Полный текст (3 281 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الأدب، [محصد السبب] ، ذهب بفصوصه وعيونه، وتلاعب بمنثوره وموزونه، وتصرف بين مذاله ومصونه؛ إلا أن أكثر ما ألفيت له من المقطوعات والأبيات، في الزهد والعظات، وقد كتبت منها ما هو من شرط هذا المجموع.
أخبرني من لا أرد خبره عن الفقيه أبي المطرف الشعبي عن شيخه هذا الفقيه أبي عمر بن عيسى، قال: خاطبت الوزير أبا العباس بن العريف في أرض تعدى علي فيها برقعة منها:
أما بعد، وفقك الله لما يرضيه منك عملاً، ويرضيك منه جزاءً؛ فإن للدنيا حرثاً والناس زارعون، وكل في معاده، يأكل من حصاده، وذو الجاه يسأل في الآخرة عن جاهه، كما يسأل ذو المال عن ماله. وقد أحوجت الأيام إلى جاهك، وأغنت القناعة عن مالك، فاتخذ عندي اليوم يداً، تجدها عند الله مضاعفة غداً، فالحظ حاجتي بعين يقظتك، ولا تلحظها بعين سنتك، فان لله لوحاً ضمنه المقادير كلها، يلحظه في كل يوم وليلة ثلاثمائة وستين لحظة، يحي بكل لحظة ويميت، ويعز ويذل، ويرفع ويضع، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد؛ واعلم أنك تلحظ بمثل ما به تلحظ.
стр. 842
وله من أخرى: خاطب بها بعض إخوانه سنة ست عشرة وأربعمائة: سمت بك سماء العلم إلى سموه، ودنت بك أرض السكينة إلى دنوه، ودار بك فلك المعرفة في ملكوته، وغابت بك نجوم الحكمة في جبروته، وهيأتك يد القدرة هيئة روحانية، وأحياك روح القدس حياةً إلهية، وألبستك الشريعة لباس التقوى، وراشتك الطبيعة بريش النهى، حتى تطير مع الروحانيين، في مجال الصديقين، إلى منازل المقربين، فتذوق برد عيش النعيم، وتلذ بالنظر إلى وجه القيوم، وتشتاق إلى لقاء الرب الرحيم. هيهات! كيف ينعم من لا يعلم أين النعيم، من ملك القديم -! إن لله يا أخي عباداً أقام أرواحهم بقيوميته على صراط مستقيم، فمشت بأقدام الصدق إلى الحق، فدنت منه، فنظرت إليه على جلاله، في اتساع كماله، فضعفت لكبر سلطانه؛ ثم أفاقت بالإسلام، ونطقت بالإيمان، وأبصرت بالإحسان، واتصلت بالقرآن، فأمرها فقامت بالخدمة، وعلمها ففازت بالحكمة، فانقطعت إليه بالكلية، ودانت له بالحنيفية، فآواها إلى كنفه، ونعمها بطرائف تحفه؛ فملكها أبداً لا يبيد، وعلمها به يزيد؛ حتى أطلع لها السر، وأكمل لها البر، فحييت بقربه، وشربت بكأس حبه، فرفضت الأسباب، وخرقت الحجاب؛ وبيض وجوهها البرهان، وأثلجها البيان، ﴿وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة﴾ (القيامة: ٢٢) فرحمانهم علامهم، وجبارهم رزاقهم، خلاؤهم ملاء، وملاؤهم خلاء، وسماؤهم أرض، وأرضهم سماء، روحانيون جسمانيون إنسيون ملكيون، أولئك الأصفياء الاتقياء، الأولياء النجباء، أتاهم العون، فساعدهم الكون.
стр. 843
@ومن شعره
أنشد له الفقيه أبو المطرف الشعبي:
يا خالقاً الزمان بقدرة ... في غير حين من أحايين الزمان
يا محدثاً للكل كنت ولم تزل ... وكذاك ربي لا يزال بلا مكان
أنت الذي جلت صفات جلاله ... وعلت جلالته من إدراك العيان وأنشد له:
ملك تعالى فوق غايات العلا ... يقضي القضاء على نهايات الثرى
من فوق فوق الفوق ينفذ حكمه ... في تحت تحت التحت تحت الإنتها
قرباً وبعداً وهو أبعد من نأى ... من كل شيء وهو أقرب من دنا
جلت صفات جلاله فجلاله ... قد جل عن تحديد كيف ومن وما وأنشد له أيضاً:
شربت بكأس الحب من جوهر الحب ... رحيقاً بكف العقل في روضة الحب
وخامر ماء الروح فاهتزت القوى ... قوى النفس شوقاً وارتياحاً إلى الرب
ونادى حثيثاً بالأنين حنينها: ... إلهي إلهي من لعبدك بالقرب -
فخاطبه وحياً إليه مليكه: ... سأكشف يا عبدي لعينك عن حجبي
فأعلن بالتسبيح: مثلك لم أجد ... تعاليت عن كفؤ يكافيك أو صحب
стр. 844
أحول ببعضي فوق بعضي كأنني ... ببعضي لبعض كالنجائب والركب
فخذ بزمام الشوق مني تعطفاً ... إليك ولا تسلم زمامي إلى لبي
لعلي أسقى ثم أسقاه دائماً ... رحيقاً بكف العقل من جوهر الحب ويجانس هذا رقعة مرت بي في بعض التعاليق لرجل ناسك من أهل سرقسطة كتب بها مداعباً لصديق، كتب إليه: ليت شعري يا أخي ما الشراب الذي تشربه [وتستعمله] ، فتحمر عنه وجناتك، وتنشط إلى سعيك حركاتك؛ بياضك أبداً مشرب بحمرة، كأنك مدمن خمرة، وأنت في كل حال طروب لعوب، غير عبوس ولا قطوب، لا يظهر عليك هم، ولا يخامرك غم؛ فلو وصفت لي صفة غدائك وشرابك، رجوت التأهب بإهابك، والتخلق بأخلاقك وآدابك.
فأجابه الزاهد:
خذ كمأة الليل في جام من السهر ... واسكب عليه دموع العين بالسحر
وامزجه بالحوف مزجاً ناعماً أبداً ... وقم على قدم الإيراد والصدر
واجعل من الشوق مخواصاً لساكبه ... ليستوي لك منه الصفو بالكدر
واشربه مصطبراً بالله وأرض بما ... يجري عليك من الأحكام في القدر
واغسل بباقيه وجهاً لا حياء به ... ألقت عليه المعاصي حمأة الغير
стр. 845
لعل قلب أن تصبو معاطنه ... لتستمد مجاري السمع والبصر
فيهتدي كل عضو نحو غايته ... فبين مزدجر عنه ومعتبر
إن الوجوه قلوب إن نظرت إلى ... حقائق الحال أو حددت في النظر إذا امتلأت القلوب من ضروب دواعيها، أظهرت الوجوه بطلان دعاويها، ونم على الأوعية ما جعل فيها، ولذلك قال من قال: الحمد لله الذي ألبس أولياءه حللاً من ضمائرهم، وأنار وجوههم بنور إخلاص سرائرهم، وكللهم بالمهابة في العيون، وطهر قلوبهم من اختلاج سوء الظنون، فنفوسهم مستريحة رائحة، ومحاسنهم لأهل العقول لائحة، وثناؤهم عطر الانتسام، فهم بين الأنام كالأعلام، بهم يستمطر الغمام إذا حجب، وفي جملتهم يحشر السعيد إذا نجب، فمن جاراهم نكب، ومن حاربهم غلب، ومن أقلع إليهم بخلاف ريحهم عطب.
ومنها: يا بؤس مقام الظالمين، وندامة العاصين، إذا رأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب، ويقولون هل إلى مرد من سبيل، ولات حين سبيل ﴿وأنى لهم التناوش من مكان بعيد﴾ (سبأ: ٥٢) ، ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ (الأنعام: ٢٨) ، كيف يتعلق المنقطع بحبل الاتصال، أو يجد قلبه برد ماء الوصال، وقد خالف أمر الكبير
стр. 846
المتعال - ألا ومن خالف خولف به، ومن عدل عن سلوك سبيل الرشاد نكص على عقبه، ومن أبصر واجتهد أدرك غاية مطلوبه، واتصل بمحبوبه، ووصل إلى رياض مرغوبه، وصل والله إلى مقام أمين، في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين:
كم بين من عبر الصراط خفيفا ... وأتى الإله من الذنوب نحيفا
وطوى المراحل بالطوى عن كل ما ... كره الإله وجانب التعنيفا
حتى أناخ ببابه وقبابه ... ضيقاً عزيزاص عنده معروفاً
فأتى القرى بحبائه وجزائه ... حتى ينال من النعيم صنوفا @فصل في ذكر الأديب العالم الناثر الناظم أبي محمد غانم، والأخذ
@بطرف مستظرف من خبره وحميد أثره
قال ابن بسام: وكان أبو محمد غانم بن وليد، ونسبه في بني مخزوم، قد بذ وقته أهل ذلك الإقليم، في أنواع التعاليم؛ فرد عصره ونسيج وحده، في تناهي جده؛ متفنناً جرى في ميدان السبق، وفقيهاً قرطس
стр. 847
أغراض الحق؛ وكان في هذا الباب الذي ولجنا فيه من أهل الروية والبديه؛ حدث عنه الفقيه أبو عبد الله بن عميثل وكان من خاصته الملازمين له، والآخذين عنه، أن أبا محمد أنشد هذين البيتين:
وإذا الديار تنكرت عن حالها ... فذر الديار وأسرع التحويلا
ليس المقام عليك حتماً واجباً ... في بلدة تدع العزيز ذليلا وسئل الزيادة عليهما فقال:
لا يرتضي حر بمنزل ذلة ... إن لم يجد في الخافقين مقيلا
فارض العلاء لحر نفسك لا تكن ... ترضى المذلة ما حييت سبيلا
واخصص بودك من خبرت وفاءه ... لا تتخذ إلا الوفي خليلا
فلقد خبرت الناس منذ عرفتهم ... فوجدت جنس الأوفياء قليلا
سقياً لأيام الشباب فإنها ... كالإلف حاول أن يجد رحيلا @جملة من نثره
من ذلك خاطب بها بعض إخوانه بغرناطة، قال فيها:
يا سيدي سمواً، وسندي علواً، كل جواد من بني جودي سابق
стр. 848
وكل سيد من بني سوادة سامق، ولولا أن أجاهر بسر الإطراء، وأناظر في باب الإغراء، لقلت إنك حابس لوائهم، وفارس وفائهم، وحارس ثنائهم؛ ورحم الله من كان لك سمياً، فلقد كان سرياً، وفي الفضلاء سنياً، وأرجز أن يكون عند ربه مرضياً.
وردني - أعزك الله - كتاب ألذ من مراشف الأحباب، وخطاب أرق من معاني أبي الخطاب، عمر بن أبي ربيعة، فله على علمك معان بديعة، جلوت منها زهر المعاني في رياض الشعر، وعروس الأماني في نثار النثر، وتبسك لي عصر الربيع قبل أوانه، فتقسم ناظري بين شقائقه وحوذانه، وورده وسوسانه، إلى لطائف من أبكار درر، وأنواع غرر، بعضها من بنات الفكر، وبعضها من بنات الذكر، وغير نكير أن يصير روض النهى، في حلي روض الربى، ودر الأفكار كدر التجار. ولما رتع ناظري في تلك المراتع، وربع خاطري في تلك المرابع، هزتني راح الأريحية، وازدهتني خفة الأمنية، فلو كنت ممن يشرب الراح، لطرت بلا جناح؛ تذكرت بخطابك ونظامك تلك الشمائل، بمالقة، وروح تلك البكر والأصائل، وإن لم يكن إلا في ليال قلائل.
وفي فصل منها: ومما أغفلته بقلة اليقظة، وسألت الله ألأ تكتبه علي الحفظة، تهنئتك بالفارس المولود، والفرع المودود، والنجم السعيد، الذي تطلع في أفق سمائك، وتلفع بلفاع ضيائك، مليته ولداً براً، ووفياً حراً.
تقسمت خطرات القلب ريحان ... هذي ارتياحي وفي هاتيك ريحاني
стр. 849
إني على السن والدنيا مولية ... لذو فؤاد إلى الإخوان حنان
أرتاح نحو نسيم ساق عرفهم ... كأنما يعتلي بالجسم روحاني
أمن لبيرة تسري الريح حاملة ... روح النسيم فأحياني وحياني -
مقر ملك الرئيس المستجار به ... باديس فاز بتمكين وإمكان
يا لائح البرق من أعلامها غسقاً ... جد بالتحية من حيا فأحياني
طود من العلم والآداب راسية ... أصوله وذراه فوق كيوان
حر الفضائل معسول شمائله ... يخص من زنة العليا برجحان
أحيا أبو الحسن المشهور منصبه ... محاسن الدهر من حسن وإحسان
قد كان عتبي موصلاً على زمني ... حتى طلعت به بدراً فأرضاني وله من أخرى خاطب بها أبا الحسن الحصري: ما أفصح لسانك، وأفسح ميدانك، وأوضح بيانك، وأرجح ميزانك، وأنور صباحك، وأزهر مصباحك، أيها السابق المتمهل في ميدان النبل، والسامق المتطول بفضائل الذكاء والفضل، أرحتني من غل الهم، فازدهتني أريحية، وأزحتني عن ظل الغن، فلاحت لي شمس الأمنية، بما أطلعته علي، وأنفذته مكارمك إلي. فقلت: أعصر الشباب رجع، أم كوكب السعد طلع، أم بارق الإقبال لمع - كلا والله، إنها لمكرمة فهرية، أهدتها نفس سنية، وهمة علية. إن قلت الوشي الصنعاني فقد نقصتها
стр. 850
أو الديباج الخسرواني فقد بخستها. بلى والله. أرتني زهر الربيع في غير أوانه. وحسن الصنيع على عدمه في أهل زمانه، لمحت منه عقد اللآل، يبقي على أخرى الليال. فأنت واحد البلاغة الذي لا يجارى، وفارس الفصاحة الذي لا يبارى. وقد اعتقدت ما به أشرت. وإياه اعتمدت، لو لاح لي في أفق النقلة صباح. أو استقل بي في طرق الرحلة جناح. وكم حاولت مسالمة النوائب بانقباضي. ومداراة الدنيا بتركي لأغراضها وإعراضي. فإذا الانقباض قد حصلني في جملة القبض. والترك للأغراض قد جعلني للنوب كالغرض. ولا سلاح إلا الدعاء إلى الله تعالى في الصلاح، ولا جناح إلا التمني لمن يقول ما عليك جناح. فسبحان من قدر أن أكون لناب النوب حربا. وتكون علي أيام الزمان إلبا. أصلى بنار المصائب السود. كأني مما أنا باك منه محسود. أستغفر الله! فقد حمي صدري حتى غلى مرجله. وضاق مجال فكري حتى اتسع في الشكوى مقوله. ولو أني سلمت لمواقع. وعلمت أنه ليس على القدر اختيار. ورضيت بما يأتي به الليل والنهار. وتيقنت أن خلق الزمان عداوة الأحرار. لأرحت قلبا ينقلب في جمر الأسى. وأذكرت لبا قد نسي الاقتداء بالأسى.
стр. 851
@ومن شعره
أنشد له الفقيه [الزاهد] المذكور في الزهد:
صرف بقايا العمر في طاعة ... ولا يغرنك كيد الغرور
وارحل إلى الأخرى بزاد التقى ... فإنما الدنيا متاع الغرور قال: وخرجنا معه إلى ربوة تعرف بالعقاب مشرفة على وادي مالقة، فقال بديهة:
ضحك الزمان بحسنه وبهائه ... كالصب يضحك بعد طول بكائه
وكأن إقبال الربيع بوصله ... وصل الحبيب أتاك بعد جفائه
وكأنما وادي العقاب عشية ... مستمطر دمعي بجرية مائه
وكأن رشح الطل في روض الربى ... رشح الخدود بدا بنار حيائه قال: وهبطنا إلى الوادي فلم نجد ماءا. فحفرنا في الرمل حتى خرج الماء من قاعه، فقال:
أيها الحسي الذي جا ... د بماء دون منع
إن تخف غيضا من ال ... قيظ فهذا فيض دمعي قال: وطبخنا له مرة شراب تفاح فوجد فيه رائحة ثوم، فقال:
دهيت يا قوم بأعجوبة ... لم تك في الزنج ولا الروم
شراب تفاح تخيرته ... فعاد مطبوخا من الثوم
стр. 852
وأنشد له:
يا غريبا بحسنه ... قصتي فيك أغرب
أنت في طي ناظري ... والمنى منك تحجب
لا تلم في مداده ... بدم القلب يكتب
إن إدريس ماجد ... للعلا فيه مذهب
جده خاتم الهدى ... وعلي له أب
فهو للمجد مطلع ... وهو للمجد مغرب وقال له عتيق المغني [المهدوي] وهو بالقصر: إني أحفظ بيتا فلعلك تذيله، وأدخله في طريقته، والبيت:
يا نائب الوجه عن شمس الضحى غسقا ... والبدر لو كلفوه ذاك لم ينب فقال بديهة:
في غرة الملك العالي ومنظره ... بدر يعطل نور السبعة الشهب
نرى محياه في ليل فيخبرنا ... عن الحقيقة أن الشمس لم تغب ودخل مجلس باديس فوسع له على ضيق كان فيه، فقال:
صير فؤادك للمحبوب منزلة ... سم الخياط مجال للحبيبين
ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلما تسع الدنيا بغيضين
стр. 853
قال ابن بسام: وهذا من قول الخليل بن أحمد، وقد دخل عليه بعض أوانه وهو على نمرقة صغيرة، فرحب به وأجلسه معه في مكانه، فقال: إنها لاتحملنا، فقال له الخليل: ما تضايق سم الخياط لمحبين، ولا اتسعت الدنيا بمتباغضين. وسمع هذا أيضا ابن عبد ربه فقال هذين البيتين:
صل من هويت وإن أبدى معاتبة ... فأطيب العيش وصل بين خلين
واقطع حبائل خلٍ لا تلائمه ... فربما ضاقت الدنيا بإثنين - @ومن مدائحه
له من قصيد في العالي بالله إدريس بن يحيى بن بن علي بن حمود أولها:
لولا التحرج لم يحجب محياك ... حييت عنا وحيينا بمحياك
هذا اللثام غمام ما يبين هدى ... حطي اللثام ليس البدر إلاك
لما هديت إلى نعمان سافرة ... كانت هدايتنا من بعض نعماك
أيا غزالتنا شمس الضحى طلعت ... على اتفاق فسيماها كسيماك
بدوت في حلة زرقاء وهي هكذا ... فقال قاضي الهوى: هذي ولا ذاك
أظمأتني منك يا ظمياء جائرة ... ما كان ضرك لو أحضى بسقياك
إني أراك بقتل النفس حاذقة ... قولي بفضلك من بالقتل أوصاك
مالي وللبرق أستسقيه من ظمأ ... هيهات لا ري لي إلا ثناياك
إن كان واديك ممنوعا فموعدنا ... وادي الكرى ثم تلقاني وألقاك
стр. 854
رق الدجى فتلاقينا على جزع ... وأين مثواي من أقطار مثواك
دمعي ببغداد ممدود بدجلتها ... وأنت من روض نجد نشر رياك
ريح الصبا بلغي أنفاس ذي ظمأ ... وبرديها بما يقضيه مجراك
أو يممي حضرة العالي بما احتملت ... مني الضلوع فثم البرء للشاكي وله نثر فيه طويل إذ ولي الخلافة، قال فيه بعد الصدر: ولم يترك المتطول علينا عز وجهه بالهدى أمة محمد ﵇ سدى؛ بل نضم شملها بإمام عادل تجتمع إليه، وتعول عليه، تتوارثه كابرا عن كابر، وتتلقاه غابرا عن غابر؛ إلى أن أذن الله للإمام الهاشمي، والملك الفاطمي، والفرع العلوي، إدريس العالي بالله بن يحيى المعتلي بالله ابن علي الناصر لدين الله بن حمود بن أبي العيش بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب؛ فقام العالي بالله بخلافة المغربين، واضطلع بملك العدوتين؛ ولما آن أوان إمامته، حان من عدوه حين قيامته. وكان مقتل العبد الغادر - وكافر النعمة كالكافر - في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين، وفي عشرين ليلة خلت من كانون. فانجلت سموم الشتاء بانجلائه، وانقضت أيام الشؤم
стр. 855
بانقضائه، وكان عقب الشهر في استقبال شهر رجب الشهر الأصم، سمي بذلك لأن العرب أسقطت فيه قعقعة السلاح؛ وكأن المثل إنما جرى في مضمار، على مفرق الليل والنهار، وأرى الناس مخايل السعد والإيناس، وهو قولهم: عش رجبا تر عجبا؛ وكان هذا العجب آخر يوم من الليالي، وقامت فيه دولة هذا الملك العالي، والشمس تأخذ من قعر الفلك في الصعود، وتؤذن بجري الماء في العود؛ وتترقى بالعالم في درج السعود:
واستقبل الملك إمام الهدى ... في أربع بعد ثلاثينا
خلافة العالي سمت نحوه ... وهو ابن خمس بعد عشرينا
إني لأرجو يا إمام الهدى ... أن تملك الملك ثمانينا
لا رحم الله امرءاً لم يقل ... عند دعائي لك آمينا فسفرت الدنيا قناعها فتية، وبلغت النفوس بخلافته الأمنية، وانثالت عليه بيعات الأمصار، وأمت حضرته الرسل من جميع الأقطار، وبدأ بالفضل، وصدع بالعدل، فأحيا مآثر آبائه الطاهرين، وفي وصف دولته يقول من اتسم بسيماء نعمته، ومحبة دعوته:
ضحك الزمان إليك بعد عبوس ... ونفى دجى الإيحاش بالتأنيس
فأدر نجوم الراح في فلك المنى ... وتطوف نحوك من أكف شموس
في روضة تحيي النفوس كأنما ... باتت تنفس عن علا إدريس
ملك أقام الله دولة ملكه ... فكبا من الأعداء كل رئيس
من دوحة الوحي التي بسموها ... درست معاني الكفر أي دروس
стр. 856
قال: ودخلت يوما على العالي، ووصلت إلى مجلسه العالي، وأنا على بعد منه، وانتزاح عنه، ألحظه بمقلة حائم، وأناجيه بقلب هائم؛ فأنشدته بيتي إسحاق الموصلي في المأمون:
يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود
لحائم حام لا ورود له ... محلأ عن طريق الماء مردود فقرب وأدنى، وسأل عن حالي فأحفى؛ فتغنى بعد هدء محمد بن الحمامي المغني بشعر لعبد الله بن المعتز:
هل يزيل البين محتال ... أن غدت للبين أجمال فأمر العالي بتذييله فقلت:
إنما العالي إمام هدى ... حليت في عصره الحال
ملك إقبال دولته ... لذوي الإفهام إقبال
قل لمن أكدت مطالبه ... راحتاه الجاه والمال
стр. 857
ولم أكد استتم إنشاد هذه الأبيات، حتى أنعم علي بالصلات. ولما انفصلت وقد تسربلت أثواب نعمته. قصدت إلى وزيره وثقته أبي عمر بن هاشم فأعلمته، وأثنيت وشكرت، ولو استطعت جعلت الريح لسانا، والزمان ترجمانا.
قال: وحضرت مجلسه أيضا فتغنى الحمامي بشعر محدث أوله:
إذا بلغتني يا نا ... قتي المسمي إدريسا فكأن العالي بالله استحسن الحلة ولم يرض قوله " المسمي "؛ وإنما هو المسمى أو المسمى من سميت أو أسميت، ولا يقال من التسمية سموت ولا سميت، ولو قال " المسمى بإدريسا " لصالح الوزن والكلام؛ فأطرق قليلا - أيده الله - ثم قال للمغني أعد الصوت، قل:
إذا ضاقت بك الدنيا ... فعرج نحو إدريسا
إذا لاقيته تلقى ... رئيسا غير مرؤوسا
ومن عزماته تنفي ... عن الأوطان إبليسا
إمام ماجد ملك ... يزيل الغم والبؤسا فتبادر من بالحضرة إلى حفظها؛ ثم قال لي: أيجوز من طريق النحو " رئيسا غير مرؤوس " - فقلت: للنحويين في هذا مذهبان، وهما في جوازه وامتناعه فرقتان، فأهل البصرة أنكروه، والأخفش والكوفيون
стр. 858
جوازه وامتناعه فرقتان، فأهل البصرة أنكروه، والأخفش والكوفيون أجازوه، وأنشد من أجاز ترك صرف المصروف قول عباس بن مرداس:
فما كان قسيس ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع وأنشدوا:
وقائلة ما بال دوسر بعدنا ... صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند ومثله:
وممن ولدوا عا ... مر ذو الطول وذو العرض فلم يصرفوا مرداسا ولا دوسرا ولا عامرا وهي منصرفة. وللبصريين في هذه الأبيات تبديل، ومذاهب وتأويل؛ رووا مكان دوسر " ما للقريعي بعدنا " وتأولوا في عامر القبيلة. والذي يعول عليه أن منع الصرف دن علة ضرورة عند سيبويه، وإن كان في اختلافهم مجال، لمن تصرف في سبيل المقال.
ثم أمر بعد أن يبدل مكان " غير " في البيت " ليس مرؤساً "، وقال: السلامة من الاختلاف، أولى في طريق الإنصاف.
стр. 859
@ومن مراثيه
أنشد له الفقيه ابن عميثل المذكور يرثي أخويه من جملة قصيدة:
يا دمع لا تخذل وكن مسعداً ... لا تخش من صبري أن يمنعك
أخ غريق وأخ في الثرى ... وترتجي السلوة ما أطمعك!
إن جمود العين خوف العدا ... ورقبة الحساد لن ينفعك
إن جمود العين خوف العدا ... ورقبة الحساد لن ينفعك
يا عمراً أعمرت قلبي أسى ... ودع صبري مثلما ودعك
رزئت في الدنيا يدي نصرتي ... يا دهر تباً لك ما أفجعك وله فيهما:
ما طمعي في العيش من بعدما ... كدره موت شقيقيا
كفان صافحت المنى عنهما ... فكفت الأيام كفيا
هذا فقير طاح في قفرة ... ودا غريق ما أرى حيا وله من قصيدة يرثي الفقيه القاضي أبا علي بن حسون أولها:
الموت أعرب في أصح مساق ... أن المنية شمرت عن ساق
стр. 860
[الموت يخبر عن مرارة كأسه ... والكأس ملأى لم يدرها ساق]
هلا تواصينا بصورة حالنا ... والنفس ترقى في لهى وتراق -
يا آمل الدنيا لباقي عمره ... أقصر فما أمل عليها بطلاق
معشوقة الحركات إلا أنها ... أفعى تدب لأعشق العشاق
كم أودت الدنيا بغض شبيبة ... كالغصن ماس بناضر الأوراق
وموقر لبس المشيب جلالة ... بحر لباغي العلم عذب مذاق
طرقته أحداث المنون فأطرقت ... منه الفضائل أيما إطراق
لو كان يبقي الموت حبراً عالماً ... لوقى الحمام أبا علي واق
ما أنصفت عقباك يا طلق الردى ... أرديت عالمنا على الإطلاق
ولى حسين والمحامد بعده ... كيلا تقاسي جاحم الأشواق
أسفي لرية كنت عقد جمالها ... فابتز ذاك العقد دون وفاق
تزدان منك بحسن ما قد طوقت ... زين الحمام الورق بالأطواق
علم أعين بفضل حلم راجح ... أخذ الأمان له من الإخلاق
وصباحة وسماحة قسمت له ... رزقاً تبارك قاسم الأرزاق
ومن الغريب غروب شمس في الثرى ... وضياؤها باق على الآفاق
أبقيت في الدنيا مآثر ثرة ... تبلى حلى الأيام وهي بواق
قد كان مجلسك المبارك موسماً ... فأقام أوحش من غداة فراق
стр. 861
غيبت عنه مغيب بدر كامل ... والليل أدهم ضارب برواق
ومن العجائب والكسوف مرتب ... قمر توارى في زمان محاق
من ذا أعزي من هذا الورى ... لم يلقني إلا بحزنك لاق
والناس محزونون فيك كأنما ... كان اتفاقهم على إصفاق وله في بلقين بن باديس، من قصيدة أولها:
هو العمر يطوى والأماني رواحل ... هو العيش يفنى والليالي مراحل
إذا كانت الآمال تدعى قواتلا ... على الحكم فالآجل منا مقاتل
نغالب أجناد الردى الدهر بالمنى ... كما غالب الحق المصرح باطل
وأحوالنا بين الحياة وصدها ... تصرف والأقدار فيها العوامل
على ذا تقضى عالم بعد عالم ... ولم تختلف فيه القرون الأوائل ومنها:
مضى ملك العليا ولم يظلم الضحى ... ولا انتقلت عن حالهن المنازل
ولا انهدت الشم الرواسي ولا انثنت ... أعالي ديار الأرض وهي أسافل
فقل لعتاق الخيل تندب يومه ... فقد فجعت فيه القنا والقنابل
وليس صهيل الخيل ما تسمعونه ... ولكن عويل رجعته الصواهل
[ولا تعجبوا من واكف القطر إنه ... دموع هراقتها السحاب الهواطل]
стр. 862
فقل للسان المجد أخرست مفحماً ... لفقد بلقين، فما أنت قائل -
فيا طالباً للجود لا تتعب المنى ... فقد نصبت في الأرض تلك الأنامل
كأن جميل الصبر راء ومن غدا ... يحاول وصلاً من تأتيه واصل ومنها:
وقد كنت أغدو نحو قصرك مادحاً ... فها أنا أشدو وحول قبرك ثاكل
وقد كنت في مدحيك سحبان وائل ... فها أنا من فرط التأسف باقل وفيها يقول:
أفق أيها المولى الرئيس فإنما ... بقاؤك عمر للندى متطاول
وإن كان سيف الدولة انجاب ظله ... فأنت لهذا المد كاف وكافل
وإن كان شمساً قد تولى ضياؤها ... فيوشع في تمكين نورك حاصل
وإن كان بدراً أنت عنصر نوره ... فأين من الشمس البدور الأوافل -
إذا ثبت الماء المعين بحاله ... فليس نكيراً أن تفيض الجداول
وفي الخيس أشبال ترشح للعدا ... وآراؤك الحسنى مواض فواصل وأنشد له من أشعاره في صباه:
هون عليك فقد مضى من يعقل ... والبس من الأخلاق ما هو أفضل
فلقلما تأتي عليك مسرة ... إلا تتابع بعدها ما يثكل
стр. 863
وإذا خبرت الناس لم تلف امرءاً ... ذا حالة ترضيك لا يتحول
ما بالهم - بكبت بهم آمالهم - ... كل يعيب ولا يرى ما يفعل
فمساتر ضعفت قوى آرائه ... ومجاهر يرمي ولا يتأمل
ومقلد متعاقل متأدب ... وإذا اختبرت فباقل هو أعقل
ومن الغرائب من يقارع في النهى ... أهل البصائر وهو فيهم أعزل ومنها:
حاولت أن ألقى الزمان بطبعه ... لولا الوفاء وشيمة لا تنقل
في الأرض متسع لنفس حرة ... إن تنب منزلة دعاها منزل وأنشد له:
بعينك هل لي منهما متخلص ... فإن كنت تدريه فكيف يكون -
وإن زماناً ضن عني بوصلكم ... على طول ما قاسيته لضنين وأنشد له:
أمط عنك لومي فالطباع ضروب ... ومن سالم الأيام فهو لبيب
إذا ما تجنى المرء من غير علة ... فليس لداء الود منه طبيب
وإن كان ما قد حال منه لعلة ... فكل مداو بالعتاب مصيب
يقولون لي غمض على غدر من مضى ... ولا تعتبن إن الوفاء غريب
فقلت لهم إني غريب كمثله ... وكل غريب للغريب نسيب @فصل في ذكر الأديب أبي عبد الله بن السراج المالقي
محسن في أهل عصره معدود، وشاعر بني حمود، وله فيهم
стр. 864
غير ما قصيد، ومقطوعات في النسيب وجدتها بخط الأديب أبي علي الحسن ابن الغليظ من أفق مالقة أيضاً، صاحبه الكثير الاتصال به والمنادمة له، وقد اخترت منها ما يليق بشرط هذا المجموع.
قال أبو علي: أردت يوماً الأنس به، فعلمت اتصال شربه، فانفردت مع صديق وكتبت إلى ابن السراج:
يا خليلاً صفا وكدر يومي ... هل إلى الطيب في غدٍ من سبيل -
لو تراني أسارق اللحظ خلي ... وأسقى من ريقه المعول
لتمنيت أن ترى " حسن الور ... د " تغنيك بالغناء الثقيل
يا خليلاً مثاله نصب عيني ... لو خلونا إذن شفيت غليلي فألفاه رسولي سكران فكتب إليّ:
يا صديقي شغلت عنك بخطبٍ ... لم يكن لي بتركه من سبيل
وغداً نلتقي عليها سلافاً ... مزةً في حرارة الزنجبيل
أثقلتني هوىً بقد خفيفٍ ... حسن الورد فوق ردفٍ ثقيل
سلبت صبري الجميل وقلبي ... بجفونٍ نجل ووجه جميل
كحلت بالسهاد والدمع طرفي ... يوم أبصرتها بطرف كحيل
هي سؤلي من الملاح كما أن - ... ك من سادة الأخلاء سولي
لا عدتني زيارة منك تذكي ... نور عيني سناً وتشفي غليلي
стр. 865
وكنت معه يوماً على جرية ماءٍ في موضعٍ حسنٍ يحار فيه الطرف، ويقصر عنه الوصف، وأقمنا هنالك أياماً في أطيب عيش وأظرف منظر، وكنت أهيجه للقول فقلت:
شربنا على ماءٍ كأن خريره ... خرير دموعي عند رؤية أزهر
حلفت بعينيها لقد سفكت دمي ... بأطراف فتان وألحاظ جؤذر وقلت:
شربنا على ماءٍ كأن خريره ... فقال مبادراً:
بكاء محب بان عنه حبيب ...
فمن كان مشغوةفاً كئيباً بإلفه ... فإني مشغوف به وكئيب وأزهر التي بذكر جارية كانت لبعض إخواننا، وله بها كلف، وفيها يقول:
خليلي في ريح الصبا لو تنسمت ... علسينا شفاء من هوىً متسعر
رسول التي في صوتها سوط لحظها ... على هائمٍ مثلي بها غير مقصر
تذكرت بالوادي زماناً لقيتها ... به فيه والمشتاق حلف تذكر
فلو صب في كأسي أذىً لشربته ... على شرط أن أسقاه من كف أزهر وورد عليه يوماً رسول حسن الورد ومعه قفص فيه طائر يغرد
стр. 866
فاقرأه سلامها، ودفع إليه القفص هدية منها إليه، وأخبرني بذلك، واجتمعنا إثر هذا وهجته لذكرها، وبين يدينا كثير نضير معلق من أغصانه، فقال:
ذكرت بالورد حسن الورد شقته ... حسناً وطيباً وعهداً غير مضمون
هيفاء لو بعت أيامي لرؤيتها ... بساعة لم أكن فيها بمغبون
كالبدر ركبه في الغصن خالقه ... فما ترى حين تبدو غير مفتون
فاشرب على ذكرها خمراً كريقتها ... وخصني بهواها حين تسقيني قال: فقلت أنا:
بدا الورد في أغصانه متعرضاً ... يذكرني من إسمه حسن الورد
يذكر أياماً نعمنا بطيبها ... ورشف رضابٍ طعمه حسن الورد
فدعني ولا تلح على الحب أهله ... فلو كنت تدري لم تلمني على وجدي وقال أبو عليّ:
ولما تبدى الورد فوق غصونه ... وذكرني بالورد في صفحه الخد
ذكرت به من خده لي روضه ... تهيم بها من حسنها روضة الورد
فقلت لمن عهدي له مثل عهده ... سقاك الحيا من صاحب حافظ العهد
وقلت اسقني كأساً على طيب ذكرها ... فإني مشغوف بها بينكم وحدي وشربنا يوماً على ماءٍ يتفجر من أعالي أحجار، وقد أحدقت بنا عدة
стр. 867
أشجار، وتردد فيها علينا غناء أطيار، تنسي لحن الأوتار؛ وانكسر لنا الكاس هنالك، وكان بتلك القرية صديق لنا فكتب إليه:
بقينا بلا كأس سوى شقف شربةٍ ... يميت سرور الشارب المترنم
فمن بكأس يا فتى الفتك والذي ... مضى لي زمان وهو فيه معلمي وهبت علينا في ذلك المكان ريح عطرة أتت بأنواع أرواح النبات، فقال:
ألا يا نسيم الريح هل أنت مخبري ... بحال حبيب ليس لي عنده علم -
حبيب رآني أشتفي منه فاتقى ... جفوني بسترٍ تحته القمر التم وقال عند رحيلنا:
عليك سلام الله يا ماء موضعٍ ... شربنا عليه مثله قهوةً خمرا
وروى التي من حسنها وجفونها ... سقتني سحراً خمرةً تسكر السحرا وكتب إلى صديقٍ له ونحن على ذلك الماء:
هل لك في الشرب يا أبا الحسن ... في منزلٍ طيب الثرى حسن -
أرجاؤه لا تزال دائرةً ... بواكفٍ من مياهه هتن
لو كان مما يباع كنت له ... مشترياً بالغلا من الثمن
ما كنت فيه والزق يصحبني ... أبدل كأسي بتاج ذي يزن وقال وقد ارتحلنا من ذلك المكان:
سقى صفحة الصفاح من غيث عبرتي ... سحائب تروي تربها وثراها
стр. 868
شربت بها يوماً وصحبي ماجد ... له راحة يسقي السحاب نداها
جواد إذا ما استمطرت جود كفه ... ظوامئ آمالٍ همي فسقاها قال: ودعوته إلى النزهة بالبادية ومطلته، وكان بعض خدمتنا قد أعرس ورغب إليّ أن أبقى لأحضر العرس، فكتبت إليه:
يا صديقاً وداده ما يريم ... وخليلاً إخاؤه لي يدوم
جاءني راغباً لأحضر عرساً ... من له عندنا ذمام قديم
وهو عرس لا تأته خاوي البط ... ن فإن الغداء فيه نسيم فكتب إليّ:
إن كنت تبقي على عرس البواقين ... فأنت عندي مجنون المجانين
دع ذا وسر بي إلى أم الحسان ففي ... صدري لها وصلوعي قلب مفتون
وصاحب العرس بوقون وأنت فتى ... ما زلت تكره أحوال البواقين وخرجنا إلى البادية في أيام الربيع، وأقمنا على روضة ورد وحولها مياه تطرد، وأم الحسن تغرد، فقال ارتجالاً:
يا سيدي والذب رضاه رضىً ... عليه دون الأنام أعتمد
стр. 869
أما ترى الدهر كيف جاد لنا ... بيوم أنس ساعاته جدد
ورد جني وروضة تركت ... بوفرها والمياه تطرد
فقل لأن الحسان تقتلني ... ولا عليها دم ولا قود
واشرب كشربي على محبة من ... في صوتها العذب طائر غرد ومالت الشمس هناك إلى الغروب، وأحدثت شعاعاً في تلك الروضة، وعلا خرير الماء ببرد العشي، فقال أيضاً:
إذا الشمس مالت للغروب رأيتني ... أميل بأثقال الهوى فأميل
تذكرني أوصاف من عرض الهوى ... علي فلما همت ظل يحول
خليلي وجدي فوق ما تبصرانه ... فهل لي إلى السلوان عنه سبيل
خذا رحمة من بعض ما بي من الهوى ... فإن الهوى حمل علي ثقيل قال: واجتمعنا يوماً بمجلس أنس، وكتبنا إلى أبي بكر عبادة، وقد كان تاب عن الشراب ويساعد في النبيذ:
نبيذك المحكم يدعوكا ... مستشعراً شوقاً إلى فيكا
فامنن بإقبال وإلا مضى ... جميعنا دمت لنا ديكا فراجعنا بقوله وجاء لوقته:
قصدي بود ليس مشكوكا ... فيه وعهد ليس متروكا
من حق ناديكم على شاكر ... غدا لكم صنواً ومملوكا
وكيف صبري عن ندي أرى ... فيه دم الكرمة مسفوكا
стр. 870
وغبت مدة طويلة من الدهر في سفر لقيت فيه نصباً، وصحبت قوماً لم يحسن موقعهم من نفسي ولا التذذت بهم، ثم قدمت مشتاقاً إلى الأنس به، فكتبت إليه:
يا من أقلب طرفي في محاسنه ... فلا أرى مثله في الناس إنساناً
لو كنت تعلم ما لاقيت بعدك ما ... شربت كأساً ولا استحسنت ريحانا فورد علي من حينه فقال: أردت مجاوبتك فخفت أن أبطئ، فصنعت الجواب في الطريق، وهو:
يا من إذا ما سقتني الراح راحته ... أهدت إلي بها روحاً وريحانا
من لم يكن في صباح السبت يأخذها ... فليس عند بحكم الظرف إنسانا
فكن على حسن هذا اليوم مصطبحاً ... مؤخراً حسناً فيه وحسانا
وفي البساتين إن ضاق المحل بنا ... مندوحة لا عدمنا الدهر بستانا قال: وغبت في غزوة مع يحيى المعتلي بالله، وذلك في سنة أربع وعشرين، فاتصل بي أنه تنزه مع بعض أصحابه في زمان الورد، وفصاحة أم الحسن، وأنه صنع أشعاراً في وصفها، منها:
ومسمعة غنت فهاجت لنا هوى ... جنينا به منها ثمار المنى جنيا
دعوت لها سقياً فما استكمل الرضى ... دعائي لها حتى سقاها الحيا سقيا
стр. 871
وكنت رفيقاً للوزير الكاتب أبي بكر ابن زياد، وسألني مخاطبته ليزيد عليها، فكتبت إليه في ذلك، فزاد فيها:
وكأس على طيب استماعي لصوتها ... شربت ودمع المزن يسعدني جريا
ولو أقلعت أولى عزاليه لانبرت ... رياح النوى تمري دموع الهوى مريا
خليلي هذا اليوم لو بيع طيبه ... بما حوت الدنيا لقلت له الدنيا
ولله أيامي وما خلت أنها ... تعوضي من قربها في الرضى نأيا
تولت حميدات فسقياً لعهدها ... ورعياً ولا سقياً لهذي ولا رعيا
جفتني عيون الغانيات وطالما ... سعت طول أيامي لتبصرني سعيا
وأطلع شيبي عارضاً فوق عارضي ... يسح هموماً ما علي لها بقيا
مضى عمري والدهر لي غير منصف ... يكلفني أشياء جلت عن الأشيا
فلا جيد من غيداء يشفي عناقها ... غليل صباباتي ولا شفة لميا
كفى حزناً أني أرى الحسن ممكناً ... ولست أرى لي فيه أمراً ولا نهيا
ولو تعدل الأيام في بذل خطةٍ ... لما كنت في السفلى وغيري في العليا وقال في يدك صدح سحراً:
رعى الله ذا صوت أنسنا بصوته ... وقد بان في وجه الظلام شحوب
стр. 872
دعا من بعيد صاحباً فأجابه ... يخبرنا أن الصباح قريب
علي له لو كنت أملك أمره ... حياة على طيب الزمان تطيب وقال وقد رأى الغيث ينزل:
تأمل سقوط الغيث ماذا أثار من ... هوى هو في قلب المحب كنين
رأى في جفوني دمعها جامد الهوى ... ففاضت على الإسعاد منه جفون وقال أيضاً:
ذكرتك بالوادي الذي كنت مرة ... به والهوى ما بيننا أبداً غر
فحرك مني باعث الشوق ساكناً ... وكلفني صبراً ومن أين لي صبر -
فيا نازحاً والدار مني قريبة ... إلى كم يطول الصد لي منك والهجر -
إذا الله يوماً خص بالقطر ساحة ... " فلا زال منهلاً بساحتك القطر " قال أبو علي: وطالت بنا الايام، وسئمنا المدام، فتناومنا لها، فقال ابن السراج:
يا راقدين تنبهوا من رقدة ... منعتكم طيب السرور العاجل
стр. 873
وصلوا بعامكم السرور فإنكم ... لا تضمنون سروركم في القابل
لا خلق أغبن متجراً من بائع ... بالبخس عاجل طيبه بالآجل
لله هذا اليوم لو ظفرت يدي ... فيه بحفظ العهد في لقابل وقال أيضاً:
رعى الله فتياناً أنست بقربهم ... على جدول للماء فيه خرير
أقمنا به يومين في خفض عيشة ... ولا عيش لا قهوة وغدير
تدور القوافي بيننا نستحثها ... وكأس الحميا بالسرور تدور
وفي الشجرات الخضر منه رقيقة ... لنغمتها بين الضلوع هدير
إذا ما تغنت فوقنا قلت قينة ... تلاها بصوت مثلثان وزير
سبتني بصوت لو يباع اشتريته ... بما مر من عمري وذاك يسير واستعفيناه يوماً من الشرب وكان يدمنه على ضعفه، فقال:
رعى الله يوماً لم أجد فيه مسعداً ... على شربها والمسعدون قليل
شربت بها وحدي وإني بشربها ... إذا لم أجد لي مسعداً لكفيل وقال أيضاً:
خليلي هبا للمدامة واشربا ... سروراً على الطير الذي يترنم
علا صوته حتى حسبناه عاشقاً ... يبوح ودمع العين في الخد يسجم
كأنا سألناه مزيداً لما شدا ... به فهو من إلحاحنا يتبرم
стр. 874
وقال:
يا حابساً كأس المدامة حثها ... نحوي فلي في شربها تأويل
واطرب على وجه الربيع فقد بدا ... منه لنا وجه أغر جميل
واشرب على ماء الخليج فإنه ... ضيف إقامته لديك قليل
لو كان أمري في يدي ما فارقت ... يوماً يدي رامشنة وشمول وقال:
ومسمعة تغنينا ارتجالا ... وتصحبنا بنغمتها دلالا
وبين أكفنا خمر وماء ... إذا ما سال خلت الدر سالا
فإن شاءت سقيناها مداما ... وإن شاءت سقيناها زلالا
ولو سقيت دمي ودمي حرام ... لكان لحسن منطقها حلالا قال: وكنا يوماً على الوادي في أيام الربيع، فمر به سرب ملاح فيهن جارية حسناء، ظريفة المنطق، وهي تأكل باقلاء، فاعترضها وسألها منه فدفعته إليه، فقال بديهةً:
وسرب ملاح مر بي وبصاحبي ... ونحن على ماء يذكرنا عندنا
ويحملن فولا عندهن نظيره ... عوان ولكن نوره عز أن يجنى
فقلت عسى من فولكن بقية ... فقلن: وأي الفول ترغبه منا -
فقلت الذي تحت السراويل قلن لي ... جهلت ولم تفهم مقالتنا عنا
وفيهن نشوى الطرف لم أر قبلها ... من الإنس شمساً تحمل الدعص والغصنا
стр. 875
وأقمنا بالبادية في أيام العصير مدة في لهو وطيب، وقفلنا فكتب إلي:
رعى الله عصراً ضمنا في عصيره ... محل وصلنا اللهو فيه لياليا
تدور علينا الراح في أريحية ... من العيش لو دامت زماناً كما هيا
أقول لأصحابي خذوا من حياتكم ... برأيي زاداً سوف ينفد فانيا
ومن مل منكم شربها فليردها ... إلي فإني لا أمل التماديا
أرى عمر الإنسان يوماً يسره ... فمن نال ذاك اليوم نال الأمانيا
فلا تلق يوماً بالخلاف إلى غد ... فلست بما لاقيت بالأمس لاقيا
ولا تخل من كأس يسرك شربها ... على طرب ما دام سرك خاليا
فإن أبك أيام الشباب فواجب ... على من جفته أن يرى الدهر باكيا وقال أيضاً:
ألا من منقذي من كرب ليل ... تعرض بين طرفي وارتياحي -
تضاعف طوله واشتد حزني ... به حتى يئست من الصباح @فصل في ذكر الأديب أبي القاسم خلف
@ابن فرج الإلبيري المعروف بالسميسر
وكان باقعة عصره، وأعجوبة دهره، وهو صاحب مزدوج كأنه
стр. 876
حذا فيه حذو منصور الفقيه، وله طبع حسن، وتصرف مستحسن في مقطوعات الأبيات، وخاصة إذا هجا وقدح، وأما إذا طول ومدح، فقلما رأيته أفلح ولا أنجح، وقد أثبت من ذلك، بعض ما تخيرته له هنالك. وله مذهب استفرغ فيه مجهود شعره، من القدح في أهل عصره، صنت الكتاب عن ذكره، [ألا تسمع إلى قوله:
ألا قل لأهل القيروان لحاكم ... واستاهكم هانت عليكم فهنتم
فأستاهكم تعطونها ولحاكم ... تعفونها بالحلق طراً لعنتم والسميسر في هذا كما قال القائل:
عابني من معايب هي فيه ... خالد فاشتفى بها من هجائي أو كما قال الآخر:
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب لكنه ليست ضعة المرء في نفسه بمذهبة جوهرية الأدب المركب في الإنسان، وقد أومأ إلى ما كانت عليه حاله بقوله:
حستي صحيح ولكن ... هواي يوهن حسي
فصح رأيي لغيري ... ولم يصح لنفسي
стр. 877
ثم بعد أن لوح، صرح وأوضح في قوله:
إذا تبطنت لذتي فأنا ... نطيس نفسي عسى أداويها
فلا تلم مولعاً بلذته ... فإنها علة يعانيها] @ما أخرجته من شعره في أوصاف شتى
[من شعره في الازدواج على كل منهاج، قوله:
لا تغرنك الحيا ... ة فموجودها عدم
ليس في البرق متعة ... لامرئ يخبط الظلم وقال أيضاً:
بئس دار المرية اليوم دارا ... ليس فيها لساكن ما يحب
بلدة لا تمار إلا بريح ... ربما قد تهب أو لا تهب وقال:
أقارب السوء داء سوء ... فاحمل أذاهم تعش حميدا
فمن تكن قرحة بفيه ... يصبر على مصه الصديدا
стр. 878
وقال:
قالوا المرية فيها ... نظافة قلت إيه
كأنها طست تبر ... ويبصق الدم فيه وقال في ملوك الأندلس:
ناد الملوك وقل لهم ... ماذا الذي أحدثتم
أسلمتم الإسلام في ... أسر العدا وقعدتم
وجب القيام عليكم ... إذ بالنصارى قمتم
لا تنكروا شق العصا ... فعصا النبي شققتم وقال:
رجوناكم فما أنصفتمونا ... وأملناكم فخذلتمونا
سنصير والزمان له انقلاب ... وأنتم بالإشارة تفهمونا وهذا كقول الآخر مما انشده الثعالبي:
سنصبر إن جفوت فكم صبرنا ... لغيرك من أمير أو وزير
ولما لم ننل منهم سروراً ... رأينا فيهم كل السرور
стр. 879
وقال:
يا مشفقاً من خمول قوم ... ليس لهم عندنا خلاق
ذلوا وقد طلما أذلوا ... دعهم يذوقوا الذي أذاقوا وقال:
إذا رأيت العبد فاحكم على ... مولاه من ظاهر مرآه
دليل حال المرء عبدانه ... والعبد من طينة مولاه وهذا المعنى كثير، ومنه قول أبي الحسن بن مضا القرطبي في غلام وسيم من عبيد المتوكل للمتوكل:
قد جاءكم فاضح الهلال ... يعبق بالمسك والغوالي
لا تنكروا نشرها عليه ... فالعبد من طينة الموالي وقال السميسر:
خذ من الدهر ما أتى ... إن نعيماً وإن نكد
كن كسكين جازر ... قاطع كل ما وجد وقال:
ليس يخلو المرء من هم ... باكتساب اللحم والدم
حيوان حيوان ... صحفوه فهو أقوم
стр. 880
كأن معنى البيت الأول ينظر إلى قول المعري:
يغنى الفتى بالمنايا عن مآربه ... وينفخ الروح في طفل فيفتقر وقال في عبد الله الأمير بغرناطة وقد رآه يحصن على نفسه:
يبني على نفسه سفاهاً ... كأنه دودة الحرير وهذا المعنى [كثير] مطروق ومنه قول حبيب:
وإن يبن حيطاناً عليه فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقله وقال ابن الرومي:
انظر إلى الدهر هل فاتته بغيته ... في مطمح النسر أو في مسبح النون
ومن تحصن مسجوناً على وجل ... فإنما حصنه سجن لمسجون وقال السميسر:
قالوا أتسكن بلدة ... نفس العزيز بها تهون -
فأجبتهم بتأوه ... كيف الخلاص بما يكون!
غرناطة مثوى الجني ... ن يلذ ظلمته الجنين
следующие страницы →