وصياقل الألباب، وما تشتهي أنفس الأدباء وتلذ أعين الكتاب، من لفظٍ فصيح، أو معنى صريح (١) ، أو تجنيس أنيس، أو تشبيه بلا شبيه، أو تمثيل بلا مثيل ولا عديل، أو استعارة أو طباق، على ذي رونق باق، فمن مرافق هذا الكتاب قرب متناوله من الكتاب، إذا وشوا ديباج كلامهم بما يقتبسونه من نوره، وسماحة قياده لأفراد الشعراء إذا رصعوا عقود نظامهم مما يلتقطونه من شذوره، فأما المخاطبات والمحاورات فإنها تتبرج بغرةٍ من غرره، وتتوج بدرةٍ من درره.
وفي فصل (٢) :
وقد كانت تجري في مجلسه العالي نكت من أقاويل أئمة الأدب في أسرار اللغة وجوامعها، ولطائفها وخصائصها، مما لم ينتهوا إلى جمع شملها، ولا توصلوا إلى نظمها، وإنما اتجهت لهم في أثناء التأليفات، وتصاعيف التصنيفات، لمع يسيرة كالتوقيعات، وفقر خفية كالإشارات، فيلوح لي - أدام الله عزه - بالبحث على أمثالها، وتحصيل أخواتها، وما ينخرط في سلكها، وأنا ألوذ بأكناف المحاجزة، وأحوم حول المدافعة، وأرعى روض المماطلة، لا تهاوناً بأمره الذي أراه كالمكتوبات، ولا أميزه عن المفروضات، ولكن تفادياً من قصور سهمي عن هدف إرادته، وانحرافاً عن الثقة بنفسي في عمل / [١٦٢] ما يصلح لخدمته، إلى أن اتفقت لي في بعض الأيام التي هي أعياد دهري، وأعيان عمري، مواكبة القمرين بمسايرة ركابه، ومواصلة السعدين بصلة جنابه (٣) في متوجهه إلى فيروزباد، ومنها إلى حداد (٤) ، بعض قراه من الشامات، عمرها الله بدوام عمره، فلما:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح (٥)
стр. 3187
وعدنا إلى العادة عند الالتقاء في تجاذب أهداب الآداب، وفتق نوافج الأخبار والأشعار، أفضت بنا شجون الحديث إلى هذا الكتاب، فقال لي - صدق الله قوله، ولا أعدم الدنيا طوله -: إنك إن أخذت فيه أجدت وأحسنت، وليس إلا أنت، فقلت: سمعاً سمعاً، ولم أستجز لأمره دفعاً؛ فأقام لي في التأليف معالم أقف عندها، وأقفو حدها، وأهاب [بي] إلى ما اتخذته قبلة أصلي إليها، وقاعدةً أبني عليها: من التمثيل والتنزيل والتفصيل والتقريب والتقسيم والترتيب، وانتجعت من الأئمة الخليل والأصمعي وأبا عمرو والكسائي وأبا عبيد وأبا زيد، ومن سواهم من شيوخ العلماء، وظرفاء الأدباء، الذين جمعوا فصاحة البلغاء إلى إتقان العلماء، ووعورة اللغة إلى سهولة البلاغة، وأقتبس (١) من أنوارهم:
وأجتني من ثمار قومٍ قد أقفرت منهم البقاع
ومن كلامه في صدر كتاب اليتيمة
لما كان الشعر عمدة الأدب، وعلم العرب الذي اختصت به على سائر الأمم، وبلسانهم جاء كتاب الله المنزل، على النبي منهم المرسل، ﵇ الأجزل، كانت أشعار الإسلاميين أرق من أشعار الجاهليين، وأشعار المحدثين [ألطف من أشعار المتقدمين] ثم كانت أشعار العصريين أجمع لنوادر المحاسن، وأنظم للطائف البديع من أشعار سائر المذكورين، لانتهائها إلى أبعد غايات الحسن، وبلوغها أقصى نهاية الجودة والظرف، تكاد تخرج من باب الإيجاز (٢) إلى الاعجاز، ومن حد الشعر إلى السحر، وكأن الزمان ادخر لنا من نتائج خواطرهم، وثمرات قرائحهم، وأبكار أفهامهم، أتم الألفاظ والمعاني استيفاءً لأقسام البراعة وأوفرها [نصيباً] من كمال الصنعة ورونق الطراوة.
стр. 3188
ولذاك ما ساد النبي محمد كل الأنام وكان آخر مرسل
وقد سبق مؤلفو الكتب إلى ترتيب المتقدمين والمتأخرين، فكم من كتابٍ فاخرٍ عملوه، وعقدٍ باهرٍ نظموه، لا يشينه إلا نبو العين عن إخلاق جدته، وبلى بردته، [ومج] السمع لمردداته، وملالة القلب لمكرراته، وبقيت محاسن أهل العصر التي معها رواء الحداثة، ولذة الجدة، وحلاوة قرب العهد، وازدياد الجودة على كثرة النقد، غير محصورة في كتاب يضم نشرها، ويشد أزرها.
وقد كنت تصديت لعمل ذلك في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، والعمر بإقباله، والشباب بمائه، فافتتحته باسم بعض الوزراء، مجرياً إياه مجرى ما يتقرب به أهل الأدب، إلى ذوي الأخطار والرتب، ومقيماً ثمار الورق مقام نثار الورق، وكتبته في مدة تقصر عن إعطاء الكتاب حقه، ولا تتسع لتوفيته شرطه، وارتفع كعجالة الراكب، وقضيت به حاجة في نفسي وأنا لا أحسب المستعرين يتعاورونه، والمستحسنين (١) يتداولونه، وحين أعرته بعض بصري، وأعدت فيه نظري، تبينت مصداق ما قرأته في بعض الكتب: " إن أول ما يبدو من ضعف ابن آدم أنه لا يكتب كتاباً فيبيت عنده ليلةً إلا أحب في غدها أن يزيد فيه أو ينقص منه " هذا في ليلة واحدة فكيف في سنين عدة -! ورأيتني أحاضر بأخوات كثيرة ومادات غزيرة حصلت إليّ بعد، فقلت: إذا كان هذا الكتاب له موقع من نفوس الأدباء، ومحل من قلوب الفضلاء، فلم لا أبلغ فيه المبلغ الذي يراد، ويستوجب من الاعتداد (٢) - ولم لا أبسط فيه عنان الكلام، وأرمي في الإشباع والإتمام [هدف] المرام - فجعلت أثبته وأمحوه، وأفتتحه فلا أختمه، وأنتصفه فلا أتمه، والأيام تعجز، وتعد ولا تنجز، إلى أن أدركت عصر الصن والحنكة، فاختلست لمعة من ظلم الدهر،
стр. 3189
وانتهزت رقدةً من عين الزمان، واغتنمت نبوةً من أنياب لنوائب، واستمررت في تقرير هذه النسخة الأخيرة، وتحريرها من بين النسخ الكثيرة، فهذه تجمع من بدائع أعيان الفضل، ونجوم الأرض، من أهل العصر / [١٦٣] ما لم تأخذ الكتب العتيقة غرره، ولم تقتض عذره، ولم ينقض قدم العهد زبره.
والشرط في هذه النسخة إيراد لب اللباب، وحبة القلب، وناظر العين، ونكتة الكلمة، وواسطة العقد، ونقش الفص، فإن أخرت متقدماً وقدمت متأخراً فعذري فيه أن العرب قد تبدأ بذكر الشيء والمقدم غيره، قال تعالى (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) (التغابن: ٢) وقال حسان بن ثابت، وذكر بني هاشم (١) :
بها ليل منهم جعفر وابن أمه علي ومنهم أحمد المتخير
وقال الصلتان العبدي:
فملتنا أننا مسلمون على دين صدّيقنا والنبي
وفي فصل منه (٢) :
كان الخوارزمي في ريعان عمره، وعنفوان شبابه (٣) قد دوخ بلاد الشام، وحصل في حضرة سيف الدولة بحلب، مجمع الرواة وأهل الأدب، ومطرح الغرباء والفضلاء، فأقام بها مع أئمة الأدباء بين علم يدرسه، وأدبٍ يقتبسه، ومحاسن ألفاظ يستفيدها، وشوارد أشعار يصيدها، وانقلب عنها أحد أفراد الدهر، وأمراء النظم والنثر، وكان يقول: ما فتق طبعي، وشحذ فهمي، وصقل ذهني، وأرهف حد لساني، وبلغ هذا المبلغ بي، إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية،
стр. 3190
التي علقت بحفظي، وامتزجت بأجزاء نفسي، وغصن الشباب رطيب، وبرد (١) الحداثة قشيب.
وفي فصل (٢) :
كان بنو حمدان ملوكاً أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وايديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، غرة الزمان والعصور، ومن به سداد الثغور، وسداد الأمور، وكانت وقائعه في عصاة العرب تكف بأسها وتفل أنيابها، وتذل صعابها، وتكفي الرعية سوء آدابها، وغزواته تدرك من طاغية الروم النار، وتحسم شرهم المنار، وتحسن في الإسلام الآثار، وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحط الرحال، وموسم الأدباء، وقبلة الشعراء، ويقال إنه لم يجتمع بباب أحدٍ من الملوك - بعد الخلفاء - ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر، ونجوم الدهر، والسلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها؛ وكان أديباً شاعراً محباً لجيد الشعر، شديد الاهتزاز لما يمدح به، فلو أدرك ابن الرومي زمانه ما احتاج أن يقول:
ذهب الذين يهزهم مداحهم هز الكماة عوالي المران
كانوا إذا امتدحوا رأوا ما فيهم فالاريحية منهم بمكان
وفي فصل (٣) :
كان أبو فراس فرد دهره، وشمس عصره، أدباً وفضلاً، وكرماً ومجداً، وبلاغةً وبراعة، وفروسيةً وشجاعة، وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة والمتانة، ومعه رواء الطبع وسمةً الظرف وعزة الملك، لم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر ابن المعتز؛ وأبو فراس بعد أشعر
стр. 3191
منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام، وكان الصاحب يقول: بدئ الشعر بملك - يعني امرأ القيس - وختم بملك - يعني أبا فراس -.
وأطلت (١) عنان الاختيار في محاسن كل شيء حسن (٢) لا سيما رومياته التي رمى بها هدف الإحسان، وأصاب شاكلة الصواب. ولما خرج نير (٣) الفضل من سراره، وأطلق أسد الحرب من إساره، لم تطل أيام فرحته، ولم تسمح النوائب بالتجافي عن مهجته، ودلت قصيدة قرأتها للصابي في تأبينه على أنه قتل في وقعة كانت بينه وبين بعض موالي أسرته؛ وما أحسن وأصدق قول أبي الطيب (٤) :
فلا تنلك الليالي إن أيديها إذا ضربن كسرن النبع بالغرب
ولا يعن عدواً أنت قاهره فإنهن يصدن الصقر بالخرب
وفي فصل (٥) :
كان المتنبي نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر، في صناعة الشعر؛ شاعر سيف الدولة الذي جذب بضبعه، ورفع من قدره، ونفق من سعر شعره، وألقى عليه شعاع سعادته حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر، وسافر كلامه في البدو والحضر، وكادت الليالي تنشده، والأيام تحفظه، كما قال (٦) :
وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مسامراً وغنى به من لا يغني مغردا / [١٦٤]
стр. 3192
وقد (١) ألفت الكتب في تفسيره وجلاء (٢) مشكله وعويصه، وكسرت الدفاتر على ذكر جيده ورديئه، وتكلم الأفاضل في الوساطة بينه وبين خصومه، والإفصاح عن أبكار كلامه وعونه، وتفرقوا في مدحه وذمه، والقدح فيه والتعصب له وعليه، وذلك أدل دليلٍ على وفور فضله، وتقدم قدمه، وتفرده على أهل زمانه، بملك رقاب القوافي ورق المعاني، والكامل من عدت سقطاته، والسعيد من حسبت هفواته.
واتخذ (٣) الليل جملاً وفارق بغداد متوجهاً إلى ابن العميد، ومراغماً للمهلبي، فورد أرجان فطمع الصاحب في زيارته بأصبهان، وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، وهو إذ ذاك شاب وحاله حويلة، ولم يكن استوزر بعد، فكتب يلاطفه في استدعائه، فلم يقم له المتنبي وزناً، ولا أجابه عن كتابه، وقصد عضد الدولة، فأسفرت سفرته عن بلوغ الأمنية، وورد مشرع المنية، واتخذه الصاحب غرضاً يرشقه بسهام الوقيعة، ويتتبع سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بمحاسنه، وأكثرهم استعمالاً إياها في مخاطباته.
وخطأ (٤) المتنبي في اللفظ والمعنى كثير، ويتبع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء، ويفتتح (٥) بذلك شعره، وما أكثر ما يحوم حول هذه الطريقة، ويعود لهذه العادة السيئة ويجمع بين البديع النادر والضعيف الساقط، فبينا هو يصوغ أفخر حلي، وينظم أحسن عقد، وينسج أنفس وشي، ويختال في حديقة ورد، إذا به قد رمى بالبيت والبيتين في إبعاد الاستعار وتعويض اللفظ وتعقيد المعنى، فمحا تلك المحاسن وكدر صفاءها وأعقب حلاوتها مرارة لا مساغ لها، واستهدف لسهام العائبين، فمن متمثل بقول الشاعر:
стр. 3193
أنت العروس لها جمال رائع لكنها في كل يومٍ تصرع
ومن مشبه إياه بمن تقدم مائدة تشتمل على غرائب المأكولات وبدائع الطيبات، ثم يتبعها بطعام وضرٍ وشرابٍ عكر، أو من يتبخر بالند المعشب المثلث المركب من العود الهندي والمسك الأصهب والعنبر الأشهب ثم يرنقه (١) بإرسال الريح الخبيثة، أو بالواحد في عقلاء المجانين ممن ينطق نوادر الكلام وطرائف الحكم ثم يعتريه سكر الجنون.
وفي فصل (٢) :
أبو الفرج الببغا: نجم الآفاق، وشمامة الشام والعراق، وظرف الظرف، وينبوع اللطف، أحد أفراد الدهر، في النظم والنثر، ولقب بذلك للثغة [فيه] .
وكان نظيف اللبسة، بهي الركبة، مليح اللثغة، ظريف الجملة، وأخذت الأيام من جسمه وقوته، ولم تأخذ من ظرفه وملحه وأدبه؛ ووردني كتابه سنة إحدى وتسعين مشتملاً من النظم والنثر على ما أبدت (٣) به حال من بلغ ساحل الحياة، ووقف على ثنية الوداع، ولست [أدري] بعد ما فعل الدهر به، وأغلب ظني أنه [الحق] باللطيف الخبير.
وفي فصل (٤) :
أبو الفرج الوأواء: من حسنات الشام، وصاغة الكلام، ومن عجيب شأنه أنه كان بدار بطيخ دمشق ينادي على الفواكه، وما زال يشعر حتى جاد شعره وسار كلامه ووقع ما يروق، ويشوق ويفوق، حتى تعلق بالعيوق.
стр. 3194
وفي فصل (١) :
أبو محمد الواساني: أعجوبة الزمان ونادرته، وفرد عصره وباقعته، وهو أحد المجيدين في الهجاء، وكان في زامنه، كابن الرومي في أوانه.
وفي فصل (٢) :
أبو محمد بن وكيع: شاعر بديع (٣) ، وعالم جامع، قد برع على أهل زمانه، فلم يتقدمه أحد في أوانه، وله كل بديعةٍ تسحر الأوهام، وتستعبد الأفهام.
وفي فصل (٤) :
السري الرفاء: وما أدراك ما السري - صاحب سر الشعر، الجامع بين [نظم] عقود الدر، والنفث في عقد السحر، ولله دره، ما أعذب بحره، وأعجب أمره!! وقد أخرجت من شعره ما يكتب على جبهة الدهر، ويعلق في كعبة الظرف (٥) ، وكتبت منه محاسن وملحاً، وبدائع وطرفاً، كأنها أطواق الحمام، وصدور البزاة البيض، وأجنحة الطواويس، وسوالف الغزلان، ونهود العذارى الحسان، وغمزات الحدق الملاح.
وفي فصل (٦) :
عضد الدولة: [كان] على ما مكن له في الأرض، وجعل إليه من أزمة البسط والقبض، وخص به من رفعة الشان، وأوتي من سعة السلطان، يتفرغ للأدب،
стр. 3195
ويتشاغل بالكتب / [١٦٥] ويؤثر مجالسة الأدباء، على منادمة الأمراء، ويقول شعراً كثيراً يخرج منه ما هو من شطر الكتاب من الملح والنكت، وما أدري كم فصل رائعٍ قرأته للصاحب في وصف شعره، وطلب أمد الإبداع في مدحه.
وفي فصل (١) :
الصابي: أوحد العراق في البلاغة، ومن تثنى الخناصر به في الكتابة، وتتفق له الشهادات ببلوغ الغاية من البراعة في الصناعة، وكان خنق التسعين في خدمة الخلفاء، وخلافة الوزراء، وتقلد الأعمال الجلائل، مع ديوان الرسائل، وحلب الدهر أشطره، وذاق حلوه ومره، ولابس خيره ولامس شره، ورئس ورأس، وخُدم وخدم، ومدحه شعراء العراق في جملة الرؤساء، وسار ذكره في الآفاق، ودون له الكلام البهي النقي العلوي ما تتناثر درره، وتتكاثر غرره، وأرادوه الملوك على الإسلام، وأداروه بكل حيلة وتمنيةٍ جليلة، فلم يهده الله للإسلام، كما هداه لمحاسن الكلام، وكان يعاشر المسلمين أحسن عشرة، ويخدم الأكابر أرفع خدمة، ويساعدهم على صيام شهر رمضان، ويحفظ القرآن حفظاً يدور على طرف لسانه وسن قلمه.
وفي فصل (٢) :
عبد العزيز بن يوسف: أحد صدور المشرق، وفرسان المنطق، وأفراد الكلم، وأعيان الممدحين المقدمين في الأدب والكتابة والبراعة والكفاية وجميع أدوات الرياسة. ونثره يعرب عن أدب فضفاض، وخاطر بالإجادة والإحسان فياض.
وفي فصل (٣) :
القاضي التنوخي: من أعيان الأدب والعلم، وأفراد الكرم وحسن الشيم، وإن أردت فسبحة ناسك، وإن أحببت فتفاحة فاتك، أو اقترحت فمدرعة راهب،
стр. 3196
أو أشرت (١) فنخبة شارب، ريحانة الندماء، ونارنج الظرفاء، ويعاشرون منه من تطيب عشرته، وتلين قشرته، وتكرم أخلاقه، وتحسن أخباره، وتسير أشعاره، حتى نظمت حاشيتي البر والبحر، وناحيتي الشرق والغرب، وكان له غلام يسمى نسيماً في نهاية الملاحة واللباقة، وكان يؤثره على سائر غلمانه، ويختصه بتقريبه واستخدامه فكتب إليه بعض من يأنس به (٢) :
هل علي لامه مدغم لاضطرار الشعر في ميم نسيم
فوقع تحته: نعم، ولم لا -
وفي فصل (٣) :
أبو علي ابنه: هلال ذلك القمر، وغصن ذلك الشجر، والشاهد العدل لمجد أبيه وفضله، والفرع المشير لأصله، والنائب عنه في حياته، والقائم مقامه بعد وفاته، وله كتاب " الفرج بعد الشدة " وناهيك بحسنه، وامتناع فنه، وما جرى فيه من الفأله بيمنه، لا جرم أنه أسير من الأمثال، وأسرى من الخيال.
وفي فصل (٤) :
ابن لنكك: فرد البصرة وصدر أدبائها، وفرد ظرفائها في زمانه، المرجوع إليه في لطائف الأدب وطرائفه، وكانت حرفة الأدب تمسه وتجمشه، ومحنة الفضل تدركه فتخدشه، ونفسه ترفعه، ودهره يضعه؛ وأكثر شعره ملح وطرف، خفيفة الأرواح، تأخذ من القلوب بمجامعها، وتقع من النفوس أحسن مواقعها، وجلها في شكوى الزمان وأهله، وهجاء شعراء عصره، ويشبه شعره في الملاحة وقلة مجاوزة البيتين والثلاثة شعر ابن فارس، واقدر أنه بالجبال كهو بالعراق، وكان يقال: إذا رمى منصور الفقه برجومه قتل، وكذلك ابن لنكك إذا قال البيت والبيتين أغرب بما جلب وأبدع بما يصنع، فأما إذا قصد فقلما ينجح ويفلح.
стр. 3197
وفي فصل (١) :
ابن نباتة: من فحول الشعراء في عصره وآحادهم، وصدور مجيديهم وأفرادهم، الذين أخذوا برقاب القوافي وخوارق (٢) المعاني، وشعره مع قرب لطفه بعيد المرام مستمر النظام، يشتمل من حر الكلام على غرر كقطع الروض غب القطر، وفقر كالغنى بعد الفقر، وبدائع أحسن من مطالع الأنوار، وعهد الشباب، في أرق من نسيم الأسحار وشكوى الأحباب.
وفي فصل (٣) :
السلامي: من أشعر أهل العراق قولاً بالإطلاق، وشهادةً باستحقاق، وعلى ما أجريت من ذكره، شاهد عدل من شعره، الذي كتبت من محاسنه نزهة العيون ورقى القلوب وسر النفوس، ولم يزل بحضرة الصاحب بين خير مستفيض، وجاهٍ عريض، ونعم بيض، إلى أن آثر قصد حضرة عضد الدولة بشيراز، فجهزه الصاحب إليه وزوده كتاباً بخطه إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف قال فيه: " باعة الشعر أكثر من عدد الشعر، ومن يوثق أن حليته التي يؤديها من نسج فكره أقل من ذلك؛ وممن خبرته بالامتحان فأحمدته، وفررته بالإحسان واخترته (٤) ، أبو الحسن السلامي، وله بديهة قوية، توفي على الروية، ومذهب / [١٦٦] في الإجادة يهش السمع لوعيه، كما يرتاح الطرف لرعيه، وقد امتطى أمله - وخير له - إلى الحضرة الجليلة رجاء أن يحصل في سواد أمثاله، ويظهر معه بياض حاله، فجهزت منه أمير الشعر في موكبه (٥) ، وحليت فرس (٦) البلاغة
стр. 3198
بمركبه، وكتابي هذا رائده هذا القطر، بل مشرعه إلى البحر ".
فاشتمل عليه جناح القبول، ودفع إليه مفتاح المأمول، واختص بخدمة عضد الدولة في مقامه وظعنه إلى العراق، وتوفر حظه من صلاته وخلعه، واللها تفتح اللهى، وكان عضد الدولة يقول: " إذا رأيت السلامي في مجلس ظننت أن عطارد قد نزل من الفلك إليّ، ووقف بين يدي ".
وفي فصل (١) :
ابن سكرة الهاشمي: شاعر متسع الباع، في أنواع الإبداع، فائق في قول الطرف والملح، وأحد (٢) الفحول والأفراد، جارٍ في ميدان المجون والسخف ما أراد.
وفي فصل (٣) :
ابن الحجاج: وإن كان في أكثر شعره لم يستتر من العقل بسجف، ولا بنى جل قوله إلا على سخف، فإنه من سحرة الشعر، وعجائب العصر، وفرد زمانه في فنه الذي شهر به، لم يسبق إلى طريقته، ولا لجق شأوه في نمطه، ولم ير كاقتداره على ما يريده من المعاني التي تقع في طرزه، مع سلاسة الألفاظ وعذوبتها وانتظامها في سلك الملاحة، وإن كانت مفصحة عن السخافة، مشوبةً بلغات المكدين وأهل الشطارة، ولولا أن جد الأدب وهزله جد لصنت كتابي عن الكثير من كلام من يمد يد المجون فيعرك بها أذن الحزم، ويفتح جراب السخف فيصفع به قفا العقل.
وفي فصل (٤) :
القاضي ابن معروف: شجرة فضلٍ عودها أدب وأغصانها علم وثمرتها عقل وعروقها شرف، تسقيها سماء الحرية، وتغذيها أرض المروة.
стр. 3199
وفي فصل (١) :
أبو الفرج الأصبهاني الأصل، البغدادي المنشأ: كان من أعيان أدبائها وأفراد مصنفيها، وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء الشعراء.
وفي فصل (٢) :
الشريف أبو الحسن الموسوي: [يتحلى مع محتده الشريف] ومفخره المنيف بأدبٍ ظاهر، وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبيين من مضى منهم ومن غبر، ولو قلت إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وقد شهد بما أجريت من ذكره، شاهد عدل من شعره العالي القدح، الممتنع عن القدح، يجمع إلى السلاسة تانة، وإلى السهولة رصانة، ويشتمل على معانٍ يقرب جناها، ويبعد مداها.
وفي فصل (٣) :
الصاحب بن عباد: ليس تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وتفرده بغايات المحاسن والشيم، وجمعه أشتات المفاخر، لأن قولي ينخفض عن أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي، يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه، ولكني أقول: كانت همته في مجدٍ يشيده، وإنعام يجدده، وفاضل يصطنعه، وكلامٍ حسنٍ يسمعه أو يصنعه، ولما كان نادرة عطارد في البلاغة، وواسطة عقد الدهر في السماحة، جلب إليه من الآفاق وأقاصي البلاد كل خطاب جزل، وقولٍ فصل، وصارت حضرته مشرعاً لروائع الكلام، وبدائع الأفهام، ومجلسه مجمعاً لصوب العقول وذوب العلوم (٤) ونثار الخواطر ودرر القرائح، فبلغ من البلاغة ما يعد في السحر ويكاد يدخل في حد الإعجاز، وسار
стр. 3200
كلامه مسير الشمس، [واحتف] به من نجوم الأرض وأفراد العصر وأبناء الفضل وفرسان الشعر ما يربي عددهم على شعراء الرشيد ولا يقصرون عنهم في الأخذ برقاب المعاني وملك رق القوافي، فإنه لم يجتمع بباب أحد من الخلفاء ما اجتمع بباب الرشيد من فحولة الشعراء.
وفي فصل (١) :
أبو دلف الخزرجي: شاعر كثير الملح والطرف، مشحوذ المدية في الكدية، حنق التسعين في الاضطراب والاغتراب، وركوب الأسفار الصعاب، وضرب صفحة المحراب (٢) بالجراب، وخدمة العلوم والآداب.
وفي فصل (٣) :
القاضي الجرجاني: فرد الزمان ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، وقبة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، يجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري، وينظم عقد الإتقان والإحسان في كل ما يتعاطاه.
وهذه أيضاً جملة من شعره
زاره الأمير أبو الفضل الميكالي فكتب إليه (٤) :
لا زال مجدك للسماك رسيلا وعلو جدك بالخلود كفيلا
يا غرة الزمن البهيم إذا غدا هذا الورى (٥) لزمانه تحجيلا / [١٦٧]
يا زائراً مدت سحائب طوله ظلاً علي من الجمال ظليلا
وأتت بصوب جواهر من لفظه حتى انتظمن لمفرقي إكليلا
стр. 3201
بابني وغير أبي هلال نوره يستعمل التسبيح والتهليلا
نقشت حوافر طرفه في عرصتي نقشاً محوت رسومه تقبيلا
ولو استطعت فرشت مسقط خطوه بجفون عينٍ (١) لا ترى التكحيلا
ونثرت روحي بعدما ملكت يدي وخررت بين يدي هواه قتيلا
وقال فيه (٢) :
لك في المفاخر معجزات جمة أبداً لغيرك في الورى لم تجمع
بحران: بحر في البلاغة شابه شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعي
كالنور أو كالسحر أو كالبدر أو كالوشي في بردٍ عليه موشع
شكراً فكم من فقرةٍ لك كالغنى وافى الكريم بعيد فقر مدقع
وإذا تفتق نور شعرك ناضراً فالحسن بين مرصع ومصرع
أرجلت فرسان الكلام ورضت أف - راس البديع وأنت أمجد مبدع
ونقشت في فص الزمان بدائعاً تزري بآثار الربيع الممرع
وله إليه جواباً عن كتاب ورد عليه (٣) :
أنسيم الرياض حول الغدير مازجته ريا الحبيب الأثير
أم ورود البشير بالنجح من ف - ك أسيرٍ أم يسر أمر عسير
في ملاء من الشباب جديدٍ تحت أيكٍ من التصابي نضير
أم كتاب الأمير سيدنا الفر - د فيا حبذا كتاب الأمير
وثمار السرور ما اجتنيه في سطور فيها شفاء الصدور
نمقتها أنامل تفتق الأن - وار والزهر في رياض السطور
стр. 3202
كالمنى قد جمعن في النعم الغ - ر مع الأمن من صروف الدهور
يا أبا الفضل يا ابنه يا أخاه جل باريك من لطيف خبير
شيم يرتضعن در المعالي ويعبرن عن نميم العبير
وسجايا كأنهن لدى البش - ر رضاب الحيا بأري مشور
ومحيا لدى الملوك محيا صادق البشر مخجل للبدور
فأجابه الأكير أبو الفضل بأبيات منها (١) :
وهدي زفت إلى السمع بكرٍ تتهادى في حليةٍ وشذور
عجب الناس إذ بدت من سوادٍ في بياضٍ كالمسك في الكافور
نظمت من بلاغة ومعان مثل نظم العقود فوق النحور
كم تذكرت عهدها (٢) من عهود للتلاقي في ظل عيش نضير
فذممت الزمان إذ ضن عنا باجتماع يضم شمل السرور
ولئن راعنا الزمان [ببينٍ ألبس] الأنس ذلة المهجور
فعسى الله أن يعيد اجتماعاً في أمان من حادثات الدهور
إنه قادر على رد ما فا - ت وتيسير كل أمرٍ عسير
стр. 3203
فصل في ذكر الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم
المعروف بالحصري (١)
واجتلاب جملة من كلامه
كان أبو إسحاق هذا صدر الندي، ونكتة الخبير الجلي، وديوان اللسان العربي، راض صعابه، وسلك أوديته وشعابه، وجمع أشتاته، وأحيا مواته، حتى صار لأهله إماما، وعلى جده وهزله زماماً، وطنت به الأقطار، وشدت إليه الأقتاب والأكوار، وأنفقت فيما لديه الأموال والأعمار، وهو يقذف البلاد بدرر صدفها الأفكار، وسلوك ناظمها الليل والنهار، عارض أبا بحرٍ الجاحظ بكتابه الذي وسمه ب - " زهر الآداب، وثمرة الألباب "، فلعمري ما قصر مداه، ولا قصرت خطاه، ولولا أنه شغل أكثر أجزائه وأنحائه، ومرج يحبو حمى أرضه وسمائه، بكلام أهل العصر دون كلام العرب، لكان كتاب الأدب، لا ينازعه ذلك إلا من ضاق عنه الأمد، وأعمى بصيرته الحسد، ثم أخذ (٢) بعد ذلك في إنشاء التواليف الرائقة، والتصانيف الفائقة ككتاب " النور والنور " (٣) وكتاب " المصون من الدواوين " (٤) ، إلى عدة رسائل وأشعار، أندى من نسيم الأسحار، وأذكى من
стр. 3204
شميم الأزهار؛ وقد أخرجت من كلامه ما لا ينكر فضله، ولا ينشي مثله إلا مثله، وكانت وفاته - فيما بلغني - سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
فصول من كلامه اندرجت في تواليفه، من نثره ونظامه
فصل (١) :
ولبني علي أهل البيت كلام يعرض في حلى البيان، وينقش في فص الزمان، ويحفظ على وجه الدهر، ويفضح عقائل الدر، ويكتحل بنور الشمس، ولم لا يطؤون ذيول البلاغة، ويجرون فضول البراعة، وأبوهم الرسول، وأمهم البتول، وكلهم / [١٦٨] قد غذي بدر الحلم، وربي في حجر العلم.
ما منهم إلا مردىً بالحجى أو مبشر بالأحوذية مؤدم
وفي فصل (٢) :
البديع: اسم وافق مسماه، ولفظ طابق معناه، وكلامه غض المكاسر، أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفاً، والهوى يعشقه ظرفاً، ولما رأى ابن دريد قد أغرب بأربعين حديثاً وذكر إنه استنبطها من ينابع صدره، وانتخبها من معادن فكره، وأيداها للأبصار والبصائر، وأهداها للأفكار والضمائر، في معارض حوشيةٍ، وألفاظ عنجهية، فجاء أكثر ما أظهر تنبو عن قبوله الطباع، ولا ترتفع له حجب الأسماع، وتوسع فيها، إذ صرف ألفاظها ومعانيها، في وجوه مختلفة، وضروبٍ متصرفة، عارضة بأربعمائة مقامةٍ في الكدية تذوب ظرفاً وتقطر حسناً، لا مناسبة بين واحدةٍ منها لفظاً ولا معنى، عطف مساجلتها، ووصف مناقلتها، بين رجلين يسمى أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبو الفتح الإسكندري، وجعلهما يتهاديان الدر،
стр. 3205
ويتنافثان السحر، في معانٍ تضحك الحزين، وتحرك الرصين يطالع منها كل طريفة، ويوقف منها على كل لطيفة، وربما أفرد أحدهما بالحكاية، وخص بعضهما الرواية.
وفي فصل (١) :
هذا كتاب اخترت [فيه] قطعة كافيةً من البلاغة في الشعر والخبز، والفصول [والفقر] ، مما حسن لفظه ومعناه، واستدل بفحواه على مغزاه، ولم يكن شارداً حوشياً، ولا ساقطاً سوقياً، بل كان جميع ما فيه من ألفاظه ومعانيه:
في نظام من البلاغة ما ش - ك امرؤ أنه نظام فريد (٢)
حزن مستعمل الكلام اختياراً وتجنين ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدرك - ن به غاية المراد البعيد
كتاب يتصرف فيه الناظر من نثره إلى شعره، ومطبوعه إلى مصنوعه، ومحاورته إلى مفاخرته، ومناقلته إلى مساجلته، وخطابه المبهت، إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة، إلى اختراعاته الغريبة، وأوصافه الباهرة، إلى أمثاله السائرة، وجده المعجب، إلى هزله المطرب، وجزله الرائع، إلى رقيقه البارع، وقد نزعت فيما جمعت عن ترتيب التبويب، وعن إبعاد الشكل عن شكله، وإفراد الشيء من مثله، فجعلت بعضه مسلسلاً، وتركت بعضه مرسلاً، ليحصل محرر النقد، مقدر السرد، قد أخذ بطرفي التأليف، واشتمل على حاشيتي التصنيف، [وقد يعز] المعني فألحق الشكل بناظره، وأعلق الأول بآخره، وتبقى منه بقية أفرقها في سائره، ليسلم من التطويل الممل، والتقصير المخل، وتظهر في الجميع فائدة الاجتماع، وفي التفريق لذاذة الإمتاع، فيكمل منه ما يونق القلوب والأسماع، إذ
стр. 3206
كان الخروج من جد إلى هزل، ومن حزنٍ إلى سهل، أنفى للكلل، وأبعد من الملل؛ وقد قال أبو العتاهية (١) :
لا يصلح النفس إذ كانت مصرفةً إلا التنقل من حالٍ إلى حال
وفي فصل (٢) :
ومعلوم أنه ما انجذبت نفس، ولا اجتمع حس، ولا مال سر، ولا جال فكر، في أفضل من معنى لطيف، ظهر في لفظ شريف، فكساه من حسن الموقع قبولاً لا يدفع، وأبرزه يختال من صفاء السبك ونقا السلك وصحة الديباجة وكثرة المائية في أجمل حلة، وأجل حلية.
والمعنى إذا استدعى القلوب إلى حفظه، بما ظهر في مستحسن لفظه، من بارع عبارة، وناصع استعارة، وعذوبة مورد، وسهولة مقصد، وحسن تفصيل، وإصابة تمثيل، وتطابق أنحاء وتجانس أجزاء، وتمكن ترتيب، ولطافة تهذيب، مع صحة طبع وجودة إيضاح، يثقفه تثقيف القداح، ويصوره أفضل تصوير، ويقدره أكمل تقدير، [فهو مشرق في جوانب السمع] .
وإن كنت (٣) قد استدركن على كثير ممن سبقني إلى مثل ما أجريت إليه، واقتصرت في هذا الكتاب عليه، لمح أوردتها كنوافث السحر، وفقر نظمتها كالغنى بعد الفقر، من ألفاظ أهل العصر، في محلول النثر، ومعقود الشعر؛ ولهم من لطائف الابتداع، وتوليدات الاختراع، أبكار لم تفترعها الأسماع، يصبو إليها القلب والطرف، ويقطر منها ماء الملاحة والظرف، وتمتزج بأجزاء النفس، وتسترجع نافر الأنس، تخللت تضاعيفه، ووشحت تآليف، وطرزت ديباجه (٤) ، ورصعت تاجه،
стр. 3207
ونظمت عقوده، ورقمت بروده، فنورها يرف، ونورها يشف، في روضٍ من الكلم مونق، ورونق من الحكم مشرق.
وفي فصل (١) :
إلى هذا المكان أمسكت العنان، والإطناب في هذا الكتاب يعظم ويتسع، بل يتصل ولا ينقطع، إذ كان غرضي فيه، أن ألمع من معانيه، ثم أنجز معه حيث أنجر، وأمر فيه كيف / [١٦٩] مر، وآخذ في معنى آخر غير موصول بشكله، ولا مقرونٍ بمثله، وقد أحل نظاماً وأفرد تؤاماً، نشراً لبساط الانبساط، ورغبة في استدعاء النشاط.
وهذا التصنيف لا تدرك غايته، ولا تبلغ نهايته، إذ المعاني غير محصورة بعدد، ولا مقصورة إلى أمد، وقد أبرزت في الصدر، صحيفة العذر، يجول فرندها، ويثقب زندها، ومن ركب مطية الاعتذار، واجتنب خطية الإصرار، فقد خرج من تبعة التقصير، وبرز من عهدة المعاذير، وإن أحق ما احتكم إليه، واقتصر عليه، الاعتراف بفضل الإنصاف، فليعلم من ينصف أن الاختبار ليس يعلم ضرورةً، ولا يوقف له على صورة، فليكثر الإغماض، وليقل الاعتراض، ولو وقع الإجماع على ما يرضي ويسخط، ويثبت ويسقط، لارتفع حجاج المختلفين في أمر الدنيا والدين.
وفي فصل:
هو كليل الخاطر، سقيم النفس، صدئ القريحة، عديم الحس، ذو طبعٍ جاسٍ، وفهم قاسٍ، ولله در ابن الرومي في قوله (٢) :
خفافيش أعشاها نهار بضوئه ولائمها قطع من الليل غيهب
стр. 3208
بهائم لا تصغي إلى شدو معبدٍ فأما على جافي الحداء فتطرب
قد تعود لي الألسن بالسباب، وغمز على الأصحاب، واستعمل الملق والكذاب، فهو بين جاهل متغافل، قد حشي قلبه ريناً، وملئ لسانه ميناً، وبين من سمائم نمائمه تلذع، وعقارب مكايده تلسع، وبين معجب متصلف، باردٍ متكلف، لا يرى سيبويه كان على شيء، كما لا يرى الكسائي قبله (١) :
وإذا ما تذاكر الناس معنى من شهير الأشعار والمجهول
قال هذا لنا ونحن كشفنا عنه للمستدل والمسؤول (٢)
فهو كما قال الخوارزمي: قد أسكرته خمرة الكبر، واستهوته غرة التيه، فخيل إليه أن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وأن الشمس تطلع من جبينه، والغمام يندى من عينه، فهو يرى ببصر جهله لا ببصيرة عقله، وأن امرأ القيس ما بكى بالديار وعرصاتها، ولا اغتدى والطير في وكناتها، ولا أحسن تقصيد القصائد، وتقييد الأوابد، وأن زياداً (٣) لم توقد باليفاع ناره، ولا أعتب النعمان اعتذاره، وأن شعره لم يرق حتى يقال: الماء أو أسلس، ويجزل حتى يقال: الصخر أو أملس، وأن زهيراً كان متعاظل الكلام، متداخل الأقسام، غير مطبقٍ للمفاصل، ولا مصيبٍ للشواكل، وأما طبقات المخضرمين من الإسلاميين فلا يضربون إليه بقدح، ولا يفوزون عنده بنجحٍ.
فلو أتيناه بمستطرفٍ من مبدعات الهزل والجد
أرق من دمعة مهجورة مرهاء تمريها يد البعد
لو قرعت سمع يزيدٍ سلا بحسن ما يسمع عن هند (٤)
стр. 3209
أعرض عنها ثانياً عطفه ولم يعرها عطفة الود
هذا وقد لاح بوجه الحجى منها ضياء القمر الفرد
وأقبلت تختال في حلةٍ مرت عليها طرز الحمد
وما يضر الشمس أن أصبحت تعرض عنها أعين الرمد
ومن يك ذا فمٍ مر مريضٍ يجد مراً به الماء الزلالا
وفي فصل (١) :
قد تقاربت الصفات، وتوازنت الذوات، وتكاشفنا لما تعارفنا، ورفعت الخلوة حجاب الاحتجاب، وحطت الخلطة لثام الاكتتام، وكنا مع طول الامتحان والاختبار، ومدة الالتباس والاحتيار، نقنع من ارتفاع القناع بلمحة، ومن اتقاد الزناد بقدحة، ونبرز العبارات، من معارض الإشارات، وغوامض الاستعارات، في طراز من الأرماز يدق عن مسرى السحر، ويرق عن مجرى الخمر:
في تعابيرنا " اللطاف اللواتي هي أخفى من مستسر الهباء " (٢)
" بل من السر في ضمير محب أدبته عقوبة الإفشاء "
ونختلس حركات البيان، في سكنات الزمان، كما اختلس اللفظ المحب الكتوم، فهلهم الآن إلى التصريح دون التعريض، والتصحيح دون التمريض، وتعال نتلاطف ونتكاشف، إذ قد لبسنا ثوب الأمان من الزمان.
وفي فصل (٣) :
стр. 3210
إذا بدا القلم الأعلى براحته مطرزاً لرداء الفخر بالظلم
رأيت ما أسود في الأبصار أبيض في بصائرٍ لحظها للفهم غير عم
كروضة خطرت في وشي زهرتها وافتر نوارها عن ثغر مبتسم
وتبرجت في حللها وحليها، وابتهجت بوسيمها / [١٧٠] ووليها، وكاد الهواء يسرقه لطفاً، والهوى يعتنقه ظرفاً، فاجتنبت ما اشتهيت من خزاماها وعرارها، واجتليت ما رأيت من خيريها وبهارها، ولثمت خدود وردها وسوسانها، ورشفت ثغور أقاحها وحواذنها، والتقطت ما لا تخلق الأيام بهجته، ولا تغير الأعوام جدته، من نور يقطف بالأسماع والأبصار، وزهرٍ يتناول بالخواطر والأفكار، وسرحت الطرف في ما يفوت الوصف، من غرائب إبداع، وعجائب اختراع، لم تفترعها الأسماع.
وفي فصل (١) :
أسهمني من واضح الفجر غرة الصباح، وقسم لي من طائر الذكر قادمة الجناح، وألبسني من التنويه، ما لا يعزى إلى تمويه، فأصبحت أجيل الجوزاء على يد قصور، والثناء على لسان قصير، ولئن كبت جيادي، عن مضمار مرادي، وعجز لساني، عما حواه جناني، فتمثلت بقول الزعفراني (٢) :
لي لسان كأنه لي معادي ليس ينبي عن كنه ما في فؤادي
حكم الله لي عليه فل أن - صف قلبي عرفت قدر ودادي
وقد علمت أن شمس الخواطر، إذا جرت في فلك الضمائر، اتصل النور المبين، وانفصل الشك من اليقين.
وفي فصل:
стр. 3211
فتقنا نوافج الآراب، عن مسك الآداب، ونشرنا طرائف المطارف، عن لطائف الزخارف، وتسالبنا من أثواب المذاكرة، وتجاذبنا أهداب المحاضرة، من سائح فكر، وغرائب فقر، ألذ من سمرٍ بلا سهر، إلى أن أفضينا إلى ذكر البيت المظلوم واجب حقوقه، المسلوك به غير طريقه، على أنه ورد من صفاء السلك، وصحة الديباجة وكثرة المائية في أجمل حلة، وأجل حلية، فكان كما قلت (١) :
ومذهب الوشي على وجهه ديباجة ليست على الشعر
كزهرة الدنيا وقد أقبلت ترود في رونقها النضر
أو كالنسيم الغض غب الحيا يختال في أردية الفجر
هذا وهو بمحاورة الطبع للسمع، ومباراة الخاطر للناظر، من غير إعمال الفكر ولا تدقيق النظر، لكن بديهتك إذا أهداها قلبك إلى قلمك، وأداها لسانك عن فهمك، وأبديت بادرة ما أهديت إلى من عهدم به، وهو محرر للنقد، مقدر على السرد، أعرض عنه صفحاً، وطوى دونه مكشحا، حتى طال بلا طائلٍ لديه، ولا طلاوة عليه:
فقلت والقلب موقوف على حرقٍ يبعثن أنفاس صدر كاظم وحم
أي القرائح يعفو لمع بارقها في عارضٍ من ظلام الليل مرتكم
بحيث لا نحن من إقبال ذي أدبٍ نحظى بنجح ولا إفضال ذي كرم
إذا كان من إليه تتحاكم الخصوم في كل العلوم، فتقف منه الألباب على فصل الخطاب، وفص الصواب، ووجه الجواب، يلحظ ما يجري لأبناء عصره، وأنشاء دهره، من سر البديع، الزاهي على زهر الربيع، والزاري بالوشي الصنيع، بطرفٍ أسقم من أجفان الغضبان، ويعيره وجهاً هو لفرط التقطيب، كوامقٍ فاجأه شخص الرقيب، أو غزل طالعه وفد المشيب، فأي لب يصفو مزاجه، وأي قلبٍ يضيء سراجُهُ!
стр. 3212
وهذه ايضاً جملة من شعره
حكى أبو علي بن رشيق في كتابه المترجم ب - " الأنموذج " قال: كان أبو إسحاق الحصري قد نشأ على الوراقة والنسخ لجودة خطه، وكان منزله لزيف جامع مدينة القيروان، فكان الجامع بينه وخزانته، وفيه اجتماع الناس إليه ومعه؛ ونظر في النحو والعروض، ولزمه شبان القيروان، وأخذ في تأليف الأخبار، وصنعة الأشعار، مما يقرب في قلوبهم، فرأس عندهم، وشرف لديهم، ووصلت تليفاته صقلية وغيرها، وانثالت الصلات عليه، وله شعر كثير، ومن شعره مما أنشده ابن رشيق (١) :
إني أحبك حباً ليس يبلغه فهمي ولا ينتهي وصفي إلى صفته
أقصى نهاية علمي فيه معرفتي بالعجز مني عن إدراك معرفته
وأنشد له:
ولقد تنسمت الرياح لعلني أرتاح أن يبعثن منك نسيما
فأثرن من حرق الصبابة كامناً وذعن من سر الهوى مكتوما
وكذا الرياح إذا مررن على لظى نارٍ خبت ضرمنها تضريما
وله (٢) :
عليل طرفٍ سقيت خمرا من مقلتيه فمت سكرا
ترقرقت وجنتاه ماءً مازج فيه العتيق درا / [١٧١]
يحرك الدل منه غصناً ويطلع الحسن فيه بدرا
[قدر خط مسك بعارضيه خلقت للعاشقين عذرا]
стр. 3213
وقال مما لم ينشده ابن رشيق (١) :
تلاحظني صروف الدهر شزراً كأن علي للأيام وترا
وفي عيني دموع ليس ترقا وفي قلبي صدوع ليس تبرا
أقلب في الدجى طرفاً كليلاً إذا جيب الظلام علي زرا
ولو نشر الذي أطوى عليه على من تحتويه الأرض طرا
أصم مسامع الدنيا عويلاً وهز جوانح الأيام ذعرا
فيا من غاب عن عيني مشوقٍ يرى لنواه طعم العشق (٢) مرا
قرأت كتابك الأعلى محلاً لدي وموقعاً ويداً (٣) وقدرا
فأحياني وقد غودرت ميتاً وأنشرني وقد ضمنت قبرا
نقشت بحالك (٤) الأنقاس نوراً [جلا] لعيوننا نوراً وزهرا
فدبج من بسيط الفكر روضاً أنيقاً مشرق الجنبات نضرا
لو استسقى الغليل به لروى أو استشفى العليل به لأبرا
هفا عطر الجنوب له نسيم أقول إذا أناسم منه نشرا
نثرت لنا على الكافور مسكاً ولم تنشر على القرطاس حبرا
فيا من تمسك الأوصاف عنه أعنة وصفنا نظماً ونثرا
ومن يدعو القلوب إلى مناها بعينيه فلا تأتيه قسرا
ومن يجري اللآلئ في أقاح يمازج ظلمه برداً وخمرا
ويغرس في رياض الدل غصناً ويطلع في سماء الحسن بدرا
كأن بخده ذهباً صقيلاً أذاب عليه ياقوتاً ودرا
أفرط فيك إن أفرطت وصفا وأعجز عنك إن أعجزت شعرا
стр. 3214
ولي قلب عليك لما يلاقي يكافح من سعير الوجد (١) جمرا
ولولا ما يؤمل من لفاءٍ (٢) تقطع حسرةً وأذيب قهرا
سأسحب فيك أذيال الأماني وألبس تحت ثوب السقم صبرا
لعل الدهر يمتع منك طرفي ويعقب بعد عسر الحال يسرا
وقال:
إلفان ضمهما الهوى في خلوةٍ من بعد طول تغضب وتعتب
فإذا الرقيب مطالع عن غفلة ومكدر للمشرب المستعذب
فتفرقا عن ساكبٍ متحدر بعثته حرقة جاحمٍ متلهب
وكأنما الوقت الذي سعدا به حلم سرى أو قطع برقٍ خلب
ليت الذي خلق الرقيب أصابه بعمى يسد عليه نهج المذهب
قوله في ما تقدم: " وكذا الرياح إذا مررن على لظى ".. البيت، كقول ابن الرومي:
لا تغرين جوى بلومٍ إنه كالريح تغري النار بالإحراق
وقال يحيى بن هذيل القرطبي (٣) :
روحني عاذلي فقلت له مه. لا تزدني على الذي أجد
أما ترى النار وهي خامدة عند هبوب الرياح تتقد
وحكى أبو صفوان العتكي بصقيلية قال (٤) : كان أبو إسحاق الحصري يختلف إلى بعض مشيخة القيروان، وكان ذلك الشيخ كلفاً بالمعذرين [من] الغلماء، وهو القائل فيهم:
стр. 3215
ومعذرين كأن نبت خدودهم أقلام مسكٍ تستمد خلوقا
قرنوا البنفسج بالشقيق ونظموا تحت الزبرجد لؤلؤاً وعقيقا
فهم الذين إذا الخلي رآهم وجد الهوى بهم إليه طريقا
وكان يختلف إليه غلام من أعيان أشراف القيروان، وكان به كلفاً، فبينا هو يوماً والحصري قد أخذ في الحديث إذ أقبل الغلام:
في صورة كملت فخلت بأنها بدر السماء لستةٍ وثمان
يعشي العيون ضياؤها فكأنها شمس الضحى تعشى بها العينان
فقال له الشيخ: يا حصري، ماذا تقول في من هام بهذا القد، وصبا بهذا الخد - قال له الحصري: الهيمان به والله غاية الظرف، والصبوة إليه من تمام اللطف، لا سيما إذا شاب كافور (١) خده ذلك المسك الفتيت، وهجم على صبحه ذلك الليل البهيم، والله ما خلت سواده في بياضه إلا بياض الإيمان في سواد الكفر (٢) وغيهب الظلماء في منير الفجر. فقال: صفه يا حصري، قال: من ملك رق القول حتى انقادت له صعابه، وذلل له جموحه حتى سطع له شهابه، أقعد مني بذلك، فقال: صفه، فإني معمل (٣) فكري في ذلك، فأطرقا ساعة فقال الحصري (٤) :
أورد قلبي الردى لام عذارٍ بدا
أسود كالكفر في أبيض مثل الهدى
فقال له الشيخ: أتراك / [١٧٢] اطلعت على [ضميري أو خضت بين جوانحي وزفيري - قال: لا؛ ولم ذلك -] قال: لأني قلت:
стр. 3216
حرك قلبي فطار صولج لام العذار
أسود كالليل في أبيض مثل النهار
فصل في ذكر الأديب الكامل أبي علي بن رشيق المسيلي (١)
وسياقة طرف من غرائب أشعاره، وعجائب أخباره
بلغني أنه ولد بالمسيلة وتأدب بها قليلاً ثم ارتحل إلى القيروان سنة ست وأربعمائة، وكان أبو علي ربوةً لا يبلغها الماء، وغاية لا ينالها الشد والإرخاء (٢) ، محله من العلم، محل الصواب من الحكم، واقتداره على النثر والنظم، اقتدار الوتر على السهم، إن نظم طاف الأدب واستلم، أو نثر هلل العلم وكبر، أو نقد سعى الطبع الصقيل وحفد، أو كتب سجد القلم الضئيل واقترب، ولم يكن لأهل أفريقية قديماً في الأدب نبع ولا غرب، ولا من لسان العرب ورد ولا قرب، يدل على ذلك ما وصف به أبو علي البغدادي أهل القيروان، وقد أثبته في موضعه من صدر هذا الديوان (٣) . ورأيت ديواناً مجموعاً في أشعار قدماء أهل أفريقية هو بالبكم أشبه، وفي لسان العجم أنوه وأنبه، هذا وأجنادها على قدم الدهر العرب العاربة، وقوادها الأغالبة والمهالية، فلما زال ملكها عن أيدي العرب، تدفقت بها بحور الأدب، وطلعت منها نجوم الكتب، ورمت أقاصي البلاد، بمثل ذرى الأطواد، وسمعنا بزهر الآداب، وأنموذج الشعر اللباب، وبفلان وفلان، من كل فارس ميدان، وبحر
стр. 3217
بلاغة وبيان، وقال أبو علي بن رشيق، وما أبو علي - شعاع القمر، وحديث السمر، ومعجزة الخُبر والخبر، فات الأواخر والأوائل، واسكت المناظر والمماثل.
ولما طلع نجم (١) النحوس، بملك (٢) المعز بن باديس، وخرج إلى المهدية بسماءٍ كاسفة الأقمار، وذماءٍ أقصر من ظمأ الحمار، كان أبو علي ممن انحشر في زمرته المحروبة، وتحيز إلى فئته المفلولة المنكوبة، فأقام معه بها أنفة الجلاء، وإشفاقاً من فرقة الأحبة والخلصاء، وغشي المهدية أسطول الروم فأصبح البحر ثنايا، تطلع المنايا، وآكاماً تحمل موتاً زؤاماً، فدخل يومئذ على تميم (٣) حين وضح الفجر، وقد تم الذعر، وضاق ذات الصدر، فوجده في مصلاه والرقاع عليه ترد، والشمع بين يديه يتقد، فقام على رأسه ينشد قصيدته التي أولها:
تثبت لا يخامرك اضطراب فقد خضعت لعزتك الرقاب
فقال له: مه، أحال عهدك أم تغير، أم قد أدبر بك الزمان في ما أدبر - ويلك! متى عهدتني لا أتثبت - إذا لم تجئنا إلا بمثل هذا فمالك لا تسكت عنا - وأمر بالرقعة التي كانت فيها القصيدة فمزقت، ولم يقنعه ذلك حتى أدنوها إلى السراج (٤) فأحرقت، فخرج ابن رشيق يومئذ من عنده على غير طريق، لا يعقل ما يطأ، ولا يدري إلى أين ينكفئ، وكان وجهه إلى صقيلية، وكان ابن شرفٍ قد سبقه إليها، ووفد قبله عليها، وكان وقع بينهما بالقيروان، [ما وقع] بين الخوارزمي وبديع الزمان، من مناقضاتٍ ومعارضات، شحذت الطباع، وملأت العيون والأسماع، وتجاوزت الإحسان والإبداع، فلما اجتمعا يومئذٍ بصقيلية تنمر بعضهما لبعض، وتشوف أعلام البلد لما كان بينهما من إبرامٍ ونقض، وقصد ابن رشيق
стр. 3218
بعض إخوانه وقال له: أنتما علما الإحسان، وشيخا أهل القيروان، وقد أصبحتما بحال جلاء، وبين أعداء (١) ، والأشبه بكما ألا تفريا أديمكما، ولا تطعما الأعداء لحومكما، فقد كان يحميكما السلطان، ويمحو كثيراً من مساويكما الإخوان، فقال له: إيت ابن شرف فخذ عهده بذلك، فلست أنا أراجعك فيما هنالك، فأتاه وكان أمراً صدقٍ، فوجده أجنح للسلم، وأدنى إلى الحلم، برئ إليه من صببه وصعده، وأعطاه على الوفاء بذلك صفقتي لسانه ويده، فكان ابن رشيق بعد ذلك ربما أعرض وعرض (٢) ، وتحلب إلى شيء من تلك الهنات أو تهلمظ، وأما ابن شرف فلم يحل ما عقد، ولا حال عما عهد.
ولابن رشيق عدة تواليف في النظم والنثر، نفث بها في عقد السحر، ككتابه المترجم ب - " العمدة " و " كتاب الأنموذج " (٣) ، إلى عدة رسائل رائقة (٤) ، وبدائع فائقة، وأما الشعر فإنه أنسى / [١٧٣] أهله وملك منه شخته وجزله، وقد أثبت من خبره، وحميد أثره، ما يملأ الآذان بياناً، ويبهر العقول [حسناً] وإحساناً.
جملة من أخباره مع ما يتخللها من أشعاره
حدث أبو عبد الله بن الصفار الصقلي قال: كنت ساكناً بصقيلية وأشعار ابن رشيق ترد علي، فكنت أتمنى لقاءه، حتى استغلبت الروم علينا، فخرجت فاراً بمهجتي، تاركاً لكل ما ملكت، وقلت: اجتمع مع أبي علي، فرقة شمائله وطيب مشاهده سيذهب عني بعض ما أجد من الحزن على مفارقة الأهل والوطن، فجئت القيروان ولم أقدم شيئاً على الوصول إلى منزله، فاستأذنت ودخلت، فقام
стр. 3219
إليّ وهو ثاني اثنين، فأخذ بيدي، وجعل يسألني، فأخبرته عن أمري [- و] بعد أن تمكن أنسي بمجالسته قال لي يوماً: يا أبا عبد الله، إن ها هنا بالقيروان غلاماً قد برح بي حبه، واستولى علي كربه، منذ عشرة أعوام، وأنا إذ عض هواه على كبدي، وسطا شوقه على جلدي، ناهض إليه، وحسبك أنني ما اضطربت عنك منذ حين، إلا أني أحدث نفسي بحديثه العذب الموارد والمصادر، وأعللها بأخباره المحمودة الأوائل والأواخر، فإن أنت ساعدتني على الشخوص إليه قدمت عندي يداً لا يعدلها إلا رضاه، فقلت: سمعاً وطاعة؛ وصرت معه حتى جئنا صناعة الجوهريين، فإذا بغلاكٍ كأنه بدر تمام صافي الأديم، عطر النسيم، كأنما يضحك عن در، ويسفر عن بدر، قد ركب كافور عارضيه غبار عنبر، فحكى كتابة مسكٍ على بياض، يجرحه الوهم بخاطره، ويدميه الطرف بناظره؛ فلما رآنا الغلام علته خجلة سلبت وجه أبي علي ماءه، فأنشدته قول الصنوبري (١) :
آية من علامة العشاق اصفرار الوجوه عند التلاقي
وانقطاع يكون من غير عي وولوع بالصمت والإطراق
فقال لي: يا أبا عبد الله، والله ما واجهته قط بوجهي إلا وغشي علي ولكني تثبت (٢) بك، وأنست إلى عذوبة لفظك، مع أني لم أزود من وجهه المقمر، إلا متعة بقده المثمر، لتنكيسه رأسه عند طلوعي عليه، فقلت: ولم ينكس رأسه - والله ما رأيت أشبه بالبدر منه خداً، ولا بالغصن قداً، ولا بالدر ثغراً، ولا بالمسك من رياه نشراً، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما أبصرك بمحاسن الغلمان، لا سيما من فضضت كف الجمال صفحته، وذهبت وجنته، وخافت على تفاح خده العيون، فوكلت بها الفتون، يا أبا عبد الله: ينكس رأسه لأني علقته وخده هلالي، وفرعه ظلامي،
стр. 3220
ولحظه بابلي، وقده قضيبي، وردفه كثيبي، وخصره سابري، وصدره عاجي، فكان فمي يشرب كافوره بالشفق، فيخرج ذلك صدر الغسق، فوكل من بهيمه، رقيباً على فضي أديمه، فتوهم ذلك الطاهر الأخلاق، والطيب الاعتناق، أن ذلك يضعف أسباب محبته، ويخلق رسوم مودته، فقلت له: بحقي عليك يا أبا علي إلا ما قلت في هذا المعنى شيئاً، فأطرق قليلاً ثم قال (١) :
وأسمر اللون عسجدي يكاد يستمطر الجهاما
ضاق بحمل العذار ذرعاً كالمهر لا يعرف اللجاما
ونكس الرأس إذ رآني كآبة واكتسى احتشاما
وظن أن العذار مما يزيح عن قلبي الغراما
وما درى أنه نبات أنبت في جسمي (٢) السقاما
وهل ترى عارضيه إلا حمائلاً قلدت حساما (٣)
ومعنى هذا البيت الأخير كقول الآخر:
ومستحسن وصلي جعلت وصاله شعاري فما أنفك دأباً أواصله
كأن بعينيه إذا ما أدارها حساماً صقيلاً والعذار حمائله
قال أبو عبد الله الصقلي: فلم أزل أتكرر على أبي علي وألاطفه حتى أطلعني على سرائره مع ذلك الغلام، فوالله ما اطلعت له معه على ما يحاسب به من قبيح فعل ولا مذمومه، وكنت في خلال ذلك اختلف إلى ذلك الغلام الجوهري، فجلست يوماً إليه فجعلت أذكر له بعض ما ذكر لي أبو علي، فرأيته قد تغير لونه، وأطرق ساعةً، ثم أخذ سحاءة فكتب فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم، كتمان السر حلية القلب، فإن أزاله بقي عاطلاً " ثم طواها ودفعها إليّ وقال: قد أودعت
стр. 3221
السحاءة لفظاً موجزاً / [١٧٤] ومعنى محرزاً، فإذا وردت على أبي علي فأعلمه أن المحب إذا كتم رحم، وإذا نشر [فضح] فلا يعد بعد هذا إلى إفشاء سري، فإن نم بحبي انتهيت عن زيارته والإلمام به، وعوضته من لذته بفيض الدموع، وطول الخضوع، حتى لا يجزع كأساً إلا مشوباً، ولا يزر (١) ثوباً إلا خضلاً بعبرة مقلته، وأنا أقسم بحاجته إليّ، وإدمانه علي، ألا أخلي صدره من زفرة، ولا ضلوعه من جمرة، ولا جفونه من عبرة، فجئت أبا علي، فدفعت إليه السحاءة وقرأها، وأخبرته كلامه، فشهق شهقة توهمت أن ضلوعه تقضقضت، وقال لي: أبهذا القسم أقسم - قلت: نعم، قال لي: أتريد أن أنظم لك منثور ما جئتني به حتى تتوهم أنه كلامه - قلت: بحياتك إلا ما فعلت، فقال (٢) :
لم باح باسمي بعد ما كتم الهوى زمناً وكان صيانتي أولى به
فلأ [منعن] جفونه طيب الكرب ولأمزجن دموعه بشرابه
وحياتة حاجته إليّ وفقره لأواصلن عذابه بعذابه
قال أبو عبد الله: ثم استنشدته من شعره فيه فأنشدني عدة مقطوعات، منها قوله (٣) :
وفاتر الألحاظ في دجنةٍ كأنها في الحسن ورد الرياض
قلت له يا ظبي خذ مهجتي داو بها تلك الجفون المراض
فجاوبت من خده خجلة كيف ترى الحمرة فوق البياض
وقوله (٤) :
إن كنت تنكر ما منك ابتليت به وأن برء سقامي عز مطلبه
стр. 3222
أشر بعودٍ من الكبريت نحو فمي وانظر إلى زفراتي كيف تلهبه
وقوله:
تمنيت تقبيلاً عليه فجاد لي فقبلته ثنتين في الخد والخد
فقلت له جد لي بثغرك إنني [أقول] بتفضيل الأقاح على الورد
ومن جيد قوله (١) :
سقى الله ارض القيروان وصبرةٍ ففيها ثوى شخص علي عزيز
ترى أنني في القرب ممن أحبه على بعد ما بين الديار أفوز
وإن كان إدراك المحبين بغيةً على مذهب الأيام ليس تجوز
وقال فيه:
مدمج الخصر والحشا يتثنى إذا مشى
هو بدر بوجهه وبأجفانه رشا
ما عليه إذا الضنا شاع في الصب أو فشا
جار قاضي صبابتي وهو لا يقبل الرشا
وقال فيه (٢) :
ومهفهف يحميه عن نظر الورى غيران سكنى الملك تحت قبابه
أومى إليّ أن ائتني فأتيته والفجر يرمق من خلال نقابه
فلثمت خداً منه ضرم لوعتي وجعلت أطفي حرها برضابه
وضمته للصدر حتى استوهبت مني ثيابي بعض طيب ثيابه
فكأن (٣) قلبي من وراء ضلوعه طرباً يخبر قلبه عما به
стр. 3223
وينظر في هذا المعني قول ابن المعتز (١) :
يا رب إخوانٍ صحبتهم لا يدفعون لسلوةٍ قلبا
لو تستطيع قلوبهم نفذت أجسامهم فتعانقت حبا
وقال ابن الرومي (٢) :
أعانقه والنفس بعد مشوقة إليه وهل بعد العناق تداني
وألثم فاه كي تموت حرارتي فيشتد ما ألقى من الهيمان
كأن الذي بي ليس يشفي غليله سوى أن يرى الروحان يمتزجان
قال أبو عبد الله: وناولته يوماً تفاحةً فقال (٣) :
وتفاحة من كف ظبيٍ أخذتها جناها من الغصن الذي مثل قده
لها لمس ردفيه وطيب نسيمه وطعم ثناياه وحمرة خده
قال أبو عبد الله، وأخبرني أبو علي قال: وعدني يوم عيدٍ بالكون عندي، فصليت وارتقبت مجيئه، فإذا بالسماء قد أرعدت وأبرقت فكتبت إليه والغيث منهمل (٤) :
تجهم العيد وانهلت مدامعه وكنت أعهد منه البشر والضحكا
كأنما جاء يطوي الأرض من بعدٍ شوقاً إليك فلما لم يجدك بكى
قال أبو عبد الله، قال أبو علي (٥) : كنت [أوصي] غلاماً وضيئاً كان يختلف إليّ وأحذره من كثرة التخليط، فخرج يوماً في جماعة من أصحابه فأوقع به، فأخبرت بذلك فقلت:
стр. 3224
يا سوء ما جاءت به الحال إن كان ما قالوا كما قالوا
ما أحذق الناس بصوغ الخنا صيغ من الخاتم خلخال / [١٧٥]
وهذا المعنى: القول فيه طويل، وقول ابن المعتز يناسبه في المعنى لا في اللفظ، وهو قوله (١) :
مضى مالك والمال تسعون درهماً فآب ورأس المال ثلث الدراهم
وقال أبو محمد بن صارة الشنتريني:
من كل نيك حتى صار من سعةٍ كما تحل يد من عقدٍ تسعينا
قال أبو علي: وكنت أميل إلى قينة من قيان القيروان اسمها ليلى، فعلقها بعض خدام (٢) الحصون، وكان يحسب خدمتها وكنسها منزلةً لا تثلم جاه متوليها، فنهيته عنها فلم ينته، فقلت فيه (٣) :
ظن أن الحصون ملك سليما - ن وليلى بجهله بلقيسا
وله في العصا مآرب أخرى حاش لله أن تكون لموسى
وهذا كقول إدريس من جملة أبيات:
فقال ومن هذا الذي جاء طارقاً فقلت أنا موسى وهذي هي العصا
ما أخرجته من سائر مقطوعاته في أوصاف شتى
قال (٤) :
стр. 3225
يا رب لا أقوى على دفع الأذى وبك استغثت (١) على الضعيف الموذي
ما لي بعثت علي ألف بعوضةٍ وبعثت واحدةً على النمرود
وله في بعض قضاة القيروان:
أقولها لو بلغت، ما عسى والطبل لا يضرب تحت الكسا
قاضيك إن لك تخصه عاجلاً فامنعه أن يحكم بين النسا
وقال:
يا سالكاً بين الأسنة والظبا إني أشم عليك رائحة الدم
يا ليت شعري من رقاك بعوذة حتى وطئت بها فراش الأرقم
أزحمت آساد الشرى في غيلها وأمنت جهلاً من وثوب الضيغم
وأنشدت له:
قبلت فاها على خوف مخالسةً كقابس النار لم يشعر من الخجل
ماذا على رصدي بالنار لو غفلوا عني فقبلتها عشراً على مهل
غضي جفونك عني وانظري أمماً فإنما افتضح العشاق في المقل
وقال (٢) :
يا من يتيه بعارض - يه يريد بالعشاق شراً
ما كنت تصلح في الجدي - د فكيف تصلح بالمطرى
وهذا كقول أبي بكر الخالدي (٣) :
ما كان ينفعه لدي شبابه فعلام يجهد نفسه بخضابه