Полный текст (490 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقال ﵌: ((إن ليّ أسماء أنا محمدٌ، وأنا أحمدٌ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بيّ الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي)) صلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين.
وبهذا ينتهي هذا اللقاء معكم أيها الإخوة الكرام، وختامًا أُصلى وأُسلم على النبي ﵊ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - أركان الإيمان (٣)
الركن الخامس من أركان الإيمان؛ الإيمان باليوم الآخر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
الإخوة الكرام ألتقي بكم في سلسلة محاضرات أصول الدعوة وطرقها، وعنوان هذه المحاضرة: تابعوا أركان الإيمان، وتشتمل على العناصر التالية:
العنصر الأول في الركن الخامس من أركان الإيمان ألا وهو الإيمان باليوم الآخر، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- المراد باليوم الآخر ووجوب الإيمان به:
إن المراد من اليوم الآخر أمران: الأول فناء هذه العوالم كلها، وانتهاء هذه الحياة بكاملها، والثاني إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها، فدلَّ لفظُ اليوم الآخر على آخر يومٍ من أيام هذه الحياة، وعلى اليوم الأول والأخير من الحياة الثانية؛ إذ هو يومٌ واحدٌ لا ثاني له فيها ألبتة، فالإيمان باليوم الآخر مقتضٍ للتصديق بأخبار الله تعالى بفناء هذه الحياة الدنيا، وبما يسبقه من أمارات، وما يتم فيه من أهوال واختلاف أحوال، كما هو مقتضٍ كذلك لتصديق الله تعالى في أخباره عن الحياة الآخرة، وما فيها من نعيمٍ وعذابٍ، وما يجري فيها من أمورٍ عظامٍ كبعث الخلائق، وحشرهم، وحسابهم، ومجازاتهم على أعمالهم التي قاموا بها في هذه الحياة الدنيا.
وقد يسأل سائل فيقول: هل الفناء ممكن؟
وجوابنا على هذا السؤال أن أقول: نعم، الفناء ممكن؛ لأن العالم ليس أزليًّا أبدًًا، وما لم يكن أزليًّا فهو حادثٌ، وما كان حادثًا فالفناء من صفاته اللازمة له التي لا تنفك عنه بحال، وطروء الفناء على الحادثات مشاهدٌ في هذه الحياة لا يحتاج إلى دليل، إنه قد ثبت بالبراهين العقلية والمادية معًا ثبت حدوث هذا العالم، وإن التغير الجاري والمستمر على العوالم دالٌّ على حدوثها، وإن حدوثها دالٌّ على فنائها.
стр. 107
وهناك دليلٌ آخر وهو أن العالم كل له أجزاء، ونحن نشاهد الفناء يجري في أجزائه باستمرار، فمثلًا الحيوان والنبات يفنى أمامنا، وتحت سمعنا وبصرنا، ونفقد وجودهما باستمرارٍ ودون انقطاعٍ، وهما قطعًا أجزاءٌ من هذا العالم، كما أننا نرى الزلزال من الفينة إلى الفينة يُدمر مدنًا وقرًى كبيرةً، ويغير معالم الأرض في كثير من البلاد في العالم، فظاهرة الفناء إذن لأجزاء هذا العالم دالةٌ على فناء العالم كله؛ إذ ما أمكن الفناء في أجزائه أمكن فناء كله.
وبناء على هذا أقول: اليوم الآخر ممكن الوقوع، وهو مرتقبٌ جدًّا وقوعه حقيقة، وهو اليوم الذي لا يأتي بعده يوم من أيام هذه الحياة الدنيا، وذلك لخراب العالم وفنائه، والإيمان باليوم الآخر هو عبارة عن التصديق الجازم بانقلابٍ هائل يتم في الكون، ويكون انتهاء هذه الحياة الدنيا بكاملها، وابتداء حياة أخرى، وهي الدار الآخرة بكل ما فيها من حقائق مدهشة من بعث الخلائق، وحشرهم، وحسابهم، ومجازاتهم، هذا الإيمان ليس واجبًا فحسب، بل هو أحد أركان ستة عليها تبنى عقيدة المؤمن، فلا تتم إذن عقيدته إلا به، ولا تصح إلا عليه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: من الآية: ١٧٧) فنصت الآية هنا على أن الإيمان باليوم الآخر ضروري، بل إنه أتى بعد الإيمان بالله ﵎.
ولأهمية هذا المعتقد في حياة المؤمن، ولآثاره الكبرى في استقامة الفرد وصلاحه عنى القرآن الكريم به عناية لا تقل عن العناية بالإيمان بالله فقد ذكره ربُّنا في كتابه في عشرات السور من القرآن الكريم، وفي مئات الآيات مرة بوصفه والحديث عنه كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (الحاقة: ١٣: ١٧).
ومرة بتقريره وتأكيد
стр. 108
مجيئه، كقوله تعالى من سورة "الحج": ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (الحج: ٦، ٧).
وممّا يؤكد أهمية هذا المعتقد، ويجعله كالصمام لحياة الاستقامة والطُهْرِ والخير، هو ذكره مقرونًا بالإيمان ﵎ وذلك كقوله تعالى من سورة "البقرة": ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: من الآية: ٦٢) وكقول الله ﵎: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (الطلاق: من الآية: ٢).
إذن عرفنا المراد باليوم الآخر، وأنه يجب الإيمان به، وأهمية الإيمان بهذا اليوم العظيم الذي سيقف فيه العباد بين يدي رب العزة والجلال .
ب- أنتقل إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: الأدلة على البعث والنشور:
لقد سلك القرآن الكريم في إثبات الميعاد والحياة الثانية مسالك متعددة، هي غاية في الوضوح والسهولة منها: أن الشيء إذا لم يكن ثم كان وأعدم كانت إعادته أيسر وأهون على من بدأه أول مرة ثم أعدمه وأفناه، فالذي بنى دارًا ثم هدمها، لا يستحيل عليه ولا في حقه إعادة بنائها كما كانت أو خيرًا ممّا كانت، والذي يصنع آلة من الآلات مخترعًا لها لا يستصعب عليها أن يعيدها كما كانت، إذا هو كسرها بإرادته وباختياره ليحولها إلى آلة أفضل منها قبل، وقد ورد هذا المسلك من الاستدلال في سورة "الروم" وفي ذلك يقول الحق ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم: ٢٧).
стр. 109
وأيضًا من مسالك القرآن الكريم في إقامة الأدلة على البعث والنشور: استدلاله بنوم الإنسان والحيوان واستيقاظهما، فالنوم يُعتبر موتًا مصغرًا، والاستيقاظ يُعتبر حياة مصغرة أيضًا، فكما تتم عملية النوم للإنسان والحيوان وعملية الاستيقاظ لهما، تتم أيضًا عملية الموت والحياة الكاملة لهم، جاء هذا الاستدلال في قول الله تعالى من سورة "الأنعام": ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ٦٠) فتأملوا هذه الآية حينما ذكر وفاتنا بالليل، وأنه يعلم ما كسبنا في النهار، أشار رب العزة والجلال إلى أنه كما يُنيمنا بالليل ويبعثنا في النهار يُرجعنا إليه وهذا دليلٌ واضحٌ.
وأيضًا من الأدلة: الاستدلال بالأرض الميتة بسبب طبيعتها أو الجدب أو القحط؛ حيث تنعدم فيها الحياة تمامًا، ثم يُنزل الله عليها الغيث أو تسقى بالماء؛ فتعود إليها كما كانت وخيرًا ممّا كانت نماءً وازدهارًا، والذي يوحي الأرض بعد موتها يحيي الإنسان أيضًا إذا مات وتحلل، وفي ذلك يقول -جل ذكره- من سورة "فصلت": ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: ٣٩).
وقال تعالى من سورة "الحج": ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ (الحج: ٥، ٦) وكما أشار في الآية السابقة بعد ذكره أنه يُنزل الماء على الأرض الميتة فتهتز وتحيا، فكما يفعل ذلك بهذه الأرض الميتة يُخرج الإنسان بعد ذلك أيضًا من الأرض ويحييه ويبعثه؛ ولذلك أشار بعد قوله: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أيضًا من الأدلة: الاستدلال بالقدرة الكافية التي بها خُلِقَ آدم ﵇ من تراب، وذريته من نطفة على إمكان الميعاد والبعث وتقرير
стр. 110
وقوعهما، قال تعالى من سورة "الحج": ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (الحج: ٥).
ومن الأدلة أيضًا: الاستدلال بالقدرة على خلق العوالم على إمكان إعادة حياة الناس بعد موتهم وفناء أجسامهم، فالذي خلق العالم بكل ما فيه، وأخرجه من حيز العدم إلى الوجود، بل خلق ما هو أعظم وأكبر من الإنسان، أيعجز بعد ذلك أن يوجد هذا الإنسان الضعيف؟! وتأملوا مثلًا في خلق السماوات والأرض، وفي ذلك يقول -جل ذكره-: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: ٥٧).
ولذلك رد الله على من استبعد البعث، والنشور، وقام في ذهنه وعقله أن البعث بعيد، ومستحيل، استدل الله بأدلة متعددة على البعث والنشور: منها خلقه لهذه العوالم أول مرة، ومنها أيضًا إنشاؤه لهذه الكائنات، وإخراجها من حيز العدم إلى الوجود، ثم خلق ما هو أكبر من خلق الإنسان، وفي آخر سورة "يس" رد رب العزة والجلال على المنكر المستبعد للبعث والنشور بأدلة -كما أشرت- ومنها: قوله سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ (يس: ٨١).
وأيضًا من الأدلة: الاستدلال باختلاف سلوك الإنسان في هذه الحياة بالخير والشر، والصلاح والفساد على وجود حياة أخرى يجزى فيها كل عاملٍ بما عمل من خيرٍ
стр. 111
وشرٍّ، لعدم استكمال المجازاة في هذه الحياة الدنيا، فنحن نجد أن بعض الصالحين يُظلم في هذه الأرض، ولا يؤخذ حقه من الظالم، ويموت الظالم ولم يستوف منه الحق بعد، فكان ولا بد من حياة أخرى يقوم فيها الناس ليُجزى كل عامل بما قدم، وفي ذلك يقول رب العزة والجلال مشيرًا إلى هذا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٥).
وقال تعالى من سورة "الليل": ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ (الليل: ٤: ١١).
ولذلك كانت التكاليف الشرعية التي كلف الله بها العباد تدل على وجود حياة أخرى يتم فيها الجزاء على القيام بتلك التكاليف، وعلى تركها وإهمالها؛ إذ لم يتوفر جزاءٌ كافٍ في هذه الحياة الدنيا على تلك التكاليف، قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: ١، ٢).
وهناك آيةٌ صريحةٌ في ذلك، وهي قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (المؤمنون: من الآية: ١١٥، ١١٦).
ومن أعظم الأدلة بعد ذلك على البعث والجزاء والحياة الآخرة: أخبار الله تعالى، وأخبار رسوله ﵌ إن الذي يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يجد في نفسه بحال داعيًا للشك، ولا مسارًا للجدل، والنزاع في ثبوت الميعاد، وكل ما يتم فيه من حساب وجزاء؛ إذ أخبار الله تعالى كلها صدقٌ وحقٌّ، فقد أخبر تعالى بآلاف الأخبار، فلم تكن إلا وفق ما أخبر، كما أخبر رسوله ﵌ بآلاف الأخبار، فلم يتخلف منها خبرٌ واحدٌ عن مدلوله، فكيف يٌعقل إذن أن يخبر الله تعالى، ويخبر رسوله ﵌ بمئات الأخبار عن ثبوت الحياة الثانية، وعن كل ما
стр. 112
يجري فيها من بعثٍ وحسابٍ وجزاءٍ، ثم لا يصح شيءٌ من ذلك ولا يثبت، اللهم ما إن هذا باطلٌ لا يصح، ومحالٌ لا يقبل ولا يعقل.
إن حتمية الفناء ووجود معادٍ كامل، وحياة أفضل تحوي نعيم للمحسنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وجحيمًا للمسيئين الذين أشركوا وعملوا السيئات ممّا أخبر الله تعالى به وقرره في كل كتبه، وعلى ألسنة جميع رسله حقٌّ واقعٌ لا محالة، والشك فيه ضرب من الهبوط الشخصي، والمرض العقلي والعياذ بالله ﵎ وعلى الذين ينكرون الميعاد أي يرجعوا من قريب، وليعلموا أنهم سيقفون بين رب العزة، والجلال ليجازيهم على أعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
ننتقل بعد ذلك إلى النقطة التي تلي هذه النقطة، وهي بعنوان: ذكر ما يكون في اليوم الآخر والأدلة عليه:
أود هنا أن أذكر بعض ما يكون في اليوم الآخر، وأذكر أيضًا الأدلة عليه؛ لأن القرآن الكريم أخبرنا عن مواقفٍ متعددةٍ ستكون في هذا اليوم، سأتحدث عنها -إن شاء الله- الآن تباعًا كما يلي:
أولًا: الحشر، ما هو الحشر؟ إن الحشر عبارة عن جمع الخلائق بعد بعثهم أحياءً في ساحةٍ واحدةٍ تُدعى عرصات القيامة، وذلك لفصل القضاء، وهو الحكم فيما بينهم من أجل مجازاتهم، فالناس إذا بُعثوا من قبورهم أحياء حفاةً عراةً غُرلًا، كما بدأ الله تعالى خلقهم أولًا يعيدهم ثانيًا، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: من الآية: ١٠٤).
وقال رسول الله ﵌ كما في حديث الصحيحين: ((يُحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلًا قلتُ: يا رسول الله (والقائلة هي أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها) قلت يا رسول الله ﵌: النساء والرجال جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال ﵌: يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض)).
стр. 113
ويحشر الكافرين على وجوههم أعاذني الله، وإيّاكم من ذلك لقول الله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خلْقًا جَدِيدًا﴾ (الإسراء: ٩٧، ٩٨).
وفي الحديث المتفق عليه أنه: ((قيل للرسول ﵌: كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)) بلى قادر.
وممّا يكون في اليوم الآخر: فصل القضاء والشفاعة فيه، والمراد بفصل القضاء هو: أن الناس لما يحشرون إلى ربهم، ويبلغ العناء منهم مبلغًا عظيمًا، وذلك من شدة الهول وصعوبة الموقف يرغبون في أن يحكم الله تعالى فيهم أو بينهم بما هو أهله، وبما هم متهيئون له بحسب طهارة أرواحهم أو خبثها؛ حتى يستريحوا من شدة الموقف وأتعابه، ومصداق هذا جاء في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (المرسلات: ١١: ١٥) ويقول سبحانه: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (المرسلات: ٣٥: ٤٠).
ولما يطول موقفهم ويعظم قربهم يقول بعضهم: ((ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ فيأتون آدم ﵇ ليشفع لهم عند الله تعالى فيعتذر لهم، ويقول: إن ربي قد غضب اليوم
стр. 114
غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري؛ فيأتون إلى المرسلين واحدًا واحدًا؛ يأتون إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى فيعتذر الكل، ويقول: نفسي نفسي حتى ينتهوا إلى خاتم الأنبياء وإمام المرسلين -صلوات الله وسلامه عليه- فيقول: أنا لها، فيأتي ربه فيخر ساجدًا تحت العرش ويلهمه ربه تعالى محامدًا يحمده بها، فلا يزال كذلك حتى يقول له الرب ﵎:
стр. 115
ارفع رأسك وسل تُعط، واشفع تُشفع؛ فيرفع ﵌ رأسه، ويقول: يا رب أمتي، فيقال له: يا محمد ادخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب)) فهذا الحديث دل على الشفاعة العظمى أيضًا للنبي ﵌ وأن فصل القضاء والشافعة فيه ستكون في يوم القيامة.
ومن المواقف التي ستحدث في هذا اليوم أيضًا: الحساب والميزان، الحساب يدور على محتويات الكتب التي يُعطاها كل فردٍ من أفراد الناس في ساحة فصل القضاء، ويقرؤها كل واحدٍ من أهل الموقف سواء من كان يقرأ منهم ومن لم يكن يقرأ، ويختلف إعطاؤهم تلك الكتب وتلقيهم لها؛ إذ منهم من يُعطى كتابه بيمينه ومن أمامه، ومنهم من يعطي كتابه بشماله ومن وراء ظهره، وبمجرد إلقاء نظرة على محتوى الكتاب يعلم صاحبه بمصيره، ويُعلن على الفور عن فوزه وفرحه وسروره، أو عن خيبته وحزنه وخسرانه، قال تعالى في بيان هذا وتقريره من سورة "الانشقاق": ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ (الانشقاق: ٧ - ١٢).
وبينما هم كذلك إذ تُوضع الموازين القسط، ويتقدم الناس واحدًا واحدًا للحساب، فمنهم من يحاسب يسيرًا، وهو العرض الذي قال فيه الرسول ﵌: لعائشة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها-: ((من حُوسِبَ يوم القيامة عُذب؛ فقالت له أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها-: أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال لها: ليس ذاك الحساب، إنما ذلك العرض، من نُوقِشَ الحساب يوم القيامة عذب)) ومنهم من يحاسب
стр. 116
حسابًا عسيرًا يُستنطق الفرد ويسأل عن كل صغيرة وكبيرة، فإن أجاب بالصدق والحق فيها وفيما عمل فبها ونعمت، وإن حاول الكذب أو الكتمان فإنه يُختم على فمه، وتستنطق جوارحه فتنطق بالذي عمل في دنياه، ولا تُخفي شيئًا.
ومن المواقف أيضًا: الصراط، إنه بعد وزن الأعمال والفراغ منها، وبيان السعيد من الشقي في الجملة يضطر الناس إلى المرور على الصراط، وهو جسرٌ دقيقٌ منصوبٌ على ظهر جهنم، والصراط عقبةٌ كأداء في طرق الذاهبين إلى دار السلام، وممر الخطير للغاية، يشهد لخطورته أن الرسول ﵌ يقف على جنباته والناس يمرون، وهو يدعو: ((رب سلم سلم)) ويكون مرور الناس بحسب أعمالهم في الدنيا، فمنهم من يمر بسرعة مدهشة حتى لكأنه البرق الخاطف، ومنهم من يمر دون ذلك إلى أن ينجو من ينجو ولو حبوًا على يديه وركبتيه، ويهلك من يهلك بسقوط في جهنم دار الشقاء والهوان.
وقد وصف رسول الله ﵌ الصراط في معرض حديثه عن الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي وعده به ربه ﵎ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (الإسراء: من الآية: ٧٩) وصفه ﵌ فقال: ((بأن الأمانة والرحم تقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا؛ فيمر أول الناس كالبرق ... )) إلى غير ذلك ممّا ذكر ﵌ إلى أن قال: ((وفي حافتي الصراط كلاليبٌ معلقة مأمورة بأخذ من أُمرت به فمخدوشٍ ناجٍ ومكدوس في النار)) أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
وبعد أن يجتاز المؤمنون الصراط بسلام وأمان من الوقوع في النار يقفون على قنطرة بين الجنة والنار لتهذيبهم وتطهيرهم من كل ما كان بينهم من عداوات أو شحناء، أو حقوق لبعضهم على بعض، ثم بعد ذلك يؤذن لهم بدخول الجنة فيدخلون، وقد روى حديث القنطرة الإمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه ﵀﵎ ونصه: ((يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون
стр. 117
على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعضهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا)) ثم بعد ذلك يدخل أهل الجنة الجنة -نسأل الله جميعًا ذلك- وأهل النار -ولا شك كما جاءت النصوص بذلك- يسقطون فيها، وهم يمرون على الصراط، أعاذني الله وإياكم من ذلك.
الركن السادس من أركان الإيمان؛ الإيمان بالقدر
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني من عناصر هذا اللقاء، وهو في الركن السادس والأخير من أركان الإيمان، وهو: الإيمان بالقدر، ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- التعريف بالقضاء والقدر، القدر ما سبق به العلم، وجرى به القلم ممّا هو كائنٌ إلى الأبد، وأنه قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقاتٍ معلومة عنده تعالى وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه.
وقال الإمام الحافظ ابن حجر ﵀ في تعريفه: المراد -يعني بالقدر- أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدثٍ صادرٍ عن علمه وقدرته وإرادته ولا شك أن هذا التعريف كاف في الحديث عن القضاء والقدر، وقد عرّفتُ الآن القدر، وأود أن أعرف القضاء.
فأقول: القضاء هو الفصل والحكم، وقد تقرر في أحاديث الرسول ﵌ ذِكر القضاء، وأصله القطع والفصل، يقال: قضى يقضى قضاءً، فهو قاضٍ إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق، وللعلماء في التفرقة بين القضاء والقدر قولان:
الأول: القضاء هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل، والقدر وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق.
يقول ابن حجر العسقلاني ﵀ ﵎: قال
стр. 118
العلماء: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله، وقال في موضعٍ آخر: القضاء الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل. هذا القول الأول.
القول الثاني: عكس القول الأول، فالقدر هو الحكم السابق، والقضاء هو الخلق، وهذا عكس القول السابق.
ب- أنتقل إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: وجوب الإيمان بالقدر والأدلة عليه:
الإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، ففي (صحيح مسلم) من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- في سؤال جبريل ﵇ النبي ﷺ قال لما سأله عن الإيمان قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال له جبريل ﵇: صدقت)).
والنصوص المخبرة عن قدر الله أو الآمرة بالإيمان بالقدر كثيرة، وقد صرح بها القرآن الكريم في نحو مائة آية، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩).
ومنها قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب: من الآية: ٣٨).
ومنها قوله سبحانه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: من الآية: ٢)
والنبي ﵌ في سُنته ذكر أحاديث متعددة توجب الإيمان بالقضاء والقدر، فقد أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء)).
وفي مسلم أيضًا عن طاوس قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﵌ يقولون: "كل شيءٍ بقدر"، قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس".
стр. 119
أنتقل إلى النقطة التالية، وهي بعنوان: أركان الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر يقوم على أربعة أركان من أقر بها جميعًا فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملًا، ومن انتقص واحدًا منها أو أكثر فقد اختل إيمانه بالقدر، والأركان الأربعة هي:
الركن الأول: الإيمان بعلم الله ﵎ الشامل المحيط، وقد كثر في كتاب الله، وسُنة رسوله ﵌ تقرير هذا الأصل العظيم، فعلم الله محيطٌ بكل شيءٍ، يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الموجود والمعدوم، والممكن والمستحيلة، وهو عالمٌ بالعباد، وآجالهم، وأرزاقهم، وأحوالهم، وحركاتهم، وسكناتهم، وشقاوتهم، وسعادتهم، ومَنْ مِنْ أهل الجنة منهم ومَنْ مِنْ أهل النار، كل ذلك لأنه يتصف بصفة العلم الشامل الواسع لكل شيءٍ، قال تعالى في تقرير ذلك: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (الحشر: من الآية: ٢٢).
وقال سبحانه: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق: ١٢).
والنبي ﵌ أخبر في سُنته في أحاديث كثيرة عن علم الله الواسع المطلق، ومن ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن النبي ﵌ سئل عن أولاد المشركين، فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
الركن الثاني من أركان الإيمان بالقدر: الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيءٍ، دلت النصوص من الكتاب والسُّنة على أن الله كتب في اللوح المحفوظ كل ما كان وما سيقع؛ ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق)) فقوله: ((كتب)) يدل على أن الله كتب مقادير الخلائق.
كما ذكر عبادة بن الصامت في حديثه أن النبي ﵌ قال: ((إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما اكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد)).
стр. 120
واللوح المحفوظ الذي كتب فيه الله مقادير الخلائق سماه القرآن بالكتاب، وبالكتاب المبين، وبالإمام المبين، وبأم الكتاب، والكتاب المسطور، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: ٢١، ٢٢).
وقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (يس: ١٢).
وقال: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ (الطور: ١، ٢).
الركن الثالث من أركان الإيمان بالقدر: الإيمان بمشيئة الله الشاملة، وقدرة الله النافذة، وهذا الأصل يقضي بالإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حركة ولا سكون في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئة الله ﵎ فلا يكون في ملك الله إلا ما يريد، والنصوص المصرحة بهذا الأصل المقررة له كثيرةٌ وافرةٌ منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الإنسان: من الآية: ٣٠).
ومنها: قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢).
ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (الأنعام: من الآية: ٣٥).
الركن الرابع من أركان الإيمان بالقدر: الإيمان بأن الله خالق كل شيء، وقد قررت النصوص القرآنية والنبوية أن الله خالق كل شيء، فهو الذي خلق الخلق وكونهم وأوجدهم، فهو الخالق وما سواه مربوب مخلوق، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ (الرعد: من الآية: ١٦).
وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (الأنعام: من الآية: ١).
والنصوص في هذا كثيرة، وهي تقرر أن الله خالق أعمال العباد، وممّا جاء في القرآن صراحة ممّا يدل على ذلك قوله سبحانه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: ٩٥، ٩٦).
стр. 121
د- أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية والأخيرة في هذا اللقاء، وهي: الإيمان بقدر الله ﵎ وأن هذا الإيمان لا يؤدي إلى ترك العمل، فالإيمان بالقدر لا يؤدي إلى ترك العمل، وأقول هذا؛ لأن بعض الناس ضل في هذا الباب، وقال: إذا كان الله عالمًا بكل شيءٍ نفعله، وعالمًا بمصيرنا إلى الجنة أو النار، وكان هو الخالق لأفعالنا فلماذا نعمل وننصب؟ ولماذا لا نترك الأقدار تجري في أعنتها؟ وقد تعمقت هذه الضلالة عند طوائف من العُبّاد والزهاد وأهل التصوف، وذهب إلى هذا القول بعض جهالة المسلمين أيضًا وأهل الزيغ والزندقة، وهذا الفريق يؤمن بالقدر، وأن الله عالمٌ بكل شيءٍ، وخالقٌ لكل شيءٍ، ومريدٌ لجميع الكائنات، ولكنهم زعموا أن كل ما خلقه الله وشاءه فقد رضيه وأحبه، وزعموا أنه لا حاجة بالعباد إلى العمل والأخذ بالأسباب، فما قُدرَ لهم سيأتيهم، وزعموا أن العباد مجبورون على أفعالهم، فالإنسان عندهم ليس له قدرة تؤثر في الفعل، بل هو مع القدر كالريشة في مهب الريح.
وفي الحقيقة هذا الاعتقاد المنحرف الذي أصاب طائفةً من الناس كانت له أثارٌ سيئةٌ على المجتمع بصورة عامة وعليهم بصورة خاصة، فقد دفعهم هذا المعتقد إلى ترك الأعمال الصالحة الخيرة التي توصلهم إلى الجنة وتنجيهم من النار، وارتكبوا كثيرًا من الموبقات بدعوى أن القدر آتٍ آت، وكل ما قُدرَ للعبد سيصيبه، كما ترك هؤلاء الأخذ بالأسباب؛ فتركوا الصلاة والصيام كما تركوا الدعاء والاستعانة بالله والتوكل عليه، ورضي كثيرٌ من هؤلاء بظلم الظالمين وإفساد المفسدين، وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يهتموا بإقامة الحدود والقصاص.
وقد عرض شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهذا الفريق ومعتقده، فقال: الذين اعترفوا بالقضاء وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الاعتراف بالربوبية العامة بكل مخلوق، وأنه
стр. 122
ما من دابة إلا ربي آخذٌ بناصيتها، وهذا هو الذي يُبتلى به كثيرًا إما اعتقادًا وإما حالًا طوائف من الصوفية والفقراء، حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة بالمحرمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات.
وهذا في الحقيقة ضلالٌ بعيدٌ وانحرافٌ خطيرٌ وقعوا فيه، وأداهم ذلك إلى القعود والكسل وترك العمل، وبالتالي ما عرفوا طريقًا لعبادة الله وهذا ضلال، فالإيمان بالقدر لا يعني أن يترك الإنسان الأسباب أو العمل، بل إن الإيمان بالقدر يدفع إلى العمل؛ لأن الإنسان لا يعلم ماذا قُدِرَ عليه، والنبي ﵊ قد أشار ذلك إلى سئل ﵌ عن الاتكال على كتابة الله ﵎ لِمَ قدره وقضاه، وكتبه في اللوح المحفوظ، أو أن يعمل الإنسان؟ فأشار النبي ﵌ إلى العمل، سئل ﵊: ((أرأيت ما نحن فيه؟ هل هو أمرٌ قد فُرِغَ منه أم أمرٌ مستأنف؟ فقال: أمرٌ قد فُرِغَ منه، فقيل له ﵌: أفلا نَدَعُ العمل، ونتكل على كتابنا هذا؟ فقال ﵌ مرشدًا وموجهًا: اعملوا فكلٌّ ميسرٌ لما خُلِقَ له)).
فالإيمان بالقدر يوجب الأخذ بالأسباب، ويوجب السعي إلى العمل، وترك العمل اتكالًا على القدر هو في الحقيقة آفة أُصيب بعض الناس الذين ضلوا وانحرفوا عن صراط الله المستقيم، وبالتالي ضلالهم سيحيق بهم، فعلى العبد أن يؤمن بقضاء الله وقدره، بأركانه التي سبقتُ أن أشرتُ إليها، ثم بعد ذلك يعمل ويسعى، ويسأل الله حسن الخاتمة، ويُسلِم أمره إلى رب العزة والجلال .
وبهذه الكلمات ينتهي معكم هذا اللقاء المبارك، -إن شاء الله ﵎ واستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 123
الدرس: ٤ إلمامة تحليلية بأركان الإسلام .
стр. 124
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع
(إلمامة تحليلية بأركان الإسلام)
١ - إلمامة تحليلية عن أركان الإسلام (١)
تعريف الإسلام، وذكر أركانه، وما يتعلق به
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم، وسلك سبيلهم إلى يوم الدين.
المحاضرة بعنوان: إلمامة تحليلية عن أركان الإسلام، وهذه المحاضرة تشتمل على عدة عناصر؛ العنصر الأول: تعريف الإسلام، وذكر أركانه، والأدلة عليه:
الإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وأركان الإسلام خمسة هي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا ﵌ رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا.
وفي الصحيحين عن ابن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال النبي ﵌: ((بُنِيَ الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله الله، وأن محمدًا رسول الله ﵌ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)) وهذا الحديث فيه إشارة من النبي ﵌ إلى هذه الأركان، وفي نفس الوقت هو دليلٌ صحيحٌ عليها، وقد أجاب النبي ﵌ على جبريل ﵇ لما سأله عن الإسلام بهذا الجواب أيضًا، وذكر له هذه الأركان الخمسة.
وقد تحدثت فيما مضى عن الإيمان، وأركان الإيمان، وعرفت الإيمان فيما مضى، وانتهيت في اللقاء السابق من آخر محاضرة تتعلق بالركن السادس والأخير من أركان الإيمان، وهنا عرفت الإسلام، وأود قبل أن أتحدث عن أركانه كما تحدثتُ عن أركان الإيمان أن أذكر الصلة بين الإيمان والإسلام؛ لأن هذه المسألة اختلف فيها السلف ﵏ تبارك تعالى- نظرًا لاختلاف فهمهم لبعض النصوص التي وردت في هذا الموضوع، واختلافهم يدور حول آراء ثلاثة أذكرها هنا فأقول:
القول الأول: هو القول بالترادف بينهما، وأنهما اسمان لمسمًّى واحدٍ، وهذا الرأي -أعني: من قال بالترادف- رأي جماعة من السلف منهم: الإمام الجليل محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ فقد قال في صحيحه: باب سؤال جبريل النبي ﵌ عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة، وبيان النبي ﵌ ثم قال ﵌: ((جاء جبريل يعلمكم دينكم))
стр. 125
فجعل ذلك كله دينًا، وما بيّن النبي ﵌ لوفد عبد القيس من الإيمان -وقد ذكرت هذا سابقًا- وهو أنه قال لهم: ((آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟)) ثم ذكر ﵌ لهم أركان الإسلام، فبين ذلك أن الإسلام والإيمان يطلقان على شيءٍ واحدٍ.
هكذا ذهب الإمام البخاري ﵀ ﵎ ومحصل كلامه كما ذكره ابن حجر في (فتح الباري): أن المصنف يرى أن الإيمان والإسلام عبارة عن معنًى واحدٍ، هذا عند الإمام البخاري وغيره ﵀ ﵎.
القول الثاني: التفريق بين مسمى الإسلام، والإيمان، وأن الإسلام هو الكلمة، والإيمان هو العمل، وهذا قول جماعة من السلف منهم الزهري وحماد بن زيد، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ ﵎ كما ذكر ابن منده عن عبد الملك الميموني قال: سألت أحمد بن حنبل أتفرق بين الإيمان والإسلام؟ قال: نعم، وقال بهذا جماعة من الصحابة والتابعين منهم عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، والحسن، ومحمد بن سيرين.
القول الثالث: وهو تحقيق مذهب السلف الذي تجتمع عليه النصوص الواردة في هذا الموضوع، وهو الرأي الراجح -إن شاء الله ﵎ وهو أن بين الإسلام والإيمان تلازمًا مع افتراق اسميهما، وأن حال اقتران الإسلام بالإيمان غير حال إفراد أحدهما عن الآخر، فمثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى، فشهادة الرسالة غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيءٍ واحدٍ، كذلك الإسلام والإيمان لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له؛ إذ لا يخلو المؤمن من إسلامٍ به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمانٍ به يصح إسلامه، وهذا في الحقيقة معنًى صحيح وسليم؛ لأن لكلٍّ الإيمان والإسلام حقيقة شرعية
стр. 126
مستقلة، كما أن لكلٍّ منهما حقيقة لُغوية مستقلة، وغاية ما يُقال أنهما متلازمان في الوجود لا مترادفان في الحقيقة والمعنى، ولقوة ارتباط كلٍّ منهما بالآخر فإنه إذ وُجِدَ أحدهما منفردًا في نصٍّ من النصوص لا يمكننا أن نتصوره وحده، فيكون الآخر داخلًا فيه على سبيل التلازم والارتباط، وتحقيق الهدف المراد من كلٍّ منهما مجتمعين.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- هذه الوجه بقوله: إذا قيل: إن الإسلام والإيمان التام متلازمان لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر كالروح والبدن، فلا يوجد عندنا روحٌ إلا مع البدن، ولا يوجد بدنٌ حيٌّ إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح فإنه قائمٌ بالروح ومتصلٌ بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيًّا إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان لا أن مسمى أحدهما هو الآخر، وإسلام المنافقين كبدن الميت جسدٌ بلا روح، فما من بدنٍ حيٍّ إلا وفيه روح، ولكن الأرواح متنوعة، وهذه في الحقيقة كلام دقيق، وهذا الرأي هو الإسلام والأوجه -إن شاء الله ﵎ وذلك لأن النصوص تدل عليه دلالة واضحة، إلى جانب أن القول به يُعتبر جمعًا بين الآراء التي تقدم ذكرها.
ولا شك أن الإيمان والإسلام كما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بينهما من الترابط ومن التلازم الشيء الكثير، ولكن في الحقيقة يفترقان في الاسم، فإذا جمعنا بين الإسلام والإيمان في كلمة واحدة قلنا: الإسلام والإيمان، فسرنا الإسلام بما فسره النبي ﵌ في حديث جبريل، وفسرنا الإيمان أيضًا بما فسره أو ذكره النبي ﵌ في حديث جبريل، وإذا افترقا بمعنى قلنا: الإسلام فقط، أو قلنا: الإيمان فقط دخل أحدهما في الآخر؛ لأنه لا يُتصور إيمانٌ بلا إسلام، ولا إسلامٌ بلا إيمان،
стр. 127
وقد أشارت كلمات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎ الدقيقة إلى ذلك.
الركن الأول من أركان الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله
أنتقل بعد هذا إلى عنصر مهم جدًّا، وهو العنصر الثاني، وهو في الركن الأول من أركان الإسلام، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، سأبدأ أولًا بشهادة أن لا إله إلا الله، ثم -إن شاء الله ﵎ أثني بالحديث عن شهادة محمدٍ رسول الله ﵌ ولكن هذه الشهادة لله بالوحدانية تحتاج إلى تفصيلٍ وتدقيقٍ وبيانٍ لأهمية ذلك، كما أيضًا نحتاج في شهادة أن محمدًا رسول الله ﵌ وهذا العنصر يشتمل على النقاط التالية:
أولًا: فضل لا إله إلا الله:
لا إله إلا الله هي كلمة التوحيد، وكلمة التوحيد لها فضلٌ عظيمٌ وكبيرٌ، فلأجلها خُلقت الخليقة، وأُرسلت الرسل، وأُنزلت الكتب، وبها افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار، فهي العروة الوثقى، وهي كلمة التقوى، وهي أعظم أركان الدين وأهم شعب الإيمان، وهي سبيل الفوز بالجنة والنجاة من النار، وهي كلمة الشهادة، ومفتاح دار السعادة، وأصل الدين وأساسه ورأس أمره.
وفضائل هذه الكلمة وموقعها من الدين فوق ما يصفه الواصفون ويعرفه العارفون؛ قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨)
وكون الله يشهد لنفسه بلا إله إلا الله، كما أن ملائكته يشهدون بذلك وأهل العلم أيضًا، يدل هذا على مكانة وأهمية هذه الشهادة؛ ولهذا أقول: إن لهذه الكلمة الجليلة فضائل عظيمة، وفواضل كريمة، ومزايا جمة لا يمكن لأحدٍ استقصاؤها.
وممّا ورد في فضل هذا الكلمة في القرآن الكريم: أن الله ﵎ جعلها زبدة دعوة الرسل، وخلاصة رسالاتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥).
وقال تعالى:
стр. 128
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: من الآية: ٣٦).
وقال تعالى في أول سورة النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (النحل: ٢) وهذه الآية هي أول ما عدد الله على عباده من النعم في هذه السورة، فدل ذلك على أن التوفيق لذلك هو أعظم نعم الله تعالى التي أسبغها على عبادة كما قال سبحانه: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: من الآية: ٢٠) قال مجاهد ﵀﵎: لا إله إلا الله، وقال سفيان بن عيينة: ما أنعم الله على عبدٍ من العباد نعمة أعظم من أن عرفهم أن لا إله إلا الله.
ومن فضائلها: أن الله وصفها في القرآن بأنها الكلمة الطيبة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم: ٢٤، ٢٥).
وهي القول الثابت الوارد في قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: ٢٧).
وهي العهد في قوله تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (مريم: ٨٧).
رُوي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- كما ذكر الطبراني في كتابه (الدعاء) أنه قال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن يتبرأ العبد من كل حول وقوة إلا من حول الله وقوته" ثم قال: "وهي رأس كل تقوى".
ومن فضائلها أيضًا: أنها العروة الوثقى التي من تمسك بها نجا، ومن لم يتمسك بها هلك، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥٦).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (لقمان: من الآية: ٢٢).
стр. 129
ومن فضائلها: أنها الكلمة الباقية التي جعلها إبراهيم الخليل ﵇ في عقبه لعلهم يرجعون، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: ٢٦: ٢٨).
وهي كلمة التقوى التي ألزمها الله أصحاب رسول الله ﵌ وكانوا أحق بها وأهلها، قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الفتح: ٢٦).
ومن فضائل هذه الكلمة: أنها منتهى الصواب وغايته، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (النبأ: ٣٨).
روى علي بن طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ أنه قال: "إلا من أذن له الرب بشهادة أن لا إله إلا الله، وهي منتهى الصواب". وقال عكرمة: "الصواب لا إله إلا الله".
ومن فضائلها: أنها هي دعوة الحق المرادة لقوله الله ﵎: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ (الرعد: ١٤).
ومن فضائلها: أنها الرابطة الحقيقية التي اجتمع عليها أهل دين الإسلام، فعليها يوالون ويعادون، وبها يحبون ويبغضون، وبسببها أصبح المجتمع المسلم كالجسد الواحد، وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.
قال الشيخ العلامة محمد الأمين الشِّنقيطي -رحمه الله تعالى- في كتابه (أضواء البيان): والحاصل أن الرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي
стр. 130
رابطة لا إله إلا الله، ألا أن ترى أن هذه الرابطة التي تجمع المجتمع الإسلامي كله كأنه جسدٌ واحدٌ، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضًا عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ... ﴾ (غافر: من الآية: ٧) إلى آخر ما جاء في هذه الآية الكريمة.
ومن فضائلها: أن النبي ﵌ أخبر أنها أفضل الذكر، كما في الترمذي وغيره من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)).
ومن فضائلها: أن من قالها خالصًا من قلبه يكون أسعد الناس بشفاعة الرسول الكريم ﵌ يوم القيامة كما في الصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: ((قيل يا رسول الله ﵌ من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﵌: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبله أو نفسه)).
في الحقيقة هذا بعض ما ورد في فضائل هذه الكلمة العظيمة، ولا يستغرب طالب العلم أنني أطلت الحديث نوعًا ما في ذكر هذه الفضائل -أعني فضائل لا إله إلا الله- لأنها كلمة تستحق، وسيتبين لنا كيف أنها تستحق عندما أنتقل إلى النقطة الثانية في هذا العنصر، وهي بعنوان مدلول ومعنى كلمة: لا إله إلا الله:
إن كلمة التوحيد لا إله إلا الله التي هي خير الذكر وأفضله وأكمله لا تكون مقبولة عند الله بمجرد التلفظ بها باللسان فقط دون قيامٍ من العبد بحقيقة مدلولها، ودون تطبيق لأساس مقصودها من نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله مع الاعتقاد
стр. 131
الجازم لما تضمنته من ذلك، وأن يقوم الإنسان بالعمل بما اعتقده، وبهذا يكون العبد المسلم مسلمًا حقًّا، ويكون بهذا أيضًا من أهل لا إله إلا الله.
وقد تضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله ليس بإله، وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم ومنتهى الضلال، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (الأحقاف: ٥، ٦).
وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (الحج: ٦٢).
إن للا إله إلا لله مدلولًا لا بد من فهمه، ومعنًى لا بد من ضبطه؛ إذ غير نافعٍ بإجماع أهل العلم النطق بها من غير فهمٍ لمعناها ولا عملٍ بما تقتضيه، كما قال الله : ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف: ٨٦) ومعنى الآية -كما قال أهل التفسير- أي: إلا من شهد بلا إله إلا الله، وهم يعلمون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم؛ إذ أن الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به، فلو كانت عن جهلٍ لم تكن شهادة، وتقتضي الصدق، وتقتضي العمل بذلك، وبهذا يتبين أنه لا بد في هذه الكلمة من العلم بها مع العمل والصدق، فبالعلم ينجو العبد من طريقة النصارى الذين يعملون بلا علم، وبالعمل ينجو من طريق اليهود الذين يعلمون ولا يعملون، وبالصدق ينجو من طريقة المنافقين الذين يُظهِرون ما لا يبطنون، ويكون بذلك من أهل صراط الله المستقيم من الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
والحاصل: أن لا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيًا وإثباتًا واعتقد ذلك وعمل بها، أما من قالها وعمل بها ظاهرًا من غير اعتقادٍ فهو المنافق، وأما
стр. 132
من قالها وعمل بضدها وخلافها من الشرك فهو الكافر، وكذلك من قالها وارتد عن الإسلام بإنكار شيءٍ من لوازمها وحقوقها فإنها لا تنفعه ولو قالها ألف مرة، وكذلك من قالها وهو يصرف أنواعًا من العبادة لغير الله كالدعاء، والذبح، والنذر، والاستغاثة، والتوكل، والإنابة، والرجاء، والخوف، والمحبة، ونحو ذلك، فمن صرف ما لله من العبادات لغير الله، فهو مشركٌ بالله العظيم ولو نطق بلا إله إلا الله، والسبب في ذلك أنه لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص الذي هو معنى لا إله إلا الله.
ومعنى لا إله إلا الله: أنه لا معبودًا حقٌّ إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له، والإله في اللغة هو: المعبود، ولا إله إلا الله أي: لا معبودًا حقًٌّ إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: من الآية: ٣٦).
فتبين بذلك أن معنى الإله وهو: المعبود، وأن لا إله إلا الله معناها: الإخلاص العبادة لله وحده واجتناب عبادة الطاغوت؛ ولهذا لما قال النبي ﵌ لكفار قريش: قولوا لا إله إلا الله قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
وقال قوم هود لنبيهم ﵇ لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (الأعراف: من الآية: ٧٠) قالوا ذلك وهو إنما دعاهم إلى لا إله إلا الله؛ لأنهم فهموا أن المراد بها نفي الألوهية عن كل ما سوى الله، وإثباتها لله وحده لا شريك له، فلا إله إلا الله اشتملت على نفي وإثبات، وتأمل يا طالب العلم هذا الأمر: فلا إله إلا الله تشتمل على ركنين، تشتمل على النفي والإثبات، فالنفي هو نفي الإلوهية عن كل ما سوى الله تعالى، فكل ما سوى الله من الملائكة والأنبياء فضلًا عن غيرهم فليس بإله، وليس له من العبادة شيء، وهذه الكلمة العظيمة أثبتت الإلهية لله وحده، بمعنى أن العبد لا يأله غيره أي: لا يقصده بشيءٍ من التأله، وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيءٍ من أنواع العبادة كالدعاء، والذبح، والنذر، وتشتمل أو تتضمن هذه الكلمة بعد النفي نفي أي شريك مع الله أو التوجه بأي عبادة إلى غير الله تثبت هذه الكلمة العبادة الحقة لله وحده دون سواه؛ لأنها نفت الألوهية عن كل ما سوى الله، وأثبتت الألوهية لله وحده، لا إله نفي لجميع المعبودات الباطلة، وإلا الله أثبات لعبودية وألوهية الله الحق جل في علاه.
وقد جاء في القرآن الكريم جاءت نصوصٌ كثيرةٌ تبين
стр. 133
معنى هذه الكلمة، وتوضح المراد بها، ومن ذلك قول الله ﵎ في كتابه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ١٦٣).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥).
وقال تعالى حكاية عن مؤمني ياسين: ﴿وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ إِنِّي إِذًًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ (يس: ٢٢: ٢٥).
جـ- شروط لا إله إلا الله:
لا إله إلا الله لها شروطٌ عظيمةٌ يجب أن يعرفها طالب العلم، وشروط لا إله إلا الله سبعة هي: العلم بمعناها، واليقين المنافي للشك والريب، والإخلاص المنافي للشرك والرياء، والصدق المنافي للكذب، والمحبة المنافية للبغض والكره، والانقياد المنافي للترك، والقبول المنافي للرد، وقد جمع بعض أهل العلم هذه الشروط السبعة في بيتٍ واحدٍ؛ فقال:
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقك مع ... محبة وانقياد والقبول لها
وأود أن أقف هنا وقفة مختصرة مع هذه الشروط لبيان المراد بكل واحدٍ منها، مع ذكر بعض أدلتها من كتاب الله وهدي رسول الله ﵌.
الشرط الأول: وهو العلم بمعناها المراد منها نفيًا وإثباتًا المنافي للجهل، وذلك بأن يعلم من يقولها أنها تنفي جميع أنواع العبادة عن كل ما سوى الله ﵎ وتُثبت ذلك لله وحده، كما في قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥) أي: نعبدك ولا نعبد غيرك، ونستعين بك ولا نستعين بسواك، وهذا ما تفيده أو يفيده قول الله ﵎: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (محمد: من الآية: ١٩) وقال تعالى:
стр. 134
﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف: من الآية: ٨٦) قال المفسرون: إلا من شهد بلا إله إلا الله، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: ما معنى شهدوا به في قلوبهم وألسنتهم.
وثبت في (صحيح مسلم) من حديث عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﵌: ((من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)) فاشترط ﵊ العلم هنا.
والشرط الثاني: اليقين المنافي للشك والريب، أي: أن يكون قائلها موقنًا بها يقينًا جازمًا لا شك فيه ولا ريب، واليقين هو تمام العلم وكماله، قال الله ﵎ في وصف المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: ١٥) ومعنى ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي أيقنوا ولم يشكوا.
وثبت في (صحيح مسلم) عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﵌: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى عبدٌ بهما ربه غير شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة)).
وثبت في (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: ((من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة)).
الشرط الثالث: الإخلاص المنافي للشرك والرياء، وذلك إنما يكون بتصفية العمل وتنقيته من جميع الشوائب الظاهرة والخفية، وذلك بإخلاص النية في جميع العبادات لله وحده، قال الله تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر: من الآية: ٣).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (البينة: من الآية: ٥).
стр. 135
وقد سبق أن ذكرت أن: ((أسعد الناس بشفاعة النبي ﵌ من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه)) فاشترط الإخلاص.
الشرط الرابع: الصدق المنافي للكذب، وذلك بأن يقول هذه الكلمة صادقًا من قلبه، والصدق هو أن يواطئ القلب اللسان؛ ولذا قال الله تعالى في ذم المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون: ١) فوصفهم سبحانه بالكذب؛ لأن ما قالوه بألسنتهم لم يكن موجودًا في قلوبهم.
وقال : ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: ١: ٣).
وثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﵌ أنه قال: ((ما من أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله صادقًا من قبله إلا حرمه الله على النار)).
الشرط الخامس: المحبة المنافية للبغض والكره، وذلك بأن يحب قائلها الله ﵎ ويحب رسوله، ويحب دين الإسلام والمسلمين القائمين بأوامر الله الواقفين عند حدوده، وأن يبغض من خالف لا إله إلا الله وأتى بما يناقضها من شركٍ وكفرٍ، وممّا يدل على اشتراط المحبة في الإيمان ما جاء في قول الله ﵎: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (البقرة: من الآية: ١٦٥) وفي الحديث: ((أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)).
الشرط السادس: القبول المنافي للرد، فلا بد من قبول هذه الكلمات قبولًا حقًّا بالقلب واللسان، وقد قص الله علينا في القرآن الكريم أنباء من سبق ممّن أنجاهم لقبولهم
стр. 136
لا إله إلا الله، وانتقامه وإهلاكه لمن ردها ولم يقبلها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ١٠٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (الصافات: ٣٥: ٣٦).
فلا بد إذن من قبول هذه الكلمة وعدم ردها، يقبلها الإنسان بقلبه، يقبلها ويرددها بلسانه، وتقوم جوارحه وتشهد بما يدل على هذا القبول، ولا يستكبر عليها بحالٍ، ومن فعل ذلك كان مع المشركين -والعياذ بالله ﵎ لأن هذا هو صنيع المشركين مع لا إله إلا الله، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم.
الشرط السابع: الانقياد المنافي للترك؛ إذ لا بد لقائل لا إله إلا الله أن ينقاد لشرع الله، وأن يذعن لحكمه، وأن يُسلِمَ وجه إلى الله؛ إذ لذلك يكون متمسكًا بلا إله إلا الله؛ ولذلك يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (لقمان: من الآية: ٢٢) أي: فقد استمسك بلا إله إلا الله، فاشترط سبحانه الانقياد لشرع الله، وذلك بإسلام الوجه له .
فهذه شروط لا إله إلا الله ذكرتها لأهميتها، وليس المراد منها عد ألفاظها وحفظها فقط، فكم من عامّيٍّ اجتمعت فيه والتزمها، ولو قيل له: اعددها لم يحسن ذلك، وكم من حافظٍ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيرًا فيما يناقضها.
فالمطلوب إذن العلم والعمل معًا ليكون المرء بذلك من أهل لا إله إلا الله صدقًا، ومن أهل كلمة التوحيد حقًّا، والموفق لذلك من وفقه الله ﵎ فالله وحده هو المعين، وهو الذي يستعين به المؤمن.
د- انتقل بعد ذلك إلى النقطة الأخيرة في هذا العنصر، وهي بعنوان: نواقض لا إله إلا الله:
بعد أن ذكرت شروط لا إله إلا الله -وهي شروطٌ مهمةٌ عظيمة الشأن يجب على كل مسلمًا أن يعتني بها عناية كبيرة- أذكر هنا أمرًا مهما آخر، وهو نواقض هذه الكلمة ليكون المؤمن منها على
стр. 137
حذر، ويحاول أن يَسْلَمَ من الوقوع في شيءٍ منها، فمعرفة الشر كي يجتنبه العبد أمر أيضًا مهم؛ ولذلك سأذكر هنا على سبيل الإيجاز، سأذكر نواقض هذه الكلمة العظيمة -كما ذكرت- ليحذرها المسلم، وليحذر أيضًا منها غيره من المسلمين رجاء السلامة والعافية.
الناقض الأول من نواقض لا إله إلا الله هو: الشرك في عبادة الله ﵎ قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: من الآية: ٤٨).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (المائدة: من الآية: ٧٢).
ومن ذلك دعاء الأموات والاستغاثة بهم والنذر والذبح لهم، ونحو ذلك كل هذا يؤدي ويوقع العبد في الشرك -والعياذ بالله ﵎ ولا شك أن المشرك عمله حابطٌ ولا قيمة له، وليس له جزاء عليه حتى لو فعل ما فعل من الحسنات والخيرات، وذلك بنص التنزيل، يقول رب العزة والجلال في كتابه موجهًا الخطاب للنبي ﵌: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥، ٦٦).
وحاشا أن يقع النبي ﵌ في الشرك، ومع هذا يخاطبه ربه بذلك، ونحن يا أيها المؤمنون أولى بأن نحذر الشرك، وأن نحذر وسائله، وأن نحذر الطرق المؤدية إليه؛ لأن أمره خطير، فالأمر كما ذكر الله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ (المائدة: من الآية: ٧٢).
الناقض الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، قال الله تعالى في ذم المشركين الذين يتخذون لله الوسائط والأنداد: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس: ١٨) فليس بين العبد وبين ربه واسطةٌ
стр. 138
بحالٍ من الأحوال، وبإمكانك يا عبد الله أن تلجأ إلى اله في أي وقت وفي أي حين، وتطلب منه ما تحتاج إليه، ولا تتخذ وسائط تؤدي بك أو توقعك في الشرك -والعياذ بالله ﵎ ولذلك يجب على الناس أن يفهموا في أي شيء كان شرك المشركين الأولين كانوا يؤمنون بوجود الله وأنه الخالق الرازق المدبر، وأنه عنده النفع وعنده الضر، ولكنهم يتخذون هذه الوسائط لتقربهم إلى الله ﵎ زلفى، كما قال الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: من الآية: ٣) فيجب على المرء المسلم أن يفهم ذلك وأن يحذر.
الناقض الثالث: من لم يُكَفِرْ المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كَفَرَ؛ لأنه بهذا يكون رادًّا لكتاب الله ﵎ الذي أخبر عن شرك هؤلاء المشركين.
الناقض الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي ﵌ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، فهذا كُفرٌ ونقضٌ لـ "لا إله إلا الله" وذلك كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكم الله ﵎ وحكم الله أولى، وحكم الله أحسن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: من الآية: ٥٠) فحكم الله هو الحكم بالحق وبالعدل، ويجب أن لا ينحرف الإنسان عمّا جاء من عند الله ﵎ إلى غيره.
الناقض الخامس: من أبغض شيئًا ممّا جاء به الرسول ﵌ ولو عمل به فقد كفر؛ لأن الله ذكر أن من يكره ما جاء به الله أو ما جاء به رسول الله ﵌ فقد حبط عمله يقول في سورة "محمد": ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد: ٩).
الناقض السادس: من استهزأ بشيءٍ من دين الرسول ﵌ أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قول الله ﵎: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: ٦٤، ٦٥).
стр. 139
الناقض السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله -يعني: فعل السحر- أو رضي به كفر، والدليل قول الله ﵎: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ (البقرة: من الآية: ١٠٢).
والساحر أيضًا ليس له حظٌّ ولا نصيبٌ عند الله في الدار الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية: ١٠٢) فليحذر الإنسان من السحر وليحذر أيضًا -وأقول هذا وأنا أتحدث عن السحر يحذر- الإنسان من الإتيان إلى الكهان، والعرافين، والمنجمين، وما إلى ذلك.
الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: من الآية: ٥١).
الناقض التاسع: من أعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﵌ فهو كافر، قال الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥).
فالإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله ﵌ هو الشريعة الذي يجب على المرء أن يلتزمها وألا يخرج عنها، ومن زعم أنه يمكن أن يخرج إلى شريعة أخرى فقد كفر برب العزة والجلال سبحانه.
الناقض العاشر والأخير: الإعراض عن دين الله ﵎ لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قول الله -جل ذكره-: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ (السجدة: ٢٢).
فهذه عشرة أمور من نواقض هذه الكلمة العظيمة كلمة التوحيد لا إله إلا الله، فمن وقع في شيءٍ منها -والعياذ بالله ﵎ انتقض توحيده، وانهدم إيمانه، ولم ينتفع بقوله: لا إله إلا الله؛ ولذلك يجب على الإنسان أن يعرف هذه النواقض، وأن يحذر الوقوع فيها؛ لأنها تخالف إيمانه
стр. 140
ونطقه بلا إله إلا الله، وقد نص أهل العلم على أنه لا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره، وأكتفي بهذا، وأكمل -إن شاء الله- الحديث عن الجزء أو الشق الآخر من شهادة أن لا إله إلا الله، وهو أن محمدًا رسول الله ﵌ في اللقاء القادم.
أستغفر الله وأتوب إليه، وأصلي وأسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - أركان الإسلام (٢)
شهادة أن محمدًا رسول الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
أبنائي الأعزاء، عنوان محاضرة هذا اللقاء: تابع أركان الإسلام، ذلك أنني تكلمت في اللقاء السابق عن الشطر الأول من الركن الأول من أركان الإسلام، ألا وهو شهادة أن لا إله إلا الله، فشهادة أن لا إله إلا الله هي الركن الأول من أركان الإسلام، وتحدثت عنها في اللقاء السابق، وفي هذا اللقاء -إن شاء الله ﵎ أتابع الحديث حول أركان الإسلام، والعنصر الأول في هذا اللقاء هو الشق الثاني، أو الشطر الثاني من الركن الأول، ألا وهو شهادة أن لا إله إلا الله، ذلك أن شهادة أن لا إله إلا الله يتبعها في الأصل والأساس أن يشهد العبد أن محمدًا رسول الله ﵌ ولذلك سأتحدث في العنصر الأول حول شهادة أن محمدًا رسول الله ﵌ ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﵌ معنى هذه الشهادة -كما قال شيخ الإسلام الشيخ ابن عبد الوهاب ﵀ ﵎: قال: معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﵌ طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألَّا يعبد الله إلا بما شرع ﵌ فطاعة الرسول ﵌ من طاعة الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية: ٣١) وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (آل عمران: من الآية: ٣٢) وتصديق
стр. 141
الرسول ﵌ في الأخبار الماضية والمستقبلة مما كان من أمور الغيب من أوجب الواجبات، واجتناب ما ينهى عنه رسول الله ﵌ أيضًا من أوجب الواجبات، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: من الآية: ٧) وقال ﵌: ((ما أمرتكم من أمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)).
ومعنى ألا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله ﵌ يعني: ألا يعبد العبد ربه إلا بما جاء على لسان وهدي نبي الله ﵌ ولهذا كان من شرطَي قبول العمل أمران مهمان: الأول: متابعة رسول الله ﵌ وأيضًا: الإخلاص لله في العبادة، وفي هذا يقول النبي ﵌: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد)).
وهذه الشهادة تقتضي -أيها الأخوة الكرام- أن يعترف العبد بالرسالة والنبوة للنبي ﵌ وأيضًا أن يعتقد عبوديته ﵌ لربه، فهو بشر رسول ﵌ كما قال هو عن نفسه: ((إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) فلا يرفع ﵌ فوق منزلته ﵊، فيكون له خصيصة من خصائص الألوهية، فيعتقد العبد مثلًا أنه يعلم الغيب، أو ينفع ويضر، أو أنه يقضي الحاجات، ويفرج الكربات، كل هذا ليس من خصائص نبي الهدى والرحمة ﵌ فهو عبد لله سبحانه، وصفه ربه بالعبودية في أشرف المقامات، في إنزال القرآن الكريم، قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: ١) وفي مقام الإسراء قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (الإسراء: من الآية: ١) وفي مقام الحفظ وكفاية الله له، قال الله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزمر: من الآية: ٣٦).
ومع هذا فهو رسول يجب أن يصدق، وأن يطاع، وأن يتبع -صلوات الله وسلامه عليه- وهذا ما أود أن أشير إليه في النقطة، أو الفقرة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان:
стр. 142
وجوب طاعته ونصرته ﵌.
بعد أن ذكرت معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﵌ أود أن أشير إلى أمر مهم؛ لأنه ليس الهدف أو القصد أن ينطق العبد بأن محمدًا رسول الله ﵌ فحسب، أو أن يعتقد بنبوته ورسالته، ثم لا يقوم بعد ذلك بما أوجبه الله عليه تجاه النبي ﵌ ولذلك أقول: طاعة الرسول ﵊ واجبة بنص القرآن الكريم، والسنة النبوية، وإجماع الأمة.
وقد كان أصحاب رسول الله ﵌ يستفيدون أحكام الشرع من القرآن الكريم الذي يتلقونه عن الرسول ﵌ وكثيرا ما كانت تنزل الآيات القرآنية المجملة من غير تفصيل، أو مطلقة من غير تقييد، كالأمر بالصلاة مثلًا جاء مجملًا، لم يبين في القرآن عدد ركعاتها، ولا هيئاتها، ولا أوقاتها، وكالأمر بالزكاة جاء مطلقًا لم يقيد بالحد الأدنى الذي تجب فيه الزكاة، ولم تبين مقاديرها، ولا شروطها، وكثير من الأحكام التي لا يمكن تنفيذها دون الوقوف على شرح ما يتصل بها من شروط، وأركان، ومفسدات، فكان لا بد له من الرجوع إلى رسول الله ﵌ لمعرفة الأحكام معرفة تفصيلية واضحة.
وقد أخبر الله في كتابه الكريم عن مهمة الرسول الكريم ﵌ بالنسبة للقرآن، وأنه مبين له، وموضح لمراميه وآياته، فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: من الآية: ٤٤) فهذه الآية أسندت بيان القرآن لسنة النبي ﵌ لأن الله لما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ أتبعه بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فالذكر نزل من عند الله وبيان هذا الذكر أسند أمره إلى النبي ﵌ كما بين الله تعالى أن من مهمات النبي ﵌ إيضاح الحق حين يختلف فيه الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: من الآية: ٦٤)
стр. 143
وأوجب الله ﵎ النزول على حكم النبي ﵌ في كل خلاف، والتسليم المطلق له لما يأتي عنه ﵌ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) فهذه الآية بينت أنه يجب أن ننزل على حكم رسول الله ﵌.
وليس هذا فحسب، بل علينا ألا يكون في صدورنا أدنى حرج من حكم النبي ﵌ وأن من خالف ذلك، فليس من أهل الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وقد أوتي النبي ﵌ القرآن والحكمة؛ ليعلم للناس أحكام دينهم، ويخبرهم ﵌ بما أوجب الله عليهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران: ١٦٤). وقد ذهب جمهور العلماء المحققين إلى أن الحكمة شيء آخر غير القرآن، وهي ما أطلع الله رسول ﵌ عليه من أسرار دينه، وأحكام شريعته، ويعبر عنها العلماء بالسنة.
قال الإمام الشافعي ﵀ ﵎ في (الرسالة) فذكر الله الكتاب -وهو القرآن- وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﵌ وتفسير الحكمة هنا بأنها السنة وجيه؛ لأن الله تعالى عطفها على الكتاب، والعطف يقتضي المغايرة؛ لأنها في معرض المنة من الله علينا بتعليمنا إياها، ولا يمن إلا بما هو حق وصواب، فتكون الحكمة واجبة الاتباع كالقرآن، ولم يوجب ربنا علينا إلا اتباع القرآن، والرسول ﵌ فتعين أن تكون الحكمة هي: ما صدر عنه ﵊ من أفعال، وأقوال، وتقديرات في معرض التشريع،
стр. 144
وإذا كان، كذلك كان رسول الله ﷺ قد أوتي القرآن، وشيئًا آخر معه يجب اتباعه فيه.
وقد جاء مصرحًا في قول الحق ﵎ في وصف الرسول ﵌: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: من الآية: ١٥٧) وما دام اللفظ عاما، فهو شامل لما يحله، ويحرمه مما مصدره القرآن، أو مصدره وحي يوحيه الله تعالى.
وقد روى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﵌ أنه قال: ألا وإني أوتيت الكتاب، ومثله معه، ويدل على ذلك أن الله أوجب على المسلمين اتباع الرسول الأمين ﵌ فيما يأمر به، أو ينهى عنه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: من الآية: ٧) وقرن الله تعالى طاعة الرسول ﵌ بطاعته في آيات كثيرة من القرآن، فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران: ١٣٢) وحث على الاستجابة لما يدعو إليه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية: ٢٤) واعتبر طاعته طاعة لله، واتباعه حبًّا لله، فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: من الآية: ٨٠) وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية: ٣١).
كما حذرنا الله من مخالفة أمر النبي ﵌ قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: من الآية: ٦٣) بل أشار القرآن الكريم إلى أن مخالفته ﵌ كفر، فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: من الآية: ٣٢) وهذا محمول -أعني الكفر محمول- على رد ما جاء به النبي ﵌ وتكذيبه، وأما مجرد المعصية، فلا تبلغ درجة الكفر على ما هو معروف من مذهب أهل السنة، والجماعة.
стр. 145
ولم يبح رب العزة، والجلال لأحد من أهل الإيمان أن يخالف أمر النبي ﵊ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦) واعتبر الله من علامات النفاق الإعراض -انتبه الإعراض- عن تحكيم الرسول ﵌ في مواطن الخلاف قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (النور: ٤٧، ٤٨) إلى ما جاء في قوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٥١) بل جعل الله من لوازم الإيمان ألا يذهب الصحابة حيث يكونون مع رسول الله ﷺ دون أن يستأذنوا منه، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: ٦٢).
قال ابن القيم ﵀: فإذا جعل الله من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا مع إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه ﵌ وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه. ومن هنا أقول: لا بد لنا من الرجوع إلى سنة النبي ﵌ لنتعلم ونعرف أحكام القرآن الكريم، وكيف نعمل به، وكيف نطبق كتاب الله ﵎ ولا يكون ذلك إلا من خلال ما جاءنا عن رسول الهدى والرحمة ﵌ قد كان صحابة النبي ﵊ يرجعون إليه في كل أمر يحتاجون إليه، كانوا يرجعون إليه فيفسر لهم أحكام القرآن، ويبين لهم مشكلات القرآن، ويحكم بينهم في المنازعات، ويفصل في الخصومات، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يلتزمون حدود أمره، ونهيه، ويتبعونه في أعماله، وعباداته،
следующие страницы →