Полный текст (3 281 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
كسرت لجبر الدين أوعية الخمر ... فأحرزت خصل السبق في الكسر والجبر
عمدت إلى الشر الذي جمعوا له ... ففرقت منه فاسترحنا من الشر في أبيات غير هذه استبردت جملتها. وإنما ذهب إلى عكس قول من تقدم من عباث الشعراء من ذم صب الشراب، ومن أشهره قول بكر ابن خارجة الكوفي، وقد رأى من سلطان وقته مثل ذلك فقال:
يا لقومي مما جنى السلطان ... لا يكن للذي أهان الهوان
سكبوا في التراب من حلب الكر ... م عقاراً كأنها الزعفران
صبها في مكان سوء لقد صا ... دف سعد السعود ذاك المكان
من كميتٍ يبدي المزاج لها لؤ ... لؤ نظم والفصل فيها جمان
فإذا ما اصطبحتها صغرت في القد ... ر عندي من أمه الخيزران
كيف صبري عن بعض نفسي موهل يص - ... بر عن بعض نفسه الإنسان - وبلغني أن الجاحظ أنشد هذه الأبيات، فقال للمنشد: " من حق الفتوة أن أكتبها قائماً، وما أقدر إلا أن تعمدني " لنقرسٍ كان به. قال المحدث: فعمدته وقام فكتبها.
وكان بكر بن خارجة هذا مولى بني أسدٍ، طيب الشعر، خليعاً ماجناً، وكان يألف هدهداً في موضع يأتيه كل يوم بقنينة شرابٍ، فلا يزال
стр. 387
يشرب على صوته إلى أن يسكر، وكان أيضاً يهوى غلاماً نصرانياً وهو القائل:
زناره في خصره معقود ... كأنه من كبدي مقدود وبكر القائل:
قلبي إلى ما ضرني داعي ... يكثر أسقامي وأجاعي
كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي - ولصالح بن عبيد في مثل ما تقدم:
ليس همي ولا طويل انتحابي ... لمشيبٍ أدال عني شبابي
لا ولا لاغتراب أحباب قلبي ... أو لصد الإخوان والأصحاب
إنما حسرتي وعبرة عيني ... لشراب يصب فوق التراب
سرت الأرض حين صب عليها ... فبكت صبةً عيون السحاب رجع:
وقال ابن زيدون يرثي:
стр. 388
انظر لحال السرو كيف تحال ... ولدولة العلياء كيف تدال
من سر لما عاش قل متاعه ... فالعيش نوم والسرور خيال
ولى أبو بكر فراع له الورى ... هول تقاصر دونه الأهوال
يا من شأى الأمثال منه واحد ... ضربت به في السؤدد الأمثال
نقصت حياتك حين فضلك كامل ... هلا استضيف إلى الكمال كمال
من للقضاء يعز في أثنائه ... إيضاح مشكلة لها إشكال
من لليتيم تتابعت أرزاؤه - ... هلك الأب الحاني وضاع المال
هيهات لا عهد كعهدك عائد ... إذ أنت في وجه الزمان جمال
حيا الحيا مثواك وامتدت على ... ضاحي ثراك من النعيم ظلال
وإذا النسيم اعتل فاعتامت به ... ساحاتك الغدوات والآصال
ولئن أذالك بعد طول صيانةٍ ... قدر فكل مصونةٍ ستذال وله من أخرى مما وجدته بخط ابن حيان يرثي بها أبا الحزم ابن جهور:
ألم تر أن الشمس قد ضمها القبر ... وأن قد كفانا فقدها القمر البدر
وأن الحيا إن كان أقلع صوبه ... فقد فاض للآمال في أثره البحر
إساءة دهر أحسن الفعل بعدها ... وذنب زمان جاء يتبعه العذر
فلا يتهن الكاشحون فما دجا ... لنا الليل إلا ريثما طلع الفجر
وإن يك ولى جهور فمحمد ... خليفته العدل الرضا وابنه البر
لعمري لنعم العلق أتلفه الردى ... فبان ونعم العلق أخلفه الدهر
стр. 389
همام جرى يتلو أباه كما جرى ... معاوية يتلو الذي سنه صخر
فقل للحيارى قد بدا علم الهدى ... وللطامع المغرور قد قضي الأمر
أبا الحزم قد ذابت عليك من الأسى ... قلوب ومنها الصبر لو ساعد الصبر
دع الدهر يفجع بالذخائر أهله ... فما لنفيس إذ طواك الردى قدر
مساعيك حلي للزمان مرصع ... وذكرك في أردان أيامها عطر
أمامك من حفظ الإله صنيعة ... وحولك من آلائه عسكر مجر
وما بك من فقر إلى نصر ناصر ... كفتك من الله الكلاءة والنصر
تحامى العدا لما اعتلقتك جانبي ... وقال المناوي: شب عن طوقه عمرو ووجدت له قصيدة أخرى، على رويها ووزنها، رثى بها أم أبي الوليد ابن جهور، وكرر أكثر أبياتها، أولها:
هو الدهر فاصبر للذي أحدث الدهر ... فمن شيم الأحرار في مثلها الصبر يقول فيها:
هنيئاً الأرض أنس مجدد ... بثاويةٍ حلته فاستوحش الظهر
بطاهرة الأثواب قانتة الضحى ... مسبحة الآناء محرابها الخدر
فإن أنثت فالنفس أنثى نفيسة ... إذ لجسم لا يسمو بتذكيره ذكر
حصان إذا التقوى استبدت بذكرها ... فمن صالح الأعمال يستوضح الجهر
بني جهور أنتم سماء رياسةٍ ... مناقبكم في أفقها أنجم زهر
стр. 390
ترى الدهر إن يبطش فمنكم يمينه ... وإن تضحك الدنيا فأنتم لها ثغر إلى أبيات غير هذه من سائر أبيات القصيدة استمر فيها بالتقديم والتأخير، والتأنيث والتذكير، ثم رثى بها آخراً عباداً المعتضد، وجعل أول قصيدته قوله:
هو الدهر فاصبر للذي أحدث الدهر ... البيت المتقدم، ثم اتبعه بقوله:
حياة الورى نهج إلى الموت مهيع ... له فيه إيضاع كما يوضع السفر
فيا واضح المنهاج جرت فإنما ... هو الفجر يهديك الصراط أو البحر
إذا الموت أضحى قصر كل معمر ... فإن سواء طال أو قصر العمر
ألم تر أن الدين ضيم ذماره ... فلم تغن أنصار عديدهم كثر
بحيث استقل الملك ثاني عطفه ... وجرر في أذياله العسكر المجر
أأنفس نفس في الورى أقصد الردى ... وأخطر علق للهدى أفقد الدهر
أعباد يا أوفى الملوك لقد عدا ... عليك زمان من سجيته الغدر
فهلا عداه أن علياك حليه ... وذكرك في أردان أيامه عطر
стр. 391
غشيت فلم تغش الطراد سوابح ... ولا جردت بيض ولا أشرعت سمر
لئن كان بطن الأرض هنئ أنسه ... بأنك ثاويه لقد أوحش الظهر
ولا ثنت المحذور عنك جلالة ... ولا عدد دثر ولا نائل غمر
فهل علم الشلو المقدس أنني ... مسوغ حال ضل في كنهها الفكر -
وأن متاتي لم يضعه محمد ... خليفتك العدل الرضا وأبنك البر -
وأرغم في بري أنوف عصابةٍ ... لقائهم جهم ولحظهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حبوةٍ ... وقام سماطا حفله فلي الصدر فتلاعب أبو الوليد كما ترى في هذه القصيدة تلاعب الحطيئة بنسبه، وتصرف تصرف أبي حنيفة في مذهبه، فأنث وذكر، وقدم وأخر [كما] قال أبو العلاء:
رب لحد قد صار لحداً مراراً ... ضاحك من تزاحم الأضداد وبلغني أنه وجد لابن زيدون إثر موت عباد شعر يقول فيه:
لقد سرنا أن النعي موكل ... بطاغية قد حم منه حمام
تجانف صوب المزن عن ذلك الصدى ... ومر عليه الغيث وهو جهام وقال يخاطب الوزير أبا عامر بن عبدوس من قصيدة أولها:
стр. 392
أثرت هزبر الشرى إذ ربض ... ونبهته إذ هدا فاغتمض
وما زلت تبسط مسترسلاً ... إليه يد البغي لما انقبض
أرى كل مجرٍ أبا عامر ... يسر إذا في خلاء ركض
أعيذك من أن ترى منزعي ... إذا وتري بالمنايا انتفض
أبا عامر أين ذاك الوفاء ... إذ الدهر وسنان والعيش غض -
وأين الذي كنت تعتد من ... مصافاتي الواجب المفترض -
عمدت لشعري ولم تتئد ... تعارض جوهره بالعرض
لعمري لفوقت سهم النضال ... وأرسلته لو أصبت الغرض
وشمرت للخوض في لجةٍ ... هي الموت ساحلها لم يخض
وغرك من عهد ولادةٍ ... سراب تراءى وبرق ومض
هي الماء يأبى على قابضٍ ... ويمنع زبدته من مخض [وبعد ما أمسكت عنه.
قوله: " هو الماء يأبى على قابض " ... البيت، أبلغ منه في المعنى قول الوزير أبي محمد بن عبد الغفور:
هي الشمس تأبى على قابضٍ ... إذا الماء نالت نداه اليد]
ونبئتها بعدي استحمدت ... بسير إليك لمعنىً غمض
أبا عامر عثرة فاستقل ... لتبرم من ودنا ما انتقض
стр. 393
ولا تعتصم ضلةً بالحجاج ... وسلم فرب احتجاج دحض
وحسبي أني أطبت الجنى ... لأفنانه وأبحت النفض
ويهنيك أنك يا سيدي ... غدوت مقارن ذاك الربض وكتب إلى المظفر سيف الدولة أبي بكر بن الأفطس من رقعة، وضمنها قصيدة أولها:
لبيض الطلى ولسود اللمم ... بعقلي - مذ بن عني - لمم: لما لبس الحاجب - أعزه الله - رداء المجد معلما، وحمل لواء الحمد معلنا، فاستطار بارق فجره، واستضاع فائح ذكره، وشهرت محاسنه على كل لسان، وسارت مآثره مسير الشمس بكل مكان، لما سوغ من كرمه، وأسبغ من نعمه، ووطأ للآملين من أكنافه، وهز إلى الراغبين من أعطافه، ورفرفت أجنحة الأهواء عليه، واهتزت جوانح الآمال إليه، وكثر التغاير على تفيؤ ظله، والتنافس في الاعتلاق بحبله، وكل استفرغ جهده، وتوسل على حسب ما عنده، ولا غرو أن يستمطر الغمام، ويؤمل الكرام، ويكثر في المشرب العذب الزحام.
стр. 394
وما زلت - أبقى الله الحاجب - أتلقى من مساعيه المشكورة، ويقرع سمعي بمآثره المأثورة، ما هو أندى من بلوغ الأمل، وأشهى من اختلاس القبل، وأغض من جني الزهر، وألطف من نسيم السحر، حتى انقادت نفسي في زمام التأميل والمودة، ونازعت إلى الأخذ بحظٍ من الاعتلاق والممازجة. ونظرت إلى ما دون ذلك من أسباب البعد المانعة، وامتداد البلاد المعترضة، فغضضت طرف الخيبة، وطويت كشحاً على اليأس من درك الأمنية، إلى أن ندبني الأديب أبو فلان إلى مخاطبته، وحرضني على مكاتبته، ونبهني على ما في التثاقل عن مداخلته، من التضييع الصريح، والتقصير البين الصحيح، إذ هي أسنى علق غولي به، وأنفس ذخر نوفس فيه. فطربت إلى ذلك " كما طرب النشوان مالت به الخمر "، واهتززت له " كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب ". ورأيت من شكر يد العلياء فيما حثني إليه، وحضني عليه، مما فيه حلية الفخر، ومكرمة الدهر، أن أستفتح باب المكاتبة بالشفاعة، وأنهج طريق المخاطبة في العناية به، وبيننا، بعد، من ذمام الطلب، وحرمة الود والأدب، ما أستقصر نفسي معه أن أتقدم في خدمة رغبته بقلمي، وقد تأخرت قدمي، ويعد لاقتصار غيبته كتابي، دون أن أزم لذلك ركابي، وهو فتى نام جده، واستيقظ حده؛ فتنكر الزمان له، واعترت الأيام به، بين ذئاب سعاية عوت عليه، وعقارب وشايةٍ دبت إليه، وأصلي بنار حربٍ لم يجنها، وأعدته مبارك جرب التبس بها
стр. 395
وآل به الأمر إلى فراق أحبته، والبعد عن مسقط رأسه ومعق تمائمه، على ضيق حاله، وضعف إحسانه. وأشهد أن ذلك لم يزده للحاجب لا ولاءً، وعليه إلا ثناء، وأنه لا يزال يعيد شكره ويبديه، وينثر حمده ويطويه، والحاجب - أدام الله إعزازه - ولي إعدائه على زمنه الغشوم، وأسلا بإنصافه من دهره الظلوم، بإلباسه من جميل رأيه ما عري منه، وإيراده من شريعة رضاه ما حليء عنه، والتخلية بينه وبين الأفق الذي لم ير كوكب سعد إلا فيه، ولا تلقى نسيم حياة إلا منه، فإنه مما يوليه من إحسانه، ويأتيه من الفضل في شانه، مستجزل شكر من أنهضه لسان، واستقل به بيان، وهو أهل الفضل، والمعهود منه كرم الفعل، والله يبقيه ويعليه، وهو حسبه وحسبي فيه.
ولما اطرد هذا النثر لحسن اتساقه، ولذ مساقه، هزت النظم أريحية جذب لها بعنانه، وعارضه بها في ميدانه؛ وأبت أن ينفرد النثر بلقاء الحاجب ومشافهته، ويستبد بأن يلمح غرته، ويخدم بالحضور حضرته، فأثبت منه ما إن أنعم عند تصفحه بالصفح عن الزلل يعرض فيه، والخلل يبدو منه، وصل النعمة بمثلها، وقرن العارفة بشكلها:
لبيض الطلى ولسود اللمم ... بعقلي، مذ بن عني، لمم
ففي ناظري عن رشاد عمى ... وفي أذني عن ملام صمم
قضت بشماسي على العاذلين ... شموس مكللة بالظلم
стр. 396
وما سقمت لحظات العيون ... إلا لتغريني بالسقم
يلوم الخلي على أن أحن ... وقد مزج الشوق دمعي بدم
وما ذو التذكر ممن يلام ... ولا كرم العهد مما يذم
وإني أراح إذا ما الجنوب ... راحت بريا جنوب العلم
وأصبو لعرفان عرف الصبا ... وأهدي السلام إلى ذي سلم
ومن طرب عاد نحو البراق ... أجهشت للبرق حين ابتسم
أما وزمان مضى عهده ... حميداً لقد جار لما حكم
قضى بالصبابة لما انقضى ... وما اتصل الود حتى انصرم
ليالي نامت عيون الوشاة ... عنا وعين الرضى لم تنم
ومالت علينا غصون الهوى ... فأجنت ثمار المنى من أمم
وأيامنا مذهبات البرود ... رقاق الحواشي صوافي الأدم
كأن أبا بكر المسلمي ... أجرى عليها فرند الكرم
ووشح زهرة ذاك الزمان ... بما حاز من زهر تلك الشيم
هو الحاجب المعتلي للعلا ... شماريخ كل منيف أشم
مليك إذا سابقته الملوك ... حوى الخصل أو ساهمته سهم
فأطولهم بالأيادي يداً ... وأثبتهم في المعالي قدم
وأروع لا مبتغي رفده ... يخيب ولا جاره يهتضم
ذلول الدماثة صعب الإباء ... ثقيف العزيم إذا ما اعتزم
سما للمجرة في أفقها ... فجر عليها ذيول الهمم
وناصت مساعيه زهر النجوم ... وبارت عطاياه وطف الديم
نهيك إذا جن ليل العجاج ... سرى منه في جنحه بدر تم
стр. 397
فشام السيوف بهام الكماة ... وروى القنا في نحور البهم
جواد ذراه مطاف العفاة ... ويمناه ركن الندى المستلم
يهيج النزال به والسؤال ... ليثاً هصوراً وبحراً خضم
شهدنا لأوتي فصل الخطاب ... وخص بفضل النهى والحكم
وهل فات شيء من المكرمات ... جرى السيف يطلبه والقلم
ومستحمد بكريم الفعال ... عفواً إذا ما اللئيم استذم
شمائل تهجر عنها الشمول ... وتجفى لها مشجيات النغم
على الروض منها رواء يروق ... وفي المسك طيب أريجٍ يشم
أبوه الذي فل غرب الضلال ... ولاءم شعب الهدى فالتأم
ولاذ به الدين مستعصماً ... بذمة أبلج وافي الذمم
وجاهد في الله حق الجهاد ... من دان من دونه بالصنم
فلا سامي الطرف إلا أذل ... ولا شامخ الأنف إلا رغم
تقيل في العز من حميرٍ ... مقاول عزوا جميع الأمم
هم نعشوا الملك حتى استقل ... وهم ظلموا الخطب حتى اظلم
نجوم هدىً والمعالي بروج ... وأسد وغى والعوالي أجم
أبا بكر اسلم على الحادثات ... ولا زلت من ريبها في حرم
أناديك عن مقة عهدها ... كما وشت الروض أيدي الرهم
وإن يعدني عنك شحط النوى ... فحظي أخس ونفسي ظلم
وإني لأصفيك محض الهوى ... وأخفي لبعدك برح الألم
ومستشفع بي بشرته ... على ثقةٍ بالنجاح الأتم
стр. 398
وغيرك أخفر عهد الذمام ... إذا حسن ظني عليه أذم
وقدماً أقلت مسيء العثار ... وأحسنت بالصفح عما اجترم
وعندي لشكرك نظم العقود ... تناسق فيها اللآلي التوم
تجد لفخرك برد الشباب ... إذا لبس الدهر برد الهرم
فعش معصماً بيفاع السعود ... ودم ناعماً في ظلال النعم
ولا يزل الدهر أيامه ... لكم حشم والليالي خدم هذا - أعز الله الحاجب - ما اقتضته القريحة من اقتضائها، وأجابتنا به البديهة عن استدعائها، والذهن عليل، والطبع كليل، والروية فاسدة، وسوق الأدب إلا عنده كاسدة. ولو أني أوتيت في النثر غزارة عمرو، وبراعة ابن سهل، وأمددت في النظم بطبع البحتري، وصناعة الطائي، لما رددت إلى الحاجب إلا ما أخذت منه، ولا أوردت عليه غير ما صدر عنه، ولما أنفذت ما أنفذت إلا بين أمل يبسط، وخجل يقبض، فرأيه موفقاً في أن يمنح ما بعث الأمل إسعافاً، وما أوجب الخجل إغضاء، ليأتي الإحسان من جهاته، ويسلك إلى الفضل طرقاته، ومراجعته لي عن كتابي بعهد كريم، يكون كحلاً لعين الرضى بوجنة القبول، أقف به من توالي النعم عليه، وانتظام الأحوال بالصلاح لديه، على ما تبتهج له نفسي، وينتظم معه عقد أنسي، يد عندي جناها شهد، وشذاها عنبر وورد، أرفلها الشكر الجزيل، وأتبعها الثناء الجميل، إن شاء الله. وليبلغ مني سلاماً يهدي إليه نفسه، وتحيةٍ آخرها عندي وأولها عنده.
стр. 399
وكتب من قرطبة إلى ابن مسلمة بإشبيلية قبل تحوله إليها:
يا سيدي، وأرفع عددي، وأول الذخائر في عددي، وأخطر علق ملأت من اقتنائه يدي، ومن أبقاه الله في عيشة باردةٍ الظلال، ونعمة سابغة الأذيال، قد تقاصر الثناء عليك، وتوالى الحديث الحسن عنك، حتى حللت محل الأمانة، وكنت موضع تقليد الوطر، وإثبات الطوية، والله يمتعك بما حازه لك من الخير، ووفره عليك من طيب الذكر.
في علمك - أعزك الله - ما تقتضيه العطلة من إظلام الخاطر، وصدأ النفس، ويجنيه طول المقام من إخلاق الديباجة، وإرخاص القدر. وقد آن أن أجتني ثمرةً من آداب أطلت الاعتناء بها، وأخلاق أدمت رياضة الأنفس عليها. ولما مخضت الملوك، وجدت عميدهم الذي أنسى السالف قبله، وتقدم الراهن معه، وأتعب الغابر بعده، الحاجب فخر الدولة مولاي، ومن أطال الله بقاءه، وكبت أعداءه، لما خصه الله به من سناء الهمم، وسماحة الشيم، وانتظام أسباب الرياسة، وكمال آلات السياسة، واجتماع المناقب التي أفردته من النظراء، وأعلته عن مراتب الأكفاء، فرأيت قبل أن أحمل لغيره نعمة، أو أوسم ممن سواه بصنيعة، أن أعرض نفسي مملوكة عليه، عرض من لا يؤهلها
стр. 400
لإجازته إلا بالاستجارة، ولا يطمع لها في قبوله إلا مع المسامحة، فلو كنت الوليد بن عبيد براعة نظم، وجعفر بن يحيى بلاغة نثر، وإبراهيم بن المهدي طيب مجالسة، وإمتاع مشاهدة، ثم حضرت بساطه العالي، لما كنت مع سعة إحاطته إلا في جانب التقصير، وتحت عهدة النقصان، غير أنه لم يعدم مني نجابة غرس اليد، وإصابة طريق المصنع، من ولاية أخلصها، ونصيحة أمحضها، وشكر أجنيه الغض من زهراته، وثناء أهدي إليه العطر من نفحاته، ففوضت إليك هذه السفارة، واعتمدتك بتكليف النيابة، لوجوه: منها حظوتك لديه، ومواتك إليه، سوغك الله الموهبة في ذلك، وأنهضك بأعباء الشكر لها، ومنها سرو مذهبك، وكرم سجيتك، وصحة مشاركتك، لمن لم يستوجبها استيجابي، ولا استدعاها بمثل أسبابي، من تداني الجدار، وتصافي السلف، والانتماء إلى أسرة الأدب. فإن وافقت السانحة الإرادة، فحظ أقبل، وعبد بلغ من قبول سيده ما أمل، ولم أقل: " عمرك الله " كما قيل في النجمين، بل قلت: " وقد يجمع الله الشتيتين "، وإن عاق حرمان عادته أن يعوق عن الظفر ويعترض دون الأمل، فأعلمه - أيده الله - أني في حالي العطلة مع غيره والتصرف، ويومي الإيطان والتوف، كالمهتدي بالنجم حين عدم ذكاء، ومتيمم الصعيد إذ لم يجد الماء:
فإن أغش قوماً غيره أو أزرهم ... فكالوحش يدنيه من الأنس المحل
стр. 401
والله يتولاه بالفسحة في عمره، والإعلام لأمره، ويصرف الأقدار مع إيثاره، ويصرف وجوه التوفيق إلى اختياره.
ولك يا سيدي في انتدابك لما ندبتك له، ما للساعي المنجح من الشكر، وللمجتهد البالغ من العذر، وملاك الأمر تقديم المراجعة بالإيجاب فأسكن إليها، والجواب فأعتمد عليه، وأهدي إليك ندي الغض الناضر من سلامي، والأرج العاطر من تحيتي.
وكتب إثر ذلك إلى المعتضد رقعةً يقول فيها:
أطال الله بقاء الحاجب فخر الدولة مولاي وسيدي، ومولى المناقب الجليلة، والضرائب النفيسة، في أكمل ما تكفل له به من علو القدر، ونفاذ الأمر، وخصه من النعم بأسبغها سربالاً، وأبردها ظلالاً، وأحمدها مآلاً.
كنت - أعز الله الحاجب مولاي - قد كتبت إلى الوزير أبي عامر عبده بما أيقنت أنه انتهى إليه، واشتمل عليه، فكتب الوزير إلى بعض أسبابه بما يقوم مقام المراجعة لي بما يرتفع عن قدري، ولا تتسع له ساحة شكري، لعلمي أنه عن الحاجب - أيده الله - صدر، وبإذنه نفذ، والذي عداني عن أن يكون الكتاب في ذلك إلى الحاجب - أبقاه الله - التأدب بآداب حصفاء العبيد في الإجلال والإعظام، وترك التبسط والإقدام، وقلما استغنت أوائل مطالب الأتباع بحضرة الملوك من وسائط تمهد لها، وتعتمد
стр. 402
أوقات الإمكان بها، لا أني اتخذت إلى الحاجب - أدام الله علوه - إلى استطلاع ما قبله شك في كرمه، ولا سوء ظن بسماحة شيمه، بل لزوم الطريقة في التوطئة للمطلب، والتدرج إلى إحراز الأرب، وحسبي أن أملي قد ارتاد الجناب الرحب، والمشرب العذب، ولعل الحظوظ ستكشف، والنوائب ستصرف، إلى أن أبلغ إلى أبعد غايات الأمل من مشاهدة حضرته العلياء، والنظر إلى غرته الزهراء، فوالله ما ينصرف فكري، ولا ينصرم حين من عمري، إلا في الذكر له والشوق إليه، وتصور المثول بين يديه، وأنا أقدم الاعتذار من مهابة تستملك جنابي، وحصر يكاد يقطع في أول المشافهة لساني، فإن حدث فعذري عذر الفضل بن سهل، وقد انقطع بين يدي الرشيد فقال له: يا أمير المؤمنين، من فراهة العبد أن تملك قلبه مهابة سيده.
وسيفضي ذلك بمشيئة الله إلى ما يستجيزه الحاجب مولاي من إمتاع ويقبله من شاهد، ويشتطرفه من أدب، ويستلطفه من إجمال طلب، وجمال مذهب، كما أني أعلم أني سأصل إلى ما لم أعهد مثله من بهاء منظر، وسناء مخبر، ورفعة شان، وعظم سلطان، ولعل السعادة تهيء لي من الحظ ما أثبت به ما ادعيته لنفسي من هذه الصفات، وأنجز معه ما قدمت عنها من هذه العدات، فحول الله في ذلك كفيل، وهو حسبي ونعم
стр. 403
الوكيل. زاد الله الحاجب مولاي من سني قسمه، وهني نعمه، وبلغه النهاية من آماله، وصرف بعزته غير الزمان عن كماله.
وكتب إليه بعد أن صدر عن حضرته إلى قرطبة رقعةً يقول فيها:
أطال الله بقاء مولاي للنعم يطوقها،، والمنن يقلدها، والأحرار يستعبدها. يعلم الذي أسأله إعزاز مولاي، وإعلاء أمره، وصلة تأييده، وتمكين نصره، أني لم أزل منذ فارقت حضرته الجليلة، حضرة المجد والسيادة، ومحل الإقبال والسعادة، لهج اللسان بما أجناني من ثمار الحكمة والنعمة، وأفادني من عقد الأدب والنشب، فمن كبد حاسد تصدعت، وأنفاس منافس تقطعت، وناعم البال كسفت باله، ومتمن لحالي طالما تمنيت حاله، وقل لمن نال أدنى مكانة منه، ورقي أول درجة من الخصوص به، أن تحسده الكواكب في إشرافها، وتنحشد إليه الأماني من أطرافها، والله يبقيه لعبيده الذين أنا آخرهم في الخدمة، وأولهم في شكر النعمة، ويرفع من هممهم ما انخفض، ويبسط من آمالهم ما انقبض، ولا يعدمهم التقلب في نعمه، والاعتلاق بأسباب ذممه، بمجده وكرمه.
وكانت من مولاي - أعزه الله - إشارة بل عبارة أعددتها طليعة لسعود ستتوافى طلقاً، ومقدمةً لمسرات ستتوالى سبقاً؛ فلما لحق الجسم بعد تركه النفس لديه، والبراءة منه إليه، بالوطن الذي
стр. 404
أسلاني عنه، وأسنى لي العوض منه، تأتيت من طاعته المقترنة بطاعة الله في نفسي مملوكته، حاولته، ولا عداني تيسر أمر تناولته، ولم تبق علة تسوغ باعتراضها الاعتذار، إلا ما يتراخى ريثما يعاود أمره، ويتجدد في الحركة إذنه، ولم أستأذن لأن الأذن بعد عهد،. فلمولاي الطول في أمر الواسطة عبده بمراجعة أعتمد عليها، وأجتهد في الانتهاء إليها، والله يبلغني الأمل من وقفة بحضرته ونظرة إلى غرته، وتقبيل لراحته، وتصرف في ساحته، فهو المالك لذلك، والقادر عليه.
وله من رسالة حذف أبو الحسن ﵀ هنا أكثرها، ولم يذكر منها إلا قطرة من وابل، أو نفثة من سحر بابل، وها أنا مثبتها على تواليها إشادة بحسن معانيها، واستفادة من سني آدابه فيها، وهي:
يا سيدي الذي كنت أراه أعد عددي لأبدي، وأحصن جنني من زمني، ومن أبقاه الله في أصلح الأحوال، وأفسح الآمال؛ أبدأ من كتابي إليك، بشرح الضرورة الحافزة إلى ما صنعت، مما بلغني أنك صدر اللائمين لي عليه، وأول المسفهين لرأيي فيه، ومن أمثالهم: ويل للشجي من الخلي، وهان على الأملس ما لاقى الدبر، وأوسطة بمعاتبتك على ما كان من انفصالك عني، وبراءتك أمد المحنة مني، وأنك لم تكن في ورد ولا صدر من مشاركتي فيها، ولا كانت لك ناقة ولا جمل في مظاهرتك لي
стр. 405
عليها، مع القدرة بك على تهوين خطبها، وتذليل صعبها، وتليين شديدها، وتقريب بعيدها:
فأرى صدقك الحديث وماذا ... ك لبخلي عليك بالإغضاء
أنت عيني وليس من حق عيني ... غض أجفانها على الأقذاء وإنما يعاتب الأديم ذو البشرة، والمثل السائر: " ويبقى الود ما بقي العتاب " وقال الأول:
أبلغ أبا مسمعٍ عني مغلغلةً ... وفي العتاب حياة بين أقوام وأختمه بتكليفك ما كان سبب الكتاب، والداعي إلى الخطاب، عساك أن تتلاقى عوداً ما ضيعت بدءاً، وتهتبل آخراً ما أغفلت أولاً، فيعود غيثه على ما أفسد، وإن كنت في ذلك كدابغة وقد حلم الأديم، فمنفعة الغوث قبل العطب:
وخير الأمر ما استقلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا في علمك أني سجنت مغالبة بالهوى، وهو أخو العمى، وقد نهى الله تعالى عن اتباعه، وذكر أنه مضل عن سبيله، إذ يقول: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ (ص: ٢٦) . وقال الشاعر:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال دون تأن تدرك بعض الحاجة به، أو استثبات تؤمن مواقعة الزلل معه، بل
стр. 406
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل وشهد ابن العطار العشار العاري من الثقة والأمانة، البعيد من الرعية والصيانة الناشر لأذنيه طمعاً، الآكل بيديه جشعاً، فكان القول ما قالت حذام. ولم يقتصر على أن ألحق بالشهود وهو واو عمرو فيهم، ونون الجمع المضاف معهم، دون أن يلحق بخزيمة ذا الشهادتين، وينوب منفرداً عن اثنين،
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وليتني مع من لا يحل قوله علي، أعذر في شهادته إليّ، ولم يقترن الحشف مع سوء الكيلة، وتستضف لي الغدة إلى الموت في بيت سلولية. خطتا خسف لم أر النجاء منهما إلا أن ركبت الحولي الأشهب، ورأيت خراسان مكان السوق أو هي أقرب. وكان المتولي سجني بعد شهر من إنفاذه، له مجلس حضره فقهاء الحضرة، ومن أعلم بسيماهم، وجرى في غشيان الحكام مجراهم، فذكر له أنه اتهمني بالمغيب على عهد المتوفى مولاي - كان - نقع الله صداه وبل ثراه - وثبت عنده مع ذلك أني ممن تعلقه التهم، ولا ترتفع عنه الظنن، فكلهم أفتى بالإعذار إليّ، فيما شهد به عن ذلك علي، ثم سجني
стр. 407
إن لم آت بمدفع، أو أصدع من الحجة بمقنع؛ فاحتاط واجتهد، وتحرى واقتصد، وصالحني من هذه الفتيا على النصف، بتأخير الإعذار، وتقديم السجن، والصلح جائز بين المسلمين؛ ثم أظهرت إليه عقداً كان المتوفي - قدس الله روحه ونور ضريحه - قد أشهد فيه أن لا مال له، وأن جميع ما تحيط به الدار التي توفي بعيد هذا الإشهاد فيها إنما هو للغانية التي في عصمته حاشا دقائق بينها، ومحقرات عينها، ومعلوم أن من أشهد بهذا على نفسه، وتقيد إلى مثله من لفظه، فمحال أن يخلف عهداً، أو يهلك عن وصية. وسألته الشورى فيما أثبته من هذا العقد، فلم يجبني إلى ذلك. ولو لم تكن الشورى من أدب الله إذ يقول: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ (آل عمران: ١٥٩) لوجب أن يعلم أنها لقاح العقل، ورائد الصواب، وأن للمشاور إحدى الحسنيين: صواباً يفوز بمحمدته، أو خطأ يشارك في مذمته، قال الشاعر:
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي عدة للقوادم قد قرعت له العصا، ونبه على الذي دعوته إليه، لا يسوغ لي دفعه عنه، ولا يجوز منعي منه، فحينئذ عللني بمواعيد
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً ... إذا قطعن علماً بدا علم ... وكان آخرها الذي نسخ به ما قبله أن تدرج الشورى إلى إبقاء الشورى للورثة، فشويت أرقب هذا الحين وأرجو أن يحين،
كما يرجو أخو السنة الربيعا ... كما في بطون الحاملات رجاء ...
فكانت وإياه سحابة ممحلٍ ... رجاها فلما جاوزته استهلت
стр. 408
وفي فصل منها:
ولم أقص عليك يا سيدي مما اجتلبته إلا ما شهر شهرة الاسم، وعرف معرفة النسب، و " ما يوم حليمة بسر ". وكنت أول حبسي قد وضعت من السجن في موضع جرت العادة بوضع مستوري الناس وذوي الهيئات منهم فيه، وفي الشر خيار، وبعضه أهون من بعض. فمنيت من مطالبة بعض من يأتمر الناظرون في السجن له ويسمعون منه. بما اقتضى نقلي إلى حيث الجناة المفسدون، واللصوص المقيدون. وشكوت ذلك إلى الحاكم الحابس لي في اليوم الذي مضى ذكره بمشهد من تقدم وصفه، فانتفى من الرضى به، وأظهر الامتعاض منه، وتقدم إلى الموكل بالسجن في اختيار مجلس أباين فيه من لا تليق بي ملابسته، وأنتبد عمن لا ترضى لي مجالسته. ثم لم لبث أن أحضره مجلس نظره، وأمر بتأديبه على امتثاله في ما أمره به، وانتهائه إلى ما حد له، وأستأنف العهد في التضييق علي، ومنع من اعتاد صلتي من الوصول إليّ، فأصعدت إلى غرفة في السجن اقنعني بها مع خساستها، وأسلاني عن المصيبة بالكون فيها على مضاضتها، انفرادي من لفيف الأخلاط، ومن ضمه السجن من السلفة والسقاط، فحين استوائي إليها عهد بخطي إليهم وخلطي بهم ووضعني بينهم، فنقلت في نفسي ثلاث نقل على أقبح النصب، وأسوأ الرتب. ودخل إليّ. في هذه الحال من أبلغني عن ابن أخي الحكم رسالة جامعة من السب الفاحش لفنون، مشتملة من الوعيد المرهب على ضروب، فلو ذات سوارٍ لطمتني!!
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب فلم أستطع صبراً، وعلمت أني قد أبليت عذراً، ولم يتق إلا أن يعذرني لبيد وكاد ورأيت أن العاجز من لا يستبد، فالمرء يعجز لا المحالة، ولم أستجز أن أكون ثالث الأذلين: العير والوتد. وذكرت أن الفرار من الظلم والهرب مما لا يطاق من سنن المرسلين، قال الله على لسان موسى ﵇ ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ (الشعراء:
стр. 409
لا عار ولا في الفرار فقد ... فر نبي الهدى إلى الغار ونظرت في مفارقة الوطن، والبين عن الأحبة، فتبين لي أن إيحاش نفسي، بإيناس أهلي، وقطعها في صلة وطني، غبن في الرأي، وخور في العزم، ووجدت الحر ينام على الثكل، ولا ينام على الذل، وأذنت إلى قولهم: ليس بينك وبين البلاد نسب فخيرها ما حملك.
وإذا نبابك مبزل فتحول ...
وقال بعض المحدثين:
أرى الناس أحدوثةً ... فكوني حديثاً حسن
كأن لم يزل ما أتى ... وما قد قضى لم يكن
إذا وطن رابني ... فكل مكان وطن ولم أستغرب أن أسام مثل هذا الخسف في مسقط رأسي، ومعق تمائمي، وأول أرض مس ترابها جلدي، فقديماً ضاع المرء الفاضل في وطنه، وكسد العلق الغبيط في معدته؛ قال بعضهم:
أضيع في معشري وكم بلد ... يعد عود الكباء من حطبه فاستخرت الله ، واضح العذر، ثابت قدم الحجة، عند من غض عين الهوى، وخزن لسان التعسف. والله يصيب غرض الصواب برأيي، ويقرب غاية النجاح على سعيي، حسبما في علمه أني مظلوم مبغي عليه، منسوب ما لم آته إليّ، فهو المؤمل بذلك والمرجو له.
ولعمرك يا سيدي إن ساحة العذر لتضيق، وما تكاد تتسع لك في إسلامك لتلميذك وابن جارك وشيخك الذي لم تزل متوفراً عليه، آخذاً عنه، مقتبساً منه، مع إكثارك من ذكر هذا، والاعتداد به، وادعاء الحفظ له. وقد رويت أن حسن العهد
стр. 410
من الإيمان، وسمعت المثل: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فالمرء كثير بأخيه، وألا أقل من استعمال الجد، واستغراق الجهد:
فمبلغ نفس عذرها مثل منجح ... ولا لوم في أمري إذا بلغ العذر ... ولكن من لك بأخيك كله - وأين الشريك في المر أينا وبعد ما مر بي فالقضاء غالب، وما حم واقع، ولا حذر من قدر، وقد سبق السيف العذل، وتقدم من فعلي ما جف به القلم، وأنا الآن بحيث أمنت بعض الأمن، إلا أن رزاً من وعيد سقط إليّ بأن السعي لم يرتفع، وأن مادة البغي لم تنقطع، وأن البصيرة مستحكمة في استرجاعي من الأفق الذي أحل به، والجناب الذي أحط فيه. وأكد ذلك في ظني ما كان أشار إليه بعض من كنت آوي إلى الثقة بعهده، وأبني على الوثاقة من عقده، من الفقهاء الموسومين بالأثرة عند الحكم المذكور، والمكانة منه؛ وقد عاتبته على تأخيره عن مظافرتي، وتقصيره في مؤازرتي، فاعتذر بأن ذلك لا سبيل إليه، ولا منفذ للحيلة فيه، إذ المحرض علي لا تتأتى معارضته، ولا يتهيأ الاستبداد عليه، وأنه وصفني بالبذاء، وعابني بالتسلط على الأعراض، ووالله ما استجزت هذا بعد أن هتك من ستري ما هتك، وانتهك من حرماتي ما انتهك، إذ كنت أقول معذوراً، وأنفث مصدوراً، فكيف قبل ذلك إذ لم يحدث سبب، ولا عرض موجب -
وما لي وهذا المجتنى ثم ماليا ... و ﴿ستكتب شهادتهم ويسئلون﴾ (الزخرف: ١٩) وليست هذه ببكر من النمائم التي دخل بها بين العصا ولحائها:
وإني رأيت غواة الرجال ... لا يتركون أديماً صحيحا
стр. 411
ومن يأذن إلى الواشين تسلق ... مسامعه بألسنة حداد ويا سيدي:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري ووالله توعمته أني أوتى ممن زعم أني أتيت منه، مع اتصالي به وانقطاعي إليه، واتسامي بالتأمل له والتعويل عليه،
إن المعارف في أهل النهى ذمم ... ولكن:
إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد لقد كان من محاسن الشيم، وشروط المروءة والكرم، أن يهب لي ما أنكر لما عرف، ويغفر ما أسخط لما أرضى، ويدفع بالتي هي أحسن، ويؤثر الذي هو أجمل وأرفق، ويتوقف عند ما نص عليه من سعاية، وزف إليه من وشاية؛ فإن كان باطلاً ألغاه، وفضح المخبر المتقرب به وأقصاه، وإن كان حقاً صبر صبر الحليم، وأغضى إغضاء الكريم وقبل إنابة المعتب، واقتص في مؤاخذة المنب، فقدم التوقيف قبل التثقيف، والتأنيب قبل التأديب،
فإن الرفق بالجاني عتاب ... والحر يلحى والعصا للعبد ...
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب - وهو يرى ويسمع أن بالحضرة قوماً لا يحصرهم العد، تحتمل سقطاتهم، وتغتفر هفواتهم، وتقال عثراتهم:
стр. 412
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا وما أعلم أنهم يدلون بوسيلة لا أشاركهم فيها، ولا يمتون بذريعة ينفردون دوني بها
هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا فإن كانت مسامحتهم لسابقة سلفت فقد أحرزت منها الحظ الأعلى، أو لكمال أدب فقد ضربت فيه بالقدح المعلى، أو للطف تودد فما قصرت في الاجتهاد، غير أني حرمت التوفيق
والأمر لله، رب مجتهدٍ ... ما خاب إلا لأنه جاهد
فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر والله لقد أظهرت مدحه، وأضمرت نصحه، وتممت على الصياغة له، وجريت ملء العنان إلى الاعتلاق به، أسقيه السائغ من مياه ودي، وأكسوه السابغ من برود حمدي، وأجنيه الغض من ثمرات شكري، وأهدي إليه العطر من نفحات ذكري، لا يفيدني التحبب إليه إلا ضياعاً لديه، ولا يزيدني التقرب منه إلا بعداً عنه:
كأني أستدني به ابن حنيةٍ ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا والذي أحبه منك، وأثق في المسارعة إليه بك، لقاؤه مجارياً ذكري، مفاوضاً في أمري، معلماً له بما لا يذهب عنه من أن الذي اخترته لنفسي غاية ما يسيء القرونة، ويساء المولى منه، فالجلاء أخ القتل، والغربة أحد السبائين، قال الله تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ (النساء: ٦٦) ، وقال الشاعر:
ومن يغترب عن داره لا يرى ... مصارع مظلوم مجراً ومسحبا
стр. 413
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا وقد هجرت الأرض التي هي ظئري، والدار التي كانت مهدي، وغبت عن أمٍ أنا واحدها، تمتد أنفاسها شوقاً إليّ،، والله يرى بكاءها، ويسمع لي على من ظلمني نداءها، فالاستجابة مضمونة للمخلص والمظلوم؛ وقد حملت السمتين، واستوجبت الصفتين، ولتكن بغيتك التي تدخرها عليها كلمة تأمن، وإشارة إلى تأنيس وتسكين، تراجعني بها فأظهر بحيث أنا آمناً، وألقي العصا مطمئناً، فإن وجدت محز الشفرة فالعوان لا تعلم الخمرة فإن أشبهت الليلة البارحة، أعلمتني بذلك، فطلبت الأمن في مظانه، وتقريت السلامة في مواطنها، وصبرت حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. ﴿كل يوم هو في شان﴾ (الرحمن: ٢٩) ، ومع اليوم غد:
ولكل حالٍ معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عما تحمد ولك يا سيدي في انتدابك لما اندبتك إليه الفضل، والأيادي قروض، والصنائع ودائع، " لا يذهب العرف بين الله والناس "، والتحية الطيبة والسلام المردد على سيدي.
@ومما يتعلق بذكر وفاة ذي الوزارتين، رحمة الله عليه
فصل من تاريخ الشيخ أبي مروان ابن حيان، رأيت إثباته لنبل مساقه، وحسن اتساقه، يقول فيه:
стр. 414
وفي يوم الاثنين لثلاث عشرةً ليلةً خلت من ذي الحجة سنة اثنتين وستين وأربعمائة، سار الحاجب سراج الدولة عباد بن محمد إلى إشبيلية - الحضرة الأثيرة - لمطالعتها وتأنيس أهلها من وحشةٍ خامرت عامتهم، من أجل عدوان رجلٍ منهم على يهودي جاء لامرجة السوق عندهم، ماراه في بعض الأمر، فزعم أنه سب الشريعة، فبطش به المسلم وسط السوق وجرحه وحرك عليه العامة، فقبض عليه صاحب المدينة عبد الله بن سلام واعتقله، فكان لعامة الناس في إنكار حبسه كلام وإكثار خشي وباله، فخاطب السلطان بقرطبة ما كان منه ويستأمر في شأنه، فعجل إنفاذ ولده الحاجب سراج الدولة إلى إشبيلية في جيش كثيف من نخبة علمائه ووجوه رجاله، لمشارقة القصة، والاحتياط على العامة، فغدوا معه وسط هذا اليوم، وأنفذ معه ذا الوزارتين أبا الوليد ابن زيدون أحد الثلاثة كابري وزرائه المثناة وزارتهم، عمد دولته، النفوذ مع الحاجب على بقية وعكٍ كان متألماً منه، ولم يعذره في التوقف من أجله. فمضى لطيته مسوقاً إلى منيته، وخلف ولده أبا بكر الفذ الوزارة، المرتسم بالكتابة وراءه، ساداً مكانه بالحضرة، فأقر فيها أياماً، ثم أمر بالمسير وراء والده لأمر كلفه، أعجل بالانطلاق له؛ فمضى بعينه غداة يوم السبت لثمان خلون من المحرم سنة ثلاث وستين بعدها. فخلت منهم منازلهم وصيرت إلى سواهم، فتحدث الناس بنبو مكان الأديب ابن زيدون لدى السلطان، وأن استساكه بعلى مرتبته، بعد مختصه المعتضد بالله، كان من المعتمد على الله رعايةً لخصوصية ابنه
стр. 415
به، يغص باستمرارها ثقتاه المختصان به، الحظيان لديه، المستهمان لخاصته: ابن مرتين وابن عمار، إلى أن عملا في إبعاده وإبعاد ابنه الرقيب بعده، فأمضي خلفه، فعندها استساغا غصته، واستهما مكانه، واحتويا على خاصة السلطان وتدبير دولته؛ ولكل دولة رجال، ولكل مكتف أبدال.
ولم يطل الأمد بابن زيدون ﵀ بعد لحاق ابنه به، ووجدانه إياه متزايداً في مرضه، نازحاً عن ألافه، على جهده في استدعائها على انتهاء المدة، وانتهاك القوة؛ فاستقر به وجعه إلى أن قضى نحبه، وهلك بدار هجرته إشبيلية صدر رجب سنة ثلاث وستين، فدفن بها مشهوداً مفتقداً، واحتوى تربها عليه، فيا بعد ما بين قبره وقبر ابنه لدينا، رحمة الله عليهما؛ فقد تولى من أبي الوليد كهل لن يخلف الدهر مثله جمالاً وبياناً وبراعة ولساناً وظرفاً، وحلولاً من مراتب البلاغة - نظماً ونثراً - بمرقبةٍ لم يخلف لها بعده عاطياً، بقرانه بين الكلامين، وبراعته في الفنين، إلا أن يكون عند أولي التحقيق والتحصيل في النظم أمد طلقاً، وأحث عنقاص، فلا يلحقه فيه تقصير ولا يخشى رهقاً، أشهاده في الفنين عدول مقانع حضور عند أهل المعرفة.
لقد اتصل خبر هلكه بعشيرته أهل قرطبة فتناعوه، وسيئوا لفقده، وحزنوا عليه، إذ كان منهم، متعصباً لهم، هاوياً إليهم، حدباً عليهم، وليجة خير بينهم وبين سلطانهم الحديث الولاية، فصار مصابه لديهم كفاء ما اجتث فيه من تأميلهم، والبقاء لمن تفرد به وحده، لا رب غيره.
ولا جرم أن عزى الله إخوانه عنه بامتداد بقاء فتاه الندب أبي بكر ولده، ساداً ثلمه، سامياً مسماه، غائظاً عداه، عاطياً منتهاه، بأنواط صدق، يجذبن إلى العلاء بضبعه، من شماخة ودماثة وحصافة ونزاهة ومعرفة، ووفور حظ من أدب بلاغة وكتابة، وشركة في التعاليم المعلية، واشتداد
стр. 416
في رعاية متقادم الذمة، لم يفقد إخوان أبيه معها إلا عينه: خلال حركن حاله عما قليل بعد أبيه عند سلطانه قسطاس السياسة، فاستبصر في إحضاره، وأدناه من اجتبائه، ورقاه في مراتب والده، منقلاً له في درجاتها، راضياً بلاءه فيما ناط به منها، حتى فرع ذروتها عما قليل، فأحظاه بالوزارة ووزره بحضرته الأثيرة إشبيلية، وجمع له أعاظم خططها العلية، معاطن التنافس من قوام المملكة: خطة ولاية المدينة مجموعة إلى خطة ولاية السكة - بكل استقل، وعلى كل استظهر، فكفى وعدل، فاغتبط به السلطان، وواتاه الزمان، والله يؤتي فضله من يشاء، له الفضل والامتنان.
وفي فصل: وكان أبو الوليد ممن أنشأته دولة الجهاورة، واصطفته الفرس للأساورة؛ اختص بأبي الوليد اختصاص القرح بالنور، وارتبط بهم ارتباط الإفاضة بالفور. وأبو الحزم ابن جهور إذ ذاك رأس الجماعة، وأصل تلك الإمرة المطاعة، من رجل أدهى من فقيد عمان، وأجرأ من ليث خفان، وأدهى من عمرو بن الجعان.
стр. 417
ومان ابن زيدون متصلاً بابنه أبي الوليد أطول حقبة، اتصال أبي زبيد بالوليد بن عقبة " وبينهما تألف أحرما بكعبته وطافا، وسقياه من تصافيهما نطاقا، وابن زيدون يعتد ذلك حساماً مسلولاً، ويرى أنه يرد به صعب الخطوب ذلولاً، إلى أن طلب عند ابيه أبي الحزم وتوسل، فاستدفع به تلك الأسنة المشرعة والأسل، فما ثنى إليه عنان عطفه، ولا كف عنه سنان صرفه " مع استعطافه له بكل مقال يحل سخائم الأحقاد، واستلطفه إياه بما يرد الصعب سلس القياد؛ فمن بديع ذلك وأحسنه قوله:
إيه أبا الحزم اهتبل غرةً ... ألسنة الشكر عليها فصاح
لا طار لي حظ إلى غاية ... إن لم أكن منك مريش الجناح
عتباك بعد العتب أمنية ... مالي على الدهر سواها اقتراح
لم يثنني عن أمل ما جرى ... قد يرقع الخرق وتوسى الجراح
فاشحذ بحسن الرأي عزمي يرع ... منه العدا بكل شاكي السلاح
واشفع فللشافع نعمى بما ... تمر من عقد وثيق النواح
إن سحاب الأفق منها الحيا ... والحمد في تأليفها للرياح وكان القاضي أبو بكر ابن ذكوان، أجل من اشتمل عليه أوان، مجداً وشرفاً، وتفننا في العلم وتصرفاً، مع دعابة حين خلواته تحل حبى المحتبي، ورقاعة عند نشواته كالتنوخي والمهلبي؛ فإذا أصبحوا بكر أبو بكر إلى مصادرة ما يتجه عليه الحكم ومواجهته، وأنكر ما كان عليه من فكاهته، فكأنما في برديه الأنام، وكأنه وقاراً يذبل أو شمام، مع عدله فيقضائه، وإنفاذ الحكم بمقتضى الحق وإمضائه. حتى إذا راح
стр. 418
الرواح عادوا إلى القصف، وتجاوزوا في ميدانهم كل وصف. إلى أن اختلس أبو بكر منهما، وتقلص ذيل مؤانسته عنهما، فاعتاضا عنه بسواه، وأفاضا فيما كانا فيه وما تعدياه.
واتفق أن مر بقبره في لمة من أخوانه، وجماعة من عمار ميدانه، فعطفوا عليه مسلمين ووقفوا عليه متألمين، فقال أبو الوليد:
ما أقبح الدنيا خلاف مودع ... غنيت به في حسنها تختال
يا قبره العطر الثرى لا يبعدن ... حلو من الفتيان فيك حلال
ما أنت إلا الجفن أصبح طيه ... نصل عليه من الشباب صقال
يا من شأى الأمثال منه واحد ... ضربت به في السؤدد الأمثال
نقصت حياتك حين فضلك كامل ... هلا استضاف إلى الكمال كمال
زرناك لم تأذن كأنك غافل ... ما كان منك لواجب إغفال
أين الحفاوة روضها غض الجنى ... أين الطلاقة ماؤها سلسال
هيهات لا عهد كعهدك عائد ... إذ أنت في وجه الزمان جمال
فاذهب ذهاب البرء أعقبه الضنى ... والأمن وافت بعده الأوجال
حيا الحيا مثواك وامتدت على ... ضاحي ثراك من النعيم ظلال
وإذا النسيم اعتل فاعتامت به ... ساحاتك الغدوات والآصال
ولئن أذالك بعد طول صيانةٍ ... قدر فكل مصونة ستدال وله:
على دارة الشرقي مني تحية ... زكت وعلى وداي العقيق سلام
ولا زال روض بالرصافة ضاحك ... بأرجائها يبكي عليه غمام
معاهد لهو لم تزل في ظلالها ... تدار علينا للسرور مدام
زمان رياض العيش خضر نواعم ... ترف وأمواه النعيم جمام
فإن بان مني عهدها فبلوعةٍ ... يشب لها بين الضلوع ضرام
стр. 419
ومن اجلها أدعو لقرطبة المنى ... بسقيا ضعيف الطل وهو رهام
فما لحقت تلك الليالي ملامة ... ولا ذم من ذاك الحبيب ذمام وله:
خليلي لا فطر يسر ولا أضحى ... فما حال من أمسى مشوقاً كما أضحى
لئن شاقني شرق العقاب فلم أزل ... أخص بمخصوص الهوى ذلك السفحا
وما انفك جوفي الرصافة مشعري ... دواعي بث تعقب الأسف البرحا
ويهتاج قصر الفارسي صبابة ... لقلبي لا تألو زناد الأسى قدحا
وليس ذميماً عهد مجلس ناصح ... فأقبل في فرط الولوع به نصحا
كأني لم أشهد لدى عين شهدةٍ ... نزال عتاب كان آخره الفتحا
وقائع جانيها التجني فإن مشى ... سفير خضوعٍ بيننا أكد الصلحا
وأيام وصل بالعقيق اقتضيتها ... فإن لا يكن ميعاده العيد فالفصحا
معاهد لذات وأوطان صبوةٍ ... أجلت المعلى في الأماني بها قدحا
ألا هل إلى الزهراء أوبة نازحٍ ... تقضت مبانيها مدامعه نزحاً!
مقاصر ملك أشرقت جنباتها ... فخلنا العشاء الجون أثناءها صبحا
محل ارتياح يذكر الخلد طيبه ... إذا عز أن يصدى الفتى فيه أو يضحى
هناك الجمام الزرق تندى حفافها ... ظلال عهدت الدهر فيها فتىً سمحا
تعوضت من شدو القيان خلالها ... صدى فلوات قد أطار الكرى ضبحا
ومن حملي الكأس المفدى مديرها ... تقحم أهوال حملت لها الرمحا وله يرثي:
стр. 420
أعباد يا أوفى الملوك لقد عدا ... عليك زمان من سجيته الغدر
فهلا عداه أن علياك حليه ... وذكراك في أردان أيامه عطر
أأنفس نفس في الورى أقصد الردى ... وأخطر علق للهدى أفقد الدهر
فهل علم الشلو المقدس أنني ... مسوغ حال ضل في كنهها الفكر
وأن متاني لم يضعه محمد ... خليفتك العدل الرضا وابنك البر
وأرغم في بري أنوف عصابةٍ ... لقاؤهم جهم ومنظرهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حيوة ... وقام سماطاً حفله فلي الصدر ومما أغفل ابن بسام من نسيب أبي الوليد الصحيح الأقسام، النازح عن الأطماع والأوهام، المصدق قول الجعفرية فيما ينص من الإلهام، قوله:
لئن قهر اليأس فيك الأمل ... وحال تجنيك دون الحيل
وناجاك بالإفك في الحسود ... فأعطيته جهرة ما سأل
وراقك سحر العدا المفترى ... وغرك زورهم المفتعل
وأقبلتهم في وجه القبول ... وقابلهم بشرك المقتبل
فإن ذمام الهوى لن أزال ... أبقيه حفظاً كما لم أزل
فديتك إن تعجلي بالوفاءفقد يهب الريث بعض العجل ...
علام اطبتك دواعي القلى ... وفيم نهتك نواهي العذل
ألم أوثر الصبر كيما أخف ... ألم أكثر الهجر كيلا أمل
ألم أرض منك بغير الرضى ... وأبدي السرور بما لم أنل
ألم أغتفر موبقات الذنو ... ب عمداً أتيت بها أم زلل
وما ساء ظني في أن يسيء ... بي الفعل حسنك حتى فعل
على حين أصبحت حسب الضمير ... ولم تبغ منك الأماني بدل
وصانك مني وفي أبي ... لعلق العلاقة أن يبتذل
سعيت لتكدير عهد صفا ... وحاولت نقض وداد كمل
стр. 421
فما عوفيت مقتي من أذى ... ولا أعفيت ثقتي من خجل
ومهما هززت إليك العتا ... ب ظاهرت بين ضروب العلل
كأنك ناظرت أهل الكلام ... وأوتيت فهماً بعلم الجدل
ولو شئت راجعت حر الفعال ... وعدت لتلك السجايا الأول
فلم يك حظي منك الأخس ... ولا عد سهمي فيك الأقل
عليك السلام سلام الوداع ... وداع هوىص مات قبل الأجل
وما باختياري تسليت عنك ... ولكنني مكره لا بطل
ولم يدر قلبي كيف النزوع ... إلى أن رأى سيرة فامتثل
وليت الذي قاد عفواً إليك ... أبي الهوى في عنان الغزل
يحيل عذوبة ذاك اللمى ... ويشفي من السقم تلك المقل وقوله أيضاً:
فديتك ليس لي قلب فأسلو ... ولا نفس فآنف إن حفيت
فإن يكن الهوى داء مميتاً ... لمن يهوى فإني مستميت
أسر عليك عتباً ليس يبقى ... وأضمر فيك غيظاً لا يبيت
وما ردي على الواشين إلا ... رضيت بحب قاتلي رضيت وقوله:
أنى أضيع عهدك ... أم كيف أخلف وعدك -
وقد رأتك الأماني ... رضىً فلم تتعدك
يا ليت ما لك عندي ... من الهوى ما لي عندك
وطال ليلك بعدي ... كطول ليلي بعدك
سلي حياتي أهبها ... فلست أملك ردك
الدهر عبدي لما ... أصبحت في الحب عبدك
стр. 422
ولأبي بكر بن عمار يخاطب أبا الوليد ابن زيدون، رحمهما الله:
كيف اعتززت على الدليل ... وقطعت أسباب الوصول -
وقتلتني وزعمت أن ... الذنب منا للقتيل
وعليك جاهدت العدا ... وإليك ملت عن العذول
يا قاتلي ودمي بصف ... حة خده أهدى دليل
ما أليق الفعل الجمي ... ل بذلك الوجه الجميل
أبرزت في خلق الكري ... م وراءه خلق البخيل
ودعوتني حتى أجب ... تك ثم حدت عن السبيل
جد بالقليل فإن نف ... سي منك تقنع بالقليل
واذكر على زمن قطع ... ناه بصافية شمول
إذ نسحب الأذيال ما ... بين الخليج إلى النخيل
ونحل من سيف الغدي ... ر بقبة الظل الظليل
والروض ممطور تنم ... عليه أنفاس القبول
والشمس ترمقنا خلا ... ل الغيم عن طرف كليل
إبان يحدو الرعد من ... ورق السحائب كالحمول
ويهز كف البرق في ال ... آفاق مرهفة النصول
زمن ستبكيه الحما ... م معي وتذهل عن هديل
يا برق أد رسالتي ... تفديك نفسي من رسول
عرج بشلب محيياً ... ما شئت من تلك الطلول
والمع على شرفات حم ... ص قرارة الشرف الأثيل
فإذا اجتلاك أبو الولي ... د بناظر اليقظ النبيل
فاقرأه من قلبي سلا ... ماً يقتضي حسن القبول
يا غرة الزمن البهي ... م وعزة الأدب الذليل
ومحكم القلم القصي ... ر على شبا الرمح الطويل
стр. 423
أعلمت أني خادم ... ذكراك بالشكر الجزيل
لم أستحل عما عهد ... ت مع الزمان المستحيل
أشفع عنايتك الجلي ... لة لي لدى الملك الجليل
ولئن أجبت لراغبٍ ... وأقلت عثرة مستقيل
فلكم أتيت بمثلها ... وهي الصنيعة في مثيلي
يا أنس بدر في الظلا ... م وبرد ظل في المقيل وله يتغزل في ولادة:
يا نازحاً وضمير القلب مثواه ... أنستك دنياك عبداً أنت مولاه
ألهتك عنه فكاهات تلذ بها ... فليس يجري ببال منك ذكراه
عل الليالي تبقيني إلى أجل ... الدهر يعلم والأيام معناه وله يتشوق إليها:
غريب بأقصى الشرق يشكر للصبا ... تحملها منه السلام إلى الغرب
وما ضر أنفاس الصبا في احتمالها ... سلام فتى يهديه جسم إلى قلب وله:
أيوحشني الزمان وأنت أنسي ... ويظلم لي النهار وأنت شمسي -
وأغرس في محبتك الأماني ... فأجني الموت من ثمرات غرسي -
لقد جازيت هجراً عن وفاء ... وبعت مودتي ظلماً ببخس
ولو أن الزمان أطاع حكمي ... فديتك من مكارهه بنفسي
стр. 424
وله:
ولقد شكوتك الهوى ... ودعوت من حنق عليك فأمنا
منيت نفسي من هواك بضلة ... ولقد تغر المرء بارقة المنى " وله يتغزل، ويعاتب من يستعطف ويستنزل ":
يا مستخفاً بعاشقيه ... ومستغيثاً لناصحه
ومن أطاع الوشاة فينا ... حتى أطعنا السلو فيه
الحمد لله إذ أراني ... تكذيب ما كنت تدعيه وكتب عن المعتضد إلى صهره الموفق أبي الجيس بن مجاهد:
عرفت عرف الصبا إذ هب عاطره ... من أفق من أنا فيقلبي أشاطره
أراد تجديد ذكراه على شحط ... وما تيقن أني الدهر ذاكره
نأى المزار به والدار دانية ... يا حبذا الفأل لو صحت زواجره
خلي أبا الجيش هل يقضى اللقاء لنا ... فيشتفي منك قلب أنت هاجره
стр. 425
@بعض خبر ولادة
قال ابن بسام: وأما ولادة التي ذكرها أبو الوليد بن زيدون في شعره فإنها بنت محمد بن عبد الرحمن الناصري. وكانت في نساء أهل زمانها، واحدة أقرانها، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر. وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها؛ تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب. على أنها - سمح الله لها. وتغمد زللها - اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل، بقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها. كتبت - زعموا - على أحد عاتقي ثوبها:
أنا والله أصلح للمعالي ... وأمشي مشيتي وأتيه تيها وكتبت على الآخر:
следующие страницы →