← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

على ما في يديه، بعد الدولة العامرية، فأضحت أقطار الجزيرة يومئذٍ كبني الأعيان، وأهلها كما قال أخو بني عدوان: عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض بغى بعضهم بعضاً ... فلم يبقوا على بعض فاشتمل هذا القطر الغربي لأول تلك المدة على بيتي حسب، وجمهوري أدب، مملكتان من لخم وتجيب، مصرتا بلاده، وأكثرتا رواده، فأتاه العلم من كل فج عميق، وتبادره العلماء من بين سابق ومسبوق، وكلما نشأ من هذين البيتين أمير كان إلى العلم أطلب، وفي أهله أرغب، والسلطان سوق يجلب إليه، ما ينفق لديه، حتى اجتمع في الجانب الغربي على ضيق أكنافه، وتحيف العدو قصمه الله لأطرافه، ما باهى الأقاليم العراقية، وأنسى بلغاء الدولة الديلمية، فقلما رأيت فيه ناثراً غير ماهر، ولا شاعراً غير قاهر، دعوا حر الكلام فلبى، وأرادوه فما تأبى، وطريقته في الشعر الطريقة المثلى التي هي طريقة البحتري في السلاسة والمتانة، والعذوبة والرصانة. وأنا أورد في هذا القسم بعض ما انتهى إليّ من حر كلامهم، في نثرهم ونظامهم، مشوباً ذلك كله بفنون فوائد ومعارف من أخبار يحسن الوقوف عليها. على أن الذي بلغني من شعر كل قطر، ثماد من بحر، ونقطة من قطر، ولقد فاتني كثير من الكتاب والوزراء

стр. 947

وجملة من أعيان الشعراء، ممن كان في ذلك التاريخ، منهم من لم أسمع بذكره، ومنهم من لم يسمح نقدي بإثبات ما بلغني من شعره، وربما أجريت ذكر أحدهم غير مبوب عليه، ولا مشير إليه، إما لشيء أجاد فيه، وإما أن يتعلق ذكره بذكر من أجريه، وقد أبدأ بذكر الرجل لمكانه من الإحسان، لا لتقدمه من الزمان، أو لبعض ما يدعو إليه القول من نسق خبر، أو موجب نظر، فأول ما ابتدأت به من أهل حمص آل عباد لنباهة ذكرهم، مع جودة شعرهم. فصل في ذكر القاضي أبي القاسم محمد بن عباد وإيراد جملة من أخباره، واجتلاب قطعة من أشعاره قال ابن بسام: كان ذو الوزارتين القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل ابن عباد المتغلب على إشبيلية ممن له في العلم والأدب باع، ولذوي المعارف عنده بها سوق وارتفاع، وكان يشارك الشعراء والبلغاء في صنعة الشعر وحوك البلاغة، بسطاً لهم، وإقامة لهممهم، ولما كان في طبعه من ذلك أيضاً، وقد ذكر الوزير أبو رافع الفضل بن علي بن أحمد بن حزم الفارسي

стр. 948

في كتابه الموسوم ب - " الهادي إلى معرفة النسب العبادي " كيف طلع نجمه، وثبت في ديوان الملوك اسمه، وقد أثبت من ذلك ما امتد بي إليه سبب، واتصل بينه وبين ما أنا بسبيله نسب، ووصلت به ما لم أجد لأبي رافع زيادة على ما بين، وتماماً على الذي أحسن. قال أبو رافع: القاضي ابن عباد هو أبو القاسم محمد بن ذي الوزارتين أبي الوليد إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم، وعطاف هو الداخل منهم بالأندلس في طالعة بلج بن بشر القشيري، وكان عطاف من أهل حمص من صقع الشام لخمي النسب صريحاً، وموضعه من حمص العريش، والعريش في آخر الجفار بين مصر والشام؛ ونزل بالأندلس بقرية يومين من إقليم طشانة من أرض إشبيلية. قال ابن حيان: وإسماعيل بن عباد قاضيهم القديم الولاية، ورجل الغرب قاطبةً، المتصل الرئاسة في الجماعة والفتنة، وكان أيسر مكور بالأندلس وقته، ينفق من ماله وغلاته، لم يجمع درهماً قط من مال

стр. 949

السلطان ولا خدمه، وكان واسع اليد بالمشاركة، آوى صنوف الجالية من قرطبة عند احتدام الفتنة، وكان معلوماً بوفور العقل وسبوغ العلم والركانة، مع الدهاء وبعد النظر وإصابة القرطسة. فأما ذو الوزارتين أبو القاسم ابنه فأدرك متمهلاً، وسما بعد إلى بلوغ الغاية فخلط ما شاء وركب الجراثم الصعبة، وكان القاسم بن حمود قد اصطنعه بعد مهلك أبيه إسماعيل، ورد عليه ميراثه من قضاء بلده بعد بعده عنه مدة، [٢ب] وحصل منه بمنزلة الثقة، فخانه تخون الأيام عند إدبارها عنه، إيثاراً للحزم وطلباً للعافية، فصده عن إشبيلية بلده لما قصده من قرطبة مفلولاً؛ وكان الذي وطد له ذلك نفر من أكابرها المرتسمين بالوزارة، مناغين في ذلك لوزراء قرطبة، على تحميلهم لابن عباد كبر ذلك، لإنافته عليه في الحال وسعة النعمة، وإحسائهم عليه ملك ثلث إشبيلية ضيعةً وغلةً، يخادعونه بذلك عن نشبه، إبقاءً منهم على نعمهم، وهو يشتري بذلك أنفسهم ولا يشعرون، إلى أن وقعوا في الهوة، وكانوا جماعةً منهم بنو أبي بكر الزبيدي النحوي وبنو يريم صنائع ابن عاد وغيرهم، راض بهم الأمور واستمال العامة، فلما توطأت له قبض أيدي أصحابه هؤلاء، وسما بنفسه فأسقط جماعتهم

стр. 950

وجرت له في تدبيرهم أمور يشق إحصاؤها، ركب فيها أحزم طرق طلاب الدول، حتى انفرد بسابقته ومهد لدولته، واجتمع أهل عمله على طاعته، فدانوا له، وسلك سيرة أصحاب الممالك بالأندلس لأول وقته، وقام بأصح عزمٍ وأيقظ جد، واخترع في الرياسة وجوهاً تقدم فيها كثيراً منهم، وامتثل رسم ابن يعيش صاحب طليطلة من بينهم في تمسكه بخطة القضاء وارتسامه باسمه، وأفعاله على ذلك أفعال الجبابرة، وأقبل لأول وقته يضم الرجال الأحرار من كل صنف، ويشتري العبيد، والجد يساعده والأمور تنقاد له، إلى أن ساوى ملوك الطوائف وزاد على أكثرهم بكثافة سلطانه، وكثرة غلمانه، فنفع الله به كافة رعيته ونجاهم من ملك البرابرة؛ وتدرج في تدبير ذلك أولاً أولاً، ومارسه شأناً شأناً، إلى أن استولى على أمده، ومهد، قواعد سلطانه، وشد أواخيه. وأخباره مأثورة مشهورة. قال ابن حيان: ومن أشهر أخباره أنه نظر في شأن من بقي من فتيان بني مروان يومئذ فسقط إليه خبر الدعي المشبه بهشام بن الحكم، وكان قد تحدث أنه أفلت من يدي سليمان قاهره، وإنه غاب ببلاد المشرق

стр. 951

مدته الطويلة ثم عاد إلى الأندلس، فقدح ذلك في قلوب الناس لمقدمات سلفت في ذكر هذا الرجل والشك في موته، إذ كان سليمان قاتله قد ترك إبداءه للناس، حسبما فعلته خدمة الملوك قبل فيمن خلعوه، إما استخفافاً من سليمان يومئذ بمن ملك نواصيهم بالقهر، أو ما شاء الله من غلط أصاب المقدار قصده، لقضاء سبق في علم أم الكتاب، فلم تزل طائفة من شيعته تنفي موته، وتروي في ذلك روايات تبعد عن الحقيقة، وتصدر عن نسوان وخصيان من أهل القصر بقرطبة، إلى أن علق ذلك بمن فوقهم من شيع المروانية، فشدوا أواخي خلاصه، وقطعوا على حياته، ووصفوا أنه اضطرب بقرطبة في دولة البرابر ممتهنا نفسه في طلب المعيشة، ثم زعموا بعد حين أنه عبر إلى أرض المشرق، وانساح في ذلك الأفق، وقضى كل المناسك هنالك، ووطئ كل بقعة، ثم كر راجعاً إلى دياره لأمد محدود ولكرة الدولة المروانية، لتحدث على يديه الأنباء البديعة، فدانوا - كما تسمع - بالرجعة دينونة الشيعة، وتاهوا في ذلك تيه تضليل، سخر منهم أهل التحصيل، إلى أن ظهر على زعمهم بالمرية سنة ست وعشرين في أيام زهير الصقلبي. ولم تزل قصة هذا المشبه بهشام في قلوب الناس دبيب النار في الفحم، فدبر ابن عباد خبره، واهتبل الغرة في ذلك، وأنه أقل ما يجيء له

стр. 952

منه دفع مكروه ابن حمود، ونظم الناس على حربه، [٣أ] فأخبر أنه حصل هشام عنده، وجمع من بقي بإشبيلية من نساء القصر والحرم، فاعترف به أكثرهم ووقفوا على عينه، وأومأ إلى ثقاتهم عنده بما يريد فيه، فاجتنبوا خلافه وابتغوا موافقته، فوجد ابن عباد بذلك السبيل إلى ما دبره من حرب ابن حمود، وحجبه عن أعين الناس، وبث كتبه بذلك إلى جميع الرؤساء، واستنهضهم إلى الاجتماع على هذا الخليفة المخبوء لفك الرقاب وكرة الأيام، والجهاد دونه، فكثر الخوض بالأندلس في ذلك، ومالت نفوس أهل قرطبة في نصبه إماماً للجماعة، وأشخصوا الرسل للوقوف على عين هشام، وتثبيت الشهادة فيه، وزور ابن جهور وغيره في ذلك شهادات، على علم منهم، ابتغاء عرض الدنيا وإذعاناً من ابن جهور أيضاً لما رآه من دفع ابن حمود الفاغر فاه على حضرة قرطبة، فرجع منه سريعاً إلى الاعتراف بالخطأ بقية عمره بعد عظيم ما انبعثت في ذلك من الفتن، وجرت من المحن، وصرع من الجبابرة، ونقل من الدول؛ انتهى كلام ابن حيان. قال ابن بسام: وكان القاضي ابن عباد - كما وصف - زاخر العباب متألق الشهاب، أذكى من قاس وقلد، وأدهى من أتهم وأنجد، يأخذ وكأنه يدع، ويطير فيحسب أنه وقع، فتغلب على إشبيلية وليس له أوان ذلك معقل إلا وله شر راتب، وعليه أمير غالب، فدار الأمر بها عليه لتميزه بخطة القضاء التي لم يجاذب رداءها، ولا سلم لأحدٍ

стр. 953

بعد لواءها، إلى أن استوثق الأمر ليحيى بن علي الحمودي - حسبما تقدم - فاضطر أهل إشبيلية إلى الإذعان لطاعته، والدخول فيما دخل فيه الناس من جماعته، وأدارهم لأمور جرت على رهون تكون بيده، فضن كل بولده، وبادر القاضي فراهنه ابنه عباداً، فانفرد بالتدبير، واستولى على الأمور، واستظهر على ذلك بهدم البيوتات، وتشتيت ذوي الهيئات، وأول ما بدأ به من ذلك نكبة شيخي المصر يومئذ الزبيدي وابن يريم، طواهما طي السجل، وقبضهما قبض الظل، فأيد القاضي يومئذ بحبيب وزيره، ودارت عليه رحى تدبيره، رجلٍ من أهل بادية إشبيلية لم تكن له نباهة مذكورة، ولا سابقة مشهورة، أوسع أهل زمانه شراً، وأوسعهم خديعة ومكراً، وأيد أيضاً بابنه إسماعيل طود أصالةٍ، وجني بسالة، محش تلك النار، وسابق ذلك المضمار، فبين هذين استوسقت له الأمور، وتدفقت تلك البحور؛ وله أخبار مشهورة، وقصص مأثورة، فيها بعض الطول، وهي عادلة عن تلك السبيل، لكني ألمع منها بلمعةٍ. قال ابن حيان: تعطلت قصبة باجة في ذلك الأوان بسبب فتنة البرابرة وخربت، على قدم بنائها في الجاهلية، واتصال عمرانها في الإسلام، ومكانها من طيب الميرة واتساع الخطة، وكانت آفاتها من اختلاف أهلها قديماً، وبقاء شؤم العصبية بين العرب منهم والمولدين إلى آخر الأيام

стр. 954

فسما لها ابن عباد وابن مسلمة المعروف بابن الأفطس، وذهبا يومئذ إلى عمارتها، فاستظهر القاضي ابن عباد في ذلك بحليفه محمد بن عد الله البرزيلي صاحب قرمونة، وجرد ابنه إسماعيل لبنائها، فسبقه ولد ان مسلمة إليها الملقب بالمظفر، وجاء مدداً لابن طيفور صاحب ميرتلة من أمراء الساحل، فنزل ابن عباد عليه بباجة، وضربت خيلة إلى ناحية يابرة والغرب فهتكت أستاراً، وخربت دياراً، واتصل الحصار بابن الافطس بباجة، وانصدع الجمع عن أسره وقتل كبار رجاله، وبعث بالأسرى إلى أبيه، وكان في جملتهم أخ لابن طيفور صلب بإشبيلية، وحبس ولد ابن الأفطس عند [٣ب] صاحب قرمونة ابن عبد الله، وبلغت هذه الغارة من ان الأفطس الغاية، وتجاوز البلاء في جهته النهاية، وهيض جناحه بأسر ابنه، ووهن ابن طيفور بقتل أخيه، وكان ابن عبد الله بقرمونة، قطب رحى الفتنة، كثيراً ما يحرض القاضي ابن عباد على الخروج إلى بلد ابن الأفطس، وإلى قرطبة، فيعما الجهات كلها تدويخاً، كلما آبا من جهة صارا إلى سواها، حتى أثرا آثاراً قبيحة، فارتفع طمع وزراء قرطبة المدبرين لها منه، لأنه كان لا يوافقهم على دعوة أموي لفرط

стр. 955

شروده عن الجماعة، وإنما كان مذهبه طمس رسم الخلافة من معانها بقرطبة، وتصيرها أسوة إشبيلية في إسنادها إلى رئيس من أهلها، وطرد قريش عن سلطانه، إبطالاً للإمامة ورسوخاً في الخارجية ودفعاً لأمر الله، فقطع سيل قرطبة وشد حصرها، فتمسك الوزراء بحبل بعض البرابر من بني برزيل بجهة شذونة، وكانوا على قديم الأيام جمرة زناتة بأساً وصرامةً، واعتضدوا بهم مدة، واعتضد أيضاً ابن الأفطس بطائفة أخرى منهم، فكان في كل بلدٍ جملة منها سالت عن أهل البلاد سيول بها، وخلطوا الشر بين رؤسائها، واستخرجوا بذلك ما اطمروه من دنانيرهم وخلعهم، وجاحوا ذات أيديهم، وعلموهم كيف تؤكل الكتف، فطال العجب عندنا بقرطبة وغيرها من صعاليك قليلٍ عددهم، منقطع مددهم، اقتسموا قواعد الأرض في وقت معاً، مضربين بين ملوكها، راتعين في كلأها، باقرين عن فلذتها، حلوا محل الملح في الطعام ببأسهم الشديد، وقاموا مقام الفولاذ في الحديد، فلا يقتل الأعداء إلا بهم، ولا تعمر الأرض إلا في جوارهم، فطائفة عند ابن الأفطس تقاوم أصحابها قبل ابن عباد، وطائفة عندنا بقرطبة تحيز أهلها عن الأضداد، فسبحان الذي أظهرهم، ومكن في الأرض لهم، إلى وقت وميعاد. وكان انطلاق المظفر من يد ابن عبد الله في ربيع الأول من سنة إحدى

стр. 956

وعشرين في خبر طويل، وعرض عليه ابن عبد الله يوم أطلقه أن يجتاز على القاضي ابن عباد [ليشركه] في المن عليه بفكه، فأبى من ذلك وقال: مقامي في أسرك أشرف عندي من تحمل منته، فأما انفردت باليد عندي وإلا أبقتني على حالي، فأعجب ابن عبد الله بمقاله، ونافس في إسداء اليد عنده لكمال خصاله، وأكرم تشييعه، فنفذ إلى أبيه يومئذ ببطليوس وقد هذبته محنتهن وتمت أدواته وقويت حنكته، وكان مرجلاً معقلاً أديباً عالماً، فرجع إلى مقاومة ابن عباد. فلما كان في سنة خمس وعشرين وجه ابن عباد بابنه إسماعيل مع عسكر إلى أرض العدو تحت معاقدة بينه وبين ابن الأفطس، فلما أوغل إسماعيل ببلده يريد أرض غليسية، وابن الأفطس مضمر الغدر به، بادر بجميع رجال ثغره، ورصده في شعب ضيق في طريق قفوله، ولم يعلم ابن عباد بشيء من تدبيره حتى حصل في الأنشوطة، فبادر إسماعيل بالنجاة لنفسه، وأسلم جميع عسكره له، وجرت عليه في مهربه مع جملة من أصحابه شدة لجأ فيها إلى ذبح خيله والاغتذاء بلحومها، ونحا بذمائه إلى مدينة أشبونة آخر عمله من ساحل البحر المحيط، فاصطلم ابن الأفطس عسكره اصطلاماً لم يسمع بمثله، ووقع سرعان العدو من النصارى على كثير منهم فاقتصوهم اقتناصاً، وقتلوا منهم أمة، وكانت حادثة شنيعة بقيت بها عداوتهما إلى آخر وقتهما.

стр. 957

قال ابن بسام: ومن شعر ذي الوزارتين قوله: يا حبذا الياسمين إذ يزهر ... فوق غصون رطيبةٍ نضر قد امتطى للجبال ذروتها ... فوق بساطٍ من سندس أخضر كأنه والعيون ترمقه ... زمرذ في خلاله جوهر وقال: وياسمين حسن المنظر ... يفوق في المرأى وفي المخبر كأنه من فوق أغصانه ... دراهم في مطرف أخضر وقال: ترى ناضر الظيان فوق غصونه ... إذا هو من ماء السحائب يغتذي وحفت به أوراقه في رياضه ... وقد قد بعض مثل بعض وقد حذي كصفرٍ من الياقوت يلبسن بالضحى ... منضدةً من فوق قضب الزمرذ فصل في ذكر المعتضد بالله عباد ابن ذي الوزارتين القاضي أبي القاسم محمد بن عباد وسياقة مقطوعات من أشعاره، مع جملة من عجائب أخباره قال ابن بسام: ثم أفضى الأمر إلى عباد ابنه سنة ثلاث وثلاثين

стр. 958

وتسمى أولاً بفخر الدولة ثم المعتضد، قطب رحى الفتنة، ومنتهى غاية المحنة، من رجل لم يثبت له قائم ولا حصيد، ولا سلم عليه قريب ولا بعيد، جبار أبرم الأمور وهو متناقض، وأسد فرس الطلى وهو رابض، متهور تتحاماه الدهاة، وجبار لا تأمنه الكماو، متعسف اهتدى، ومنبت قطع فما أبقى، ثار والناس حرب، وكل شيءٍ عليه إلب، فكفى أقرانه وهم غير واحد، وضبط شانه بين قائم وقاعد، حتى طالت يده، واتسع بلده، وكثر عديده وعدده؛ افتتح أمره بقتل وزير أبيه حبيب المذكور، طعنةً في ثغر الأيام، ملك بها كفه، وجباراً من جبابرة الأنام، شرد به من خلفه، فاستمر يفري ويخلق، وأخذ يجمع ويفرق، له في كل ناحية ميدان، وعلى كل رابية خوان، حربه سم لا يبطئ، وسهم لا يخطئ، وسلمه شر غير مأمون، ومتاع إلى أدنى حين. وذكره ابن حيان فقال: وعشي يوم الأربعاء لست خلت لجمادى الآخرة سنة إحدى وستين، طرق قرطبة نعي المعتضد عباد زعيم جماعة أمراء الأندلس في وقته، أسد الملوك، وشهاب الفتنة، وراحض العار، ومدرك الأوتار، وذو الأنباء البديعة، والحوادث الشنيعة، والوقائع المبيرة، والهمم العلية، والسطوة الأبي، فرماه الله بسهم من مراميه

стр. 959

المصمية، أجل ما كان اعتلائه، وأرقى ما كان إلى سمائه، وأطمع ما كان في الاحتواء على الجزيرة، محتفزاً لها عند تشميره الذيل بفتنة لا كفاء لها، فتوفاه الله على فراشه من علة ذبحة قصيرة الأمد، وحية الإجهاز، اتفقت الحكايات أنها كانت شبه البغت. وكانت ولايته بعد موت أبيه القاضي يوم الاثنين غرة جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين، وقضى نحبه يوم السبت الثاني من جمادى الآخرة سنة [٤ب] إحدى وستين، ودفن عشي يوم الأحد بعده، تغمد الله خطاياه، فلقد حمل عليه على مر الأيام، في باب فرط القسوة وتجاوز الحدود، والإبلاغ في المثلة، والأخذ بالظنة، والإخفار للذمة، حكايات شنيعة لم يبد في أكثرها للعالم بصدقها دليل يقوم عليها، فالقول ينساغ في ذكرها؛ ومهما برئ من مغبتها فلم يبرأ من فظاعة السطوة وشدة القسوة، وسوء الاتهام على الطاعة، سجايا من جبلة لم يحاش فيها ذوي رحم واشجة. وقد كان تقيل سيرة أحمد بن أبي أحمد بن المتوكل أحد أشداء خلفاء العباسيين الذي ضم نشر المملكة بالمشرق، وسطا بالمنتزين عليها، وبفقده انهدمت الدولة، فحمل عباد سمته المعتضدية، وطالع بفضل

стр. 960

نظره أخباره السياسية التي أضحت عند أهل النظر أمثلة هاديةً إلى الاحتواء على أمد الرياسة، في صلابة العصا وشناعة السطا، فجاء منها بمهولات يذعر من سمع بها فضلاً عن من عاينها، نسبوا إلى هذا الأمير الشهم عباد امتثالها من غير دلالة، وقد انطوى علم الله فيها وتقرر إرصاده للمكافأة بها؛ ولم يقصر عباد في دولته التي مهدها فوق أطراف الأسنة وصير أكثر شغله فيها شب الحروب، وكياد الملوك وإهراج البلاد، وإحراز التلاد، من توفر حظه الأوفى من الأمور الملوكية، والعدد السلطانية، والآلات الرياسية، فابتنى القصور السامية، واعتمر العمارات المغلة، واكتسب الملابس الفاخرة، وغالى الأعلاق السنية، وارتبط الخيول السابحة، واقتنى الغلمان الروقة، واتخذ الرجال الذادة، تناقهم من كل فرقة، فساس طبقاتهم ما بين إدرار الأعطية وضمان الزيادة على صدق الصيال، والوفاء بالوعيد على النكول عن العدو، سياسة أعيت على أنداده من أملاك الأندلس، فخرج منهم رجالاً مساعير حروب، أباد بهم أقتاله. ومن نادره أخباره المتناهية في الغرابة أن نال بغيته وأهلك تلك الأمم العاتية، وإن لغائب عن مشاهدتها، مترفه عن مكابدتها، مدبر فوق أريكته، منفذ لحيلها من جوف قصره، ما إن مشى إلى عدو أو مغلوب من أقتاله غير مرة أو اثنتين، ثم لزم عريسته يدبر داخلها أموره، جرد نهاره لإبرام التدبير، وأخلص ليله لتملي السرور، فلا يزال تدار عليه مؤوس الراح، ويحيا عليها بقبض الأرواح، التي لأناسيها من

стр. 961

أعدائه بباب قصره حديقة تطلع كل وقت ثمراً من رؤوسهم المهداة إليه، مقرطة الآذان برقاع الأسماء المنوهة بخاملها، ترتاح نفسه لمعاينتها، والخلق يذعرون من التماحها، وهو واصل نعيم ليله بإجالة كيده، ومستدع نشاط لهوه بقوة أيده، له في كل شأن شؤين، وعلى كل قلب سمع وعين، ما إن سبر أحد من دهاة رجالة غوره، ولا أدرك قعره، ولا أمن مكره، لم يزل ذلك دبه منذ ابتدائه إلى انتهائه. وكان محمد بن عبد الجبار الملقب بالمهدي، مفرق الجماعة بقرطبة، ومبتعث تلك الفتنة المبيرة، سبق عباداً إلى اتخاذ مثل هذه الحديقة المطلعة لرؤوس أعدائه، أيام أكثر له واضح الخصي العامري من إرسال برؤوس الخارجين عليه، لأول وقته، وأصلح بهم باب مدينته سالم، فغرس منها فوق الخشب المعلية لها بشط النهر حذاء قصره حديقة هول عريضةً طويلة الخطة، جمة عدد الصفوف المسطورة، فأضحت شغلاً للنظارة، وذكرتها شعراؤه مثل قول صاعد بن الحسين، من قصيدة أولها: جلاء العين مبهجة النفوس ... حدائق أطلعت ثمر الرؤوس هناك الله مهدي المساعي ... جنى الهامات من تلك الغروس فلم أر قبلها وحشاً جميلاً ... كريه روائه أنس الأنيس فماذا يملأ الأسماع منها ... إذا ملئت من انباء الطروس وقد كانت لعباد وراء هذه الحديقة المالئة قلوب البشر ذعراً، مباهاة بخزانة بلوى، أكرم لديه من خزانة جوهره، مكنونة جوف قصره

стр. 962

أودعها هام الملوك الذين أبادهم بسيفه، منها رأس محمد بن عبد الله البرزيلي شهاب الفتنة، ورؤوس الحجاب ابن خزرون وابن نوح وغيرهم الذين قرن رؤوسهم برأس إمامهم الخليفة يحيى بن علي بن حمود، سابقهم إلى تلك الرفعة، فخص رؤوسهم بالصون بعد إذالة جسومهم الممزقة، وبالغ في تطييبها وتنظيفها للثواء لا للكرامة، وأودعها المصاون الحافظة لها، فبقيت عنده ثاويةً تجيب سائلها اعتباراً؛ انتهى كلام ابن حيان. قال ابن بسام: فلما افتتحت إشبيلية وخلع المعتمد، حدثت أنه وجد جوالق مطبوع عليه، وظن أنه مال أو ذخيرة، فإذا هو مملوء رؤوساً، فأعظم ذلك وهال أمره، فدفع كل رأس منها لمن كان بقي من عقبهم بالحضرة، أخبرني من رأى رأس يحيى بن علي بن حمود يومئذ ثابت الرسم متغير الشكل، فدفع إلى بعض ولده فدفنه. قال ابن حيان: وكان عباد أوتي أيضاً من جمال الصورة، وتمام الخلقة، وفخامة الهيئة، وسباطة البنان، وثقوب الذهن، وحضور الخاطر، وصدق الحس، ما فاق أيضاً به على نظرائه. ونظر مع ذلك في الأدب، قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان، أدنى نظر بأذكى طبع، حصل منه لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها من غير تعهد لها، ولا إمعان في غمارها، ولا إكثار من مطالعتها، ولا منافسة في اقتناء صحائفها، أعطته نتيجتها على ذلك ما شاء من تحبير الكلام، وقرض قطع من الشعر ذات طلاوة، في معان أمدته فيها الطبيعة، وبلغ فيها الإرادة، واكتتبتها

стр. 963

الأدباء للبراعة - جمع هذه الخلال الظاهرة والباطنة إلى جود كف بارى بها السحاب. وأخبار عباد في جميع أفعاله وضروب أنحائه - عالناته وخافياته - غريبة بعيدة، وكان على تجرده في إحكام التدبير لسلطانه ذا كلف بالنساء، فاستوسع في اتخاذهن، وخلط في أجناسهن، فانتهى في ذلك إلى مدىً لم يبلغه أحد من نظرائه، قيل إنه خلف من صنوفهن السريريات خاصة نحوا من سبعين جارية، إلى حرته الحظية لديه الفذة من حلائله بنت مجاهد العامري أخت علي بن مجاهد أمير دانية، ففشا نسل عباد لتوسعه في النكاح وقوته عليه، فذكر أنه كان له من ذكور الولد نحو من عشرين ومن الإناث مثلهم؛ انتهى كلامه. قال ابن بسام: وكان المعتضد - كما وصف - ينفث بأبيات من الشعر فيما يعن له من أمر، ورأيت ابن أخيه إسماعيل قد جمع شعر عمه هذا في ديوان، وسأجري هاهنا طرفاً منه. جملة من أشعاره مع ما ينخرط في سلكها من عجائب أخباره قال: كأنما ياسميننا الغض ... كواكب في السماء تبيض والطرق الحمر في جوانبه ... كخد عذراء مسها عض

стр. 964

وقال: إشرب على وجه الصباح ... وانظر إلى نور الأقاح واعلم بأنك جاهل ... ما لم تقل بالإصطباح فالدهر شيء بارد ... إن لم تسخنه براح وقال: أتتك أم الحسن ... تشدو بصوتٍ حسن تمد في ألحانها ... مد الغناء المدني تقود مني سلسلاً ... كأنني في رسن أوراقها أستارها ... إذا شدت في فنن [٥ب] ومعنى هذا البيت كقول ابن المعتز: ذرى شجر للطير فيه تشاجر ... كأن سقيط الطل فيها جواهر كأن القماري والبلابل حولنا ... قيان وأوراق الغصون ستائر وقال بعض أهل عصرنا وهو الوزير أبو محمد بن عبدون: يا نفحة الزهر من مسراك وافاني ... خلوص رياك في أنفاس آذار والأرض في حلل قد كاد يحرقها ... توقد النور لولا ماؤها الجاري والطير في ورق الأشجار شادية ... كأنهن قيان خلف أستار

стр. 965

ومعنى بيت ابن عبدون الثاني من متداولات المعاني، منها قول الآخر ونقله إلى الدموع: لولا الدموع وفيضهن لأحرقت ... أرض الوداع حرارة الأكباد وأشبه منه قول ابن رباح: نار يغذيها السحاب بمائه ... فلذاك لم تك ترتمي بشرار ومن أحسن شعر المعتضد قوله: شربنا وجفن الليل يغسل كحله ... بماء صباح والنسيم رقيق معتقة كالتبر أما نجارها ... فضخم وأما جسمها فدقيق وقال يخاطب مجاهداً: خلي أبا الجيش هل يقضى اللقاء لنا ... فيشتفي منك طرف أنت ناظره شط المزار بنا والدار دانية ... يا حبذا الفال لو صحت زواجره وقال من جملة قصيدة يخاطب بها أباه القاضي: أطعتك في سري وجهري جاهداً ... فلم يك لي إلا الملام ثواب ولما كبا جدي إليك ولم يسغ ... لنفسي على سوء المقام شراب

стр. 966

فررت بنفسي أبتغي فرجةً لها ... على أن حلو العيش بعدك صاب وما هزني إلا رسولك داعياً ... فقلت أمير المؤمنين مجاب فجئت أغذ السير حتى كأنما ... تطير بسرجي في الفلاة عقاب وما كنت بعد البين إلا موطناً ... بعزمي على أن لا يكون إياب " ولكنك الدنيا إليّ حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب " أصب بالرضى عني مسرة مهجتي ... وإن لم يكن في ما أتيت صواب وكان المعتضد كثيراً ما يرتاح في شعره إلى ذكر الطائفة التي كانت يومئذ تحاربه، فمن ذلك قوله: لقد حصلت يا رنده ... فصرت لملكنا عقده أفادتناك رماح ... وأسياف لها حده وأجناد أشداء ... إليهم تنتهي الشده غدوت يرونني مولىً ... لهم وأراهم عده سأفني مدة الأعدا ... ء إن طالت بي المده [٦أ] فكم من عدةٍ قتل ... ت منهم بعدها عده نظمت رؤوسهم عقداً ... فحلت لبة السدة وأعجب المعتضد يومئذ بهذه القطعة الرندية، عجب حسان بن ثابت بقصيدته الميمية، وأخذ الناس بحفظها، وحملهم على ضبط معانيها ولفظها.

стр. 967

وعلى ذكرها وذكرهم، فلنلمع بشيء من أمرهم. بدأ بغرب إشبيلية وبها عدة رؤساء، وجماعة خلفاء، فكانوا دخان ناره، وزبد تياره، إلا ما كان من ثبوت قدم قريعه المظفر بن الأفطس، فإنه نازعه لبوها، وعاطاه إلى آخر أيامه كؤوسها، ولهما في ذلك غير مجال وميدان، وقد سرد قصصهما أبو مروان ابن حيان، وسألمع بعيونها، وأقلب ظهورها لبطونها. جملة من حروبه مع المظفر وغيره من أمراء الغرب قال ابن حيان: وأول ما ظهر من تفاسد عباد والمظفر أن ابن يحيى صاحب لبلة عند هجوم عباد عليه استجار بالمظفر بن الأفطس، فأجاره وانزعج له، ووصل يده وعطل ثغره، وجمع جيشه وأقبل إلى لبلة ناصراً لابن يحيى، مضيعاً لمن خلفه يوقد نار فتنة كان في غنى عنها، حتى نزل بنفسه على ابن يحيى ودافع ابن عباد عنه، وحرك في ذلك في حلفائه البرابرة جماعةً، فسارعوا إليه غير ناظرين في عاقبة أمرهم، وتقدموا في تحريك يعسوبهم محمد بن القاسم فانتظم به أمرهم، وتقدم بهم إلى إشبيلية ورحاهم تدور على قريعهم باديس بن حبوس، مدرههم في الجلى ومفزعهم في النائبة، يسلمون لرأيه ويزحمون بركنه، فأشفق الوزير ابن جهور من حركتهم تلكن على عادته في التقلقل لأمثالها، وجهد جهده في صرفهم، وأرسل ثقات رسله إلى عامتهم، إلا ما كان من الدائلين منهم عباد داعية المروانية ومحمد بن إدريس صاحب مالقة دائل الحمودية، فإنه تنكبها

стр. 968

بعاداً من الظنة، إذ كان هو وجماعة قرطبة متوقفين على كل دعوة، فلما وصلت رسله إليهم ما زادهم إلا لجاجاً. ولم يزل ابن جهورٍ يضرب لهم الأمثال، ويخوفهم من سوء العاقبة والمآل، حتى صار فيهم كمؤمن آل فرعون وعظاً وتذكرة، يجد منهم الأطواد الراسية، ويرقي الحيات المتصامة. واستن القوم في ميدان الغي؛ فلما صح عند ابن عباد خروجه للبلة بجشيه دفعاً عن ابن يحيى منتظراً لخلطائه، جرد خيلاً ضربت على بلد ابن الأفطس، وغارت وأنجدت، وفعلت فعلات تكأن القلوب، وقرفت الندوب، ثم نهض ابن عباد بنفسه إلى لبلة للقائه، فجرت بينهما على بابها وقعة عظيمة صعبة، استهما فيهما النصر في مقام واحد شق على الأبلمة، وكانت أولاً على ابن الأفطس، فولى الدبر وخاض واديها دون مخاضة، وقيل قتل من رجاله عدد كثير، ثم رجعت له على ابن عباد كرة فكشف رجاله وأصاب منهم نفراً، ثم افترقوا ولحق بعد باديس بجمعه وخاض وادي قرطبة وجاز إلى الشرف، وتجمع بحلفائه، وعاثوا في نظر إشبيلية، وانقطعت السبل جملة، وكثر القتل والهرج والسلب، وأمسى الناس في مثل عصر الجاهلية، ثم والى ابن يحيى بعد ذلك كله المعتضد لضرورة دفعته إلى ذلك، فكاشفه المظفر وخانه فيما كان ائتمنه عليه من ماله وأودعه عنده، [٦ب] أيام تورطه في حرب المعتضد، فانبتت

стр. 969

بينهم العصمة، وضربت خيل المظفر على صاحب لبلة، فاستغاث المعتضد فلحق به خيله واقتتلت مع خيل المظفر، وكان ابن جهور كثيراً ما يوالي رسله إلى الاصطلاح بينهما، فتصدر عنهما وتخبر أن ابن الأفطس قرب إلى الملام، بامتطاء قعود اللجاج في القطيعة. ومن النوادر المحفوظة بينهما أن المعتضد والى حربه في شهور سنة اثنتين وأربعين فعبر بلده، وفتح عدة حصون ضمها إلى عمله، وشدها برجاله، ودمر عمارات واسعة أفسد غلاتها، وأوقع رعيته ف امجاعة الطويلة، وعجز المظفر عن دفاعه شبراً واحداً فما دونه، استكانةً للحادثة التي هدت ركنه، وأفنت حماة رجاله، فاعتصم بحصنه بطليوس، ولم يخرج من خيله فارساً، وجعل يشكو به إلى حلفائه، فلا يجد ظهيراً ولا نصيراً. فلما قضى المعتضد من تدويخ بلاده وطره، وكر راجعاً إلى إشبيلية في شوال من العام، وردت علينا بقرطبة يومئذ غريبة، وذلك أن رسول المظفر في أثر هذه الوقائع عليه يلتمس شراء وصائف ملهيات يأنس بهن، نافياً بذلك الشماتة عن نفسه، ولم يكن له عادة بمثله، فنقب له رسوله عن ذلك، وكن قد عدمن بقرطبة يومئذ، فوجد له صبيتين ملهيتين عند بعض التجار لا طائل فيهما، فاشتراهما له، وأقام رسوله يلتمس الخروج بهما فلم يستطع، لقطع خيل المعتضد جميع الطرق، فأقام مدةً بقرطبة إلى أن شيع بخيل كثيفة ومضى بهما، وأولوا

стр. 970

النهى يعجبون ويعجبون مما شهر به نفسه من البطالة، أيام الحروب المحرمة لأطهار النساء على فحول الرجال العاقدة للأزرة، وعلى ما كان يدعيه لنفسه من الأدب والمعرفة، وبحثت على هذه الأعجوبة وما الذي حمله على هذا افن فإذا به ناغى كاشحه المعتضد المرتاح بعد الظفر لاجتلاب قينة عبد الرحيم الوزير من قرطبة، إثر وفاته يومئذ، وقد استدعاها لما وصفت له بالحذق في صنعتها، فوجهت نحوه، فنقيله المظفر في إظهار الفراغ وطلب الملهيات، وقد علم العالم أنه لفي شغل عنهن. فامتد شأو هذين الأميرين يومئذ في الغي وتباريا في القطيعة حتى أفنيا العالمين، إلى أن سنى الله بينهما الصلح، في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين، بسعي ابن جمهور أمير قرطبة، كعادته بينهما، بعد كتب ورسل في ذلك، والمظفر يمتطي اللجاجة هنالك. فلما سكنت الحال بينهما فرغ المعتضد إلى حرب الأمراء الأصاغر بالغرب، كابن يحيى وابن هارون وابن مزين والبكري، وأتيح له من الظفر عليهم ما حاز به أملاكهم وضمها جملةً إلى عمله، ثم مد يده بعد إلى القاسم بن حمود صاحب الجزيرة الخضراء، فرضة المجاز من الأندلس

стр. 971

إلى أرض العدوة التي كان منها فتحها ومن قبلها ما أتاها على قدم الدهر، وذلك أنه لما وجد هذا الفتى، على نباهته وجلالة عمله، أضعف أمراء البرابرة شوكةً وأقلهم رجالاً، صمد له وحصره، فاستغاث القاسم حلفاءه بالأندلس وصاحب سبتة سقوت البرغواطي مولى ابن حمود، فأبطأ عليه حتى سقط في يده، ونزل على أمان، وآل أمره إلى أن لحق بقرطبة وأسكنها تحت كنف ابن جهور مع نظرائه من المخلوعين. فلما كانت سنة إحدى وخمسين، وقد أتيح له من الظفر ما أتيح، اتصلت الأنباء عندنا بقرطبة بصموت منابره في جميع أعماله عن ذكر إمامه هشام بن الحكم، صاحب الرجعة، الذي اتصل الدعاء له على منابره من عهد قيام والده إلى آخر هذه السنة، يومئ إليه بالحياة في غياهب الحجب من غير ظهور لخاصة ولا عامة، ودعوته على ذلك كله [٧أ] مرفوعة عند من ائتسى بالمعتضد من أمراء شرق الأندلس، إلى أن قطعها قاطع الأعناق عليها ابن عباد، فذكر أنه دعا وجوه حضرته فنعى لهم إمامهم هشاماً، وكشف إليهم تقدم وفاته من علة زمانية، ووصف أن الحال التي كان بسبيلها من اشتداد الفتنة بينه وبين من تظاهر عليه من أمراء الأندلس الدانين منه عاقه يومئذ عن البوح بوفاة هذا الإمام والشهرة لدفنه، إعطاء للحزم بقسطه، فلما سكنت الحال وجب التصريح بالحق، وعطف - زعموا - بكلامه على شحذ بصائرهم في التمسك بحبل الإمامة، والفرار عن الميتة الجاهلية. وذكر أنه خاطب من كان تحت دعوة هذا المنعي هشام من أمراء الأندلس ناعياً له، داعياً إلى التعوض منه، فارتفعت الدعوة منذ ذلك الوقت، وصارت هذا الميتة لحامل

стр. 972

هذا الاسم الميتة الثالثة، وعساها تكون إن شاء الله الصادقة، فكم قتل وكم مات، ثم انتفض من التراب، ومزق الكفن قبل نفخة الصور ووقعة الواقعة، فقد اكن مات في يد أول خالعيه محمد بن هشام بن عبد الجبار ودفن علانيةً، ثم نشر بيد واضح الصقلبي فتى بني أبي عامر ودال مديدةًن ثم قتله خالعه الثاني سليمان المستعين ودفنه خفيةً، ثم أبرز صداه علي حمود الحسني المنتزي، يذكي الطلب بثأره على الدولة، ودفنه الدفنة التي خلناها حقيقةً، فلم يلبث أن نجم حياً بإشبيلية بعد حقب، فبقي هنالك ملكاً ودال قرناً إلى أن وقعت عليه الميتة الثالثة، فما نقول ونعتقد في الفرق بين هذه الميتات المتواليات، إذ كان مائتها واحداً، وليس إلا السيوف عليها أدلة، غير إخلاص الدعاء لكلمة المسلمين في الائتلاف لما فيه الصلاح؛ انتهى ما لخصته من كلامه. قال ابن بسام: ثم غمس المعتضد يده بعد في من كان يليه من أقتاله البازلة فصدم شرهم بشرهم، وضرب زيدهم بعمرهم؛ وقد كان عندما تسعرت نار الحرب، بينه وبين رؤساء الغرب، هادنهم على دخن، ومتح لهم حتى ضربوا حوله بعطن، ليقتلهم بسيوفهم، ويستدرجهم إلى حتوفهم، فلما استقرت قدمه بشلب، قاصية قواعد الغرب، كان أول ما بدأ به من حربهم هجومه على الحاجب ابن نوح

стр. 973

المنتزي منهم - كان - بكورة مورور في غير كتيبةٍ نظمها، ولا مقدمة إليه قدمها، إلا فتيان ينبهان عليه، ويحملان الأموال بين يديه، تجاسراً على ركوب الخطر الذي تحاماه اللبيب، واستنامةً لصرف القدر وهو لا يدري أيخطئ أم يصيب، فخلص إلى ابن نوح هذا: من رجلٍ لا يبالي دم من تجرع، ولا يحفل بأي شيء يصنع، فبالغ ابن نوح في بره، وتضاءل لأمره، وحمل ذلك من فعله على آكد أسباب السلامة، وأتم وجوه الاستنامة، وفض المعتضد يومها من صميم ماله، في وجوه حماة ابن نوح ورؤوس رجاله، ما استمال به قلوبهم، واسنصح به جيوبهم. ثم صار إلى ابن أبي قرة برندة فسامه مثلها، وحذا له نعلها، فتلك اعتد عليهم يداً، وجعلها لما أراد من مكروههم أمداً. وقد كان أحد أجنادهم أشار بالرأي في أكره، وأراد أن يطلع عليه من ثنية مكره، فواطأهم يومئذ بغدره، ورمز لهم بالاستراحة من شره، ففهمها المعتضد وجعل تلك الكلمة دبر أذنه، وأثبتها في ديوان إحنه، حتى حلي بطائلها، واستقاد بعد مديدة من قائلها، وجأجأ بالحاجبين المذكورين لأول تمكنه من الغرة، وساعةً صدره من مركزه من الحضرة، فتهافتا تهافت الفراش على الجمرة، وجاءا مجيء الحائن إلى الشفرة؛ وتطفل عليهما الحائن ابن خزرون المنتزي - كان - وقته بأركش، فلله أبوه وافداً

стр. 974

لم تجزه الوفادة، وواهاً له قتيلاً لم يحل بطائل الشهادة، فجرع الكل [٧ب] الحتوف، وحكم في عامتهم السيوف، واستمر بعد ذلك على حرب بقاياهم، وتتبع أخراهم، حتى تغلب على بلادهم، وألوى بطارفهم وتلادهم، في أخبار طويلة استوفاها ابن حيان، هي خارجة عن غرض هذا الديوان؛ وقد ألمعت منها بما فيه كفاية، إذ لا يتسع هذا المجموع لاستقصاء الغاية. والسبب الذي كان يغربه بطلبهم، ويبعثه على التمرس بهم، أن بعض من نظر بمولده كان أخبره أن انقضاء دولته يكون على أيدي قوم يطرؤون على الجزيرة من غير سكانها، فكان لا يشك أنهم تلك البرازلة الطارئون عليها في عهد ابن أبي عامر، فأعمل في نكالهم وجوه سياسته، وشغل بقتالهم أيام رياسته؛ واتفق أن دخل عليه يوماً بعض وزرائه وبين يديه كتاب قد أطال فيه النظر، فإذا كتاب سقوت المنتزي يومئذ بسبتة، يذكر أن القوم الملثمين المدعوين بالمرابطين قد وصلت مقدمتهم رحبة مراكش، فقال له ذلك الوزير المذكور كلاماً معناه: وأين رحبة مراكش - دخلوها فكان ماذا - ومات الحجاج فمه -! ودونهم اللجج الخضر، والمهامه الغبر، والليالي والأيام، والجماهير العظام، فقال له المعتضد: هو والله الذي أتوقعه وأخشاه، وإن طالت بك حياة فستراه، اكتب إلى فلان - يعني عامله على الجزيرة - باحتراس جبل طارق حتى يأتيه أمري

стр. 975

وأخذ يريش في تحصينه، ووضع أرصاده هنالك وعيونه، ويبري، ولله عزائم لا تقيها الحصون، ولا يهتدي إليها الأرصاد والعيون، ولكل شيء أمد مكتوب، وميقات مضروب، ويبلغ الكتاب أجله. فصل في ذكر المعتمد على الله محمد بن عباد واجتلاب جملة من شعره، مع ما يتعلق من الأخبار السلطانية بذكره قال ابن بسام: ثم استوسق الأمر بعد المعتضد لابنه المعتمد، وكان مع اشتغاله بالحرب، وسعة مجاله بين الطعن والضرب، وعلى أن أباه عباداً ما انفك يدير عليه الرحى، ويقرع إليه كلما قرعت عصاً عصاً، حتى صار أسوة لنجوم ليلها، وحلساً لمتون خيلها: لا يشرب الماء إلا من قليب دمٍ ... ولا يبيت له جار على وجل فقد كان متمسكاً من الأدب بسبب، وضارباً في العلم بسهم، وله شعر كما انشق الكمام عن الزهر، لو صدر مثله عمن جعل الشعر صناعة، واتخذه بضاعة، لكان رائعاً معجباً، ونادراً مستغرباً، فما ظنك برجلٍ

стр. 976

لا يجد إلا راثياً، ولا يجيد إلا عابثاً، وهو مع ذلك يرمي فيصيب، ويهمي فيصوب، وشعره يوضح ما شرح ويعبر عما ذكره، مع أنه قد رويت أشعار أولي النباهة والأعيان، على قديم الزمان، لشرف قائلها، مع قلة طائلها، وقد رأيت أبا بكر الصولي أثبت لملوك بني أمية وخلفاء بني العباس، ما لو صدر مثله لصغار الناس لا ستهجن، أو طرأ لضعفاء السوق لا ستصغر، فلنا في الصولي أسوة في إثبات هذا النوع من الشعر إن وقع في كتابنا هذا. [٨أ] والعجب من المعتمد أنه مرى سحابه في كلتا حاليه فصاب، ودعا خاطره فأجاب، ولا تراجع له من طبع، ولا بعد الخلع، بل يومه في هذا الشأن دهر، وحسنته في هذا الديوان عشر، فإن أجاد فما أولى، وإن قصر فعذره أوضح وأجلى. والمبيت المتقدم من جملة قصيد، للمخزومي أبي سعد، وإنما أشار في معناه إلى قول بشار: فتىً لا يبيت على دمنةٍ ... ولا يشرب الماء إلا بدم وقال أبو الطيب: ولا ترد الغدران إلا وماؤها ... من الدم كالريحان تحت الشقائق وقال محمد بن هانئ: لا يوردون الماء سنبك سابحٍ ... أو يكتسي بدم الفوارس طحلبا

стр. 977

جملة من شعر المعتمد في النسيب وما يناسبه قال: داري الغرام ورام أن يتكتما ... وأبى لسان دموعه فتكلما رحلوا وأخفى وجده فأذاعه ... ماء الشؤون مصرحاً ومجمجما سايرتهم والليل غفل ثوبه ... حتى تراءى للنواظر معلما فوقفت ثم محيراً وتسلبت ... مني يد الإصباح تلك الأنجما وكأن معنى هذا البيت الأخير، إلى قول المجنون بشير: فأصبحت من ليلى الغداة كناظرٍ ... مع الصبح في أعقاب نجمٍ مغرب وله في أم الربيع وقد مرضت فلم يعدها: مرضتم فأمسكت الزيارة عامداً ... وما عن قلىً اأمسكتها لا ولا هجر ولكنني أشفقت من أن أزوركم ... وأبصر آثار الخسوف على البدر

стр. 978

وقال المعتمد: أكثرت هجري غير أنك ربما ... عطفتك أحياناً عليّ أمور فكأنما زمن التهاجر بيننا ... ليل وساعات الوصال بدور وهو ينظر إلى قول الأسعد بن بليطة: تتنفس الصهباء في لهواته ... كتنفس الريحان في الآصال وكأنما الخيلان في لباته ... ساعات هجرٍ في زمان وصال وقال: تظن بنا أم الربيع سآمةً ... ألا غفر الرحمن ذنباً تواقعه أأهجر ظبياً في فؤادي كناسه ... وبدر تمامٍ في ضلوعي مطالعه وروضة حسنٍ أجتنيها وبارداً ... من الظلم لم تحظر علي شرائعه إذن عدمت كفي نوالاً تفيضه ... على معتفيها أو عدواً تقارعه وناوله بعض نسائه كأس بلور مترعاً خمراً ولمع البرق فارتاعت فقال: ريعت من البرق وفي كفها ... برق كم القهوة لماع يا ليت شعري وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع وقال:

стр. 979

قامت لتحجب قرص الشمس قامتها ... عن ناظري حجبت عن ناظر الغير [٨ب] علماً لعمرك منها أنها قمر ... هل تحجب الشمس إلا غرة القمر وقال: عفا الله عن سحرٍ على كل حالةٍ ... ولا حوسبت عني بما أنا واجد أسحر ظلمت النفس واخترت فرقتي ... فجمعت أحزاني وهن شوارد وكانت شجوني باقترابك نزحاً ... فها هن لما أن نأيت شواهد وقال: فإن تستلذي برد مائك بعدنا ... فبعدك ما ندري متى الماء بارد وقال: يا غرة الشمس التي ... قلبي لها أحد البروج لولاك لم أك مؤثراً ... فرش الحرير على السروج وقال:

стр. 980

تم له الحسن بالعذار ... واقترن الليل بالنهار أخضر في أبيض تبدى ... ذلك آسي وذا بهاري فقد حوى مجلسي تماماً ... إن يك من ريقه عقاري هذا كقول ابن وكيع: شادن خده وعي ... ناه وردي ونرجسي إن يجد لي بخمرةٍ ... فلقد تم مجلسي ما أخرجته من مقطوعاته السلطانية التي أجراها مجرى الإخوانيات بات الوزير أبو الأصبغ بن أرقم على قرب من إشبيلية، وأعلمه أنه وافد عليه صبيحة غدٍ، فكتب إليه المعتمد: أهلاً بكم صحبتكم نحوي الديم ... إن كان لم يتجنح لي بكم حلم حلوا المطي ولو ليلاً بمجهلةٍ ... فلن تضلوا ومن بشري لكم علم سأكتم الليل ما ألقاه من بعدٍ ... وأسأل الصبح عنكم حين يبتسم وأدخلت إليه يوماً باكورة نرجس، فكتب إلى ابن عمار يستدعيه:

стр. 981

قد زارنا النرجس الذكي ... وآن من يومنا العشي ونحن في مجلسٍ أنيقٍ ... وقد ظمئنا وثم ري ولي نديم غدا سميي ... يا ليته ساعد السمي فأجابه ابن عمار: لبيك لبيك من منادٍ ... له الندى الرحب والندي ها أنا في الباب عبد قن ... قبلته وجهك السني شرفه والداه باسمٍ ... شرفته أنت والنبي وسأله الوزير أبو عمرو بن غطمش أن يشرفه بالسير معه إلى منزله، فاجتمع الندماء بالقصر، [٩أ] بعد صلاة العصر، لينتقلوا ليلاً بانتقالها إلى دار الوزير المذكور، فبدت من ابن عمار حينئذ هنة أوجنت أن رماه المعتمد ببعض الآنية، فافترقوا بعد نومه ووقوع اليأس من سيره، ومضت الجماعة إلى دار الوزير المذكور، فلما استيقظ المعتمد من السكر، أخبر بما وقع من الأمر، فكتب إليهم بهذين البيتين: لولا عيون من الواشين ترمقني ... وما أحاذره من قول حراس لزرتكم لأكافيكم بجفوتكم ... مشياً على الوجه أو حبواً على الراس وله يستعطف أباه المعتضد إذ دخل مالقة وأخرج منها، في قصيدة أوله:

стр. 982

سكن فؤادك لا تذهب بك الفكر ... ماذا يعيد عليك البث والحذر وإن يكن قدر قد عاق عن وطر ... فلا مرد لما يأتي به القدر وإن تكن خيبة في الدهر واحدة ... فكم غزوت ومن أشياعك الظفر إن كنت في حيرة عن جرمٍ محترم ... فإن عذرك في ظلمائها قمر ومنها: يا ضيغماً يقتل الفرسان مفترساً ... لا توهنني فإني الناب والظفر قد أخلفتني صروف أنت تعلمها ... وعاد مورد آمالي به كدر وحلت لوناً وما بالجسم من سقمٍ ... وشبت رأساً ولم يبلغني الكبر لم يأت عبدك ذنباً يستحق به ... عتباً وهاهو قد ناداك يعتذر ما الذنب إلا على قوم ذوي دغل ... وفى لهم عهدك المعهود إذ غدروا ومنها: لم أوت من زمني شيئاً ألذ به ... فلست أعرف ما كأس ولا وتر ولا تملكني دل ولا خفر ... ولا سبى خلدي غنج ولا حور رضاك راحة نفسي لا فجعت به ... فهو العتاد الذي للدهر يدخر وهو المدام التي أسلو بها فإذا ... عدمتها عبثت في قلبي الفكر

стр. 983

ذكر الخبر عن حديثه يومئذ بمالقة ودخوله إياها، وانصرافه مفلولا دون ما تخيل من التخييم في ذراها، وأمل من الاستباحة لحماها قال ابن بسام: لما سما باديس بن حبوس إلى قصبة مالقة بعد تقلص الظلال الحمودية عن أرجائها، وأفول النجوم العلوية في سمائها، في خبر خلا منه هذا المجموع حين لم يتعلق بذيله مما وقع إليّ نظم ولا نثر، ولا أشرق في ليله مما حصل في يدي للأدب كوكب ولا بدر، فلذلك أضربت [٩ب] عنه، وأخليت كتابي منه، وأتيت بخبر المعتمد فيها حين أنبأ به شعر، وجرى له على لسان الأدب ذكر، وفاءً بالشرط، وتوفيةً بالقسط: كان أهل مالقة إذا جرى ذكر عباد ارتاحوا إليه ارتياح الغصون تحت النسيم، ورفعوا أصواتهم بالصلاة عليه والتسليم، هذا على ما كان يقذي عيونهم من قبح آثاره، ويصك أسماعهم من هو أخباره، ويلفح وجوههم من وهج ناره، تشيعاً لم يكن له أصل إلا شؤم الحمية، ولؤم العصبية، فاهتبلوا غرةً من باديس أميرهم، وناجوا عباداً بذات صدورهم، وألقوا إليه بأيدي تأميلهم وتأميرهم، فجأجأوا لظمآن لا يروي على طول الشرب، وهزوا سيفاً يكاد يهتك الضريبة قبل الضرب، فجد فيها وشمر، ونادى أهلها وحشر، وكان المعتضد إذا طول اختصر

стр. 984

وإذا تحدث عنه على البعد حضر، ولبى دعاة أهل مالقة بالخيل بين الجلال واللبود، وبالأبطال أثناء الحرير والحديد، وأنفذ إليهم شوكته الوحي سمها، وأطلع عليهم كتيبته البعيد همها، القاسط حكمها، معصبة بابنيه جابرٍ ومحمد، فلأول إطلال عسكره عليها هبت له ريح فتحها، وضحك في وجه بشر صبحها، فحل لأول وقته بحريمها، وتحكم في ظالمها ومظلومها، إلا فرقةً من السودان المغاربة لاذوا بذروة قصبتها وهي بحيث ينشأ تحتها الدجن، ويعجز دون مرامها الظن، إنافة مكان، وإطالة بنيان؛ وقد كان أهل مالقة أشاروا على ابني المعتضد، حين خلوا بينهما وبين البلد، بإذكاء العيون، وإساءة الظنون، وضبط ما حولها من المعاقل والحصون، فغفلا، واستصرخ السودان المغاربة أميرهم باديس فلباهم بزخرة من تياره، وأقبسهم شرارة من ناره، فلم يرع ابني عباد، إلا صهيل الجياد، وتداعي الأجناد، بشعار الجلاد، فلم تر إلا أسيراً أو قتيلاً، أو فازعاً إلى الفرار ما وجد إليه سبيلاً، وامتلأت أيدي الباديسيين من السلاح والكراع، ورفلوا بين خيار البز وفاخر المتاع، ولجأ ابنا عباد إلى رندة وقد انغمسا في عارها، وصليا بنارها، ورأيا وجه الموت في لمعان أسنتها وشفارها، ومن ثم خاطب المعتمد أباه بالشعر المتقدم الذكر، وقد أخفر ذممه، ونذر دمه، ولولا أنه استجار - زعموا - يومئذ برجلٍ من العباد كان هنالك لتبت يداه، ولحق إسماعيل أخاه.

стр. 985

ورفع إلى المعتمد صدر دولته شعر، عزي إلى بعض الأصحاب، من الوزراء الكتاب، يعرض بأبي الوليد بن زيدون فيه، أوله: يا أيها الملك العلي الأعظم ... اقطع وريدي كل باغٍ ينئم [واحسم بسيفك داء كل منافقٍ ... يبدي الجميل وضد ذلك يكتم] لا تتركن للناس موضع شبهةٍ ... واحزم فمثلك في العظائم يحزم قد قال شاعر كندة فيما مضى ... بيتاً على مر الليالي يعلم " لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم " فلما سمعها المعتمد، عرف الغرض الذي إليه قصد، ووقع على ظهر الرقعة، بهذه القطعة، وهي من جيد نظامه، وحر كلامه: كذبت مناكم صرحوا أو جمجموا ... ألدين أمتن والمروة أكرم خنتم ورمتم أن أخون وإنما ... حاولتم أن يستخف يلملم وأردتم تضييق صدرٍ لم يضق ... والسمر في ثغر الصدور تحطم وزحفتم بمحالكم لمجرب ... ما زال يثبت في المحال فيهزم أنى رجوتم غدر من جربتم ... منه الوفاء وجور من لا يظلم
следующие страницы →