Полный текст (3 281 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فما عوفيت مقتي من أذى ... ولا أعفيت ثقتي من خجل
ومهما هززت إليك العتا ... ب ظاهرت بين ضروب العلل
كأنك ناظرت أهل الكلام ... وأوتيت فهماً بعلم الجدل
ولو شئت راجعت حر الفعال ... وعدت لتلك السجايا الأول
فلم يك حظي منك الأخس ... ولا عد سهمي فيك الأقل
عليك السلام سلام الوداع ... وداع هوىص مات قبل الأجل
وما باختياري تسليت عنك ... ولكنني مكره لا بطل
ولم يدر قلبي كيف النزوع ... إلى أن رأى سيرة فامتثل
وليت الذي قاد عفواً إليك ... أبي الهوى في عنان الغزل
يحيل عذوبة ذاك اللمى ... ويشفي من السقم تلك المقل وقوله أيضاً:
فديتك ليس لي قلب فأسلو ... ولا نفس فآنف إن حفيت
فإن يكن الهوى داء مميتاً ... لمن يهوى فإني مستميت
أسر عليك عتباً ليس يبقى ... وأضمر فيك غيظاً لا يبيت
وما ردي على الواشين إلا ... رضيت بحب قاتلي رضيت وقوله:
أنى أضيع عهدك ... أم كيف أخلف وعدك -
وقد رأتك الأماني ... رضىً فلم تتعدك
يا ليت ما لك عندي ... من الهوى ما لي عندك
وطال ليلك بعدي ... كطول ليلي بعدك
سلي حياتي أهبها ... فلست أملك ردك
الدهر عبدي لما ... أصبحت في الحب عبدك
стр. 422
ولأبي بكر بن عمار يخاطب أبا الوليد ابن زيدون، رحمهما الله:
كيف اعتززت على الدليل ... وقطعت أسباب الوصول -
وقتلتني وزعمت أن ... الذنب منا للقتيل
وعليك جاهدت العدا ... وإليك ملت عن العذول
يا قاتلي ودمي بصف ... حة خده أهدى دليل
ما أليق الفعل الجمي ... ل بذلك الوجه الجميل
أبرزت في خلق الكري ... م وراءه خلق البخيل
ودعوتني حتى أجب ... تك ثم حدت عن السبيل
جد بالقليل فإن نف ... سي منك تقنع بالقليل
واذكر على زمن قطع ... ناه بصافية شمول
إذ نسحب الأذيال ما ... بين الخليج إلى النخيل
ونحل من سيف الغدي ... ر بقبة الظل الظليل
والروض ممطور تنم ... عليه أنفاس القبول
والشمس ترمقنا خلا ... ل الغيم عن طرف كليل
إبان يحدو الرعد من ... ورق السحائب كالحمول
ويهز كف البرق في ال ... آفاق مرهفة النصول
زمن ستبكيه الحما ... م معي وتذهل عن هديل
يا برق أد رسالتي ... تفديك نفسي من رسول
عرج بشلب محيياً ... ما شئت من تلك الطلول
والمع على شرفات حم ... ص قرارة الشرف الأثيل
فإذا اجتلاك أبو الولي ... د بناظر اليقظ النبيل
فاقرأه من قلبي سلا ... ماً يقتضي حسن القبول
يا غرة الزمن البهي ... م وعزة الأدب الذليل
ومحكم القلم القصي ... ر على شبا الرمح الطويل
стр. 423
أعلمت أني خادم ... ذكراك بالشكر الجزيل
لم أستحل عما عهد ... ت مع الزمان المستحيل
أشفع عنايتك الجلي ... لة لي لدى الملك الجليل
ولئن أجبت لراغبٍ ... وأقلت عثرة مستقيل
فلكم أتيت بمثلها ... وهي الصنيعة في مثيلي
يا أنس بدر في الظلا ... م وبرد ظل في المقيل وله يتغزل في ولادة:
يا نازحاً وضمير القلب مثواه ... أنستك دنياك عبداً أنت مولاه
ألهتك عنه فكاهات تلذ بها ... فليس يجري ببال منك ذكراه
عل الليالي تبقيني إلى أجل ... الدهر يعلم والأيام معناه وله يتشوق إليها:
غريب بأقصى الشرق يشكر للصبا ... تحملها منه السلام إلى الغرب
وما ضر أنفاس الصبا في احتمالها ... سلام فتى يهديه جسم إلى قلب وله:
أيوحشني الزمان وأنت أنسي ... ويظلم لي النهار وأنت شمسي -
وأغرس في محبتك الأماني ... فأجني الموت من ثمرات غرسي -
لقد جازيت هجراً عن وفاء ... وبعت مودتي ظلماً ببخس
ولو أن الزمان أطاع حكمي ... فديتك من مكارهه بنفسي
стр. 424
وله:
ولقد شكوتك الهوى ... ودعوت من حنق عليك فأمنا
منيت نفسي من هواك بضلة ... ولقد تغر المرء بارقة المنى " وله يتغزل، ويعاتب من يستعطف ويستنزل ":
يا مستخفاً بعاشقيه ... ومستغيثاً لناصحه
ومن أطاع الوشاة فينا ... حتى أطعنا السلو فيه
الحمد لله إذ أراني ... تكذيب ما كنت تدعيه وكتب عن المعتضد إلى صهره الموفق أبي الجيس بن مجاهد:
عرفت عرف الصبا إذ هب عاطره ... من أفق من أنا فيقلبي أشاطره
أراد تجديد ذكراه على شحط ... وما تيقن أني الدهر ذاكره
نأى المزار به والدار دانية ... يا حبذا الفأل لو صحت زواجره
خلي أبا الجيش هل يقضى اللقاء لنا ... فيشتفي منك قلب أنت هاجره
стр. 425
@بعض خبر ولادة
قال ابن بسام: وأما ولادة التي ذكرها أبو الوليد بن زيدون في شعره فإنها بنت محمد بن عبد الرحمن الناصري. وكانت في نساء أهل زمانها، واحدة أقرانها، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر. وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها؛ تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب. على أنها - سمح الله لها. وتغمد زللها - اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل، بقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها. كتبت - زعموا - على أحد عاتقي ثوبها:
أنا والله أصلح للمعالي ... وأمشي مشيتي وأتيه تيها وكتبت على الآخر:
стр. 426
وأمكن عاشقي من صحن خدي ... وأعطي قبلتي من يشتهيها هكذا وجدت هذا الخبر، وأبرأ إلى الله من عهدة ناقليه، وإلى الأدب من غلط النقل إن كان وقع فيه.
ولها مع أبي الوليد بن زيدون أخبار طوال وقصار، يفوت إحصاؤها ويشق استقصاؤها.
قال أبو الوليد: كنت في أيام الشباب، وغمرة التصاب، هائماً بغادة، تدعى ولادة، فلما قدر اللقاء، وساعد القضاء، كتبت إليّ:
ترقب إذا جن الظلام زيارتي ... فإني رأيت الليل أكتم للسر
وبي منك ما لو كان بالبدر ما بدا ... وبالليل ما أدجى وبالنجم لم يسر فلما طوى النهار كافوره، ونشر الليل عنبره، أقبلت بقد كالقضيب، وردف كالكثيب، وقد أطبقت نرجس المقل، على ورد الخجل، فملنا إلى روض مدبج، وظل سجسج، قد قامت رايات أشجاره، وفاضت سلاسل أنهاره، ودر الطل منثور، وجيب الراح مزرور، فلما شببنا نارها، وأدركت فينا ثارها، باح كل منا بحبه، وشكا أليم ما بقلبه، وبتنا بليلة أقحوان الثغور، ونقطف رمان الصدور. فلما انفصلت عنها صباحاً، أنشدتها ارتياحاً:
стр. 427
ودع الصبر محب ودعك ... ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطى إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسناً ... حفظ الله زماناً أطلعك
أن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك قال أبو الوليد: وكانت عتبة قد غنتنا:
أحبتنا إني بلغت مؤملي ... وساعدني دهري وواصلني حبي
وجاء يهنيني البشير بقربه ... فأعطيته نفسي وزدت له قلبي فسألتها الإعادة، بغير أمر ولادة، فخبا منها برق التبسم، وبدا عارض التجهم، وعاتبت عتبة، فقلت:
وما ضربت عتبى لذنب أتت به ... ولكنما ولادة تشتهي ضربي
فقامت تجر الذيل عاثرة به ... وتمسح طل الدمع بالعنم الرطب فبتنا على العتاب، في غير اصطحاب، ودم المدام مسفوك، ومأخذ اللهو متروك. فلما قامت خطباء الأطيار، على منابر الأشجار، وأنفت من الاعتراف، وباكرت إلى الانصراف، وشت بمسك الأنقاس، على كافور الأطراس:
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا ... لم تهو جاريتي ولم تتخير
стр. 428
وتركت غصناً مثمراً بجماله ... وجنحت للغصن الذي لم يثمر
[ولقد علمت بأنني بدر السما ... ولكن دهيت لشقوتي بالمشتري] وأما ذكاء خاطرها، وحرارة نوادرها، فآية من آيات فاطرها: مرت بالوزير أبي عامر ابن عبدوس - المتقدم الذكر - وكان بقرطبة أحد أعيان المصر، وبعض من هذى باسمها، وتصرف على حكمها، وأمام داره بركة دائمة تتولد عن كثرة الأمطار، وربماً استمدت بشيء مما هنالك من الأقذار، وقد نشر أبو عامر كميه، ونظر في عطفيه، وحشر أعوانه إليه، فقالت له: أبا عامر:
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر فتركته لا يحير حرفاً، ولا يرد طرفا.
وطال عمرها وعمر أبي عامر حتى أربيا على الثمانين، وهو لا يدع مواصلتها، ولا يغفل مراسلتها. وتحيف هذا الدهر المستطيل حال ولادة، فكان يحمل كلها، ويرقع ظلها، على جدب واديه، وجمود روائحه وغواديه، أثراً جميلاً أبقاه، وطلقاً من الظرف جرى إليه حتى استوفاه.
وكانت - زعموا - تقرض أبياتاً من الشعر، وقد قرأت أشياء منه في بعض التعاليق، أضربت عن ذكره، وطويته بأسره، لأن أكثره هجاء وليس له عندي إعادة ولا إبداء، ولا من كتابي أرض ولا سماء.
стр. 429
ونشير هاهنا أيضاً إلى شيء من أخبار أبيها المستكفي مداً لأطناب الآداب، ووفاء بشرط الكتاب.
@التعريف بمحمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله الناصري
@والد ولادة
قال أبو حيان: بويع محمد بن عبد الرحمن الناصري، يوم قتل عبد الرحمن المستظهر يوم السبت لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة، فتسمى بالمستكفي بالله، اسماً ذكر له فاختاره لنفسه، وحكم به سوء الاتفاق عليه، لمشاكلته لعبد الله المستكفي العباسي - أول من تسمى به - في أفنه ووهنه وتخلفه وضعفه، بل كان هذا زائداً عليه في ذلك، مقصراً عن خلال ملوكية كانت في المستكفي سميه، لم يحسنها محمد هذا لفرط تخلفه، على اشتباههما في سائر ذلك كله: من توثبهما في الفتنة، واستظهارهما بالفسقة، واعتداء كل واحد منهما على ابن عم ذي رحم ماسة، وتوسط كل واحد منهما في شأنه بامرأة خبيثة، فلذلك حسناء الشيرازية، ولهذا بنت سكرى المورورية فأصبحا في ذلك على فرط التنائي عبرة.
وقال صاحب كتاب نقط العروس: ومن العجب اتفاقهما في الأخلاق
стр. 430
وفي العمر واللقب، وأن كل واحد منهما خلع عن الأمر، وكل واحد منهما تركه أبوه صغيراً.
قال أبو حيان: ولم يكن هذا المستكفي من هذا الأمر في ورد ولا صدر، إنما أرسله الله تعالى على أهل قرطبة محبة وبلية، إذ كان منذ عرف غفلاً عطلاً منقطعاً إلى البطالة، مجبولاً على الجهالة، عاطلاً من كل خلة تدل على فضيلة، عضته الفتنة فأملق حتى استجاز طلب الصدقة. رأيته أيام الخسف بأهل بيته في الدولة الحمودية، ولم يكن ممن لحقه الاعتقال لتحقير أمره، يقصد أهل الفلاحة أوان ضمهم لغلاتهم يسألهم من زكاتها تكليماً ومخاطبة.
وبالجملة في تلخيص التعريف بأمره أن أجمع أهل التحصيل أنه لم يجلس في الإمارة مدة تلك الفتنة أسقط منه ولا أنقض، إذ لم يزل معروفاً بالتخلف والركاكة، مشتهراً بالشرب والبطالة، سقيم السر والعلانية، أسير الشهوة، عاهر الخلوة، ضداً لقتيله عبد الرحمن المستظهر في اللب والمعرفة. وكان افتتح هذه السنة المؤرخة القاسم بن حمود بخلافته، واختتمها هذا المستكفي المذكور. وكان بينهما عبد الرحمن المستظهر القتيل، فتصرمت تلك السنة النكدة عن ثلاثة خلفاء، وهذا من غريب الأنباء، ولله البقاء السرمدي.
وقلد هذا المستكفي الأمر ولم يكن من أهله، فتلقى جميع الناس بالإيناس، واستمالهم بالأهوية، ورأى أن المال عزيز، فظن البشر الرخيص يقوم مقامه أو ينوب منابه، فكان يقول للناس أجمعين: ارتعوا
стр. 431
كيف شئتم، وتسموا بما أحببتم من الخطط. فتسمى بالوزارة في أيامه مفردةً ومثناة أراذل الدائرة، وأخابث النظار، فضلاً عن زعانف الكتاب والخدمة. وأما الشرطة العليا وما دونها من رفيع المنازل فحملها كثير من التجار والعامة، وانثال الناس على ابتغاء هذه المنازل عند السلطان بالطماعية في كرة الدولة، فغشوا بابه، وعمروا فناءه، وتعللوا بالمنى. فلما استبانوا ضعفه رفضوا خططهم، وتبرأ كثير منهم منها، وأقسم أنه لم يتقلدها، ولا سيما عند تكرر التقسيط عليهم للغرامة عند إلحاح الإضاف، فجرت لبعضهم عند الانتفاء عن تلك الخطط نوادر ظريفة مضحكة؛ وانتهى هذا التنويه العام، بهذا الملك الهمام، إلى أن فضه أيضاً في طبقات أهل العلم، فأسهم منهم الفقهاء، فآثر العلية منهم المشاورين أصحاب الفتوى بالإرقاء إلى خطة الوزارة، خالطاً بهم فيها من ذكرناه من زعانف الخدمة، وكبار الدائرة النظار. وجاءوا في ذلك بطامة لم تسمع في الأعصر الخالية، فأخطأوا وألحقوا بالدين وصمةً، وطلبوا زيادة المعتلي على العامة، ففتنوا بهذه الخطة، وشدوا أيديهم عليها، وهجروا من حطهم في الخطاب عنها، معرضين بما يعاب من ذلك، إلى أن مضوا بسبيلهم. وارتقى المستكفي أيضاً بكثير ممن يحمل المحابر، ويدرس مسائل الدفاتر، من أصاغر الطبقة الفقهية، إلى ما بلغت عليتهم من منزلة الشورى، فوسم كافتهم بوسم الفتوى، فأسرف في ذلك حتى
стр. 432
بلغ عددهم بقرطبة يومئذ إلى الأربعين، وذلك ما لم يعهد في الغابرين.
وكثر الإرجاف بتغيير رجال الدائرة، فاضطربت قرطبة لكثرة من كان فيها من المردة، فقبض على جماعة من بني عمه وحاشيته، منهم علي بن أحمد بن حزم، وعبد الوهاب ابن عمه المتقدما الذكر، سجنوا بالمطبق، ثم عاجل المستكفي ابن عمه عبد العزيز العراقي، فخنق وأمسى ميتاً ونعاه إلى الناس، فلم يخف عليهم اغتياله.
وفي أيام المستكفي هذا استؤصل بقية قصوره جده الناصر بالخراب، وطمست أعلام قصر الزهراء، واقتلع نحاس الأبواب ورصاص القني، وغير ذلك من الآلات. فطوي بخرابها بساط الدنيا، وتغير حسنها، إذ كانت جنة الأرض، فعدا عليها قبل تمام المائة من كان أضعف قوة من فأرة المسك، وأوهن بنية من بعوضة النمرود، والله يسلط جنوده على من يشاء، له العزة والجبروت.
فلما كانت سنة ست عشرة وتحرك يحيى بن حمود إلى قرطبة، وضعف أمر المستكفي، اتفق الملأ على خلعه، فدخلوا عليه وقالوا له: قد علم الله اجتهادنا في تثبيتك، فاعتاص ذلك علينا، واضطررنا إلى مقارعة عدونا، وها نحن خارجون إليه، ولا ندري ما يحدث عليك بعدنا، فإن تك لك الكرة فلا تيأس، فمع اليوم غد. فأجمل الرد، وانقاد للدنية
стр. 433
واستشعر الذل، واهتبل الغرة، وعزم على الهروب. فخرج على وجهه وقد لبس ثياب الغانيات منتقباً بين امرأتين لم يميز منهما لمرانته على التخنيث. وخرج عن قرطبة فمات بأقليش، فكانت دولته سبعة عشر شهراً صعاباً نكدات، سوداً مشوهات مشؤومات؛ انتهى ما لخصته في حديثه من كلام ابن حيان.
@فصل في ذكر الأديب أبي عبد الله محمد بن سليمان بن الحناط
@الكفيف وسياقة جملة من نثره ونظمه
[قال ابن بسام] : وأبو عبد الله بن الحناط هذا زعيم من زعماء العصر - كان - ورئيس من رؤساء النظم والنثر في ذلك الأوان، وجمرة فهم لفحت وجوه الأيام، وغمرة علم سالت بأعلام الأنام، فكم له من وقذة لا يبر أميمها، ونكزةٍ لا يسلم سليمها. وكانت بينه وبين أبي عامر بن شهيد بعد تمسكه بأسبابه. وانحاشيه - كان - إلى جنابه، مناقضات في عدة رسائل وقصائد أشرقت أبا عامر بالماء، وأخذت عليه بفروج الهواء، وقد أوردت من ذلك ما يكون أنطق لسان بنباهة ذكره، وأعدل شاهد على براعة قدره.
стр. 434
وقد ذكره ابن حيان في فصل من كتابه فقال: وفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة نعي إلينا أبو عبد الله محمد بن سليمان بن الحناط الشاعر الضرير القرطبي، بقية الأدباء النحارير في الشعر، هلك بالجزيرة الخضراء في كنف الأمير محمد بن القاسم، وهلك إثره ابنه الذي لم يكن له سواه بمالقة فاجتث أصله. وكان من أوسع الناس علماً بعلوم الجاهلية والإسلام، بصيراً بالآثار العلوية، عالماً بالأفلاك والهيئة، حاذفاً بالطب والفلسفة، ماهراً في العربية والآداب الإسلامية، وسائر التعاليم الأوائلية؛ من رجل موهن في دينه، مضطرب في تدبيره، سيء الظن بمعارفه، شديد الحذر على نفسه، فاسد التوهم في ذاته، عجيب الشأن في تفاوت أحواله، ولد أعشى الحملاق، ضعيف البصر، متوقد الخاطر، فقرأ كثيراص في حال عشاه، ثم طفئ نور عينيه بالكلية، فازداد براعةً، ونظر في الطب بعد ذلك فأنجح علاجاً. وكان ابنه يصف له مياه الناس المستفتين عنده، فيهتدي منها إلى ما لا يهتدي له البصير، ولا يخطئ الصواب في فتواه ببراعة الاستنباط؛ وتطبب عنده الأعيان والملوك والخاصة، فاعترف له بمنافع جسيمة، وله مع ذلك أخبار كثيرة مأثورة.
@جملة من نثره
فصل له من رقعة خاطب بها ابن دري: حنانيك أيها الغيث الهطل، ولبيك أيها الروض الخضل، فإنه طلع علينا من رعين رائد رتع بروضك، وكرع في حوضك؛ هز بك عطف الشعر، فمد إليك طرفه، وثنى إليك عنان الشكر، فحث نحوك طرفه.
стр. 435
وكان فلان ذو الخلق العميم، والخلق الكريم - ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ (الحديد: ٢١) يتحفنا من ذكرك بنافجة مسك، ويخبرنا بخبرك عن واسطة سلك، وتعرف مواقع الغيث برواده. فعن مقة نزعنا إليك فاجتهدنا، وعن ثقة نبهنا لها عمر ثم نمنا، وما حركنا من أدبك ساكناً، ولا أثرنا من كرمك كامناً، غير أن الجمر يحش على ذكائه، والنصل يهز على مضائه، فدونكها قد حبر الحبر تطريزها، وإليكها قد خلص الفكر إبريزها، تتلفع منها في حلة ثناء، وتتوج منها إكليل بهاء، يخال مدادها من بهيم الليل صنع، ويحسب رقها من أديم الصبح قطع. أرسلناها كافورةً بمسك موسومة، وأهديناها درة بياقوت مختومة، وأقدم أولاً الإعتراف بالتقصير، وأذعن في الكف عن التعبير، إذ أهديت الدرغلى منظمه، وخلعت الوشي على منمنمه.
وله من أخرى:
الإسهاب كلفة، والإيجاز حكمة، وخواطر الألباب سهام، يصاب بها أغراض الكلام؛ وأخونا أبو عامر يسهب نثراً، ويطول نظماً، شامخاً بأنفه، ثانياً من عطفه، متخيلاً أنه قد أحرز السباق في الآداب، وأوتي
стр. 436
فصل الخطاب، فهو يستقصر أساتيذ الأدباء، ويستجهل شيوخ العلماء:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس وفي فصل منها: في ليلة بتها، والكف الخضب سوارها البدر، والشعرى العبور وشحها النسر، وكأنما سماؤها روضة تفتحت النجوم وسطها زهراً، وتفجرت المجرة خلالها نهراً، وادٍ يسيل بعسجد على رضراض زبرجد. فلما أصبت الغرة، وأقصدت الثغرة، تقلبت عراراً، وتناومت غراراً، حتى أنبهني الفجر ببرده، وسربلني الصباح ببرده، وهببت من النومة، وصحوت من النشوة، فزففتها إليك بنت ليلتها عذراء، وجلوتها عليك كريمة فكرتها حسناء. تتلفع بحبرة حبر، وتتبختر في شعار شعر، مؤتلف بين رقها ومدادها، ومجتمع في بياضها وسوادها: الليلاذا عسعس، والصبح إذا تنفس؛ وقعتها كافور نمنم بمسك، وختامها ياقوت نظم في سلك، فتحسب خطها تيم لفظها فشكا، وتخال القلم رق لما به فبكى، فأنشدها أخاك الشهيدي، وكلفه على العروض والقافية معارضتها، وحمله على اللين والشدة مقارضتها، فستوقد بقلبه قبساً، وتضرب في أذنه جرساً، فيتبين به حظه، ويعرف لغيره فضله، وختم الرقعة بهذه الأبيات:
أقصر عن لومي اللائم ... لما درى أنني هائم
стр. 437
ما زلت في حبه منصفاً ... من لم يزل وهو لي ظالم
أسهر ليلي غراماً به ... وهو أخو سلوة نائم
مهفهف ماس في برده ... غصن ثنته الصبا ناعم
شمس ولكنما فرعها ... ليل على صبحها فاحم
إن ابن ذكوان ذو راحة ... كديمة صوبها دائم
لم يأتلق برقها خلباً ... ولا اتقى خلفه الشائم
ومن أبوه أبو حاتم ... قصر عن جوده حاتم
يبني العلا بالندى جاهداً ... وغيره للعلا هادم
محكك حول قلب ... محنك حازم عازم
تبصره دهره قاعداً ... وهو بأعبائه قائم
إذا انتضى سيفه معلماً ... لم تدر أيهما الصارم
من لم يكن شاعراً عالماً ... فإنني الشاعر العالم
البدر في أخمصي شسعة ... والشمس في خنصري خاتم
الدر لو بلغوه المنى ... نظمه في فمي الناظم قوله: " لم تدر أيهما الصارم "، كقول حسان بن المصيصي:
قوم يمانون إن سلوا يمانيةً ... لم تعرف السيف في الهيجا من الرجل وقال عبد الجليل:
شبيه ما اعتقلوه من ذوابلهم ... فالحرب جاهلة من منهم الأسل
стр. 438
ولابن عبد ربه:
إذا أدارت بنانه قلماً ... لم تدر للشبه أيها القلم وقال بعض أهل العصر:
بها نخيل والأبطال والبيض والقنا ... سواء بحكم العين والأذن واللب
فلا فرق إلا أن يهب بها الردى ... فيعرف أن الفضل للرجل الندب وقال أبو الطيب:
همام إذا ما فارق السيف غمده ... وعاينته لم تدر أيهما النصل وكرره في موضع آخر فقال:
قلوبهم في مضاء ما امتشقوا ... قاماتهم في قوام ما اعتقلوا وهو من متداولات المعاني. وإنما نقلوا كلهم بيت الحماني:
ما علق السيف منا بابن عاشرةٍ ... إلا وعزمته أمضى من السيف وكرره أيضاً الحماني فقال:
стр. 439
والسيف إن قسته يوماً بنا شبهاً ... في الروع لم تدر عزماً أينا السيف وله من رقعة طويلة بها المظفر بن الأفطس قال في أولها:
حجب الله عن الحاجب المظفر - مولاي وسيدي - أعين النائبات، وقبض دونه أيدي الحادثات، فإنه مذ كان أنور من الشمس ضياء، وأكمل من البدر بهاء، وأندى من الغيث كفاً، وأحمى من الليث أنفاً، وأسخى من البحر بناناً، وأمضى من النصل لساناً، وأنجبه المنصور فجرى على سننه، وأدبه فأخذ بسننه، وكانت الرياسة عليه موقوفة، والسياسة إليه مصروفة، قصرت الأوهام عن كنه فضله، وعجزت الأقلام عن وصف مثله، غير أن الفضائل لابد من نشرها، والمكارم لا عذر في ترك شكرها:
فالشكر للإنسان أربح متجرٍ ... لم يعدم الخسران من لم يشكر وله في فصل:
وردني كتاب كريم جعلته عوض يده البيضاء فقبلته، ولمحته بدل غرته الغراء فأجللته، كتاب ألقى عليه الحبر حبره، وأهدى إليه السحر فقره، أنذر ببلوغ المنى، وبشر بحصول الغنى، تخير له البيان فطبق مفصله، ورماه البنان فصادف مقتله: معارك آداب، ووقائع ألباب، سال المداد به نجيعاً، وجرى الغرض المجرى إليه صريعاً، ووصل معه المملوك والمملوكة اللذان سماهما هدية، وتنزه كرماً أن يقول
стр. 440
عطية؛ همة تزحم السماكين، ونعمة تملأ الأذن والعين.
ومنه:
كتبت على البعد مستجدياً ... لعلمي أنك لا تبخل
فجاء الرسول كما أشتهي ... وقد ساق فوق الذي آمل
وما كان وجهك ذاك الجميل ... ليفعل غير الذي يجمل وفي فصل:
وما حرك الحاجب - أيده الله - بكتابه ساكناً بحمده، ولا نبه نائماً عن قصده، كيف وقد طلعت الشمس التي صار بها المغرب شرقاً، وهبت الريح التي صار بها الحرمان رزقاً - صاحب لواء الحمد، وفارس ميدان المجد، طلاع كل ثنية، وفعال كل سنية، يسير صدر الجيش وهو ربه، ويتقلب فيه وهو قلبه، ولواء النصر عليه منشور، وفؤاد الكفر منه مذعور.
وفي رسالته هذه طول تصرف فيها في أنواع البديع، تصرف المطبوع، واندرج له في أثنائها عدة مقطوعات من شعره كقوله:
ومهفهف قلق الوشاح يروعه ... جرس السوار ويشتكي من ضيقه
وسنان خط المسك فوق عذاره ... لاماً فهمت الموت في تعريفه
стр. 441
مزج المدام بريقه لما سقى ... فسكرت من فمه ومن إبريقه وختم الرقعة بقصيدة هنأه فيها بخروجه من الأسر، منها قوله:
ولما أقال الله عثرتك التي ... قضى الله فيها بالنجاة وقدرا
تهللت الدنيا وأشرق نورها ... وأقبل سعد كان بالأمس أدبرا وسينخرط في سلك أخبار ابن عباد خبر إساره، وكيف خرج بدره من سراره، إن شاء الله.
@ما أخرجته من قصائد في المدح، وما يتشبث به
@من الأوصاف
له من قصيدة في علي بن حمود، أولها:
راحت تذكر بالنسيم الراحا ... وطفاء تكسر للجنوح جناحا
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها كي تهتدي مصباحا
وكأن صوت الرعد خلف سحابها ... حاد إذا ونت السحائب صاحا
جادت على التلعات فاكتست الربى ... حللاً أقام لها الربيع وشاحا
روض يحاكي الفاطمي شمائلاً ... طيباً ومزن قد حكاه سماحا
أعلي إن تعل الملوك فإنهم ... بهم جعلت أغرها الوضاحا
لما طلعت لها بكل ثنية ... أنسيتها المنصور والسفاحا
стр. 442
وله من أخرى [فيه] :
شقي بعدنا بالبعد من نعم نعمان ... وأوحش من لبنى على البعد لبنان
سقى القطر ما بين العقيق وضارج ... معارف فيها للأحبة عرفان
وحيا الحيا عهداً عهدناه باللوى ... لوى ديننا فيه صدود وهجران
ليالي روض الوصل فيهن ممرع ... وغصن الصبا إذ ذاك أخضر فينان
تدير علينا الراح فيها جآذر ... ويسكرنا باللحظ منهن غزلان
ولم أر مثلي كيف صار بقلبه ... من الوجد بركان وفي الجفن طوفان
ولا مثل هذا العدل كيف أعاده ... علي وقد مرت من الظلم أزمان وله من أخرى فيه أيضاً:
بكيت لها شجواً وهن الحمائم ... ينحن بلا دمع ودمعك ساجم
ولما علونا الحزن واعتسفت بنا ... رسوم الديار اليعملات الرواسم
لوينا بأعناق المطي إلى اللوى ... وقد علمتنا اللبث تلك المعالم
لئن أوحش الربع الذي كان آنساً ... وأقوت من الحي الرسوم الطواسم
فكم ليلة فيه وصلت نعيمها ... بأخرى وأنف الهجر بالوصل راغم
سقى منبت اللذات منها ابن هاشم ... إذا انهملت من راحتيه الغمائم
إمام أقام الدين حد حسامه ... طريراً ومنه في يد الله قائم
ويزهر في يمناه نور من الظبا ... له من رؤوس الدارعين كمائم وهذا البيت ينظر إلى قول المتنبي:
стр. 443
سقاك وحيانا بك الله إنما ... على العيس نور والخدور كمائمه وقال أبو بكر بن عمار:
ندامى وما غير السيوف أزاهر ... لديهم وما غير الغمود كمائم وكذلك البيت الذي قبله كقول المتنبي:
على عاتق الملك الأغر نجاده ... وفي يد جبار السموات قائمه وهو من قول حبيب:
لقد حان من يهدي سويداء قلبه ... لحد سنان في يد الله عامله وفي هذه القصيدة يقول ابن الحناط:
سيوف إذا اعتلت جهات ثغورها ... فمنهن في أعناقهن تمائم
بكل خميس طبق الجو نقعه ... وضيق مسراه الجياد الصلادم
كأن مثار النقع إثمد عينه ... وأشفار جفنيه الشفار الصوارم
تعد عليه الطير والوحش قوتها ... إذا سار والتفت عليه القشاعم وهذا المعنى قد تقدم منه جملة في مكانه، وذكرت من استن في ميدانه.
стр. 444
وقوله: " سيوف إذا اعتلت " ... البيت، من قول المتنبي:
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم وله من أخرى:
لم يخل من نوب الزمان أديب ... كلا فشأن النائبات ينوب
أمسي قراراً للخطوب وأغتدي ... غرضاً تفوق نحوه فتصيب
وإذا انتهيت إلى العلوم وجدتها ... شيئاً يعد به عليك ذنوب
وغضارة الأيام تأبى أن يرى ... فيها لأبناء الذكاء نصيب
ولذاك من صحب الليالي طالباً ... جداً وفهماً فاته المطلوب وهذا أيضاً من قول المتنبي:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أن أجمع الجد والفهما وقال أبو علي ابن رشيق وولد معنىً زائداً مشتظرفاً:
أشقى لجدك أن تكون أديباً ... أو أن يرى فيك الورى تهذيبا
ما دمت مستوياً ففعلك كله ... عوج وإن أخطأت كنت مصيبا
كالنقش ليس يتم معنى ختمه ... حتى يكون بناؤه مقلوبا
стр. 445
ومنها:
أمت أمير المؤمنين مواحلاً ... فسقى صداها غيثه الشؤبوب
المعتلي بالله والملك الذي ... تاج الفخار برأسه معصوب
إن كان عدوا حب آل محمدٍ ... ذنباً فإني لست منه أتوب وهذا كقول العباس بن الأحنف:
إن كان ذنبي في الزيارة فاعلمي ... إني على كسب الذنوب لجاهد وله من قصيدة يرثي أبا الحزم بن جهور، ويهنئ ابنه أبا الوليد، وكتب بها من الجزيرة الخضراء، إذ أقصي عن قرطبة، أولها:
إنا إلى الله في الرزء الذي فجعا ... والحمد لله في الحكم الذي وقعا
ولى أبو الحزم عن ملك تقلده ... أبو الوليد فعز الملك وامتنعا
اب كريم غدا الفردوس مسكنه ... وابن نجيب تولى الأمر واضطلعا
لله شمس ضحى في اللحد قد غربت ... فأعقبت قمراً بالسعد قد طلعا [ومنها] :
стр. 446
يا واحد الدين والدنيا أقل زللا ... يدعوك جانبه أن تقتص أو تدعا
لو أنه أعطي الدنيا بما رحبت ... ولم ينل عفوك المأمول ما قنعا
وما عساك سوى الإحسان تصنعه ... إلى مسيء رجا عتباك فارتجعا
وقد رأيت ابن سعد حين أمكنه ... بشر عفا عنه فادفع بالذي دفعا
ليمحون مديحي فيك من كثبٍ ... محواً حديث ملامي حيثما سمعا وقال من أخرى:
تفرغت من شغل العداوة والظعن ... وصرت إلى دار الإقامة والأمن
أمقتولة الأجفان من دمع حزنها ... أفيقي فإني قد أفقت من الحزن
فلله سيري يوم ودعت صحبتي ... زماعاً ولم أقرع على ندم سني
رحلت فكم من جؤذر وغضنفر ... يروي الثرى من فضل أدمعه الهتن
وما عن قلى فارقت تربة أرضكم ... ولكنني أشفقت فيها من الدفن وينظر هذا إلى قول القسلطي:
وفاحت ليالي الدهر مني ميتاً ... فأخزين أياماً دفنت بها حيا وكذلك قوله: " رحلت فكم من جؤذر " ... البيت، من قول المتنبي:
стр. 447
رحلت فكم باكٍ بأجفان شادنٍ ... علي وكم باك بأجفان ضيغم ومنها:
مررت بشوسٍ والنجوم كأنها ... توقد من فكري وتسرج من ذهني
وأسريت من بدر الظلام بألبةٍ ... بصحبة مطفي الجمر أو مكفئ الظعن
لبسنا بها ليلاً من الثلج أبيضاً ... كسته يد الصنبر ثوباً من القطن
ورحنا على ألبيرة فاستقل بي ... جناح عقابٍ لا يروح إلى وكن
ولما تنكبنا المنكب لم نجد ... لنا مركباً أهدى سبيلاً من السفن
ترامت بنا الأهوال في كل لجةٍ ... تخيلها جواً تجلل بالدجن
ترى السفن فوق الموج فيها كأنها ... تحدر من رعن وتوفي على رعن [ومنها] :
فبوأت رحلي ظل أروع ماجد ... يقول بلا خلف ويعطي بلا من
إمام وصي المصطفى وابن عمه ... أبوه، فتم الفخر بين أب وابن وله من أخرى:
أرقت وقد غنى الحمام الهواتف ... بمنعرج الأجزاع والليل عاكف
أعدن لي الشوق القديم وطاف بي ... على النأي من ذكرى المليحة طائف
وما الجانب الشرقي من رمل عالج ... بحيث استوت غيطانه والنفانف
стр. 448
إذا ما تغنى الرعد فوق هضابه ... سقى الروض من وبل الغمامة واكف
بأحسن من أطلال علوة منظراً ... وإن درست آياته والمعارف
خليلي هل بالخيف للشمل ألفة ... فيأمن قلب من نوى الخيف خائف
أفي وقفة عند العقيق ملامة ... على دنف شاقته تلك المواقف
سقى عرصات الدار كل ملثة ... من المزن تزجيها البروق الخواطف
كأن نثير القطر منها جواهر ... تفرقها للريح أيد عواصف
كأن ابتسام البرق فيها إذا بدت ... سيوف عليٍ بالدماء رواعف وله من أخرى في القاسم بن حمود، ويصف خيران الصقلبي، وقتل المرتضى المرواني، أولها:
لك الخير خيران مضى لسبيله ... وأصبح ملك الله في ابن رسوله يقول فيها:
وفرق جمع الكفر واجتمع الورى ... إلى ابن حبيب الله بعد خليله
وقام لواء الجمع فوق ممنع ... من النصر جبريل أمام رعيله
وأشرقت الدنيا بنور خليفةٍ ... به لاح بدر الحق بعد أفوله
من الهاشميين الذين بمجدهم ... تعود شخص المجد جر ذيوله
فلا تسل الأيام عما أتت به ... فما زالت الأيام تأتي بسوله
ولما دعا الشيطان في الخيل حزبه ... وأقبل حزب الله فوق خيوله
كتائب من صنهاجة وزناتةٍ ... تضايق في عرض الفضاء وطوله
стр. 449
تقدم خيران إليها بزعمه ... ليدرك ما قد فاته من ذحوله
فلما التقى الجمعان عاود رأيه ... فخلى لبعض الهول جل فضوله
وولى وأبقى منذراً من ورائه ... يقيم لأهل الغدر عذر نكوله @ذكر الخبر عن مقتل الأمير المرتضى المذكور
قال ابن حيان: كان عبد الرحمن بن محمد من ولد الناصر لدين الله قد نصب خليفةً بشرقي الأندلس، وسمي المرتضى، فزحف بمن تألف معه من الموالي العامريين وغيرهم إلى غزو البرابرة المنتزين بقرطبة وأعمالها، وأميرها يومئذ القاسم بن حمود، وعقدوا مع المرتضى على غزو قرطبة، فخرجوا بجملتهم سنة تسع وأربعمائة، فعرجوا به في طريقهم إلى غرناطة ليبدأوا بحرب ذلك الفريق من صنهاجة لما ارتأوه من الغدر بسلطانهم، فأوبقوا الجماعة وأحلوا بها الفاقرة، على أيدي البرابرة، ورسا بتلك الوقعة ملك الحمودية، وإذا قضى الله أمراً سبب له أسباباً، فجاءوا معهم، في جملتهم منذر التجيبي وخيران الصقلبي وقطعة من خيل الإفرنجة. ولما حلوا غرناطة وأميرها يومئذ زاوي بن زيري بن مناد، ارتاعت صنهاجة واعصوصبوا بأميرهم زاوي كبش الحروب، فأحكم لهم التدبير، والدولة تسعده، والمقدار ينجده؛ وحملت عنه في تلك الرحوب حكايات بديعة: منها أن المرتضى لما نازله خاطبه بكتابٍ يدعوه فيه إلى طاعته، ومسح أعطافه، وأجمل موعده. فلما قرئ على زاوي قال لكاتبه: اكتب على ظهر رقعته:
стр. 450
﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾ السورة، لا تزده، فلما بلغت المرتضى أعاد إليه كتاب وعيد، فلما قرئ على زاوي قال: ردوا عليه ﴿ألهاكم التكاثر﴾ إلى آخرها لم يزده حرفاً. فازداد المرتضى غيظاً، ويئس منه، وناشبه القتال ودنا إليه في تعبئة محكمة، وكراديس منتظمة، فاقتتلوا أياماً إلى أن أنهزم الأندلسيون، وطاروا على وجوههم، مسلموهم وإفرنجهم، لا يلوي أحد على أحد، والخيل تطردهم في تلك المضايق، وصرع المرتضى في ضنك ذلك المأزق، ووقع البرابرة من نهب محلة المرتضى على ما كفاء له اتساعاً وكثرة - ظل الفارس منهم يجيء من اتباعه المنهزمين، ومعه العشرة الأبغل فما دون ذلك موقرةً بفاخر النهب، ورفيع الشارة والحلية، وحيزت فساطيط أولئك الأمراء ومضارب الرؤساء الذين كانوا في جميع ذلك المعسكر المخذول، يتباهون بالقوة والشارة، بجميع ما فيها. وسبق سلطانهم زاوي إلى سرادق الحائن المرتضى، فحازه بما حواه مما كان الأمراء قد جمعوا له وجملوه به. وكان أمراؤه والوجوه من أهله قد تنازعوا بالبشارة، وجاءوا مجيء من لا يشك في الظفر، فساقوا مع أنفسهم رفيع الحلية كي يتباهوا بذلك إذا دخلوا قرطبة، حتى إن كثيراً من جاليتها والتجار المتجهزين منهم ومن سواهم اغتروا بذلك العسكر الخاوي فصحبوه مبادرين ميسرة الفتح، وسعة الربح، فخابوا وحاق البغي بهم، وخسروا أموالهم.
وأول من انهزم من ذلك العسكر منذر بن يحيى وخيران الصقلبي، وكان منذر قد أوقع في نفوس مدده من رجال الإفرنجة الذعر من غدر الموالي العامريين، فشغل بذلك بالهم. فلما انهزم لم يعرفوا السر، وأجفل منذر في أصحابه الثغريين، فمر بسليمان بن هود صاحبه وهو مثبت للإفرنجة لا
стр. 451
يريم موقفه. فصاح به: النجاة يا ابن الفاعلة، فلست أقف عليك؛ فقال له سليمان: جئت والله بها صلعاء، وفضحت أهل الأندلس! ثم انقلع وراءه ببقية عسكره، وانقلع أيضاً خيران برجاله. وصبر الموالي العامريون قليلاً حول صاحبهم المرتضى، على أحر من جمر الغضا، وهو مع جبنه حسن الثبات، حتى استحر القتل في أصحابه، وصرع كثير منهم حوله، فانكشفوا عنه، وخاف أن يقبض عليه فولى، فوضع عليه خيران عيوناً لئلا يخفى أثره، فلحقوه بقرب وادي آش وقد أمن على نفسه، فهجموا عليه وقتلوه، وجاءوا برأسه إلى خيران ومنذر، وقد لحقا بالمرية، فتحدث الناس أنهما اصطحبا على رأسه سروراً بمهلكه، وتناولاه من الذكر عبثاً بما لم يكن له أهلاً له، وجعلا يقولان: يا أحيمق قم فاعرض جندك؛ كلمة تحدث بها عنهما جرأة على الله ونكثاً لعهوده. ففقد المرتضى على هذه السبيل، ونجا من تلك الملحمة أخوه أبو بكر ابن هشام، ولحق بالموالي العامريين فزهدوا فيه، فاستقر عند ابن القاسم صاحب حصن البونت، وكان شيعة المروانية على سوء ما أسلفوه في سلفه، فأجاره وضيفه، ولم يزل مقيماً عنده إلى أن كان من تقديمه للخلافة ما كان.
قال ابن حيان: فحل بهذه الوقعة على جماعة من الأندلس مصيبة سوداء أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم على البربر جمع بعد، وأقروا بالإدبار، وباءوا بالصغار.
وورد على القاسم بقرطبة كتاب زاوي بشرحها مع نصيبه من الغنيمة
стр. 452
وفي جملتها سرادق المرتضى. فضربه القاسم على نهر قرطبة وغشيه من النظارة جملة من علية الناس، وقلوبهم تتقطع حسرة منه؛ فركدت ريح المروانية من ذلك الوقت بقتل من نجم منهم في أطراف الأرض، وأيس الناس من دولتهم، وألوى الخمول بجملتهم، فتقطعوا في البلاد ودخلوا في غمار الناس، وامتهنوا واستهينوا.
حدثت بزوائد في شرحها حصرتها تتميماً للقصة:
قالوا: لما جاء منذر التجيبي في جيشه مع الإفرنج وغيرهم للاجتماع بالمرتضى بشاطبة لغزو قرطبة، وفي جملته ابن مسوف، اجتاز على بلنسية فأغلق واليها مبارك بابها في وجهه، ومنعه أن يخرجه معهم للغزو فلم يجبه المرتضى لذلك، وأقام عذر مبارك أن يخرجه معهم للغزو فلم يجبه المرتضى لذلك، وأقام عذر مباركٍ، وأقعده خلفه لجمع الأموال وإنفاذها خلفه، فأحقده عليه، فتجمع ابن مسوف وخيران ومنذر، وتظاهروا على الغدر به، فمالوا به إلى غرناطة، وقالوا: لا يصلح أن نسير إلى قرطبة ووراءنا هذا العدو، ثم دسوا إلى زاوي وأسروا عليه الغدر بالمرتضى، فلما أصبحوا للقتال جعل منذر يحرض الموالي العامريين سخرية يبغي توريطهم ويقول: أين أنتم معشر أرباب المملكة المؤثرين على كل طبقة - أين أصحاب الوظائف المرتبة - هذا يومكم، تقدموا. فحمي القوم وخرجت صنهاجة ومغراوة من زناتة فاجتلدوا أياماً، فلما حمي الوطيس
стр. 453
أشار منذر وخيران بإدناء المحلة إلى قرب حومة القتال. فلما زحزحت صنهاجة من موضعها اضطرب العسكر، وشد البرابر شدة منكرة، فانحاز منذر وخيران لأول وقتهما وانهزما على وجوههما، فلم يك للناس ثبات بعدهما، فاستمرت بهم الهزيمة حسبما تقدم.
وأخبر عن منذر أنه الذي ورط المرتضى وحلفاءه، وأقحمهم أوعاراً صعبةً حتى أنزلوهم فوق رؤوس صنهاجة في الجبل المطل عليهم. ولما شرع في قتالهم بان لمنذر جد الموالي، ولم يشك في ظهورهم فحسدهم وتحيل لهم بما فل حدهم. وكان بلغه أيضاً عن زاوي أنه لا يشك في الغلبة فتداركه بكتاب يثنيه به عن حربه، فتراجعت نفس زاوي وطمع في النجاة فلذلك ما جد في القتال.
ولهول ما عاينه زاوي من اقتدار أهل الأندلس في تلك الحرب وجعجاعهم به، وإشرافهم على التغلب عليه، ما هان سلطانه عنده بالأندلس وعزم على الخروج عنها نظراً في عاقبة أمره، ودعا جماعة قومه مستنصحاً فعصوه في ذلك، لظنهم بطيب معيشتهم بالأندلس، فلم يثنه ذلك عن عزمه، وركب هو البحر بماله وأهله فلحق بإفريقية وطنه. فكان من أغرب الأخبار في تلك الدولة الحمودية انزعاج ذلك الشيخ الباقعة زاوي ابن زيري عن سلطانه، ولفظه لما كان يلوكه من فلذة كبد الأندلس
стр. 454
أرض ألبيرة، بأثر الفتح العظيم الذي أتيح له على المرتضى ومن كان معه من عساكر أهل الأندلس. فأخذ في عبور البحر حين صفا العيش واخضر عوده، ووقم العدو وفل غربه، فصمم في الرحيل بعد أن استأذن صاحب إفريقية يومئذ المعز بن باديس ابن عمه، في ذلك، فأذن له، وحرص جميع بني عمه بالقيروان على رجوعه لهم لحال سنه، وتعريهم يومئذ عن مثيله من مشيختهم لمهلك جميع إخوتهم، وحصوله هو قعدد بني مناد، الغريب شأنه، في ألا يحتجب عنه من نسائهم زهاء ألف امرأة في ذلك الوقت، هن - زعموا - محرم له بنات إخوته وبناتهن وبني بنيهن. فرحل عن الأندلس سنة عشر وأربعمائة، واستقلت به سفنه من مرسى المنكب، وفي شحنتها من ذخائر الأندلس ما يفوت الإحصاء كثرة لعظيم ما خمسه أيام الفتنة. فاجتمع شمله بالقيروان، وأقره المعز في دولته وكنفه. إلا أنه لم يؤثره ولا أناف بمحله ولا قلده ولا واحدا من ولده شيئا من عمله بل وكلهم إلى سحتهم.
قال ابن حيان: وحدثت عن السبب المزعج كان لزاوي يومئذ في ارتحاله، وذلك أنه لما انهزم المرتضى قال زاوي لقومه: كيف رأيتم ما قد خلصنا منه - قالوا: عظيما، قال: فلا تتناسوه وتغالطوا أنفسكم بعده، إن انهزام من رأيتموه لم يكن من قوة منا. إنما جره مع القضاء غدر ملوكهم لسلطانهم ليهلكوه كما فعلوا، فإني عرفت ذلك من يوم نزولهم، ولذلك ما كنت أقوي نفوسكم، وقد نجانا الله منهم برحمته، ومضى
стр. 455
القوم ولم يعدموا إلا رئيسهم، واستخلافه هين عليهم، ولست آمن عودهم جملة إليكم فيما بعد، فلا يكون لنا قوام بهم، فالرأي الخروج عن أرضهم، واغتنام السلامة مع إحراز الغنيمة، والرجوع إلى الجملة التي انفصلنا عنها كانفين للعيال والذرية، مباعدين لهم لما وراءنا من أهل جنسنا زناتة، الأعداء في الحقيقة، الذين لا يغفلون عنا وإن غفلت الخليقة، لا سيما وقد قرفنا قرحهم، ونبشنا أحقادهم المدفونة. فإن فرغوا لنا على قلة عددنا، وظاهروا علينا الأندلس وقعنا منهم بين لحيي أسد فاصطلمونا، وها أنا قد أديت لكم النصيحة وأنا راحل عن الأندلس، فمن أطاعني فليرحل معي. فلم يساعده أحد، فرحل كما وصفناه.
ويلغني أن حلالي بن زاوي تلوم بغرناطة، بعد حصول والده بالمنكب، أياما لتتميم لباناته،. وقد دبر مع الراحلين من بني عمه القبض على قاضي البلد ابن أبي زمنين والمشيخة من أهله إذا رجعوا من تشييع أبيه ليأخذ أموالهم. فاهتدى ابن أبي زمنين لتدبيره ونكب عن المنكب إلى حبوس، وكان متوقفا بحصن آش يرتقب ركوب عمه البحر فيلحق بغرناطة، فكان ذلك كذلك. فركب مع ابن أبي زمنين وقد خوفه بوائق الإبطاء، فلم تشعر صنهاجة حتى أطل عليهم قارعا طبوله، فخرجت صنهاجة تستقبله ووقف ابن عمه حلالي بباب البلد حائرا قد فسد تدبيره على ابن أبي زمنين، ولم يعرج حبوس عليه حتى صعد إلى قصبة غرناطة فضبطها وحط رحله فيها. ثم خرج إلى ابن عمه حلالي ليودعه
стр. 456
فعاتبه حلالي في اقتحامه عليهم وقال له: الفوت خفت أبا مسعود في بدارك -! أهذا دخول مكتئب بفراق عشيرته -! هو بدخول شامت أشبه! ! كأنك فتحت بلدا وطردت عدوا -! فاعتذر له حبوس، وقال: ما ذاك إلا لرسم الإمارة، وإرهاب الرعية. ثم استوطن حبوس البلد وأورثه عقبه.
قال ابن حيان: وبلغني أن زاوي استوهب علي بن حمود، يوم قتل سليمان بن الحكم رأسه، حنقا على بني مروان المهدى إليهم رأس زيري والده، وأنه أسعفه بذلك، فصار عنده، ونقله من الأندلس معه في ذلك الوقت مفتخرا به على أهل بيته. فإن يكن ذلك حقا فزاوي أكبر من أدرك الثأر المنيم، ورحض العار المقيم. وأخبار هذا الداهية زاوي كثيرة، ونوادر أفعاله مأثورة.
وكان حبوس هذا أحد نابي برابرة الأندلس اللذين يفترون عنهما لم يبق بعده يومئذ، سوى محمد بن عبد الله نظيره، من ترهب لد شذاة. وكان على قسوته يصغي إلى الأدب، وينتمي في العرب، للأثر المقفو في قومه صنهاجة. وكان يؤثر لذلك " كتاب التيجان " لابن دريد في ذكر مناقبهم، ولا يغب سماعه ومطالعته. وكان وقورا حليما، فظا مهيبا، نزر الكلام، قليل الضحك، كثير الفكر
стр. 457
شديد الغضب، غليظ العقاب، شجاعا حسن الفروسية، جبارا متكبرا داهية، واسع الحيلة، كامل الرجولية، له في كل ذلك أخبار مأثورة.
أخبرني أبو الوليد ابن زيدون قال: سأل حبوس يوما محمد بن عبد الله في بعض التقائمها عن سنه بمعراض فقال: ابن كم كنت يوم قتل ابن الخير - فأجابه مسرعا: كنت يوم قتل زيري بن مناد يفعة، وشهدت وقعته مع قومي ابن كذا. فتبسم حبوس، وعجب من حضر من فطنتهما. وإنما أراد حبوس تعيير ابن عبد الله بمقتل ابن الخير سلطان زناتة المصاب في وقعة صنهاجة، فعارضه ابن عبد الله بذكر وقعتهم بجد حبوس زيري بن مناد. فلو كانا في الرعيل الأول من أذكياء العرب ما زاد على ما أتيا به.
وقد أعاد علي ولد ابن عبد الله أيام لقيته بقرطبة عن والده محمد ابن عبد الله بألطف من هذا التعريض، مكتفيا باسم الموضعين عن ذكر اسم الرجلين، فقال: قال حبوس لوالدي يوما: أشهدت يوم تلمسان - فقال له والدي: لا، مشاهدي يوم كرض؛ ويوم تلمسان يوم الخير وزناتة، ويوك كرض يوم زيري وصنهاجة. فلمي يزد أحدهما
стр. 458
على التبسم، وما درى من معهما ما ذهبا إليه؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: ومن مليح التلويح بالمعاريض قول رجل من نمير وقد سايره ابن هبيرة الفزاري فزادت بغلة النميري عليه، فقال له ابن هبيرة: غض من لجامها، فقال: أنها مكتوبة - أعزك الله - فضحك. وإنما أراد ابن هبيرة قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... وأراد النميري قول ابن دارة في فزارة:
لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار وكانت فزارة ترمى بإتيان الإبل، ولذلك قال الفرزدق يهجو ابن هبيرة:
[أمير المؤمنين وأنت بر ... حليم لست بالجشع الحريص]
أوليت العراق ورافديه ... فزاريا أحذ يد القميص -
ولم يك قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص ومن المعاريض: أن رجلا هلاليا بات مع رجل من محارب على بعض المياه، وقد كثر فيه صياح الضفادع، فقال الهلالي: ما تركنا شيوخ محارب ننام الليلة، فقال له المحاربي: إنها أضلت برقعا فجعلت
стр. 459
تطلبه. أراد الهلالي قول القائل:
تجيش بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر وأراد المحاربي قول الآخر:
لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولابن يزيد برقع وجلال وحضر باب عبد الملك ناس من العرب فيهم تميمي ونميري، فمر عليهم رجل يحمل بازيا، فقال التميمي: ما أحسن هذا البازي! فقال النميري: أجل، وهو يصيد القطا؛ أراد التميمي قول جرير:
أنا البازي المطل على نمير ... أتيح لها من الجو انصبابا وأراد النميري قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت ومن المعاريض قول معاوية للأحنف بن قيس: ما الشيء الملفف في البجاد - قال: السخينة يا أمير المؤمنين؛ أراد معاوية قول القائل:
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بمسن ... أو الشيء الملفف في البجاد
стр. 460
وأراد الأحنف أن قريشا كانت تعير بأكل السخينة، وهي حساء من دقيق يتخذ عند غلاء السعر، وفي ذلك يقول شاعر كنانة:
يا شدة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم ومن المعاريض قول النبي ﷺ حين هاجر إلى المدينة مخفيا لشأنه عن قريش، ومعه أبو بكر، فكلما سألهما سائل عن شأنهما قال: نحن باغ وهاد، يريد باغيا وهاد، يريد باغيا للخير، وهاديا إليه.
ومنه: قوله ﵇، حين خرج هو وأبو بكر يتحسسان عن العير، وقد سألا بسبسا فأخبرهما على أن يخبراه بأمرهما، فلما أخبرهما وسألهما، قال ﵇: نحن من ماء، فقال لهما بسبس: ما رأيت كاليوم عجبا، أمن ماء كذا، أم من ماء كذا - يعدد مياه العرب. وقد قال ﵇ لأصحابه، حين أرسلهم إلى بني قريظة أيام الأحزاب: إن رأيتموهم على غير ما أحب فالحنوا لي. فلما انصرفوا قالوا له: يا رسول الله، عضل والقارة، وقد كان هذا القبيلان غدرا، فكنى له بهما أصحابه عن غدر بني قريظة.
ومما يتعلق بباب المعاريض: قوله ﵇ للمرأة: علمي حفصة رقية النملة، وكانت حفصة ﵍ عندما يريدها ﷺ ربما تأبت، فأراد أن يلحن لها برقية النملة، وكانت العرب ترقيها في
следующие страницы →