Полный текст (3 281 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
أو صبت من فج عميق، أو تطالعت من أفق سحيق، حسبتها تجيش على البلاد بحارا، أو تسح على الوهاد مدرارا، فقد نسجت فوقها من القتام، ظللا كتراكم الغمام، فكأنها رفعت سماء من عجاج، وأطلعت نجوما من زجاج.
ومنها: حتى لاح لنا ملك الأملاك، وثالث القمرين في الأفلاك، وجه جلى هبوة ذلك العثير، والعجاج الأكدر، فحين جلت غرته الغراء جلابيب الغبار [لم ندر أبدر الليل] أم شمس النهار. فلله ما ضمت أطناب ذلك السرداق، وما أظلت أفياء تلك الخوافق، من مال المسيف وعنبر المستاف، وليث العرين وبحر الاغتراف، ومن نزال الهواجر، وبذال الجواهر، فلما جلت غرة وجهه المتهلل، غياية ذلك القسطل، جعلت أتأمل ضراغم فوق قب صلادم، فمن كمت تسبح بكماة، ومن حم تردي بحماة، قد تحلت بحلي لباتها وألجامها، تحلي الغياهب بأنجمها، يرفلن في العبقري ويحملن جنة عبقر، ويسفرن
стр. 737
عن مثل الصبح إذا أسفر، من الجياد اللواتي تضمن أقوات النسور القشاعم، وتقري سراحين الفلاة بالطلى والجماجم، أنجاد كأنها أسنتها، كأنها أعنتها، فما ترى غير محارب يهز حرابا، وأعاريب تركض عرابا.
[وفي فصل] : كل قد أخذ عتاد اليوم للبأس الشديد، يظاهر بالحديد على الحديد، تلبب بالسابرية وتدرع، وتعصب بالصقال وتقنع، حتى اليلامق والدروع سواء، وحتى المقلة النجلاء والحلقة الحوصاء، من كل مسرود الدخارص، متألق دلامص، كأنما جللته بحبكتها السحاب، أو خلع برده عليه الحباب، أو غمس في ماء فجمد عليه الحباب، وكأنما باض على رؤوسهم نعام الدو، وبرقت في أكفهم بوارق الجو، لكنها ما هزت فبوارق، وإذا صبت فصواعق، من كل ذي شطب كأنما [أهل] قرى نمل، علون منه قرا نصل، فإذا أصاب فكل شيء مقتل، وإذا حز فكل عضو مفصل، أمضى في الأشباح، من الأجل المتاح، عضب الحد صقيل، يكاد إذا انتضي يسيل، ويكاد مبصره يغنى عن الورد، إذا اخترط من الغمد، ما لم يخله ريعان سراب، في صحصحان يباب، لاشتباه فرنده بحباب في شراب، أو حباب في
стр. 738
سراب؛ فلما رأيت جفنه قد انطوى على جمر الغضا، وماء الأضا، وانضم على خضرة الجنح، ورونق الصبح، قلت: سبحان مكور الليل على النهار، والجامع بين الماء والنار.
وفي فصل: ومن كل مثقف الكعوب، أصم الأنبوب، كأنما سلب من الروم زرقتها، واجتلب من العرب سمرتها، وأخذ من الذئب عسلانه، ومن قلب الجبان خفقانه، ومن رقراق السراب لمعانه، أو استعار من العاشق نحوله، ومن العليل ذبوله.
فكررت الطرف خلال تلك اجياد، فرأيت مقربات خيل يتخايلن تخايل العذارى الرود، ويتهادين تهادي المهارى القود، فكأنما يتوجسن عن أطراف أقلام، ويتشاوسن عن مقل آرام: فمن مبيض شطر كابيضاض المهرق، ومسود شطر كاسوداد العوهق، كأنما اختلس نصفه الفلق، واحتبس بنصفه الغسق، " مقابل الخلق بين الشمس والقمر "، ومقسم السربال بين الجنح والفجر؛ إذا توجس عن رقيقتين، كأنما
стр. 739
صيغتا من لجين، حسبته من شهامة نفس، ولطافة حس، يحس وطء الرزايا، ويعلم مغيبات الخفايا. ومن ورد كأنما جلل بورد، أو خلعت عليه من الصباح المسفر، حلة فجره المعصفر، أو شقت عنه كمائم شقيق، أو سلت عقيقته من أديم عقيق، أو كسي خدود الغانيات، فرمي بالعيون الرانيات، فاخجلته حياء، وضرجته دماء، واستعار برد الأفق، عند وقت الغسق؛ ومن أصفر كأنما يصفر عن وجنة عليل، ويرفل في حلة أصيل، أو كأنما كسفت في أديمه الشمس، أو ذر على نقبته الورس، حتى ليكاد الجادي يجري من ماء عطفيه، ويجنى الحوذان من روض متنيه، ومن ذي كمتة قد نازع الخمر جريالها، فسلبها سربالها، ومن محجل هملاج، كأنما سور بوقف عاج، أو شكل بشكالين، صيغا له من ناصع لجين، أو من خوافق برق وشيج، تسير بها متون عناجيج، إذا أهوت بها سراعاً، ختها سفناً تحمل شراعاً، تثني متونها هبات الرياح، كما تثني أعطاف النشاوى نشوة الراح، فكأن أعطافها أعطاف سكارى، وكأن قدودها قدود عذارى.
وفي فصل منها: وعلم - لا زال مؤيداً - أن الداء يبرأ إذا حسم، والخطب يستشري كلما قدم، وأنهم إن تركوا في اليوم كراعاً، صاروا في الغد ذراعاً، فرماهم ببديهات عزم كالنجوم العواتم، وماضيات
стр. 740
رأي كالسيوف الصوارم، وآراء تصدع صفا الجلمود، وعزمات تنقب في الصخرة الصيخود، فغدت أمانيهم نقماً وكانت نعماً، وعادت أراجيهم هموماً وقد كانت همماً؛ فقرع السن من الندم، " وزلة الرأي تنسي زلة القدم "، وأيقن أن من خطب بنات النصر بالسعد زوج، ومن ألقح الرأي بالعزم أنتج.
ومنها: ولما علم أنه إما شرق وإما غرق، وعاين الموت محمرة أظافره، موفيةً موارده ومصادره، ووصلت له دؤلول ابنة الرقم، في أعلى تلك القممن فحينئذ انجلت عمايته وغياطله، واستخذى لحق مولاه باطله، وكان حرياً أن تئيم حلائله؛ وأوهم أنه لو ظلت بين منازل النجوم نوازله، لرأى أنها عقالاته لا معاقله، فرمى بيده صاغراً إلى السلم ثقة بعفو كظل المزنة الممدود، وكرم كشط اللجة المورود. فلولا حلم كالجبال رصين، وجود كالسحاب هتون، لبادوا خلال تلك الديار، كما بادت جديس في وبار، ولنغلت تلك المنازل نغل الجلد، ومحت كما محت وشائع من برد. وما دلاهم في غدرهم الذي غدروا، وغرهم في خترهم الذي ختروا، إلا العلم بأن سوف يعفو حين يقتدر، فقد اعتصموا
стр. 741
بحبل معتصم بخالقه، وتوكلوا على رزق متوكل على رازقه، واستوثقوا من عقد من لا عقاله بأنشوطة، ولا ميثاقه بأغلوطة.
وفي فصل: فيا أيها المغترون بخلقه الفضفاض، وكرمه الفياض، لا يجهلنكم تحمله، ولا يغرنكم تكرمه، فالبحر قد تردي غواربه وليس بطام، والعارض قد تصيب صواعقه وليس بركام، والنصل قد يبري وهو غير مؤلل، وأين نار ليس لها شرار، وأين خمر ليس لها خمار - فهو جدب وربيع معرق، وليل ونهار مشرق، فيه الصاب والعسل، وفي السهل والجبل، له خاطر على خواطر الحوادث مرسل، وطرف بأطراف البلاد موكل. فأنى بعناد من تميد الأرض إذا وجم، ويرق نسيم الهواء إذا ابتسم - فلم يجتمع لملك - حاشاه - خضاب الصوارم، واجتناب المحارم، قسم العدل بين البدو والحضر، كقسمة الغيث بين النبت والشجر، فلا غرو أن يفوق جميع الأنام وهو من الأنام، فإن المسك بعض دم الغزال، وإن معدن الذهب الرغام. فهو الأبلج المتدفق، والأزهر المتألق، من جوهرة المجد وهو ماؤها، ومن مهجة العلياء وهو سويداؤها، ولا يقتدي في سؤدد بغريب، بل
стр. 742
يجري على سنن منه وأسلوب، كالغيث شؤبوباً بشؤبوب، والرمح أنبوباً على أنبوب.
وفي فصل: فلله أي مراد ردته، وأي مورد وردته، لم أكن ممن غره السراب، حين أعوزه الشراب، ولا كنت كمن زجر الطير بالنجم والدبران، ولا ممن سقط العشاء به على سرحان، ولا كمن قال مرعى ولا كالسعدان؛ كلا، إن مملوكك ألقى أرواقه، حيث مد المجد رواقه، بحيث يعتصر الندى من عوده، ويرتشف صرف الجود من ناجوده، فانتقيت الجار قبل المنزل، وبوأت رحلي في المحل المبقل، ورتعت في أثر الغمام المسبل.
وفي فصل: ولولا ذلك لكان لي في الأرض العريضة مسارح، وفي أبناء الكرام منادح، غير أني عن أكثر المراتع عزوف، ولأكثر المشارع عيوف وأني لكالسيف لا يحمد كل من حمله، وكالرمح لا يسر بكل من اعتقله، وما كل عجيبٍ في عيني بعجيب، ولا كل غريب في نفسي
стр. 743
بغريب. أنساني الله رشدي يوم أنساه، وأبدلنيه يوم أستبدل سواه، ما وصل أو قطع، ورفض أو اصطنع، وما ضر أو نفع. ولئن أعقب يوماً من الدهر بحرمانٍ - وحاشاه - فلقد سبق بمعروف، وإن ساءني منه يوما فعلة - وخلاه - فإن اللواتي قد سررن ألوف. ولقد ألفى وده صدري خلاءً من غيره فاستوطن، وصادف قلبي فارغاً فتمكن.
وفي فصل: ما رأيت وجهاً أسمح، ولا حلماً أرجح، ولا سجيةً أسجح، ولا بشراً أبدى، ولا كفاً أندى، ولا غرةً أجمل، ولا فضيلةً أكمل، ولا خلقاً أصفى، ولا وعداً أوفى، ولا ثوباً أطهر، ولا سمتاً أوقر، ولا أصلاً أطيب، ولا رأياً أصوب، ولا لفظاً أعذب، ولا عرضاً أنقى، ولا ثناءً أبقى، مما خص الله به ثالث القمرين، وسراج الخافقين، وعماد الثقلين، المعتصم بالله ذا الرياستين، دامت راياته منصورة، [وآياته] منظورة، ومقاصير ملكه بالسعد معمورةً، ما هبت صباً وجنوب، وما أقام يذبل وعسيب. وإني وإن أطنبت فأطيبت، وأسهبت فاعذبت، لخجل أن يكون مثلي يثير غباراً على جبينه، وينظم سواراً عن يمينه. فإن فكري بعد كالسيف الخشيب، والقدح المخشوب، فهذا لم تذلق
стр. 744
ظبتاه، وذاك لم يخلق حقواه، فإنه أول استعمال القريحة، ورياضة السجيحة، وأول الضرام سقط ثم يلتهب، " وأول الغيث طل ثم ينسكب ".
وفي فصل: فإني غادرت بعدي لحماً على وضم، وجرحى بين عقبانٍ ورخم، ستعلم أي خبر أنمنم وأحبر، وأي در أنظم وأنثر، فإني وإن كنت الأخير زمانه، والسكيت أوانه، لدليلة على الدلائل، ومخيلة على المخايل، أني آتي بما لم تستطعه الأوائل [فأفصلها كتفصيل الجواهر في العقد، وأقدر تقدير داود في السرد] .
وفي فصل: ويا لهفي ألا تكون معونتي له إلا باللسان، دون السنان، أطاعن أمامه دراكاً، وأزاحم قدامه الأقران لكاكاً! ولولا أفرخ كزغب القطا، يدبون في نائله عندي دبيب الكرى، فيستشفون علالتي، ويستنزفون بلالتي، لامتطيت من جدواه السابح اليعبوب، وتقلدت من نداه الصارم الرسوب، واعتقلت من عطائه الصعدة السمراء
стр. 745
وادرعت من حبائه الفضفاضة الجدلاء، فيبصر هنالك، مملوكه ابن مالك، يلاعب الأسنة كعامر بن مالك، فينظر أحسن منظر، ويبلو أفضل مخبر، رب القصائد والقنا المتقصد، فطوراً طعناً بالمثل، وضرباً بالمنصل، وطوراً ارتجالاً بالخطبة الفيصل، كخطبة قيس بن سنان، في حمالة عبسٍ وذبيان، خطبة تباري الريح في هبوبها، من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، حضاً على السلم والمحاجرة، ونهياً عن الحرب والمناجزة؛ فلو شهد هنالك لشهد أمراً معجباً، وأبصر خطيباً مسهباً فيرى شقشقةً وقرماً مصعباً، يجنحهم إلى السلم لماً لماً وثباً وثباً.
قال ابن بسام: ومد ابن مالكٍ في رسالته هذه أطناب الإطناب، وشن الغارة فيها على عدة شعراء وكتاب، من جاهليين ومخضرمين، ومحدثين معاصرين، ولو ذكرت من أين استلب واختطف، جميع ما وصف، وانصرف إلى كل أحدٍ كلامه، نثره ونظامه، لحصل هو ساكتاً، وبقي باهتاً.
ومن شعر له من قصيدةٍ في يوسف بن هود أولها:
شرخ الشباب أمن روحٍ وريحان ... عصراك أم جوهر في الوهم روحاني
عهدي بليلك فجراً والهجير ضحىً ... ضحيان أزهر رقراق الأصيلان
стр. 746
أكان عهدك في دارين ينفح أم ... من أندرين ومن ريا وريان
وكان من غفلات الدهر طيبك أم ... من غفلةٍ خلست من لحظ رضوان
سقياً لعهدك ما أندى نوافحه ... ريا وأنقعها رياً لحران
عصر جنيت جناه الغض من قمرٍ ... وافى به ثمراً غصن من البان
إذ تشرئب لي الأغصان مائةً ... مهفهفات على رجراج كثبان
فلم أزل ساحباً أذيال بردته ... حتى عثرت بأرداني فأرداني
وابتز رائع ريعانٍ نذير نهىً ... فريع روعي لما ابتز ريعاني ومنها:
وإنما العذر لي أن جئت في زمنٍ ... لا الجيل جيلي ولا الأزمان أزماني
والله لولا رجائي أن تهاودني ... إلى ابن هود هوادي كل مذعان
لمت من كمدٍ غيظاً على دول ... صروف أزمانها تجري بإزماني
وليس يوسف عندي مثل يوسف بل ... لقيا أبي عمر من عمري الثاني
إذ ما يزال بقسطي باخساً أبداً ... من لم يزني بقسطاس وميزان
وقد حويت قصاب السبق في بدعٍ ... شتى وأحرزتها في كل ميدان
وكم بدائع لي ما باشرت بشراً ... ولا سرى طيبها في وهم إنسان
لكن بصائرهم عمي ولا بصر ... والشمس تشرق إلا عند عميان
لقد أجد فؤادي من محبته ... ما كنت أحسبه وسواس جنان
стр. 747
مغنيطس في ذراه الرحب يجذبنا ... أم سحر بابل أم آثار حران -
أم عنصر شاق أجساماً وأنفسها ... بجوهر فيه جسماني ونفساني -
براهن هن عن علياك موضحة ... لو أحوجتنا إلى إيضاح برهان
فضائل لك تستدعي فضائلها ... لك الأفاضل من آفاق بلدان
وليس فضلك مطوياً ضحيفته ... فيستدل على ضمن بعنوان
فالصبح أبين لألاء لمبصره ... من أن يعان بشرح أو بتيان @فصل في ذكر الاديب أبي احمد عبد العزيز بن خيرة القرطبي المشتهرة
@معرفته بالمنفتل، وسياقة جملة من نظمه ونثره، مع ما يتعلق بذكره
والمنفتل أيضاً ممن نثر الدر المفصل، وطبق في بعض ما نظم المفصل، ولم يحضرني في وقت تحرير هذه النسخة من شعره إلا النزر القليل، وقد يعرب عن العتق الصهيل، ويكفي من البياض الغرة والتحجيل.
فصل له من رقعة وقد بعث بأترجة، قال فيه: وقد بعثت إليك
стр. 748
من بنات الثمار أجملها، ومن نتائج البستان أفضلها؛ لم تطرفها عين أحد، ولا باشرها بشر بيد؛ قد صيرت من الأغصان خدراً، وأرسلت من الأوراق ستراً، فلما تكامل حسنها، وماد بها غصنها، وارتوت من ماء الجمال، وصارت في نصاب الكمال، هتكت سترها، وطرقت خدرها، فإذا هي في حلة الخائف، قد أصفرت وجلا من يد القاطف، فشربت على ودها رطلين، وتناولتها بالراحتين، ثم وضعتها في هودج خيزران، وآثرتك بها على جميع الإخوان؛ فبحرمة الكأس التي رضعنا، وأمير الظرف الذي بايعنا، إلا ما رفعت قدرها، وجعلت القبول مهرها، وجلوتها على مجلس المدام، وحجبتها عن عيون اللئام، فخصالها عجيبة، وصفاتها غريبة، إن خزنتها عطرت أثوابك، وإن أمسكتها أذهبت أوصابك، وإن أعلمت فيها غرب السكين، قرنت لك بين النرجس والياسمين، وأرتك وجنة لكئيب، على سالفة الحبيب؛ يا لها من أترجة غضة، قد صورت من ذهب وفضة! قد سرقت من العاشق سيماه، ومن المعشوق طعم ثناياه، وخصت بالحسن أجمع، وأعطيت الطبائع أربع. فصلني - وصل الله آمالك، وقرن بالنمو سعدك وإقبالك - بالأمر بقبولها، وتعريفي بوصولها، إن شاء الله.
стр. 749
@جملة من شعره في أوصاف شتى
قال:
سمح الزمان لنا بأسعد ليلةٍ ... والسمح لا يدرى له قبل
أبصرت نفسي بين ظبيي قفرة ... هذي المدام وهذه النقل
وكأن ذا وعد وذا إنجازه ... وكأنني من بينهم مطل وقال أيضاً:
بتنا كأن مداد الليل شملتنا ... حتى بدا الصبح في ثوب سحولي
كأن ليلتنا والصبح يتبعها ... زنجية هربت قدام رومي وقال أيضاً:
ولما تجلى الليل والبرق لامع ... كما سل زنجي حساماً من التبر
وبت سمير النجم وهو كأنه ... على معصم الدنيا جبائر من در وقال يصف الشمس وقد طفلت للغروب:
إني أرى شمس الأصيل عليلة ... ترتاد من بين المغارب مغربا
مالت لتحجب شخصها فكأنها ... مدت على الدنيا بساطاً مذهباً
стр. 750
وقال أيضاً:
من لي بظبي بزني نسكي ... قام من الكافور والمسك
لو أن داود رأى وجهه ... ألقى إليه خاتم الملك
أو أن يعقوب رأى وجهه ... في غيبة الصديق لم يبك وقال أيضاً:
لا شيء أعجب من تركي لهم روحي ... يوم الوداع ولم أترك تباريحي
ومن بقائي أمشي في ديارهم ... يا من رأى جسداً يمشي بلا روح - وله أيضاً:
ما لي بجور الحبيب من قبل ... هل حاكم عادل فيحكم لي -
حمرة هديه من دمي صبغت ... ويدعي أنها من الخجل وحضر عند القائد ابن دري بجيان مع أبي زيد بن مقانا الأشبوني، واستدعاهما إلى عنب أسود قد قطف في غير إبانه، من عريش قد أقيم على أربع قوائم، تحته صهريج، فقال المنفتل:
عنب تطلع في حشا ورق ندى ... صبغت غلائل خده بالإثمد
فكأنه من بينهن كواكب ... كسفت فلاحت في سماء زبرجد
стр. 751
وقال في صفة خال:
في خد أحمد خال ... يصبو إليه الخلي
كأنه روض وردٍ ... جنانه حبشي وقال فيه:
قد فؤادي بحسن قده ... وسد باب الكرى بصده
أردت تقبيله فذابت ... سوداء قلبي بصحن خده وأخذ هذا ابن رباح أبو تمام الحجام فقال في صفة الخال:
يا لابساً للحسن ثوب سمائه ... كالبدر يشرق في دجى ظلمائه
أحرقت قلبي فارتمى بشرارة ... في صحن خدك فانطفا في مائه
ووعد المنفتل بعض أخوانه أن يعمل مرقاسا ويدعوه إليه، وصنع ذلك فلم يدعه فقال: ...
يا أجود الناس بما عنده ... إلا إذا استعمل مرقاسا
فإن ينلها عذره بين ... إذ لم يجد فيهن أنفاسا
стр. 752
وقال فيه يهجوه:
لا آكل المرقاس دهري لتأ ... ويل الورى فيه قبيح العيان
كأنما صورته إذ بدت ... أنامل المصلوب بعد الثمان وقال:
إن جفاني الكرى وواصل قوما ... فله العذر في التخلف عني
لم يخل الهوى لجسمي شخصا ... فإذا جاءني الكرى لم يجدني وهذا كقول الآخر:
لم يعش أنه جليد ولكن ... ذاب سقما فلم تجده المنون وقال المنفتل:
بأبي غزال زارني ... فشفا الفؤاد المدنفا
عانقته فكأنني ... يعقوب عانق يوسفا وقال أيضاً:
قلت لمن أهوى تصدق على ... معذب حبك أضناه
بقبلة من فيك يا سيدي ... فقال لي: يحفظك الله وقال:
لو تقاسي من الهوى ما أقاسي ... ما تمنيت أن قلبك قاسي
كنت أدعوك للعناق ولكن ... أتقي أن تذوب من أنفاسي
стр. 753
وقال في صفة قطرميز وأخبر عنه:
أنا من كل فتنة مخلوق ... جسدي لؤلؤ وروحي عقيق
فإذا ما الكؤوس دارت بريقي ... فاح في الأفق منه مسك فتيق
فكأني بين الكؤوس هلال ... وكأن الكؤوس حولي بروق وقال يهجو الأفوه الشاعر الجزار:
وبارد المنظر والمخبر ... أبرد من ريح الصبا الصرصر
تبدو على أضراسه صفرة ... كأنه من فمه قد خري
حديثه أوحش من وجهه ... وشعره يشبه ذاك الطري وله في ميمون بن الفراء:
لابن ميمون قريض ... زمهرير البرد فيه
فإذا بيت بيتا ... نفقت سوق أبيه
стр. 754
وقال في جهران بن يحيى صاحب لبلة:
إن ابن يحيى ضحكة فتوسم ... واذكر به خدام نار جهنم
أكل الخبيث فشعره متساقط ... كالكلب أسقط شعره لعق الدم وله من رقعة خاطب بها ابن النغريلي الإسرائيلي: من فهم الزمان وخلقه، ورفل في جديده وخلقه، وعلم أنه يستأصل ريثما يواصل، ويقصم غب ما يقسم، لم يبال بوقع سلاحه، ولا استعد لوقت إصلاحه، ولما أغصني بالريق، وحفزني بالمضيق، ولم يترك هماً إلا سنى عقده، ولا نظماً إلا نثر عقده؛ ورأيت الاستحالة في الحال، والعيلة في العيال، وجداً قد جد فجاء من المصلين، وساهم فكان من المدحضين، هيأت راحلة وأثاثاً، وطلقت ابنة الوطن ثلاثاً
стр. 755
وقلت إما أن أجد فأظهر، أو أموت فأعذر؛ فكم من حرة سافرة القناع، تندبني موقت الوداع، وباكية يوم الرحيل، بكاء الحمام على الهديل؛ فقد فقأت عين السرى، بأربع كقداح السرا، يتشبثون بالآكام، تشبث الخصوم بالأحكام؛ ويتعلقون بالمطي، تعلق الأيتام بالوصي، إلى أن أخضلت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر؛ وجعلت أعوذهن بالمثاني، وأبسط لهن في الأماني، وأقول: ستنسين هذا الموقف، إذا اتصلتن بإسماعيل بن يوسف، فتى كرم خالاً وعما، وشرح من المجد ما كان معمى، قساً فصاحة، وكعباً سماحة، ولقمان علما، والأحنف حلما. أكرم همة من همام، وأعظم بسطة من بسطام؛ إن خاطب أوجز، وإن غالب أعجز، أو جاد أجاد، أو وعد أعاد؛ يأمر ويمير، ويأجر ويجير؛ مأوى السماح والضيف، ورحلة الشتاء والصيف؛ حامي الذمار، بعيد المضمار؛ لا يظلم نقيراً، ولا يخيب فقيراً: يحافظ على صلاته، حفظه لصلاته، ويحن إلى البذل، حنين الغريب إلى الأهل:
قرن الفضائل والفواضل ... فشأى الأواخر والأوائل
стр. 756
سقطوا برفعة فضله ... كالشمس في شرف المناقل
هذا ابن يوسف الذي ... ورث الفضائل عن فواضل
شرف الزمان بمثله ... شرف الأسنة بالعوامل
من لم يلذ بجناحه ... لم يأمن الدهر المخاتل
متقلد سيف العلا ... والمركمات له حمائل
قصرت في وصفي له ... ولو أنني سحبان وائل
ما قل ما يرجى الكما ... ل لمن أبوه غير كامل
سكن الندى في كفه ... سكنى الرواجب في الأنامل
وجرى الحياء بوجهه ... جري الفرند على المناصل فحين سمعوا بوصفه، الذي هو طليعة عرفه، وثقوا بمجده، وود عوني مستبشرين، وتركتهم منتظرين.
وله من قصيدة أولها:
أحاجيكم هل يمموا الضال والسدرا ... أبى قلبي المعمود أن يسكن الصدرا
وفي الهودج المزرور جؤذر رملة ... أسيل مجال القرط في حرة الذفرى
كأن الثريا ما بدا من وشاحها ... وقد همت الأرداف أن تسلم الخصرا
يذكرني شكل الهلال سوارها ... وقد أرسلت من دون هودجها سترا
يقولون إن السحر في أرض بابل ... ولو عاينوا أجفانها نظروا السحرا
стр. 757
يريك طلوع البدر طرق شعاعها ... وتفجأ من إيضاح غرتها الشعرى
فيا لك من نحر يزين عقدها ... إذا عقد من تشجى بها زين النحرا
فلا هجرت عيني سوابق أدمعي ... كما أن ليلي بعدهم هجر الفجرا
فقل في شج قد بات يمسح دمعه ... بكف وأخرى تحتها كبد حرى
وقد ضرب الليل البهيم رواقه ... وأطلع في الآفاق أنجمه الزهرا
كأن سماء الأرض بحر زبرجد ... وقد نثر الغواص من فوقه درا
لقد طال هذا الليل فالدهر بعضه ... ولم أر ليلاً قبله شاكل الدهرا
وما اكتحلت عيني بمثل ابن يوسف ... ولست أحاشي الشمس من ذا ولا البدرا ومنها:
بدور ولكنا أمنا سرارها ... بحور ولكن لا نرى دونها برا
غيوث إذا ما المحل شب ببلدة ... كهوف إذا جاءت بنا أرضه كبرى
يخالون من فرط الحياء أذلة ... وترتج أحشاء الملوك لهم ذعرا
ومن لم يكن للنظم والنثر محسناً ... فإن نداهم علم النظم والنثرا وهذا القصيد اندرج له من الغلو فيه، ما لا أثبته ولا أرويه، وأبعد الله المنفتل، فيما نظم فيه وفصل، وقبحه وقبح ما أمل.
стр. 758
وله من قصيدة من الغلو في القول، ما نبرأ منه إلى ذي القوة والحول، وهو قوله:
ومن يك موسى منهم ثم صنوه ... فقل فيهم ما شئت لن تبلغ العشرا
فكم لهم في الأرض من آية ترى ... وكم لهم في الناس من نعمة تترى
أجامع شمل المجد وهو مشتت ... ومطلق شخص الجود وهو من الأسرى
فضلت كرام الناس شرقاً ومغرباً ... كما فضل العقيان بالخطر القطرا
ولو فرقوا بين الضلالة والهدى ... لما قبلوا إلا اناملك العشرا
ولاستلموا كفيك كالركن زلفة ... فيمناك لليمنى ويسراك لليسرى
وقد فزت بالدنيا ونلت بك المنى ... وأطمع أن ألقى بك الفوز في الأخرى
أدين بدين السبت جهراً لديكم ... وإن كنت في قومي أدين به سرا
وقد كان موسى خائفاً مترقباً ... فقيراً وأمنت المخافة والفقرا قال ابن بسام: فقبح الله هذا مكسباً، وأبعد من مذهبه مذهباً، تعلق به سببا؛ فما أدري من أي شؤون هذا المدل بذنبه، المجترئ على ربه، أعجب: ألتفضيل هذا اليهودي المأفون، على الأنبياء والمرسلين، أم خلعه إليه الدنيا والدين - حشره الله تحت لوائه، ولا أدخله الجنة إلا بفضل اعتنائه.
стр. 759
@فصل في تلخيص التعريف بمقتل ذلك اليهودي
وكان من عجائب ذلك الزمان الواهي النظام، اللاعب بالأنام، ترقي ذلك اليهودي المأفون الرأي، الزاري على كل ذي دين، لم تسلم له يهود في دينها الملعون، ولا أمنته على غيبها الظنين. وكان أبوه يوسف رجلاً من عامة اليهود، حسن السيرة فيهم، ميمون النقيبة عندهم، تولى لباديس ولأبيه قبله حبوس بغرناطة جباية المال، وتدبير أكثر الأعمال، ونجم ابنه بعد غلاماً وضياً، ومركباً - زعموا - وطياً، وكانت لمن اعتنى يومئذ بالغلمان فتنة، حتى كان يقال إنه وإنه، فقلد أزمة الأعمال، وخلي بينه وبن أثباج الأموال، وأوطئ عقبه جماهير الرجال، وجرى به طلق الجموح، مهوناً فيه مأثور القبيح، فنأى بجانبه، وأعرض عن ذكر عواقبه، حتى كان يغسل يده من القبل، ويتمدح بالطعن على الملل؛ ألف كتاباً في الرد على الفقيه أبي محمد بن حزم المتقدم الذكر، وجاهر بالكلام، في الطعن على ملة الإسلام، فما دفع عن ذلك بتأنيبن ولا استطيع تغييره عليه إلا بالقلوب؛ قد نصبه مكانه من السلطان غيظاً للأحرار، وحمة على الليل والنهار. واليهود مع ذلك تتشاءم باسمه، وتتظلم من جور حكمه، على ما كان قد رضخ لهم من الحطام، ووطأ لهم من
стр. 760
مراكب الأمور العظام، وهو مع ذلك متماد في غلوائه، غافل عن عادة الله في نظرائه. فغضب يهود أحكامها، وذلل أعلامها، وتسمى من خططهم الشرعية بالناغيد، معناه المدبر بالعربية، خطة تحاماها قدماؤهم، وتطأطأ عنها قديماً زعماؤهم، اجترأ هو عليها بوهي أسه، وقلة نظره لنفسه. وأما ما بلغ من المنزلة عند صاحبه وغلبته عليه فما لا شيء فوقه.
أخبرني من رآه يساير صاحبه بساحة قرطبة في بعض قدماته عليها لبعض تلك الشؤون المضلة، والفتن المصمئلة، قال المحدث: فرأيته مع باديس، فلم أفرق بين الرئيس والمرؤوس، فأنشدت: " تشابهت المناكب والرؤوس ".
وحدثت عن ابن السقاء مدبر قرطبة يومئذ أنه قال: لا بأس بإسماعيل لولا أنه نسي اليهودية.
وكان على ذلك قد نظر في الكتب، وشدا أشياء من علم العرب. وكان آخر أمره قد حجب صاحبه عن الناس، وسجنه بين الدن والكاس، ملحداً في أمره، مبرماً لأسباب غدره، ووعد جاره ابن صمادح بالمرية أن يقعده مكانه، ويخلع على أعطافه سلطانه، فسرب إليه ابن صمادح
стр. 761
صميم الأموال، وجلا عليه وجوه الآمال، وإنما كان أراد أن يثل عرش الباديسي بالصمادحي، لما كان يعلم من كلاله، ويتيقن من قلة استقلاله؛ وقد عزم ساعة يخلو له وجه ابن صمادح بعد باديس أن يتمرس بجانبه، ويلحقه بصاحبه، كأنه نظر خبر عبيد الله بن ظبيان، حين وضع رأس المصعب بين يدي عبد الملك بن مروان، فسجد عبد الملك، قال ابن ظبيان: فقمت في ركابي، وأحس بي ورفع رأسه وقال: ما الذي أردت أن تصنع - قلت: هممت أن أقتلك فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد. فقال: لولا منتك علينا برأ المصعب، لكان عنقك أهون ما يضرب. فأراد هذا اليهودي على انحطاطه عن الرجال، وانخراطه في سلك ربات الحجال، أن يستدرك على ابن ظبيان، بقتل رئيسين من رؤساء ذلك الزمان؛ فلما تم تدبيره، واستوسقت له أموره، لزم سكنى القصر، وأخذ مفاتيح المصر، وأظهر لصاحبه أن الناس قد ملوا سياسته، ونفسوا عليه رياسته.
وركب ابن صمادح بعسكره، وكمن حيث يسمع صوت المهيب، ويتنسم - بزعمه - روح الفرج القريب. فلما كان اليوم الذي أراد أن يختمه بداهيته الدهياء، ويلبس سواد ليلته لغدرته الشنعاء، نذر به قوم من الرجالة المغاربة؛ وقد كان الناس قبل ذلك استرابوا باختلال الشان، واستوحشوا من احتجاب السلطان، وقد كان اليهودي ملك ابن صمادح أكثر حصون غرناطة باحتجان أموالها، وإفساد رجالها
стр. 762
فأضافها ابن صمادح إلى بلده، وباديس لا يشعر بخروجها عن يده، واليهودي أثناء ذلك يريش ويبري، وشفرته في أديم صاحبه تخلق وتفري، فلما كان اليوم الذي أراد الله فيه إزالة نعمته عنه، وإراحة عباده وبلاده منه، نذر به أولئك المغاربة، فأعلنوا بالصياح، وثاروا إلى السلاح؛ وأتى الصريخ بقية الجند وعامة أهل البلد، ونادى مناديهم: غدر اليهودي وخان، وطاح المظفر - يعنون باديس - وحان! فدخلوا القصر من كل باب، وهتكوا حرمة اليهودي دون حجاب، فقتل - زعموا - في بعض خزائن الفحم. وسمع باديس الوجبة فخرج يقول: إسماعيل لا يحفل بسواه، ولا يرتاع لشيء يسمعه من ذلك ولا يراه.
وقد استطال الناس على يهود، وقتل منهم يومئذ نيف على أربعة آلاف، ملحمة من ملاحم بني إسرائيل، باءوا بذلها، وطال عهدهم بمثلها. ورجع ابن صمادح قفد صفرت يداه، وأخلفه ما تمناه، وانقلب اليهودي مذموماً مدحوراً، لم يمتع بدنياه، ولا خلص إلى ما رجاه.
стр. 763
@ذكر الأديب أبي المطرف عبد الرحمن بن فتوح،
@وإثبات جملة من شعره في الغزل والمديح
بلغني أنه كان يعرف بابن صاحب الإسفيريا، من مشاهير الأدباء، وه شعر كثير إلا أن إحسانه نزر يسير. وله تأليف في الأدب ترجمه بكتاب " الإغراب في رقائق الآداب "، ورفعه إلى المأمون يحيى بن ذي النون، وتصنيف آخر سماه بكتاب " الإشارة إلى معرفة الرجال والعبارة "، وكتاب سماه " بستان الملوك "، رفعه إلى ابن جهور أيام إمارته بقرطبة.
وحدث عن نفسه أنه صحب أبا حفص بن برد الأصغر، وجاذبه أذيال المذاكرة، وراكضه أفراس المحاضرة، حتى وقفه - بزعمه - على البديع والبيان على حقيقتهما، ووضحت له جادتهما، وعرفه أنحاءه، وكاشفه أجزاءه؛ قال ابن فتوح: فمتى رمنا معنى أطلقنا عليه بزاة البحث، وأخذناه أحسن أخذ، وصدناه دون كلال فهم، ولا نبو لسان، إلا أن أبا حفص يشف علينا جملة في الملح القصار، أضعاف شفوفنا عليه في مطولات الأشعار.
قال ابن بسام: وابن فتوح هذا كثير الاهتدام والاغتصاب، والاختطاف والاستلاب، لأشعار سواه، قبيح الأخذ في كل ما انتحاه، وشعره كثير
стр. 764
البرد، وبينه وبين ابن برد من مسافة البعد ما بين القطب الثابت، والقصب النابت. وقد أثبت في هذا المجموع من شعر الرجلين، ما يتبين به الصبح لذي عينين؛ على أني ظلمت ابن برد ولم أعدل، إذ لا يمثل بينهما بأفضل، وأين مواقع السيل، من مطالع سهيل، وهو معه كما يقابل الصباح بمصباح، وتبارى الرياح بجناح. وأكثر شعر ابن برد مليح السرد متمكن القوافي لا تكاد له قافية تخرج من مركزها؛ وقوافي ابن فتوح قلقة موضوعة في غير مكانه، نازلة في غير أوطانها.
@جملة من شعر ابن فتوح في النسيب
قال:
قد قضيب وبدر ديجور ... وثغر در ولحظ يعفور
أزال صبري وأي مصطبرل ... يبقى لتلك الملاحظ الحور
كأنما نوره وسمرته ... مسك مشوب بذوب كافور وقال أيضاً:
وقف العذار بخده فحسبته ... ليلاً توقف وسط ضوء نهار
وتوردت وجناته فحسبتها ... ناراً تلظى فوق ماء جار وقال:
خلع الجمال عليك ثوب بهائه ... فغدوت تسحب ذيله متبخترا
стр. 765
فكأن خدك والعذار بصحنه ... صبح جرى فيه دجى فتحيرا وما أقبح هذا الأخذ، فإنه لفظ تميم بن المعز حيث يقول:
ما بان عذري فيه حتى عذرا ... ومشى الدجى في صبحه فتحيرا وقال:
ولما أحس الليل أني منادم ... معذب قلبي بالتجنب والهجر
تولى مغذاً لا يقر كأنما ... يعاين إلفاً فهو في إثره يجري
فما كان ما بين الطفول وفجره ... كما بين جفن العين في الطول والشفر وما أحسن قول إبراهيم بن العباس في قصر الليل:
وليلة من الليالي الزهر ... قرنت فيها بدرها ببدري
لم تك غير شفق وفجر ... حتى تقضت وهي بكر الدهر ولغيره في هذا المعنى:
يا ليلة كاد من تقاصرها ... يعير منها العشاء في السحر
стр. 766
وقد أكثر الناس في قصر الليل وطوله، فمنهم من استهدف فيما وصف، ومنهم من عدل وأنصف، كقول بشار:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم وإنما أخذه من قول الأعرابي:
ما أقصر الليل على الراقد ... وأهون السقم على العائد وممن بلغ الغاية في الإنصاف، لو سلم له من الاستلاب والاختطاف، قول ابن بسام البغدادي:
لا أظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم الليل ليست تغور
ليلى كما شاءت فإن لم تجد ... طال وإن جادت فليلي قصير وهذا بجملته منقول، من قول علي بن الخليل، حيث يقول:
لا أظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم الليل ليست تزول
ليلى كما شاءت قصير إذا ... جادت وإن ضنت فليلي طويل وهذه السرقة كما قال بديع الزمان في التنبيه على الخوارزمي في بيت أخذ وزنه ومعناه وبعض لفظه: إن كانت قضية القطع تجب في الربع
стр. 767
فما أشد شفقي على جوارحه أجمع، ولعمري ما هذه سرقة، إنما هي مكابرة محضة، وأحسب أن قائله لو سمع هذا لقالك هذه بضاعتنا ردت إلينا؛ فحسبت أن ربيعة بن مكدم وعتيبة بن الحارث ما كانا يستحلان من النهب ما استحله، إنما كانا يأخذان جله، وهذا الفاضل قد أخذه كله.
وأخذه علي بن الخليل من قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان حيث يقول:
لا أسأل الله تغييراً لما صنعت ... نامت وقد أسهرت عيني عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها وابن بسام في هذا كما قال الآخر:
وفتى يقول الشعر إلا أنه ... في كل حال يسرق المسروقا رجع:
وقال ابن فتوح:
وخل كان يألفني قديماً ... مواصلة الصوادي للورود
فلما قل وفري صار يلقى ... تحياتي بلحظ من بعيد
برئت إلى البرية من إخاه ... كما بريء المسيح من اليهود
стр. 768
وقال:
ريم أروم الدهر منه على ... رغم العدا قرباً فما أقدر
كأنما غرته تحتها ... ماء عليه صارم يشهر
كأنما حمرته إذ بدت ... من فوقها نار بها تسعر
كأنها والصدغ قد شابها ... ذوب عقيق شابه عنبر
كأنما يهتز من برده ... غصن ببدر ساطع مثمر
كأنما الله لتعذيبنا ... ألبسه الحسن ولا أكثر قال ابن بسام: وتشبيهه صفاء الوجه وحمرته، بصفاء الماء وحمرة النار من مبتذلات الألفاظ، ومتداولات المعاني، وما أملح قول محمد بن هانئ:
افتك بهذا السامري الساحر ... وأذقه طعم المشرفي الباتر
كم قلت إذ نزهت في وجناته ... طرفي فما رجعت إليّ محاجري
ذا ويحكم ماء وجمر محرق ... فقد اشتفيت وما تروى ناظري وأخذه ابن هانئ من قول تميم بن المعز:
وبارزة بين أحبارها ... بروز الشموس لإسفارها
وقد فصلت بين ثقل الكثيب ... ولين القضيب بزنارها
ترى الماء والنار في وجهها ... قد امتزجا بين أبشارها
فلا النار تعدو على مائها ... ولا الماء يعدو على نارها
стр. 769
وقول ابن فتوح " غصن ببدر مثمر " كقول بعض البصريين:
بأبي قضيب مثمر ... إثماره بدر الدجى
لما بدا لي سافراً ... عنه نقدت له الحجى وقال ابن وكيع:
غصن ظل مثمراً ... ببديع من الثمر
ما رأى الناس قبله ... غصناً أثمر القمر وقال أبو الوليد بن زيدون القرطبي:
عذري إن عذلت في خلع عذري ... غصن أثمرت ذراه ببدر
هز منه الصبا فقوم شطراً ... وتجافى عن الوشاح بشطر وقول ابن فتوح " كأنما الله لتعذيبنا " البيت.... ينظر إلى بيت من جملة هذه الأبيات لتميم بن المعز حيث يقول:
وساق يملأ العينين حسناً ... رخيم دله يصبو ويصبي
شقائق خده باللحظ تسبي ... ولحظ جفونه بالغنج يسبي
له نبت على الخدين غض ... يصنفه فيتلف كل لب
تبارك من براه بلا شبيه ... وسلطه على قتل المحب
стр. 770
وقال ابن فتوح:
ومدامة صفراء عللني بها ... رشأ كغصن البان في حركاته
صهباء تغرب إن بدت من كفه ... في فيه ثم تلوح في وجناته وهذا من قول الآخر:
بدر بدا يشرب شمساً بدت ... وحدها في الحسن من حده
تغرب في فيه ولكنها ... من بعد ذا تطلع في خده وقال الطليق المرواني المتقدم الذكر في شعر تقدم إنشاده:
فإذا ما غربت في فمه ... أطلعت في الخد منه شفقا وقال ابن فتوح:
ناولني الكأس على غفلة ... من ملأت ألحاظه الكاسا
ظبي إذا ما شمته شارباً ... ذكرني شاربه الآسا وهذا من قول ابن برد وقد تقدم:
يا شارباً ألثمني شارباً ... قد هم فيه الآس أن ينبتا
стр. 771
وكذا بيته الأول من قول الآخر:
يا رب ساق يدير كأساً ... تملؤه في الهوى جفونه
كأنما قده قضيب ... يهفو بلب اللبيب لينه وحدث ابن فتوح هذا عن نفسه قال: ماشيت غلاماً معذراً كنت قديم الامتزاج به، والكلف بقربه، فلقيني بعض إخواني معه في جوف المسجد الجامع فسلم علي مضمراً خبراً ثم قال لي: مثالك في عصرنا مثال ذي الرمة في وقته، تقنعك الأطلال، وما شخص من آثار الديار؛ ففهمت عنه، وأنشدته قبل أن يستتم كلامه:
ما ربع معموراً يطيف به ... غيلان أبهى رباً من ربعها الخرب فقال: إلى متى يدوم غرامك بهذا الغلام، وهذه بنود عزله قد رفعت، وعقدت خلعه قد عقدت - فقلت: لا والله ما أرى بنود عزلة، ولا عقدت خلعة، وإنما أرى لامات مسك في صحيفة كافور، وسطور دجى في مهارق نور، فولى عني.
وكتبت إليه:
أيها العاند المفند جهلاً ... في هوى من قوام نفسي هواه
стр. 772
أنت تلحى على قضيب لجين ... عطفتني عن غيره عطفاه
كان صبحاً لعاشقيه فلما ... بقلت صفحتاه أغشي سناه
مثل ضوء الهلال يزداد ضعفاً ... نوره إن دجت له أفقاه وقال أيضاً:
نشر الغمام رداءه فتقنعت ... خجلاً به للناظرين ذكاء
فكأنه ستر تشير بمقلة ... مطروفة من خلفه عذراء
وكأنها إذ مده من تحتها ... سر تضيق بكتمه الظلماء وهذا كقول ابن عبد ربه:
نهار لاح في سربال ليل ... فما عرف الرواح من البكور
وعين الشمس ترنو من بعيد ... رنو البكر من خلف الستور وابن المعتز القائل قبلهما:
تظل الشمس ترمقنا بطرف ... خفي لحظه من خلف ستر
تحاول فتق غيم وهو يأبى ... كعنين يحاول نكح بكر
стр. 773
وتابعه ابن الرومي فقال:
واليوم مدجون فجونته ... ما بين مطلع ومحتجب
ظلت تلاحظنا وقد بعثت ... ضوءاً يلاحظنا بلا لهب ومحمد بن سيق من غلمان ابن أبي عامر:
فكأن الشمس بكر حجبت ... وكأن الغيم ستر قد سدل وقال ابن فتوح يصف الشمع:
ولما دجا الأفق واغرورقت ... بكواكبه وسط لج السحب
نصبنا له قضباً صاغها ... من التبر صائغها للعجب
ودارت نجوم من الراح في ... بروج التصابي بأفق الطرب
وهز نسيم الصبا عطفه ... وقام خطيب الصبا فاختطب
تجهم وجه السما إذ رأى ... سرور الورى بتهادي النخب
كأن السحاب به إذ بدت ... بخات على غيمها ترتكب
تسير ويقرعها رعدها ... لتعدو بسوط له من ذهب
стр. 774
وهذا كقول ابن برد وقد تقدم إنشاده:
بخاتي توضع في سيرها ... وقد قرعت بسياط الذهب وقول ابن فتوح في صفة الشمع من قول أبي الفضل الميكالي:
وليل كلون الهجر أو ظلمة الحبر ... نصبنا لداجيه عموداً من التبر
[يشق جلابيب الدجى فكأنما ... نرى بين أيدينا عموداً من الفجر]
تبدى لنا كالغصن قداً وفوقه ... شعاع كأنا منه في ليلة القدر
تحمل نوراً حتفه فيه كامن ... وفيه حياة الأنس واللهو لو يدري
تراه يدب الدهر في بري نفسه ... وقد كان أولى أن يريش ولا يبري
إذا ما عرته علة قط رأسه ... فيختال في ثوب جديد من العمر وهذا كقول ابن المعتز:
وصفراء تونس جلاسها ... بقد يقطع أنفاسها
تبيت تقضي لباناتنا ... وتعمل في نفسها باسها
ولم أر من قبلها مثلها ... تعيش إذا قطعوا راسها وهذا المعنى يتطرف قول العباس بن الأحنف:
أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا
стр. 775
صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق وقال بعض أهل عصرنا وهو أبو القاسم بن مرزقان يصف شمعة أقيمت بجانب مطيب نرجس:
وشمعتين يروق الشرب حسنهما ... نور ونار مجال فيهما البصر
فذي تموت إذا ما نالها بلل ... وذاك يحيا إذا ما عمه المطر ووقفت على رأس ذي الوزارتين ابن خلدون وصيفة في يدها شمعة فقال:
يا شمعة تحملها أخرى ... شبهتها شمساً علت بدرا
امتحنت إحداهما مهجتي ... بمثل ما تمتحن الأخرى وقال أيضاً غيره من أهل العصر:
وقد أنهبوا جنح الدجى كل شمعة ... كأن سناها من محياك أو فكري
بآية ما تبكي وفي النار صدرها ... وقد جمدت عيناي والنار في صدري
وقد نصبوها رزدقاً بعد رزدق ... كما أشرعوها تحت ألوية الخمر
следующие страницы →