Полный текст (3 281 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
حذا فيه حذو منصور الفقيه، وله طبع حسن، وتصرف مستحسن في مقطوعات الأبيات، وخاصة إذا هجا وقدح، وأما إذا طول ومدح، فقلما رأيته أفلح ولا أنجح، وقد أثبت من ذلك، بعض ما تخيرته له هنالك. وله مذهب استفرغ فيه مجهود شعره، من القدح في أهل عصره، صنت الكتاب عن ذكره، [ألا تسمع إلى قوله:
ألا قل لأهل القيروان لحاكم ... واستاهكم هانت عليكم فهنتم
فأستاهكم تعطونها ولحاكم ... تعفونها بالحلق طراً لعنتم والسميسر في هذا كما قال القائل:
عابني من معايب هي فيه ... خالد فاشتفى بها من هجائي أو كما قال الآخر:
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب لكنه ليست ضعة المرء في نفسه بمذهبة جوهرية الأدب المركب في الإنسان، وقد أومأ إلى ما كانت عليه حاله بقوله:
حستي صحيح ولكن ... هواي يوهن حسي
فصح رأيي لغيري ... ولم يصح لنفسي
стр. 877
ثم بعد أن لوح، صرح وأوضح في قوله:
إذا تبطنت لذتي فأنا ... نطيس نفسي عسى أداويها
فلا تلم مولعاً بلذته ... فإنها علة يعانيها] @ما أخرجته من شعره في أوصاف شتى
[من شعره في الازدواج على كل منهاج، قوله:
لا تغرنك الحيا ... ة فموجودها عدم
ليس في البرق متعة ... لامرئ يخبط الظلم وقال أيضاً:
بئس دار المرية اليوم دارا ... ليس فيها لساكن ما يحب
بلدة لا تمار إلا بريح ... ربما قد تهب أو لا تهب وقال:
أقارب السوء داء سوء ... فاحمل أذاهم تعش حميدا
فمن تكن قرحة بفيه ... يصبر على مصه الصديدا
стр. 878
وقال:
قالوا المرية فيها ... نظافة قلت إيه
كأنها طست تبر ... ويبصق الدم فيه وقال في ملوك الأندلس:
ناد الملوك وقل لهم ... ماذا الذي أحدثتم
أسلمتم الإسلام في ... أسر العدا وقعدتم
وجب القيام عليكم ... إذ بالنصارى قمتم
لا تنكروا شق العصا ... فعصا النبي شققتم وقال:
رجوناكم فما أنصفتمونا ... وأملناكم فخذلتمونا
سنصير والزمان له انقلاب ... وأنتم بالإشارة تفهمونا وهذا كقول الآخر مما انشده الثعالبي:
سنصبر إن جفوت فكم صبرنا ... لغيرك من أمير أو وزير
ولما لم ننل منهم سروراً ... رأينا فيهم كل السرور
стр. 879
وقال:
يا مشفقاً من خمول قوم ... ليس لهم عندنا خلاق
ذلوا وقد طلما أذلوا ... دعهم يذوقوا الذي أذاقوا وقال:
إذا رأيت العبد فاحكم على ... مولاه من ظاهر مرآه
دليل حال المرء عبدانه ... والعبد من طينة مولاه وهذا المعنى كثير، ومنه قول أبي الحسن بن مضا القرطبي في غلام وسيم من عبيد المتوكل للمتوكل:
قد جاءكم فاضح الهلال ... يعبق بالمسك والغوالي
لا تنكروا نشرها عليه ... فالعبد من طينة الموالي وقال السميسر:
خذ من الدهر ما أتى ... إن نعيماً وإن نكد
كن كسكين جازر ... قاطع كل ما وجد وقال:
ليس يخلو المرء من هم ... باكتساب اللحم والدم
حيوان حيوان ... صحفوه فهو أقوم
стр. 880
كأن معنى البيت الأول ينظر إلى قول المعري:
يغنى الفتى بالمنايا عن مآربه ... وينفخ الروح في طفل فيفتقر وقال في عبد الله الأمير بغرناطة وقد رآه يحصن على نفسه:
يبني على نفسه سفاهاً ... كأنه دودة الحرير وهذا المعنى [كثير] مطروق ومنه قول حبيب:
وإن يبن حيطاناً عليه فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقله وقال ابن الرومي:
انظر إلى الدهر هل فاتته بغيته ... في مطمح النسر أو في مسبح النون
ومن تحصن مسجوناً على وجل ... فإنما حصنه سجن لمسجون وقال السميسر:
قالوا أتسكن بلدة ... نفس العزيز بها تهون -
فأجبتهم بتأوه ... كيف الخلاص بما يكون!
غرناطة مثوى الجني ... ن يلذ ظلمته الجنين
стр. 881
وقال:
بعوض جعلن دمي قهوة ... وغنينني بضروب الأغان
كأن عروقي أوتارها ... وجسمي رباب وهن القيان ولعمري لقد أصاب في أن جعل جسمه الرباب، وكان تشبيهه البعوض بالفتيان أولى من القيان، فإليهم كان ينزع، وبهم زعموا كان يقول ويسمع، وفيهم لم يزل يسجد ويركع.
وأنشدت لبعضهم في البعوض:
ضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي
رقص البراغيث حولي ... على غناء البعوض ولم أمسع في وصفها أحسن من قول ابن المعتز:
بت بليلي كله لم أطرف ... [من قرقس يلبس ثوب السدف ... يلم بالعريان والملفف] ... يلسعنا بشعر مجوف ... غادر جسمي كعشور المصحف ...
стр. 882
وقد أخذه الآخر فقال:
ونفطنني بخراطيمهن ... كنقط المصاحف بالحمرة وقال أبو عمر القسطلي:
بت بليلي كله لم أنم ... عن قرقسٍ بليس ثوب الظلم
يشدو على جسمي بصوت أعجم ... كأنما غنى على شرب دمي @ما أخرجته من شعره في الزهد والحكم
جملة الدنيا ذهاب ... مثل ما قالوا سراب
والذي منها مشيد ... فخراب ويباب
وأرى الدهر بخيلاً ... أبداً فيه اضطراب
سالب ما هو معطٍ ... فالذي يعطي عذاب
وليوم الحشر إنعا ... م سؤال وجواب
وصراط مستقيم ... يوم لا يطوى كتاب
فاتق الله وجنب ... كل ما فيه حساب قال:
ليس لمن ليست له قدرة ... كالأخذ عند الرزء بالصبر
أو لا فما حيلة مستضعفٍ ... ليس له فضل على الذر
стр. 883
نسبته منها فهذي وذا ... تحت الذي حد له يجري
من كان مخلوقاً من الأرض إذ ... ركب لم يطلع على السر
حتى ترى الجثة مطروحةً ... والنفس في عالمها تسري
فعندها يأمن ما يتقي ... وعندها يعلم بالأمر
هذا على مذهبنا ثم قد ... قيلت مقالات ولا أدري
لقد نشبنا في الحياة التي ... توردنا في ظلمة القبر
يا ليتنا لم نك من آدم ... أورطنا في شبه الأسر
إن كان قد أخرجه ذنبه ... فما لنا نشرك في الأمر -! والسميسر في هذا الكلام ممن أخذ الغلو بالتقليد، ونادى الحكمة من مكان بعيد، صرح عن عمى بصيرته، ونشر سريرته، في غير معنى بديع، ولا لفظ مطبوع، ولعله أراد أن يتبع أبا العلاء، [فيما كان ينظمه من سخيف الآراء] ، ويا بعد ما بين النجوم والحصباء، وهبه ساواه في قصر باعه، وضيق ذراعه، أين هو من حسن إبداعه، ولطف اختراعه -
وقال السميسر:
أصاب الزمان بني عامر ... وكان الزمان بهم يفخر
فعاد نهارهم مظلماً ... وليلهم بعد لا يقمر
وأيامهم بعد لا تزدهي ... وصبحهم ظل لا يسفر
أماتهم الدهر قبل المنون ... فهم ميتون ولم يقبروا
стр. 884
كأنهم أربع دارسات ... فما لهم غير أن يذكروا
فأين السرير وأين السرور ... وأين القصور التي عمروا -
فلا تعجبن بما وقد ترى ... فلا خير في كل ما تبصر
وهون عليك كثير الحياة ... فسكناك في قبرك الأكثر وقال أيضاً:
دع عنك جاهاً ومالاً ... لا عيش إلا الكفاف
قوت حلال وأمن ... من الردى وعفاف
وكل ما هو فضل ... فإنه إسراف وقال:
لا توقدن عدواً ... وأطفه بالتودد
فالنار بالفم تطفا ... والنار بالفم توقد وقال:
قد هجرت اللذات إلا قليلاً ... بعد وصولي لها زماناً طويلا
فأنا ثابت البناني لكن ... لي قلب عن النواسي أزيلا
وبحق أقول لولا حذاري ... ن كلام الوشاة قالاً وقيلا
لبدا للأنام مني عجاب ... ولأوضحت للرواة السبيلا
стр. 885
وقال:
المال ذل، وذل ... ألا يرى لك مال
فاحرص كأنك باقٍ ... فما لذي الفقر حال
واقنع فإنك فانٍ ... غداً وكل محال @ومن شعره في ذكر الطب والأطباء
كل علمٍ ما خلا الشر ... ع وعلم الطب باطل
غير أن الأول الطب ... على رأي الأوائل
هل تمام الشرع إلا ... أن يكون الجسم عامل -
فإذا كان عليلاً ... بطلت تلك العوامل وقال:
العلم علمان علم ال - ... أديان والأبدان
ما الطب للدين إلا ... كالروح للجثمان
هل الشريعة إلا ... بصحة الأبدان - وقال:
يا آكلاً كل ما اشتهاه ... وشاتم الطب والطبيب
ثمار ما قد غرست تجنى ... فانتظر السقم عن قريب
يجتمع الداء كل يوم ... أغذية السوء كالذنوب
стр. 886
وقال:
لا تسترب من غير ما ... تجنيه كالجاني المريب
وكذا حكوا بل صافياً ... واضرب به وجه الطبيب [والقائل قد تقدم إلى ذلك قبله:
إذا ما كنت ذا بولٍ صحيح ... فقم فاضرب به وجه الطبيب @وفي ذكر الشعر والشعراء
قال:
أنا أحب الشعر لكنني ... أبغض أهل الشعر بالفطره
فلست تلقى رجلاً شاعراً ... إلا وفيه خلة تكره
إن لم يكن كفر تكن آفة ... تلازم الظهر أو السره
والعجب والنوك إلى الجهل في ... أكثرهم إلا مع الندره والسميسر في هذا كقول الآخر:
عابني من معايبٍ هي فيه ... حكم فاشتفى بها من هجائي
стр. 887
فإنه كان - زعموا - ممن وسع هذه الخلال، وجمع هذه الأحوال، حاشا التي في السرة فإنه انتبذ عنها، وبرئ إلى أصحابه الشعراء منها. وما ينقضي التعجب من السميسر، فإنه لما سمع المتنبي يقول:
أوكم آدم سن المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان حسده على غلوه فقال بيته المتقدم الذكر:
إن كان قد أخرجه ذنبه ... فما لنا نشرك في الأمر - والسميسر في هذا كما يحكى عن بعض الرواة قال: كان أحد المخنثين قد تسربل المجون، وعبد البطالة والجنون، حتى مح شبابه، وأقصر أترابه، ولم يدع عاراً إلا ركبه، ولا أثماً إلا ارتكبه، فطاف به طائف اعتلال، بعد طول إملاء من الله وإمهال، فكان يقول: أي رب، بأي ذنبٍ أخذت، وعلى أي جريرة عوقبت -! هذا كان استغفاره، حتى محا الموت أخباره.
وقال أيضاً:
يا شعراء العصر لا يتحسبوا ... شعركم مذ كان محسوسا
فإنما حيكم ميت ... كأنما محييكم عيسى
إن كان منظومكم عندكم ... سحراً فمنظومي عصا موسى وقال في أبي عبد الله بن الحداد بالمرية:
قالوا ابن حداد فتى شاعر ... قلت وما شعر ابن حداد -
أشعاره مثل فرخ الزنى ... فتش تجد أخبث أولاد
стр. 888
@ومن شعره في أوصاف شتى
ضعت في معشرٍ كما ضاع نوح ... بين قومٍ قد أصبحوا كفاره
ضربوه وما ضربت ولكن ... جعلوني ممن ينافر داره
فتأخرت عن دياري لهوني ... والهوينا لمن يخلي دياره وقال:
رأيت بني آدم ليس في ... جموعهم منه إلا الصور
فلما رأيت جميع الأنام ... كذلك صرت كطير حذر
فمهما بدا منهم واحد ... أقل قل أعوذ برب البشر وقال:
تحفظ من ثيابك صم صنها ... وإلا سوف تلبسها حدادا
وميز عن زمانك كل حين ... ونافر أهله تسد العبادا
وظن بسائر الأجناس خيراً ... وأما جنس آدم فالعبادا
أرادوني بجمعهم فردوا ... على الأعقاب قد نكصوا فرادى
وعادوا بعد ذا إخوان صدقٍ ... كبعض عقاربٍ عادت جرادا
ومن يلمح ذكاء بناظريه ... يظن بياض قرطاس مدادا
стр. 889
وقال:
يمنعني من تكسب الولد ... علمي بأن البنين من كبدي
فإن يعيشوا أعش على ظلع ... وإن يموتوا أمت من الكمد
وإن أمت قبلهم تركتهم ... أهون بين الأنام من وتد وقال:
حاسدي لي معذب ... يتلقى من الحسد
وأنا عنه غافل ... لا وجدت الذي يجد
دعه يشقى بدائه ... داؤه علة الكبد
طار ذكرى ولم يطر ... ذكره فهو يتقد وقال:
قصتي يا سادتي مضحكة ... بينكم من حيث يبكي بالمقل
إن أجئكم بغريب قلتم ... عندنا أغرب فاسكت أو فقل
أبصر النصال دراً غالياً ... قال عندي منه أغلى وأحل @ومن مقطوعاته الإخوانيات
ورد ابن شرف غرناطة، فتخلف عن قصده، فكتب إليه معتذراً:
كتبت إلى سيدي قبل أن ... أراه ورجلي قد زلت
أيقصد يذبل غرناطةً ... وأترك قصديه في زمرتي
стр. 890
ويهبط كيوان من برجه ... إلينا ونحن على غفلة
فمعذرة لك حتى أراك ... فأنت الممثل في مهجتي فأجابه ابن شرف:
بدأت وللمبتدي الفضل في ... فروض المودة والسنة
وما الرد إلا امتنان وقد ... سبقت سواك إلى المنة
وبالسبق في أول الهجرتين ... تقدم قوم إلى الجنة
وحدثت أنك سمح الطباع ... إذا ما طباعهم ضنت
ونفسك فاضلة حرة ... إذا عاينت فاضلاً حنت
خلائق لو مازجتها الجبال ... إذن رقصت لك أو غنت
فلو من أبان ورضوى خلقت ... لما كنت إلا من القنة له في الوزير الكاتب أبي عمر بن الباجي:
يا فاضل الشرطة شرطي على ... شرطك تنويهي ولا أختلف
فاحذف لي السين وسوف التي ... زيدت على الزائد فهو الأخف
" فسوف " سيف قلبت واوها ... كم قطعت أعناق من قد سلف
فردها حالاً ففعل مضى ... ماضٍ وما استقبل قد يختلف @ومن شعره في النسيب وما يناسبه
قوله:
بين الأزرة والمآزر ... حسن تحن له الأكابر
فإذا نظرت إلى الخدو ... د رأيت أنواع الأزاهر
стр. 891
وإذا تأملت الثغو ... ر وما لناظمهن ناثر
أبصرت دراً يغتذي ... خمراً وما للخمر عاصر
وإذا تأملت الما ... جر تحتها دعج المحاجر
خلت المنية أقبلت ... من جيش صقلب والبرابر وذكرت بهذا البيت الأخير وإن لم يكن في معناه قول بعض أهل عصرنا:
بي شادن خده كالصبح منبلج ... وصدغه كسواد الليل يلعب بي
كالزنج حلت بأرض العرب فاصطلحت ... فما بقائي بين الزنج والعرب -! نظر في هذا إلى ما أنشده الثعالبي لبعض أهل عصرنا:
سواد صدغين من كفرٍ يقابله ... بياض خدين من عدلٍ وتوحيد
قد حلت الروم أرض الزنج فاصطلحا ... فويح نفسي بين البيض والسود! وقال السميسر:
لما أبى عن وصالي ... وأضرم القلب نارا
ولم أجد لي عزاءً ... دعوت ربي انتصارا
وقلت: يا رب أنبت ... بعارضيه عذارا
فكان ذاك ولكن ... زاد الفؤاد استعارا
إذ صار صبحاً وليلاً ... وكان قبل نهارا
стр. 892
وهذا كقول الآخر إلا أنه قلبه:
حلقوا رأسه ليزداد قبحا ... غيرة منهم عليه وشحا
كان قبل الحلاق صبحاً وليلا ... فمحوا ليله وأبقوه صبحا وقال:
أيها العائب العذا ... ر وذو الجهل عائبه
لا أحب العذار إلا ... إذا شاب صاحبه
فاطرح قول من يقو ... ل كما طر شاربه
هو والطفل واحد ... حين يهواه راغبه
أنا أشكوه وهو تل ... هيه عني ملاعبه
وإذا ما اصطفيت كه ... لاً صفت لي مشاربه وأين هذا من قول بعض أهل العصر في ضده:
ما أنت والجلواز في خلوة ... إياك ما امتد بها الصوت
الله في نفسك من ظنةٍ ... يهون في جانبها الموت
إن كان فالطفل ولم يحتلم ... من قبل أن يدركه الفوت وقال أيضاً يناقضه:
أوصيك حيث النصح معترض ... إياك والمرد وهي متحلمه
الطفل ما أصبحت أويرته ... إذا استشاطت كأنها حلمه
стр. 893
واقس عليه إذا شكا وبكى ... لا رحم الله كل من رحمه
لا تخش والقول عنك مرتفع ... عاقبة الظلم فيه من ظلمه
فإن تجاوزت ما حددت فما ... يسوءني أن تعد في القطعه وقال أيضاً يناقض السميسر:
بدا لي منك نبل وانطباع ... وظني أن ستكفيك الإشاره
سأجعل بيننا حيث التقينا ... وقوع السوط من كفي أماره
وبين يديك أمر لا تكله ... إلى نظر الغمارة والغراره
ستلقى في غد طفلاً بزيعاً ... يجرر من بزاعته إزاره
ترى صبحاً من الكافور بضاً ... كما ندري النقاوة والنضاره
فما استهواك فاتركه ودعه ... وحاصره وإن أبدى حصاره
إذا ارتعد الحسام وراق حسناً ... فذاك الوقت لا تأمن غراره
هو الجد الذي لا هزل فيه ... فدع سمج الفكاهة والشطاره
كبير السن زاد على ثمان ... وعشر كيف تألفه الزياره -
فإن يك صاحباً وأردت زوراً ... فحصن ما استطعت من الحصاره
أترضى أن يقال أبو فلان ... يناك ولو حملت بها الإماره - وقال أيضاً في مثله يناقض السميسر:
الطفل في عشر فما هو دونه ... حتى يجيء الظن غير مرجم
لا تعذل الإنسان في شهواته ... في الناس من يلتذ أكل الحصرم
стр. 894
ومن الإفراط في مدح العذار قول ابن غصن الحجاري:
فديتك لا تخف مني سلوا ... إذا ما غير الشعر الصغارا
أدين بدين خل كان خمراً ... وأهوى لحية كانت عذارا وقال أيضاً بعض أهل العصر يناقضه، واستطرد فيه إلى هجوه استطراداً ظريفاً:
إن كنت تهوى مليحاً ... فلا تقل بمعذر
واهو الصغار ففيهم ... على الحقيقة تعذر
ودع الكبار لقوم ... دانوا بدين السميسر وحقيقة الاستطراد عندهم أن يري الشاعر أنه يريد مذهباً، وهو إنما يريد غيره، فإن قطع ورجع إلى ما كان فيه فهو الاستطراد الحقيقي، وإن تمادى فذلك الحروج؛ وأصح الاستطراد قول السموأل:
ونحن أناس لا نرى القتل سبةً ... إذا ما رأته عامر وسلول واتبعه الفرزدق فقال:
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا اجتمعوا أفواه بكر بن وائل
стр. 895
ثم أتى جرير فأربى وزاد بقوله:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل فهجا واحداً واستطرد باثنين، وقال مخارق بن شهاب المازني يصف معزى:
ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وضيف ابن قيس جائع يتحوب فوفد ابن قيس على النعمان، فقال له: كيف مخارق بن شهاب فيكم - قال سيد شريفن من رجل يمدح تيسه ويهجو ابن عمه!
ومن جيد الاستطراد قول دعبل، وقيل بشار وهو أصح:
خليلي من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين
إذ جئته في حاجة سد بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين وقال أبو تمام في صفة فرس:
ولو تراه مشيحاً والحصا زيم ... على السنابك من مثنى ووحدان
أيقنت إن لم تثبت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان
стр. 896
وأخذه البحتري فقال:
ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوماً خلائق حمدويه الأحول وقد يقع من الاستطراد ما يخرج به من ذم إلى مدح، كقول زهير:
أن البخل ملوك حيث كان ول - ... كن الجواد على علاته هرم ومن مدح إلى ذمٍ، كقول بكر بن النطاح في مالك بن طوق:
فتى شقيت أمواله بعفاته ... كما شقيت بكر بأرماح تغلب وهذا مليح، أوله خروج وآخره استطراد، وملاحته أن مالكاً من بني تغلب، فصار الاستطراد زيادةً في مدحه. ومما استطرد به أبوه الطبيب قوله:
يموت به غيظاً على الدهر أهله ... كما مات غيظاً فاتك وشبيب على أن هذا البيت لم يقع موقع غيره من أبيات هذا الباب، إذ ليس المقصد فيه مدحاً ولا هجاء للرجلين المذكورين، لكن التشبيه والحكاية لا غير.
وأصل الاستطراد أن يريك الفارس أنه فر، وإنما فر ليكر
стр. 897
وكذلك الشاعر يريك أنه في شيء فيعرض له شيء لم يقصد إليه فيذكره وإن لم يقصد حقيقةً إليه. ومن الاستطراد نوع يسمى الإدماج، كقول ابن طاهرٍ لابن وهب حين وزر للمعتضد:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم ومن مليح الأدماج قول البن مسعدة في فصل من رقعة:
كتابي ومن قبلي من القواد والأجناد، في الطاعة والانقياد، على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، واختلت أحوالهم. فقال المأمون: ما أحسن إدماجه المسألة في الأخبار، وإعفاء سلطانه من الإكثار! ! اكتبوا له رزق ثمانية أشهر. وهذا النوع عندهم أغرب من الاستطراد، ومن مليحه أيضاً قول بعض الفقهاء:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فعليك إثم أبي حنيفة أو زفر
الواثبين على القياس تمرداً ... والراغبين عن التمسك بالأثر ومما هجي به السميسر قول ابن الحداد، ويدخل في باب الاستطراد:
يا أهل غرناطة نيكوا سميسركم ... ففي رميلينا عنه لنا شغل
стр. 898
@فصل في ذكر الأديب الأريب أبي العباس أحمد بن قاسم المحدث
@وجملة مما وقع إليّ من نثره، تعرب عن محله من الأدب وفهمه
قال ابن بسام: أبو العباس هذا في وقتنا بحضرة قرطبة، مقلة عين العصر، وصفحة وجه الدهر، تبريزاً في النظم والنصر. وقد أثبت من كلامه قطعةً تنبئ عما طالعه من علوم، ونظر فيه من أنواع التعاليم، على صغر سنه، ولدانة غصنه.
ولما بلغه جمعي لهذا التصنيف خاطبني برقعةٍ استفتحها بهذه الأبيات:
يا من تكلف جمع المجد في ورقٍ ... أنا أناديك جهراً غير تعريض
ذهبت عصرك يا من شعره ذهب ... بالمذهبات فأتبعنا بتفضيض
فشبه تبرك متلواً بفضتنا ... جمان هودٍ على لباتها البيض يا سيدي وعمادي، طال بقاؤك، ودام علاؤك؛ تكلفت من العناية بتنويهي ما دل على محتدك الكريم، ونصابك السليم، على انتمائك من المجد إلى دوحة ساقها قويم، وطلعها هضيم؛ ولولا ثقتي بتمييزك، وظهورك في هذه الصناعة وتبريزك، ما اجترأت على أن أجري بما كتبت إليك به
стр. 899
كفاً، ولا أن أخط متباهياً بها حرفاً، فهي تجري منك على يدي نقاد، وأنا إذ عليك أنشر بزي أضع الثوب في يدي بزاز.
وكتب إليّ أيضاً في مثله أول ورودي بقرطبة، وقد بلغه ثنائي عليه بمجلس بعض الأعيان فيها:
يا دوحة المجد الكريم ... وسلالة الشرف الصميم
والغرة الغراء في ... وجه النثير وفي النظيم
قد كان نام زماننا ... عن كشف آثار العلوم
حتى أتيت منبهاً ... جفنيه تنبيه النسيم
فرددته يقظان يمحو ال - ... محو عن تلك الرسوم
إن الصباح إذا انجلى ... جلى المنام عن النؤوم من الواجب كان - أعزك الله - عليّ وعلى من ينتسب إلى أدب، ويتعلق منه بأدنى سبب، أن يمتطي إليك ظهور العيس المهرية، وصهوات الجياد الأعوجية، حيثما استقر مكانك، وثبت إيوانك؛ فكيف إذا جلاك مصباح بلادنا بضيائه، وسترك ليل عراضنا بظلمائه، فانتظمك معنا هذه الجدران التي جللت عنها قدراً، وسموت رفعةً وخطراً. ولكن المهيب لا يجسر عليه. ولا تنقل قدم التقدم بداهةً إليه، بل يرتقب منه
стр. 900
المتوصل لفظةً في عرض ناحيته، أو لحظةً تقع على ساحته، تجعل الأولى سبيلاً، والأخرى هادياً ودليلاً.
ولقيت فلاناً فأنهى إليّ جملة كلامك في، وأنت ممن لا يجاري خطاباً، ولا يباري كتاباً وجواباً، وبراعةً في لفزظ يتبرج في ملاء الوشي الصنعاني، ويتصدى في أردية العصب اليماني، ونظمٍ ود الربيع لو توشح به تفضيلاً، ونثر كنثر العقود، وتفويت البرود، والغرر البيض في الطرر السود. إن نظمت فصريع صريع، والبديع غير بديع، وإن نثرت فالصاحب صاحب، وقابوس ذو بوس؛ وهذا باب لو استقصيته فيك غاية الاستقصاء، واستقريته نهاية الاستقراء، لتغلغل بنا الكلام، إلى نفاذ الأمدة والأقلام.
وفي فصل منها: ولما كنت متى انحرفت إلى النثر، أو انصرفت إلى الشعر، أجريت فيهما بعدك بالخطار، وضربت منهما عقبك بذي الفقار، رأيت أن أتبع بعضه بعضاً، حتى أجلو عليك وردهما جنياً غضاً؛ فهاك النثر يجلو، والنظم يحلو:
يا ماجداً ينمى إلى بسام ... قد ذبت بين محبة وهيام توقاً إلى لقياك ...
[ثم كتب قصيدةً على روي نسبي قال فيها يصف شعراً خاطبته به] :
لا حشو فيه ولا معاظلة به ... سلس على الأسماع والأفهام
стр. 901
ويرى البديع به بغير تكلفٍ ... ما بين منفرد وبين تؤام
متقسم متقابل متطارد ... متجانس متطابق الأقسام
إن رمت تشبيباً أتيت بكل ما ... يجد الشجي من لوعةٍ وغرام
أو رمت تشبيهاً قرنت مشبهاً ... بمشبهٍ في غايةٍ الاتمام
أو رمت مدحاً لم تكن متطلباً ... ما ليس في الممدوح من أحكام
حذقاً بما تأتي ومعرفةً به ... وتصرفاً في أفق كل كلام وأحسن من هذا التقسيم قول أبي بكر عبادة بن عبد الله بن عبادة من جملة أبياتٍ خاطبني بها أيام مقامه عندنا بالأشبونة، أولها:
يا منيفاً على السماكين سام ... حزت فضل السباق من بسام
قد خبرت الورى فلم ألفهم إلا ... ثقال الأفهام والإفهام
وتأملت منك نكتة بغدا ... د لباب العراق معنى الشآم
شك ذهني في أن يرى بصري مث - ... لك حتى لخلتني في المنام
إن تحك مدحةً فأنت زهير ... أو نسيباً فعروة بن حزام
أو تباكر صيد المها فابن حجرٍ ... أو تبكي الديار فابن خذام
أو تذم الزمان وهو حقيق ... فأبو الطيب البعيد المرامي في أبيات غير هذه، مع خبر طويل هو ثابت في موضعه من هذا المجموع.
@فصل لأبي العباس من رقعة خاطب بها بعض إخوانه: كتبت وأنا من الحزن في ثوب حداد، ودمع كأكف الأجواد، شوقاً ووحشةً
стр. 902
إلى الأنس بتفيؤ ظلك الوارف، كعهدي السالف، وتوقاً ودهشةً إلى برد مائك الحصب، كزمان الماضي الخصب:
سقياً لظلك بالعشي وبالضحى ... ولبرد مائك والمياه حميم وإن كنت مقيماً على كرم عقد، كهذا الزمان الذي قام وزنه فأصبح غلاماً، وأطلع حسنه قمراً تماماً، بين فرادي من نوابت أزهار كالرياط، وتؤامٍ من حدائق أنوارٍ كالأنماط، قد تفتحت عيونها، وتكشفت مصونها، وحلت أزرار جيوبها، عن مسكها وطيبها، وابتسمت أفواه ثغورها، عن لؤلؤها وشذورها، وأترعت جداولها فتسلسلت، وتربت أرضها فتصندلت، لعالم أنك لي على أمثالها، ثقةً بمجدك الذي هو ضربة لازب، واستنامةً إلى أن عقبك من الوفاء على الذروة والغارب.
واندرج له فيها شعر قال فيه:
أو حين نور عارضي فتفتحت ... أنواره فكأنها أنوار
أصبحت لا تلوين فارعي حقه ... أو ما لمظلم ليلةٍ إسفار -
يا هذه حرب الزمان شهدتها ... فعلي من ذاك الغبار خمار
стр. 903
ومن المديح:
جزل أحطت بخبره فوجدته ... كالخمر لكن ليس فيه خمار
نادت تحالفه العلا فأجابها ... ألا تفرق ما أضاء نهار
آهاً وإن من التوجع آهة ... لو حم أن يدنو إليك مزار
فأبث من أمري الخفي وراحة ... للنفس في أن تطلق الأسرار
خذها كما اعتدلت أنابيب القنا ... ميزي الثقاف لها وذهني النار قوله " فعلي من ذاك الغبار خمار " في صفة الشيب كقول ابن المعتز:
" هذا غبار وقائع الدهر " وقد تقدم هذا المعنى بما فيه:
وأخذه فقال:
قالت غبار قد علا ... ك فقلت ذا غير الغبار
هذا الذي نقل الملو ... ك إلى القبور من الديار وله من أخرى: ولما ورد كتابه غاية الفصاحة، ومنتهى البلاغة والملاحة، قبلته عشراً، وأقبلته مني رأساً وثغراً؛ وحين فضضت مسكة الخاتم سقط بصري على شكل مشق خطه فاندمج، ووسع بين أسطاره فانفرج. فيا للكتاب من كتاب قصر وطال، وجمد قلم كتابه وسال، نتيجة برهان مقدمتاه الطبع والبراعة، والجزالة والإصابة، جمع بين مبدأ
стр. 904
البلاغة وآخرها، في سحاءة طولها فتر، وعرضها ظفر؛ ولا غرو فمن علم الأصول استنبط الفروع، ومن انتقى القليل استغنى عن شغب الجموع؛ ولذلك جعلته إماماً أحتذيه، ومثالاً أماثله وأقتفيه. ولو أسهبت هكذا أبداً ما بلغت غاية الوصف، ولا أعطيته من حقه النصف.
وله من أخرى فيمن حمل القلنسوة وأنهض إلى الشورى، وخاطب بها قاضي قطره: لم يغب عنك - زاد الله في توفيقك - رحلة أحد القائمين بنشر علاك، المطيبين محاضرهم بطيب ذكراك، الفقيه أبي فلان أبقاه الله، وأنه هجر الوطن على خصبه، ووصل منزل الغربة على جدبه، متكرراً إلينا، ومدارساً علينا، باصغرين أكبرين: قلب أصمع، ولسان مصقع، فما مطلته بحمد الله الأيام، ولا سوفته الأعوام، حتى لحق بالمرتبة التي تفصل بها القضية الشنعاء، وتسمع النازلة الصماء؛ وحتى أفضى إلى المنزلة التي تقتضي تعصيبه بالشورى، وإلحاقه بعداد أهل الفتيا، تطبيقاً للمفصل، وتبييناً للمشكل؛ وعند ذلك ما رأينا إنهاضه إليها، وأن يتزيا بزي أهلها عمن سواه، وحملناه على التزامه دون كل زي عداه، على ما أنت الحري بحمله عليه كما حملناه. ولما كان مثلك في سرورك، وميلك إلى المجد وصغوك، لا يعلم كيف يبني المجد ويشيده، ولا كيف يمهده وينجده، كما لا يعلم الفم التبسم، ولا اللسان التكلم، كان واجماً أن يكتفى بيسير العبارة، وقليل الإشارة، ومهما زدته من كريم رعاية
стр. 905
وجميل حفاية، فنحن شاكروك شكراً يهز عطفيك، طوراً هز المهند وطوراً هز القضيب الأملد.
وله من أخرى يعزي بعض الأعيان: قد علم - أطال الله بقاءه وأحسن عزاءه - أن سكان هذه الدار، وإن تراخت بهم الأعمار، ينتقلون منها تنقل الأفياء، كما يتلونون فيها تلون الحرباء؛ فإن من وقع تحت الكون والفساد، وانبعث من الأضداد في مركز الأضداد، غير بديع في طباعه أن ينحل جرمه، إلى ما منه تألف حجمه، وأن تتخلص شعلة نفسه من ذلك الصلصال الذي سقطت لديه، فاحتوى عليها وأوت إليه، ثم ضرب المنشأ، فتعود عند ذلك الطبيعة الترابية إلى أصلها، والشعلة النورية إلى شكلها؛ فإن كان ما قدمت خيراً حمدت الجيئة، وإن كان شراً رغبت - وأنى لها - في الفيئة، ثم لم تترك في حين سلوكها إلى الوقت المعلوم، والأجل المحتوم، سالمة من الضراء، آمنة من البرحاء، بل قرن بها هنات مجحفات، وحبب إليها خطوب متلفات، فلم تنفك من تغيير مجحف، وتعثير متلف.
وإذا كان الوزير - أعزه الله - عالماً جملة هذا الخبر وتفصيله، ودقيق هذا الغرض وجليله، فالمتوفاة - قدس الله روحها، وبل بالرحمة ضريحها - وإن كانت منه كالبنان من اليد، والزند من العضد، فإني
стр. 906
لأعلم أنه لم يتلق وارد حمامها تلقي الغافل الفارغ، بل سلم للقضاء، وأفضى إلى الدعاء، فلا معنى لتذكيره الصبر ومنه يستفاد، وتبصيره الأجر وعنه يستزاد. ولما كانت التعازي على الأعصر الخالية من العوائد الجارية، كتبت رقعتي هذه، فإن لم تكن تبصيراً، كانت مطالعة وتذكيراً.
وله في فصل في صفة وراق: وأما أبو فلان فإنه يقلب من المعاش كفاً صفراً، ويستدر من شرعه مقداراً نزراً، بخطوط غير منصرمة، ونقط غير منقسمة، وشكل تشكل الحظ عن الإتيان، وتطلق رجل الفاقة والحرمان، فقبحن من خطوط تحط الحظوظ، ونقط تثير القنط، وشكل تبعث الكسل؛ وقبح من رزق يحرم سلمه بجليل الأفهام، [ويخبط بدقيق الكلام] ويعضد برقيق الأقلام؛ ثم يفضي خايطه لحظ نزر، غير جليل ولا ثر.
@وهذه جملة من شعره
قال في النسيب على مذهب أهل أفقنا في لباس البياض على المتوفى:
قالت وقد نظرت فروعها ... شيب على فودي منتشر
ما شأن تلك البيض، قلت لها ... مات الشباب فبيض الشعر
стр. 907
وهذا كقول الحلواني تلميذ أبي علي ابن رشيق:
إذا كان البياض لباس حزنٍ ... بأندلس فذاك من الصواب
ألم ترني لبست بياض شيبي ... لأني قد حزنت على الشباب -[وأراه من هذا نقل، وعليه عول]
وقال ابن فرج صاحب كتاب " الحدائق " مما ينظر إليه بعض النظر:
ونرجس تطرف أجفانه ... كمقلة قد دب فيها الوسن
كأنه من صفرة عاشق ... يلبس للبين ثياب الحزن وقال أبو العباس ابن قاسم:
قالت وقد نظرت شيبي فروعها: ... إن المشيب لسود الشعر أكفان
فقلت: أنكرت كافور الزمان به ... من بعد مسك وطيب الدهر ألوان
قالت: فأين من الكافور نفحته ... قلت: انقضت وتبدى منه جثمان
قالت: فإن كان كافوراً فلم ضعفت ... قواك والطيب للأعضاء معوان
فقلت: ما بي من الأيام أثقلني ... قالت: كذلك شيب المرء ثهلان
[فقلت: يا ليتني للنشء منصرف ... كيما تعود إلى الإيراق أغصان]
قالت: وهل عاد أقوام كما نشأوا ... من قبل أن يرجعوا مثل الذي كانوا
стр. 908
وذكرت بتشبيهه الشيب بالكافور بيتي الحضرمي، على أنه من المشهور، وهما:
قالت وقد خلطت في عارضي ... مسك الشباب بكافور المشيب
يا ليت ذا المسك لم يخلط فما ... عند الغواني لذا الكافور طيب وهذا العروض معروفة، وإن لم تكن مألوفة، وهي من مجزوء البسيط التي أنشد الخليل في مثالها قول بعض العرب:
يا بنت غيلان ما أصبرني ... على خطوب كنحت بالقدوم قال أبو العباس بن قاسم:
لهج الناس بالقبيح وهاموا ... فالزم البيت واسدد الأبوابا
وإذا ما خرجت تطلب رزقاً ... فتلين لهم وكن خلابا
وإذا ما جلست يوماً إليهم ... فالزم الصمت واضمم الأثوابا
فكثير ممن تجالس تلفي ... من عيوب الورى لديه عيابا
وإذا ما سألتهم عن جميل ... لم تجد فيهم لديه جوابا
لقي الناس قبلنا غرة الده ... ر ولم نلق منه إلا الذنابى
فانقبض والزم التصاون حتى ... يغلق الموت من حياتك بابا
стр. 909
@فصل في ذكر الأديب أبي طالب عبد الجبار
من أهل جزير شقر، كان يعرف بالمتنبي، برع أهل وقته أدباً، وأعجبهم مذهباً، وأكثرهم تفنناً في العلوم، وأوسعهم ذرعاً بالإجادة في المنثور والمنظوم. وكان - بلغني - يعد نفسه بملك، وينخرط للمجون في سلك، ولا يبالي أين وقع، ولا يحفل بشيء صنع، وكان قد استتر ببلغة، واقتصر على طريقة؛ فلم يطرأ على الدول، ولا تجاوز في شعره ملح الأوصاف والغزل. وله أرجوزة في التاريخ أغرب فيها، وأعرب بها عن لطف محله من الفهم، ورسوخ قدمه في مطالعة أنواع العلم؛ وقد أثبتها على طولها، لاشتمال فصولها على علم جليل، وباع في الخبر طويل؛ وقدمت قبلها جملة مما وقع في شرك حفظي من سائر شعره؛ على أنه استفرغ مجهوده في وصف صنت الكتاب عن ذكره.
@جملة من أشعاره في أوصاف شتى
قال يصف مجاري الماء في سواقي أجنة بلنسية:
خرجنا للنزاهة في البقيع ... فنلنا الوصل من رشأ بديع
стр. 910
وهب لنا النسيم بكل طيب ... كأنا منه في زمن الربيع
على نهر كأن الماء فيه ... بقايا فوق خد من دموع وقال يصف منزله:
كيف البقاء ببيت لا أنيس به ... ولا وطاء ولا ماء ولا فرش
كأنه كوة في حائط نقبت ... في ظلمة الليل يأوي جوفها حنش وقال:
قل لأبي يوسف المنتقى ... الفاضل الأوحد في عصره
ومن إذا حرك أوتاره ... وظل يبدي السحر من عشره
تخاله إسحاق أو معبداً ... يشدو بألحان على وتره
هل لك أن تسمع مهديكم ... وأن توفي الحق من بره
حتى إذا الأيام أبدت له ... ما في ضمير الدهر من سره
وصير التاج على رأسه ... وأقبل الوفد إلى قصره
أعطاك من جدواه ما تشتهي ... فضته البيضاء أو تبره
стр. 911
وقال:
وشادن وجهه ذكاء ... فيه حيا الحسن والحياء
لما اغتدى قارئاً بحزن ... لذ لي الحزن والبكاء
ثم تذكرت قول ربي ... " يزيد في الخلق ما يشاء " وقال:
وخمار أنخت به مسيحي ... رخيم الدل ذي وجه صبيح
سقاني ثم غناني بصوت ... فداوى ما بقلبي من جروح
وفض فم الدنان على اقتراحي ... ففاح البيت منها طيب ريح
فقلت له لكم سنة تراها ... فقال أظنها من عهد نوح
فلما أن شدا الناقوس ضرباً ... دعاني أن هلم إلى الصبوح
وحياني وفداني بكأس ... وقبلني فرد إلي روحي @فصول من خطبته التي جعلها مقدمة لأرجوزته
قال في صدرها: أما بعد، فإنه لما كانت مخاطبة الرئيس، تنوب عن لقائه الذي هو حياة النفوس، وربيع القلوب، وثلج الصدور، وناظم
стр. 912
فرائد الحظوظ والحبور، وكانت حالي قد أناخت بذراه الرحب، وآمالي قد كرعت في مورده العذب، إذ هو سماء تمطر، وبحر لا يكدر وغيث ممرع يحيا به المجدب؛ وما زلت روم لقاءه على تراخي الأيام، فيحول بيني وبينه قدر لا يرام، وعقال تقاضيه غير مطلق، وباب الرجاء به مغلق؛ فأعملت المداد والأقلام؛ برجز صنعته، وكلام وضعته، والغرض فيه امتداحه، والقصد منه استمناحه، وهو في معنى ما تضمنته كتب التواريخ؛ قطفت عيون زهرها، والتقطت مكنون دررها، واقتصرت على أقلها دون أكثرها، مما لا يسع جهله؛ وحذقت كل حديث يتغلغل، وخبر يتسلسل، وما اتصل بذلك من أخبار املاكها الدرس، إلى وقتنا هذا، ومن وليها من بني أمية وغيرهم. وذكرت من ولي الخلافة بالمشرق من بني العباس بعد المطيع لله إلى وقتنا هذا، وهو وقت التاريخ الذي ذكرته في الارجوزة، والإمام الآن فيه القائم بأمر الله ابن القادر بالله، وقصدت إلى معنى الاستذكار به لجوامع التاريخ والأخبار، وسلكت مذهب الاختصار، رجاء أن تطلعني قريحتي على مغزاه، وتنشط منتي إلى قرب مرماه، وقدمت أولاً مقدمات من أصول الاعتقادات.
стр. 913
@وأول أرجوزته
يقول مهدي الورى المنتظر ... ها فاسمعوا ما قلته واعتبروا
أبدأ باسم الله في الترجيز ... رب الأنام الملك العزيز
ثم بذكر المصطفى محمد ... صلى عليه الله طول الأبد
والطيبون آله الكرام ... عليهم الصلاة والسلام
أهدي من القريض ما نمقته ... إلى رئيس سيد أملته
تنفق سوق العلم في ذراه ... مضمناً للبعض من حلاه
في كلم كلؤلؤ العقود ... أنظم ما ضمنه المسعودي
وغيره من سائر الأئمه ... في كل من ولي أمر الأمه
مقتصراً منه على عيونه ... وحاذفاً للحشو من فنونه @في التحميد
والحمد للمبتدع السماء ... والأرض ذي الآلاء والنعماء
سبحانه من خالق جبار ... يعلم ما في البر والبحار
وكل شيء عنده معلوم ... فهو الإله الواحد القيوم
رب عظيم أول لم يزل ... باري البرية الكبير المعتلي
أبدعها من بعد أن لم تكن ... بدعة خلاق لها مهيمن
стр. 914
وعرشه قد كان فوق الماء ... كذا المقال الحسن الملاء
من قبل أن لم يك عرش لا ولا ... ملاً يرى تكوينه ولا خلا
ولم يكن شيء سواه قبل ... تبارك الله المليك العدل
وانفرد الرب بوحدانيته ... فوق النهى والوهم عن بريته
وسبقت كل البرايا قدرته ... والصفة العليا فتلك صفته
جلت صفات الصانع القديم ... عن قول جهم وذوي التجسيم
فافهم مقال جبهذٍ مميز ... يومي إلى الحق ولما يلغز
إياه فاعبد أيها الإنسان ... فهو اللطيف القادر المنان
ولتعتبر في ملكوت العالم ... كلا وفي نفسك يا ابن آدم
ألم تكن من نطفةٍ مكونا ... ثمت هيا لك صنعاً متقناً -
من آلة الإحساس والحياة ... والقوت والرزق إلى الممات
فصرت حياً ناطقاً بصيرا ... تعتبر الحكمة والتدبيرا
علمنا بالقلم البيانا ... حتى علمنا قبل ما قد كانا
من أمم بادت بصرف الأدهر ... أشهدنا من ذاك ما لم نحضر
سبحانه من واحدٍ قدير ... مصرف الأزمان والدهور
стр. 915
@مقدمات من أدلة المعرفة والاستدلال
@على الصانع تعالى من الصنعة
والجسم ليس فاعلاً في الجسم ... قال بهذا القول أهل العلم
أليس ذا أولى برسم العقل ... من ذاك لما استويا في المثل -
أف لقول الفئة البصرية ... أهل الهوى والفرقة يجزي كارث
دانوا معاً بقدم الحوادث ... سوف يجازون بخري كارث
وأحذر هداك الله يا ذا الفهم ... قولهم وأحذر مقال جهم
وجانب الحيدة والتعمقا ... فإن ذاك نهج من تزندقا
وقل بما يقول أهل الحق ... من مثبتي صفات رب الخلق
وأدوات الحس يا من يفحص ... عن علمها ومن عليها بحرص
السمع والبصر ثم اللمس ... والشم والذوق فتلك خمس
وكل ما تدركه موجود ... مؤلف مبعض محدود
جهاته ست بلا امتراء ... معلومة من غير ما خفاء
أعلاه والتحت وبعد خلف ... ويمنة ويسرة تحف
ثم أمام سادس الجهات ... وهكذا مقترن الصفات
فبعضها يوجب فاعلم بعضا ... فلا تكن بجهل هذا ترضى
فكل ماله قياس يعقل ... من المضاف في المعاني أول
إن له فافهم مقالاً آخرا ... فكل ما له طرف لا إمترا
следующие страницы →