← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وكذا بيته الأول من قول الآخر: يا رب ساق يدير كأساً ... تملؤه في الهوى جفونه كأنما قده قضيب ... يهفو بلب اللبيب لينه وحدث ابن فتوح هذا عن نفسه قال: ماشيت غلاماً معذراً كنت قديم الامتزاج به، والكلف بقربه، فلقيني بعض إخواني معه في جوف المسجد الجامع فسلم علي مضمراً خبراً ثم قال لي: مثالك في عصرنا مثال ذي الرمة في وقته، تقنعك الأطلال، وما شخص من آثار الديار؛ ففهمت عنه، وأنشدته قبل أن يستتم كلامه: ما ربع معموراً يطيف به ... غيلان أبهى رباً من ربعها الخرب فقال: إلى متى يدوم غرامك بهذا الغلام، وهذه بنود عزله قد رفعت، وعقدت خلعه قد عقدت - فقلت: لا والله ما أرى بنود عزلة، ولا عقدت خلعة، وإنما أرى لامات مسك في صحيفة كافور، وسطور دجى في مهارق نور، فولى عني. وكتبت إليه: أيها العاند المفند جهلاً ... في هوى من قوام نفسي هواه

стр. 772

أنت تلحى على قضيب لجين ... عطفتني عن غيره عطفاه كان صبحاً لعاشقيه فلما ... بقلت صفحتاه أغشي سناه مثل ضوء الهلال يزداد ضعفاً ... نوره إن دجت له أفقاه وقال أيضاً: نشر الغمام رداءه فتقنعت ... خجلاً به للناظرين ذكاء فكأنه ستر تشير بمقلة ... مطروفة من خلفه عذراء وكأنها إذ مده من تحتها ... سر تضيق بكتمه الظلماء وهذا كقول ابن عبد ربه: نهار لاح في سربال ليل ... فما عرف الرواح من البكور وعين الشمس ترنو من بعيد ... رنو البكر من خلف الستور وابن المعتز القائل قبلهما: تظل الشمس ترمقنا بطرف ... خفي لحظه من خلف ستر تحاول فتق غيم وهو يأبى ... كعنين يحاول نكح بكر

стр. 773

وتابعه ابن الرومي فقال: واليوم مدجون فجونته ... ما بين مطلع ومحتجب ظلت تلاحظنا وقد بعثت ... ضوءاً يلاحظنا بلا لهب ومحمد بن سيق من غلمان ابن أبي عامر: فكأن الشمس بكر حجبت ... وكأن الغيم ستر قد سدل وقال ابن فتوح يصف الشمع: ولما دجا الأفق واغرورقت ... بكواكبه وسط لج السحب نصبنا له قضباً صاغها ... من التبر صائغها للعجب ودارت نجوم من الراح في ... بروج التصابي بأفق الطرب وهز نسيم الصبا عطفه ... وقام خطيب الصبا فاختطب تجهم وجه السما إذ رأى ... سرور الورى بتهادي النخب كأن السحاب به إذ بدت ... بخات على غيمها ترتكب تسير ويقرعها رعدها ... لتعدو بسوط له من ذهب

стр. 774

وهذا كقول ابن برد وقد تقدم إنشاده: بخاتي توضع في سيرها ... وقد قرعت بسياط الذهب وقول ابن فتوح في صفة الشمع من قول أبي الفضل الميكالي: وليل كلون الهجر أو ظلمة الحبر ... نصبنا لداجيه عموداً من التبر [يشق جلابيب الدجى فكأنما ... نرى بين أيدينا عموداً من الفجر] تبدى لنا كالغصن قداً وفوقه ... شعاع كأنا منه في ليلة القدر تحمل نوراً حتفه فيه كامن ... وفيه حياة الأنس واللهو لو يدري تراه يدب الدهر في بري نفسه ... وقد كان أولى أن يريش ولا يبري إذا ما عرته علة قط رأسه ... فيختال في ثوب جديد من العمر وهذا كقول ابن المعتز: وصفراء تونس جلاسها ... بقد يقطع أنفاسها تبيت تقضي لباناتنا ... وتعمل في نفسها باسها ولم أر من قبلها مثلها ... تعيش إذا قطعوا راسها وهذا المعنى يتطرف قول العباس بن الأحنف: أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا

стр. 775

صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق وقال بعض أهل عصرنا وهو أبو القاسم بن مرزقان يصف شمعة أقيمت بجانب مطيب نرجس: وشمعتين يروق الشرب حسنهما ... نور ونار مجال فيهما البصر فذي تموت إذا ما نالها بلل ... وذاك يحيا إذا ما عمه المطر ووقفت على رأس ذي الوزارتين ابن خلدون وصيفة في يدها شمعة فقال: يا شمعة تحملها أخرى ... شبهتها شمساً علت بدرا امتحنت إحداهما مهجتي ... بمثل ما تمتحن الأخرى وقال أيضاً غيره من أهل العصر: وقد أنهبوا جنح الدجى كل شمعة ... كأن سناها من محياك أو فكري بآية ما تبكي وفي النار صدرها ... وقد جمدت عيناي والنار في صدري وقد نصبوها رزدقاً بعد رزدق ... كما أشرعوها تحت ألوية الخمر

стр. 776

وهذا كقول أبي الفضل البغدادي من جملة أبيات تأتي في أخباره من القسم الرابع: فنارك من جمر وناري من هجر ... وصدرك في نار وناري في صدري وقال أبو الفضل الميكالي: يا رب غصن نوره ... يزري بنور الشفق يظل طول عمره ... يبكي بجفن أرق صفرته تخبر عن ... عشق ولما يعشق نار المحب في الحشا ... وناره في المفرق لاح لنا في مغرب ... فردنا في مشرق وقال أيضاً فيها: أعددت لليل إذا الليل غسق ... وقيد الألحاظ من دون الطرق ... قضبان تبر عريت من الورق ... يغني الندامى ضوؤها عن الفلق ... شفاؤها إن مرضت ضرب العنق ... وقال: وقضيب من بنات النح ... ل في قد الكعاب

стр. 777

يشبه العاشق في ... لون ودمع والتهاب كسي الباطن منه ... وهو عريان الإهاب فإذا ما أنعم الأبدا ... ن ملبوس الثياب فهو للشقوة ... في بلاء وكذاب وقال الأسعد بن بليطة: لنا شمعة نيطت ذراها بشعلة ... كحية تبر نضنضت بلسانها إذا عثر الساقي بذيل من الدجى ... نحنا له نحر الدجى بسنانها تموت إذا ما قبلت خد حائط ... فثبت خالاً فوقه من دخانها كأن الجدار امتص جوهر روحها ... ولم يستسغ منها سويدا جنانها وقال أبو العلاء المعري: وصفراء لون التبر مثلي جليدة ... على نوب الأيام والعيشة الضنك تريك ابتساماً دائماً وتجلداً ... وصبراً على ما نالها وهي في الهلك ولو نطقت يوماً لقالت محقة ... تخالون أني من حذار الردى أبكي فلا تحسبوا دمعي لوجد وجدته ... فقد تدمع العينان من شدة الضحك وقال أبو فتوح وقد استهدي مقصاً فبعث بها وكتب معها: خذها إليك فإنها مخلوقة ... من فطنة مشبوبة وذكاء تحكيك في دفع الملم لأنها ... ولعت بشق حناجر الأعداء

стр. 778

قال ابن بسام: وقد نهى بعض الظرفاء الأدباء عن إهدائها واستهدائها، قال الفقيه ابن قالوص في ذلك: إعطاء مثلي للمقص نقيصة ... وأرى إعارتها أجل العار إن المقص حكت بصورة شكلها ... " لا " والجواد ب - " لا " لئيم نجار وهذا من الاختراع البديع، والتشبيه المطبوع. وتشبيه ابن فتوح صديقه بالمقص من الوصف القبيح مما مال فيه إلى العقوق، وعدا به سواء الطريق. ومتى كانت المقص تشق الحناجر، وتجر الجرائر، كأنه لم يسمع قول الآخر، وهو ابن الرومي: وما تكلمت إلا قلت فاحشة ... كأن فكيك للأعراض مقراض وهذا بالمقص أشبه، وعلى تفاهة قدره أنبه. ولم أسمع في المقص أحسن من قول ابن الرومي أيضاً يصف قوادة: تسعى لكي تجمع وسطيهما ... كأنها مسمار مقراض وسميت المقص لملازمتها القصاص، وهو أطراف الشعر. وقال ابن فتوح في صفة نحلة: وطائرة تخفى كأن جناحها ... ضمير خفي لا يحدده وهم منافرة للإنس تأنس بالفلا ... مرقرقة للشهد من بعضها السم فادناؤها وهتك حجابها ... إذا احتجبت في غير إبانها ظلم

стр. 779

وحدث ابن فتوح أيضاً عن نفسه قال: كنت ليلة في رمضان أطوف بالمسجد الجامع بالمرية سنة ثلاثين، وإذا فتى حسن المنظر، فسلم علي سلاماً ارتاحت له نفسي، وانشرح له صدرين فرددت عليه رد من توسم فيه سمة الفهم، فقال لي: بحرمة الأدب إلا ما أعدت علي البيت، فأعدته، وأنشدته سائر الأبيات، فقال: الشعر؛ ثم قال لي: إنما أخذته من قول العباس بن الأحنف: وأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروع بالهجران فيه وبالعتب إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب! - فقال: وريت بك زنادي، فأخبرني عن السبب الموجب لترديدك البيت، قلت له: منيت بخل مولع بالخلاف، مائل إلى قلة الإنصاف، إن لاينته غضب، وإن استعتبته عتب، وقد علم الله شفقة نفسي لفرقته، فقال: قلب الله لك قلبه، وجنبك عتبه. ثم ولي عني وقد غرس في كبدي ثمرة وده، قبت الليلة مستأنساً بخباله، جذلان بوصاله، حتى رأيت غرة الفجر تلمع في كفل الدجى، فخلته بحراً تسرب في جدول، أو

стр. 780

عجاجاً سل من تحته منصل؛ فقمت ثابتاً على قصده، فلم ألبث أن سمعته ينشد ويطلب منزلي، فقرع الباب وأذنت له فدخل، فرحبت به، وقمت إليه، وأقبلت عليه؛ فقال لي: يا ابن الكرام، إن هذا يوم قد بكى ماء غيمه، ونبض عرق برقه، وخفق قلب رعده، واغرورقت مقلة أفقه، ونحن لا نجد الخمر، فبم نقطع تأويبه - فقلت: الرأي إلى سيدي أبقاه الله، فقال لي: كيف ذكرك لرجال مصرك، ووقوفك على شعراء عصرك - قلت: خير ذكر. فقال: من أعذبهم لفظاً، وارجحهم وزناً - قلت: الرقيق حاشية الظرف، الأنيق ديباجة اللطف، أبو حفص ابن برد. قال: فمن أقواهم استعارات، وأصحهم تشبيهات - قلت: البحر العجاج، والسراج الوهاج، أبو عامر ابن شهيد. قال: فمن أذكرهم للأشعار، وأنظمهم للأخبار - قلت: الحلو الظريف، البارع اللطيف، أبو الوليد بن زيدون. قال فمن أكلفهم بالبديع، واشغفهم بالتقسيم والتتبيع - قلت: الراتع في روضة الحسب، المستطيل بمرجة الأدب، أبو بكر إبراهيم بن يحيى الطبني، فأنشد: وخاطب قساً في عكاظ محاوراً ... على البعد سحبان فأفحمه قس

стр. 781

@فصل في ذكر الأديب أبي بكر بن ظهار وإثبات جملة @مما وجدت له من الأشعار وكان أبو بكر هذا من فتيان الأدباء في ذلك الأوان، ثم اعتبط وماء معرفته غير ممتاح، وركن إبداعه غير مراح، في شرخ شبيبته وأوان ظهوره، ولولا ذلك لبز أهل الآفاق، رقة وحسن مساق. وأكثر ما وجدت من شعره ففي مدح أبي المغيرة بن حزم، إذ كان قد ميزه تمييز مثله من صيارفة النثر والنظم. وحدثت عن بعض من جعل الانتجاع بهذا العلق الذي نحن في إقامة أوده [من أجل ذخائره وعدده] ، أنه انتجع أبا بكر بن ظهار، وكان من الإقلال في غاية، ومن قلة ذات اليد في نهاية، وقصده في ذلك بخمسة أبيات شعر أنشدتها سقطت من ذكري، فباع ابن ظهار ثوبه ووجه إليه بثمنه، وكتب إلى مستمنحه بهذه الأبيات: يعز على الآداب أنك ربها ... وأنك في أهل الغنى خامد النار وخمسة أبيات كأنك قلتها ... بهاء وإشراقاً من القمر الساري طلبت لها كفؤاً كريماً من القرى ... فقصر باع المال عن نيل أوطاري سوى فضلة لا تستقل بنفسها ... وأقلل بها لو أنها ألف دينار بعثت بها لا راضياً لك بالذي ... بعثت به إلا فراراً من العار

стр. 782

ومن شعره قوله: والله ما أربي من الدنيا ... إلا المدام ووجه من أهوى فإذا نظرت إلى صفائهما ... لم يبق لي أمل ولا دعوى وقال: صبغوا غلالته بحمرة خده ... وكسوه ثوباً من لمى شفتيه فتخاله في ذا وتلك كأنما ... نثر البنفسج والشقيق عليه وقال: من لي بداني المحل ناء ... تراه عيني ولا أناله لا وصل لي منه غير أني ... أقول للناس كيف حاله وقال: عللاني فإنما أنا حيث ... جاد روض الهوى من الوصل غيث وكأن الظلام لما تولى ... نمر راعه من الفجر ليث

стр. 783

وقال: أما ترى بدر الدجى مشرقاً ... يضحك من نور ضحك - كأنما ينثر من نوره ... في الأرض كافوراً على مسك وقال: إذا أردت صباحاً ... فانظر إلى وجه ساقيك فقد أطلت سؤالاً ... يا قوم هل غرد الديك ماذا تريد بصبح ... أو أين ترقى أمانيك وللنجوم مدار ... عليك والبدر يسقيك @ - فصل في ذكر الأسعد بن إبراهيم بن أسعد بن بليطة " سرد المعاني أحسن السرد، وافترس المعالي كالأسد الورد، فأبرز درر المحاسن من صدفها، وأحرز ما شاء من فخر الإجادة وشرفها ".

стр. 784

وأصله كان من حضرة قرطبة، وتردد بأقطار الجزيرة شرقاً وغرباً، وكان بها في وقته أحد الغرائب، وأعجوبة في عيون العجائب؛ عالم بما يريشه ويبريه، على لوثة - زعموا - كانت فيه؛ وكان بعيد الهمم، بليغاً بالسيف والقلم، تردد على ملوك الطوائف بالأندلس، فارس جحفل، وشاعر محفل، فجرى في الميدانين، وارتزق في الديوانين. ولم أظفر من شعره في حين إخراجي هذه النسخة من هذا المجموع إلا بقليله؛ ولا بأس - بحمد الله - من الزيادة فيه؛ وقد أثبت منه ما يعترف بحقه، ويعرف به مقدار سبقه. @ما أخرجته من شعره في النسيب وما يناسبه من الأوصاف قال: لو كنت شاهدنا عشية أمسنا ... والمزن تبكينا بعيني مذنب والشمس قد مدت أديم شعاعها ... في الأرض تجنح غير أن لم تذهب خلت الرذاذ برادة من فضة ... قد غربلت من فوق نطع مذهب وقال: ظلت به والدموع جارية ... أقبل الجيد منه والليتا تقطر دراً حتى إذا وردت ... روضة خديه عدن ياقوتا

стр. 785

وهذا من قول الحسن، وزاد في التشبيه، فأجاد ما أراد فيه، وهو: وقد غلبتها عبرة فدموعها ... على خدها بيض وفي نحرها صفر وقال: ليس ليوم البين عندي سوى ... مدامع نجيعها سكب كأنما فض بأجفانها ... رمانة فانتشر الحب وقال: عوذت قلبي منه ... بكل ما يتعوذ كأنما خده وال ... عذار حين تأخذ تفاحة علقت في ... سلاسل من زمرذ وقال: قمر لوى من فوقه ... من صدغ غالية حنش ودنا ليلثم جمرة ... من وجنيته فانكمش وأملح من هذا التشبيه، قول تميم بن المعز فيه: طمعت تقبله عقارب صدغه ... فاستل ناظره عليها خنجرا

стр. 786

وقال محمد بن هانئ: وكأن صفحة خده وعذاره ... تفاحة رميت لتقتل عقربا وقال الأسعد: من رأى الورد تحت قطر نداه ... لم يعب فوق وجنتي جدريا أنا شمس أردت في الأرض مشيا ... فنثرت النجوم حليا عليا وهذا كقول ابن السراج النحوي صاحب كتاب " الأصول ": لي قمر جدر لما استوى ... فزاده حسنا وزادت همومي كأنما غنى لشمس الضحى ... فنقطته طربا بالنجوم وقال الأسعد في سمج بين مليحين: أما ترى الدهر بما قد أتى ... من حسن هذين وهذا السمج كدرتي عقد على ثغرة ... بينهما واسطة من سبج

стр. 787

وقال يصف الخيلان: تتنفس الصهباء في لهواته ... كتنفس الريحان في الآصال وكأنما الخيلان في وجناته ... ساعات هجر في زمان وصال قال ابن بسام: وهذان النوعان من وصف الجدري والخيلان غير موجودين في أشعار المحدثين والمولدين والعصريين إلا في النادر، وأنا أنشد في هذا الموضع بعض ما تعلق من ذلك بحفظي، ووقع في شرك صدري. قال الشيخ أبو مروان بن سراج: جدرت فقالوا بها علة ... ستقبح بعد بآثارها ألا إنها روضة نورت ... فزادت جمالا بأنوارها وقال أبو عامر ابن عبدوس القرطبي: أكثر الحاسدون فيك فقالوا ... جدري بدا على وجنته ويحهم ما دروا بأنك ورد ... نثر الجوهر النفيس عليه ونجوم السماء أسرى حلاها ... وجمال الوشاح في طرتيه ولأبي زيد بن العاصي: عابه الحاسد الذي لام فيه ... أن رأى فوق خده جدريا إنما وجهه هلال تمام ... جعلوا برقعا عليه الثريا

стр. 788

ولأبي تمام بن رباح: [أوقدت قلبي فارتمى بشرارة ... في صحن خدك فانطفت في مائه] وله أيضاً: خدك مرآة كل حسن ... تحسن من حسنها الصفات ما لي أرى فوقه نجوما ... قد كسفت وهي نيرات - وأنشدني أبو محمد بن فرج الجياني لنفسه يصف خالين بخد غلام أحدهما أصغر من الآخر: إني ضعفت عن الهوى قد صادفني ... عبد القوي بلحظ ريم أحور أبصرت في الحمام منه محاسنا ... حسن بلوى قلبي المتحير جسم من البلور يطفو فوقه ... عرق تبدى مثل نظم الجوهر ونجده خالان أما واحد ... فيلوح والثاني كأن لم يظهر فكأنه من حسنه بدر الدجى ... كسف السهى في صحنه والمشتري وأنشدني أبو بكر الداني لنفسه: بدا على خده خال يزينه ... فزادني شغفا فيه إلى شغف كأن حبة قلبي عند رؤيته ... طارت فقلت لها في الخد منه قفي

стр. 789

رجع: وقال الأسعد يصف النفط: والنفط مهما افتر فوه فاغرا ... أجرى لسان النار فوق الماء فكأنه ذهب بدا في صارم ... أو رجع برق في أديم سماء وله: وتلذ تعذيبي كأنك خلتني ... عودا فليس يطيب ما لم يحرق وهو مأخوذ من قول ابن زيدون: تظنونني كالعود حقا وإنما ... تلذ لكم أنفاسه حين يحرق وقال في أسود: يا رب زنجي لهوت به ... الشمس عند سناه ممقوته محدودب قد غاب كاهله ... في منكبيه فلا ترى ليته قد حكم التجعيد لمته ... فتراكمت فكأنها توته وإذا سعى بالكأس تحسبه ... جعلا يدحرج فص ياقوته وكأنه والكأس في يده ... نجم رمى في الجو عفريته

стр. 790

وأخذ هذا التشبيه من قول [بعض أهل أفقنا وهو] ابن زرقون في الكميت الشاعر: تأملت الكميت وقد علاه ... من الأثواب ثوب ذو احمرار فقلت لصاحبي جعل تمشى ... لعمري في ثياب الجلنار ومن قديم هذا التشبيه قول الفرزدق في نصيب وقد لبس ثيابا بيضا: كأنه لما بدا للناس ... أير حمار لف في قرطاس وقال ابن بليطة الأسعد: وزورق أبصرته عائما ... وقد تمطى ظهر دأماء كأنه في شكله طائر ... مد جناحيه على الماء وأنشدني أبو بكر الخولاني المنجم قال: أنشدني ابن بلطية الأسعد لنفسه: رأيت ليوسف في بيته ... فخربه الله بين البيوت

стр. 791

حصير صلاة علاه الغبار ... وقد نسجت فوقه العنكبوت فقلت له: كم لذاك الحصير ... وكم لك لم تقر فيه القنوت فقال: هنالك ألفيته ... وثم يكون إلى أن أموت وأنشدني له أيضاً: أحبب بنور الأقاح نوارا ... عسجده في لجينه حارا أي عيون صورن من ذهب ... ركب فيها اللجين أشفارا إذا رأى الناظرون بهجتها ... قالوا نجوم تحف أقمارا كأن ما أصفر من موسطه ... عليل قوم أتوه زوارا كأن مبيضه صقالبة ... صاروا مجوسا فاستقبلوا النارا كأنه ثغر من هويت وقد ... ألقيت فيه بفي دينارا وأنشدني له أيضاً من قصيدة أولها: أرجي عساه في الهوى ولعله ... ولو وصفوا حال العليل لعله خليلي من نعمان ما أكثر الهوى ... لجاجا وصبري في الهوى ما أقله ومنها: فلا تضربن حدا بحد فإنه ... إذا السيف لاقى مضرب السيف فله

стр. 792

@ومن شعر الأسعد في المديح وما يتصل به له من قصيدة في ابن صمادح أولها: برامة ريم زارني بعد ما شطا ... تقنصته في الحلم بالشط فاشتطا رعى من أناس في الحشا ثمر الهوى ... جينا ولم يرع العرار ولا الخمطا خيال لمرقوم البنان براعة ... تأوبني بالرقمتين فذي الأرطى فأنشقني من خده روضة المنى ... وألثمني من صدغه حية رقطا كأن الدجى جيش من الزنج نافر ... وقد أرسل الإصباح في إثره القبطا [منها في وصف الديك: كأن أنو شروان أعلاه تاجه ... وناطت عليه كف مارية القرطا: وطائر حسن بالسقاة موكل ... بحب قلوب الشرب يلقطها لقطا] توهم عطف الصدغ نونا بخده ... فبات بمسك الخال ينقطه نقطا وهذا كقول ابن المعتز: غلالة خده صبغت بورد ... ونون الصدغ معجمة بخال

стр. 793

محيرة الألحاظ من غير سكرة ... متى شربت ألحاظ عينيك إسفنطا أرى صفرة المسواك في حوة اللمى ... وشاربك المخضر بالمسك قد خطا عسى قزح قبلته فإخاله ... على الشفة اللمياء قد جاء مختطا وسارية خلنا تلألؤ برقها ... سلاسل تبر والظلام قد اشمطا فبتنا نخال الجو بحرا قد أرسلت ... على متنه كف البروق له نفطا وباتت نخال الجو بحرا قد أرسلت ... على متنه كف البروق له نفطا وباتت تثير المسك من هجعة الثرى ... رياض ترى للنور في فرعها وخطا حيا أبا يحيى بن معن أجازها ... فعلمها من كفه الوكف والبسطا تألف من در وشذر نجاره ... فجاءت به العليا على جيدها سمطا أقول لركب يمموا مسقط الندى ... وقد جاور الركبان من دونها السقطا أفي المجد يبغي لابن معن مناقض ... ومن يوقد المصباح في الشمس قد أخطا ولو قابل الشمس المنيرة أظلمت ... سناها ولو أوما إلى البدر لانحطا وله من أخرى في المعتضد: عليك عقلت مطي الأمل ... وفيك اعتقلت بزرق الأسل وفيك تنسمت زهر العلا ... جنيا وروض العلا قد ذبل كأنا ومجدك يسمو بنا ... ذبال أمدت إليها شعل أيا ملكا راع سرب العدا ... وأمن سرب الصريح الجلل أتصبح بحرا معين الجدا ... ويكرع عبدك ذا في وشل

стр. 794

فتى سأرتك أمانيه من ... أقاصي الشواهق حتى نهل أعد لأعدائكم صعدة ... ونصلا جرازا وطرفا رفل جهاز ابن هيجاء علامة ... بطعن الكلى وبضرب القلل وشخت الحواشي لمن سامه ... رحاب الخليقة في من يحل تنسم إذا شئت ريحانة ... وهز إذا شئت عضبا أفل فمثلي لدى ملك ماجد ... يهان ويقصى لكي يرتحل - أبثك من بجري بعضها ... فجلدي بكتمانها قد نغل ولست أريد الذي قد مضى ... فقد سبق السيف فيه العذل فلا غيض بحرك غيث الورى ... فنحن الرياض وأنت السبل @فصل في ذكر الأديب أبي عبد الله محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز من مشاهير الأدباء الشعراء. وأكثر ما اشتهر اسمه وحفظ نظمه في أوزان الموشحات التي كثر استعمالها عند أهل الأندلس. وقد ذكرت فيما اخترت في هذا القسم من أخبار عبادة بن ماء السماء من برع في هذه الأوزان من الشعراء. وهذا الرجل ابن القزاز، ممن نسج على منوال

стр. 795

ذلك الطراز، ورقم ديباجه، ورصع تاجه. وكلامه نازل في المديح، فأما ألفاظه في هذه الأوزان من التوشيح فشاهدة له بالتبريز والشفوف، وتلك الأعاريض خارجة عن غرض هذا التصنيف. فصل له من رقعة خاطب بها أبا بكر الخولاني المنجم يقول فيه: إن لم تتقدم بيننا مخاطبة، ولا جرت بيننا مكاتبة، فقد علم الله تعالى أن ودادي لك محض لا يشوبه كدر، وأن ثنائي عليك غض يتضوع تضوع الزهر، فحال قدري لوصفك الجليل، مطرزة بذكرك الجميل، وتيجانه على مفارق مجدك الأثيل، مرصعة بلآلئ حمدك الجزيل. وكنت عند حلولك بالمرية، قد باشرت من أفعالك السنية، وشهدت من محاضرك الحسان، ما يكل عن وصفه كل لسان؛ وما زلت مذ غبت عنها - لا غاب نجم سعدك، ولا أصلد واري زندك - أذكر مآثرك، وأنشر مفاخرك، وأبث ما عاينت من مناقبك، كالذي يتعين من واجبك، أعان الله على أدائه، والقيام بأعبائه. ولما بلغنا ما سناه الله من التأييد والتمكين، والظهور على المشركين، بسعد المعتمد على الله، نظمت بعض ما سمعته من ذلك الخبر السار، ووصفت ما حاز فيه من الفخار؛ ولم تطب نفسي - فاديتك - على الإرسال بما قلت إلا لعلمي بجدك فيما يعول فيه عليك، وأشرت إلى ما تراه، وتقف عليه إن شاء الله؛ فلك الفضل في توصيل ذلك إليه، وتقبيل الكريمتين عني يديه؛ فإن نجح السعي وساعد السعد، فمن عندك أرى ذلك، فأنت المشارك المشكور على اهتبالك؛ ولولا جوائح جرت علي، فقصت جناحي وسلبت ما لدي، لأمضيت عزمي، وكنت مكان نظمي.

стр. 796

ومن قصيدته التي بعث بها يومئذ قوله في أولها: ثناؤك ليس تسبقه الرياح ... يطير ومن نداك له جناح لقد حسنت بك الدنيا وشبت ... فغنت وهي ناعمة رداح ثناؤك في طلاها حلي در ... وفي أعطافها منه وشاح تطيب بذكرك الأفواه حتى ... كأن رضابها مسك وراح ملكت عنان دهرك فهو جار ... كما تهوى فليس له جماح فداك ملوك هذا العصر طرا ... فإنك ضيغم وهم لقاح وأنت بكل ما تحوي جواد ... وهم بأقل ما حازوا شحاح فزندك في العلا والحرب وار ... ولا زند لهم إلا شحاح جزاك الله خيرا عن بلاد ... محا عنها الفساد بك الصلاح جنبت إلى الأعادي أسد غاب ... براثنها المهندة الصفاح وقدتهم فكان لهم ظهور ... ولولا الشمس ما ظهر الصباح وقفت وموقف الهيجاء ضنك ... وفيه لباعك الرحب انفساح وألسنة الأسنة قائلات ... قفوا هذا المؤيد لا براح محمد بن عباد هزبر ... لعباد المسيح بدا فطاحوا ومنها: رأى منه أبو يعقوب فيها ... عقابا لا يهاض له جناح فقال له لك القدح المعلى ... إذا ضربت بمشهدك القداح

стр. 797

في أبيات غير هذه ثابتة في القسم الثاني من هذا المجموع، إذ لها موقع بذلك الموضع: وله من أخرى: يا دوحة بظلاها أتفيأ ... بل معقلا آوي إليه وألجأ رمدت جفوني مذ حللت هنا ولو ... كحلت برؤيتكم لكانت تبرأ فخبئت عنك وإنما أنا جوهر ... في طي أصداف الحوادث أخبأ يا من إذا انتسب البرايا للثرى ... فله من الشمس المنيرة ضئضئ لم أخترع فيك المديح وإنما ... من بحرك الفياض هذا اللؤلؤ أما بنو عبد الحميد فإنهم ... زهر وأنت هلالها الملالئ فخر الزمان بنا لأنك حاتم ... في جوده ولأنني المتنبئ وأنشدني أبو بكر الخولاني المنجم، قال أنشدني أبو عبد الله القزاز لنفسه: أبا عامر ماذا أتيت من العار ... فها أنت من ثوب العلا في الورى عاري تبدلت شرطيا بصاحب شرطة ... كريم نجار النفس ممتنع الجار فأصبحت كالطرطور كان لسيد ... فأخلق حتى صار في رأس عيار

стр. 798

وله في رجل قراق من أهل جيان: أوغاد أهل المرية افترسوا ... عرسك يا وغد أهل جيان قراقهم أنت غير أنهم ... قد بشروا رأس قافك الثاني وقال: شابت وزارة عصرنا ... فأشبها عبد العزيز فكأنما هو يوسف ... وكأنها امرأة العزيز وقال: انظر الفحم قد علاه بياض ... وكسا لون وجهه تتريبا لون شعر الشباب كان ولكن ... حرق النار أورثته المشيبا @فصل في ذكر الأديب أبي عبد الله محمد بن مالك الطغنري من غرناطة لم أقف من ذكر هذا الرجل إلا على أبيات من شعره، وفصلين من نثره، ويستدل على الشجر، بالواحدة من الثمر، ومع قلته فإنه يعرف أنه صدر أديب ذو حفظ كثير وأدب غزير. فصل له من رقعة يصف فيها السوط الذي يجلب لحث الخيل من المغرب: وتوأم هذا الجواب - أعزك الله - البعثة بالمحثة؛ وقد تخيرتها

стр. 799

عقيلة أتراب، كريمة أصحاب، تسمو بالنسب البحري، وتتيه بالنصاب الملوكي، قد أشبهت سرق الحرير لمسا، واشتق اسمها منه، ودعج الآبنوس لبسا، محكي لونها عنه، كأنما استلت من ظهر حية، أو حلت من أكارع طلا موشية، عنوان عزة، وجمال بزة، ودليل إنافة، وخليفة خيزران الخلافة، أبهى في أيدي الصيد، من طرر الغيد؛ وأحسن على أعناق الجرد، من قطاطي المرد؛ وكأني بالفقيه، يحرك رأسه عند هذا التشبيه، فيقول: الصدق على الألمعي لا يبطئ، وفراسة المؤمن لا تخطئ، كل على شاكلته يفعل ويقول، ومن جرابه يزن ويكيل، ويظن ما يظن، غفر الله له، وبعد رغبة له ورغبة فيه، أقول: يا معلم العلماء يا زين الندى ... لله درك من فقيه أوحد أكثرت إطرابي فظني أنني ... أصبحت من وعر العتاب بقردد ما حق ذاك السوط سوط مدائح ... أصبحت منها بالمكان الأبعد لما أتى سمعي فخرت شطارة ... وطردت مني منكبي متمرد فامنن ببسط العذر في تأخيره ... منا أرد منه بأعذب مورد وانعم بأيام أرق من الهوى ... وألذ من وصل الحبيب المسعد تا الله إقسام المحب لما حبا ... دهري بأكرم منك علقا في يدي أنت الوهوب أخو التفضل طالبا ... وأنا إذا قبلت يداك المجتدي

стр. 800

وله من أخرى خاطب بها والد غلام تناول بره في الحمام، قال فيها: ولا ظهير إلا فريخ لي رطيب العظام، لم يقنأ دمه، ولا ثغر فمه، ولا انعقد مخه، ولا دعاه من الشباب شرخه؛ فعلى هذه الحال ما وكل بي النجيب ابنك - دامت به قرة العين - عينا راعية، وبترجيعي على علاة الحال أذنا واعية، فانتشاني من ذلك المقام بيد طالت أيدي المتطاولين إلى ركني، في سماء بعد على أرشية الأذرع هواؤه، وقعد عن القائم ماؤه، فوشكان ما استفرغ لي منه جمة المجهود، وقرب العدم من الوجود؛ وطاف علي منها بأكواب كما رأيت مقلة المشرق في دمعها المغرق، وسمعت بجابية الشيخ العراقي تفهق، وطرف ذلك بنبذ من أدبه البارع، كنبذ الزراع، ولمح من نظمه الساطع كبرقه اللامع. وأنشدت لبعد الرحمن بن عبد الرزاق وزير عبد الله الأمير -[كان بها - من قصيدة أولها] : بخل الظاعنون بالتسليم ... فأعاروا الجفون سهد السليم

стр. 801

وطوى كل مطمع فيهم اليأ ... س فإن مت مت غير مليم ما عليهم لو ودعوا مستهاما ... ذا غرام مغرى به كالغريم قلت يوما وقد أتت منبت البا ... ن فأزرت بكل خوط قويم علمي القضب منك حسن التثني ... فبها حاجة إلى التعليم علمتها سفك الدماء كماة ... لم يرقوا يوم النوى لمقيم أيأسوا من إسعاد سعدى ومن إن ... عام نعم ورشف ظلم الظلوم وله من أخرى: صب على قلبي هوى لاعج ... ودب في جسمي ضنى دارج في شادن أحور مستأنس ... لسان تذكاري به لاهج ما قدر نعمان إذا ما مشى ... ومن عسى يبلغه عالج - فقده من رقة مائس ... وردفه من ثقل مائج كأن ماء الحسن في خده ... مدامة شعشعها المازج عنوان ما في ثوبه وجهه ... تشابه الداخل والخارج فلا تقيسوه ببدر الدجى ... ذا معلم الوجه وذا ساذج @فصل في إيراد أشعار رثي بها الوزير الفقيه أبو مروان بن سراج @﵀ بحضرة قرطبة مع ما يتشبث بها ويذكر بسببها وهي جملة قصائد لغير واحد من أهل العصر، منهم من يأتي ذكره

стр. 802

فيما بعد، ومنهم من لم يسمح بإثبات شعره النقد. وقد وجدت الكاتب أبا الوليد بن طريف قد أثبت في جزء لطيف جملة هذه القصائد، ولم يسلك فيها أسلوب ناقد، ضنانة منه بخطها من التسامي بالمؤبن بها، وتثبيتا لذكر اسمه المطرزة به حواشيها، فنشر طي كل نسيجة عن منوالها، وأثبتها بحالها. وقد أثبت أنا منها ما يليق بالكتاب، فرارا من الإطناب؛ وسردت الفصل الذر أدار أبو الوليد عليه رحاه، وقدمه صدقة بين يدي نجواه. قال أبو الوليد: وكان أبو مروان عبد الملك بن سراج فذ العصر، وعلم الفخر، وبقية حسنات الدهر، ونخبة أهل التقدم في شرف النصاب، وكرم الأحساب، ونسبه في كلاب بن ربيعة؛ أصاب سلفه سباء قديم صيرهم أولا في ولاء بني أمية بالمشرق، فكانوا في عداد مقدمة الموالى المروانيين، وصدروا في عظمائهم، ثم اتصلت نباهتهم بالأندلس يرثها خالف عن سالف، ويخلفها عن تالد طارف، مع صيانة وعفة وكرم طعمة، وعلو نفس وشرف همة، وعدول عن خدمة السلطان، وتنزه عن التصرف فيها والامتهان، وانحياش إلى طلب الديانة وانحطاط في شعب طريقة السلف الصالح؛ ويؤثر أن سراج ابن قرة الكلابي صاحب رسول الله ﷺ هو جدهم الذي

стр. 803

إليه ينتمون، وناهيك بذلك شرفا مؤثلا، وفخرا خالدا مؤبدا؛ فتمسكوا بالانقباض عن التكالب على الدنيا، على أنها كانت متصدية لهم لو جنحوا إليها، ومعرضة لهم لو أقبلوا عليها، بل اقتصروا على مكاسبهم الطيبة وترقيح رفيع معايشهم، من فاشي ضياعهم المنتشرة المغلة، مقتعدين غارب الوقار والتجلة، أيام الصلاح وزمان الجماعة؛ ثم استمروا على طريقتهم تلك في مدة الفتنة وأمد المحنة، عند تقلص الأموال، وذهاب الأحوال، وفشو الاختلال، لم يفارقوا مع تزلزل الأقادم، وتقلب الأيام، وذهاب السلطان، وتضعضع الأركان، مركزهم من الصيانة، ولا أخلوا بكريم عادتهم من التحلي بها، والتزيي بباهر رونقها، ولا انحطوا عن رفيع مرتبتهم من نفاسة المأخذ والسيرة التي آثروها، ولا انسلخوا من حلة القناعة، إلى أن درج من درج منهم، وستر التجمل ضاف لديه، وظل الجلالة مكتنف له ومشتمل عليه. ثم نشأ هذا الشيخ أبو مروان فيهم محيي [رسم] علم اللسان بجزيرة الأندلس ومقيم أوده، ومسدد رزيغه، ومثقف معوج قناته، وموضع معضله، ومجلي غياهب مشكله، وجامع مفترق أدواته، وحاوي قصب السبق في إحراز بعيد غاياته، وتجاوز أقصى نهاياته، وأعلم به من كل من شددت إليه الأقتاب، وأنضيت في طلب ما عنده الركاب؛ ولقد كان في ذلك كله آية من آيات الله معجزة، وندرة من ندرات الأيام معجبة، ونورا ساطعا، وجوادا سابقا، مع متانة الدين، وصحة اليقين، وجلالة المأخذ، وجزالة المقطع، وصلابة القناة في الحقائق، وقلة الإدهان فيها

стр. 804

وملازمة الجد في جميع الأحوال، ومشهود الثقة فيما يتقلده، وبراعة الإيجاز فيما يلقيه ويورده، وحسن التأدية، وقرب الإفهام، وتذليله كل صعب المرام، والتبيين في الرد والإقناع في الجواب، وترك الجدال والمراء، والبعد عن العجب والخيلاء؛ لعظيم ما كان يحمله، وجليل ما ينتخله، وخطير ما يشتمل عليه صدره، ويجيش به بحره، ويشخو به ذكره، وتفيض به مواد معرفته، وتنهل به أهاضيب علمه، وتسح به شآبيب إحاطته، ثم لا يزال مع ذلك دهره يعترف بالتقصير، وينتسب إلى التعذير، ويعلم أن الإحاطة معجزة، وأن محاولتها معوزة. سبق بهذه الخلال الحميدة من سلف، وأيس بإدراك بعضها من خلف، لم ير قبله مثله، ولا يرى بعده، والله أعلم. وأحيا كثيرا من الدواوين الشهيرة الخطيرة، التي أحالتها الرواة الذين لم تكمل لهم الأداة، ولا استجمعت لديهم تلك المعارف والآلات، واستدرك فيها أشياء من سقط واضعيها، ووهم مؤلفيها، ككتاب البارع لأبي علي البغدادي، وشرح غريب الحديث للخطابي وقاسم بن ثابت السرقسطي، وكتاب أبيات المعاني للقتبي، وكتاب النبات لأبي حنيفة وكتاب الأمثال للأصبهاني وغير ذلك من كتب الحديث وتفسير القرآن مما لم يحضرني ذكره، ولم يمكن حصره، إذ كانت قبل فتحها عليه، وإصلاحها بين يديه، طامسة الأعلام، مختلة النظام، وقد سد التصحيف طرقها، وعور التبديل نسقها، ففتح

стр. 805

مستغلقها، ونظم مفترقها، وعانى خللها، وأزاح عللها، وقيد مهملها، وأبرز محاسنها، وأثار كمائنها، وأعتقها من هجنة التعطيل فرغب في استعمالها، وأطلقها من ربقة الخمول فحرص على حملها وانتحالها، فلو رأى ذلك الواضعون لها وشاهدوا لسلموا له وأذعنوا، وصرحوا بفضل شفوفه عليهم وأعلنوا. ولقد أذهب الله بذهابه خيرا كثيرا، وأطفأ بوفاته سراجا منيرا. وكانت وفاته ليلة الجمعة لثمان خلون لذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمائة؛ ومولده كان في ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه سنة سبع وأربعمائة وكان ﵀ في اعتلاء سنه حسن البنية، ممتعا بحواسه وتوقد ذهنه وسرعة خاطره، يقرأ دقيق الخط، ويثابر على المطالعة ويدأب عليها، ولا يخل بحظه منها، ويقرأ عليه مستغلق الكتب، وعويص المعاني وغامضها، فينكر وهم القارئ ويحسن الرد عليه؛ ختم الله به علم اللسان، كما ختم به وبأبيه قبله أفاضل أهل الزمان. ودفن عصر السبت التاسع من ذي الحجة المؤرخ، وصلى عليه ابنه الوزير الفقيه أبو الحسين سراج بن عبد الملك، تاليه في الفضل وكرم الخلال مع سري الخصال، وحائز ميراث مفاخره الجمة. وكان يومه حافلا مشهودا، والأسف في الخاصة والعامة عليه شديدا، والثناء حميدا، وتناغت لمة أهل الأدب من الآخذين عنه والمقتبسين منه وغيرهم في تأبينه ورثائه

стр. 806

فأكثروا وأجادوا، وأبدوا وأعادوا؛ منهم الشيخ الفقيه أبو بكر بن خازم وبقية الأعيان - كان - في ذلك الأوان من أهل قرطبة وذوي السوابق النبيهة فيهم، رثاه بقصيدة أولها: ألم تر أن الموت نادى فاسمعا ... فأنت جدير أن تشيب وتجزعا.... ولما فشى بين البرية نعيه ... أصم به الناعي وإن كان اسمعا ومما شجاني أنني إذ سمعته ... تمنيت أن نسقى كؤوس الردى معا فقطع قلبي ثم سال بمدمعي ... فيالك دمعا من فؤاد تقطعا! ومعنى هذا البيت الأخير مشهور، وقد اندرج منه في تضاعيف هذا التصنيف كثير، ومنه قول ابن دريد: قلب تقطع فاستحال نجيعا ... وجرى فصار مع الدموع دموعا رجع: فيا طالبا للعمل لا تطلبنه ... بطي الثرى قد غادروا العلم أجمعا أبعد أبي مروان تبصر عالما ... نبيها لأنواع العلوم مجمعا - إذا ما احتبى في مجلس العلم أنصتوا ... له وأتى بالمعجزات فأبدعا وما كان إلا الغيث عم بنفعه ال ... أنام فلما هم بالري أقلعا

стр. 807

ومنهم الأديب أبو جعفر أحمد بن عبد الله المعروف بابن شانجه الوكيد الاختصاص به واللزوم له، والأخذ عنه. رثاه يومئذ بقصيدة يقول فيه: نعى الهدى والعلم ناع ... فأودى ما تضمنه الصدور سيعلم من نعاه لنا بأنا ... وجدنا الفضل ناعيه كثير يقول القائلون حواه لحد ... تجسم دونه كرم وخير ولا والله ما وارتك أرض ... وسروك فوقها أبدا يسير ومنهم الوزير الفقيه النبيه أبو عبد الله جعفر بن محمد بن مكي بن أبي طالب القيسي أحد أعيان وقته ذكاء ونبلا، وسروا كاملا وفضلا، أبنه بقصيدة أولها: انظر إلى الأطواد كيف تزول ... والحالة العلياء كيف تحول الموت حتم والنفوس ودائع ... والعيش نوم والمنى تضليل لا يعصم العصماء منه شاهق ... صعب ولا الورد السبنتي غيل يرمي فما تشوي الرمية نبله ... فيصاب تنبال بها ونبيل يهوى الفتى طول البقاء مؤملا ... وله رحيل ليس عنه قفول يلهو ويلعب مطمئنا ذاهلا ... وله رسيم نحوها وذميل

стр. 808

ومنها: أودى سراج المجد وابن سراجه ... فلنور شمس المكرمات أفول لو كان علم الدين يبكي ميتا ... لبكى الحديث عليه والتنزيل كم من حديث للنبي أبانه ... فبدت له غرر ترى وحجول كم مصعب في النحو راض جماحه ... حتى غدا والصعب منه ذلول أدنى إلى الأفهام نائي علمها ... حتى تساوى عالم وجهول طب بأدواء الكلام ملقن ... سهم على عوراته مدلول قوله: " انظر إلى الأطواد كيف تزول " معنى منقول، ومنه قول ابن بسام البغدادي: قد استوى الناس ومات الكمال ... وقال صرف الدهر أين الرجال هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال وقال ابن الرومي: من لم يعاين سير نعش محمد ... لم يدر كيف تسير الأجبال وقال الرضي يرثي الصاحب: أكذا المنون تقطر الأبطالا ... وكذا الزمان يضعضع الأجبالا - جبل تسنمت البلاد هضابه ... حتى إذا ملأ الأقالم زالا

стр. 809

وقال أبو محمد الصقلي للمعتمد بن عباد: ولما رحلتم بالندى في أكفكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير رفعت لساني بالقيامة قد دنت ... فهذي الجبال الراسيات تسير وقوله: " يهوى الفتى طول البقاء " ... البيت مع الذي بعده، من المعاني المتداولة أيضاً، وقد تفرقت في أثناء هذا الكتاب. ومنهم الوزير الكاتب أبو محمد عبد المجيد بن عبدون أحد الزعماء في صناعة الشعر والنثر، وثبوت القدم في الأدب، أبنه أيضاً بقصيدة فريدة أولها: ما منك يا موت لا واق ولا فادي ... الحكم حكمك في القاري وفي البادي قدم أناسا وأخر آخرين فلا ... عليك يا مورد الحادي على الهادي يا نائم الفكر في ليل الشباب أفق ... فصبح شيبك في أفق النهى بادي سلني عن الدهر تسأل غير إمعة ... فألق سمعك واستجمع لإيرادي نعم هو الدهر ما أبقت غوائله ... على جديس ولا طسم ولا عاد ألقت عصاها بنادي مأرب ورمت ... بآل مامة من بيضاء سنداد وأسلمت للمنايا آل مسلمة ... وعبدت للرزايا آل عباد ما لليالي أقال الله عثرتنا ... منها تصرع أضدادا بأضداد فلت قنا سمهر شلت أناملها ... بعود طلح وأسيافا بأغماد

стр. 810

فعوضت من حسين الخير أو حسن ... بالأرقط ابن أبيه أو بعباد بعدا ليومك يا نور العلاء ولا ... شجا بموت ولا سلى بميلاد لهفي عليك خبا فيه سناك وما ... خبا ولكنها شكوى على العادي لا شمس قبلك زادت بالغروب سنا ... واستأنفت نشر أنوار وأوراد أطلعت ذكرك لما غبت وابنك في ... أفق العلا نيري هدي وإرشاد لما ملأت دلاء المأثرات إلى ... أكرابها واحتبى في حلمك النادي وطبقت بك آفاق العلا همم ... زانت مطالع آباء وأجداد غضت عنانك أيدي الدهر ناسخة ... علما بجهل وإصلاحا بإفساد لا در در ليال غورتك ولا ... سقى صداها غريض الرائح الغادي فما سمعنا ببحر غاض في جدث ... وكان ملء الربى يرمي بأزباد ولا بطود رسا تحت الثرى وسما ... على السها حملوه فوق أعواد أعجوبة قصرت من خطو كل حجى ... فلم يكن في قوى منها ولا آد لقد هوت منك خانتها قوادمها ... بكوكب في سماء المجد وقاد ومقرم كان يحمي شول قرطبة ... أستغفر الله لا بل شول بغداد ومنها: من للعلوم إذا ما ضل ناشدها ... في ظلمة الشك بعد النير الهادي - من للحديث إذا ما ضاق حامله ... ذرعا بمتن وإيضاح وإسناد
следующие страницы →