ورحت ببعض النفس والبعض في القبر وأعلم أن الحادث بمرصد لتأخذ كلي مثل ما أخذت شطري أحين نضا ثوب الطفولة ناسلا كما نسل الريش اللؤام عن النسر

стр. 3165

وخلى رضاع الثدي مستبدلا به أفاويق من در البلاغة والشعر وألقى تميمات الصبا وتباشرت حمائل أغماد المهندة البتر وقامت عليه للعلاء شواهد كما استشهد العضب السريجي بالأثر طواه الردى دي الرداء فأصبحت مغانيه ما فيهن منه سوى الذكر وقالوا سيسليه التأسي بغيره فقلت لهم هل يطفأ الجمر بالجمر ومنها: بضرب يطير البيض من حر وقعه شعاعا كما طار الشرار عن الجمر ولما تضف في نصرة الله طعنة إلى ضربة كالتبر فوق شفا نهر فلا تسألوني عنه صبرا فإنني دفنت به قلبي وفي طيه صبري وإلا تكن قلبي فإنك بعضه قددتكما قد الهلال من البدر قوله: " أحين نضا ثوب الطفولة.. " كقول المعري (١) : ترى أعطافها ترمي حميما كأجنحة البزاة رمت نسالا وقوله: " كما استشهد العضب السريجي بالأثر " كقوله أيضاً (٢) : كالسيف دل على التأثر بالأثر وقوله: " كالتبر فوق شفا نهر " معناه مشهور، إلا أن التهامي لم يتهم فيه ولا أنجد، ولا اضطلع بأعباء ما تقلد، ولا قام ولا قعد، وأعلق منه بنسبه الذي يقول: عليهن من وقع السيوف حواجب وقال آخر: فنضربهم شكلا ونطعنهم نقطا

стр. 3166

وقال آخر، وإن كان في اللفظ [] وكان بين أجزاء البيت تباعد: طعن كما فهق الغدير يؤمه ضرب كحاشية الرداء طويل وهذا كثير وهو من متداولات المعاني، ومنه قول أبي العشائر الحمداني (١) : أأخا الفوارس لو شهدت مواقفي والخيل من تحت الفوارس تنحط لقرأت منها ما تخط يد الوغى والبيض تشكل والأسنة تنقط وكان أبو الطيب يستحسنه له قلة رضاه، يقول سواه ومن سائر شعره في أوصاف مختلفة قال من قصيدة (٢) : تحول الدهر أحوالي وبدلني دارا بدار وجيراناً بجيران ورب أمر رمتني الحادثات به أرنو إليه وحالي فيه حالان إذا نظرت بعين الهزل أضحكني وإن نظرت بعين الجد أبكاني يظما الكريم فلا يسقى وقد ظفرت كف اللئيم بسيحنٍ وجيحان تأمل القدر المحتوم وارض به فإنما وزن الدنيا بميزان فظل يزداد فيها كل منتقص إلا ويهبط منها كل رجحان كم من رجالٍ إلى الأديان قد نصبوا وربما صيدت الدنيا بأديان كم عمرت بالخنا خالي منازلهم عمارة الكتب من فقه وقرآن وباقل الخط سحبان المقال فهل كباقلٍ في ثناه أو كسحبان تراه مجفو نادٍ مستضام يدٍ مستخبلاً وهو في أثواب لقمان / [١٥٦] ما ذنبه فير نفسٍ لا تساعده على لباس رياء غير صوان

стр. 3167

قوله: " ويهبط منها كل رجحان "، كقول ابن الرومي (١) : قالت علا الناس إلا أنت قلت لها كذاك يسفل في الميزان ما رجحا وذكرت بذكره باقلاً وسحبان، قول أحمد بن سليمان (٢) : إذا وصف الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهامة باقل وقال السها للشمس أنت خفية وقال الدجى للصبح لونك حائل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل وقوله: " يظما الكريم فما يسقى.. " البي، معنى قد طوي ونشر، وعرف حتى أنكر، ومنه قول بعض أهل عصرنا وهو الوزير أبو محمد بن عبد الغفور، من شهر اندرج له في رسالة خاطب بها بعض أهل وقته (٣) : وأصرف عن ورد وقد غمر الندى (٤) خفيف عذار والهبنقة الألحى ومن عجب أن يقطعا كل نخةٍ (٥) وأمنع للقرص الذي قاتني ملحا وقال التهامي (٦) : ألا قاتل الله الحمام فإنها بكت فشجت قلباً طروباً إلى هند وما ذكره هنداً وقد حال دونها قنا الخط أو بيض رقاق من الهند وأسد على جردٍ من الخيل ضمر وهيهات من تحميه أسد على جرد وبيداء (٧) تكبو دون إيرادها القطا ويوهي السرى فيها قوى الحازم (٨) الجلد

стр. 3168

مطوحة لولا الدراري ما درى دليل بها كيف السبيل إلى الرشد (١) سباريت ما فيهن زاد لراكب سوى ما حوت فيها الأداحي من ربد كيهماء كلفت المطي اعتسافها إلى الحسب الزاكي إلى الكرم العد إلى الأسد الضرغام في حومة الوغى إذا أحمر في غاب القنا حدق الأسد من [الأجأيين] الذين جيادهم بأحشاء (٢) من عاداهم أبداً تردي نجوم بني قحطان في طخية الدجى إلى عددٍ عد وألسنة لد وقال (٣) : بين كريمين مجلس واسع والود حال تقرب الشاسع والبيت إن ضاق عن ثمانيةٍ متسع بالوادد للتاسع فصل في ذكر مهيار الديلمي (٤) وذكر جملة من شعره مع ما يتعلق بذكره كان شاعر العراق وقته لا يدافع، ولسان تلك الآفاق لا ينازع، سيل أصبحت منه المذانب تلاعا ميثاً، وبدر تجلت به الغياهب قديماً وحديثاً، أحد من خلي بينه وبين الميدان هنالك فجرى وحده، وسبق من قبله إلى غاية الإحسان فما ظنك بمن بعده، وقد أخرجت من شعره ما يعلل الرفاق ذكراه، ويملأ الآفاق سناؤه وسناه.

стр. 3169

جملة من شعره في أوصاف مختلفة قال في قصيدة (١) : من عذيري يوم شرقي الحمى من هوى جد بقلب (٢) مزحا نظرة عارت فعادت حسرة قتل الرامي بها من جرحا لا تعد إن عدت حياً بعدها طارحاً عينيك فيها (٣) مطرحا قد تذوقت الهوى من قبلها وأرى معذبه قد أملحا سل طريق العيس من وادي الغضا كيف أعسفت (٤) لنا رأد الضحى لا لشيء (٥) غير ما جيراننا خلفوا نجداً (٦) وحلوا الأبطحا يا نسيم الريح من أرض الحمى (٧) شد ما هجت الجوى والبرحا يا ندماي بسلع هل أرى ذلك المغبق والمصطبحا اذكرونا ذكرنا عهدكم رب ذكرى قربت من نزحا وارحموا (٨) صباً إذا غنى بكم شرب الدمع وعاف القدحا رجع العاذل عني آيسا من فؤادي فيكم أن يفلحا لو درى، لا حملت ناجية رحله، في من لحاني مالحا [قد شربت الصبر عنكم مكرهاً وتبعت السقم فيكم مسمحا] (٩) وعرفت الهم من بعدكم فكأني ما عرفت الفرحا

стр. 3170

ما سمعتم (١) في السرى من قبلهم بابن ليلٍ ساءه أن يصبحا أراه قلب الثل: " عند الصباح يحمد القوم السرى ". صوحت ريحانة العيش به فمن الراعي نباتاً صوحا أنكرت تبديل أحوالي ومن صحب الدنيا على ما اقترحا شد ما منى غروراً نفسه تاجر الآداب (٢) في أن يربحا والمنى والظن باب أبداً تغلق الأيدي إذا ما فتحا قد خبرت الناس خبري شيمي بخلاء وتسموا سمحا وتولجت على أخلاقهم (٣) داخلاً بين عصاها واللحا يشتهون المال أن يبقى لهم فلما يشتهون المدحا وهذا كقول الآخر (٤) : أبو حسنٍ يشتهي المديح ويعجز عن صلة المادح كبكر تشهى لذيذ النكاح وتفرق من صولة الناكح / [١٥٧] رجع: ما تبالي ما قضت حاجاتها ما دمي من خفا أو قرحا عود البدر وقد قابله غرةً مات بها مستصبحا ورآه البحر أوفى جمةً منه بالنائل لم طفحا أنتم استنزلتم عنها يدي بعد ما ظن بها لن تسمحا (٥) وقال (٦) :

стр. 3171

بكر الوابل (١) تحدوه النعامى فسقاك الري يا دار أماما وتمشت فيك أرواح الصبا يتأرجحن بأنفاس الخزامى وإذا مغنى خلا من زائر بعد ما فارق أو زير لماما فقضى عهد (٢) الهوى أن تصبحي للمحبين مناخاً ومقاما أجتدي المزن وماذا أربي أن يجود المزن أطلالا رماما وقليل قيل أن أدعو لها لا يراني الله أستجدي الغماما أين يكانك لا أين هم أحجازاً يمموها أن شآما صدعو (٣) بعد التئام فغدت بهم أيدي المرامي تترامى وتلقوا كل حيران بليدٍ يسأل الجندل عنهم والرغاما يا لواة الدين عن ميسرةٍ والضنينات وما كن لئاما والمصراع الأول من هذا البيت كقول أبي الفرج الوأواء (٤) : يمطل كل العباد دينهم وهو ملي بذلك الدين ومنها: قد وقفنا بعدكم في ربعكم وقضيناه استلاماً والثاما سعد الراكب تحتث [به] جسرة تخبط وهداً وإكاما تطأ العسف فتدمي خفها جبهات الأرض شجاً ولطاما تتنزى (٥) أنفاً في خلقها أن تطيع السوط أو ترضى الزماما

стр. 3172

وبجعاء الحمى قلبي فعج بالحمى واقرأ على قلبي السلاما وترجل فتحدث عجباً أن قلباً سار عن جسم أقاما قل لجيران الغضا آهٍ على طيب عيش بالغضا لو كان داما نصل العام وما ننساكم وقصارى الوجد أن نسلخ (١) عاما حملوا ريح الصبا نشركم قبل أن تحمل شيحاً أو ثماما وابعثوا أشباحكم لي في الكرى إن أردتم (٢) لجفوني أن تناما وقف الظامي على أبوابكم أفيقضي (٣) وهو لم يقض أواما ما يبالي من سقيتن لمى منعكن الماء عذباً والمداما واعجبوا من أن يرى الظلم (٤) حلالا شارب وهو يرى الخمر حراما أشتكيكم وإلى من أشتكي شمل الداء فمن يبري (٥) السقاما أنتم والدهر سيف وفم لا يملآن ضراباً وكلاما كلما عاتبت في حظي دهري زادني العتب لجاجاً وعراما وإذا استصحبت خلاً فكأني منه جردت على حتفي حساما لمت أيامي على الغدر فقد زادت الإجرام حتى لا ملاما ولزمت الصمت لا أشكوهم بعد أن أفنيت في العذل في الكلاما دفع الله وحامى عن أنا [س] (٦) مذ رعوني لم يضيعوا لي سواما كان دهري هرماً قبلهم فأعادوه بما أبدوا غلاما (٧)

стр. 3173

كفني جودهم أن أجتدي وأبى عزهم لي أن أضاما وقال من أخرى (١) : لا عداك الغيث يا دار الوصال كل منحل العرى واهي العزالي ومنها: الغواني آزفات لفمي ويدي مرتبكات (٢) في حبال كل هيفاء يميني طوقها فحمة الليل وقرطاها شمالي وقال (٣) : أتراها يوم صدت أن أراها علمت أني من قتلى هواها أم رمت جاهلة ألحاظها لم تميز عمدها [لي] من خطاها سنحت بين المصلى ومنىً مسنح الظبية تستقري طلاها وقال (٤) : ضربوا بمدرجة الطريق قبابهم يتقارعون بها على الضيفان ويكاد موقدهم يجود بنفسه حب القرى حطباً على النيران وقال من قصيدة أولها (٥) : دعوها ترد بعد خمس شروعا وراخوا علائقها والنسوعا ولا تحبسوا خطمها أن تطول ال - حياض وأيديها أن تبوعا وقولوا دعاء لها لاعقرت ولا امتد دهرك إلا ربيعا

стр. 3174

فقد حملت ونجت أنفساً كرائم جبن الأماني سريعا حملن نشاوى بكأس الغرام كل غدا لأخيه رضيعا أحبوا فرادى ولكنهم على صيحة البين ماتوا جميعا حموا راحة النوم أجفانهم وشدوا على الزفرات الضلوعا وبانوا بأيديهم يسندون فوق الرحال جنوباً وقوعا وفي الركب إن وصلوا لاحقين عقائل بشفين تلك الصدوعا من الراقصات بحب القلوب حتى يصير الحليم الخليعا قصائد لم يصطفين (١) المياه ولم يحترشن اليرابيع جوعا إذا الحسب اعتز من خندفٍ مسحن ذوائبةً والفروعا / [١٥٨] خرقن نقوباً لنا في السجوف جعلن العيون عليها رقوعا فقمت أناشدهن العهود لو يستطعن الكلام الرجيعا قوله: " خرقن نقوباً - " البيت، اهتدمه من قول العتبي (٢) : وكن إذا أبصرنني أو سمعن بي بدرن فرقعن الكوى بالمحاجر وأخذ هذا المعنى أبو الشبل (٣) من شعراء الدولة العباسية فقال (٤) : رأين الشيب قد ألب - سني أبهمة الكهل فأعرضن وقد كن إذا قيل أبو الشبل

стр. 3175

تساعين فرفعن ال - كوى بالأعين النجل ومن أناشيد المبرد (١) : سددن خصاص البيت حين دخلته بكل [لبانٍ] واضحٍ وجبين وقال كهيار (٢) : لعلهم لو وقفوا أبل هذا المدنف يا قلب هل أنت معي (٣) أم معهم منصرف يا حادي الآظغان أر - ود (٤) ، بعض م تعتسف فإن [فيما] بينها (٥) أفئدة تختطف على النقا المطلول من - ها غصن مهفهف إيهٍ على ريحانه لو كان مما يقطف فلا برا وجدي بهم ولا أفاق الشغف (٦) وقال من أخرى (٧) : مشتبه أعرفه وإنما مغالطاً قلت لصحبي: دار من يا صاحبي عوناً وإن أيأسني من جلدي (٨) قولي لخوار: أعن قف باكياً فيها فإن كنت أخي مؤانساً (٩) فبكها عنك وعن يا زمناً مر كما اقترحته بالنعف إن عاد الصبا فعد إذن

стр. 3176

وحاملي على السرور حامل في كفه وطرفه سيف الفتن قد كتب الهجر على عارضه ما أقبح الهجران بالوجه الحسن يدير مما اختار عسجدية ما قلقلت (١) عن مثلها هامة دن وقال يمدح الوزير ابن المغربي من قصيدة (٢) : وقفنا وأتعب لي الرقاب بسقط الغضا (٣) طلل يمثل وفي الركب من ثعل من يدق إلا على سهمه المقتل أوانس ماتت لهن الذحول وحلم فيهن من يجهل (٤) محسدة العين شهل اللحاظ بصبغها ميلها الأكحل مهاوي قلائدها إن هوين بطاء على غرر تنزل أحقاً تقنصني بالحجاز في شكتي رشاً أعزل عددت سني لها والبياض لدعواي في عدها مبطل وأقبلت أستشهد الأربعين لو أن شهادتها تقبل وقالوا رداء جميل عليك ألا ربما كره الأجمل وما الشيب أول مكروهةٍ بمحبوبة أنا مستبدل تمرن جنبي بحمل الزمان فكل ثقيلاته أحمل يرد يدي عن منال امنى وكفي من باعه أطول وتعقل ناشط عزمي الهموم والماء يحبسه الجدول وما الحظ في أدبٍ مفصح ومن دونه نشب مجبل يروم الفتى رتبة وهو [حيث] يجعله مأله يجعل

стр. 3177

تشرف بحظ فإن الحظوظ حلى كل [ذي] نسبٍ يعطل (١) وواف المواسم ضخم العياب تكن لك قولتك الفيصل حمى الله للمجد نفساً بغير سلامتها المجد لا يحفل وحيا على ظلمات الخطوب وجهاً هو البدر أو أكمل وتقبل بالرزق قبل السؤال أسرته حين تستقبل ومنها: تخطى بلا قدمٍ تستزل وخط بلا قلم يخجل من القوم تنجد أيمانهم إذا استصرخ البلد الممحل لهم غرر أزدشيرية تضيء وستر الدجى مسبل ويومٍ تواكل فيه العيون عمائهم فرسانه القسطل تعارض فيه الكماة الكماة فمتن يحطم أو كلكل يطعنٍ كما] شق] (٢) جيب القميص وضربٍ كما احتسي الحنظل ومنها: وتحتك طرف يطيش المراح به أن يقر له المفصل كأن الأباريق طافت عليه أو مس أعطافه أفكل شجاه عغناء الظبا في الطلى فمن طربٍ كلما يصهل إذا فات سعيك [شأ] والرياح فمن أين تلحقه الأرجل يضج الندي خصاماً فإن نطقت أرم لك المحفل ويختلف الناس حتى إذا قضيت قضى القدر المنزل بسطت يدين يداً تأخذ النفوس بها ويداً تبذل فيمناك صاعقة تتقى ويسراك بارقة تهطل

стр. 3178

ولم تر أنواء من قبلها مواطر أسماؤها أنمل فداك وتفعل ما لا تقول ممن يقول ولا يفعل / [١٥٩] أعيذك بالكلمات التي بهن تعوذ من يكمل فما يسع الجو ما قد وسعت ولا تحمل الأرض ما تحمل ليهن الوزارة أن زوجتك على طول ما لبثت تعضل غدت بك محصنة لا تحل لبعل سواك ولا تبذل وتعلك إن نازعت للرجال محصنة أنها تقتل لئن جئتها عانساً قد أبر على سنها العدد الأطول فمن معجزاتك أن الشباب لها عاد ماضيه يستقبل وإن كنت آخر خطابها فإنك محبوبها الأول فضاحك بغداد بعد الخطوب من عدلك العارض المسبل طلعت عليها طلوع الصباح وليل ضلالاته أليل ومنها: فهل أنت منتشلي من نيوب دهرٍ يدمي ولا يدمل ومن عيشة كل أعوامها وإن أخصب الناس بي ممحل فصن بك وجهي عمن سواك فما مثل وجهي يستبذل فكم راش مثلك مثلي فطار وإن كان مثلك لا يغفل وقدماً وفى لزهير وزاد من هرم واهب مجزل فسار به الشعر فيما سمعت من مثلٍ باسمه يرسل وحسان أمست رقاه الصعاب من آل جفنة تستنزل تعرف ريح عطاياهم وقد جاء يحملها المرسل وأبصر نعماءهم نازحين وباب لواحظه مقفل (١)

стр. 3179

ملوك مضوا بالذي استعجلوا وطاب لهم ذكر (١) ما أجلوا وما فيهم جامع ما جمعت إذا أنت حصلت أو حصلوا رمى الشعراء عناني إليك ففت وأرساغهم تشكل وسرهم أنهم يعملون يزعمهم وأنا أعمل ولو أقنع الخبر بالسيف كان أحق بضرب الطلى الصيقل ببسطك لي سال وادي فمي ولا ينني الكلم الأفضل [فسومتها مهرة لا يعض بغير يدي شدقها مسحل] (٢) محرمة السرج إلا عليك تشرف منك بمن تبعل كأن عبيداً تمطى بها ومسح أعطافها جرول فصل في ذكر أبي منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي الخراساني (٣) والإتيان بطرق من خبره وحميد أثره كان أبو منصور - زقته - راعي تلعات العلم، وجامع أشتات النثر والنظم، أسوة (٤) المؤلفين في زمانه، وإمام المصنفين بحكم قرانه، سار ذكره سير المثل، وضربت إليه آباط الإبل، وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب، طلوع النجم في

стр. 3180

الغياهب، وتواليفه أشهر مواضع، وابهر مطالع، وأكثر راوٍ لها وجامع، من أن يستوفيها عد أو صف، أو يوفيها حقوقها نظم أو رصف، وقد أخرجت من نثره فصولاً أدرجها في أثناء كتبه، ومن نظمه جملاً وتفاصيل أعرب بها عن ترقرق طبعه وتدفق أدبه، تشارك الأرواح في الأجساد، وتقعد للاقتراح بالمرصاد. من ذلك فصول من كلامه في صدر كتابه " فقه اللغة " (١) : من شرح الله صدره للإيمان اعتقد أن محمداً ﵇ خير الرسل. والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين؛ ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر المذاهب (٢) كالينبوع للماء، والزند للنار، ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على تصاريفها، إلا قوة البيان (٣) في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة، اللذين هما عمدة الدين (٤) ، لكفى بهما فضلاً يحسن أثره، ويطيب في الدارين ثمره، فكيف وأيسر ما خصها الله تعالى به من ضروب الممادح يكل أقلام الكتبة، ويتعب أنامل الحسبة. وفي فصل (٥) : قيض الله لها خزنة وحفظة من خواص الناس وأعيان الفضل وأنجم الأرض، فنسوا (٦) في خدمتها الشهوات، وجابوا الفلوات، ونادموا لاقتنائها الدفاتر، وسامروا القماطر، وكدوا في حصر لغاتها طباعهم، واسهروا في تقييد شورادها

стр. 3181

أجفانهم، فعظمت الفائدة، وعمت المصلحة، وكلما بدأت معالمها (١) تتنكر، وعرض لها ما يشبه الفترة، رد الله تعالى لها الكرة، فأهب ريحها، ونفق سوقها، بصدر (٢) من أفراد الدهر أديب، ذي صدر رحيب، وقريحة ثاقبة، ودراية صائبة / [١٦٠] يحب الأدب، ويتعصب للعرب (٣) ، فيجمع شملها، ويكرم أهلها، ويستدعي التأليفات البارعة في تجديد ما عفا من رسوم طرائفها ولطائفها، مثل الأمير السيد الأوحد أبي الفضل [الميكالي] : هيهات لا يأتي الزمان بمثله إن الزمان بمثله لبخيل وما عسيت أن أقول في من جمع طرائف (٤) المحاسن، واستوى على غايات المناقب، فإن ذكر كرم المنصب، وشرف المنتسب، كانت شجرته الميكالية في قرارة المجد والعلاء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإن وصف حسن الصورة التي هي أول السعادة، وعنوان الخير وسمة السيادة، كان وجهه المقبول الصبيح، ما يستنطق الأفواه بالتسبيح، لا سيما إذا ترقرق ماء البشر في غرته، وتفتق نور الشرف بين أسرته، وإن مدح حسن الخلق فله أخلاق خلقن من الكرم المحض، وشيم تشام منها بارقة المجد، فلو مزج بها البحر لعذب طعمه، ولو استعارها الزمان لما جار على حر حكمه، وإن حدث عن التواضع كان أولى بقول البحتري (٥) ممن قيل فيه: دنوت تواضعاً وعلوت مجداً (٦) فشأناك انحدار وارتفاع

стр. 3182

كذاك الشمس تبعد أن تسامى ويدنو الضوء منها والشعاع فأما سائر أدوات الفضل وآلات الخير وخصال المجد فقد قسم الله تعالى له منها ما يباري الشمس ظهوراً، ويجاري القطر وفوراً، وأما فنون الأدب فهو ابن بجدتها، وأخو جملتها، وأبو عذرتها، ومالك أزمتها، ولله هو إذا غرس الدر في ارض القراطيس (١) ، ودرز (٢) بالظلام رداء النهار، وألقت بحار خواطره جواهر البلاغة على أنامهله، فهناك الحسن برمته، والإحسان بكليته، فلو كنت بالنجوم مصدقاً لقلت: إن عطارداً تأنق في تدبيره، وقصر عليه معظم همته، ووقف في طاعته، عند أقصى طاقته، ومن أراد أن يسمع سر النظم، وسحر الشعر (٣) ، ورقية الدهر، ويرى صوب العقل، وذوب الظرف، ونتيجة الفضل، فليستنشد ما أسفر عنه طبع مجده، وثمرة (٤) عالي فكره، من ملح تمتزج بأجزاء النفوس لنفاستها، وتشرب بالقلوب لسلاستها: قوافٍ إذا ما رآها المشوق هز لها الغانيات القدودا كسون عبيداً ثياب العبيد وأضحى لبيد لديها بليدا وفي فصل (٥) : وأيم الله ما من يومٍ أسعفني فيه الزمان بمواجهة وجهه، وأسعدني بالاقتباس من نوره، والاغتراف من بحره، فشاهدت ثمار المجد والسؤدد تنتثر من شمائله، ورأيت فضائل أفراد الدهر عيالاً على فضائله، وقرأت نسخة الفضل والكرم (٦) من

стр. 3183

ألحاظه، وانتهبت فرائد من ألفاظه، إلا تذكرت ما أشندنيه لابن الرومي (١) : لولا عجائب صنع الله ما نبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب وأنشدت فيما بيني وبين نفسي قول الطائي (٢) : فلو صورت نفسك لم تزدها على ما فيك من كرم الطباع وثلثت بقول كشاجم (٣) : ما كان أحوج ذا الكمال إلى نقصٍ يوقيه من العين وربعت بقول المتنبي (٤) : فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال وفي فصل (٥) : فاستغرقت أربعة أشهر هناك بحضرته، وتوفرت على خدمته، وما رمت في أكثر الأوقات في الليل والنهار عالي مجلسه، وتعطرت عند ركوبه بغبار موكبه، فبالله يميناً قد كنت غنياً عنها لو خفت [حنثاً] فيها أني ما أنكرت طرفاً من أخلافه، ولم أشاهد إلا شرفاً ومجداً من أحواله، وما رأيته اغتاب غائباً، أو سب حاضراً، أو حرم سائلاً، أو خيب آملاً، أو أطاع سلطان الغضب والحرد، أو تصلى بنار الضجر وبطش بطش المتجبر؛ وما وجدت المآثر إلا ما يتعاطاته، والمآثم إلا ما يتخطاه، فعوذته بالله تعالى من كل طرفٍ عائن، ومن كل صدرٍ خائن، هذا ولو أعارتني

стр. 3184

خطباء إياد ألسنتها، وكتاب العراق أيديها، في وصف أياديه التي اتصلت عندي اتصال السعود، وانتظمت لدي انتظام العقود، فقلت في ذكرها طالباً / [١٦١] أمد الإسهاب، وكتبت في شكرها ماداً أطناب الإطناب، لما كنت بعد الاجتهاد إلا ماثلاً في جانب القصور، متأخراً عن الغرض المقصود، فكيف وأنا قاصر البلاغة (١) ، قصير باع الكتابة، وعلى ذلك فقد صدئ فهمي لبعدي - كان - عن حضرته، وتكدر ماء خاطري لتطاول العهد بخدمته. وفي فصل (٢) : وما عدلت بمؤلفاتي عن اسمه ورسمه، إخلالاً بما يلزمني من حق سؤدده، بل إجلالاً [له] عما لا أرضاه للمرور بسمعه ولحظه، وتحامياً لعرض بضاعتي المزجاة على قوة نقده، وذهاباً بنفسي عن أن أهدي للشمس ضوءاً، أو أزيد في القمر نوراً، أو أكون كجالب المسك إلى أرض الترك، والعود إلى بلاد الهند، والعنبر إلى البحر الأخضر. وفي فصل له (٣) : أن خير الكلام بعد حمد الله والصلاة على رسوله ما شغل بخدمة من جمع الله له عدة (٤) الملك إلى بسطة العلم، ونور الحكمة إلى نفاذ الحكم، وجعله مبرزاً على ملوك العصر، ومدبري الأرض وولاة الأمر، بخصائص من العدل، وجلائل من الفضل، ودقائق من الكرم المحض، لا يدخل أيسرها تحت العادات، ولا يدرك أقلها بالعبارات، ومحاسن سير تحرسها أسنة الأقلام، وتدرسها ألسنة الليالي

стр. 3185

والأيام، وهذه صفة تغني عن تسمية الموصوف لاختصاصه بمعناها، واستحقاقه إياها، واستئثاره على جميع الملوك بها، ويعلم سامعها ببديهة السماع أنها للأمير شمس المعالي خالصة، وعليه مقصورة، وبه لائقة، وعن غيره نافرة، إذ هو بمعاينة الآثار، وشهادة (١) الأخبار، واجتماع الأولياء، وإصفاق الأعداء، كافل المجد، وكافي الخلق، وواحد الدهر، وغرة الدنيا، ومفزع الورى، وجنة (٢) العالم، ونكتة الفلك الدائر، فبلغه الله تعالى أقصى نهاية العمر، كما بلغه أبعد غاية الفخر، ومكله أزمة الأرض، كما ملكه أعنة الفضل، وأدام حسن النظر للعباد والبلاد بإدامة أيامه التي هي أعياد الدهر، ومواسم اليمن والأمن، ومطالع الخير والسعد، وزاد دولته شباباً ونمواً، كما زاده في السن علواً، حتى تكون السعادات وفد بابه، والبشائر قرى سمعه، والمسار غذاء نفسه، ويترامى به الإقبال إلى حيث لا يبلغه أمل ولا يقطعه أجل. وفي فصل (٣) : هذا الكتاب أخرجت بعضه من غرر نجوم الأرض، ونكت أعيان الفضل من بلغاء العصر في النثر، وحللت بعضه من نظم أمراء الشعر الذين أوردت ملح أشعارهم في كتابي المترجم ب - " يتيمة الدهر "، فلفقت جميع ذلك ونسقته، وجردته وسقته، وأنفقت عليه ما رزقته، وعملته بكد الناظر، وجهد الخاطر، وتعب اليمين، وعرق الجبين، وتعمدت فيه لذة الجدة، ورونق الحداثة، وحلاوة الطراوة، ولم شبه بشيء سوى (٤) كلام أهل العصر إلا في قلائل وقلائد من ألفاظ [الجاحظ] وابن المعتز، تخللت أثناءه، وتوسطت تضاعيفه، ولن أخل كلماته التي هي وسائط الآداب (٥) ،

стр. 3186

وصياقل الألباب، وما تشتهي أنفس الأدباء وتلذ أعين الكتاب، من لفظٍ فصيح، أو معنى صريح (١) ، أو تجنيس أنيس، أو تشبيه بلا شبيه، أو تمثيل بلا مثيل ولا عديل، أو استعارة أو طباق، على ذي رونق باق، فمن مرافق هذا الكتاب قرب متناوله من الكتاب، إذا وشوا ديباج كلامهم بما يقتبسونه من نوره، وسماحة قياده لأفراد الشعراء إذا رصعوا عقود نظامهم مما يلتقطونه من شذوره، فأما المخاطبات والمحاورات فإنها تتبرج بغرةٍ من غرره، وتتوج بدرةٍ من درره. وفي فصل (٢) : وقد كانت تجري في مجلسه العالي نكت من أقاويل أئمة الأدب في أسرار اللغة وجوامعها، ولطائفها وخصائصها، مما لم ينتهوا إلى جمع شملها، ولا توصلوا إلى نظمها، وإنما اتجهت لهم في أثناء التأليفات، وتصاعيف التصنيفات، لمع يسيرة كالتوقيعات، وفقر خفية كالإشارات، فيلوح لي - أدام الله عزه - بالبحث على أمثالها، وتحصيل أخواتها، وما ينخرط في سلكها، وأنا ألوذ بأكناف المحاجزة، وأحوم حول المدافعة، وأرعى روض المماطلة، لا تهاوناً بأمره الذي أراه كالمكتوبات، ولا أميزه عن المفروضات، ولكن تفادياً من قصور سهمي عن هدف إرادته، وانحرافاً عن الثقة بنفسي في عمل / [١٦٢] ما يصلح لخدمته، إلى أن اتفقت لي في بعض الأيام التي هي أعياد دهري، وأعيان عمري، مواكبة القمرين بمسايرة ركابه، ومواصلة السعدين بصلة جنابه (٣) في متوجهه إلى فيروزباد، ومنها إلى حداد (٤) ، بعض قراه من الشامات، عمرها الله بدوام عمره، فلما: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح (٥)

стр. 3187

وعدنا إلى العادة عند الالتقاء في تجاذب أهداب الآداب، وفتق نوافج الأخبار والأشعار، أفضت بنا شجون الحديث إلى هذا الكتاب، فقال لي - صدق الله قوله، ولا أعدم الدنيا طوله -: إنك إن أخذت فيه أجدت وأحسنت، وليس إلا أنت، فقلت: سمعاً سمعاً، ولم أستجز لأمره دفعاً؛ فأقام لي في التأليف معالم أقف عندها، وأقفو حدها، وأهاب [بي] إلى ما اتخذته قبلة أصلي إليها، وقاعدةً أبني عليها: من التمثيل والتنزيل والتفصيل والتقريب والتقسيم والترتيب، وانتجعت من الأئمة الخليل والأصمعي وأبا عمرو والكسائي وأبا عبيد وأبا زيد، ومن سواهم من شيوخ العلماء، وظرفاء الأدباء، الذين جمعوا فصاحة البلغاء إلى إتقان العلماء، ووعورة اللغة إلى سهولة البلاغة، وأقتبس (١) من أنوارهم: وأجتني من ثمار قومٍ قد أقفرت منهم البقاع ومن كلامه في صدر كتاب اليتيمة لما كان الشعر عمدة الأدب، وعلم العرب الذي اختصت به على سائر الأمم، وبلسانهم جاء كتاب الله المنزل، على النبي منهم المرسل، ﵇ الأجزل، كانت أشعار الإسلاميين أرق من أشعار الجاهليين، وأشعار المحدثين [ألطف من أشعار المتقدمين] ثم كانت أشعار العصريين أجمع لنوادر المحاسن، وأنظم للطائف البديع من أشعار سائر المذكورين، لانتهائها إلى أبعد غايات الحسن، وبلوغها أقصى نهاية الجودة والظرف، تكاد تخرج من باب الإيجاز (٢) إلى الاعجاز، ومن حد الشعر إلى السحر، وكأن الزمان ادخر لنا من نتائج خواطرهم، وثمرات قرائحهم، وأبكار أفهامهم، أتم الألفاظ والمعاني استيفاءً لأقسام البراعة وأوفرها [نصيباً] من كمال الصنعة ورونق الطراوة.

стр. 3188

ولذاك ما ساد النبي محمد كل الأنام وكان آخر مرسل وقد سبق مؤلفو الكتب إلى ترتيب المتقدمين والمتأخرين، فكم من كتابٍ فاخرٍ عملوه، وعقدٍ باهرٍ نظموه، لا يشينه إلا نبو العين عن إخلاق جدته، وبلى بردته، [ومج] السمع لمردداته، وملالة القلب لمكرراته، وبقيت محاسن أهل العصر التي معها رواء الحداثة، ولذة الجدة، وحلاوة قرب العهد، وازدياد الجودة على كثرة النقد، غير محصورة في كتاب يضم نشرها، ويشد أزرها. وقد كنت تصديت لعمل ذلك في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، والعمر بإقباله، والشباب بمائه، فافتتحته باسم بعض الوزراء، مجرياً إياه مجرى ما يتقرب به أهل الأدب، إلى ذوي الأخطار والرتب، ومقيماً ثمار الورق مقام نثار الورق، وكتبته في مدة تقصر عن إعطاء الكتاب حقه، ولا تتسع لتوفيته شرطه، وارتفع كعجالة الراكب، وقضيت به حاجة في نفسي وأنا لا أحسب المستعرين يتعاورونه، والمستحسنين (١) يتداولونه، وحين أعرته بعض بصري، وأعدت فيه نظري، تبينت مصداق ما قرأته في بعض الكتب: " إن أول ما يبدو من ضعف ابن آدم أنه لا يكتب كتاباً فيبيت عنده ليلةً إلا أحب في غدها أن يزيد فيه أو ينقص منه " هذا في ليلة واحدة فكيف في سنين عدة -! ورأيتني أحاضر بأخوات كثيرة ومادات غزيرة حصلت إليّ بعد، فقلت: إذا كان هذا الكتاب له موقع من نفوس الأدباء، ومحل من قلوب الفضلاء، فلم لا أبلغ فيه المبلغ الذي يراد، ويستوجب من الاعتداد (٢) - ولم لا أبسط فيه عنان الكلام، وأرمي في الإشباع والإتمام [هدف] المرام - فجعلت أثبته وأمحوه، وأفتتحه فلا أختمه، وأنتصفه فلا أتمه، والأيام تعجز، وتعد ولا تنجز، إلى أن أدركت عصر الصن والحنكة، فاختلست لمعة من ظلم الدهر،

стр. 3189

وانتهزت رقدةً من عين الزمان، واغتنمت نبوةً من أنياب لنوائب، واستمررت في تقرير هذه النسخة الأخيرة، وتحريرها من بين النسخ الكثيرة، فهذه تجمع من بدائع أعيان الفضل، ونجوم الأرض، من أهل العصر / [١٦٣] ما لم تأخذ الكتب العتيقة غرره، ولم تقتض عذره، ولم ينقض قدم العهد زبره. والشرط في هذه النسخة إيراد لب اللباب، وحبة القلب، وناظر العين، ونكتة الكلمة، وواسطة العقد، ونقش الفص، فإن أخرت متقدماً وقدمت متأخراً فعذري فيه أن العرب قد تبدأ بذكر الشيء والمقدم غيره، قال تعالى (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) (التغابن: ٢) وقال حسان بن ثابت، وذكر بني هاشم (١) : بها ليل منهم جعفر وابن أمه علي ومنهم أحمد المتخير وقال الصلتان العبدي: فملتنا أننا مسلمون على دين صدّيقنا والنبي وفي فصل منه (٢) : كان الخوارزمي في ريعان عمره، وعنفوان شبابه (٣) قد دوخ بلاد الشام، وحصل في حضرة سيف الدولة بحلب، مجمع الرواة وأهل الأدب، ومطرح الغرباء والفضلاء، فأقام بها مع أئمة الأدباء بين علم يدرسه، وأدبٍ يقتبسه، ومحاسن ألفاظ يستفيدها، وشوارد أشعار يصيدها، وانقلب عنها أحد أفراد الدهر، وأمراء النظم والنثر، وكان يقول: ما فتق طبعي، وشحذ فهمي، وصقل ذهني، وأرهف حد لساني، وبلغ هذا المبلغ بي، إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية،

стр. 3190

التي علقت بحفظي، وامتزجت بأجزاء نفسي، وغصن الشباب رطيب، وبرد (١) الحداثة قشيب. وفي فصل (٢) : كان بنو حمدان ملوكاً أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وايديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، غرة الزمان والعصور، ومن به سداد الثغور، وسداد الأمور، وكانت وقائعه في عصاة العرب تكف بأسها وتفل أنيابها، وتذل صعابها، وتكفي الرعية سوء آدابها، وغزواته تدرك من طاغية الروم النار، وتحسم شرهم المنار، وتحسن في الإسلام الآثار، وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحط الرحال، وموسم الأدباء، وقبلة الشعراء، ويقال إنه لم يجتمع بباب أحدٍ من الملوك - بعد الخلفاء - ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر، ونجوم الدهر، والسلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها؛ وكان أديباً شاعراً محباً لجيد الشعر، شديد الاهتزاز لما يمدح به، فلو أدرك ابن الرومي زمانه ما احتاج أن يقول: ذهب الذين يهزهم مداحهم هز الكماة عوالي المران كانوا إذا امتدحوا رأوا ما فيهم فالاريحية منهم بمكان وفي فصل (٣) : كان أبو فراس فرد دهره، وشمس عصره، أدباً وفضلاً، وكرماً ومجداً، وبلاغةً وبراعة، وفروسيةً وشجاعة، وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة والمتانة، ومعه رواء الطبع وسمةً الظرف وعزة الملك، لم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر ابن المعتز؛ وأبو فراس بعد أشعر
следующие страницы →