← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فأكثروا وأجادوا، وأبدوا وأعادوا؛ منهم الشيخ الفقيه أبو بكر بن خازم وبقية الأعيان - كان - في ذلك الأوان من أهل قرطبة وذوي السوابق النبيهة فيهم، رثاه بقصيدة أولها: ألم تر أن الموت نادى فاسمعا ... فأنت جدير أن تشيب وتجزعا.... ولما فشى بين البرية نعيه ... أصم به الناعي وإن كان اسمعا ومما شجاني أنني إذ سمعته ... تمنيت أن نسقى كؤوس الردى معا فقطع قلبي ثم سال بمدمعي ... فيالك دمعا من فؤاد تقطعا! ومعنى هذا البيت الأخير مشهور، وقد اندرج منه في تضاعيف هذا التصنيف كثير، ومنه قول ابن دريد: قلب تقطع فاستحال نجيعا ... وجرى فصار مع الدموع دموعا رجع: فيا طالبا للعمل لا تطلبنه ... بطي الثرى قد غادروا العلم أجمعا أبعد أبي مروان تبصر عالما ... نبيها لأنواع العلوم مجمعا - إذا ما احتبى في مجلس العلم أنصتوا ... له وأتى بالمعجزات فأبدعا وما كان إلا الغيث عم بنفعه ال ... أنام فلما هم بالري أقلعا

стр. 807

ومنهم الأديب أبو جعفر أحمد بن عبد الله المعروف بابن شانجه الوكيد الاختصاص به واللزوم له، والأخذ عنه. رثاه يومئذ بقصيدة يقول فيه: نعى الهدى والعلم ناع ... فأودى ما تضمنه الصدور سيعلم من نعاه لنا بأنا ... وجدنا الفضل ناعيه كثير يقول القائلون حواه لحد ... تجسم دونه كرم وخير ولا والله ما وارتك أرض ... وسروك فوقها أبدا يسير ومنهم الوزير الفقيه النبيه أبو عبد الله جعفر بن محمد بن مكي بن أبي طالب القيسي أحد أعيان وقته ذكاء ونبلا، وسروا كاملا وفضلا، أبنه بقصيدة أولها: انظر إلى الأطواد كيف تزول ... والحالة العلياء كيف تحول الموت حتم والنفوس ودائع ... والعيش نوم والمنى تضليل لا يعصم العصماء منه شاهق ... صعب ولا الورد السبنتي غيل يرمي فما تشوي الرمية نبله ... فيصاب تنبال بها ونبيل يهوى الفتى طول البقاء مؤملا ... وله رحيل ليس عنه قفول يلهو ويلعب مطمئنا ذاهلا ... وله رسيم نحوها وذميل

стр. 808

ومنها: أودى سراج المجد وابن سراجه ... فلنور شمس المكرمات أفول لو كان علم الدين يبكي ميتا ... لبكى الحديث عليه والتنزيل كم من حديث للنبي أبانه ... فبدت له غرر ترى وحجول كم مصعب في النحو راض جماحه ... حتى غدا والصعب منه ذلول أدنى إلى الأفهام نائي علمها ... حتى تساوى عالم وجهول طب بأدواء الكلام ملقن ... سهم على عوراته مدلول قوله: " انظر إلى الأطواد كيف تزول " معنى منقول، ومنه قول ابن بسام البغدادي: قد استوى الناس ومات الكمال ... وقال صرف الدهر أين الرجال هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال وقال ابن الرومي: من لم يعاين سير نعش محمد ... لم يدر كيف تسير الأجبال وقال الرضي يرثي الصاحب: أكذا المنون تقطر الأبطالا ... وكذا الزمان يضعضع الأجبالا - جبل تسنمت البلاد هضابه ... حتى إذا ملأ الأقالم زالا

стр. 809

وقال أبو محمد الصقلي للمعتمد بن عباد: ولما رحلتم بالندى في أكفكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير رفعت لساني بالقيامة قد دنت ... فهذي الجبال الراسيات تسير وقوله: " يهوى الفتى طول البقاء " ... البيت مع الذي بعده، من المعاني المتداولة أيضاً، وقد تفرقت في أثناء هذا الكتاب. ومنهم الوزير الكاتب أبو محمد عبد المجيد بن عبدون أحد الزعماء في صناعة الشعر والنثر، وثبوت القدم في الأدب، أبنه أيضاً بقصيدة فريدة أولها: ما منك يا موت لا واق ولا فادي ... الحكم حكمك في القاري وفي البادي قدم أناسا وأخر آخرين فلا ... عليك يا مورد الحادي على الهادي يا نائم الفكر في ليل الشباب أفق ... فصبح شيبك في أفق النهى بادي سلني عن الدهر تسأل غير إمعة ... فألق سمعك واستجمع لإيرادي نعم هو الدهر ما أبقت غوائله ... على جديس ولا طسم ولا عاد ألقت عصاها بنادي مأرب ورمت ... بآل مامة من بيضاء سنداد وأسلمت للمنايا آل مسلمة ... وعبدت للرزايا آل عباد ما لليالي أقال الله عثرتنا ... منها تصرع أضدادا بأضداد فلت قنا سمهر شلت أناملها ... بعود طلح وأسيافا بأغماد

стр. 810

فعوضت من حسين الخير أو حسن ... بالأرقط ابن أبيه أو بعباد بعدا ليومك يا نور العلاء ولا ... شجا بموت ولا سلى بميلاد لهفي عليك خبا فيه سناك وما ... خبا ولكنها شكوى على العادي لا شمس قبلك زادت بالغروب سنا ... واستأنفت نشر أنوار وأوراد أطلعت ذكرك لما غبت وابنك في ... أفق العلا نيري هدي وإرشاد لما ملأت دلاء المأثرات إلى ... أكرابها واحتبى في حلمك النادي وطبقت بك آفاق العلا همم ... زانت مطالع آباء وأجداد غضت عنانك أيدي الدهر ناسخة ... علما بجهل وإصلاحا بإفساد لا در در ليال غورتك ولا ... سقى صداها غريض الرائح الغادي فما سمعنا ببحر غاض في جدث ... وكان ملء الربى يرمي بأزباد ولا بطود رسا تحت الثرى وسما ... على السها حملوه فوق أعواد أعجوبة قصرت من خطو كل حجى ... فلم يكن في قوى منها ولا آد لقد هوت منك خانتها قوادمها ... بكوكب في سماء المجد وقاد ومقرم كان يحمي شول قرطبة ... أستغفر الله لا بل شول بغداد ومنها: من للعلوم إذا ما ضل ناشدها ... في ظلمة الشك بعد النير الهادي - من للحديث إذا ما ضاق حامله ... ذرعا بمتن وإيضاح وإسناد

стр. 811

من للتلاوة أو من للرواية أو ... من للبلاغة بعد العاد والبادي - شق العلوم نظاما والعلا زهرا ... ثبين ما بين رواد ووراد مضى ما أبقت وما أخذت ... أيدي الليالي من المفدي والفادي! وهذه القصيدة طويلة سلك فيها أبو محمد طريقته في الرثاء، إلى الإشارة والإيماء، بمن أباده الحدثان من ملوك الزمان، وقد نسق ذكرهم على توالي أزمانهم في قصيدة [اندرج له كثير من البديع فيها] ؛ هي ثابتة في أخباره في القسم الثاني من هذا المجموع. واقتفى أبو محمد أثر فحول القدماء، من ضربهم الأمثال في التأبين والرثاء، بالملوك الأعزة، وبالوعول الممتنعة في قلل الجبال، والأسود الخادرة في الغياض، وبالنسور والعقبان والحيات في طول الأعمار، وغير ذلك مما هو في أشعارهم موجود، فأما المحدثون فهم إلى غير ذلك أميل، وربما جروا أيضاً على السنن الأول. وممن رثاه يومئذ الكاتب أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن طريف أحد كتاب العصر، وفرسان النظم والنثر، رثاه بقصيدة أولها: يبيح الحمام منيع الحجاب ... ويسري إلى المرء من غير باب ولم أر أنفذ من سهمه ... وأفوز من قدحه بالغلاب ألم تره كيف هد الهدى ... وأصمى العلا بأليم المصاب - ومنها: فمن لخفايا حديث الرسول ... ومن لغوامض علم الكتاب - ومن ذا يروي ظماء العقول ... ويشحذ البابهن النوابي

стр. 812

فلهفي عليه وإن كان لهفي ... قليل العزاء ضعيف المناب إذا عادني عيد تذكاره ... أجد أسى لم يكن في الحساب وإن جمد الدمع في ناظري ... مددت قواه بقلب مذاب فلا شيء أعجب من يومه ... برؤية ثهلان بين الرقاب عزاء سراج العلا فالجميع ... قليل البقاء سريع الذهاب ومنهم الوزير الكاتب أبو بكر محمد بن ذي الوزارتين الكاتب المشرف أبي مروان بن عبد العزيز المقدم في نبله على تأخر سنه، رثاه أولا بقصيدة أولها: هل فوجئت بمصاب قبله العرب ... أو أسقطت لملم غير الشهب - ومنها: ما كنت أحسب أن الموت معترض ... ذاك الجلال ولما ينته الرهب من لا تمر عليه الشمس طالعة ... إلا وعرنينها من نعله ترب إذا تطلع في ناديه محتبيا ... لم يأته الدهر إلا وهو منتقب يا طالب العلم لا ترحل فقد رديت ... بك المهارى وجف الماء والعشب فيم الذميل وحث السير منتجيا ... وأين يبلغك التقريب والخبب ضلت سبيلك لا هاد ولا علم ... وغاض شربك لا ورد ولا قرب يا فاضل الخطة الشنعاء قد عوصت ... تعيا بها الخطباء اللسن والخطب

стр. 813

إن الخصوم قد اصطكت مرافقها ... فخل بينهم حكما فقد شغبوا قلها لدى الحفل تمضي إن مبلغها ... ما ليس تبلغه الهندية القضب طود العلا زعزعتك النائبات وما ... حذرت أن تترقى نحوك النوب ما مات من خلدت فينا مآثره ... لكنه سبب أن يرفع الأدب لولا سراج وفي وجدانه عوض ... لم يدر ما اسم لمعلوم ولا لقب [فإن تفلل بأيدينا صوارمنا ... لم تعن إلا وأطراف القنا سلب] ومنهم الفقيه الأديب أبو عبد الله محمد بن محمد القرشي المرواني الناصري، عين أهل بيته الخطيرة، وأحد شهبها المنيرة، رثاه أيضاً بقصيدة أولها: رمته الرزايا عن قسي خطوبها ... بسهم فأيا فوقت نحوه أيا - فيا عجبا أنى طواه ضريحه ... وقد كان يطوي الدهر من نشره طيا فثل ذرا عرش العلا وتناثرت ... نجوم المعالي من مراتبها وهيا وكم آية للدين بين شرحها ... ولم يعترفها بعد ما كان قد أعيا وكم من حديث للنبي أبانه ... وألبسه من حسن منطقه وشيا

стр. 814

ومنهم الأديب النبيل أبو العباس أحمد بن محمد الكناني أحد تلامذته الآخذين عنه، رثاه أيضاً بقصيدة أولها: رزء تطلبت فيه الصبر فامتنعا ... ورمت دمعي على التسكين فاندفعا قال فيها: حديث صدق نعى الناعي إلي ضحى ... فزعت فيه إلى التكذيب حين نعى صبرا سراج فيما يبقي الردى أحدا ... كل سيجرعه من كأسه جرعا أقول صبرا كأني غير مكترث ... والله يعلم أنا موجعان معا إلى غيرها من قصائد طويلة قليلة الطائل أثبتها أبو الوليد المذكور بجملتها، لم يتسع هذا المجموع لاستيفائها، وفيما مر منها كفاية. وأكثر من أبنه في ذلك اليوم أطال في مدح ابنه، وليس من عادة أئمة الشعراء المقتدى بهم الإكثار من مدح المعزى في تأبين حميمه المتوفى، وإنما يلمون به إلماما بعد التوفر على ندبة ميته والإشباع في ذكر ما فقد من خصاله، ثم الكر على تسكين جأشه، وحضه على التعزي اتقاء لربه، هذه طريقة فحول الشعراء. والوزير الفقيه أبو الحسين ابنه المخاطب يومئذ بهذه الأشعار هو سراج

стр. 815

ابن عبد الملك بن سراج، اسم وافق مسماه، ولفظ طابق معناه، فإنه سراج علم وأدب، وبحر لغة لسان العرب، وإليه في وقتنا هذا بحضرة قرطبة شد الأقتاب، وإنضاء الركاب، في الاقتباس منه، ثم إنه في هذا الفن الذي نحن في إقامة أوده، زمامه وخطامه في يده، ولنظمه ونثره ديباجة رائقة، وهو القائل: لما تمكن من فؤادي منزلا ... وغدا يسلط مقلتيه عليه ناديته مسترحما من عبرة ... أفضت بأسرار الضمير إليه رفقال بمنزلك الذي تحتله ... يا من يخرب بيته بيديه! وهذا البيت الأخير منها كقول التهامي: حرق سوى قلبي ودعه فإنني ... أخشى عليك وأنت في سودائه وأنشدت أيضاً لبعض أهل العصر: فقلت له لا ترم قلبي فإنه ... مكانك والمرمي أنت ولا تدري وقال أبو الوليد بن حزم: أذكيت في قلبي بنأيك لوعة ... حتى خشيت على محلك فيه وفي قريب منه قول ابن شرف: عجبت منه وأحشائي منازله ... كيف استقر بها من كثرة القلق

стр. 816

وقلب هذا المعنى بعض فتيان وقتنا وهو الأديب أبو بكر بن بقي فقال: أبعدته عن أضلع تشاقه ... كي لا ينام على وساد خافق وبلغني أنه خرج مع بعض إخوانه إلى بعض البساتين، فعار فرس أحدهم فاتبعه صاحبه وساعده أبو الحسين، وتخلف عنهما أبو الحسن بن اليسع، وأكب على راحه هنالك، فكتب إليه أبو الحسين ابن سراج: عمري أبا حسن لقد جئت التي ... عطفت عليك ملامة الإخوان لما رأيت اليوم ولى عمره ... والليل مقتبل الشبيبة داني والشمس تنفض زعفرانا في الربى ... وتفت مسكتها على الغيطان أطلعتها شمسا وأنت عطارد ... وخففتها بكواكب الندمان فأتيت بدعا في الأنام مخلدا ... فيما قرنت ولات حين قران ولهيت عن خلي صفاء لم يكن ... يلهيهما عنك اقتبال زمان غنيا بذكرك عن رحيق سلسل ... وحدائق خضر وعزف قيان ورضيت في دفع الملامة أن ترى ... متعلقا بالعذر من حسان وهذا رواء الديباج الخسرواني، ورونق العصب اليماني، ولمثله فلتنشرح

стр. 817

الصدور، ويتشوف السرور، ويذعن المنظوم والمنثور، ألا ترى ما آنق استعاراته، وأرشق إشاراته، وأقدره على الإتيان بالتشبيه دون أداته، وكذلك طبعه في سائر مقطعاته. على أن أشعار العلماء على قديم الدهر وحديثه بينه التكلف، وشعرهم الذي روي لهم ضعيف، حاشا طائفة، منهم خلف الأحمر، فإن له ما يستندر، وقطرب له أيضاً ما يستغرب، كقوله وقد رويت لغيره: إن كنت لست معي فالذكر منك معي ... يرعاك قلبي وإن غيبت عن بصري فالعين تبصر من تهوى وتفقده ... وناظر القلب لا يخلو من النظر والخليل بن احمد، له أيضاً بعض ما يحمد، ومؤرج السدوسي، وابن دريد من الشعراء العلماء؛ وكذلك من علماء البصرة أبو محمد اليزيدي وبنوه، وهو القائل في حمويه ابن أخت الحسن الحاجب: إن فخر الناس بآبائهم ... أتيتهم بالعجب العاجب قلت وأدغمت أبا خاملا ... أنا ابن أخت الحسن الحاجب

стр. 818

ومن هذا أخذ دعبل قوله: سألته من أبوه ... فقال دينار خالي فقلت دينار من هو ... فقال والي الجبال وابن مناذر أيضاً عالم شاعر، وأبو محلم السعدي، وهو الذي يقول: تصيخ لكسرى حين تسمع ذكره ... بصماء عن ذكر النبي صدوف وتغرق في إطراء ساسان وابنه ... وما أنت من أعلامهم بشريف ومن العلماء الشعراء أحمد بن أبي كامل وهو القائل: لا أرى فيما أرى شبهاً ... لك غير البدر في الظلم غير أن البدر ليس له ... لحظة تدعو إلى السقم ومن الرواة الأخباريين محمد العتبي وهو القائل: رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر

стр. 819

الأبيات. هؤلاء أعيان العلماء الشعراء بالمشرق، ممن علا شعرهم ديباجة ورونق، فأما من سواهم كيونس والأخفش وأبي عمرو بن العلاء وسيبويه والفراء وسائر أصحابهم فأكثر الرواة لم يسمع لهم بشعر، والكسائي الذي يقول: " إنما النحو قياس يتبع " له شعر ضعيف، بين التكليف. فأما أبو عبيدة فله شعر يضحك، لا سيما قوله في ابن أخي يونس النحوي، وكان يسمى خرك، لم أر أن أكون من رواته إذ هو معدود في هناته. وللأصمعي قصيدة في بني برمك أكثر فيها من الغريب، وما أتى بغريب؛ وكذلك من علماء الكوفة جماعة مثل خالد بن كلثوم، وأبي عمرو الشيباني، وابن الأعرابي وأصحابهم، زعم ابن المنجم أنه لم يسمع لهم بشعر. وأما العلماء الشعراء بأفقنا هذا الأندلسي من حين استفتحت الجزيرة إلى آخر دولة بني عامر، فقد تقدم المصنفون قبلي إلى تدوين نثرهم ونظمهم، فأغناني عن ذكرهم، وإنما شرطت ذكر أهل عصري ممن شاهدته بعمري، أو لحقه بعض أهل دهري.

стр. 820

@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي مروان عبد الملك بن محمد بن @شماخ، وإيراد جملة من نظمه ونثره، مع ما يتعلق به ويذكر بسببه وأبو مروان هذا أحد من شافهته وذاكرته، وأنشدني شعره، وكان باهر الضوء، صادق النوء، ينفث بالسحر، في عقد النظم والنثر، ويوفي على أنواع البديع، إيفاء نيسان على محاسن فصل الربيع، إلى علم أعذب من الماء، وأكثر من حصى الدهناء، وفهم أذكى من الشمس، وأجرى من النفس في النفس؛ ولولا أنه اختصر، لبهر الشمس والقمر، كما أعجز من نظم ونثر، وسبق أكثر من تقدم وتأخر، وقد أجريت من نظمه ونثره، ما يشيد باسمه، ويدل على سعة علمه. فمن ذلك رقعة خاطب بها الفقيه قاضي الجماعة أبا عبد الله بن حمدين، افتتحها متمثلاً بهذه الأبيات: لما وضعت صحيفتي ... في بطن كف رسولها قبلتها لتمسها ... يمناك عند وصولها وتود عيني أنها اق ... ترنت ببعض فصولها حتى ترى من وجهك ال ... ميمون غاية سولها

стр. 821

نعم، أدام الله عز الفقيه سامي الرفعة، إني حاسد هذه الرقعة، لأنها تحظى دوني برؤيته، فلو حظيت بمثل ما به حظيت، لبلغ قلبي غاية أمنيته. أمثال أضربها عليك ما لها أمثال، وسلسال أمزجه لديك يحيا به الصلصال، يا أيها الخطى الذي أنبته وشيجه، يا أيها الأعوجي الذي هذبه تخريجه، يا أيها الفرع الذي ثبت أصله فوق السماء، وشمخ سنخه بناصية الجوزاء: إذا ثبتت فوق السماء أصوله ... فأين أعاليه وأين الذوائب - بعد صيتك في النباهة حتى طبق الغبراء، وصعد سروك في الجلالة حتى آنق الخضراء، لو اقتصرت على ما بنى لك أولك، لسبق جهد السابقين مهلك، بل ينيت على ما بنوا، وسموت كما سموا؛ فلو فضت خواتم الطين، عن بائك الأكرمين، لبصرت بعظامهم تهتز وهي رميم، إعجاباً بما أهداه إليها سعيك الكريم: فقد يضحك الحي سن الفقيد ... فتهتز أعظمه بالعراء خطبت ودك، فان ترني كفواً، بلغت المبالغ الشاسعة عفواً، ظمئت إلى شمول تلك الشمائل، فإن سقيتني منها نغبة، سرت في الأريحية حقبة، ما أرى الفقيه يعلم من أمري، أكثر من معرفته بضئضئي

стр. 822

ونجري. سألمع لك في شأني بلمعة واختصر، فقد يروي - وإن قل - الزلال الخصر. كان مدة في يدي زمام بلدي، ثم نقلت إلى حمص، وكانت لخم متى شاءت أمراً لم تعص، فلما رمت بصنهاجة اللجج، وثار لهم ذلك الرهج، في يوم أشرعت فيه الأسنة، وأجهضت لشدة خطبه الأجنة، فانتهب مالي كما انتهب مال المصر، وكسد في حمص سوق النظم والنثر، زهدنا فيها فمقتناها، وسكتنا عن الكتابة فما أبناها، ولجأنا إلى غافق، بعلق من الأدب غير نافق، بحيث يتساوى الجهل والعلم، ويصفع البليغ الفدم؛ وإني - أعز الله الفقيه - وإن كان أوطاني الله منها أوطاني، وأعطاني منها أعطاني، وآواني منها إيواني، لعدم الشكل، لغريب فيها بين الأحبة والأهل. فإن تبك عين الفقيه الشفيق، ضياع صديق، فلتبك مني لطائر كريم، رد إلى وكر لئيم، ولترث لدرة سنية، ردت إلى صدفة دنية، وحسبنا الله! أنا المصدور أكثرت نفثاً، وشكوت بثاً؛ وإن كنت أطلت الخطاب، فان حوار الفقيه لذ لي وطاب، وانتظاري لجوابه انتظار الصائم للفطر، والساري للفجر، وأقرأ عليه من سلامي عدد مناقب الفقيه، بل عدد محاسن أبي الحسن أبيه، فإنها تجاوز الحد، ولا تطاوع العد.

стр. 823

قوله " وإني بها لعدم الشكل، لغريب بين الأحبة والأهل " محلول من قول الخطابي حيث يقول: وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي وما غربة الإنسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكل وأخذه عمر بن أبي السجزي فقال: وليس اغترابي في سجستان أنني ... عدمت بها الإخوان والدار والأهلا ولكنه مالي بها من مشاكل ... وإن الغريب الفرد من يعدم الشكلا وقوله " فتهتز أعظمه بالعراء " كقول أبي تمام: ولو علم الشيخان أد ويعرب ... لسرت إذاً تلك العظام الرمائم وإليه أشار محمد بن هانئ بقوله: فليت أبا السبطين والترب دونه ... رأى كيف تبدي حكمه وتعيد فأجابه القاضي أبو عبد الله برقعة اقتضبت بعض فصولها لطولها [قال فيها: كتبت ولو قدرت هوى وشوقاً ... إليك لكنت سطراً في كتاب

стр. 824

من صحب الآصال والبكر، عرف وأنكر: ما أحسن العيش لو أن الفتى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم] عمر بابك، وأخصب جنابك، وطاوعك زمانك، ونعم بك إيوانك: وسقى بلادك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي فما درج بسبيله، من كنت سلالة سليله، ووراث مجده ومقيله؛ وما خام وضرع، فخر رمى عن وتر قوسك ونزع، لم يهلك هالك، ترك مثل مالك. [كالعندواني لا يحزيك مشهده ... وسط الهياج إذا ما تضرب البهم] فركت المهاد، وألفت السهاد، وتقيلت الآباء والأجداد، فأسرجت في ميدان عتاق الجود براقاً، مريت له حافراً وساقاً، فاحتل من شعاب

стр. 825

المجد صقعا، أثار به نقعا، ودوم في جو السماء، تدويم قزع العماء، [كأنه على قمة الرأس ابن ماء محلق] ، فحق لباهر فضلك أن يطول فيقول: ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي أو يتنزل، فيتمثل: لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتكل نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا كم متعاط شأو طلقك، ومشترط منال أفقك، سولت له نفسه شق غبارك، واقتفاء مناهج آثارك، سلك فما أدراك، وبلج بعيره فبرك: فهن رذايا بالطريق ودائع ... وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس لو بما تعتز به عشائر نسبوك، وآباء صدق ولدوك فأنجبوك: أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه

стр. 826

وجلباب أدب، شفع الحسب، وكسا الدرة الذهب، فثناك وتر الأبد، كالسيف الفرد، إذ غلت الركاب، وعلقت الأسباب - لتعديت منابج العواء، فهصرت هقعة الجوزاء، واتخذت إكليلها إكليلا، فلم تذممك نزيلا، وقبلت أخمص قدميك تقبيلا. وفي فصل: بيننا وسائل، أحكمتها الأوائل، ما هي بالأنكاث، والوشائج الرثاث، من دونها ود جناه شهد، ومراده خلد، أنضر من أنيق الخضر، وأعبق من فتيق الزهر، غب المطر، [جمت أعراضه، ونديت حياضه، سرى له النسيم، فوشى به النميم: ما روضة من رياض الحزن معشبة ... غناء جاد عليها مسبل هطل يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل يوما بأطيب منه نشر رائحة ... ولا بأحسن منه إذ دنا الأصل لو كان بشرا كان حسن البشرة، أنيق الحبرة] ، أرج عرف النسيم، مشرق جبين الأديم، رائق رقعة الجلباب، مقتبل راد الشباب، كالصباح المنجاب، تبرق أساريره، وتلقاك قبل اللقاء تباشيره: ورثناهن عن آباء صدق ... ونورثها إذا متنا بنينا

стр. 827

المقة تبعث الثقة، لا يلهينك وقد لاح البدر، ووضح للساري الفجر، جواب أنيته، ودين مطلته ولويته: فقلت امكثي حتى يسار لعلنا ... نحج معا قالت: أعاما وقابله - إسجاح ومعذرة، إذا لم تكن مقدرة، فنظرة إلى ميسرة، لو بحسب ما أطويه، لبيت داعي مناديه، لبادرت بدار العين، وأوفزت إيفاز لمع اليدين، واقتضبت المدى، فكان الكلام وكنت الصدى، وما بهن خجل التسويف والليان بأرقد من معضوض الأفعوان، ومفترش حسك السعدان: على الفراش لضوء الصبح مرتقب ... كأنه به الإبر وفي فصل منها: ولا غرو إن استعجم لسان، وحصر بيان، لجنة جنان، وخريدة بيان، ترود روض الآداب، وترد ذوب ماء الألباب، نماها كهلان، ونهد بها سحبان، تدعو نزال، وتتنجز رد السؤال: بيان لم ترثه تراث دعوى ... ولم تنبطه من حسي بكي أهلا به طائر وداد وقع، وبلبل واد سجع فرجع، وهيج داء دفينا، فذكر بعض ما كنا نسينا: فضضت ختامه فتبلجت لي ... غرائبه عن الخبر الجلي فكان أغض في عيني وأندى ... على كبدي من الزهر الجني

стр. 828

وأحسن موقعا مني وعندي ... من البشرى أتت بعد النعي ... صدور الغانيات من الحلي> لله فطنة فطرته، ويد سطرته، وصحيفة احتوته، وأنامل لوته! ما أبدع ما وسق، وأعجب ما نظم ونسق، إن هو إلا سحر يؤثر، ودر ينثر، وأنفاس تعبق، ونفوس تسبى وتسترق، إلى أغراض كقطع الرياض، ومعان كأبكار الغواني لوين قدودا، وكسين من وشي الكلام مجاسدا وبرودا، فمعجبه يهزج بيفاعه، ويرتجل على إيقاعه: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم سمير الآذان، وحديث الركبان: [به تنفض الأحلاس في كل منزل ... وتعقد أطراف الحبال وتوثق نادى شخص طلل حابس، وكلم ربع رسم دارس، من نفس أبداد، وفؤاد فاد، صدي حتى بلي، ودهي حتى فني؛ بمثله وقف جميل، واستعبر يقول: ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق

стр. 829

فكان حيا جلجل رعده، وأسبل ودقه، بأكناف جوى محل واديه، وأجدبت بواديه، فلأيا ما لان مدره، وانبجس حجره، وطلع نجمه وأشرق زهره: ... كلا ولا نبت فهو سعدان> ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ (الأعراف: ٥٨) شتان بين ربوة يفاع، وصفوانة بقاع، وأين من الغمر المعين، وشل ينضج بمثل رشح الجبين - في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، وأن تسمع بالمعيدي، وتخبر عن الإياسي، فشاكه أبا يسار، فبدون ما وصفتنيه ينفق الحمار، وتخطب غير ذات النجار؛ ما هي إلا حلى فضائلك خلعتها علي، وخمائل شمائلك أضفتها إلي، وإلا فود تجاوز القدر، فأعمى البصر: وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا] والشفق والغسق، ولوامع الفلق، إنك لصاحب الراية ومحرز الغاية، زعيم حلبة البيان، وفارس ذورة الإحسان، [لتعط القوس

стр. 830

باريها، وتمنح المنحة ذويها] ، وإن للمتعاطي ذلك المضمار، أن يبايع بيد الصغار، وينبذ بأزمة مقادير الأقدار: وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار لا عطر بعد عروس، ويا لك من نضو فؤاد هجت به ادكارا، وحركت له حوارا، تجاسر بخمعه، واستن على ظلعه، فدسع بجرة عقير، فانفهق عن فرصة فقير: نزرا كما استكرهت عابر نفحة ... من فارة المسك التي لم تفتق على حين ذوى روض الأدب، فقاظ مصيف الطرب، [وألفت " قال مالك "، وتركت ما هنالك] ، فما عهدي الآن إلا زورة اللمم، وذكرة الحلم، أذوقه شميما، وأطعمه نسيما، وأغري المحافظ عليه، وأغبط أفئدة من الناس تهوي إليه: فكأني وما أزين منه ... قعدي يزين التحكيما لم يطق حمله السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق ألا يقيما

стр. 831

وإن أنخت بعطنك من أفق غافق، ذا بضاعة أدب غير نافق، أصبحت منها كالمسك ينافح نفسه، أو الفذ يكلم حسه، معاشر معاشر لم تغذهم رقة الآداب، ولا أعربت ألسنتهم عوامل الإعراب: فهن يغلطن به إلغاطا ... مثل النبيط لاقت الأنباطا وإن نطق زهير، قالوا نهق العير: أرض الفلاحة أو أتاها جرول ... أعني الحطيئة لاغتدى حراثا تصدا بها الأفهام بعد صقالها ... وترد ذكران العقول إناثا أرض خلعت اللهو خلعي خاتمي ... فيها وطلقت السرور ثلاثا فخير أنيس المرء ذكر يشحذ الفكر، وروض كتاب يصقل الألباب: أعز مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب ولله ما حويت، ونعم ما اقتنيت، من حدائق أدب، في يفاع حسب، سنخ ضرب الأرض بعروقه، وبسق فاستوى على سوقه يونق البقاع، ويعجب الزراع، كرم [مدده فزكا ثمره، وطاب

стр. 832

خبره وخبره] ، أكرم نسب وأفضل نشب، ناهيك ما يروق جمالا، ويخف حمالا، لا تبتزكه اللصوص، ولا ترحل به دونك القلوص: [يزيد بكثرة الإنفاق منه ... وينقص إن به كفا شددتاٍ ولن تراع فلن تضاع، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، وكفى بربك هاديا ونصيرا؛ وأبلغك سلاما، يكون بنحر عقدك نظاما، ويضرب على روض ودك غماما: فينبت حوذانا وعوفا منورا ... سأتبعه من خير ما قال قائل قال ابن بسام: والفقيه قاضي الجماعة أبو عبد الله بن حمدين هذا في وقتنا غرة الزمان الزاهرة، وآية الإحسان الباهرة، أحد من تقدم على أهل الفضل، تقدم الاسم على الفعل، واستولى على النبل، استيلاء الشمس على الظل، وله صدر يسع الدهر كله، ولسان يخلق السحر

стр. 833

لو استحله، وهو وإن كان اليوم، بالحضرة العظمى قرطبة، يعسوب الإسلام، ومدار الأنام، وجماع النقض والإبرام، فلهذا الشأن الذي تصديت لإقامة أوده بهذا الديوان، من عنايته أوفر نصيب، ولأهله من استقلاله وكفايته حمى غير مقروب، وقد رفعت له على علمه نار، فضربت عليه في حرمه أرواق وأستار، وسارت على ألسنة الركبان من كلمه رسائل وأشعار، أجزل من ذكر أبان، وأحسن من الحديث عن جنان، وأوضح من عذر قريش في حب عثمان، ولم أظفر منها عند تحرير هذه النسخة من هذا الكتاب، إلا بهذا الجواب، وفيه متعة جد كافية، وعلامة من الفضل غير خافية، ويعلمك بجنى الشجرة الواحدة من ثمرتها، ويدلك على خزامى الأرض النفحة من رائحتها. @جملة من شعر ابن شماخ من ذلك ما أنشدنيه لنفسه من جملة أبيات اندرجت له في رسالة موشحة عارض بها بديع الزمان في طريقته، وضربها على قالب سبيكته، يقول فيها: أودت بنخوة أهل حمص بديعة ... ملأت قلوبهم علي حفائظا فتشت فيهم قارضاً يأتي بها ... فكأنما فتشت فيها القارظا

стр. 834

وله فيها: بعثت بها يعنو لها كل ناثر ... ويعيا بما مضنتها كل قارض جعلت حياتي أجر من قال مثلها ... فمن شاء عمراً طائلاً فليقارض وأنشدني أيضاً لنفسه: فويح جفوني كيف تطلق لحظها ... وروؤية هذا الخلق تتركها رمدا نوائب غالتني فأبدت فضائلي ... فكانت وكنت النار والعنبر الوردا وهذا من قول أبي تمام: لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ومنها يصف ناقة: تجد على أن الفيافي برينها ... فتعرفها عتقاً وتنكرها جهدا ومنها في المديح: فلولا علاه عشت دهري كله ... وكيس كلامي لا أحل له عقدا قال ابن بسام: واستعارته كيساً للكلام، من مضحكات الأنام، وقرأت في أخبار الصاحب ابن عباد قال: كنا نتعجب من قول أبي تمام:

стр. 835

" لا تسقني ماء الملام "، ونستبشع استعارته له ماء حتى عذبت عندنا ب - " حلو البنين " في قول أبي الطيب: وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل كيف لو سمع الصاحب استعارات أهل وقتنا، كقول المهدوي بن الطلاء: بقراط حسنك لا يرثي على عللي ... وقوله: أفاقت بك الأقطار من برص البلوى ... [وقول ابن الطراوة: أبا حسن فت الملوك مهابةً ... فكلهم فأس المهابة عالك] وقول حسان بن المصيصي: إذا كانت جفانك من لجين ... فلا شك الغنى فيها ثريد وقد قدح أهل النقد في المتنبي بخروجه في الاستعارة إلى حيز البعد بقوله: مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب

стр. 836

وفي قوله: ألا يشب فلقد شابت له كبد ... شيباً إذا خضبته سلوة نصلا وفي قوله: لم يحك نائلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرحضاء فجعل كما تسمع للطيب واليلب والبيض قلوباً، وللكبد شيباً وللسحاب حمى، [كما جعل أبو تمام الدهر يصرع في قوله: خطوب كأن الدهر منهن يصرع ... وجعله بشار يموق بقوله: وما أنا إلا كالزمان إذا صحا ... صحوت وإن ماق الزمان أموق وكذلك] أخذ على المتنبي في قوله: لويته دملجاً على عضد ... لدولة ركنها له والد لما كان الممدوح عضد الدولة أراد أن يصوغ له دملجاً فأخطأ الصوغ، لا سيما في بيت ختم به القصيدة، وهو آخر ما يقع في السمع؛ وأعجب من الصحاب ابن عباد حين لم يجد من استعارات أبي تمام شيئاً ينعاه إلا قوله " ماء الملام " وليس هذا بأعجب من قوله: " هو كوكب الإسلام أية ظلمة ".

стр. 837

ولأبي حفص ابن برد من أهل أفقنا شيء مضحك على رشاقته وهو قوله: يا شاعر الحسن بي ترفق ... لا تقتلني كذا بديها وإن كان أبو بكر بن عمر اتبعه، فلقد صفعه، أو اقتفى أثره، فلقد طوى خبره، بقوله. روى ليضرب وابتدهت لطعنة ... إن الطعنا بدائه الفرسان ومن شعر ابن شماخ ما أنشدنيه من قصيدة: بلى قد حلبت الدهر في كل وجهة ... فلم يبق خلف يستدر ولا شطر [فأصديت حتى ضنت السحب بالحيا ... ورويت حتى انهل بالسبل الصخر] وكان على الإنسان إنفاد جهده ... فإن يكد بعد الجهد كان له عذر على العضب أن يفري إذا جرد الصلا ... وليس عليه التاث أو ساعد النصر وقدر لي استيطان لك وقلما ... يكون لمن كانت له وطناً قدر مؤهلة من أهلها غير أنها ... من الكرم الموجود في غيرها قفر فإن كسدت أعلاق علمي لديهم ... فلا غرو أن يكسد لدى النعم الشذر جزم بحرف النصب وأراه وهم فيه. على أن أبا الحسن اللحياني حكى

стр. 838

في نوادره أن بني صباح من بني ضبة يجزمون بعوامل النصبن وأنشد لشاعرهم: وأغضي على أشياء منك لترضني ... وأدعى إلى ما سركم فأجيب وليس العمل به، ولا لمحدث أن يتعلق بسببه. وفي هذه القصيدة يقول: فيا لك إن لم تقض لي عنك رحلة ... فلا يقض إن يمتد فيك لي العمر قال ابن بسام: فكأنه والله أجيبت دعوته في هذا البيت، لأنه مات فيما أرى وقد نيف على الثلاثين. وقرأت في أخبار المتنبي في القصيدة التي ودع فيها عضد الدولة فجرت فيها ألفاظ على لسانه كأنه ينعى فيها نفسه ولم يقصد ذلك، منها: ولو أني أستطعت خفضت طرفي ... فلم أبصر به حتى أراكا ثم قال: إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمت لا صاحبت فاكا وقال في آخرها: وأياص شئت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا

стр. 839

فجعل قافية البيت " هلاكا " فهلك، وذلك أنه ارتحل عن شيراز حضرة عضد الدولة بعد أن وصل إليه من صلاته أكثر من مائتي ألف درهم، فخرج عليه في طريقه قوم من بني ضبة الذين كان هجاهم، فحاربهم فأجلت الوقعة عن قتله وقتل ابنه محسد ونفر من غلمانه، وفاز الأعرابي بماله، وذلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وأول من جرت على لسانه ألفاظ يتطير منها المؤمل بن أميل في قوله: شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر فعمى. ومن شعر ابن شماخ من جملة قصيدة وصف فيها ارتحاله عن وطنه، ومثواه باشبيلية على غير رضى، أولها: يا ليت شعري هل دامت لهم حال ... عهدتها في حفاظ العهد أم حالوا - يقول فيها: فإن تكن سائلا عمن تركت فقد ... شاب الشباب وقد شب الاطيفال صبرت والبعد أحوال وذاعجب ... ولم أكن صابراً والبعد أميال أرجو الإياب لفأل فيه أسمعه ... والدهر يفعل ما لا يخبر الفال

стр. 840

وفيها يقول: فهل لهم سائل عني فيخبرهم ... كما أنا عنهم مذ غبت سآل - إن كان يسأل عن ثوبي فلا درن ... أو كان يسأل عن حال فلا حال أضاع مجدي مال ضيعته يدي ... ما ضيع المجد إن لم يرعه مال وبز حالي ترحالي إلى بلد ... مذ جئته لم يكن لي عنه ترحال أقمت حولين فيه خاملاً خرساً ... كأنني وأنا السلسال صلصال بل لم أزل معرباً عما لدي فلم ... أجد به معرباً ينبيه تصهال أطال شغلي فراغي مذ حللت به ... إن الفراغ من الأشغال أشغال إن أبق في حمص تبق النار في حجر ... وإن أسر سار في الآفاق سلسال [وعر من العيش ما لي أرتقيه وفي ... بني أبي لنا بالمصر آمال] ! ضاءت بسؤددهم أرجاء قرطبة ... وعاد إدبار ذاك العصر إقبال @فصل في ذكر الفقيه أبي عمر أحمد بن عيسى الإلبيري من أفراد الزهاد - كان - في ذلك الأوان، ومع ما كان أدير عليه يومئذ من الأمور، وجعل إليه من التقديم والتأخير، فإني وجدته خالص

стр. 841

الأدب، [محصد السبب] ، ذهب بفصوصه وعيونه، وتلاعب بمنثوره وموزونه، وتصرف بين مذاله ومصونه؛ إلا أن أكثر ما ألفيت له من المقطوعات والأبيات، في الزهد والعظات، وقد كتبت منها ما هو من شرط هذا المجموع. أخبرني من لا أرد خبره عن الفقيه أبي المطرف الشعبي عن شيخه هذا الفقيه أبي عمر بن عيسى، قال: خاطبت الوزير أبا العباس بن العريف في أرض تعدى علي فيها برقعة منها: أما بعد، وفقك الله لما يرضيه منك عملاً، ويرضيك منه جزاءً؛ فإن للدنيا حرثاً والناس زارعون، وكل في معاده، يأكل من حصاده، وذو الجاه يسأل في الآخرة عن جاهه، كما يسأل ذو المال عن ماله. وقد أحوجت الأيام إلى جاهك، وأغنت القناعة عن مالك، فاتخذ عندي اليوم يداً، تجدها عند الله مضاعفة غداً، فالحظ حاجتي بعين يقظتك، ولا تلحظها بعين سنتك، فان لله لوحاً ضمنه المقادير كلها، يلحظه في كل يوم وليلة ثلاثمائة وستين لحظة، يحي بكل لحظة ويميت، ويعز ويذل، ويرفع ويضع، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد؛ واعلم أنك تلحظ بمثل ما به تلحظ.

стр. 842

وله من أخرى: خاطب بها بعض إخوانه سنة ست عشرة وأربعمائة: سمت بك سماء العلم إلى سموه، ودنت بك أرض السكينة إلى دنوه، ودار بك فلك المعرفة في ملكوته، وغابت بك نجوم الحكمة في جبروته، وهيأتك يد القدرة هيئة روحانية، وأحياك روح القدس حياةً إلهية، وألبستك الشريعة لباس التقوى، وراشتك الطبيعة بريش النهى، حتى تطير مع الروحانيين، في مجال الصديقين، إلى منازل المقربين، فتذوق برد عيش النعيم، وتلذ بالنظر إلى وجه القيوم، وتشتاق إلى لقاء الرب الرحيم. هيهات! كيف ينعم من لا يعلم أين النعيم، من ملك القديم -! إن لله يا أخي عباداً أقام أرواحهم بقيوميته على صراط مستقيم، فمشت بأقدام الصدق إلى الحق، فدنت منه، فنظرت إليه على جلاله، في اتساع كماله، فضعفت لكبر سلطانه؛ ثم أفاقت بالإسلام، ونطقت بالإيمان، وأبصرت بالإحسان، واتصلت بالقرآن، فأمرها فقامت بالخدمة، وعلمها ففازت بالحكمة، فانقطعت إليه بالكلية، ودانت له بالحنيفية، فآواها إلى كنفه، ونعمها بطرائف تحفه؛ فملكها أبداً لا يبيد، وعلمها به يزيد؛ حتى أطلع لها السر، وأكمل لها البر، فحييت بقربه، وشربت بكأس حبه، فرفضت الأسباب، وخرقت الحجاب؛ وبيض وجوهها البرهان، وأثلجها البيان، ﴿وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة﴾ (القيامة: ٢٢) فرحمانهم علامهم، وجبارهم رزاقهم، خلاؤهم ملاء، وملاؤهم خلاء، وسماؤهم أرض، وأرضهم سماء، روحانيون جسمانيون إنسيون ملكيون، أولئك الأصفياء الاتقياء، الأولياء النجباء، أتاهم العون، فساعدهم الكون.

стр. 843

@ومن شعره أنشد له الفقيه أبو المطرف الشعبي: يا خالقاً الزمان بقدرة ... في غير حين من أحايين الزمان يا محدثاً للكل كنت ولم تزل ... وكذاك ربي لا يزال بلا مكان أنت الذي جلت صفات جلاله ... وعلت جلالته من إدراك العيان وأنشد له: ملك تعالى فوق غايات العلا ... يقضي القضاء على نهايات الثرى من فوق فوق الفوق ينفذ حكمه ... في تحت تحت التحت تحت الإنتها قرباً وبعداً وهو أبعد من نأى ... من كل شيء وهو أقرب من دنا جلت صفات جلاله فجلاله ... قد جل عن تحديد كيف ومن وما وأنشد له أيضاً: شربت بكأس الحب من جوهر الحب ... رحيقاً بكف العقل في روضة الحب وخامر ماء الروح فاهتزت القوى ... قوى النفس شوقاً وارتياحاً إلى الرب ونادى حثيثاً بالأنين حنينها: ... إلهي إلهي من لعبدك بالقرب - فخاطبه وحياً إليه مليكه: ... سأكشف يا عبدي لعينك عن حجبي فأعلن بالتسبيح: مثلك لم أجد ... تعاليت عن كفؤ يكافيك أو صحب

стр. 844

أحول ببعضي فوق بعضي كأنني ... ببعضي لبعض كالنجائب والركب فخذ بزمام الشوق مني تعطفاً ... إليك ولا تسلم زمامي إلى لبي لعلي أسقى ثم أسقاه دائماً ... رحيقاً بكف العقل من جوهر الحب ويجانس هذا رقعة مرت بي في بعض التعاليق لرجل ناسك من أهل سرقسطة كتب بها مداعباً لصديق، كتب إليه: ليت شعري يا أخي ما الشراب الذي تشربه [وتستعمله] ، فتحمر عنه وجناتك، وتنشط إلى سعيك حركاتك؛ بياضك أبداً مشرب بحمرة، كأنك مدمن خمرة، وأنت في كل حال طروب لعوب، غير عبوس ولا قطوب، لا يظهر عليك هم، ولا يخامرك غم؛ فلو وصفت لي صفة غدائك وشرابك، رجوت التأهب بإهابك، والتخلق بأخلاقك وآدابك. فأجابه الزاهد: خذ كمأة الليل في جام من السهر ... واسكب عليه دموع العين بالسحر وامزجه بالحوف مزجاً ناعماً أبداً ... وقم على قدم الإيراد والصدر واجعل من الشوق مخواصاً لساكبه ... ليستوي لك منه الصفو بالكدر واشربه مصطبراً بالله وأرض بما ... يجري عليك من الأحكام في القدر واغسل بباقيه وجهاً لا حياء به ... ألقت عليه المعاصي حمأة الغير

стр. 845

لعل قلب أن تصبو معاطنه ... لتستمد مجاري السمع والبصر فيهتدي كل عضو نحو غايته ... فبين مزدجر عنه ومعتبر إن الوجوه قلوب إن نظرت إلى ... حقائق الحال أو حددت في النظر إذا امتلأت القلوب من ضروب دواعيها، أظهرت الوجوه بطلان دعاويها، ونم على الأوعية ما جعل فيها، ولذلك قال من قال: الحمد لله الذي ألبس أولياءه حللاً من ضمائرهم، وأنار وجوههم بنور إخلاص سرائرهم، وكللهم بالمهابة في العيون، وطهر قلوبهم من اختلاج سوء الظنون، فنفوسهم مستريحة رائحة، ومحاسنهم لأهل العقول لائحة، وثناؤهم عطر الانتسام، فهم بين الأنام كالأعلام، بهم يستمطر الغمام إذا حجب، وفي جملتهم يحشر السعيد إذا نجب، فمن جاراهم نكب، ومن حاربهم غلب، ومن أقلع إليهم بخلاف ريحهم عطب. ومنها: يا بؤس مقام الظالمين، وندامة العاصين، إذا رأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب، ويقولون هل إلى مرد من سبيل، ولات حين سبيل ﴿وأنى لهم التناوش من مكان بعيد﴾ (سبأ: ٥٢) ، ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ (الأنعام: ٢٨) ، كيف يتعلق المنقطع بحبل الاتصال، أو يجد قلبه برد ماء الوصال، وقد خالف أمر الكبير
следующие страницы →