Полный текст (3 281 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
واتصل بي ما وقع بينكما وبين المظفر أبي محمد من المتنازع، الذي أخاف أن يفضي بكم إلى التقاطع، وورد عليّ كتابكما الكريم في ذلك بما ترقبت انصرام أجله، وتنظرت انحسام علله، حتى خشيت أن يتمادى بكم اللجاج، ويتعاصى في أموركم العلاج، وأشفقت من ادلال الشيطان بمخاتله، وإطلال الخذلان بحبائله؛ فيقرع الثكلان سنه من الندم، وينطوي الحران على يده من ألم. وحالي يا سيدي في الأخذ من أحوالكم بأوفر نصيب، والتزع في أموركما بأكبر ذنوب، حال من أعدكما لحوادث الزمن، وكوارث المحن، واعتقد كما العدة الكافية، والعصمة الواقية، فيما استسر وعلن، وظهر وبطن؛ فلم أر نفسي في سعةٍ من إهمال التذكرة، وإغفال التبصرة. والله يعيد الكل من الشتات والشمات، ويعيدكم إلى المواساة والمواتاة.
ولم يخف عليكما ما في صلاح ذات البين، من الفوز بخير الدارين، وأمن العباد، وخصب البلاد، وإعزاز الدين، وإذلال القاسطين، وتوهين المشركين، وقوة العضد، ووفور العدد، ودعة الأجسام، والرعة عن الآثام، وستر العورات، وحفظ الحرمات، والانتهاء إلى حدود الله، والازدجار بزجره، والتأدب بأدبه، والائتمار بأمره؛ فإنه يقول عز من قائل ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ (الأنفال: ١) وقال (واعتصموا بحبل الله جميعاً) ... الآية (آل عمران: ١٠٣) وقال ﷺ " لا تقاطعوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً وعلى طاعته أعواناً ". وقد علمتم أنه لم يهلك من هلك من الأمم الماضية، والقرون الخالية إلا بتقاطعهم وتحاسدهم وتدابرهم وتخاذلهم، وأن اللجاج مطية الجهل، والهوى آفة العقل، والحمية من أسباب الجاهلية، والعصبية من العنجهية، والحرب مشتقة المعنى من الحرب؛ مع ظنك المتغلب وكأنه المتغلب، توتم الأطفال، وتلتهم الرجال، سوق
стр. 632
لا ينفق حاضروها غير النفوس والأرواح، وشرب يتعاطون المنايا بظبا السيوف وأطراف الرماح؛ مصروعهم دائر وصارعهم خاسر، وماضيهم نادم، وباقيهم واجم.
والذي يحملون من أوزارهم وأوزار مع أوزارهم، ويحتقبون من آصارهم، تسلط النصارى على المسلمين، وعيثهم في بلادهم يقتلون ويأسرون؛ فالأموال مستهلكة، والحرمات منتهكة، والدماء مهراقة، والنساء مستاقة، وعقد الدين مفسوخ، وعهد الإسلام منسوخ، والكفر عال على الإيمان، والسوء غالب على الإحسان. فقد بلغني أن مذهبكم الاستجاشة بالنصارى إلى بلاد المسلمين، يطؤون ديارهم، ويعفون آثارهم، ويجتاحون أموالهم، ويسفكون دماءهم، ويستعبدون أبناءهم، ويستخدمون نساءهم. وإن نفذ هذا - وأعوذ بالله - فهي حال مؤذنة بالذهاب، وجريرة تؤذن بالخراب؛ ولم نأمن أن يظهر لهم من الخلل في بلادنا، والقلة في أعدادنا، ما يجرئهم علينا، ويجرهم إلينا، بما لا نقدر على مكاثرتهم فيه، ولا نقوى على مصابرتهم به، فتلك الوقعة التي لا ينتعش عثورها، والقارعة التي لا ينجبر كسيرها. ولم أجد يا سيدي وعدتي دواء أنجع، ولا سعياً أنفع، من صلة يدي بيد الفتى الكبير فلان، في توسطه هذه الأحوال بينكم، والتأني، لإصلاح ما فسد منها عليكم، ولم نلف سبباً إلى كشف هذه الغيايات، وفتح هذه المبهمات، أقوى في النجاح، وأهدى إلى الصلاح، من بعث أعلام بلدنا، ووجوه رجالنا.
وكتب إلى ابن الناصر: سيدي وأعظم عددي، بقيت لمجدٍ تؤسسه، وحمد تلبسه، كتبت - كتب الله لك ما يفوت أملك - عن نفسٍ تعدك أكرم نفائسها، فلا يساويك في هاجسها، وضمير صفا لك منهله، فلا أحد قبلك ينزله، وود أحكمت لك عقده، ونظمت بك عقده؛ حقيقة أدني نظرها إليك، وخليقة وقف سرها عليك؛ فطرف اهتبالي إليك شاخص، وضمير إدلالي عليك خالص؛ والعهد الذي أنت لحرماته لاحظ، ولأماناته حافظ، ينجد لساني في المقال، ويمد عناني في الاسترسال، ويوفد إليك النصح محضاً، ويورد عليك الصدق فرضاً؛ موازرة لا أرى التخلف عنها
стр. 633
ديانة، ومظاهرة لا أعد التبري منها أمانة؛ وأخوك من صدقك، وعدوك من مذقك.
واتصل بي، ما جزعت له، من لزومك مع الموفق أبي الجيش، ومن تبعكما من معاقديكما، لمفاتنة المظفر أبي محمد ومنازلته ومقارعته، واستجاشة كل حزب منكم بالنصارى، وطمعكم أن تمنعوا بهم ذماراً، وتقضوا بإخراجهم أوطاراً، وتدركوا بأيديهم أوتاراً؛ ولم يخف عليك ما يتسبب بالفتن، من البلوى والمحن، وما يكتسب فيها من الحوب، ويحتقب بها من الذنوب، وما ينوب الظالم والمنصف من معرتها، ويصيب البريء والنطف من مضرتها، وما يعم من بأسائها، ويطم من دهيائها، باحترام الرجال، وإيتام الأطفال، وإرمال النساء، وإحلال الدماء، وانتهاب الأموال، واعتساف الأهوال، وإخلاء الأوطان، وجلاء السكان، وانقطاع السبل، واتساع الخلل. هذا إذا كانت الدعوة واحدة، والشرعة معاضدة، فأما إذا انساق العدو إلينا، وتطرق علينا، وضري على أموال المسلمين ودمائهم، وجرؤ على قتل رجالهم وسبي نسائهم، وبانت له العورات، وتحققت عندهم الاختلافات، وأحدوا رحاهم، واستمدوا من وراهم، لم يكن للمسلمين بهم يعد يد، ولا عن إخلاء هذه الجزيرة بد، والله يحميها من الغير، ويكفيها سوء القدر.
وإن أحق من لم شعث المسلمين، وضم منتكث الدين، من أيد الله أولهم بأوليه، ورقع خللهم بمساعيهم ومساعيه؛ وكانت وقائعه في المشركين مشهورة، وصنائعه بالكافرين مذكورة، ومن لا تؤرخ الأيام إلا بغزواته ولا تحلى الأيام إلا بفعلاته. وأنت قاضب من تلك القواضب، وثاقب من تلك الكواكب، وغرة من تلك الأوضاع، وشعلة من ذلك المصباح، ومعلى من تلك القداح، وعامل من تلك الرماح، فحقيق عليك أن تجري إلى غاياتهم، وتعلي راياتهم، وتحمي ذكرهم، وتحيي مجدهم. وقد علمت ألا عدة أعد، ولا نجدة أنجد، من توازر القلوب، وتناصر العيون، وتضامن الأيادي، وتظاهر المساعي؛ فحينئذ يخشن الجانب، ويعن المجانب، ويصحب الأبي، ويطيع العصي. ومن خلا من صالح الأعوان، وضيع الاستظهار بأحباء الإخوان، كان أجذم الرماح، كهام السلاح، مقصوص الجناح، خائب القداح، مفلول الحد، مصلد الزند؛ والمرء كثير بأخيه، والجناح بقوادمه وخاوفيه، والانفراد في الوطن غربة
стр. 634
والانقياد للآخر كربة؛ مع أن الغلبة بالتغرير والإخطار، ليست من شيم أولي البصائر والأبصار.
ومن الذي دعاك يا سيدي إلى فتنة تخوض غمارها، وتحمل أوزارها، ولا تغتبط بعقباها غالباً ولا مغلوباً، ولا تنتشط من بوساها حارباص ولا محروباً -! فإن كان وفاء لمن عاهدت، وغناء عمن عاقدت، فأدنى المساعي إلى النجح، وأولى المطالب بالكدح، وأبعد المذاهب من العيب والقدح، ما بدء بالمتاركة وختم بالصلح؛ فالله تعالى يقول: " والصلح خير " " والفتنة أشد من القتل ".
والاتفاق يا سيدي أضم للشمل، وأوصل للحبل، وأحمد فاتحة وخاتمة، وأرضى بادئه وعاقبة، وأسلم دنيا وآخرة. ومعاذ الله أن تزل بك قدم، أو يحل بك ندم، أو تزعجك إلى المجاهل لجاجة، وترهج لك في الباطل عجاجةز
وله عن تأييد الدولة أبي جعفر:
كتبت - كتب الله في قلبك ذكراً لا يمحوه نسيان، وأعذب لي من شريك ما ينسي مرارة كل خطبان - ولو أعطبت الأجسام لطافة الأرواح، لطرت إليك بلا جناخح؛ وإلا يمثل الجسم بين يديك، فالقلب مائل لديك، والنفس حائمة عليك، والأمل نزاع إليك. فهل لمولاي عطفة، تميل إلى عبده عطفه، فتقبل الثريا كفه، أم هل له إليه لحظة، تنيله الدنيا بها حظه؛ فقد طال إبعاد الليالي بلإحالة، وأوعاد آمالي بالإدالة، وأنا بينهما كالظفر يوم صفين، والخلافة يوم تحكيم المسلمين. وقد أطلت من عنان أملي ما قصر خطا العوائق، وفسحت من ميدان رجائي ما ضيق مسارح البوائق، فلا عذر لي ولم أفصل به الجوزاء عقوداً، وأنل السماء قعوداً، فالواعد حري بالوفاء، والله ملي بالعطاء.
وله: الحسب - أعزك الله - في مواطنه، كالذهب في معادنه، والشرف في الأشراف، كالدرر في الأصداف، والمجد في أهله، كالفرع في أصله؛ ومن حازت
стр. 635
له آفاق المعالي تجيب؛ ورث السيادة نجيباً عن نجيب، وكان الكرم فيه كالفرند في القواضب، والضياء في الكواكبن والصفاء في الماء، والروح في الأحياء وإن لم يحظ بك العيان، ولا أسعد بقربك الزمان؛ فالرؤية بالقلب لا بالعين، والقرب بالنفس على الدنو والبين؛ ومن كان مثالك نور ناظره، وخيالك سمير خاطره، فقد قاربك مقاربة الارتياح للأرواح، بل مازجك ممازجة الماء للراح. وإذا كان المعتقد من الإخوان أوفاهم ذمة، والمعتمد عليه في الحدثان أعلاهم همة، وأحق الناس بالوفاء وارثوه، وأشبه الأتباع لتبع بنوه، وقد أعلقت ودي منك من يزكو وده، وأوثقت عقدي بمن لا ينحل على الأيام عقده، فشاري ودك بنفسه رابح التجارة، ومضيع عهدك في أمسه فاحش الخسارة. وأنا أحمد يوماً وصلني بمعرفتك، وأذم دهراً قطعني عن صلتك، واعتقدك أكرم العقد، وأعدك للأهل والولد، ولا وسيلة إلا فهمك، ولا وصيلة إلا همك؛ فما أزور الرياض إلا تشوقاً إلى شيمك، ولا ألحظ السحاب إلا تخيلاً لكرمك.
وفيما يحكيه فلان [مردد] شكرك، ومطيب ذكرك، من مآثرك الزاهرة، ومفاخرك الباهرة، شائق يحوم طير القلوب عليك، وسائق يحدو بالنفوس إليك؛ وأنت أرق نفساً وطبعاً، وأكرم أصلاً وفرعاً، من أن يجمع علي بعدك وبعد كتابك، وفقدك وفقد خطابك.
وكتب إلى صديق وقد بعث تفاحاً: لو لم تكن نفسي لك، لأهديتها إليك، ولولا أنه حقك أثبته لديك، لجلوت وجه مودتي عليك، متوجاً بطيب الذكر يرفل في حلل الشكر؛ وما عسى أن يهدي الغريق في بحار برك، والمنقطع في مضمار شكرك! لكن لك الإبداء بالفضل والإعادة، ولي الاقتداء والجري على العادة، في إهداء الحقير إلى الخطير، ومقابلة الجليل بالقليل؛ فما قصرت مقدرته، من أطالت مكارمك معذرته.
ولكلفي بشمائلك الشمولة، وشغفي بخلائقك المعسولة، بعثت بما يحكيها ولا يدانيها، ويخبر برياه وطعمه عن بعض ما فيها، تفاح قطعت حمرته وصفرته من خجلات الخدود
стр. 636
ونزعت صورته شبه فوالك النهود، وختم على ألذ من سلوى النحل، وأعذب من جني النخل؛ ناسب الرياض وأفنى عمره عمرها فورثته زهرها، تذكرك أسافله سرر البطون الغلب، وطعمه لذاذة الثغور الشنب.
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي جعفر أحمد بن عباس
وسياقة جملة من نثره، مع ما يتعلق من الأخبار
السلطانية بذكره
كان أبو جعفر هذا قد بذ أهل زمانه في أربعة أشياء:
المال أولاً: لم تجتمع - زعموا - عند أحد من نظرائه ما اجتمع عنده من عين وورق، ودفاتر وخرق، وآنية ومتاع، وأثاث وكراع.
والعجب: فلم يكن الفضل بن يحيى، ولا معلمه عمارة بن حمزة، ولا عبيد الله بن ظبيان، ولا مطعم بن جبير، في ذلك إلا بعض قوى سببه، وحثالة واطئ عقبه.
والبخل: حتى لو أن الجاحظ رآه ما ضرب في البخل مثلاً، ولا ذكر في رسالته رجلاً. له في ذلك أخبار تخرق سجف العادة، وتضيق عن قبول الزيادة. حدثت عن الوزير أبي محمد بن الجد، وكان امرأ صدق، أنه سافر أيام شبيبته في معسكر زهير فتى ابن أبي عامر قبل
стр. 637
أن يظهر أمره، ويشتهر بصحبة السلطان ذكره؛ فرحلوا في بعض الأيام وقد خلص إلى الأحشاء برد الأجسام، وسوى برس السماء بين الغيطان والآكام، حتى كأن الأرض صفيحة حسام، أو صبير غمام؛ وغب مطر قد غادر الكثبان وعوثا، وصير المسالك تلاعاً ميثاً؛ فكبت به فرسه وقد تأخر عن صحبه، وساخت رجله في بعض ذلك الخبار فصرع لحينه. وكانت عنده فروة فنك قد أعدها لأيام الوفد، فاستظهر بها يومئذ على شدة ما كان فيه من الجهد، ومخافة من عادية ذلك البرد، فأصابه من الطين ما كاد يشككه في عيانه، وأقام عامة يومه على إصلاح ما فسد من شأن فروته وشانه. فورد العسكر وقد زاحم الليل، وبث الوزير المذكور في طلبه الخيل، فساعة رآه قال له: ما غالك، وأي شيء حبسك لا أبا لك - فطفق يقص عليه أمره وهو يضحك، وكان آخر ما راجعه به أن قال: أو ما عندك غير ذلك الفنك - ثم انتفخ في إهابه، واستدعى في قهرمان ثيابه، وقال له: كم أودعت عيابي، وأدرجت أثناء ثيابي في سفرنا هذا من الأفناك - فجاء منها بعدد، ما ظن أنها تجتمع لأحد، ولا يحيط بها ملك يد. قال أبو محمد: ولم أشك في تحصيل فروته، وجر ذيول كسوته، فوالله ما زاد على أن عدها، وأمر القهرمان فردها؛ ثم قال: يا أبا محمد، هذه ثياب سفري ومهنتي، فكيف
стр. 638
لو رأيت ثياب المدينة، وملابس الزينة -!
والكتابة: وهي اقل أربعته، وعلى كل حال فله بها يد، ونفس ممتد، وفيها يوم وغد، وعدة وعدد.
وقد ذكر ابن حيان من أين غرب وطلع، وكيف طار حتى وقع، وأنا مثبت من ذلك في هذا المكان، ما يليق بهذا الديوان، بعد إثبات بعض فضائله، واستخراج ما حضرني من رسائله.
@فصول له في أوصاف شتى
من ذلك رقعة [خاطب بها أبا المغيرة ابن حزم] قال فيها:
أنهى إليّ كتابك رجل طويل القامة، صقل الهامة، بعينيه ليانة، وعلى أسنانه طرامة، وفي شاشيته وضارة، وفي منطقه لكنة صعبة، وعلى أنفه عقدة كالكبة، وفي أطواقه سعة، يخرج منكباه من أقطارها كأنها ثياب واله، أو شبارق راهب، وفي مشيته تفحج قبيح كأنه عائم في يبس؛ وعليه غفارة شفافة شبكية السيدارة، وأظن
стр. 639
العمالقة غزلت صوفها زمن الفطحل، والأكاسرة تولت صباغها عام الصفر؛ كأنها الطيلسان الحربي، أو التبان السعدي. ولقيت الرجل وقد أحاط بي جمع، والتف علي قوم، فوقفت معه موقفاً كفاك الله خزيه، ولا وقفك مثله. وقد عهدتك تجري بميدان الفكاهة، وتنخرط في سلك الدعابة؛ فلما أسلم إليّ الكتاب ولحظت عنوانه، وحياني بلفظ لم أفهم لسانه، قلت: خبأها [أبو المغيرة] ورب الكعبة، وأهدى إليك بهذا الإنسان لعبة؛ ورماك عن قوس فكاهته بهيئة باذة، ودهاك من تماثيل خياله بطلعة شاذة؛ وسد تطييبك بسداد من ثغره، وطار إلى أفق تنديرك بجناح من هزله. فتماسكت وما كدت، ثم تجلدت؛ ولجأت إلى فض الكتاب، وابتغت نقلة لأستتر [بجملة أسباب] ؛ واعتصمت بعصمة خطه الموشي، ولفظه البالي؛ وصعدت في الكتاب وصوبت لأعمل لنفسي شغلاً، حتى رأيت النسب، وسمعت اللقب، فقلت: الرجل - لا محالة - عبري المنتمى، وشاهد الطلعة عدل مزكى، فوحق الطرب، وحرمة الأدب، لقد هممت أن أوفي الشطارة حقها، وأسم الخلاعة وسمها، فأجعل في يده عكاز قصبة خضراء، وفي رأسه قلنسوة بيضاء، وأضع على عاتقه خرجاً بنخالة، وأقيم من نفسي ومن حضر
стр. 640
عرافةً وآلة، وآخذ به من طرق بني مردخاي على قارعة المحجة بين الناس، وأقلده سيف الباجي أبي القاسم، فإنه صفيحة مقشرة لا غرار لها ولا ظبة، كأنه قضيب صاحب اسفيريا، أو عمود نيزكي لم يحدد له زجاً؛ وهذا شرط ذلك اللعب، ففي نفوس القوم خور، لا تحمل معه السلاح إلا بخوف وحذر. وتأملت خفية فإذا بهما من كيمختٍ بال، مصدران تصدير السندال، قد انهرتت أشداقهما، وتهدلت مشافرهما، وصار عاجهما آبنوساً، ونعلهما خيالاً مرسوساً؛ فقلت: لا يزدوج طليسان ابن حرب إلا بخفي حنين، وقد كفينا ارتياد خلعة، توافق هذه الطلعة؛ ثم جمعت جراميز صبري، وأخذت بكظم نفسي، واستعذت بالله من آفة الغفلة، وشغل بالي ذلك المرأى الشنيع، والموقف المهول، وحرمت عامة نهاري من يعلمني، حتى ظفرت بمن أوسعنيه علماً، وفسره لي نصاً، فلففت رأسي حياءً منه، وتمنيت أن تضمرني البلاد عنه؛ وأدركته - لا محالة - خجلة ذلك الملتقى، فحماني زورته، ومنعني عودته، يرجم في الظن السوء؛ وإن يقل فمعذور، وإن يكن مني ما كان فغير ملوم، لأنك رميتني بآيدة الأوابد، وداهية الغبر، ومشكلة لا تنفرج بالبديهة، ولا ينفذ فيها إلا بطول الروية، وما أعجب
стр. 641
شأنها إن كان وقع اتفاقاً، وأغلب الظن أن تأتيها اعتماداً.
ومن جواب أبي المغيرة عليها: وأرجع من كتابك إلى ما ركض جواد الهزل، وشهر سلاحه، ونشر علمه، وشب زبون حربه، وأوقد وطيس فتنته؛ بل إلى ما مد بساطه، وفرش أنماطه، وأدار كؤوسه، وأماط عبوسه، وحرك أوتاره، ونبه أطياره؛ بل إلى ما أقام لعبه، وحرك لعبه، وأحضر مجونه، واستجر فنونه، وزمر في بوقه، ونقر بطن دفه، ورقص على إيقاع لحنه، فقلنس في أختانه، وطرطر في قرونه، وبربر في رعي ضانه، وترهب في غير خالقه، ولم يدع من الجد طرفاً، ولا للهزل سبباً، إلا وتمسك به. فهو القائم القاعد، والغوي الراشد، في وصف القارئ بالكتاب عليك، الذي هذبه الزمان، وقاده إليك الخذلان، وحمله إليك من أنزح مكان، ليكون أتم في إلهائك، وأبلغ في إضحاكك. فالغريب من كل حق وباطل نافق، والموجود كاسد. ولم أميز من هييئته غير القامة، وأنكرت سائر ذلك من الهامة؛ فعهدي بجبينه كالصحيفة الصقيلة، وخده كمرآة الغريبة، وعينيه كناظر صقر طاوٍ على مرقب، ضفدع بنظر من خلال طحلب؛ وأنفه كغرار سيف ليس الذي قلدته به، وألقيت حمائله في عنقه، ولسانه كمخراق
стр. 642
لاعب، وبصوت شبيب به نئيماً، وزجر أبي عروة همساً خفياً؛ وأثوابه تزري على اليمن بشرف صنعة صنائعها؛ وخفه لو وطئ لابسه ما أنكر مدخله، ولا تبين خلله. لطف توصل يوهمك أن السحر يمده، وقواه تشده؛ لو شاء أن يجمع بين الجن والإنس، ويضم جميع الأنواع تحت جنس، ما ارتقى صعداً، ولا لقي كبدا. فكيف انقلبت هذه العين، وانسلخت ن ذلم الزين، وصارت آبدةً تلهى،، وناردةً تجري، لولا ما هيأة سعدك، وسببه جدك - وقد قام النوروز بما وجب عليه، ولم يوجدك السبيل إليه، فارتقب من المهرجان نعتها، وانتظر فيه شكلها. وكنت أسومك مساجلتي بنظيرها، ومقابلتي بمثيلها، لكن من لي بمساعدة الزمان بقسطك، والأخذ فيه بشرطك -
ولابن عباس من رقعة إلى أهل غرناطة يقول في فصل منها: لم أعقر ناقةً رضاكم فأسخط، ولا أكلت من شجرة عقوقكم فأشحط؛ وإنما أعطيتكم صفقة الصاغية لأكرم، وانحرفت عنكم على زاوية المقة كي لا أهان، ونمت على مهاد الثقة بكم لئلا أتهم. أفاليوم يقال: جعلتنا قنطرة، وكتبت إلى صديقك كتباً مبطنة -! وكان ابن أبي موسى مواتاً نفخ الروح فيه، وعيالاً علينا فاستأثرتم به، وجعلتموني مركز دائرتكم
стр. 643
في اللفظ، وعين سعايتكم في القصد، فضربتم بي أمثال السوء، إلى معانٍ طوال ألصقتم بي عارها، وطوقتموني شنارها، وانحداراً عليّ كالسيل بالليل، وتصدياً إليّ كالسهم، وتولعاً بي كأني عندكم ذنب الدهر. تلزومونني في صيد العنقاء في جحوركم، وتشترطون عليّ بيض الأنوق في بيوتكم؛ فأقروا الطير في وكناتها، واتركوا القطاة بمناها، وكونوا تجافيف الإنس، وصور الحمامات، وخيال الظل، أو ﴿كسراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً﴾ (النور: ٣٩) .
وأما ما عددتموه من الآثار الجميلة عندي ففصل قبيح بكم إيراده، والكريم يتنزه عن مثله، والمن بالصنيعة تكفرها؛ ولقد أجهدت نفسي في خدمة هواكم، واتباع رضاكم، وصرت منقاداً لرمز حواجبكم، وتبعاً لركابكم؛ على أنني ما أكلت من حلوائكم ما يحطني في أهوائكم، ولا لمظت من دنياكم العريضة بلمظة؛ ولقد خبنا من صفقات أرباحكم، وحصلنا على الحرمان من متاجركم؛ وقنعنا بشم قتاركم، واستنشاق النسيم من تلقائكم.
وله من أخرى إلى أهل قرطبة عن زهير الفتى: أنتم - معشر الأعلام، وأكابر الرجال - غرر المصر، وبقايا هذا العصر، وموضع اقتباس النور والرأي
стр. 644
والملأ المقتدى به، والمشار إليه، من حاط هذه الملة، وانتدب لصلاح الأمة، ومخض الرأي وهذبه، وألقح عقيمه ونتجه، ورفع عن هذا العالم أسباب الشبهة، وكشف لهم عن غطاء الهداية، فقد طالما خبطوا عشواء، وأخذوا بغتة، وكلب عليهم من بني زمانهم من انتدب لتجويز المحال، ولو أخذنا في عدهم، وبسط أولهم وآخرهم، لخرجنا عن غرض الخطاب إلى التأليف، وجانبنا سير القصد في الأمور إلى التصنيف. وأشد هذه العصابة المشؤومة ابن عباد، الذي سل سيف الفتنة والبغي، من قرابه، وأثار بعير الظلم من مبركه، وانتزى ببطنته أشراً، ومشى في الأرض مرحاً، وظن أن يخرق الأرض ويبلغ الجبال طولاً؛ فغزا [أهل] الإسلام في عقر دارهم، وأسقط عن نفسه حرمه الله فيهم، وأذهب ذمته، وبنى أمره على دعامة زيت، وأتى لشأنه من ظهر بيت، واستعار اسم الشهيد هشام المؤيد بالله لغير أهله، وعزاه إلى من ليس من شكله؛ فضاعف السيئة، وجاهر بالمعصية، وأتبع الرسم الداثر، وجعل حظ الناس فيه التمثيل في اسم كاذب؛ واعترض على منكريه بكهانة شق وسطيح، وآيات طسم وجديس، واحتج بكتب الجفر، ودان بالتناسخ؛ وأضاف
стр. 645
إلى هذه الغرائب قراع أسماع الأغمار بها، يريهم وجدوه الاستبصار، فضلاً عمن تدرج في طبقات المعرفة، وجرى على وتيرة الدراية، وسبقت له قدم صدق في الرواية. ثم رفع السوط للسيف، فأوجع قلوب المسلمين باللسان واليد، يحكم كيف شاء في أبشارهم، وصارفهم صرف الدينار بالدراهم في أموالهم؛ لا تتخلل الموعظة قلبه، ولا تقرع التذكرة سمعه، فتارةً يأخذ النصارى واليهود بذنب التوراة والإنجيل، وأخرى يقول للمسلمين توبوا مما عسى أن يكون.
[وفي فصل منها: فإن كاذباً فيا لها حسرة، وإن كان صادقاً فما أحوج الملك إلى القطرة] ! وكتابي هذا إليكم وقد اتفقت الكلمة في وضع رأس الإمارة على كاهله، ونصل الإمامة في نصابه؛ وأعدنا الحق إلى أهله، وأصفقنا على بيعه رضىً واتفاق وطاعة لعبد الله أمير المؤمنين إدريس المتأيد بالله - أيده الله - وطهرنا المنابر من دنس تلك الدعوة المستعارة، وهتفنا بها هتف التباشر، وقامت بها الخطباء على المنابر، وانجلت الغياية عن فلق الصبح، وأقلعت الظلمة عن وضح الشمس، وأزاح - بفضله - تعالى غصة الشك، وشجى الإفك.
فاعتبروا بما ألقينا إليكم اعتباراً من يحتاط لدينه وتقواه، ويرغب
стр. 646
عن الهضيمة بنفسه في دنياه؛ والرمز يكفيكم، والإيماء يغنيكم. ولم نجهل علمكم بحال الموصوف، لمعرفتنا بمكانكم من التحصيل، إذ أنتم أهل النظر والتأويل. ولما استوثق الأمر على منهاجه، واستتم الرأي على أدراجه، وهززناكم هزة التذكير ورمينا إليكم بنبذ يسير.
وله من أخرى إلى أبي المغيرة ابن حزم: قرأت الرقعة الكريمة التي ناولتنيها اليد العزيزة، فكأن البدر مدّ إليّ كفاً تخمت بالنجوم الزاهرة، أو الدهر أعطاني بها أماناً من خطوبه الجائرة؛ وعاينت وشياً منمنماً، وأبصرت ريطاً مسهماً، وطفقت ألتمس المجاراة، وأروم المباراة، فإذا شأوي حسير،وباعي قصير، وفمي ملجم، ولساني مفحم، ولأني تعاطيت أسد العرين وهو مشبل خادر، وموج البحر وهو مزبد زاخر:
وفي تعبٍ من يحسد الشمس نورها ... ويطمع أن يأتي لها بضريب لله أنت من نثرة آداب، وسليل أحساب، وسمام حاسد، وسراج محامد، إن ناضل عن الحريم حماه، وإن رمى الغرض أصماه؛ يفتح مغاليق الأمور بسياسته، ويستنزل الشارد الممتنع بلطافته.
стр. 647
وفي فصل منها: ولو جاز أن يقرن مع البدن العجف، وينظم مع الجوهر الصدف، لشفعتها إليك، لكنها ممنوعة ما سألت، وغير مدركة ما طلبت، فالسادة لا تمتزج مع العبيد، والشهد لا يضاف إلى الهبيد. ورأيت ما نحلته الرسالة المعربة عن فنون البراعة، وأعرتها من بدائع الصناعة، التي لو رام نبذاً منها بديع الزمان، أو عمرو بن عثمان، لترددا يخبطان عشواء، وأصبحا في خجلة يطلبان النجاء. فدونكها عذبة اللثام، كريمة الأخوال والأعمام، بذل المهج أقل أثمانها، والعنبر الورد يسيل من أرادنها. فإن كنت حضضتني على أن أصونها في تامور الخاطر، وأكتبها على جبهة الأسد الخادر، فأعز من هذا أن أنوطها بذوائب العيوق، وأودعها الجوانح على التحقيق؛ فهي لمن تأمل در نثير، ولمن تنزه روضة وغدير؛ لنسيم الأدب فيها هبوب، ولكل قلبٍ منها نصيب؛ وقد وشحت بغرائب الكلم، ورصعت بجواهر الحكم.
ليس فيها عيب يدرك، ولا سبب يفرك، غير صدرها عن صدر فاجر نكس، ومن لسان ملحد رجس، لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يؤاخي إلا كل منافق كافر؛ يسب الصحابة الأبرار، ويكذب بالجنة والنار، ولا يرجو حساباً، ولا يحذر عقاباً؛ ادعى خلافة الله فهي منه تضج، وليس أثوابها فهي عليه تعج؛ لو اتعظ بمصرع أبيه، لأقلع عما هو فيه؛ بل أشبهه حقاً فما ظلم، وتقليه نسقاً فزاد وتمم؛
стр. 648
يأخذ الرشوة على بيت الله الحرام، هـ ويستخف بشرائع الإسلام؛ يهتك الحريم ويسفك الدماء، ويستصحب الأوغاد والشطار؛ بئس الشيعة وقود جهنم وحصبها، وعليهم يزداد حنقها وغضبها.
وفي فصل منها: وبقي جزء من الإطالة أسوقه إليك، وأورده عليك: أنا مقر بالمعجز لبيانك، مقبل أنجم الثريا من بنانك، راغب أن تلبسني من عفوك ثوباً أسحب أذياله، وأن تفيئني من صفحك ظلاً آمن زياله، إذ أنا سكيت هذه الصناعة التي بيدك لولؤها، ولك يدين رؤساؤها، وإليك، تعزى وتنسب، وباسمك على منابرها يخطب، وتردني لك كتب لو فوجئ بها نقاد الكلام، وجهابذة النثر والنظام، لألقوا إليها السلم، وادعوا عندها البكم. فأنى لي بمقاومتك، مع تقدمك وتخلفي، ومصارعتك، مع قوتك وضعفي -! فالواحد لا يقرن مع الكل، والفرع لا يضاف إلى الأصل. فأسلك وأستعفيك، وأضرع إلى مجدك ومعاليك، ألا ترهقني عسراً، فيظهر عجزي، ولا تحملني إصراً، فيبين نقصي؛ فإنك إمام وأنا مأموم، وأنت حاضر وأنا معدوم، وأنا قف وأنت نهر، وأنا جدول وأنت بحر.
قال ابن بسام: وسائر رسائل أحمد بن عباس ثابتة في القسم الثالث من هذا المجموع في أخبار أبي عامر ابن التاكرني، إذ تنازعا في هذه الصناعة الراية، وجريا من البلاغة فيها إلى غاية.
стр. 649
@إيجاز الخبر عن مقتل أحمد بن عباس وزهير فتى بني عامر
وما اتصل به من خبر نادر
قال ابن حيان: كان سبب فساد باديس بن حبوس وجماعة قومه صنهاجة على جارهم وحليفهم القديم الحلف والولاية زهير الصقلي، فتى المنصور بن أبي عامر، موالاته لكاشحه محمد بن عبد الله زعيم زناتة. ومضى على ذلك حبوس من عداوته، وخلفها كلمة باقيةً في عقبه، أضرم زهير بعد نارها بتمادي تمسكه بالمذكور وإيفاده إليه المدد بقرمونة، واستخفافه بحق باديس، وإنزاله إياه منزظلة الأكفاء، وهيهات له من ذلك من فتى غير قليل التجربة؛ فآثر شفاء نفسه عن النظر لعاقبة أمره، وأضمر الغدر، وقدم العذر، وأرسل رسوله إلى زهير ملطفاً في العتاب، مستدعياً تجديد المخالفة، فسارع زهير إلى ذلك، وأقبل نحو باديس إقبال المستطيل عليه، المتصور له صورة اليتيم في حجره، المضطر إلى ابتاعه وموافقته، فصار في تضييع الحزم والاغترار بالعجب، والثقة بالكثرة، والانخلاع من فضيلة الرأي وفائدة التجربة، ضداً للقصد الذي قصده، وآية للغابرين بعده، إذ جاء مدلاً بجمعه وكثرته، أشبه شيء بمجيء الأمير الضخم إلى العامل من عماله؛ قد ترك رسوم الالتقاء بالنظراء المعهودة له ولمن قبله
стр. 650
من التوافق على المكان، والاستظهار بآخر حدود الأعمال، غير ذلك من وجوه الحزم. فأعرض زهير عن ذلك كله، وأقبل ضارباً بسوطه، حتى تجاوز الحد الذي جرت به العادة، من الوقوف عنده من عمل باديس دون إذنه، وصير الأوعار والمضايق خلف ظهره، لا يفكر فيها، واقتحم البلد حتى وصل إلى باب غرناطة، وخرج إليه باديس في جمعه، وقد أنكر اقتحامه عليه، وعده حاصلاً في قبضته، فبدأه بالجميل والتكريم، وأوسع عليه وعلى رجاله، في القرى والتعظيم، ما مكن اغترارهم، وثبت طمأنينتهم.
ووقعت المناظرة بين باديس وزهير ومن حضرهما من رجال دولتيهما من أول يوم التقائهم، ففشا بينهما عارض الخلاف لأول وهلة، وحمل زهير أمره كله على التشطط، وخلط التغرير بالدالة، والجفاء بالملاطفة، وزعم في بعض ما يقوله أن الذي جاء به زيارة قبر حليفه وخليله حبوس، وهو قد بخل بالتعزية على ولده إثر موته. واتصلت بينهما المناظرة، والأمرار يزداد، وزهير يأبى ذلك وتهاون كأنه قد اقتدر على خصمه، ووزيره أحمد بن عباس المعجب التياه يفري في تصريح ما يعرض به زهير، إيعاد للقوم، وإغلاظاً عليهم.
стр. 651
فعزم باديس عند ذلك على القتال، ووافقه قومه صنهاجة، فأقام مراتبه، ونصب كتائبه، وأرسل إلى طريق زهير فقطع قنطرةً لا محيد لزهير عنها، والحائن زهير لا يشعر، وبات تتمخض له ليلته عن راغية البكر؛ وغاداه باديس صبيحتها على تعبئة محكمة، فلم يرعه إلا رجة القوم راجعين إليه، تخفق طبولهم وهدير رقاصته الأساود، فدهش زهير وأصحابه، فيا لك من أمر شتيت، وهول مفاجئ، قسم بال المرء بين نفسه وماله، ووزع همه بين روحه ورحله! إلا أن أميرهم زهيراً أحسن ابتداء الثبات لو استتمه، وقام ينصب الحرب، فثبت في قلب عسكره، وقدم خليفته هذيلاً الصقلي في وجوه أصحابه من الموالي العامريين الفحول وعشيرته الصقلب وغيرهم لاستقبال صنهاجة. فلما رأوهم علموا أنهم حمته وشروكته، وأنهم متى خضدوها لم يثبت لهم من وراءهم، فاختلط الفريقان، واشتد بينهم القتال ملياً، فلم يكن إلا كلا، حتى حكم الله بالظهور لأقل الطائفتين عدداً ليري الله قدرته، ويجدد في قلوب عباده عبرته، فنكص في الصدمة قائدهم هذيل، والرحى عليه دائرة، إما بطعنة أردته عن متن فرسه، أو بكبوة كانت منه، وابذعر أصحابه عباديد وانهزموا، وقيد هذيل لوقته إلى باديس أسيراً، فأعجل بضرب رقبته. فما كان إلا أن نظر زهير إلى مصرعه، فانثنى عنه وفر على وجهه، فلم يستصحب ثقة، ولا انحاز إلى فئة؛ ولج به الفرار، وانهزم أصحابه
стр. 652
خلفه لا يلوون على شيء، وركبت صنهاجة ولفها [ومن تبعها] من أمداد زناته أكتاف القوم، باذلين السيف فيهم بصدق العصبية وإيثار الفناء، فلم يبقوا على أحد قدروا عليه، ولا فرقوا بين أندلسي ولا جندي ولا سوقي، فأساءوا الاعتداء، وأبادوا أمة، حتى إمام فريضة زهير ولد الفقيه ابن نابل. فاستدل بقتلهم على من سواهم؛ وعلم المنهزمون أنه أخذ عليهم المضيق المعترض في طريقهم، فنكبوا وأخذوا في شعاب وعرة وجبال شامخة، ألجأهم إليها السيف، فكانت حتف من فر، وتقطعوا وتمزقت أوصالهم. وفي هذه السبيل أودي أميرهم زهير وصار ذلك سبب مجهل مصرعه واعتصم الرجالة بتلك الأوعار الأشبة.
وأما السودان من رجالة زهير فإنهم غدروه أول وهلة وعمدوا إلى خزانة سلاحه فنهبوها، ونادوا بشعار صنهاجة، وانقلبوا معهم، ووضعوا السلاح فيهم، وليست بالبدع من أفعالهم، وكانوا قطعة خشنة يتقاربون، الخمسمائة، وكان زهير يعدهم للنائبة، فكانوا أول من أعان عليه. ولؤم مقام الأندلسيين بهذا المأزق وانهزموا، فاصطلم عسكرهم. فنصر باديس، وغنم رجال باديس من المال والخزائن والأسلحة والحلية والعدد والغلمان والخيام ما لا يحاط به وصفاً ولا قيمة.
وظهر باديس في الموقعة على قومٍ من وجوه رجال زهير، فعجل على
стр. 653
الفرسان والقواد بالقتل، فكان ذلك من أكبر ما صنعه لخلاف الوجه في قتال أهل القبلة. واشتمل الأسار على حملة الأقلام جميعاً، وفيهم وزيره التياه المستكبر المعجب أبو جعفر أحمد بن عباس، الجار لهذه الحادثة: قيد إلى باديس، وصدره وصدور أصحابه تغلي عليه بما أوقد من هذه النائرة، فأمر بحبسه ليستخرج منه مالاً، وشفاؤه الولوغ في دمه، وعجل عليه إلى مديدة، وحلت به الفاقرة بعد دون أصحابه من حملة الأقلام، فإن باديس عف عن دمائهم من بين أصحاب السيوف إلا من أصيب منهم في الحرب، وأما الأسرى كابن حزم وابن الباجي صاحب الرسائل وغيرهم فأطلقهم.
قال ابن حيان: أخبرني القرشي المعروف بالقط عن شيخ من شيوخ صنهاجة يسمى بلقين قال: سرت والله ليلة الوقعة إلى الرفيع ابن عباس مستنزلاً له عما كان صاحبه زهير تمادى فيه من قطيعة باديس صاحبنا، وعذلته وألطفت وقلت له: اتق الله فإنما هذا منك، وصاحبك منقاد إليك، وقد تعرفنا البركة في تألفنا، وقد رببنا به مثل هذه النعمة التي كثر عليسها حسادنا، فاستدم بنا ما نحن فيه من الاتفاق، ولا تعنق إلى الفتنة، فيزول أكثر ما تراه. ما الذي غركم من موالاة ابن عبد الله
стр. 654
حتى تقاطعونا في رضاه - فأجيبوا هذا الفتى أميرنا فيما دعاكم إليه من الألفة. فجعل يستجهلني، ويجيب جواب المتبوع للتابع، وأنا أرفق به بعد أن قبلت وجهه، واستعبرت رقبةً لاستلانته، فلم يزدد بذلك إلا قسوة، وقال: دع القعقاع فليست تهولنا، وكلامي لك الليلة مثل كلامي لك أمس، والله لا نزلتم إلا على رضانا، وإلا أعقبكم على ذلك ندامة؛ " فأحفظني كلامه وقلت: يا هذا أرجع إلى الجماعة - قال: نعم وأشد منه. فانصرفت إلى أميرنا باديس ومن معه من المشيخة، وإن دموعي لتتحدر على وجهي غضباً، فلما رأوا ما بي ابتدروا سؤالي، فخبرتهم وقلت: يا صنهاجة، هذه إحدى الكبر، قوموا لدفاعها بقوة وإلا فليست داركم! فالتظت الجماعة، وسعر بلقين ابن حبوس نار أخيه باديس، فحمى الوطيس، وكان أحرص منه على الحرب، فهيأنا لها، وصبحنا القوم على تعبئة محكمة، فما زالت الشمس إلا وهم جزر مذبحة، ومغويهم ابن عباس بدنة مشعرة.
وكان سبب نجاة القائد ابن شبيب من يدي باديس، وقد أسر ذلك اليوم، أن نظر إلى ابن عباس وهو يقاد إلى بادس أسيراً، فلم يمنعه هول، مقامه أن صاح: حاجب! أسألك بالذي نصرك ألا يفلتك هذا المأبون الزاري بالخليفة! فوالله ما جنى كل هذا غيره، فليتني عاينت حتفه ولا أبالي القتل بعده. فتبسم باديس لقومه وعرف صدقه، وأمر بإطلاقه.
وحكى أحمد القيسي متقبل السكة بالمرية أن مهلك زهير وأصحابه كان
стр. 655
بقدر الله على يدي أحمد بن عباس وزيره المدبر لسلطانه، إذ كان في باطنه فاسد الضمير عليه، حريصاً على إيراطه والحصول على المرية مكانه، إذ كانت داره والده عباس وحوزته، وأهلها صنائعه وخوله، وجندها تربيته، فهو يرى أن مهلكه تراثه، ويحرص على زواله.
وحدثت أن باديس لما تقدم تلك الليلة بحبس الأوعار أشعر بذلك زهير، وقال له بعض أصحابه: أطعني وقلدني عارها، وهون على نفسك هذا الخرق، وخل عنها، وتقدم إلى قوادك الليلة في الارتحال معك سراً، واتخذ الليل جملاً، فلعلك تجاوز هذه الأوعار فتخر من الورطة، فإن القوم متى تبعوك فيها دخلوا من التغرير فيما خرجت عنه، وتهيأ لك العطف عليهم بمجال فسيح يمكنك القتال فيه والتعلق ببعض حصونك. وأكثر من ذلك حتى رد عليه أحمد بن عباس قوله وقال: هذا وسواس أدخلك فيه الذعر. فقال له: ألمثل تقول هذا يا أبا جعفر وأنا فارس [ابن فارس] ، نيفت على عشرين وقعةً وأنت ما قرعتك قط وعوعة! - ستعلم عاقبة أمرك. فأجلت الوقعة عن أسره، وكان مناه الخلاص إلى المرية لينفرد بالإمارة.
وكان من جهله المأثور أن قال يومئذ للذين يحملونه إلى باديس: الله الله في حمولتي! قولوا لأبي منادٍ باديس يحتاط عليها لا تنخرم، فإن فيها قطعة دفاتر لا كفاء لها! فضحك البرابر من جهله.
стр. 656
ولما سقط إلى المرية خبر زهير ملكوا بلدهم، وكاتبوا عبد العزيز بن أبي عامر، فلحق بالمرية ودخلها عفواً إثر الوقعة، وذلك منسلخ ذي القعدة سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وظفر من تركه مولاه زهير وأصحابه الصقلب المصابين معه في هذه الوقعة على أموال عظيمة، وأمتعة رفيعة تفوت الإحصاء والقيمة، أمسى فيها عبد العزيز مخرقاء وجدت صوفاً، فرط تبذير، إلى مال كثير من العين أصابه ببيت مال زهير من الورق والذهب، ووضع عبد العزيز كل ذلك غير موضعه، فتضاعفت البلية.
@مقتل أحمد بن عباس
قال ابن حيان: وكان باديس قد أرجأ قتله مع جماعة من الأسرى، وكان الرئيس أبو الحزم قد وجه رسولاً إلى باديس شافعاً في جماعتهم، مؤكداً في شأن أحمد بن عباس، وكان أبعدهم من الخلاص واعتذر في حبسهم ليمين، مغلظة، وشد صفاد أحمد، ورغب عن الرغائب المبذولة فيه، فاشتد البلاء بأحمد لفرط فزعه وثقل حديده، وامتناعه عن استيفاء الغذاء المقيم لجسمه، وتألمه من عقر القيد لظنبوبه. وظل يستعطف باديس ويشهيه بكثرة ما بذل له من الأموال في فكاك نفسه، وباديس يترجح في ذلك وقتاً، وتأبى له قوة غضبه عليه إلا شفاء بقتله، فآثر الشفاء
стр. 657
منه على عظيم ما كان يعطي في فديته، وتولى قتله بنفسه [مع] أخيه بلقين إغراقاً في العداوة وتحققاً في الأنفة. فانصرف يوماً من بعض ركباته مع أخيه بلقين، فلما توسط الدار التي فيها أحمد بن عباس وقف فيها هو وأخوه بلقين وصاحبه الخاصة عليّ بن القروي لا رابع لهم، وأمر بإخراج أحمد إليه، فأقبل يرسف في قيوده، حتى أقيم بين يديه، فأقبل على سبه وتبكيته بذنوبه، وأحمد يلطفه ويسأله إراحته مما هو فيه، فقال له: اليوم تستريح من هذا الألم وتنتقل إلى ما هو أشد! وجعل يراطن أخاه بلقين بكلامه، فبان لأحمد وجه الموت منه، وجعل يكثر الضراعة لباديس ويضعف له عدد المال، فأثار غضبه وهز مزرقته، فأخرجها من صدره، فاستغاث الله عند ذلك - زعموا - وذكر أولاده، فاعتوره أخوه بلقين بزرقات كثيرة كبته لوجهه، وشركهما ابن القروي فمزقوه. وأمر باديس بحز رأسه، وووري خارج القصر. وزعموا أن القيد الذي بساقه عسر إخراجه بعد موته على خازن باديس فرض قدميه حتى، انتزعه وهما القدمان الدرمان والكعاب التي لم يخشن لها موطئ في سالف الزمان. فمضى ابن عباس [بسبيله] ، ﵀، على هذه السبيل، ولم تبك أرض عليه، ولا قطع ذنب عنزٍ فيه.
وكان أحمد بن عباس كاتباً حسن الكتابة، مليح الخط، جيد الخطابة، غزير الأدب، قويّ المعرفة، شارعاً في الفقه، مشاركاً في العلوم، مقتبساً للشعر من غير طبعٍ فيه، حاضر الجواب، ذكي الخاطر، جامعاً للأدوات
стр. 658
الملوكية، جميل الوجه، حسن الخلقة، كلفاً بالأدب، مؤثراً له على سائر لذاته، جماعاً للدفاتر، [مقتنياً للجيد منها] ، مغالياً فيها، نفاعاً من خصه بشيء منها، لا يستخرج منه شيء للؤمه إلا في سبيلها، أثرى كثير من الوراقين والتجار معه فيها، حتى جمع منها ما لم يكن عند ملك. حكى وراقه أنه حصلها قبل مقتله بسنة، فبلغت المجلدات في التحصيل أربعمائة ألف، وأما الدفاتر المحزومة فلم يقف على عددها لكثرتها.
وكان مع ذلك أغنى ملوك الأندلس، ولا يعلم ابن ورث لأبيه ما ورثه أحمد هذا. زعم بعض من عرف أمره أن ماله العين بلغ خمسمائة ألف مثقال جعفرية، سوى فضة والآنية والحلية. وأما الأمتعة في المخازن والكسوة والطيب والفرش فبحسب ذلك. ثم حاط هو تلك النعمة بالبخل الشديد القبيح، وحماها بالإمساك الصريح، وأثلها بالاكتساب والترقيح، حتى أضعفت أضعافاً؛ ولم يوفقه الله فيها لبر مزلفٍ إليه، ولا لصنيعة مشكورة منته، بل كره الخلق فيه بالكبر والعجب، والصلف والتيه، فطمست بذلك محاسنه، ووضحت مقابحه.
وحسبك من جهله وعجبه أن عامل أهل قرطبة الذين فيهم منتماه، وهم بقية الناس، أيام دخلها مع زهير صاحبه، بأسوأ ما عنده، فحجب كبيرهم الشيخ أبا عمر ابن أبي عبدة من غير عذر، وما عرف عباس
стр. 659
أبوه إلا بخدمة ابن عمه، وتنقص أديبهم أبا عامر بن شهيد ولم يك [يحسن] مستملياً. ثم أجمل وصف جماعتهم، [وقد سئل عنهم] ، فقال: ما رأيت بقرطبة إلا سائلاً أو جاهلاً. وهو مع تنقصه الخليقة أظهرها نقصاً، لم ينافس في مكرمة ولا رغب في إسداء منة، ولا لذ بنعمة شاكر، ولا هش لثناء حامد، ولا استخرج درهم من عنده إلا في سبيل الشهوات؛ فأسمن جسمه، وهزل عرضه، وأشبع بطنه، وأجاع ضيفه، يمسكه على الهون، ولعلله بالأمل.
لكي يقال عظيم القدر مقصود ... من رجل كان يطوف في مقاصيره - زعموا - على خمسمائة من مثمنات القيان، وربما لم يكن حظ الحسناء منهن عنده غير لدغة العضة، ثم لا يعود الدهر إليها، وأتهم على ذلك بعهر الخلوة للذي شهر به من قلة الجماع، إلى بخل لا كفاء له بالخبز فما فوقه، يحمل الناس عنه في ذلك أحاديث شائعة، من أحضرها ما حكاه لي الوزير أبو الوليد بن زيدون، عن ابن الباجي، كاتب الرسائل قالك دعاني ابن عباس يوماً مع خواص أصحابه إلى داره، فصرنا في مجلس ناهيك به، متشاكل الحسن في فرشه وستوره وآلته وآنيته، قد صفقت فيه فواكه غريبة وأنقال ملوكية على طوله، ما وقعت عيني قط على أكثرها منها ولا أغرب من أجناسها
стр. 660
ولا أنفس من أطباقها، وقد غطي جميعها بمناديل شربٍ تبين صورها من تحتها فتصور الأعين والقلوب إليها. فأخذ يلاعبنا بالشطرنج التي كانت أغلب الشهوات عليه، فاستغرق فيها ولها عن سائر ما أردنا له، ووصل اللعب نهاره كله وبعض ليلته، لا يرفع رأسه ولا يدعو لنا بطعام ولا غيره، إلى أن جعنا وألححنا عليه في الانصراف إلى منازلنا، فبعد لأيٍ أذن لنا. فانصرفنا ولم نرزأه شيئاً مما كان أعد لنا، ولا اعتذر إلينا، ولا منا إلا من رأسي على ما حرمنا من نعيم ما بين يديه، وتعجب من قحته وبخله واستخفافه بمن دعاه.
ومن صلف ابن عباس وعجبه الذي صحبه إلى يوم محنته أنه لما قيد إلى باديس أسيراً فوقعت عينه عليه، بدأه أحمد بالابتسام وقال له: أبا مناد! رأيت أي كأس أدرتها لك على هؤلاء الكلاب -! - يشير إلى الموالي العامريين - أريد أن تتقدم إلى حفظ دفاتري فإنها أهم ما عليّ. فتجهم له باديس وقال: أمكراً عند الموت يا ابن الفاعلة - إياي تغالط! وأمر بتله إلى محبسه. فعند ذلك عرف ما يراد به، ريئس من المغالطة في جرمه.
قال أبو مروان: وبلغني أن عبد العزيز بن أبي عامر سعى على دمه ودماء المأسورين معه من أصحاب زهير عند باديس، لما حصل على المرية، وخاف أن يتخلص فيكدرها عليه. وإن آكد ما أشخص به أبا الأحوص ابن صمادح يومئذ لباديس خبر ابن عباس، فقتله انصراف ابن صمادح عنه.
стр. 661
وحكى خادم باديس قال: رأيت جسد ابن عباس ثاني يوم قتل، ثم قال لي باديس: خذ رأسه مع جسده. فنبشت صداه وأضفته إلى جسده بجنب قبر أبي الفتوح قتيل باديس أيضاً. وقال لي: ضع عدواً إلى جنب عدوّ إلى يوم القصاص.
وحكي أن باديس وبلقين أخاه إذ طعنا يومئذ أحمد بن عباس ما وقع إلا عن سبع عشرة طعنة، وإنه لباقي الذماء طلق اللسان طامع في الحياة، فعجبا من قوة نفسه، وكان الظن أن يلفظها لأول طعنة، لفرط ترفهه وغضارة جسمه، فاغتاط باديس عند ذلك وأمر بقطع جسمه.
وحدثت من غير وجهٍ أن ابن عباس كان قد أولع قبل محنته ببيت من الشعر صيره هجيراه أوقات لعبه للشطرنج، أو معنى يسنح له، مستطيلاً بجده، ومكافياً بسعده، فيقول:
عيون الحوادث عني نيام ... وهضمي على الدهر شيء حرام وذاع بيته هذا في الناس وغاظهم حتى قلب له مصراع الأخير بعض الأدباء فقال " سوقظنا قدر لا ينام ". فما كان إلا " كلا " حتى تنبهت الحوادث لهضمه انتباهةً انتزعت منه نخوته وعزته، وغادرته أسيراً ذليلاً يرسف في وزن أربعين من قيده، منزعجاً من عضه لساقه البضة، التي طالما تألمت من ظغطة جوربه - غب يومٍ أصبح فيه أميراً
стр. 662
مطاعاً، أعتى خلق الله على عباده، وآمنهم لمكر ربه؛ فأخذه أخذ مليك مقتدر، وسلبه نعمةً لم يكن لها كفؤاً، والله غالب على أمره.
وحكي عنه أنه نزل في بعض سفره منزلاً، واستدعى ماءً لغسل رجليه، إثر خلعه لخفيه، فقدم إليه رب المنزل الماء، وكانت عليه جبة أسماط، فمر أسفلها بقدم أحمد فتألم وتأوه لخروشتها، وكأن شيئاً لدغه، [تماجناً] ، وقال: ابعدا يا هذا فقد بردت رجلي بجبتك، إنما هي اسكلفاج وليست بساج! فخجل الرجل وأخذ في طرف من الاعتذار.
وأخباره في الكبر غريبة شائعة جداً.
وكتب إليه أبو عامر ابن التاكرني: يا سيدي، وأجل عددي، وذخيرة الأيام عندي، وفائدتها العظمى بيدي، الذي أستند إلى فضله، وأستظل من هواجر النوائب بظله، ومن أبقاه الله للأيام مقرعاً، وللخائفين مفزعاً، أحمد مسعاه، من كنت منتهاه، وحمد سراه، من كان ضيائك سناه؛ وقاد النجاح برمته، من سما إليك بهمته، وقرب منالك الجوزاء، على من امتطى إليك الرجاء، وأخصب رائد من وجدك، وأعذب وارد من وردك واعتمدك. وأتت الخيرات شفعاً من كان إليك شافعاً، ولم يعدم من الصالحات نفعاً من كان عندك نافعاً، لأن الله أحلك من حوض المجد عقره، وجمع لك بين روض
стр. 663
الحمد ومطره؛ وجريت من المكارم في مضمار طالما أحرز أبوك خصله، وأويت من حفظ الذمم إلى جوارٍ شد ما عرف أولوك فضله؛ والله تعالى يزيدك من جزيل نعمه، ولا يخليك من جليل قسمه بحوله.
إلى ذمام النسب ذمام الأدب، وأوى من تأميلك إلى حصن حصين، ومت من صحبة أبيك ﵁ بالسبب المتين، وحقيق على مصلك ممن جمع أشتات الفضل، واحتاز مكارم القول والفعل، أن يجمع بين شفاعتي والنجاح، ويؤلف بين حاله والصلاح. وفلان شاكر فضلك، وراحجي طولك، ممن يمت بوسائل، ويدني بوصائل، أنت المعين على رعيها، والمؤيد على حفظها، وحاجته حاجتي وإرادته إرادتي، وشكري لك على ما توليه وتوليني فيه، شكر يتضوع نسيمه، ويأرج شميمه؛ وهذه بكر حوائجي فاجعل مهرها القبول، وأول شفاعتي فأوسعها فضلك الجزيل، ورأيك الجميل، ناهجاً لأملي فيك السبيل، وموضحاً لرجائي لك الدليل، إن شاء الله.
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي حفص عمر بن الشهيد
@وإيراد جملة مما انتخبته من نظمه ونثره
وأبو حفص هذا [في وقتنا] كان فارس النظم والنثر، وأعجوبه القران والعصر، ونهاية الخبر والخبر؛ رقم برود الكلام، ونظم
стр. 664
عقود النثر والنظام. وهو إن لم يزر لملك، ولم تدر عليه رحى ملك، فليس بمتأخر عن طبقات المحسنين، ولا بسكيت حلبات الكتاب المجيدين. وقد أخرجت في هذا الفصل من بارع كلامه، في نثره ونظامه، ما يشهد برسوخ أعلامه، وشهرة أيامه.
@جملة من كلامه في أوصاف مختلفة.
من ذلك رقعة خاطب بها بعض إخوانه يقول فيها: أبثك أحدوثة عجبٍ تضحك سنك، وتطبق بالطيب وقتك، فما زالت النوادر مستغربةً لا سيما نوادر علية الكتبة: وجهت فلاناً إليّ بكتاب يخصك ما تضمنه، وكنت - علم الله - حين موافاته منزلي حليف ألم، قد أطلت عليه التململ، وأسهرني ليله الأطوال، وقد انقض عني من كان معي رجاء غفوةٍ أستشفي بها، وأسترد بعض منتي بها. فقرع الباب قرعاً منكراً يتبين الحرج فيه، ويظهر الضجر في تتاليه؛ فتداخل الخادم رعب وقالت: هو خطب؛ ثم خرجت على تحامل، بروعة جنان، ولجلجة لسان، ومنطق جبان؛ تنقل قدمها إليه على وجل:
كما يمس بظهر الحية الفرق ...
стр. 665
ثم قالت: من الرجل - فأنغض رأسه نحوها وقبض على لحيته بيمنه، وأحد النظر إليها وتنهد وقال: أواه على طموس رسم الأدب! وتمثل:
أني لأفتح عيني ثم أغلقها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا ثم أقبل على الخادم وقال: يا لكعاء، كسبت في ترفه العيش معرفة الحلو والمرّ، والخشن من اللين، وفي كل ذلك لم تحفظي بيتاً واحداً من الشعر يحسن به أدابك ويحجرك أن تقولي من الرجل - أين أنت يا لكعاء من قول أبي تمام:
يحميه لألأؤه ولوذعيته ... من أن بذال بمن أو ممن الرجل ولكنك ما علمت، حرجة الصدر، فلبك فارغ إلا من الغفلة، ولحظاته بليدة على التفصيل والجملة. أقسم لو أنك امرأة من الأزد، أسد الباس ومقاديم الناس، لرأيت لألأة الأزدية في أسرة وجهي، ولولا تحفزي للأمر الذي وردت له، لكان لي ولك خطب، ولأعطيتك قانوناً في الفراسة والزجر، ونبذت إليك بعلم من علوم الدهر، لا يلتبس عليك معه الشريف أيام عمرك. يا هذه قولي لرب المنزل يترمم لإنفاذ هذا الكتاب. فقالت له الخادم: عافاك الله، إنه عليل، ومن صبه ثقيل
стр. 666
وقد برح به السهر، ولان لغفوته السمر، ولا بد من التخفيف عنه. فجرجر جرجرة العود الدبر، وتزيد من الحرج والضجر، وقال: بسل علينا معشر الأزد أن نفري ولا نخلق، أو نتوجه في أمر فلا نحقق. يا هذه، ليس هذا إيوان كسرى فنتزود لا ستخراج الحاجة به: المال والصبر والعقل؛ ومن العجب وقوفي معك منذ اليوم أضرب لك الأمثال، وأصرف المقال، وأنت لاهية عني، لا يعنيك أمري. أترين صاحبك شرب من الخمر أقداحاً، وسمع نوبات، فلما اعتدل مزاجه، وتوارت وجوه النوائب عنه، قال للدهر أدر دوائرك فإني لا أعبأ بك! - قد علمت علته؛ أقسم لو أن به ألف علة، تكون حياته من جميعها مختلة، لينفذن هذا الكتاب. قالت له الخادم: ويحك ما أجفاك من وافد الأزد! أين منك رقة الحجاز وفصاحة نجد - ما أقبح هذا العقوق، بمن شرب ماء العقيق، وأسوأ هذا الأدب، ممن ينتهي إلى ذؤابة العرب! فقال: يا لكعاء، إنك لتجادلينني عن نسي - وحياة ما نقلته من الخطى، وتجشمته من البيداء، لينفذن هذا الكتاب، أو لأشهدن عليه بالعصيان والتكاسل، والتواني والتثاقل؛ فمثلي لا يرد إلا بحزم، ولا يصدر إلا عن فضل. فقالت له الخادم: ما أسوأ تقديرك للأمور! لئن كان مخموراً خمار وصب، فهؤلاء الشهود معهم شرب، وعندهم طرب، وصاحب المدينة منه بنسب، وعلى صلة سب، فأين تذهب - فشمخ بأنفه
стр. 667
وكسر من طرفه، ومدد الزفرة، وردد التلهف والحسرة، ثم قال: أفٍ للدنيا فما تزال تعنينا بمثل هذه الهنات. فلما شد على شعسه للانصراف أقبل على الخادم فقال:
قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا أما إنك لولا أن تكوني باهلية الضئضئ لعرفتك. ولكن سأودع عندك أرجاً يدل على موقفي في هذه البحبوحة. أنا العتكي الحسيب والنسب، وذو الهمة والأدب، فمن سألك فقولي ما شهدت، وحدثي عما عاينت، وما أراك تجدين ظاهراً تقيمين به فرض الثناء عليّ؛ اذهبي لا محفوظةً ولا مكلوءة. ثم انحدر فما علمنا ما كان منه.
@وله من مقامة حذفت بعض فصولها لطولها
قال في صدرها: إن صناعة الكتابة محنة من المحن، ومهنة من المهن؛ والسعيد من خدمت دولة إقباله، والشقي من كانت رأس ماله، والعاقل من إذا أخرجها من مثالبه لم يدخلها في مناقبه، لا سيما وقد تناولها [يد] كثير من السوق، وباعوها بيع الخلق؛ فسلوبها تاج بهائها، ورداء كبريائها، وصيروها صناعة يكاد الكريم لا يعيرها لحظه، ولا يفرغ في قالبها لفظه؛ إذ الحظ أن يعثر الكرام إذا ولي الأعلاج، وأن تستنعج الآساد إذا استأسدت النعاج. غير أنه من وسم بسمتها
стр. 668
وظهر في وسمتها، فغير مجهول مكانه، ولا مسلم له كتمانه. وما عسى أن يصنع بذي مكانة وحسب، إذا اتفق يوم سرور وطرب؛ ورغب رغبة كريم، أن يؤرخ له بمنثور ومنظوم - أقسم لو كان وجه الإنسان في صفاقة نعله، أو وقاحة حافر بغله، لما وسعه غير الإسعاف، على حكم الإنصاف وإلا لزمه اسم التبريد والجمود. وبهذا السبب دفعنا إلى النصب فيما تسمعه، وربما تستبدعه. ولئن مرت بك كلمات محاليات، تنظمها سلوك هزليات، فإنما هي أوصاف طابقت موصوفاتها، وحلى على أقدار محلياتها. والبليغ كالجوهري واجد التعب، في نظم الدر أو المخشلب، وكالصائغ واجد العناء، في سبك الصفر أو الفضة البيضاء، وكالعقاب واجد الانهواء، على الصقر أو المكاء. والعاقل من برز يوم السرور في زي الأعياد، ويوم الحزن في ثياب الحداد؛ وسيان في الفجاجة والبرد، من جد عند الهزل أو هزل عند الجد. ولا أوضح في القياس، من حركات الناس، كحركات الشموس والأقمار، في الفلك الدوار، كلما انتقلت في المنازل والبروج، عدلت بالأسطرلاب والزيج، ووقف على حقائقها، بثوانيها ودقائقها، محصورة بالحدود، في القريب والبعيد، كحركات الفقيه ابن الحديد، فإن أيامه على مناكب الأيام أردية شباب، وفي مفارقها تيجان نخوة وإعجاب.
وفي فصل منها: فدونكها عذراء، محجلة غراء، كما رفع عنها سجف الإبداع، وأبرزت من كناس الاختراع؛ تنظر بعين الغزال روع، وأويس
стр. 669
بعدما أطمع. نعم، اتفق من الربيع وقت حلول الشمس في الحمل، وقام وزن الزمان واعتدل، وأخذ آذار على ما اعتاد، فحلى الوهاد والنجاد، وخلع على ظهور المروج، ضروب الدبابيج، وأثقل صدور الأشجار، بحلى النوار، واطبى نفوس الأطيار، بنضارة الثمار، فبعثت أشجانها، ترجع ألحانها، فما شئت من رمان تملأ كف العميد، من أمثال النهود، تحت القلائد والعقود، وتفتق عن أمثال الجمر، إن وصفت فكاللثات الحمر، أو ارتشفت فكالرضاب الخصر أو الخمر. ولما انتظمت للزمان هذه المحاسن، حنت نفس الفقه بسيادتها، إلى كرم عادتها، من الإحسان إلى الأتباع، والتسلية لنفوس الألاف والأشباع؛ فلما صعق الديك وصاح،واستغفر كل عبد منيب ربه وسبح، وهم بشن الغارة كمين الصبح من المشرق، واهتز الفجر اهتزاز الرمح في يمين الأفق، أطلق لسانه الفصيح، بالتهليل والتسبيح، ثم عاد بماء طهور، وأفرغه نوراً على نور، فوضاً وجهاً وضاء، يملأ العيون بهجة وسناء.
وفي فصل منها: وملنا إلى منزل بدوي، ذي هيئة وزي:
стр. 670
له منزل رحب عريض مزرب ... بأعواد بلوط وطوج مفتل
" ترى بعر الآرام في عرصاته ... وقيعانه كأنه حب فلفل " فهش وبش، وكنس منزله ورش، وصير عياله إلى ناحية، وجمع أطفاله في زاوية، وجعل يدور كالخذروف أما الصفوف، يتلقى الواحد منا بعد الواحد، يأخذ بركابه، ويكشر عن نابه، ويتمثل:
أخذي كذا بركاب الضيف أنزله ... ألذ عندي من الأسفنج بالعسل
أو من رغائف كانون ملهوجة ... أو رائب بقري جيد العمل
أو من خوار عجول في مسارحها ... أو من ركوب الحمير الفره في الكفل ثم مال بنا إلى بيت مكنس، منوع مجنس، قد جلله حصراً بلدية، وغشاه بسطاً بدوية، ومد فيه شرائط وحبالاً، كأنه يريد أن يخرج خيالاً،وعلق منها غلائل وملاءات، وهمايين وسراويلات، وكم شئت من خرق معصفرة، وعصائب مزعفرة، حتى المقنعة والخمار، والدلال المستعار؛ وقد اتخذ في الحائط كوة وثانية، وملأها حقاقاً وآنية، وأودعها من عتاد العروس فاخره، ومن طيب البادية أوله وآخره، مثل حراقة الورد بالبان، وعصارة العصفر بالزعفران، وشيء من الاثمد والاسفيذاج، ومراود الزجاج، وحبات المصطكي واللبان، وغبار العفص وقشور الرمان، وكثير من سنون ذلك المكان. فقلت: يا صاحب المنزل
следующие страницы →