Полный текст (3 281 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وقد برح به السهر، ولان لغفوته السمر، ولا بد من التخفيف عنه. فجرجر جرجرة العود الدبر، وتزيد من الحرج والضجر، وقال: بسل علينا معشر الأزد أن نفري ولا نخلق، أو نتوجه في أمر فلا نحقق. يا هذه، ليس هذا إيوان كسرى فنتزود لا ستخراج الحاجة به: المال والصبر والعقل؛ ومن العجب وقوفي معك منذ اليوم أضرب لك الأمثال، وأصرف المقال، وأنت لاهية عني، لا يعنيك أمري. أترين صاحبك شرب من الخمر أقداحاً، وسمع نوبات، فلما اعتدل مزاجه، وتوارت وجوه النوائب عنه، قال للدهر أدر دوائرك فإني لا أعبأ بك! - قد علمت علته؛ أقسم لو أن به ألف علة، تكون حياته من جميعها مختلة، لينفذن هذا الكتاب. قالت له الخادم: ويحك ما أجفاك من وافد الأزد! أين منك رقة الحجاز وفصاحة نجد - ما أقبح هذا العقوق، بمن شرب ماء العقيق، وأسوأ هذا الأدب، ممن ينتهي إلى ذؤابة العرب! فقال: يا لكعاء، إنك لتجادلينني عن نسي - وحياة ما نقلته من الخطى، وتجشمته من البيداء، لينفذن هذا الكتاب، أو لأشهدن عليه بالعصيان والتكاسل، والتواني والتثاقل؛ فمثلي لا يرد إلا بحزم، ولا يصدر إلا عن فضل. فقالت له الخادم: ما أسوأ تقديرك للأمور! لئن كان مخموراً خمار وصب، فهؤلاء الشهود معهم شرب، وعندهم طرب، وصاحب المدينة منه بنسب، وعلى صلة سب، فأين تذهب - فشمخ بأنفه
стр. 667
وكسر من طرفه، ومدد الزفرة، وردد التلهف والحسرة، ثم قال: أفٍ للدنيا فما تزال تعنينا بمثل هذه الهنات. فلما شد على شعسه للانصراف أقبل على الخادم فقال:
قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا أما إنك لولا أن تكوني باهلية الضئضئ لعرفتك. ولكن سأودع عندك أرجاً يدل على موقفي في هذه البحبوحة. أنا العتكي الحسيب والنسب، وذو الهمة والأدب، فمن سألك فقولي ما شهدت، وحدثي عما عاينت، وما أراك تجدين ظاهراً تقيمين به فرض الثناء عليّ؛ اذهبي لا محفوظةً ولا مكلوءة. ثم انحدر فما علمنا ما كان منه.
@وله من مقامة حذفت بعض فصولها لطولها
قال في صدرها: إن صناعة الكتابة محنة من المحن، ومهنة من المهن؛ والسعيد من خدمت دولة إقباله، والشقي من كانت رأس ماله، والعاقل من إذا أخرجها من مثالبه لم يدخلها في مناقبه، لا سيما وقد تناولها [يد] كثير من السوق، وباعوها بيع الخلق؛ فسلوبها تاج بهائها، ورداء كبريائها، وصيروها صناعة يكاد الكريم لا يعيرها لحظه، ولا يفرغ في قالبها لفظه؛ إذ الحظ أن يعثر الكرام إذا ولي الأعلاج، وأن تستنعج الآساد إذا استأسدت النعاج. غير أنه من وسم بسمتها
стр. 668
وظهر في وسمتها، فغير مجهول مكانه، ولا مسلم له كتمانه. وما عسى أن يصنع بذي مكانة وحسب، إذا اتفق يوم سرور وطرب؛ ورغب رغبة كريم، أن يؤرخ له بمنثور ومنظوم - أقسم لو كان وجه الإنسان في صفاقة نعله، أو وقاحة حافر بغله، لما وسعه غير الإسعاف، على حكم الإنصاف وإلا لزمه اسم التبريد والجمود. وبهذا السبب دفعنا إلى النصب فيما تسمعه، وربما تستبدعه. ولئن مرت بك كلمات محاليات، تنظمها سلوك هزليات، فإنما هي أوصاف طابقت موصوفاتها، وحلى على أقدار محلياتها. والبليغ كالجوهري واجد التعب، في نظم الدر أو المخشلب، وكالصائغ واجد العناء، في سبك الصفر أو الفضة البيضاء، وكالعقاب واجد الانهواء، على الصقر أو المكاء. والعاقل من برز يوم السرور في زي الأعياد، ويوم الحزن في ثياب الحداد؛ وسيان في الفجاجة والبرد، من جد عند الهزل أو هزل عند الجد. ولا أوضح في القياس، من حركات الناس، كحركات الشموس والأقمار، في الفلك الدوار، كلما انتقلت في المنازل والبروج، عدلت بالأسطرلاب والزيج، ووقف على حقائقها، بثوانيها ودقائقها، محصورة بالحدود، في القريب والبعيد، كحركات الفقيه ابن الحديد، فإن أيامه على مناكب الأيام أردية شباب، وفي مفارقها تيجان نخوة وإعجاب.
وفي فصل منها: فدونكها عذراء، محجلة غراء، كما رفع عنها سجف الإبداع، وأبرزت من كناس الاختراع؛ تنظر بعين الغزال روع، وأويس
стр. 669
بعدما أطمع. نعم، اتفق من الربيع وقت حلول الشمس في الحمل، وقام وزن الزمان واعتدل، وأخذ آذار على ما اعتاد، فحلى الوهاد والنجاد، وخلع على ظهور المروج، ضروب الدبابيج، وأثقل صدور الأشجار، بحلى النوار، واطبى نفوس الأطيار، بنضارة الثمار، فبعثت أشجانها، ترجع ألحانها، فما شئت من رمان تملأ كف العميد، من أمثال النهود، تحت القلائد والعقود، وتفتق عن أمثال الجمر، إن وصفت فكاللثات الحمر، أو ارتشفت فكالرضاب الخصر أو الخمر. ولما انتظمت للزمان هذه المحاسن، حنت نفس الفقه بسيادتها، إلى كرم عادتها، من الإحسان إلى الأتباع، والتسلية لنفوس الألاف والأشباع؛ فلما صعق الديك وصاح،واستغفر كل عبد منيب ربه وسبح، وهم بشن الغارة كمين الصبح من المشرق، واهتز الفجر اهتزاز الرمح في يمين الأفق، أطلق لسانه الفصيح، بالتهليل والتسبيح، ثم عاد بماء طهور، وأفرغه نوراً على نور، فوضاً وجهاً وضاء، يملأ العيون بهجة وسناء.
وفي فصل منها: وملنا إلى منزل بدوي، ذي هيئة وزي:
стр. 670
له منزل رحب عريض مزرب ... بأعواد بلوط وطوج مفتل
" ترى بعر الآرام في عرصاته ... وقيعانه كأنه حب فلفل " فهش وبش، وكنس منزله ورش، وصير عياله إلى ناحية، وجمع أطفاله في زاوية، وجعل يدور كالخذروف أما الصفوف، يتلقى الواحد منا بعد الواحد، يأخذ بركابه، ويكشر عن نابه، ويتمثل:
أخذي كذا بركاب الضيف أنزله ... ألذ عندي من الأسفنج بالعسل
أو من رغائف كانون ملهوجة ... أو رائب بقري جيد العمل
أو من خوار عجول في مسارحها ... أو من ركوب الحمير الفره في الكفل ثم مال بنا إلى بيت مكنس، منوع مجنس، قد جلله حصراً بلدية، وغشاه بسطاً بدوية، ومد فيه شرائط وحبالاً، كأنه يريد أن يخرج خيالاً،وعلق منها غلائل وملاءات، وهمايين وسراويلات، وكم شئت من خرق معصفرة، وعصائب مزعفرة، حتى المقنعة والخمار، والدلال المستعار؛ وقد اتخذ في الحائط كوة وثانية، وملأها حقاقاً وآنية، وأودعها من عتاد العروس فاخره، ومن طيب البادية أوله وآخره، مثل حراقة الورد بالبان، وعصارة العصفر بالزعفران، وشيء من الاثمد والاسفيذاج، ومراود الزجاج، وحبات المصطكي واللبان، وغبار العفص وقشور الرمان، وكثير من سنون ذلك المكان. فقلت: يا صاحب المنزل
стр. 671
هنئت وهنيت، لقد أوتيت وأوتيت؛ وجعلت أرقق عن صبوح، وأقول:
متى كان الخيام بذي طلوح ... من أين للبداوة، بهذا الرونق والطلاوة، وكيف حتى أغرت على حانوت العطار، ومتى نقل سوق البز إلى هذه الدار - لقد قرت بك الأعين، وسرت الأنفس. هذا زي العروس فأين العرس - فضحك البدوي ملء فيه، وتوسمت الازدراء فيه، وأنشد
يا أخي نحن على أن ... انتاج بدوي
سادة ناس لنا في ... هذه الدنيا دوي
عندنا إن جاء ضيف ... شبع جم وري
وسرير حشوه ري ... ش الفراريج وطي
وكرامات كثيرا ... ت وهيئات وزي ثم قام من مكانه، ودعا بصبيانه، وأغراهم بديك له هرم، ليذبحه في طاعة الكرم. فأجروه لأمهم الهاوية، من زاوية إلى زاوية، حتى سقط الديك سقوط طليح، جسماً بلا روح، فأقبلوا إليه، متهافتين عليه، وهو يضطرب اضطراب المخنوق، ويستغيث بالخالق والمخلوق.
стр. 672
واتفق لفرط حنقه، ومؤلم تقلقه، أن عض على أيديهم عضة، وانتفض منهم نفضة، وصعد في بعض الجوائز، وحمد الله حمد الفائز، وتمثل:
إذا غرقت ببحر ... من الردى فياض
فلا يكن بهلاك ... عليك ظنك قاض
فليس في كل وقت ... سيف المنية ماض وحان وقت الظهيرة، فصفق بجناحيه ثنتين، وصرخ صرختين، واقتدى به المؤذنون، وتجمهر المؤذنون، حتى إذا قضيت الصلاة استصرخهم فأصرخوه، وتواثبت إليه السادة والوجوه، فقال لهم الديك أيها السادة الملوك، فيكم الشاب متع بالشباب، والأشيب نور شيبه مع الكواعب والأتراب؛ وقد صحبتكم مدة، وسبحت الله تعالى على رؤوسكم مراراً عدة، أوقظكم بالأسحار، وأؤذن بالليل والنهار؛ وقد أحسنت لدجاجكم سفاداً، وربيت لكم من الفراريج أعداداً؛ فالآن حين بلي في خدمتكم تاجي، أنعى إلى دجاجي، وتنحى الشفرة على أوداجي -! وحين أدركني الشيخ، يمزق لحمي ويطبخ - يا للكرام، من ذل هذا المقام! وجعلت دموعه تسفح من دمه، والحزن يطبق على فمه؛ ثم غشي عليه، فاجتمعت البداوة من كل ناحية إليه، يضربون وجهه بالماء، ويخلصون له في الدعاء؛ ثم أفاق من غشيته وأنشد:
стр. 673
علام يقتل شيخ ... من كل ذنب بري -
محقق متحر ... موحد سني
هل نص هذا كتاب ... أو قال هذا نبي
لا ذنب لي غير أني ... مؤذن بدوي فرقت له أنفس القوم، وأقبلوا على صاحب المنزل باللوم، فقال: ويحكم، إن هذا الديك ذو فخذٍ وصدرة، وقد أصابتني عليه ضجرة؛ ولي في ذبحه سر، ولابد أن تزين به قدر، وتضرم تحته النيران، ويشبع من لحمه الضيفان؛ أما ترونه قرة العين والقلوب، سبيكة لجين محكمة التذهيب - وتمثل:
ومن شيمتي مهما تزين منزلي ... بضيف أن أقريه بأحسن ما عندي
لو إن دمي خمر لرويته به ... ولو صلحت كبدي شويت له كبدي
بذلك أوصاني أبي مذ عقلته ... وقد كان أوصاه بذا قبله جدي فقال الديك: لا أكذب، الحق طريق مستبين، واتباعه مروءة ودين؛ أما إنه لعلى خلق عظيم، كريم ابن كريم؛ غير أنه لؤم في أمري وأفرط، وغلط ما شاء أن يغلط. أما علم أن هرمات الديوك، ليست من مطاعم الملوك، وأنها بالأدوية، أشبه منها بالأغذية - وأقسم لو اتخذ برمة من فؤاد مهجور، ووضعني من مثله على تنور، لا قضى بي حاجة، ولا عدم مني نيوءاً وفجاجة؛ وإن له في بني ما لا يجده
стр. 674
في، من طيب الشيم، ولذة المطعم، والتوليد لأحمر ما يكون من الدم. وأنى كالفروج اسفيدباجا، لمن أراد أن يعدل مزاجاً - فزكى قوله، كل من حوله، لم يألوه تعظيماً، واتخذوه من ذلك اليوم حكيماً، وصرف البدوي من ألطافه، ما أحسن به قرى أضيافه؛ وختم نوبة بره، بالرغبة في بسط عذره، فسمعنا منه، ورحلنا سحراً عنه.
وفي فصل منها: ولم تزل الجياد تمعج بكماتها، والشمس تنتقل في درجاتها؛ حتى أشرفنا على عين كالدينار، كأنما هندست بالبركار، ذات ماء ريان من الشنب والخصر، وحصباء كالأسنان ذوات الأشر؛ وقد حف بها النبات حفيف الشارب بفم الأمرد، وتزينت بخضرة كالمرآة الصقيلة طوقت بالزبرجد.
ومنها: فأصغيت فإذا بصوت ناقوس، في دير قسيس؛ وقرية آنة، كلها حانة؛ دار البطاريق، وملعب الكاس والإبريق؛ سائمتها الخنازير، وحياضها المعاصير، ومياهها الأنبذة والخمور؛ وشكلها مثلث مسطوح، هندسته حواريو المسيح؛ نباتها غصون من قدود، تهتز في أوراق من برود، وتثمر رماناً من نهود، وتفاحاً من خدود، وعقارب من أصداغ، وافاعي من أسورة وعقود؛ وفيها مدام من رضاب، وسقاة من كواعب أتراب، وغيد لمهوى قرط، وارتجاج لكثيب في مرط؛ وجولان لنطاق، وغصص لخلخال في ساق، وخنث في ألفاظ، ومواعيد بألحاظ، وقلوب تكلف وتشغف، ونفوس تنشأ وأخرى
стр. 675
تتلف. فلما أكثر محدثنا بحضرة الفقيه، من هذا التشبيه، ومن هذه المحاسن، المحركات لكثير من السواكن، قطبنا له وجوه الاستكراه، وعضضنا له على الشفاه. فبينا نحن كذلك نكثر لغطاً، ونرى الحلول بالمسيحيين غلطاً، إذ نظرنا إلى اطراد صفوف، من أعطاف خنثة وخصور هيف، وشموس وأقمار، على أفلاك جيوب وأزرار؛ لا سيوف إلا من مقل، ولا درق إلا من خجل، ولا عارض إلا من خلوق، ولا صناعة غير تخليق، ولا اسم غير عاشق ومعشوق؛ فتشفع القسيس بحسن خدودهم، وأقسم بنعمة قدودهم، إلا جزلتم المنة، وثنيتم الأعنة، تعريجاً إلينا، وتحكماً في المال والولد علينا. فكرمت الشفاعة، وقلنا السمع والطاعة، وجلنا جولان الزنابير، على هيف الخصور، نفص بما بقي من الطريق، غص الدماليج بخدال السوق، حتى وافينا الباب، وأنحنا الركاب، وتولى تولي الحر، ضروباً من البر، غير أنه قنع بالدن وجه مدامه، تقنع الورد بأكمامه، وقضانا من الإكرام نافلة وفرضاً، وشددنا الجياد عنه ركضاً، وسرنا حتى رفع لنا في طريقنا جدر، فإذا كنيسة عارية الأطلال من الجمال، إلا تعلة المتوسم، للتخيل والتوهم، كالثوب الكريم أخلقه ابتذاله، أو كخد الأمرد تغشاه سباله، فهيج ذكراً، وأجد فكراً، فأنشدت:
وكنيسة أخذ البلى منها كما ... أبصرت فيثاً في مغار ينهب
стр. 676
نمت علينا في السفارة نفحة ... من ماء كرم كان فيها يسكب
أهوى إليها بالمطي تخيل ... منا بريء والأماني تكذب
فتواقف الركبان في عرصاتها ... كل بها متحير متعجب
أنى تأتت لابن آدم قدرة ... حتى استقام وتم ذاك المنصب
ومن أي أرض كان رائع مرمرٍ ... كسواعد الغزلان فيها يجلب
كم صاد إبليس بها من تائب ... بحبائل ألقى بهن ترهب
وكم ابتنى القسيس فيها منبراً ... من جؤذر وبدا عليه يخطب
سقياً لها من دار غي لم يزل ... فيها كريم بالملاح معذب
كلاً وما زالت نجوم مدامة ... فيها بأفواه الندامى تغرب
بئس المصلى إن أردت تعبداً ... فيه ولكن كان نعم المشرب ثم أغذذنا سيراً، وكأننا ننفر طيراً؛ حتى نظرنا من السائمة تسرح في مروجها، كالعذارى تميس في دبابيجها؛ كلأ نضير، وماء نمير؛ وما زلت أروى هناك بالرائب والميس، حتى كاد كياني ينقلب إلى كيان التيس. ثم رحلنا وتذكرنا الطراد، فمشت الجياد، وتواثبت آساد، واستعد بباز وكلاب، فإذا بحر من برك، يخرقه سفين من برك، وفي السيور صقور إذا نظرت، وليوث إذا جردت، تنظر من أمثال الدنانير، وتتخطف بأشباه المرهفة الذكور، فأرسلناها إرسال سهام الأحداق، إلى قلوب العشاق، فلم نر إلا ريشاً محلوجاً، ومنسراً يحسن توديجاً؛
стр. 677
ووردنا ماء في رقة النسيم، ولذاذة بنت الكروم، فشربنا وطعمنا، وقرينا سباع الفلاة، مما فضل عن الكماة؛ ونقشت على مرمرة بيضاء، ساعة وردنا ذلك الماء:
يا رب ماء عازب مجه ... مزن هزيم الودق في سبسب
زبرجد جلله مكثه ... غشاء ديباج من الطحلب
إن كان فيما قد مضى مورداً ... فللعطاش الأسد والأذؤب
باكرته مع كل ذي همة ... لا يرتضي الأفلاك عن مركب
ولغط الطير بأرجائه ... كلغط الصبية في المكتب
فانقض من أيماننا كوكب ... ذو ناظر أنور من كوكب
مكحل الآماق ذو منسر ... يسترزق الرحمن من مخلب
فاستشعر الطير هروباً وهل ... عن نازل المقدور من مهرب
فصاد ما أوسع صحبي قرى ... وفاض في الأبعد والأقرب
صيد لعمري لم يعبه سوى ... أن لم يكن نقلاً على مشرب ثم لم نزل نسري سرى النجوم في الدياجي، إذ تلقانا شاب كما ذهب عقيق خديه، ونم شاربه بالتذكير عليه، متقلد حسام كأنما طبع من لحظه لا من لفظه، على جواد ظمآن الأسافل كخصريه، ريان الأعالي كردفيه؛ تستعيذ عيون البررة من النظر إليه، وتزدحم أطماع الفجرة حواليه:
ذو مقلة شهلاء رومية ... وذو لسان عربي مبين
قلت وقد عيب بتثليثه ... مقال ذي رأي وعقل رصين
طلعته الدنيا و [يا] قلما ... يجمع للإنسان دنياً ودين
стр. 678
فلما بلغنا، قبل عرف جواده، وعبراته تنسكب على نجاده. قلنا: ما لك لا أبالك - فقال: منفلت من السجن، وآبق من أهل الحصن، وعائذ من ظلمات الغواية، بنور الهداية، ومن ذل عبادة الأوثان، إلى عز عبادة الرحمن؛ ولي خبر أريد أن أقصه، ويمتن الفقيه وفقه الله أن يسمع نصه. فخرج إليه الإذن، وقيل له أدن؛ فقضى فرض التحية ونافلتها، ثم قال: أيها الفقيه، للأشياء غايات تنتهي إليها، ومقادير تجري عليها، أما والخلاق العليم، والفاطر الحكيم، الذي أسعد قوماً بالهداية وأثابهم عليها، وأشقى آخرين بالضلالة وعذبهم بها، لقد أنحلتني عبادة الطواغيت فعبدت الصليب وقرعت الناقوس، وفعلت كل ما قرت به عين إبليس؛ قدر لم يكن ليخطئني ولا يتخطاني، إلى أن استنقذني ربي وهداني؛ وأنا أشهد أيها الأشهاد أن الله إله واحد، ليس له ولد ولا والد، كان ولم تكن الأكوان: لا أرض ولا ماء ولا دخان، مخترع الكل ومنشئه، ومعبده ومبدئه، له المثل الأعلى، والأسماء الحسنى.
стр. 679
@ومما وجدت له من المدائح في المعتصم بن صمادح
له من قصيدة:
لما دعتك المكرمات أجبتها ... لا وانياً عنها ولا متثاقلا
فهززت من أسد الرجال قوادماً ... وهتكت من برد الظلام حبائلا
وسريت في القمر المنير بمثله ... وجهاً وأعراقاً زكت وشمائلا ومنها في اجتماعه بصهره ابن مجاهد:
أبدى علي فرحة بمحمد ... أبدت مسالك في الصفاء جلائلا
فلئن غدا بك للقلوب مباهياً ... فلقد رأى ملكاً أغر حلاحلا
سبط اليدين كأن كل غمامة ... قد ركبت في راحتيه أناملا
وأما وحقك إنه الحق الذي ... بذ الحقوق مسامياً ومساجلا
لقد احتملنا في مغيبك لاعجاً ... أنحى على كبد وأثقل كاهلا ومنها:
تفديك أنفسنا التي ألبستها ... حللا من النعمى وكن عواطلا
كانت نواك البحر يزجر موجه ... فالآن صار لنا إيابك ساحلا
لا عيش إلا حيث أنت وإنما ... تمضي ليالي العمر بعدك باطلا
لا عطلت منك الحياة فإنها ... لولاك ما سرت لبيباً عاقلا
стр. 680
وله من أخرى:
سقى كل غيث صادق البرق وابل ... منابت نوار الربى والخمائل
فروى غصوناً كالقدود تطلعت ... من أوراقها في مثل خضر الغلائل
خليلي عوجا بي على الربع دارساً ... نحي رياضاً أحدقت بجداول
ملاعب كاسات ونزهة أعين ... ومسلى لمشتاق وذكرى لغافل
وأحسن من روض تحلى بنوره ... محيا ابن معن في حلي الفضائل
جواد كأن الأرض جمعاء راحة ... له وبحور الأرض خمس أنامل
ليهن تجيباً أنها عندما اغتدت ... قبيلاً له سادت جميع القبائل
تكسد سوق الدر فيك قصائدي ... وتزري بعرف المسك عنك رسائلي
جللت فجل القول فيك وإنما ... يقد لقدر السيف قدر الحمائل
يزين شعري أنه فيك سائر ... وزين عنان الطرف يمنى المجاول وله من أخرى وكان المعتصم قد هجر النبيذ زمناً:
عسى دهرنا أن يكف الخطوبا ... ويجعل منك لكأس نصيبا
وشت حادثات الليالي بها ... فأعرضت عنها وكانت حبيبا
وكم من ذمام لها مثله ... يحل الحقود ويثني القلوبا
وأنت ابن معن على خلقةٍ ... تقيل المسيء وتمحو الذنوبا وله في من أخرى:
هجر المدام وكان يألف وصلها ... ملك جليل في الملوك عظيم
فاصفرت الأقداح من جزع ولو ... يسطعن لم يأرج لهن نسيم
وتطلع الساقي يؤمل عودة ... ليعود عهد بالكرام كريم
стр. 681
وله من أخرى:
لو خيموا بظلال الضال والسمر ... لم أشك من لهب في القلب مستعر
لكن مقيلهم المرهوب جانبه ... بين السنور والهندية البتر
بحيث لا لبد إلا فوقه لبد ... ترى ولا شارة إلا على شرر
واين موقع شكوى الصب من زرد ... ومن حسام ومن ناب ومن ظفر
دون الظباء ظباً جد الصليل بها ... والرعد والبرق دون الشمس والقمر
وفي الهوادج أبشار كأن لها ... وجوه جدوى أبي يحيى على البشر
ملك له سير في الملك فاضلة ... أعيت على كتب الأخبار والسير
إذا أنامله ضمت على قلم ... يود منهرقه لو قد من بصر وقال من أخرى:
ومما شجاني في الغصون حمائم ... تجاوب في جنح الظلام حمائما
يرجعن ألحاناً لهن شواجياً ... فيرسلن أسراب الدموع سواجما
سقى الله أيكاً ما يزال حمامه ... يهيج مشتاقاً ويسعد هائما
وكم ليلة للدهر باهيت نجمها ... بنجم من الصهباء يجلو الغوائما
إلى أن رأيت الشمس في الأفق طالعاً ... كوجه ابن معن إذ يجلي المواسما
أمعتصماً بالله لقيت عصمة ... كما لم تزل من حادث الدهر عاصما
لك المثل الأعلى إذا ذكر الندى ... ودع هرماً فيما سمعت وحاتما وله أيضاً:
الخمر موصوفة بالمجد والشرف ... تعوض الخلف الباقي عن السلف
стр. 682
انظر وبارك على حاس ومعتصر ... ماذا تولد بين القار والخزف
كأنما كأسها نجم على فلق ... وريحها نفس في روضة أنف
ألقيت في دنها الدنيا بأجمعها ... فليس عن صرفها قلبي بمنصرف
ولا الأمير أبو يحيى بمنتقل ... عن عادة البر والإجمال واللطف
تخالف الناس حتى في معارفهم ... وليس في خلقه خلق بمختلف
كمنت في الكون حتى لحت منه لنا ... فرد الجمال كمون الدر في الصدف
فالدهر تحت صباح غير ملتبس ... وتحت نير سعد غير منكسف
والطول منك به صفو بلا كدر ... والحكم منك به عدل بلا جنف
مكارم لم تزل تجري لغايتها ... كالسهم سدده الرامي إلى الهدف وقال أيضاً:
فشربتها كلف الفؤاد عميدا ... راحا وكانت مرة عنقودا
ختمت بطينتها وزمزم حولها ... قس وغادر بابها مسدودا
وتنوسيت فكأن صف دنانها ... في الحان أصحاب الرقيم رقودا
وكأنما الخمار كلبهم وقد ... ألقى ذراعيه وسد وصيدا
وكأن ذا القرنين أفرغ دونها ... سدا جرى قطرا وسال حديدا
صهباء ألبسها التورد مجسدا ... عجبا وقلدها الحباب عقودا
فإذا شممت فمسكة مفتوقة ... وإذا لحظت فبارقا معقودا
وإذا طعمت فريق أشنب واضح ... شف المشوق تجنبا وصدودا
حذيت على خلق ابن معن فاغتدت ... أملا وكنزا للسرور عتيدا
стр. 683
أخبرني الفقيه أبو بكر ابن الوزير الفقيه أبي محمد العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال: كان الوزير أبو حفص عمر بن الشهيد كثير الشعر، متصرفا في القول، مقدما عند أمراء بلده، وشاهدته في حدود الأربعين وأربعمائة بالمرية، وكتبت من أشعاره طرفا، ومن شعره مما كتبته:
في صحبة الناس في ذا الدهر معتبر ... لا عين يؤثر منها لا ولا أثر
ليست تشيخ ولا يزري بها هرم ... لكنها في شباب السن تختضر
إذا حبت بينهم أطفال ودهم ... لم يترك البغي حابيهن يثغر
كأنها شرر سام على لهب ... يغدو الخمود عليه حين ينتشر
كأن ميثاقهم ميثاق غانية ... يعطيك منها الرضى ما يسلب الضجر
فلا يغرنك من قول طلاوته ... فإنما هي نوار ولا ثمر
لو ينفق الناس مما في قلوبهم ... في سوق دعواهم للصدق ما تجروا
لكن فيها نقود القول جارية ... على مقادير ما يقضى به وطر
يقضي المحنك أو يقضى لحنكته ... وبين ذاك وهذا ينفد العمر
تسابق الناس إعجابا بأنفسهم ... إلى مدى دونه الغايات تنحسر
فللتسامي ضباب في صدورهم ... وللتكبير في آنافهم نعر
وما عذلتهم لكن عذرتهم ... فالجهل ليس له سمع ولا بصر وبالسند المذكور عن الحميدي، قال: ومما كتبت له أيضاً:
стр. 684
تعلم لحظك سفك الدماء ... وأنت تعلمت ألا تدي
وليتك إذ كنت لي ممرضا ... رثيت فزرت مع العود
حنانيك إن هلاك العبي ... د مما يعود على السيد
وما بي نفسي ولكنني ... أشح بمثلك أن يعتدي قال أيضاً:
يا قوم شدوا المطي واسروا ... فإن روحي بأرض قوم
نام الخليون واستراحوا ... ومن لعين الشجي بنوم
وطيب هذا النسيم ينبي ... أني أراه غداة يومي @فصل في ذكر الأديب أبي عبد الله محمد بن احمد بن الحداد
@وإيراد جملة من أشعاره وما يتشبث بها من مستطرفات أخباره
قال ابن بسام: وكان أبو عبد الله هذا شمس ظهيرة، وبحر خبر
стр. 685
وسيرة، وديوان تعاليم مشهورة؛ وضح في طريق المعارف وضوح الصبح المتهلل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل؛ إلى جلالة مقطع، وأصالة منزع، ترى العلم ينم على أشعاره، ويتبين في منازعه وآثاره، وله في العروض تأليف، وتصنيف مشهور معروف، مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية، والآراء الخليلية، ورد فيه على السرقسطي المنبوز بالحمار، ونقض كلامه فيما تكلم عليه من الأشطار.
وأصل أبي عبد الله من وادي آش إلا أنه استوطن المرية أكثر عمره، وفي بني صمادح معظم شعره، ومع ذلك طولب عندهم هنالك؛ ولحق بثغر بني هود، وله فيهم أيضاً غير ما قصيد، وهو القائل بعد خروجه من المرية من قطعة فلسفية:
لزمت قناعتي وقعدت عنهم ... فلست أرى الوزير ولا الأميرا
وكنت سمير أشعاري سفاهاً ... فعدت لفلسفياتي سميرا
стр. 686
وكان أبو عبد الله قد مني في صباه بصبية نصرانية، ذهبت بلبه كل مذهب، وركب إليها أصعب مركب، فصرف نحوها وجه رضاه، وحكمها في رأيه وهواه؛ وكان يسميها " نويرة " كما فعله الشعراء الظرفاء قديماً في الكناية عمن أحبوه، وتغيير اسم من علقوه.
وقد كتبت في هذا الفصل بعض ما قال فيها من ملحه، ورائق أوصافه ومدحه، وسائر شعره بعد تقديم فصول من نثره، ما يقر بتفضيله، ويشهد له بجملة الإحسان وتفصيله.
@جملة من نثره
فصل له من جواب عن كتاب عتاب استفتحه من قول أبي الطيب:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم لما كان - أعزك الله - العتاب جلاء الأقذاء، وصقال الأصداء، وعقال الأدواء، وسمتني منه بوسوم، ولفحتني بسموم؛ وأسررت حسواً في ارتغاء، فأدرجت ذماً في ثناء؛ والحر يأنف من الضيم
стр. 687
ويشمئز من الذيم، ولا يقتصر على الاجتراء بغير الجزاء؛ ولو ترك القطا ليلاً لنام، " وفي العتاب حياة بين أقوام ". فاصطبر لشرب صبره، وانتدب لتسوغ مقره، فمن الحكم العدل، والقضاء الفصل، أن الدغك بما لدغتني، وأجرعك ما جرعتني، غير آفك في حال، ولا مباهت بمحال، فالتمويه ليس من الخلق النبيه؛ والحر على ما ساء يصر، وكل مجر بالخلاء يسر؛ والفضل لمن حواه، لا لمن زخرف دعواه، وتحقيق البرهان غير تنميق البيان، والسؤدد في محاسن الخلال والفعال، لا في إمكان الزمان وإقبال السلطان، وقيمة كل امرئ ما يحسن: أمثال أضربها لك واضحة المناهج، ومقدمات أنشئها معك صادقة النتائج، وجمل تشتمل على تفصيل حالينا، ونبذ تشير إلى ما فيه جرينا.
وقد دهمني عتابك وإجلابك، بريح تعصف، ورعد يقصف، واستقبلني خطابك وإطنابك، بوبل يخشف، وسيل ينسف، بلغ الزبى وزاد، وغمر الربى والوهاد؛ لو أم الهلالي لاقتلع أزهاره، وطمس أنواره؛ أو اعتمد الميكالي لطم
стр. 688
على قريه، وطما على سريه؛ فما ظنك بغر، على مذهبك غمر، يحتل من الأدب في صبب، لا يرد إلا بقطه، ولا يزود إلا سقطه؛ فهل عندك مرية أنه غريق أتيه، ومحتمل آذيه - تضمن صدره من برك وتقريظك ما ملأ صدري ثلجاً، وأفقي أرجاً، فحياه حمدي بنواره، وسقاه شكري من عقاره. ثم انتقل من تصفحه إلى صفاح تأنيب لامعة، ورماح تثريب شارعة، وسهام مذام، وأعلام ملام، تروع المقدام، وتدحض الأقدام؛ لكن تلقيتها في لؤم التجمل، وتوقيتها بجنن التحمل؛ وما عسى أن أقول لزعيم من زعماء حضرتي، وعميد من عمد أسرتي، وقمر من أقمار أسلاكي، ووسطى أسلاكي، يسلم له ويستسلم، ويعرض عن زاخر جفائه، ولا يلتفت إلى زبده وجفائه -
تبينت العلة الداعية إلى قعقعة شنانك، وجعجعة لسانك، ومعمعة نيرانك. ولقد أوضحت في المجلس المذكور علاءك، وأخفقت فيه لواءك، وأعقبت فيه أنباءك، غير مواطئ برمز كما أنهي إليك، ولا ملاحن بهمز كما صور لديك؛ فاملك من جماحك، واخفض من طماحك، ولا يجرجر بازلك، ولا يزمجر باسلك، فما نبح
стр. 689
كلبي بدرك، ولا ستر غيمي زهرك، ولا بهرج ميزي درك؛ ولا ألحدت في آيتك، ولا حططت من رايتك؛ ووجه المحرش أقبح، وخد المورش أوقح، ورب ملوم لا ذنب له:
ومن وضعت للقول أغراض سمعه ... رمته ولم تخطئ سهام النمائم وكان الأحجى بمكانتك، والأحرى بأصالتك وركانتك، أن تمحص ما أنهي عني إليك، وتخلص ما به شبه عليك؛ ولا يبتز من حلمك هذا الابتزاز، ولا يستفز من جلدك هذا الاستفزاز؛ ولو وليت البحث قسطه، وأعطيت النظر حقهن لذكرت قول الزباء: " عسى الغوير أبؤساً "، ولتبينت أن الخائن المائن، الذي حرق ناب حرجك وحردك، وأعض أنامل ضجرك وضمدك، ولم يذهب - أهذب الله شرواه، وابعد منا نجواه - إلا ليطيش بأناتك، ويجيش من هناتك، والنيق لا يهتز لخريق، والهشيم لا يثبت لنسيم.
وفي فصل: ومطلعنا من أفق، ومرجعنا إلى تحقيق؛ وإن كنت
стр. 690
أيدي الفتن قد أزعجت أسلافنا عن الوطن، واغتصبت أملاكنا إلا أسماء، واستلبت جماهيرنا إلا اللفاء، فقد أعذرت إذ أبقت بأيدينا ما أبقى مياه الصون بزرقتها وجمامها، وزهرات السرو في غضارتها وكمامها. ولم أمتدح المعتصم طالب جدىً، ولا راغب ندىً؛ على أن جميعنا رائد في رياض إنعامه، ووارد في حياض إكرامه؛ ولكني منيت بقردةٍ حسدةٍ، أعجزتهم محاكاتي، وأعوزتهم محاذاتي، فوخزوا فضلي بمثل الأشافي، ورموا عرضي بثالثة الأثاقي.
وفي فصل: ولو أني من هذه الفرقة التي مزجني بها ظلمك، وضمني إليها هضمك، وعملت عملهم على حكمك، وسلكت سبلهم على زعمك، لكان لي في تشبثك الداني، وتعلقك المجاهدي، أسنى مؤتسى، وأهدى مقتدى، فللتسامي مناقل، وللترقي منازل؛ وإن جمعتني بهم الصفات، فقد أفردتني منهم الموصوفات، وما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة:
قد يبعد الشيء من شيء يشابهه ... إن السماء نظير الماء في الزرق وما كل معنى يضح، ولا كل دعوى تصح، كمثل ما تابعت إيراده، وشفعت ترداده، من أنك غرستني وبنيتني، وأقمتني وقومتني، وكلها عبارة تؤلم الأبي الحمي، واستعارة توهم السامع الشاسع، وإشارة تعجب الحاضر الناظر. ولست بمنكر معاضدتك في شأن الكتابين
стр. 691
الكريمين، فهما وسميك ووليك، المتوبان بزعمك على وجه صباحك، والموصولان بأجنحة رياحك. ولن تعدم على ذلك جزيل حمدي هنالك. وحاشا لله [أن] أنكر اليد وأن صغرت، أو أكفر النعمة وإن نزرت؛ ولست بحيةٍ صماء كما أشرت، ولا بسلقةٍ طلساء كما عرضت.
ولو غير أعمامي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما وما أفصح تبيانك لفهاهتي، وأوضح برهانك على جهالتي، في تلويحك بل يتصريحك، أني لم أرم ذراي، ولا برحت مثواي، ولا أعملت لي رحلة للعلماء، ولا هجرة للفهماء. فيا للأدب لهذا العجب، ما أكثر إجحافك، وأقل إنصافك! كأنك جهلت أن العلماء بمصري متوافرون، والمشيخة الجلة به متكاثرون، وأن فنون العلم به تلتمس، ومن أنواره تقتبس، واليه كانت أولاً وفادتك، ومنه عظمت إفادتك. وأما زعمك أن الدهر لو عضني والخبر لو عجمني، لتبينت أن بحري ضحضاح، وأن إصباحي مصباح؛ فليس بأول جنفك، ولا ببدعٍ من سرفك؛ إن التقدم بالأذهان لا بالأسنان، والتفهم بالأفهام
стр. 692
لا بتكاثر الأعوام، والمرء بأصغريه، والحسام بغراريه، وةالسقط يحرق الحرجة وهو حقير، والناظر يخترق الفلك وهو صغير. وأما الامتحان فذهني إبريز ناره، ولبي تبريز مضماره، وطالما فوضلت ففضلت، ونوضلت فنضلت، وقد أنصف القارة من راماها، والحلبة من جاراها، وإن قلت المذكية لا تقاس بالجذاع، فإني أقول: في الإجراء من مائة ترك الخداع، وكشفت القناع:
وتخفى السوابق من غيرها ... إذا لم تضم إلى مقبض وإذا شئت فنحك ذكاء لا تخبو ناره، ولا تنبو شفاره، وبهرك مضاء لا تطيش سهامه، ولا تخفق أزلامه، وإن كنت على زعمك عوداً لا يقلح، فالحديد بالحديد يفلح.
وفي فصل: فتحقق أني مكدر الشموس التي تكسفها، ومغور
стр. 693
البحار التي تنزفها، وأنا أخلع عليك حظي من الفهم الأدبي والعلم الشعري، ولم أجعلها غرضاً، فلم ألمحهما، إلا عرضاً؛ وكذلك أناقض زهوك، وأخالف بأوك وأعترف لتعديك، لعلي أرضيك. وإني لا أضرب بسهمٍ في فهم، ولا أختص بقسم في علم، ولا آخذ بحظ في لفظٍ، ولا ألم بمغنىً لمعنىً، ضيق العطن في الفطن، عالم باضمحلال خيالي، ونضوب أوشالي، منقطع الرجاء عن تثنية واحدتك، وتقفية قافيتك، واعتراض عروضك. ولله أنت! لقد أغربت بعنقائك، [وبرزت] ببلقائك، فلا داحس لغبرائك، ولا مباري لغرائك. إلا أن الحسناء لا تعدم ذاما، وبليق مع جريه لا يفقد ملاما؛ فكم ندي قضى منتدوه، وحكم مشاهدوه، أن يتيمتك هذه منحلة من إحدى بناتي، وحقيقتك منتخلة من بعض خيالاتي. وزعموا أنك في لواحبها سلكت، وعلى قوالبها سبكت، وما زدت على أن مسخت راءها نوناً، وصيرت أبكارها عوناً. ومن الظلم الجم أن تجعل نصري خذلاناً، وعضدي عدواناً؛ وكل سمع قولي: إن بحر الوزير أزخر من أن يستمد بجزري، وعلمه أوفر من أن يستكثر بنزري، وفضله أبرع من أن يختلس من حلاي، وشمسه أرفع من أن تقتبس من سهامي؛ والاتفاق غير نكير، فقد جرى لهمام
стр. 694
وجرير، وقبلهما للكندي والبكري.
وفي فصل: وهذه نزغات الحاسدين، ونتغات المنافسين، فأعرض عن فندهم، ولا تحفل بعندهم، وقل في قولهم قول الأحنف في مثلهم:
عثيثة تقرض جلداً أملسا ... ومن قال سمع، ومن قرع قرع، ومن جمع كبح، ومن زهي ازدري؛ فلا تسمع ممن يقصد إسماعك، ويعتمد إيجاعك، فلو فحصت لما انتقصت، ولو تحققت لما تدفقت، فرب غيث عاد عيثا، وعجلة تهب ريثا؛ فقد تعاطينا كأس النصف فلنجدع أنف الأنف، ولنطفئ سقط الشنف، ولنمح السالف بالمؤتنف، فقد بردت كبد الإخلاص، وانتهجت سبيل الاستخلاص، وانصقلت ماوية الصفاء، وتوثقت آخية الإخاء، فلا يختلج بهاجسك، ولا يخطر بخاطرك، أن هفوات هذه الهنوات تغص أجفاني عن لحظ سناك، أو تخرس لساني عن إيضاح علاك، وعلى ما خيلت، أن أنفصل من تقديمك، وأن أنفك من تعظيمك.
стр. 695
وله من أخرى إلى ابن الحديدي بطليطلة: قد سطع - أعزك الله - من سناك وسنائك، وتضوع من نثاك وثنائك، وانتشر من علاك وحلالك، ما ضمخ مسكه اللوح، وستر نوره يوح؛ فسور سيرك تتلى في منازل الفضائل، وصور غررك تجلى في محافل الأفاضل؛ ولا غرو أن تنزع الأنفس الشاسعة تلقاءك، وتتمنى لقاءك؛ ولا بدع أن تمتد الأعين النازحة إليك، وتود أن تقع عليك، فالفضل موموق، والنفيس مرموق، وحرص الحوباء على مشافهة الأخلاء يقضي عليها باقتداح زند المخاطبة، واستفتاح غلق المكاتبة، وإذا عدم التناطق، فقد وجب التباطق، ولو أن التكاتب لا يقع إلا بعد وقوع طير التعارف، على ماء التآلف، وتفيؤ النفس، ظلال الأنس، لا نسدت أبواب المواصلة، وانبتت أسباب المراسلة. وما زلت مذ تنسمت أرج ذكراك، وتوسمت نهج علياك، أصبو إليك صبو الهائم، وأظمأ ظمأ الحائم، وأرتقب للإمكان صالحة أتوصل بها إلى مجاراتك في ميدان الاستدلال، وأتوسل بها إلى معاطاتك أفنان الالتئام والاتصال، والزمن يأبى إلا اللي، فينهد العوائق إلي، إلى أن دهمني من ضروب خطوبه بعجائب، واستقبلني
стр. 696
من صنوف صروفه بغرائب، قذفتني من سمائي، وسقتني غير مائي، فأيدي التغرب تتعاطاني، وأقدام النوب لا تتخطاني. والله يحسن العقبى، ويعقب الحسنى، بمنه.
وله من أخرى: قد كنت خاطبتك في أمر فلان، وجلوت إليك معه خبري، وشكوت إليك عجري وبجري، لتنظر كيفية حاله، ولعلك تصرفه عن محاله. فما أصرت بنهرك زبدا ولا حببا، ولا أثرت لمهرك عنقا ولا خببا، ولا سلكت لشعبك صعدا ولا صببا، ولا فككت لسعيك وتدا ولا سبا. وعهدتك - أبقاك الله - أنفذ سهامي، وأقتل سمامي، فما الذي عاق بدارك إلى رغباتي، وسكن مثارك في طلباتي - فعودا إلى معترفاتك، وجريا على قديم عاداتك، في أن تعمل حيلك البابلية، وهدايتك اللاهوتية، وألطافك الناموسية، ودقائقك البطليموسية؛ فعساك أن تطلق ربقي، وتعتق رقي.
وله من أخرى إلى أبي بكر الخولاني المنجم: لو أنصفك الزمان الذي أنت غرة أيامه، ودرة نظامه، لكنت أحق بالسرطان من الزبرقان، وأولى بالميزان من كيوان، وأحجى بعلو المراتب من سائر الكواكب، فما زلت لفلك علمها مركزا، ولمدى فهمها محرزا. ولو ميز الزمان ضياء جوهرك، وصفاء عنصرك، لما عداك عن العروج، إلى فلك البروج؛
стр. 697
وأرجو أن هذا زمانه، وقد آن أوانه، فقد ظهرت له دلائل، وشهدت له مخائل. فكأني بك من ذات الصدع، إلى ذات الرجع، على كبد الجزع، فيا ليت شعري هل يتمارى فيك، فيقول من يصافيك: ما رشق ولا مشق، ولكنه شبه وموه. أوردنا الله خير موارد النجاة والهدى، وعصمنا من الضلالة والردى، بمنه.
وله أيضا: يا سيدي الذي هو قسيم ذاتي إن تحققت الذوات والنحائز، وشقيق نفسي إن تبينت الخلائق والغرائز، ومن أبقاه الله بقاء الفرقدين، في تدبير السعدين؛ بيننا - أعزك الله - من التحام المقة واستحكام الثقة، ما أربأ عن تضمين الصحائف، ولو قدت من السوالف، وأنزهه عن اشتمال المداد، ولو كان من دم الفؤاد، فصفاؤنا شمسي النقاء، ووفاؤنا فلكي البقاء، ولا تضمن الطروس، غلا ما لحقه. وكتابي بعد إثر إتحافك لي بكتابين كالنيرين، فإن كان القمر ويوح، لإنارة اللوح، فهذان لجلاء الأذهان.
@وهذه أيضا جملة من شعره في أوصاف شتى
ومن ذلك ملحه في نويرة، قال:
ورأت جفوني من نويرة كاسمها ... نارا تضل وكل نار ترشد
والماء أنت وما يصح لقابض ... والنار وفي الحشا تتوقد
стр. 698
وقال أيضا:
قلبي في ذات الأثيلات ... رهين لوعات وروعات
فوجها نحوهم إنهم ... وإن بغوا قبلة بغياتي
وعرسا من عقدات اللوى ... بالهضبات الزهريات
وعرجا يا فتيي عامر ... بالفتيات العيويات
فإن بي للروم رومية ... تكنس ما بين الكنيسات
أهيم فيها والهوى ضلة ... بين صواميع وبيعات
وفي ظباء البدو من يزدري ... بالظبيات الحضريات
أفصح وحدي يوم فصح لهم ... بين الأريطى والدويحات
وقد أتوا منه إلى موعد ... واجتمعوا فيه لميقات
بموقف بين يدي أسقف ... ممسك مصباح ومنساة
وكل قس مظهر للتقى ... بآي إنصات وإخبات
وعينه تسرح في عينهم ... كالذئب يبغي فرس نعجات
وأي مرء سالم من هوى ... وقد رأى تلك الظبيات
فمن خدود قمريات ... على قدود غصنيات
وقد تلوا صحف أناجيلهم ... بحسن ألحان وأصوات
يزيد في نفر يعافيرهم ... عني وفي ضغط صباباتي
والشمس شمس الحسن من بينهم ... تحت غمامات اللثامات
وناظري مختلس لمحها ... ولمحها يضرم لوعاتي
стр. 699
وفي الحشا نار نويرية ... علقتها منذ سنيات
لا تنطفي وقتاص وكم رمتها ... بل تلتظي في كل أوقاتي
فحي عني رشأ المنحنى ... وإن أبى رجع تحياتي وقال أيضاً:
حديثك ما أحلى فزيدي وحدثي ... عن الرشأ الفرد الجمال المثلث
ولا تسأمي ذكراه فالذكر مؤنسي ... وإن بعث الأشواق من كل مبعث
وبالله فارقي خبل نفسي بقوله ... وفي عقد وجدي بالإعادة فانفثي
أحقاً وقد صرحت ما بي أنه ... تبسم كاللاهي بنا المتعبث
وأقسم بالإنجيل إني لمائن ... وناهيك دمعي من محق محنث
ولابد من قصي على القس قصتي ... عساه مغيث المدنف المتغوث
فلم يأتيهم عيسى بدين قساوة ... فيقسو على مضنى ويلهو بمكرث
وقلبي من حسن التجلد عاطل ... هوى في غزال الواديين المرعث
سيصبح سري كالصباح مشهراً ... ويمسي حديثي عرضة المتحدث
ويغري بذكري بين كأس وروضة ... وينشد شعري بين مثنى ومثلث وقال أيضاً:
صنت اسم إلفي فدأباً لا أسميه ... ولا أزال بإلغازي أعميه
وصاحبي عددي قد رمزت به ... بذكر أعداد ما تحوي مبانيه
стр. 700
فجذر أوله ربع لآخره ... وجذر آخره ربع لثانيه
وإن ثانيه خمس لثالثه ... فافهم فقد لاح للأفهام خافيه وقال أيضاً:
أما الذي بي فإني لا أسميه ... لكن سألقي رموزاً جمةً فيه
إذا أردت من الأعداد نسبته ... فجذر أوله عشر لثانيه
وإن أضفت إلى ذي الجذر رابعه ... رأيت ثالثه زهراً معانيه
ونصفه أولعت أخت الرشيد به ... فقد تبين ماضيه وباقيه وله فيها أيضاً:
عساك بحق عيساك ... مريحة قلبي الشاكي
فإن الحسن قد ولا ... ك إحيائي وإهلاكي
وأولعني بصلبان ... ورهبان ونساك
ولم آت الكنائس عن ... هوى فيهن لولاك
وها أنا منك في بلوى ... ولا فرج لبلواك
ولا أسطيع سلواناً ... فقد أوثقت أشراكي
فكم أبكي عليك دماً ... ولا ترثين للباكي
فهل تدرين ما تقضي ... على عيني عيناك
وما يذكيه من نار ... بقلبي نورك الذاكي -
حجبت سناك عن بصري ... وفوق الشمس سيماك
وفي الغصن الرطيب وفي ال ... نقا المرتج عطفاك
стр. 701
وعند الروض خداك ... ومن رياه رياك
نويرة إن قليت فإن ... ني أهواك أهواك
وعيناك المنبئتا ... ك أني بعض قتلاك وقال أيضاً:
وبين المسيحيات لي سامرية ... بعيد على الصب الحنيفي أن تدنو
مثلثة قد وحد الله حسنها ... فثني في قلبي بها الوجد والحزن
وطي الخمار الجون حسن كأنما ... تجمع فيه البدر والليل والدجن
وفي معقد الزنار عقد صبابتي ... فمن تحته دعص ومن فوقه غصن
وفي ذلك الوادي رشاً أضلعي له ... كنائس، وقمري فؤادي له وكن وله فيها أيضاً:
رويدك أيها الدمع الهتون ... فدون عيان من أهوى عيون
يظن بظاهري حلم وفهم ... ودخلة باطني فيه جنون
إلى كم أستسر بما ألاقي ... وما أخفيه من شوقي يبين
نويرة بي نويرة لا سواها ... ولا شك فقد وضح اليقين وله فيها من قصيدة:
ومن جرحته مقلتاك نويرة ... فليس يرجي من جراح الأسى أسوا
أرى كل ذي سلوى رآك متيماً ... فما أكثر البلوى بحسنك والشكوى
ونار الأسى تخبو بقرب نويرة ... ومن لي بأن آوي إلى جنة المأوى
стр. 702
وقال فيها أيضاً:
وفي شرعة التثليث فرد محاسن ... تنزل شرع الحب من طرفه وحيا
وأذهل نفسي في هوى عيسوية ... بها ضلت النفس الحنيفية الهديا
فمن لجفوني بالتماح نويرة ... فتاة هي المردى لنفسي والمحيا
سبتني على عهد من السلم بيننا ... ولو أنها حرب لكانت هي السبيا واسمها على الحقيقة " جميلة " ولذلك قال فيها:
أتعلم أن لي نفساً عليله ... وأشواقاص مبرحة دخيله -
وفي طي الجميلة ريم إنسٍ ... رمزت بها فلله الخميله فصحف اسمها كما تراه، وجرى في وصفها طلق الجموح فلم يف شرط الكتاب بمداه.
@ما أخرجته من المدائح في أميره ابن صمادح
من ذلك قصيدة أولها:
لعلك بالوادي المقدس شاطئ ... فكالعنبر الهندي ما أنا واطئ
وإني في رياك واجد ريحهم ... فروح الهوى بين الجوانح ناشئ
стр. 703
ولي في السرى من نارهم ومنارهم ... هداة حداة والنجوم طوافئ
لذلك ما حنت ركابي وحمحمت ... عرابي وأوحى سيرها المتباطئ
فهل هاجها ما هاجني أو لعلها ... إلى الوخد من نيران وجدي لواجئ
رويداً فذا وادي لبينى وإنه ... لورد لباناتي وإني لظامئ
ميادين تهيامي ومسرح ناظري ... فللشوق غايات به ومبادئ
ولا تحسبوا غيداً حمتها مقاصر ... فتلك قلوب ضمنتها جآجئ
محاملة السلوان مبعث حسنه ... فكل إلى دين الصبابة صابئ
فكيف أرفي كلم طرفك في الحشا ... وليس لتمزيق المهند رافئ
وما لي لا أسمو مراداً وهمة ... وقد كرمت نفس وطابت ضآضئ
وما أخرتني عن تناه مبادئ ... ولا قصرت بي عن تباه مناشئ
ولكنه الدهر المناقض فعله ... فذو الفضل منحط وذو النقص نامئ
كأن زماني إذ رآني جذيله ... قلاني فلي منه عدو ممالئ
فداريت إعتاباً ودارأت عاتباً ... ولم يغنني أني مدار مدارئ
فألقيت أعباء الزمان وأهله ... فما أنا إلا بالحقائق عابئ
ولازمت سمت الصمت لا عن فدامة ... فلي منطق للسمع والقلب مالئ
стр. 704
ولولا علا الملك ابن معن محمد ... لما برحت أصدافهن الآلئ
لآلئ إلا أن فكري غائص ... وعلمي دأماء ونطقي شاطئ
تجاوز حد الوهم واللحظ والمنى ... وأعشى الحجى لألاؤه المتلالئ
فتنعكس الأبصار وهي حواسر ... وتنقلب الأفكار وهي خواسئ أنشده هذه القصيدة سنة خمس وخمسين، وأخذ عليه أنه همز فيها ما لا يهمز فقال:
عجبت لغمازين علمي بجهلهم ... وإن قناتي لا تلين على الغمز
تجلت لهم آيات فهمي ومنطقي ... مبينة الإعجاز ملزمة العجز
ولاحت لهم همزية أوحدية ... وويل بها ويل لذي الهمز واللمز
رموها بنقص بينت فيه نقصهم ... ومن لمس الأفعى شكا ألم النكز
وإن أنكرت أفهامهم بعضها همزها ... فقد عرفت أكبادهم صحة الهمز وقال من أخرى:
أقبلن في الحبرات يقصرن الخطا ... ويرين في حلل الوراشين القطا
سرب الجوى لا الجو عود حسنه ... أن يرتعي حب القلوب ويلقطا
مالت معاطفهن من سكر الصبا ... ميلا يخيف قدودها أن تسقطا
وبمسقط العلمين أوضح معلم ... لمهفهف سكن الحشا والمسقطا
ما أخجل البدر المنير إذا مشى ... يختال والخوط النضير إذا خطا!
стр. 705
ومنها:
يا وافدي شرق البلاد وغربها ... أكرمتها خيل الوفادة فاربطا
ورأيتما ملك البرية قاطبا ... ووردتما أرض المرية فاحططا
يرمي نحور الدارعين إذا ارتأى ... ويذل عز العالمين إذا سطا ومنها:
فإليكها تنبيك أني ربها ... نسب القطا متبين مهما قطا ومعنى هذا البيت منقول من قول المعري حيث يقول:
عرفت جدودك إذ نطقت وطالما ... لغط القطا فأبان عن أنسابه وقال النابغة قبله:
تدعو القطا وبه تدعى إذا نسيت ... يا صدقها حين تدعوها فتنتسب وألم بهذا المعنى بعض أهل عصرنا وهو عبد الجليل، من قصيدة يمدح بها المعتمد بن بعاد حيث يقول:
وحين أسمعت ما أسمعت من كلم ... تمثلت لهم الأعراب والحلل ومن أناشيد أهل المعاني لأبي وجزة السعدي في صفة القطا مما يتعلق
следующие страницы →