Полный текст (3 281 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وأجاد السياسة، فانسدل به الستر على أهل قرطبة مدته، وحصل كل ما يرتفع من البلد في جميع أوقاته، بعد إعطاء مقاتلته فارسهم وراحلهم، وصير ذلك بأيدي ثقات من أهل الخدمة، مشارفاً لهم بضبطه، فإن فضل شيء تركه بأيديهم مثقفاً مشهوداً عليه إلى أن يعن وجه تصرفه فيه، لا يلتبس بشيء منه ولا يدخل داره، ومتى سئل قال: " ليس لي عطاء ولا منع، هو للجماعة وأنا أمينهم "؛ وإذا رابه أمر أو عزم على تدبير، أحضرهم وشاورهم فيسرعون إليه، فإذا علموا مراده فوضوا إليه بأمرهم؛ وإذا خوطب بكتاب لا ينظر فيه إلا أن يكون باسم الوزراء. فأعطى السلطان قسطه من النظر، ولم يخل مع ذلك من النظر لنفسه وترقيحه لمعيشته، حتى تضاعفت ثراؤه وصار لا تقع عينه على أغنى منه، حاط ذلك كله بالبخل الشديد والمنع الخالص، اللذين لولاهما ما وجد عائبه طعناً، ولكمل لو أن بشراً يكمل. وكان مع براعته ورفعة قدره، وتشييده لقديمه بحديثه، من أشد الناس تواضعاً وعفة وصلاحاً، وأنقاهم ثوباً، وأشبههم ظاهراً بباطن، وأولاً بآخر، لم يختلف به حال من الفتاء إلى الكهولة، ولم يعثر له قط على حال يدل على ريبة؛ جليس كتاب منذ درج، ونجى نظر منذ فهم، مشاهداً للجماعة في مسجده، خليفة الأئمة متى تخلفوا عنه، حافظاً لكتاب الله قائماً به في سره وجهره، متقناً للتلاوة، متواضعاً في رفعته، مشاركاً لأهل بلده، يزور مرضاهم ويشاهد جنائزهم.
وفي فصل:
واستمر ابن جهور في تدبير قرطبة، فأنجح سعيه بصلاحها، ولم شعثها
стр. 597
في المدة القريبة وأثمر الثمرة الزكية، ودب دبيب الشفاء في السقام، فنعش منها الرفات، وألحفها رداء الأمن، ومانع عنها من كان يطلبها من أمراء البرابرة المتكنفين لها، المتوزعين أسلابها، بخفض الجناح والرفق في المعاملة، حتى حصل على سلمهم، واستدرار مرافق بلادهم،. ودرأ القاسطين عليه من ملوك الفتنة، حتى حفظوا حضرته وأوجبوا لها حرمةً، بمكابدته الشدائد حتى ألانها بضروب احتياله؛ فرخت الأسعار، وصاح الرخاء بالناس أن هلموا، فلبوه من كل صقع، فظهر تزيد الناي بقرطبة من أول تدبيره لها حتى ملأوا المساجد والأفنية، وسمت أثمان الدور بها، والابتناء لخرابها الفاشي، أخذاً بالهوينا، فاتصل البنيان بها، وغلت الدور، وحركوا الأسواق، فعجب ذو التحصيل للذي أوى إليه في صلاح أحوال الناس من القوة ولما تعتدل حال، أو يهلك عدو، أو تقو جباية، وأمر الله تعالى بين الكاف والنون.
وتوفي أبو الحزم ليلة الجمعة السادس من محرم سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، فصار الأمر إلى ابنه أبي الوليد محمد بن جهور بن محمد بن جهور ابن عبيد الله السر من آل عبدة، نهاية الشرف الأثيل بقطربة، على أس الدهر المغرب شأوه في نظم قلادة خمسة ككعوب الرمح أنبوباً
стр. 598
على أنبوب، هم ما هم، تناقلوا الوزارة والكتابة ما بينه وبين خامسهم عبيد الله ذي المنقبة الزائدة، خولهم الله الرياسة على تعاقب الأزمان واختلاف الأعصار، ولم تنقلها الفتنة إلى أن ورثها تربها هذا الوالي الفاضل أبو الوليد، ولما يعرف البؤس يوماً، فأعانه ذلك على الحسب والمروءة، وأقر أبو الوليد لأول ولايته الحكام، وأولي المراتب على حسب ما كانوا عليه أيام أبيه.
قال ابن حيان: وكنت ممن جادته سماء الرئيس الفاضل أبي الوليد الثرة، وكرم في فعله ابتداء من غير مسألة، فأقحمني في زمرة العصابة المبرزة الخصل، مع كلال الحد وضعف الآلة؛ واهتدى لمكان خلتي وقد ارتشف الدهر بلالتي، بأن قلدني [إملاء] الذكر في ديوان السلطان المطابق لصناعتي، اللائق بتحرفي، براتب واسع، لولا ما أخذ على كتم ما أسداه لجهدت في وصفه، وإلى الله تعالى أفزع في إحمال المكافأة عني برحمته.
ثم اقتفى أبو الوليد آثار أبيه أبي الحزم في السياسة من درء الحدود ما وجد إلى ذلك سبيلاً، والتأول في تعطيل الإقادة بالحديد ألبتة، لعدم الإمام المجتمع عليه في الوقت، والتربص لإدبار الفتنة؛ فأصبح من العجب العجاب تكاف الناس في الأعم عن التظالم والتسافك، بخلاف ما كانوا عليه تحت الضبط الشديد، وتجاوز الحدود، بأيدي جبابرة أصحاب الشرطة أيام الجماعة، فلا يكاد يسمع لشرارهم من معهود ذلك إلا النادرة الفذة. وبرز أيضاً أبو الوليد في فك العقل السلطانية، وأنفذ الحكم
стр. 599
في المظالم الديوانية، وعقار الغيب عن قرطبة التس أجلها الفتنة الغماء، أشياء عظيمة القدر توقف والده عنها، فأطلقها وردها على أربابها، وشمل العالم الدعة.
وأما عترة الأشراف الأموية، فتقلب بهم الزمان، وغير أحوالهم الحدثان. وكان بقرطبة منهم طائفة غامضة الشخوص، باذة الهيئة، عارمة الأدب والمروءة، متطبعة بأخلاق العوام الغفل، أكثرهم من ولد الناصر، معصوبين بيعيسيب لهم من أبناء أمرائهم في الفتنة يدعة ابن المرتضى، أبوه كان صاحب البيعة بالثغر يومى إليه بالأصابع؛ فخالطه من ذلك على سكر الشباب وخيلاء الشرب والأفن والغباوة عجب وغطرسة، عقد ناصيته بالثريا، فاصبح من طماح همته في جهد، يراقب الناس منه فتنة عمياء، ويمشي في الناس مختالاً، أصعر الخد، أشوس اللحظ، جميل الرواء والشارة، عالي القلنسوة، تلحظه العيون، وكان له بقايا من شيع المروانية؛ فبلغ ابن جهور عنه ما بعثه على إزعاجه من قرطبة، فاستقر بشرقي الأندلس حيث اضطرب أبوه المرتضى، فبطل الإرجاف بعده.
قال ابن حيان: وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة كثر خوض أهل
стр. 600
قرطبة في الذي رأوه من تنافس ولدي أبي الوليد محمد بن جهور في الانتصاب لخلافته: عبد الرحمن كبير جماعتهم، وأخيه عبد الملك أشهمهم فؤاداً وأصلبهم عوداً، الذي كشف عن وجوهم غمة مركسهم ابن السقاء، كافر نعمتهم، فاستدرك لهم ما كان تولى من سلطانهم، لفتكته به التي أثبتت أوتاد ملكهم، ثم شد يده بطلب حقه من ذلك، ونازع أخاه كبير عبد الرحمن ما ذهب إليه من التفرد به؛ وقد كان أشار على أبيهما بعض حلفائه من رؤساء الأندل بإيثار عبد الرحمن منهما، فتمسك الشيخ بحظه من إرضاء ولده الصغير عبد الملك، فمال إلى قسمة الرياسة بينهما حياته، غير ناصبٍ لأحدهما للأمر، يقضي الله به لمن يشاء بعده، صنيع والده فيه؛ فمتع نفسه بهواها في صغير ولده، وأنشد قول ابن الجزيري:
وإذا الفتى فقد الشباب سما له ... حب البنين ولا كحب الأصغر فأرتع ولديه هذين في دنياه، وبسط أيديهما في سلطانه، فطفقا يستميل كل منهما طائفةً من الجند، ويصطنع من الرعية فرقة، ويفتلذ من عقيدة الملك فلذة، فأصبح الأمر مختلطاً، والأرباب متفرقين، والمخاوف تطلع من كل ثنية، والهوادي تؤذن بالأعجاز، والله كل يوم في شأن. ثم خاف عليهما، فجعل إلى أكبرهما عبد الرحمن النظر في أمر الجباية، والإشراف على أهل الخدمة ومشاهدتهم في مكان مجتمعهم، والتوقيع في
стр. 601
الصكوك السلطانية المتضمنة للحل والعقد، والاطراح والضم، وجميع أبواب النفقات، ألجأ كل ذلك إلى ختمه، وأمضاه تحت حكمه. وجعل إلى عبد الملك النظر في الجند، والتولي لعرضهم، والإشراف على أعطيتهم، والركوب فيهم لدى الروع، وتجريدهم في البعوث، والتقوية لأولادهم، وجميع ما يخصهم؛ فرضياً منه بهذا التقسيم، وأقامها به على الصراط المستقيم.
قال ابن بسام: إلى هذا الموضع انتهى ما وجدته من أخبار الدولة الجهورية من كتاب ابن حيان وقت تجردي للفراغ من تتميم هذا الديوان، واستعجلت لإخراج هذه النسخة المقررة منه، وأعياني تتبعه لآثارهم، وشرد عليّ وجود لفظه ونظمه لبقية أخبارهم، ولم أجد من نظامها، لتجيء أخبارهم بتمامها؛ فرقعت الضحى بالغلس، وجمعت بين حافر العير وجبهة الفرس، على تفاهة علمي، وغب نوبٍ أنستني اسمي، وجرت مجرى الروح في جسمي:
كان عباد قد خامر صدره من شأن ابن السقاء مدبر دولة بني جهور ما لا يسعه بوح ولا كتم، ولا يردعه سفه ولا حلم، شرقاً يحسن سيرته
стр. 602
وفرقاً من استمرار مريرته، وحسداً لآل جهور في من حسم عنهم الأطماع، وجمع دولتهم الشعاع. فقد كان ابن السقاء هذا من الاستقلال بمكانه، والضبط لسلطانه، والاستيلاء على ميدانه، بحيث يخيف الأنداد، ويغيظ الأعداء والحساد. فدس عباد إلى عبد الملك بن جهور من جسره على الفتك، وإلى ابن السقاء من ألقى في روعه حب الملك، وكلاهما راش وبرى، حتى جرى القدر بينهما بما جرى. وسيأتي الخبر عنهما مشروح الأسباب، في القسم الرابع من هذا الكتاب.
وخلا لعبد الملك الجو بعد ابن السقاء؛ فأعرض وأطال، وطلب الطعن وحده والنزال: وأعجبه شأنه وازدهاه، وأمره شيطانه ونهاه؛ ووجد عباد السبيل إلى شيء طالما كان شرد كراه، ونغص عليه كثيراً من لذة دنياه: من افتقار بني جهور إلى نصره، وتصرفهم بين نهيه وأمره. وانقبض عن عبد الملك لأول استبداده بالأمر حماته الذين كان ابن السقاء يرفعهم برفعه، ويصطنعهم بحذقه، ويوردهم ماء سماحته وبذله، ويلحفهم ظلي تواضعه وعدله. وقد خامر نفس يحيى بن ذي النون من الشغف بقرطبة ما هون عليه إنفاق المال، واحتمال الأثقال، وتكلف الحل والترحال؛ فهي مضمار خيله، ومدرج سيله، وحديث نفسه، وهم يومه وأمسه. وخلت السنون، وغالت عباداً المنون؛ وصار الأمر إلى ابنه المعتمد سنة إحدى وستين [حسبما يذكر في القسم الثاني من هذا
стр. 603
المجموع، إن شاء الله] .
فلما كان سنة اثنتين بعدها، دلف ابن ذي النون إلى قرطبة، وكان لا يغبها شره، ولا ينام عنها مكره؛ وقد احتاج عبد الملك بن جهور إلى استمداد من المعتمد لانفضاض من لديه، وعجزه عما كان أسند من تدبير قرطبة إليه، فأمده المعتمد بجمهور أجناده، على أكابر قواده، قد تقدم إليهم بمرداه، ونهج إليهم سبيل إصداره وإيراده؛ فوافوا قرطبة، ونزلوا بربضها الشرقي، وأقاموا بها أياما يحمون حماها، وأعينهم تزدحم عليه، ويذبون عن جناها، وأفواههم تتحلب إليه. فلما سئم ابن ذي النون سفره واجتواه، وقضى من غزو قرطبة وطره وما قضاه، أخذ في الرحيل عنها، فما انقشعت سدفة ليله، ولا تمزق غبار سنابك خيله، حتى هتك العباديون الحريم، وركبوا الأمر العظيم؛ باتوا متحدثين بالقفول، ثم غلسوا مظهرين للرحيل؛ وعبد الملك متأهب لتشييعهم، عازم على البكور إلى توديعهم، وشكرهم على حسن صنيعهم،؛ فلم يرعه إلا إحداقهم بقصره، وارتفاع أصواتهم بالبراءة من أمره، وإصمات الأفواه عن ذكره؛ وقد تمخضت له ليلته بيوم عقيم، وافتر له ناجذ صبحها عن ليل بهيم، ومشى من أنصاره هنالك بين أسد شتيم، وأسود مسموم:
ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ... تصيده الضرغام في من تصيدا
стр. 604
وقبض للحين عليه وعلى إخوته، وسائر أهل بيته وأسرته. وبالغوا لوقتهم في انتهاك حرمه، وإزالة نعمه، وإخفار ذممه. وأخرج الشيخ اليفن أبو الوليد - بقية أشراف الأندلس في وقته - مفلوج الشدق، مائل الشق، مغلوب الباطل والحق؛ لم تحفظ له حرمة، ولا رعي فيه إل ولا ذمة.
بلغني أنه لما وسط به قنطرة قرطبة خارجا منها على مركب هجين، وحاله تقر عيون الحاسدين، رفع يديه إلى السماء، وأخذ يبتهل في الدعاء، وكان مما حفظ عنه قوله: اللهم كما أجبت الدعاء علينا فأجبه لنا؛ فمات بعد أربعين يوما من نكبته بجزيرة شلطيش مزال النعمة، [مذال الحرمة] ، فتعالى المنفرد بالبقاء، جبار الأرض والسماء. وأقرت ساقته بها، فأقاموا هنالك أكثر أيام المعتمد، يأخذهم الحدثان ويدعهم، ويخفضهم الزمان أكثر مما يرفعهم.
@فصل له في ذكر رحيل أين ذي النون عن قرطبة يقول فيه: لما نزل ابن ذي النون بسبيله، فكشف الله هممه عن أهل قرطبة، أبدوا الشمات به، وقضوا بالإدبار عليه، وتنقصوا حجاه، واستفالوا رأيه، وأضافوا سمو محله إلى حظوة جده، من غير استعانة منه بغريزة لب، أو مادة معرفة، أو اكتساب تجربة، إذ جمع الجيش ذا الألوف المختلفة الألسنة، الناهك الكلفة، فجره على بعد الشقة إلى قرن غفل غبي
стр. 605
منخلع من صالح الخصال، مترد في هوة السفال، لا يتحرز منه في حال من الأحوال، راكب للغي، مستميت على الإمارة، مطرح للنظر في العاقبة، شتيت الشمل، قليل الوفر، نزر العدد، حال البلد حاضر أهله، إلى من فارقوا من جاليهم، قد وقذه، ورجاله ورعيته طول ما صحبوا الغلاء وحالفوا المجاعة، يكاد يأسه يستولي على طعمه فيدفعه بالتوطي عن الكريهة، والتحكيم على متقلد خطة البغي في سوء العاقبة، قد مثل منتصبا لحظته، لابسا فؤاد القاسي فوق درعه، يكاثر بحور الحصى من فرط جهله، قد جمع محاشه عند شمرته لحربه، فما إن تتامت عدتهم مائتي فارس، أكثرهم مسوقون حاقدون معوقون مستقصرون، يشتري لهم القوت من السوق، مضيقاً على رعيته، ويزدلف بهم في غد أيامهم، ويعدهم ثواب عاجل الطعن نسيئةً على مستأخر النصر؛ قد علم ذلك من اختلال أحواله عدوه المتظاهرة قواه وعدده، فنزل بساحته نزول النظير له، المتكافئ العدة، متسنماً هضاب جبل البلد المسامتة لباب المدينة الجوفي، مهتضماً وأحبشه اللهام، بإنزاله إياهم ساترات تلك الأهضام، كالمتقدم بالاستظهار على مرهوب بيات الليل ومغافصة النهار، قد اقتصر من اللصوص بأهل البلد والموالاة لقتالهم على قفص يده لزروعهم؛ أطال بذلك حصار قرطبة، وأعداؤه يعجبون من طول كنفه لها، ويرونه لا محالة محروم المصال، مع ما يزجي من كتائب لو قادها
стр. 606
غشوم مسلط يوفيها حق إقدامها على من قادها إليه، لما قاومه نظير من أملاك أفقه، إذ يقول عدة دارعين ما بين أجناده وأمداده، ذوي ألسنة شتى، وبطارق أعزة تعرب عنهم التراجمة؛ لكنه سلطان الله يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. وما أحسن ما تمثل به معاوية عندما أفاده جده بحظوة الخلافة دون عليّ ﵁ الذي نازعه إياها، على بون ما بينهما، إذ قال وقد جرى ذكر عليّ ﵁ وخيبة سعيه:
لئن كان أدلى خاطباً فتعذرت ... عليه وكانت رائداً فتخطت
فما تركته رغبةً عن جنابه ... ولكنها لآخر خطت فليت شعري ما الذي يقوله مهنئ ابن ذي النون بقفوله إلى حضرته، ويصوغه ممتدحه في تمجيده، مع ضيق تولجهما، عن معذرة ينحلانها له، واعتياص احتيالهما في تخليصه ن قبيح ما ركبه - إن وجوه التكذب لتخجل دون مقابلته، والله تعالى شهيد عليه، كفيل بجزائه.
فلما تولى ابن ذي النون وقفل لطيته، أصبح فؤاد سلطان قرطبة الرابض إلى جنبه فارغاً من همه، مسترجحاً لرأيه، حامداً لجده، واثقاً بدوام ملكه، يرى أن قد فاز بحظه، بإيقاد نار الفتنة بين ابن ذي النون وابن عباد قرنه، وأنه مخير في التشبث بها، والانفصال عنها، متى شاء وكيف ارتأى. فاشتد جذله، واسترخى لببه، وارتاح إلى منصرف من عنده من رجل ابن عباد الثقال عليه، كيما يخلو بشأنه. فجعل يدس إليهم من يعرض، ويقطع تعدهم، وهم يرونه الحرص على الانطلاق عنه، والاستبطاء لإذن أميرهم لهم وقد كاتبوه، ويأخذون في التأهب لمسيرهم، ويعدون من ذهب إلى السفر معهم بوشك رحيلهم، وسرى القين أولى بهم. وقد سرى بين قوادهم وكبار من جاورهم من أهل البلد
стр. 607
من التدبير معهم، في أخذهم لسلطانهم البيعة التي تريهم أموراً غابت عنه، أذهله عن التجسس عليها انهماكه في لذاته، ومقارفته لمدامه، إلى أن انتهت مدتها. فثارت الجماعة بعد مسير ابن ذي النون عنه بسبعة أيام سواء، وكان من خلعه وزوال أمره ما نذكره بعد هذا إن أعاننا الله.
قال ابن بسام: فصح عندي أنه وصف كيفية خلعهم وإخراجهم من قرطبة في جزء كبير سماه " البطشة الكبرى " في مجلد كبير لم يقع إليّ وقت هذا التحرير.
@فصل في ذكر الفقيه القاضي أبي الوليد المعروف بابن الفرضي
شاعر مقل، هو في العلماء أدخل منه في الشعراء، ولكنه حسن النظام، مقترن الكلام، رحل ورحل إليه، وأخذ وأُخذ عنه.
أخبرني الفقيه أبو بكر ابن الفقيه الوزير أبي محمد ابن العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال: حدثني الفقيه محمد علي بن أحمد بن حزم
стр. 608
قال: أخبرني القاضي أبو الوليد ابن الفرضي قال: تعلقت بأستار الكعبة وسألت الله الشهادة، ثم انحرفت وفكرت في هول القتل فندمت، وهممت أن أرجح فأستقيل الله ذلك فاستحييت. فمات مقتولاً ﵀ في الفتنة أيام دخول البرابرة قرطبة سنة أربعمائة. قال أبو محمد ابن حزم: أخبرني من رآه بين القتلى يومئذ وهو في آخر رمق يقول: " لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك ".
كأنه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك، ثم قضى نحبه هنالك. وهذا الحديث في الصحيح، أخرجه مسلم بن الحجاح مسنداً عن النبي ﷺ .
وأخبرني الفقيه المذكور عن الحميدي قال: أنشدني الفقيه أبو عمر ابن عبد البر، قال: أنشدني أبو الوليد [ابن] الفرضي شعره في طريقه إلى المشرق في طلب العلم، وكان كتب بها إلى أهله، حيث يقول:
مضت لي شهور منذ غبتم ثلاثة ... وما خلتني أبقى إذا غبتم شهرا
وما لي حياة بعدكم أستلذها ... ولو كان لم أكن بعده حرا
سأستعتب الدهر المفرق بيننا ... وهل نافعي أن صرحت أستعتب الدهرا
أعلل نفسي بالمنى في لقائكم ... وأستسهل البر الذي جبت والبحرا
ويؤنسني طي المراحل بعدكم ... أروح على أرضٍ وأغدو على أخرى
стр. 609
وتالله فارقتكم عن قلىً ... ولكنها الأقدار تجري كما تجرى
رعتكم من الرحمن عين بصيرة ... ولا كشفت أيدي الردى عنكم سترا والبيت الأول من هذا ينظر إلى قول أبي عبد الله ابن شرف القروي:
فارقتهم لا لملالٍ ولا ... قلىً ولكن للخطوب الكبار
ستة أعوام وما كان لي ... فر فرقة الأيام عنهم قرار وقال أبو مروان ابن شماخ:
صبرت والبعد أحوال وذا عجب ... ولم أكن صابراً والبعد أميال وقال الحميدي: وأنشدني أيضاً الفقيه أبو عمر ابن عبد البر:
إن الذي أصبحت طوع يمينه ... إن لم يكن قمراً فليس بدونه
ذلي له في الحب من سلطانه ... وسقام جسمي من سقام جفونه وبالسند المذكور عن أبي عمر بن عبد البر قال: أخبرني أبو الوليد ابن الفرضي بتاريخه في العلماء والرواة للعلم بالأندلس.
стр. 610
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي جعفر ابن اللمائي
@وإثبات جملة من نظمه ونثره
وكان أبو جعفر هذا [وقته] أحد أئمة الكتاب، وشهب الآداب، من سخرت له فنون البيان، تسخير الجن لسليمان، وتصرف في محاسن الكلام، تصرف الرياح بالغمام. طلع من ثناياه، واقتعد مطاياه، ولع إنشاءات سرية، في الدولة الحمودية، إذ كان علم أدبائها، والمضطلع بأعبائها، إلا أني لم أجد عند تحريري هذه النسخة من كلامه إلا بعض فصول من منثور، [هي ثماد من بحور] ، وقد أخرجت من براعته ما يشهد له بالفضل في صناعته، والتقدم على أكثر جماعته.
стр. 611
فصل له من رقعة خاطب بها أبا جعفر ابن عباس:
غصن ذكرك عندي ناضر، وروض شكرك لدي عاطر، وريح إخلاصي لم صباً، وزمن آمالي فيم صباً، فأنا شارب ماء إخائك، متفيء ظلال وفائك، جان منك ثمر فرع طاب أكله، وأجناني البر قديماً أصله، وسقاني إكراماً برقه، ورواني إفضالاً ودقه؛ وأنت الطالع في فجاجه، السالك لمنهاجه: سهم في كنانة الفضل صائب، وكوكب في سماء المجد ثاقب، إن أتبعت الأعداء نوره أحرق، وإن رميتهم به أصاب الحدق؛ وعلى الحقيقة فلساني يقصر عن جميل أسره، ووصف ود أضمره، " وإنما يبلغ الإنسان طاقته ".
وموصل كتابي هذا اختل ما عهده من أمره، وطغى عليه بحر دهره، فإن سبح غرق، وإن شرب شرق، وله أصل يوصله إلى استقلال بك،.
وله من أخرى يعزيه في أبيه:
إن لم أجد التأبين، فأجد البكاء والحنين؛ وإن لم أحسن التملق والإطراء، فأحسن الإخلاص والدعاء. واتصل بي موت الوزير أبيك
стр. 612
لقاه الله غفرانه - وكونك بفضل الله مكانه، فروع جنان الصبر، وأخرس لسان الشكر: بدر أفل، وهلال استقل. أعزيك وأسليك. قدر مصابك قدر ثوابك. صبراً جميلاً عليه لتؤجر، وفعلاً حميداً بعده لتذكر. أصاب الغرة فأصب، وأتعب أهل زمانه فأتعب. أقول محققاً، وستشهد لي مصدقاً: أولاني من البر ما لا أدفعه، وألبسني من الإكرام ما لا أخلعه:
ستفتح عيني عليه دماً ... إذا ما العيون سفحن الدموعا
فقد كان غصني به ناعماً ... وروضي أنيقاً ودهري ربيعا وله من أخرى إلى القاضي ابن عباد:
روض العلم - أيدك الله - في فنائك مونق، وغصن الأدب بمائك مورق، وقد لفظ بحر العلم درره، وأطلع روض المجد زهره، فأهدى ذلك مع المنشد أبي محمد نفيس أجناسه، وبعث هذا نسيم أنفاسه، فهو لؤلؤ أدب، ونوار طرب، يسقيك جنانه عقار اعتقاده، في كأس وداده؛ يغنيك لسانه أشعار حمده، في مثاني قصده؛ مشيراً إلى ثمر معان من بدائعه لا تجنى، فوق شجر بيان من غرائبه لا ترتقي، فإذا لاحظها الفكر أنس، وإذا رامها أيس. ولم يسر إلا ليحمد سراه
стр. 613
ولا قصد إلا ليبلغ مناه؛ ولم يناد بحمدك إلا لتجيبه، ولم يرم بك دهره إلا ليصيبه؛ فأمطر رجاءه بعض طلك، ووسد جوازئه أبردي ظلك، فما ماؤك بوشل، ولا وردك بنهل؛ وفيه أجر، ولديه شكر.
وله من أخرى: وردني في ذلك كتاب كريم بنت البلاغة سماء بيانه، وجادت أرض إحسانه، فنور شمسه يشرق في ليل نقسه، وكوكب نواره يتألق في اسطاره، فأصبحت تختال بخلتك، وتبسم عن مودتك، وقد سرى خيالك فشوق، واستطار برقك فأرق؛ فأجفان الإخلاص ناظرة إليك، ويد القبول مسلمة عليك، فصل ما جعلك الفضل فيه أصلا، ورآك أهلا. وقد حل المنشد أبو محمد من جفن الشكر في سواده، ومن صدر الإحسان في فؤاده، ألبسني حلة إخائك، وسقاني رسل وفائك، وحالي حال من يعدك في عدده، ويعدك من عدده.
стр. 614
@ومن شعره
ولم يقع لي من نظم أبي جفعر عند إملائي هذه النسخة من هذا المجموع إلا ما أنشدني الأديب أبو بكر ابن بقي قال: أنشدني أبو الربيع ابن العريف لجده الكاتب أبي جعفر ابن اللمائي:
قد قلت إذ سار السفين بهم ... والبين ينهب مهجتي نهبا
لو أن لي ملكا أصول به ... لأخذت كل سفينة غصبا [أنشد أبو المنصور هذين البيتين للخباز البلدي في اليتيمة] .
وأنشدني أيضاً عنه له:
غني وللإيقاع فو ... ق بيان منطقه بيان
وكأنما يده فم ... وقضيبه فيها لسان ودخل عليه بعض أصحابه في علته التي مات منها، فجعل يروح عليه، فقال في مقامه:
روحني عائدي فقلت له ... مه، لا تزدني على الذي أجد
أما ترى النار وهي خامدة ... عند هبوب الرياح تتقد
стр. 615
ومما قال في هذه العلة، وكانت داء النسمة:
عظم البلاء طبيب يرتجى ... منه الشفاء ولا دواء ينجع
لم يبق شيء لم أعالجها به ... طمع الحياة، وأين من لا يطمع -
" وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع " ومما وجدته أيضاً بخطه لنفسه:
طلعت طوالع للربيع فأطلعت ... في الروض وردا قبل حين أوانه
حيا أمير المؤمنين مبشرا ... ومؤملا للنيل من إحسانه
[ظنت سحائبه عليه بمائها ... فأتاه يستسقيه ماء بنانه]
دامت لنا أيامه موصولة ... بالعز والتمكين في سلطانه [وله:
يا كبدي بالبين من أكلمك ... ويا دموع العين من أسجمك -
ويا فؤداي كم تقاسي الهوى ... مكتتما عني، ما أكتمك!
علمتك الكتم أما تستحي ... ويحك أن تكتم من علمك -
كنت أداويك فلا ذنب لي ... لو أنني أعلم من أسقمك] ونقل أيضاً من خطه قصيدة من شعره يشكو نوائب دهره، أولها:
أمسى سقامي زاجري ومؤنبي ... وغدا مشيبي واعظي ومؤدبي
стр. 616
أوهت خطوب الدهر مني عاتقي ... ثقلا، وزعزع منكباه منكبي
وهمت سحائبه علي فغادرت ... أرضي قرارة كل خطب معجب
فأظل أبصر فيه لم أحتسب ... جورا وأقرأ فيه ما لم أكتب
سن حديث تحت جد شارف ... وسواد رأس فوق قلب أشيب
أغدو على بكر لصرف بناته ... وأروح مبتنيا بأخرى ثيب
أفتض منها كل يوم عذرة ... لا تشتهي وأزف ما لم أخطب
يا سيدي وأخي الوفي وما أخي ... منه إلى قلب الإخاء بأقرب
وإذا غدا العلم المشرف أهله ... نسبا يؤلفنا فنحن بنو أب
هلا اهتديت إلى خطاب مرزإ ... ما بين أضلاع الخطوب مغيب
لم يبق منه الدهر غير مدامع ... سفح وقلب بالسقام معذب
أخفتني الأيام في لهواتها ... وسجنني فيها فكيف شعرت بي -
وكتبت عن ود وقد كتب الإخا ... بين النفوس صحائفا لم تكتب
بأرق من دمع المشوق فؤاده ... وأرق من ريق الحبيب وأعذب
فظللت منه في غدير بلاغة ... عذب وملتف الحدائق معشب
كرمت مغارسه فأورق فرعه ... علما وأثمر بالكلام الطيب
صبح تدرع من سواد مداده ... ليلا كفعل الزائر المترقب
خفيت معانيه على أوهامنا ... فالفكر بين مصدق ومكذب
طلعت كواكبه ولما تطلع ... وغربن فيه لنا ولما تغرب
أنا مذنب لا شك إذ لم أستطع ... رد الجواب وأنت غير المذنب
стр. 617
حملته من طيب الإخاء محبة ... فيكم وإخلاص لكم فتطيب
وبعثث ماء الورد فيه سائغا ... عذبا لذائقه زلالا فاشرب
أذكى من المسك الفتيق نسيمه ... أرجا وأصفى من لعاب الجندب @فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي عبد الله البزلياني
@وإثبات جملة مما نثر، مع ما يتعلق بذلك من خبر
وأبو عبد الله البزلياني كان في ذلك الأوان، أحد شيوخ الكتاب، وجهابذة أهل الآداب، ممن أراد الملوك ودبرها، وطوى الممالك ونشرها. وقد أجرى ابن حيان طرفا من ذكره، وشرح مآل أمره. وقد ألمعت أنا منه بلمعة في أخبار ابن عبد البر في القسم الثالث من هذا المجموع.
وذكره بموضع آخر من كتابه فقال: ولما قبض عابد على البكريين بأونبة وشلطيش وتملكها منهم سنة ثلاث وأربعين، جعل بهما ابنه محمدا، واستكتب ابن البزلياني الكاتب البليغ النحرير. وإلى ابن عباد صارت مصايره بعد طول تقلقله في البلاد.
стр. 618
@فصول من نثره
فصول من رقعة عن حبوس إلى ابن عبد الله أمير قرمونة:
من النصح تقريع، ومن الحفاظ تضييع، ولكل مقام مقال، إذا عدي به عنه استحال. ووصل إلي منك كتاب طمست منحاه، وعميت معناه، أومأت فيه إلى النصح، ودللت على سبيل النجح؛ فوقفت على فصوله ومعانيه، وأحطت علما بجميع ما فيه. ولم يكن لمن أوحشت جهته، وتغيرت مودته، أن يدخل مدخل الناصحين، وقد خرج من جملة المشفقين. وكان بالجملة أوله سباب، [وآخره إعجاب] ؛ والسباب لا ينطق به كريم، والإعجاب لا يرضى به حليم. وقد نزهني الله عن المقارضة بهذا ومثله. وما أحسن قول القائل:
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم فإن كنت أردت أن تستصلح مني بسبك فاسدا، وتستقرب من ودي باستطالتك مباعدا، فما هذه شيم يقضي بها الفضل، ولا سياسة يحكم بها العقل. وإن كنت أردت التخويف والإيعاد، والإبراق والإرعاد، فقد كفني بيت الكميت:
стр. 619
أبرق وأرعد يا يزي ... د فما وعيدك لي بضائر وأنا أحد البرابرة: لا أخرج عن جماعتهم، ولا أبعد عن موافقتهم، ولا أرغب بنفسي عن نفوسهم:
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد وفي لزوم الجماعة السداد والرشاد، والغي في الانفراد والاستبداد.
وأما قولك: " فمن كان متبوعاً قلما يستقيم أن يكون تابعاً، ومن عرف في النادي مطاعاً لم ينقلب مطيعاً، إلا أن يصادف هدي العمرين، وأجدر بذلك أن يبعد " - فقد أزريت على كل خلافة، وبينت أنك خارج عن كل فرقة، وأن غرضك المحاماة عن غزك، والمرامات دون حرزك، وليس هذا نظر مشفق، ولا قول محقق، إذ لا تتم ديانة إلا بإمامة يدعى إليها، وتجري السنن عليها، إلا في مذهب نافع بن الأرزق وعبد ربه وأشباهها.
وفي فصل منها: وما ذكرته من الذي بين الطائفتين من بني عمنا بالعدوة، فكل أمر بقدر، ولكل نبإ مستقر، والدنيا أحوال، والحرب سجال، وخيرهم وشرهم عنا بعيد، وكل من نصرك وأيدك فهو القريب الودود، وإن تفرقت الآباء والجدود. ومن شذ عن الجماعة وفارقها، ونابذها وشاقها، فهو الجاني على نفسه وعليها، والجار سوء العاقبة إليه وإليها؛ وأكثر
стр. 620
الوبال واقع على الظالم، ونازل بالجارم. والله ولي التوفيق، والهادي إلى سواء الطريق.
قال ابن بسام: وذكرت بإنشاده: " وتجهل أيدينا " ... البيت ما حدثت به عن يحيى بن علي الحمودي في أيام محاربته لاشبيلية، وبعض الرجالة يعلن بثلبه، ويصرح أقبح التصريح بسبه، وهو يظن أن قد تحصن منه بالأسوار، واحتجب عنه بما دونه من حماة الذمار، فدب إليه دبيب الكرى، وساوره مساورة ليث الثرى، حتى خالطه سيفه الصقيل، ثم انصرف إلى مركزه وهو يقول:
ونشتم بالأفعال لا بالتكلم ... [وله من أخرى عنه إلى ابن منذر: واتصل بي ما وقع بينك وبين المؤتمن وأبي المنذر والموفق وعضد الدولة أبي الحسن، وأنكم اضطررتم إلى إخراج كل فريق منكم النصارى إلى بلاد المسلمين. فنظرت في الأمر بعين التحصيل، وتأولته بحقيقة التأويل؛ فعظم قلقي، وكثر على المسلمين شفقي، في أن يطأ أعداؤهم بلادهم، ويوتموا أولادهم، ويتسع الخرق على الراقع، وينقطع طمع التلاقي على الطامع. ولو لم تكن - يا سيدي - الفتنة إلا بين المسلمين، والتشاجر إلا بين المؤمنين، لكانت القارعة العظمى، والداهية الكبرى. فإذا تأيدنا بالمشركين، واعتضدنا بالكافرين، وأبحناهم حرمتنا، ومنحناهم
стр. 621
قوتنا، وقتلنا أنفسنا بأيدينا، وأدتنا إلى الندم مساعينا، كانت الدائرة أمض، والحيرة أرمض، والفتنة أشد، والمحنة أهد، والأعمال أحبط، والأحوال أسقط، والأوزار أثقل، والمضمار أشمل. والله يعيذنا من البوائق، ويسلك بنا أجمل الطرائق.
ولما انتظرت أن يسفر لي ذلك الديجور، وتستقر تلك الأمور، وأبطأ ذلك عليّ، ولم يعد من قبلك رسول إليّ؛ داخلت عميد الدولة جاري في هذه الأنباء، وراوضته في علاج هذه الأدواء؛ وأنت يا سيدي للمسلمين الحصن الحصين، والسبب المتين، والنصيح المأمون، فاجر في جمع كلمتهم، والمراماة دون حوزتهم] .
له من أخرى: يا سيدي الذي قطعت بالاتصال به مدة عمري، ونظمت في أجياد علاه درر حمدي وشكري؛ ومن أبقاه الله للفضل يرسي هضابه، والعلم بذل صعابه، والمجد يؤلف مختلف، والحمد يلبس مفوفه. أنا أحمد حالاً آوتني إليك وإن كانت ذميمة، وعلةً أصحت أملي وإن كانت مليمة فقد عادت كريمة، فرب صغيرة عادت عظيمة، وهيهات:
стр. 622
من رغب عن الفضل فنفسه ظلم، ومن فر من الليل أدركه حيث خيم. ومن لكل ظمآن بعذب زلال، ولكل آمل بنيل الآمال - وما كل مستسقٍ يمطر، ولا كل طالب يظفر. ولولا العلل لم تحمد الصحة، ولولا الترحة لم تطب الفرحة. وما ضاق عذر من وسعه حلمك، ولا خذل دهر من نصره عزمك. وما عشت يا سيدي عمراً لم أقطعه في ذراك، ولا نلت حظاً لم يكن بمسعاك، ولا حسن لي عمل خالف هواك، ولا لذ لي أمل لم يكن برضاك. والآن قد أمكنك استرقاق حر رائده، من حريتك، وابتناء مجد دعائمه من سروك ومروءتك، فالأبي مصحب لمرامك، والعصي مطيع لا عتزامك. وما أحسن العافية ولا كحسنها بعد البلاء، وما ألذ السعادة ولا كلذاتها بعد الشقاء، وما أنقع الورد لغلة الخوامس، وأطيب الظل للضاحي الشامس! ومن عدم الشفعاء قامت أمامه فضائلك، ومن قسا عليه الزمن لانت له شمائلك. والشمس بعد السحاب أبهى، والإمكان بعد التعذر أشهى. ومن يحسد مناوئاً، ويغبط مضاهياً، فأنا أحسد على ملاقاتك، وأغبط نفسي على مناجاتك. فإن منعت عنك عيني فقد رأتك في كل حسن تراه، وإن حزنت بالبعد منك فقد سررت بما من لقائك أتمناه. والله يدنيني من حضرة المجد، والتماح غرة السعد.
وله فصل من رقعة: وتوجه فلان إلى ما قبلك يأمل سناً فهداه، ورجاءً
стр. 623
هب له نسيمه فحياه وأحياه. وإن طائراً أجري بسعدك لسانح، وإن تاجراً افتتح باسمك لرباح، وبعزماتك تنفذ الأسنة فكيف أشحذها، ولمثلك تنفع التذكرة فكيف أنبذها - وقد تهز الصوارم فتقد الدروع، وتهاج الضراغم فتفض الجموع؛ وحماك الإسلام فكيف يباح - وركنك الإيمان فكيف يزاح - وجارك الأدب فكيف يهتضم - وحزبك القرآن فكيف يغلب ويذم -
[وله فصل من أخرى عن حبوس إلى صاحبي شاطبة:
وقد عقد الله بيننا عقوداً قادها للاختيار؛ وفي طول الأمد، وتصرم المدد وتباعد الديار، وتقلب الليل والنهار، ما يحيل الأحوال، ويقطع الآمال، ويشفق منه الضنين، وتسوء منه الظنون؛ لا سيما إلى هذه الفتنة التي تبلد الحليم، وتخلط الصحيح بالسقيم. وأنا لكما الصفي الذي لا تقدح الأيام في وده، والوفي الذي لا يخشاه الأنام على عهده. وإذ لا سبيل إلى أن أؤدي معتقدي في ذلك مشافهة، فإني أنبأته مكاتبة، مع من ينطق بلساني، ويشفق بجناني، ألصق أسرتي نسباً، وأفضل خاصتي حسباً، وأصدقهم عني خبراً، وأحمدهم في السفارة أثراً، الوزير أبي فلان] .
وله في فصل: تفديك نفس نفست عنها خناق الكروب، وأنقذتها من أيدي شعوب، وأسأل الذي سنى لك الفضل عليّ، وجعل من نعمتك أكبري:
стр. 624
همتي ولبي، وطبع يشكرك أصغري: لساني وقلبي، أن يجزيك جزاء من أحسن ثم عاد، ووالى فضله وزاد، كالرياض تعاهدتها العهاد؛ وألا يخيلك من فعل يكتب الذكر محاسنه على صفحات الدهر، ويصير ثاقبه في سماء الفخر، ثالث الشمس والبدر.
وله في فصل من أخرى: قد قيدني من برك وإيثارك ما أفصح عن طيب نجارك، وأوضح عندي كريم آثارك، وتعركني أرسف في قيود الامتنان، وأنوء بأعباء الإحسان. وأقعدني عن لقائك لسان حسير، وخاطر بهير، وحد كليل، ولحظ من الحياء عليل؛ وشيمة الدهر إذا صفا تكدر، وإذا عافى تنكر، وإذا سر أحزن، وإذا سهل اخشوشن، وإذا سمح بالإنعام، بخل بالتمام.
وله فصل: هذا الوقت الذي كنت أتأياه، والحين الذي ما زلت أتمناه، والزمن الذي قاسيت فيه تعب الانتظار، وقطعت إلى بلوغه مسافة الليل والنهار. وإلى مثلك يتقرب بإخلاص الوداد، ومن فضلك تجتني ثمرة [حسن]
стр. 625
الاعتقاد؛ ولا يجتمع رجاؤك واليأس في قلب، ولا تحل محبتك والحرمان في خلب.
وله في فصل: البدر وصوف ولا كصفة الساري به، والبحر معروف ولا كمعرفة الجاري فيه، وقد جلوت بنورك من الظلمات، واجتليت بجنابك من الأمنيات، وما وسم زماني الغفل، وصار لذلك الدهر على سائر الدهور الفضل؛ أيام ناديك محط كل مرتاد، وجارك أمنع من جار أبي دواد، إلى أن ضرب البعد بجرانه، وحكم الدهر بعدوانه، وأعاد العين أثراً، والخبر خبراً، واللقاء توهماً، والمناسمة توسماً؛ ومع ذلك فما خست بذمم فضائلك، وما أنست إلا بكرم شمائلك؛ أمزج بذكرها خطبان الخطوب فتحلولي، وأسرج بسناها في أجفان الكروب فتنجلي، وأرمي بها إذا هوى سهمي فيصيب، وأتنسم عرفها إذا خوى نجمي فيصوب.
وحاربتني الأيام عليك، فلم توجدني سبيلاً إليك؛ إلى أن طلع نجمك في مطلعه، ووقع حزمك في موضعه، وأعطيت القوس باريها، والسهام راميها، والدرر أجيادها، والغرر جيادها، وفي الشمس يقوى السعد، وفي عنق الحسناء يستحسن العقد.
стр. 626
[وله من أخرى إلى ابن عبد الرحيم: طيب ثنائك ثنى إليك أنسب، وغريب وفائك أفاء عليك نفسي. والثناء النفيس شرك النفوس؛ وفعل المحبوب مصائد القلوب؛ ومن كان الفضل من أنصاره، اجتمع على إيثاره؛ حين طلعت من سماء فضلك نجومه، ونضر بك من روض رجائي هشيمه. وأنا أحمد للأيام هذه الكرة، وأستغرب من أفعالها هذه الندرة. وأحب أن يعلم سيدي أني سابق في مضمار وداده، لاظ بثنايا ارتباطه واعتقاده، أثني عليه خنصري إذا عددت واعتددت، وأبدأ به بعد البسملة إذا كتبت من وددت واعتقدت. وله - أعزه الله - الرأي العالي في قبول من أقبل عليه، والنزاع من نزع إليه. فأقسم لو كتب عني عطارد، أو جعلت لك النجوم قلائد، ما أقنع في وصف ودادي، ولا بلغت الأمل من مرادي] .
وله من أخرى إلى أبي جعفر ابن عباس، وقد زاره فلم يوفه حقه:
كلف المروءة - أبقاك الله - صعبة إلا على الكرام، وطرق الجفاء رحبة لسلوك اللئام، والأحمق يرى البر خسراناً، ويعتقد إكرام الوافدين نقصاناً، فيمنح الكثير من عرضه، ويمنع اليسير من عرضه، ويلبس درعاً وهو مهتوك بالطعن، ويجعل الكبرياء رداءه وهو مطرز باللعن؛ والكبرياء رداء الله الذي من جاذبه إياه قصمه؛ والتقى حبل الله الذي من تعلق به عصمه، وما يتكبر إلا من جهله، وعجب المرء أحد
стр. 627
حساد عقله؛ والمتكبر في النفوس صغير، والمتواضع في الصدور كبير؛ والرفيع من ترفع عن الدناءات، والوضيع من ادعى لنفسه واجباً وضيع الواجبات. وجئتك زائراً، فكأني جئتك آملاً، وأردت مصافحتك فما مددت يداً، وطلبت معانقتك فخلتك مقعداً، وبعد أن هممت بالنهوض أقعدك الكسل، كأنك خمصانة أثقلها الكفل؛ وجعلت تشير بالحاجب وتلوي الشفة، وتدعي بالجهل في كل شيء معرفة. فما كان ضرك حين أخللت لو أجللت، وما كان يسوؤك حين ناظرت لو أجملت، وما كان ينقصك حين حكمت لو عدلت -
زعمت أني أخطأت في كتب " سحن الوجه " بالسين، وطمست طرق المخارج لي وهي تستبين، وهذه اللغة كلها قد طلبتها فلم أجد فيها " صحن الوجه " بالصاد، فإن أردت أن تستعير " صحن الدار " للوجه فلا يبعد أن أجعل " السحن " جمع سحنة، وهو أقرب وأعرف؛ وإن قلت إن الأكثر اتفقوا على كتابه بالصاد، فإن لمثلي أن يختار في كلام العرب ما أراد. وما أبرئ نفسي من زله، ولا أعصمها من ظهور خلة؛ فالأدب يجعل للأديب مخرجاً، ولا يجعل باب العذر له مرتجاً.
стр. 628
وفي فصل منها: ومن العجب أن تنسبني إلى الشعوذة وهي حصنك إذا غلبت، وتلحنني في النطق وهي عادتك إذا كتبت. ولعمري لقد قلتها ولقد جهلتها، وتركتها وما عرفتها؛ وكما أن بركة الأشجار في الأنوار، فكذلك بركة الأدب في الرسائل والأشعار. فأين رسائلك وأشعارك، ومؤلفاتك وآثارك - هيهات هيهات: غلبك على الحق أهله، ونفاك عنه جهله؛ وكفاك ما طار لك من حسن الذكر، وطيب النشر، ولمثله فاعمل، وعلى ما كسبت منه فتوكل، فتحصد الذي زرعت، وتعلم عاقبة ما صنعت.
" وهذه نبذة من كلامه الواقع من هذا السفر، مكان الواسطة من عقد البكر، جمعها أبو الحسن في مسودة هذا التأليف، ورأيته قد ألمع منها عند التحرير بالنزر اللطيف على عادته من إيثار الاختصار واقتضاب ما يتخلص على الانتقاء والانتخاب. وقد رأيت أن أحبر منها الأوراق التي بقيت بيضا، بما يخجل الروض أريضاً، ويزري بالمسك فضيضاً، تحفظاً بتلك الآثار الكرام أن تعفو، وخوفاً على تلك الأنوار الوسام أن تخبوا ".
[ ... ] أفاز الله يا سيدي الأعلى قدحك، وجعل لمرضاته كدحك، وسدد إلى أغراض الصواب سهامك، وأورد على حياض السحاب أعلامك؛ وفتح المبهمات
стр. 629
بعزمك، وأوضح المظلمات بنجمك، وأبقى المحاسن ببقاك، وسقى مواطن العلياء بسقياك.
كتابي يا سيدي، وأجل عددي، كتب الله لك السلامة، ووهب لك الكرامة، ولو تقدمني في الاعتراف بمآثرك مطنب، أو أفحمني في أوصاف مفاخرك مسهب، ما شق غباري في ودادك مجار، ولا تعلق باثآري في اعتقادك مبار. وكيف وقد حزت الغايتين من تفضيلك [وإعزازك] ، وأحرزت الفضيلتين من تبجيلك وإحرازك؛ وما انفردت من زماني بفائدةٍ توازيك، ولا استبددت من إخواني بفائدة تساويك؛ وبحسب ذلك ضني بك وشحي، ومحبتي لك ونصحي؛ وما أذكرك ما لا تذكر، ولا أبصرك ما لا تبصر؛ فأي علمٍ إلا سلكت شعابه، وأي حلم إلا ملكت رقابه؛ وإن كنت لا أورد عليك إلا ما يؤثر عنك، ولا أوفد إليك إلا ما يظهر منك، فللساعي مراده، وللداعي اعتقاده، وللمجتهد أجره، وللمقتصد عذره؛ فما أستصبح إلا من قمرك، ولا أستوضح إلا بغررك، ولا أعشو إلا لنارك، ولا أمشي إلا بأنوارك. والله يبقيك للأفضلين أسوة، ويحييك للأكرمين قدوة.
واتصل بي يا سيدي ما وسوس به الشيطان من الأمر، حتى عمد له البيان، في الفتق لأثر مسحوب وقدر مكتوب. وأنت الذي نجذته التجارب، وشحذته النوائب، وارتضع أخلاف الحروب، وامتضغ أصناف الخطوب، وعجم قناة الزمن، واقتحم غمرات المحن، بقلبٍ غير منخوبٍ ولا وهل، وعقل غير مسلوب ولا وكل، وذكاء تنكسف له ذكاء، وآراء ينكشف لها الغطاء، وعلمٍ لما تأتي وتذر، وفهمٍ بما تورد وتصدر، ومذاهب مثلها لك التحقيق، ومطالب شرحها التوفيق؛ فهي بعصمة الله محفوفة، وبنعمته مكفوفة، وعلى إرادته متوقفة، وفي طاعته متصرفة؛ فكم لك في المشركين من البلاء الجميل، وعلى المسلمين من الغناء الجزيل؛ فكم علمٍ خلدت
стр. 630
وحزمٍ أيدت، وكم فضلٍ أبديت وأعدت، وكم طول بنيت وشيدت، وكم راية للدين رفعت، وغيابةٍ عن المسلمين قشعت. أفالآن يدعى للهوادة، ويسعى العادة، حين أملت للزيادة، واكتهلت في السيادة، وأرج بفخرك كل ناد، ولهج بذكرك كل حاد؛ عديم أتراب وأقران، ونديم آدابٍ وقرآن؛ لم تفتك من الفعال فضيلة، ولا شانك إلى الكمال وسيلة. ولا أعرفك من المعالي ما لا تعرف؛ ولا أصفك من المفاخر بما لا توصف؛ الألسنة عن واجبك حسيرة، والأمكنة بمناقبك معمورة، والله تعالى يزيدك علواً ومجداً، ويقيدك سمواً وجدا. وأنت لا تألو المسلمين نصحاً، ولا يعدمهم سعيك نجحاً، ولا يفقدهم هديك صفحا. فعياذاً بالله أن يسفك بك دم، ويهتك بسببك محرم، أو يهلك بطلبك مسلم؛ وأنت العالم بأمر الله، والقائم بسنة رسوله، والحاكم بما يرضاه، والعاصم بتنزيله، والمقتدي بسبيله، والمهتدي بدليله. فلا أتلو عليك من آدابه إلا ما أحكمت تأويله، ولا أجلو لك من تبيانه إلا ما قدمت تحصيله. فما مثلك من أهل الفضل [يذكر] يقول الله : ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ؛ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ (التوبة: ٧٠) .
وله عنه إلى صاحبي شاطبة: كتبت يا سيدي، ومشارب الآمال قد تكدرت، ووجوه المحاسن قد تغيرت، وأيدي التوازر قد قصرت، وسبيل التناصر قد توعرت، إلا أن يتلاقى الله الخلل بتسديد نظركما، وينعش الأمل بحميد أثركما؛ فينظم الشمل، ويصل الحبل، ويسد الثلم، ويشد الحزم، ويرقع المنخرق، ويجمع المفترق، ويضع الإصر، ويرفع الوزر، ويعيد الكلمة متفقة، والأمة متسقة، والأيدي متأيدة، والنفوس متوددة، والأهواء متعاضدة، والأنحاء واحدة، والدماء محقونة، والعاقبة مأمونة؛ والله تعالى يعين كلا على الصلاح، ويفضي بنا إلى النجاح، بعزته.
стр. 631
واتصل بي ما وقع بينكما وبين المظفر أبي محمد من المتنازع، الذي أخاف أن يفضي بكم إلى التقاطع، وورد عليّ كتابكما الكريم في ذلك بما ترقبت انصرام أجله، وتنظرت انحسام علله، حتى خشيت أن يتمادى بكم اللجاج، ويتعاصى في أموركم العلاج، وأشفقت من ادلال الشيطان بمخاتله، وإطلال الخذلان بحبائله؛ فيقرع الثكلان سنه من الندم، وينطوي الحران على يده من ألم. وحالي يا سيدي في الأخذ من أحوالكم بأوفر نصيب، والتزع في أموركما بأكبر ذنوب، حال من أعدكما لحوادث الزمن، وكوارث المحن، واعتقد كما العدة الكافية، والعصمة الواقية، فيما استسر وعلن، وظهر وبطن؛ فلم أر نفسي في سعةٍ من إهمال التذكرة، وإغفال التبصرة. والله يعيد الكل من الشتات والشمات، ويعيدكم إلى المواساة والمواتاة.
ولم يخف عليكما ما في صلاح ذات البين، من الفوز بخير الدارين، وأمن العباد، وخصب البلاد، وإعزاز الدين، وإذلال القاسطين، وتوهين المشركين، وقوة العضد، ووفور العدد، ودعة الأجسام، والرعة عن الآثام، وستر العورات، وحفظ الحرمات، والانتهاء إلى حدود الله، والازدجار بزجره، والتأدب بأدبه، والائتمار بأمره؛ فإنه يقول عز من قائل ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ (الأنفال: ١) وقال (واعتصموا بحبل الله جميعاً) ... الآية (آل عمران: ١٠٣) وقال ﷺ " لا تقاطعوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً وعلى طاعته أعواناً ". وقد علمتم أنه لم يهلك من هلك من الأمم الماضية، والقرون الخالية إلا بتقاطعهم وتحاسدهم وتدابرهم وتخاذلهم، وأن اللجاج مطية الجهل، والهوى آفة العقل، والحمية من أسباب الجاهلية، والعصبية من العنجهية، والحرب مشتقة المعنى من الحرب؛ مع ظنك المتغلب وكأنه المتغلب، توتم الأطفال، وتلتهم الرجال، سوق
стр. 632
لا ينفق حاضروها غير النفوس والأرواح، وشرب يتعاطون المنايا بظبا السيوف وأطراف الرماح؛ مصروعهم دائر وصارعهم خاسر، وماضيهم نادم، وباقيهم واجم.
والذي يحملون من أوزارهم وأوزار مع أوزارهم، ويحتقبون من آصارهم، تسلط النصارى على المسلمين، وعيثهم في بلادهم يقتلون ويأسرون؛ فالأموال مستهلكة، والحرمات منتهكة، والدماء مهراقة، والنساء مستاقة، وعقد الدين مفسوخ، وعهد الإسلام منسوخ، والكفر عال على الإيمان، والسوء غالب على الإحسان. فقد بلغني أن مذهبكم الاستجاشة بالنصارى إلى بلاد المسلمين، يطؤون ديارهم، ويعفون آثارهم، ويجتاحون أموالهم، ويسفكون دماءهم، ويستعبدون أبناءهم، ويستخدمون نساءهم. وإن نفذ هذا - وأعوذ بالله - فهي حال مؤذنة بالذهاب، وجريرة تؤذن بالخراب؛ ولم نأمن أن يظهر لهم من الخلل في بلادنا، والقلة في أعدادنا، ما يجرئهم علينا، ويجرهم إلينا، بما لا نقدر على مكاثرتهم فيه، ولا نقوى على مصابرتهم به، فتلك الوقعة التي لا ينتعش عثورها، والقارعة التي لا ينجبر كسيرها. ولم أجد يا سيدي وعدتي دواء أنجع، ولا سعياً أنفع، من صلة يدي بيد الفتى الكبير فلان، في توسطه هذه الأحوال بينكم، والتأني، لإصلاح ما فسد منها عليكم، ولم نلف سبباً إلى كشف هذه الغيايات، وفتح هذه المبهمات، أقوى في النجاح، وأهدى إلى الصلاح، من بعث أعلام بلدنا، ووجوه رجالنا.
وكتب إلى ابن الناصر: سيدي وأعظم عددي، بقيت لمجدٍ تؤسسه، وحمد تلبسه، كتبت - كتب الله لك ما يفوت أملك - عن نفسٍ تعدك أكرم نفائسها، فلا يساويك في هاجسها، وضمير صفا لك منهله، فلا أحد قبلك ينزله، وود أحكمت لك عقده، ونظمت بك عقده؛ حقيقة أدني نظرها إليك، وخليقة وقف سرها عليك؛ فطرف اهتبالي إليك شاخص، وضمير إدلالي عليك خالص؛ والعهد الذي أنت لحرماته لاحظ، ولأماناته حافظ، ينجد لساني في المقال، ويمد عناني في الاسترسال، ويوفد إليك النصح محضاً، ويورد عليك الصدق فرضاً؛ موازرة لا أرى التخلف عنها
стр. 633
ديانة، ومظاهرة لا أعد التبري منها أمانة؛ وأخوك من صدقك، وعدوك من مذقك.
واتصل بي، ما جزعت له، من لزومك مع الموفق أبي الجيش، ومن تبعكما من معاقديكما، لمفاتنة المظفر أبي محمد ومنازلته ومقارعته، واستجاشة كل حزب منكم بالنصارى، وطمعكم أن تمنعوا بهم ذماراً، وتقضوا بإخراجهم أوطاراً، وتدركوا بأيديهم أوتاراً؛ ولم يخف عليك ما يتسبب بالفتن، من البلوى والمحن، وما يكتسب فيها من الحوب، ويحتقب بها من الذنوب، وما ينوب الظالم والمنصف من معرتها، ويصيب البريء والنطف من مضرتها، وما يعم من بأسائها، ويطم من دهيائها، باحترام الرجال، وإيتام الأطفال، وإرمال النساء، وإحلال الدماء، وانتهاب الأموال، واعتساف الأهوال، وإخلاء الأوطان، وجلاء السكان، وانقطاع السبل، واتساع الخلل. هذا إذا كانت الدعوة واحدة، والشرعة معاضدة، فأما إذا انساق العدو إلينا، وتطرق علينا، وضري على أموال المسلمين ودمائهم، وجرؤ على قتل رجالهم وسبي نسائهم، وبانت له العورات، وتحققت عندهم الاختلافات، وأحدوا رحاهم، واستمدوا من وراهم، لم يكن للمسلمين بهم يعد يد، ولا عن إخلاء هذه الجزيرة بد، والله يحميها من الغير، ويكفيها سوء القدر.
وإن أحق من لم شعث المسلمين، وضم منتكث الدين، من أيد الله أولهم بأوليه، ورقع خللهم بمساعيهم ومساعيه؛ وكانت وقائعه في المشركين مشهورة، وصنائعه بالكافرين مذكورة، ومن لا تؤرخ الأيام إلا بغزواته ولا تحلى الأيام إلا بفعلاته. وأنت قاضب من تلك القواضب، وثاقب من تلك الكواكب، وغرة من تلك الأوضاع، وشعلة من ذلك المصباح، ومعلى من تلك القداح، وعامل من تلك الرماح، فحقيق عليك أن تجري إلى غاياتهم، وتعلي راياتهم، وتحمي ذكرهم، وتحيي مجدهم. وقد علمت ألا عدة أعد، ولا نجدة أنجد، من توازر القلوب، وتناصر العيون، وتضامن الأيادي، وتظاهر المساعي؛ فحينئذ يخشن الجانب، ويعن المجانب، ويصحب الأبي، ويطيع العصي. ومن خلا من صالح الأعوان، وضيع الاستظهار بأحباء الإخوان، كان أجذم الرماح، كهام السلاح، مقصوص الجناح، خائب القداح، مفلول الحد، مصلد الزند؛ والمرء كثير بأخيه، والجناح بقوادمه وخاوفيه، والانفراد في الوطن غربة
стр. 634
والانقياد للآخر كربة؛ مع أن الغلبة بالتغرير والإخطار، ليست من شيم أولي البصائر والأبصار.
ومن الذي دعاك يا سيدي إلى فتنة تخوض غمارها، وتحمل أوزارها، ولا تغتبط بعقباها غالباً ولا مغلوباً، ولا تنتشط من بوساها حارباص ولا محروباً -! فإن كان وفاء لمن عاهدت، وغناء عمن عاقدت، فأدنى المساعي إلى النجح، وأولى المطالب بالكدح، وأبعد المذاهب من العيب والقدح، ما بدء بالمتاركة وختم بالصلح؛ فالله تعالى يقول: " والصلح خير " " والفتنة أشد من القتل ".
والاتفاق يا سيدي أضم للشمل، وأوصل للحبل، وأحمد فاتحة وخاتمة، وأرضى بادئه وعاقبة، وأسلم دنيا وآخرة. ومعاذ الله أن تزل بك قدم، أو يحل بك ندم، أو تزعجك إلى المجاهل لجاجة، وترهج لك في الباطل عجاجةز
وله عن تأييد الدولة أبي جعفر:
كتبت - كتب الله في قلبك ذكراً لا يمحوه نسيان، وأعذب لي من شريك ما ينسي مرارة كل خطبان - ولو أعطبت الأجسام لطافة الأرواح، لطرت إليك بلا جناخح؛ وإلا يمثل الجسم بين يديك، فالقلب مائل لديك، والنفس حائمة عليك، والأمل نزاع إليك. فهل لمولاي عطفة، تميل إلى عبده عطفه، فتقبل الثريا كفه، أم هل له إليه لحظة، تنيله الدنيا بها حظه؛ فقد طال إبعاد الليالي بلإحالة، وأوعاد آمالي بالإدالة، وأنا بينهما كالظفر يوم صفين، والخلافة يوم تحكيم المسلمين. وقد أطلت من عنان أملي ما قصر خطا العوائق، وفسحت من ميدان رجائي ما ضيق مسارح البوائق، فلا عذر لي ولم أفصل به الجوزاء عقوداً، وأنل السماء قعوداً، فالواعد حري بالوفاء، والله ملي بالعطاء.
وله: الحسب - أعزك الله - في مواطنه، كالذهب في معادنه، والشرف في الأشراف، كالدرر في الأصداف، والمجد في أهله، كالفرع في أصله؛ ومن حازت
стр. 635
له آفاق المعالي تجيب؛ ورث السيادة نجيباً عن نجيب، وكان الكرم فيه كالفرند في القواضب، والضياء في الكواكبن والصفاء في الماء، والروح في الأحياء وإن لم يحظ بك العيان، ولا أسعد بقربك الزمان؛ فالرؤية بالقلب لا بالعين، والقرب بالنفس على الدنو والبين؛ ومن كان مثالك نور ناظره، وخيالك سمير خاطره، فقد قاربك مقاربة الارتياح للأرواح، بل مازجك ممازجة الماء للراح. وإذا كان المعتقد من الإخوان أوفاهم ذمة، والمعتمد عليه في الحدثان أعلاهم همة، وأحق الناس بالوفاء وارثوه، وأشبه الأتباع لتبع بنوه، وقد أعلقت ودي منك من يزكو وده، وأوثقت عقدي بمن لا ينحل على الأيام عقده، فشاري ودك بنفسه رابح التجارة، ومضيع عهدك في أمسه فاحش الخسارة. وأنا أحمد يوماً وصلني بمعرفتك، وأذم دهراً قطعني عن صلتك، واعتقدك أكرم العقد، وأعدك للأهل والولد، ولا وسيلة إلا فهمك، ولا وصيلة إلا همك؛ فما أزور الرياض إلا تشوقاً إلى شيمك، ولا ألحظ السحاب إلا تخيلاً لكرمك.
وفيما يحكيه فلان [مردد] شكرك، ومطيب ذكرك، من مآثرك الزاهرة، ومفاخرك الباهرة، شائق يحوم طير القلوب عليك، وسائق يحدو بالنفوس إليك؛ وأنت أرق نفساً وطبعاً، وأكرم أصلاً وفرعاً، من أن يجمع علي بعدك وبعد كتابك، وفقدك وفقد خطابك.
وكتب إلى صديق وقد بعث تفاحاً: لو لم تكن نفسي لك، لأهديتها إليك، ولولا أنه حقك أثبته لديك، لجلوت وجه مودتي عليك، متوجاً بطيب الذكر يرفل في حلل الشكر؛ وما عسى أن يهدي الغريق في بحار برك، والمنقطع في مضمار شكرك! لكن لك الإبداء بالفضل والإعادة، ولي الاقتداء والجري على العادة، في إهداء الحقير إلى الخطير، ومقابلة الجليل بالقليل؛ فما قصرت مقدرته، من أطالت مكارمك معذرته.
ولكلفي بشمائلك الشمولة، وشغفي بخلائقك المعسولة، بعثت بما يحكيها ولا يدانيها، ويخبر برياه وطعمه عن بعض ما فيها، تفاح قطعت حمرته وصفرته من خجلات الخدود
следующие страницы →