Полный текст (490 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الرسول ﵌ في الأخبار الماضية والمستقبلة مما كان من أمور الغيب من أوجب الواجبات، واجتناب ما ينهى عنه رسول الله ﵌ أيضًا من أوجب الواجبات، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: من الآية: ٧) وقال ﵌: ((ما أمرتكم من أمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)).
ومعنى ألا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله ﵌ يعني: ألا يعبد العبد ربه إلا بما جاء على لسان وهدي نبي الله ﵌ ولهذا كان من شرطَي قبول العمل أمران مهمان: الأول: متابعة رسول الله ﵌ وأيضًا: الإخلاص لله في العبادة، وفي هذا يقول النبي ﵌: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد)).
وهذه الشهادة تقتضي -أيها الأخوة الكرام- أن يعترف العبد بالرسالة والنبوة للنبي ﵌ وأيضًا أن يعتقد عبوديته ﵌ لربه، فهو بشر رسول ﵌ كما قال هو عن نفسه: ((إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) فلا يرفع ﵌ فوق منزلته ﵊، فيكون له خصيصة من خصائص الألوهية، فيعتقد العبد مثلًا أنه يعلم الغيب، أو ينفع ويضر، أو أنه يقضي الحاجات، ويفرج الكربات، كل هذا ليس من خصائص نبي الهدى والرحمة ﵌ فهو عبد لله سبحانه، وصفه ربه بالعبودية في أشرف المقامات، في إنزال القرآن الكريم، قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: ١) وفي مقام الإسراء قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (الإسراء: من الآية: ١) وفي مقام الحفظ وكفاية الله له، قال الله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزمر: من الآية: ٣٦).
ومع هذا فهو رسول يجب أن يصدق، وأن يطاع، وأن يتبع -صلوات الله وسلامه عليه- وهذا ما أود أن أشير إليه في النقطة، أو الفقرة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان:
стр. 142
وجوب طاعته ونصرته ﵌.
بعد أن ذكرت معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﵌ أود أن أشير إلى أمر مهم؛ لأنه ليس الهدف أو القصد أن ينطق العبد بأن محمدًا رسول الله ﵌ فحسب، أو أن يعتقد بنبوته ورسالته، ثم لا يقوم بعد ذلك بما أوجبه الله عليه تجاه النبي ﵌ ولذلك أقول: طاعة الرسول ﵊ واجبة بنص القرآن الكريم، والسنة النبوية، وإجماع الأمة.
وقد كان أصحاب رسول الله ﵌ يستفيدون أحكام الشرع من القرآن الكريم الذي يتلقونه عن الرسول ﵌ وكثيرا ما كانت تنزل الآيات القرآنية المجملة من غير تفصيل، أو مطلقة من غير تقييد، كالأمر بالصلاة مثلًا جاء مجملًا، لم يبين في القرآن عدد ركعاتها، ولا هيئاتها، ولا أوقاتها، وكالأمر بالزكاة جاء مطلقًا لم يقيد بالحد الأدنى الذي تجب فيه الزكاة، ولم تبين مقاديرها، ولا شروطها، وكثير من الأحكام التي لا يمكن تنفيذها دون الوقوف على شرح ما يتصل بها من شروط، وأركان، ومفسدات، فكان لا بد له من الرجوع إلى رسول الله ﵌ لمعرفة الأحكام معرفة تفصيلية واضحة.
وقد أخبر الله في كتابه الكريم عن مهمة الرسول الكريم ﵌ بالنسبة للقرآن، وأنه مبين له، وموضح لمراميه وآياته، فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: من الآية: ٤٤) فهذه الآية أسندت بيان القرآن لسنة النبي ﵌ لأن الله لما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ أتبعه بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فالذكر نزل من عند الله وبيان هذا الذكر أسند أمره إلى النبي ﵌ كما بين الله تعالى أن من مهمات النبي ﵌ إيضاح الحق حين يختلف فيه الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: من الآية: ٦٤)
стр. 143
وأوجب الله ﵎ النزول على حكم النبي ﵌ في كل خلاف، والتسليم المطلق له لما يأتي عنه ﵌ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) فهذه الآية بينت أنه يجب أن ننزل على حكم رسول الله ﵌.
وليس هذا فحسب، بل علينا ألا يكون في صدورنا أدنى حرج من حكم النبي ﵌ وأن من خالف ذلك، فليس من أهل الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وقد أوتي النبي ﵌ القرآن والحكمة؛ ليعلم للناس أحكام دينهم، ويخبرهم ﵌ بما أوجب الله عليهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران: ١٦٤). وقد ذهب جمهور العلماء المحققين إلى أن الحكمة شيء آخر غير القرآن، وهي ما أطلع الله رسول ﵌ عليه من أسرار دينه، وأحكام شريعته، ويعبر عنها العلماء بالسنة.
قال الإمام الشافعي ﵀ ﵎ في (الرسالة) فذكر الله الكتاب -وهو القرآن- وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﵌ وتفسير الحكمة هنا بأنها السنة وجيه؛ لأن الله تعالى عطفها على الكتاب، والعطف يقتضي المغايرة؛ لأنها في معرض المنة من الله علينا بتعليمنا إياها، ولا يمن إلا بما هو حق وصواب، فتكون الحكمة واجبة الاتباع كالقرآن، ولم يوجب ربنا علينا إلا اتباع القرآن، والرسول ﵌ فتعين أن تكون الحكمة هي: ما صدر عنه ﵊ من أفعال، وأقوال، وتقديرات في معرض التشريع،
стр. 144
وإذا كان، كذلك كان رسول الله ﷺ قد أوتي القرآن، وشيئًا آخر معه يجب اتباعه فيه.
وقد جاء مصرحًا في قول الحق ﵎ في وصف الرسول ﵌: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: من الآية: ١٥٧) وما دام اللفظ عاما، فهو شامل لما يحله، ويحرمه مما مصدره القرآن، أو مصدره وحي يوحيه الله تعالى.
وقد روى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﵌ أنه قال: ألا وإني أوتيت الكتاب، ومثله معه، ويدل على ذلك أن الله أوجب على المسلمين اتباع الرسول الأمين ﵌ فيما يأمر به، أو ينهى عنه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: من الآية: ٧) وقرن الله تعالى طاعة الرسول ﵌ بطاعته في آيات كثيرة من القرآن، فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران: ١٣٢) وحث على الاستجابة لما يدعو إليه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية: ٢٤) واعتبر طاعته طاعة لله، واتباعه حبًّا لله، فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: من الآية: ٨٠) وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية: ٣١).
كما حذرنا الله من مخالفة أمر النبي ﵌ قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: من الآية: ٦٣) بل أشار القرآن الكريم إلى أن مخالفته ﵌ كفر، فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: من الآية: ٣٢) وهذا محمول -أعني الكفر محمول- على رد ما جاء به النبي ﵌ وتكذيبه، وأما مجرد المعصية، فلا تبلغ درجة الكفر على ما هو معروف من مذهب أهل السنة، والجماعة.
стр. 145
ولم يبح رب العزة، والجلال لأحد من أهل الإيمان أن يخالف أمر النبي ﵊ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦) واعتبر الله من علامات النفاق الإعراض -انتبه الإعراض- عن تحكيم الرسول ﵌ في مواطن الخلاف قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (النور: ٤٧، ٤٨) إلى ما جاء في قوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٥١) بل جعل الله من لوازم الإيمان ألا يذهب الصحابة حيث يكونون مع رسول الله ﷺ دون أن يستأذنوا منه، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: ٦٢).
قال ابن القيم ﵀: فإذا جعل الله من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا مع إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه ﵌ وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه. ومن هنا أقول: لا بد لنا من الرجوع إلى سنة النبي ﵌ لنتعلم ونعرف أحكام القرآن الكريم، وكيف نعمل به، وكيف نطبق كتاب الله ﵎ ولا يكون ذلك إلا من خلال ما جاءنا عن رسول الهدى والرحمة ﵌ قد كان صحابة النبي ﵊ يرجعون إليه في كل أمر يحتاجون إليه، كانوا يرجعون إليه فيفسر لهم أحكام القرآن، ويبين لهم مشكلات القرآن، ويحكم بينهم في المنازعات، ويفصل في الخصومات، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يلتزمون حدود أمره، ونهيه، ويتبعونه في أعماله، وعباداته،
стр. 146
ومعاملاته، إلا ما علموا منه أنه خاص به ﵌ فكانوا يأخذون منه أحكام الصلاة، وأركان الصلاة، وهيئات الصلاة نزولًا عند أمره ﵌ حينما قال لهم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وأخذوا عنه مناسك الحج، وشعائره امتثالًا لأمره أيضًا حيث قال لهم: ((خذوا عني مناسككم)) إلى آخر ما جاء من هذه التعليمات الرشيدة، سواء كان في القرآن الكريم، أو في سنة النبي ﵌ وكلها تأمر وتوجب اتِّباع النبي ﵌ وألَّا يخرج العبد عما جاء عنه ﵊.
وأختم هذه النقطة بحديث جليل للنبي ﵌ رواه عنه أبو هريرة ﵁ وفيه يقول: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ﵌ ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) تأملوا كلمات هذا الحديث: ((من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)).
واستكمالا لذلك أقول: إذا أوجب الله علينا اتباع النبي ﷺ وطاعته، فيجب أن نعلم أيضًا أن نصرة الرسول ﵌ من لوازم الإيمان، وقد ضمن الله تعالى الفلاح لمن آمن برسوله ﵌ ونصره، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: من الآية: ١٥٧) فالذين عزروه هم الذين وقروه، والذين نصروه هم الذين أعانوه على أعداء الله وأعدائه بجهاده، ونصب الحرب لهم.
وقد مدح الله تعالى المهاجرين الذين نصروا رسوله ﵌ وشهد لهم بالصدق في إيمانهم، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر: ٨). كما شهد الله ﵎ لمن آوى المهاجرين، ونصر الرسول ﵌ بأنهم هم المؤمنون حقا، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: ٧٤) فكان البذل والعطاء
стр. 147
في سبيل الله، سواء بالهجرة، أو بالنصرة، كان كل ذلك دليل على الإيمان الحق بالله ﵎.
وقد أخذ الله تعالى الميثاق على من تقدمنا من الأمم بنصرة الرسول الكريم ﵌ فما أتعس قوما أخذ عليهم الميثاق بنصرته ﵊ فإذا هم يسخرون، ويستهزئون منه، ولا يؤمنون ويسلمون برسالته ﵌ قال الله تعالى في أخذه الميثاق على من سبق من الأمم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: ٨١) فأخذ الميثاق على النبيين كلهم، وأممهم تبع لهم أن يؤمنوا بالنبي ﵌.
وقد بين الله تعالى -وأقول هذا لأشرح صدور أهل الإيمان بين الله أنه ناصر رسوله ﵌ وأن رسوله ﵊ ليس في حاجة إلى نصرة هؤلاء المكذبين برسالته، والمسلم عندما ينصر الرسول ﵊ فإنما يسعى لخير نفسه، وإذا تقاعس عن ذلك فلن يضر إلا نفسه، وقد نصر الله رسوله ﵌ في أحلك الظروف، وأصعب الأوقات عندما هاجر ﵌ من مكة إلى المدينة، وكانت قريش تطارده بخيلها ورجلها، وترجو، وتأمل العثور عليه ﵌ لكن الله ﵎ نصره وأنجاه منهم مع ضعف الإمكانات، وقلة الزاد وقتئذ، قال الله تعالى مبينًا ذلك: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٤٠).
فمن تقاعس عن نصرة الرسول ﵌ فلا يذري إلا بنفسه، وهي منزلة من العز والشرف قد حرم منها من تقاعس، أو سب، أو استهزأ بالنبي ﵌.
стр. 148
الركن الثاني من أركان الإسلام؛ الصلاة
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وهو بعنوان: الركن الثاني من أركان الإسلام: الصلاة.
تكلمت، أو انتهيت من الركن الأول بشقيه: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﵌ وأتناول بعد ذلك في هذا العنصر الركن الثاني، وهو الصلاة:
ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية: النقطة الأولى: منزلة الصلاة في الإسلام، الصلاة هي أهم وآكد الأركان بعد الشهادتين، إذ هي عمود الدين، وأول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وهي عبادة تؤدى في وقتها المحدد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: من الآية: ١٠٣).
وأمرنا الله ﵎ بالمحافظة عليها، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٣٨) وهذا يدل على أن من الواجبات أن نحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بها، وأن نعلم أن لها أوقاتًا معلومة تؤدى فيها، وقد توعد الله من يتهاون بها، ويؤخرها عن وقتها قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم: ٥٩) وقال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون: ٤، ٥) فتأخير الصلاة عن وقتها هو من تضييعه وليس معنى أضاعوها تركوها؛ لأن الترك كفر -والعياذ بالله ﵎.
والصلاة هي العلامة المميزة بين الإسلام، والكفر والشرك، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنه- قال: ((سمعت رسول الله ﵌ يقول: إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) وفي حديث بريدة
стр. 149
-رضي الله تعالى عنه- ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) قد أخرج هذا الحديث الإمام أحمد ﵀ ﵎ كما أخرجه أهل السنن، وإسناده صحيح.
الصلاة -أيها الإخوة الكرام- صلة بين العبد وبين ربه، قال ﵌: ((إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه)) وقال تعالى في الحديث القدسي: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)) تأملوا هذا الفضل العظيم، وهو يبين مكانة، وأهمية الصلاة، إذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله له: ((هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)) يعني اطلب ما شئت، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: ((هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)).
الصلاة أيها الكرام روضة عبادات، فيها من كل زوج بهيج، فيها تكبير نفتتح به الصلاة، وقيام يتلو فيه المصلي كلام الله، وركوع يعظم العبد فيه ربه، ويقوم أيضًا من الركوع فيملأ فمه وقلبه بالثناء على الله، ويسجد فيسبح الله تعالى ويذكره، ويبتهل إليه في الدعاء، ويقعد للتشهد، ويدعو أيضًا، ثم بعد ذلك يسلم. أعمال كلها جليلة فاضلة، الصلاة عون في المهمات، ونهي عن الفحشاء والمنكرات، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ (البقرة: من الآية: ٤٥) وقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمُ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: من الآية: ٤٥).
الصلاة نور المؤمنين هي حقًّا نور لأهل الإيمان، نور في قلوبهم، نور في محشرهم، قال النبي ﵌: ((الصلاة نور)) وقال فيما أخرجه أحمد وغيره: ((من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانا ونجاة يوم القيامة)) الصلاة سرور نفوس المؤمنين،
стр. 150
وقرة أعينهم، قال النبي ﵌: ((جعلت قرة عيني في الصلاة)) الصلاة يمحو الله بها الخطايا، ويكفر بها السيئات، كما قال النبي ﵌: ((أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا)).
كذلك مثل الصلوات الخمس، يعني ضرب النبي ﷺ لذلك مثلًا في أنه كما أن الماء يطهرك من الوسخ، فكذلك الصلاة تطهرك يا عبد الله، النبي ﵌ يقول: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر)) وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: "من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وهذه الصلوات الخمس من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه سيئة، ولقد رأيتنا -هذا كلام عبد الله بن مسعود ﵁، ولقد رأيتنا- وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف".
ومن الأمور التي أحب أن أنبه إليها هنا، وأنا أتحدث عن أهمية الصلاة، ومنزلتها، وحديثي عنها لأنها الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي آكد الأركان كما ذكرت، بل إن البعض يقول بأنها هي الركن الأول بعد الشهادتين، يحلو له أن يقول الركن الأول بعد الشهادتين؛ حتى يبرز أهميتها، مما أود أن ألفت النظر إليه هنا هو وجوب الخشوع في الصلاة، يعني أن يحضر الإنسان فيها بقلبه، وأن يحافظ عليها، والخشوع فيها أعني أن يكون الإنسان حاضرًا بقلبه وجوارحه.
قول الله ﵎: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: ١، ٢) فالله ذكر أن المحافظة على الصلاة، وأن الخشوع فيها يدخل العبد الجنة، ويحقق له الفلاح، الذين هم في صلاتهم خاشعون كما على العبد أيضًا أن يخلص لله ﵎ في الصلاة لقوله ﵌: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)).
стр. 151
أنتقل بعد هذا الأمر المهم الذي تحدثت عنه إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: وجوب أدائها في المسجد، أعني وجوب أداء الصلاة في المسجد، الواجب أن تؤدى الصلاة جماعة في المسجد لذلك من الفضل العظيم، فعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﵌: ((صلاة جماعة أفضل من صلاة الفذ -يعني الفرد- بسبع وعشرين درجة)) ولقد هم رسول الله ﵌ هم- بتحريق البيوت على رجال يتخلفون عن صلاة الجماعة، وذلك في الحديث المتفق عليه، وفيه يقول ﵌: ((من سمع النداء فلم يأت، فلا صلاة له إلا من عذر)) وأمر النبي ﵌ من لم يطمئن في صلاته أن يعيدها حتى يقف بين يدي الله ﵎ مؤديًا الصلاة مع الجماعة، ومطمئنا أيضًا فيها.
وهذه مسألة مهمة يجب أن ألفت النظر إليها الصلاة مهمة، وأيضًا شهود هذه الصلاة، وحضورها في بيوت الله ﵎ لأن مساجد الله لم تبن إلا لذلك، والله أثنى على رجال يقومون لله ﵎ في بيوتهم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (النور: ٣٦، ٣٧) فعلى المسلمين جميعًا أن يهتموا بهذه الصلاة، وأن يحرصوا على أدائها جماعة في بيوت الله ﵎.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: حكم ترك الصلاة: في الحقيقة من المنكرات الظاهرة في هذه الأزمان المتأخرة ترك الصلاة من كثير ممن يدعي الإسلام، وهذه أيضًا مسألة مهمة يجب أن أقف عندها لأحذر من التهاون في الصلاة، أو ترك الصلاة بالكلية، خاصة ممن ينطق بلسانه: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﵌ ذلك أن ترك الصلاة كفر، كما صح عن رسول الله ﵌ أنه قال: ((بين الرجل والكفر أو الشرك ترك الصلاة)) وقال: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) ومن ضيع الصلاة، فهو لما سواها أضيع، فهي عمود الإسلام، ولا دين، ولا إسلام لمن ترك الصلاة.
стр. 152
وترك الصلاة -أيها الإخوة الكرام- من أسباب دخول النار تأملوا ترك الصلاة من أسباب دخول النار قال الله تعالى عن جماعة: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (المدثر: ٤٢، ٤٣) وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الروم: من الآية: ٣١) وقال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام: ٧٢) وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: من الآية: ١١) وقد أصبح حال كثير من الناس اليوم -وللأسف الشديد- لا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، والعياذ بالله ﵎ والبعض أيضًا يؤخر العصر عن وقتها، والبعض يهمل أيضًا في بقية الصلوات، وإن من إضاعة الصلاة ترك الجماعة مع القدرة على ذلك.
ولا يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها إلا كذلك، كما قال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- ومن إضاعة الصلاة تخفيفه وعدم الطمأنينة فيها في الركوع، والسجود، ومسابقة الإمام فيها، فمن سابق الإمام، فما وحده صلى، ولا بإمامه اقتدى، ناصيته بيد الشيطان، وتخفيف الصلاة وعدم الطمأنينة فيها، ومسابقة الإمام مناف للخشوع الذي هو ثمرة الصلاة وروحها، فعلى عموم المسلمين أن يشهدوا صلاة الجماعة في المساجد، وأن يحذروا ترك الصلاة؛ لأن ترك الصلاة كفر، وأنا لا أود هنا أن أتعرض للخلاف القائم بين الفقهاء: هل الكفر هنا مخرج من الملة أم لا؟ ولكن إذا نظرنا إلى قول النبي ﵌ وتدبرناه، فأوجب علينا ذلك أن نحذر ترك الصلاة، أو أن نتهاون، أو أن نضيع الصلاة؛ لأن الأمر جد خطير، سواء كان الكفر الوارد كفرًا ينقل من الملة، أو لا ينقل من الملة، يكفي أن النبي ﵌ أخبر أن ترك الصلاة كفر، والعياذ بالله ﵎ فعلى أهل الإيمان أن يهتموا أيضًا بهذا الركن العظيم من أركان الإسلام.
стр. 153
وأهل العلم ما اختلفوا في أي ركن من الأركان كاختلافهم في الصلاة، يعني كثير منهم ذكر أن ترك الصلاة كفر مخرج من الملة ولم يقولوا بذلك في الزكاة، ولا في الصيام، ولا في الحج، وما إلى ذلك؛ فعلينا إذن -أيها الإخوة الكرام- أن نهتم بهذا الركن العظيم، وأن نهتم عمومًا بجميع أركان الإسلام، ولكن نعرف لكل شيء قدره.
الركن الثالث من أركان الإسلام؛ الزكاة
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثالث في هذا اللقاء، وهو في الركن الثالث من أركان الإسلام، والركن الثالث من أركان الإسلام هو الزكاة، وهذا العنصر يشتمل على النقاط التالية:
أ- أهمية الزكاة، ووجوب إخراجها:
الزكاة قرينة الصلاة في آي القرآن الكريم، وأحاديث النبي الكريم ﵌ والزكاة فريضة اجتماعية سامية تشعر المؤمن بسمو أهداف الإسلام من عطف ورحمة، وحب، وتعاون بين المسلمين، وليس لواحد ملة، أو فضل فيما يقدمه من مال، إنما هو حق واجب لأن المال في الحقيقة مال الله ﵎ وقد استخلف عبده فيه، وقد أشار القرآن إلى ذلك، فقال سبحانه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: من الآية: ٣٣) وقال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد: ٧).
ولأهمية الزكاة قاتل أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- بعض قبائل العرب عندما منعوا زكاة أموالهم، وقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وتابعه الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- على ذلك، ولقد توعد الله من بخل عن الإنفاق، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: من الآية: ٣٤) وتجب الزكاة على المسلم إذا بلغ نصابًا من أي نوع من أنواع المال الزكوي إذا حال عليه الحول ما عدا الحبوب والثمار، فإن الزكاة تجب فيها عند نضجها، وتمام استوائها، وإن لم يحل عليها الحول.
стр. 154
وتعطى لمستحقيها كما وردت أصنافهم في القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٥٩، ٦٠).
النقطة التالية بعد ذلك هي فوائد الزكاة:
الزكاة لها فوائد متعددة، الفائدة الأولى: أن فرض الزكاة على المسلمين من أظهر محاسن الإسلام؛ لأنه يرعى شئون معتنقيه.
والفائدة الثانية: أنها تثبت أواصر المودة بين الغني والفقير؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.
الفائدة الثالثة: تطهير النفوس وتزكيتها، والبعد بها عن خلق الشح والبخل، كما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية: ١٠٣).
الفائدة الرابعة: تعويد المسلم صفة الجود، والكرم، والعطف على ذوي الحاجة.
الفائدة الخامسة: استجلاب البركة والزيادة، والخلف، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: من الآية: ٣٩) وقال النبي ﵌ في الحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة والجلال، يقول الله ﵎: ((يا بن آدم أنفق ننفق عليك)) إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.
النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: وعيد الله لمن تساهل عن إخراج الزكاة:
جاء الوعيد الشديد في حق من بخل بالزكاة، أو قصر في إخراجها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ
стр. 155
بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة: ٣٤، ٣٥) فكل مال لا تؤدى زكاته، فهو كنز يعذب الله به صاحبه يوم القيامة كما دل على ذلك الحديث الصحيح الذي ورد عن النبي ﵌ وفيه يقول: ((ما من صاحب ذهب، ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)) ثم ذكر النبي ﵌ صاحب الإبل، والبقر، والغنم الذي لا يؤدي زكاتها، وأخبر أنه يعذب بذلك يوم القيامة، وصح عن رسول الله ﵌ أنه قال: ((من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا له ذبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا النبي ﵌ هذه الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ آل عمران: من الآية: ١٨٠)).
الركن الرابع من أركان الإسلام؛ الصيام
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الرابع في هذا اللقاء، وهو في الركن الرابع من أركان الإسلام، ألا وهو الصيام، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- وجوب الصوم وفوائده:
صوم رمضان أحد أركان الإسلام لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣) وفي الصوم يتدرب المسلم على كبح جماح نفسه عن الملذات والشهوات المباحة لمدة من الزمن، وله أيضًا فوائد صحية علاوة على الفوائد الروحية، وفيه يشعر
стр. 156
المسلم بحاجة أخيه المسلم الجائع، والذي قد تمر عليه الأيام دون طعام، أو شراب كما يحصل الآن لبعض إخواننا في كثير من بقاع الأرض.
وشهر رمضان هو أفضل شهور العام، وقد أنزل الله فيه القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: من الآية: ١٨٥) وفيه ليلة خير من ألف شهر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: ١: ٣) والصائم يغفر له ما تقدم من ذنبه إذا كان صومه إيمانًا واحتسابا كما صح من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﵌: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) والواجب على الصائم أن يحفظ صيامه باجتناب الغيبة، والنميمة، والكذب، والاستماع إلى الملاهي، والحذر من سائر المحرمات، ويسن له الإكثار من قراءة القرآن، ومن ذكر الله والصدقة، والاجتهاد في العبادة، وخاصة في العشر الأواخر.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ ﵎: إن صيام رمضان أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقال النبي ﵌ بني الإسلام على خمس: ((شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﵌ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)).
وأجمع المسلمون على فريضة صوم رمضان إجماعا قطعيًا معلومًا بالضرورة من دين الإسلام، فمن أنكر وجوبه فقد كفر فيستتاب، فإن تاب، وأقر بوجوبه، وإلا قتل
стр. 157
كافرًا مرتدًا عن الإسلام لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدعى له بالرحمة، ويدفن؛ لئلا يؤذي الناس برائحته، ويتأذى أهله بمشاهدته.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا اللقاء، وهي بعنوان: متى فرض الصيام?
فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله ﵌ تسع سنين، وكان فرض الصيام على مرحلتين: المرحلة الأولى: التخيير بين الصيام والإطعام مع تفضيل الصيام عليه، المرحلة الثانية: تعيين الصيام بدون تخيير، فعن سلمة بن الأكوع -رضي الله تعالى عنه- قال: لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (البقرة: من الآية: ١٨٤) كان من أراد أن يفطر، ويفتدي فعل، يعني حين نزلت الآية التي بعدها، فنسختها حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، يعني ما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: من الآية: ١٨٥) فأوجب الله الصيام عينًا بدون تخيير، ولا يجب الصوم حتى يثبت دخول الشهر، فلا يصوم قبل دخول الشهر لقول النبي ﵌: ((لا يتقدمن أحدكم بصوم يوم، أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم)).
هذه بعض أركان الإسلام ذكرتها في هذا اللقاء، وتحدثت عن أمور مهمة تتعلق بها، فبدأت بشهادة أن محمدًا رسول الله ﵌ وبينت معنى هذه الشهادة، وأن طاعته ﵌ واجبة، ثم تحدثت بعد ذلك في العنصر الثاني عن الركن الثاني من أركان الإسلام، وهو الصلاة، وتكلمت عن أهميتها وبينت مكانتها في الإسلام، ووجوب أدائها في بيوت الله وأن ترك الصلاة كفر، والعنصر الثالث تحدثت فيه عن الزكاة وبينت أيضًا أهميتها، وأنه يجب على العبد أن يخرجها، وأشرت إلى شيء من فوائد هذه الزكاة حتى يقبل المسلم عليه، وبينت وعيد الله ﵎ لمن تساهل في إخراج الزكاة، العنصر الرابع من أركان الإسلام كان في الحديث عن الصيام وبينت وجوبه بدلالة القرآن الكريم، والسنة النبوية، وإجماع الأمة، وبينت متى فرض الصيام في الإسلام، وأنه في البداية كان على التخيير، وذكرت ذلك حتى لا يتعلل أحد بأن الصيام ما زال باقيًا على التخيير، فكان هذا في أول الإسلام، ثم أوجب الله بعد ذلك صيام شهر رمضان.
أسأل الله للجميع التوفيق، والسداد، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
٣ - أركان الإسلام (٣)، وبيان أثر الإيمان في تكوين الفرد والمجتمع
الركن الخامس من أركان الإسلام؛ الحج
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
عنوان هذه المحاضرة: تابع أركان الإسلام، وبيان أثر الإيمان في تكوين الفرد والمجتمع، ويتبع هذا العنوان العناصر التالية:
العنصر الأول: الركن الخامس من أركان الإسلام ألا وهو الحج، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- فوائد الحج، والأدلة على وجوبه:
حج بيت الله الحرام ركن من أركان الإسلام، أمر الله به في كتابه، وكذلك النبي ﵌ في سنته، كما سيأتي بيان ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: من الآية: ٩٧) وفرض الله الحج مرة واحدة في العمر،
стр. 158
ويجب على المسلم العاقل البالغ الحر المستطيع، ويصح من الصبي، ولكن لا يسقط عنه بذلك فرض الحج إذا بلغ واستطاع، والمرأة التي ليس لديها محرم يرافقها في الحج أو العمرة لا يجب عليها ذلك؛ لصحة الأحاديث عن رسول الله ﷺ بالنهي عن سفر المرأة بدون محرم.
والحج مؤتمر إسلامي يلتقي فيه المسلمون حيث يأتون إليه من كل فج عميق، ومن سائر أرجاء الدنيا من جنسيات مختلفة، وألوان متعددة، ولغات كذلك كثيرة، ومع هذا فهم يلبسون لباس واحدًا، ويقفون على صعيد واحد، والجميع يؤدي عبادة واحدة، لا فرق بين كبير ولا صغير، ولا غني وفقير، ولا أسود وأبيض، الناس سواسية -كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية: ١٣).
والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعًا: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) وعن النبي ﵌ أنه قال: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)).
قال سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ ﵎ في كتابه (التحقيق والإيضاح): إن الله أوجب على عباده حج بيته الحرام، وجعله أحد أركان الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ثم ساق حديث الصحيحين السابقَ عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- وقد جاء فيه أركان الإسلام، ومن هذه الأركان: حج بيت الله الحرام، ويجب على من لم يحج، وهو يستطيع الحج أن يبادر إليه لما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له)).
стр. 159
ولأن أداء الحج واجب على الفور في حق من استطاع السبيل إليه، وهذا لظاهر قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ولقول النبي ﵌ في خطبته: ((أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا)) ويسن الإكثار من الحج والعمرة تطوعًا لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)).
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي نقطة ب- بعنوان: ماذا يجب على من يريد الحج، أو العمرة؟
طالما أنني أتحدث عن الحج، وقد سبق أن تحدثت عن أركان الإسلام، وهذا العنصر به وبنهايته تنتهي جميع أركان الإسلام، فأود أن أذكر كلمة في نهاية هذه الأركان تصلح للحج، وتصلح أيضًا لغير الحج، وهي ربما تكون لازمة للحج أكثر من غيره في بعض المواطن على اعتبار أن الحج لا يقوم به الإنسان، أو لا يجب عليه إلا مرة واحدة في العمر، فعلى الإنسان أن يتنبه لما سأذكره الآن، وما سأذكره يحتاج إلى كل عبادة يقف فيه العبد بين يدي ربه وموالاه:
أول أمر مما يجب على من يريد الحج، أو العمرة أن يخلص العمل لله ﵎ يجب على المسلم أن يعلم أن إخلاص العمل لله، ومتابعة النبي ﵌ هما أساس قبول أي عمل، ولذا يجب عليه أن يجعل العبد رحلة الحج، أو العمرة، أو عبادة -كما ذكرت- خالصة لوجه الله ﵎ لا يريد بذلك رياء، ولا سمعة، ولا لقبًا بين الناس؛ لأن ذلك محبط للأعمال الصالحة، يقول الحق ﵎ مبينًا ما أمر به أهل الإيمان-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥) وعدم الإخلاص لله في العبادة يجعل العبادة معرضة للبطلان، والعياذ بالله ﵎ لأن عدم الإخلاص يوقع العبد في الرياء، وفي الشرك، والله ﵎ يقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥ - ٦٦).
وروى الشيخان عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﵌ قال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)).
أيضًا مما يجب على من يريد الحج لله ﵎ أن يبادر إلى التوبة النصوح، حيث يجب على المسلم أن يبادر إلى التوبة النصوح في كل وقت وفي كل حين، وإذا أراد الحج يكون ذلك أيضًا ألزم له؛ لأنه لا يدري هل يمد الله تعالى في عمره بعد
стр. 160
هذه الرحلة الربانية، أو لا وينتهي أجله، الله أعلم، وهذه التوبة تكون من جميع الذنوب صغيرها، وكبيرها لقول الله ﵎: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: من الآية: ٣١) وحقيقة التوبة: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على عدم العودة إليها، هذا إن كانت المعصية في حق الله ﵎ وأما إن كانت في حق الناس، فإنه يضاف إلى ما سبق رد المظالم إلى أهلها، وأن يطلب العبد السماح والعفو ممن أخطأ في حقهم بأهمية ذلك؛ حيث قد روى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﵌ قال: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها، فإنه ليس ثَمّ دينار، ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه)).
الأمر الثالث -الذي يجب على من يريد الحج-: أن يختار المال الحلال، إن أفضل ما ينفق فيه المسلم الأموال هو إنفاقها فيما يرضي الله ﵎ الذي وعدنا الله بإخلاف النفقة، والبركة في الرزق.
الله وعدنا إن أنفقنا في سبيله أن ينفق علينا بخير وبركة يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: من الآية: ٣٩) ولذا يجب على المسلم أن يختار لحجه، أو عمرته المال الحلال البعيد عن الشبهات، وذلك لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، والله تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان من مال طيب حلال، ولا يقبل كذلك من الأقوال إلا ما كان طيبًا.
الأمر الرابع -الذي يجب على من يريد الحج هو-: الوصية بتقوى الله تعالى، يجب على المسلم أن يوصي نفسه وأهله دائما بتقوى الله تعالى، واجتناب معاصيه خاصة عند السفر لأداء مناسك الحج، أو العمرة؛ لأنه أيضًا لا يدري هل يعود إلى أهله مرة أخرى، أو لا، وتقوى الله هي وصيته سبحانه للأولين، والآخرين من بني آدم، قال الله في كتابه:
стр. 161
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (النساء: من الآية: ١٣١) وتقوى الله هي وصية الله سبحانه للأولين، والآخرين من بني آدم، قال الله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وتقوى الله هي السبيل إلى جنة عرضها السماوات، والأرض فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
كذلك أيضًا من الأمور المهمة التي تجب على من يريد الحج، وتجب أيضًا على العبد في كل أمر مما أمر الله به وجوب معرفة مناسك الحج أو العمرة، أو ما فرضه الله عليه، وأنا هنا أتحدث عن مناسك الحج، وقلت بأنني ما سأذكره نحتاج إليه في كل العبادات التي نقوم بأدائها لله ﵎ كون العبد يعرف كيف يعبد الله ﵎ أمر مهم للغاية، فيجب على كل مسلم أن يعرف كيف يعبد الله ﵎ وأن يتعلم هدي النبي ﵌ في عبادته؛ لأن الأعمال كلها لا تقبل عند رب العزة والجلال إلا إذا كان العبد فيها موافقًا لهدي رسول الله ﵌ وبهذا أكون قد انتهيت من أركان الإسلام.
وقبل أن أنتقل إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء أود أن أشير إلى أن للإسلام ركائز أخرى -وإن لم تكن من الأركان- لكنها تعين على وجوده حيَّا مطبقًا في، واقع المسلمين، فيجب أيضًا على المسلم أن يعرف ذلك، وأن يتعلم من أمور دينه ما يقوم به لله ﵎ فمن الركائز التي يحتاج إليها المجتمع، وهي ليست من أركان الإسلام الخمس، إلا أنها مهمة وضرورية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد وصف الله هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس؛ لأنها تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١١٠).
قال بعض السلف: من أراد أن يكون من خير هذه الأمة، فليؤد شرطها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليؤدي شرط هذه الخيرية، وهو أن يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، كذلك على العبد المسلم أن يجاهد بلسانه، وبنانه في سبيل الله ﵎ أن يبذل جهده في سبيل إعلاء دين الله فيقول قول الحق، ويأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، ويجاهد في سبيل الله لكي يقوم الإسلام، ولئلا يكون لأهل الضلال والباطل صولة على أهل الإيمان،
стр. 162
وأسأل الله ﵎ في ختام الحديث عن أركان الإسلام أن يوفق المسلمين في مشارق الأرض، ومغاربها إلى أن يقوموا بأركان الإسلام كما يجب أن يكون، وسنعرف الآن من خلال العنصر الثاني أهمية ما أود الحديث عنه.
أثر الإيمان والعقيدة في تكوين الفرد والمجتمع
العنصر الثاني في هذا اللقاء بعنوان أثر الإيمان، والعقيدة في تكوين الفرد، والمجتمع، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- أثر الإيمان في الفرد، والمجتمع:
دعوتكم -أيها الإخوة الكرام- إلى التمسك بأركان الإسلام لما لأركان الإسلام، والأخذ بالدين بصورة عامة من فوائد عظيمة، وأثار طيبة تتحقق في واقع المسلمين، وأنا سأذكر -إن شاء الله ﵎ فيما بقي من هذا اللقاء كلامًا حول هذا الموضوع، وأبدأ كما ذكرت أنفًا بالنقطة الأولى، وهي أثر الإيمان في الفرد، والمجتمع:
للإيمان آثار كثيرة طيبة في النفس الإنسانية، وفي المجتمع الإنساني، ومن هذه الآثار: الرضا النفسي، والاطمئنان القلبي، فالنفوس البشرية دائمة الاضطراب تزعجها الشدة والبلاء، وتبطرها النعمة والرخاء، وليس مثل الإيمان بالله الواحد الأحد مطمئنًا للنفوس، وجالبا للسعادة والهناء، قال الله ﵎: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب﴾ (الرعد: من الآية: ٢٨) ولذلك نحن نسمع كثيرًا عن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ﵎ كيف أن مجتمعاتهم سيئة، وأنهم كثيرًا ما يخرجون من هذه الحياة باختيارهم فينتحرون؛ لأنه ليس لديهم طمأنينة وليست عندهم نفوس هادئة لأنهم ابتعدوا عن الإيمان بالله ﵎.
أيضًا من أثار الإيمان على الفرد والجماعة: الشجاعة والإقدام. الإيمان يغرس في النفس أن الأرزاق، والآجال بيد الله ﵎ وأن العباد مربوبون محكومون، أمرهم بيد خالقهم، فما دام العبد متوكلا على الله ﵎ معتمدًا عليه، فإنه لا يرهب الباطل، ولا يخشى الموت، ويواجه الظلم والطغيان بنفس غير هيابة، وهذا هو السر في وقوف أهل الصلاح من هذه الأمة في وجه الظلم والظالمين، والطغيان.
الأمر الثالث من أثر الإيمان في الفرد والمجتمع: الاستقامة والصلاح، فالذي يراقب الله ويخشاه، ويعلم أنه عليه رقيب، وله حسيب يستقيم على أمر الله ﵎ وينتهي عنه نهيه، ولا شك أن معتقده سيكون صحيحًا سليما، الذي يعتقد أن الله مطلع عليه، ويعلم خطرات نفسه لا شك أنه سيتحسس مواطن أقدامه، فالإيمان إذن يدعو حقا إلى الاستقامة، والصلاح.
стр. 163
الأمر الرابع من أثر الإيمان في الفرد والمجتمع: تحرير العباد من التخبط الفكري، والفوضى العقائدية، والعبودية للمال، وإخراجهم من ظلمات الشرك والجهل والخرافة والدجل إلى نور الإيمان، والعلم، والتوحيد الذي يكشف الحقائق، ويبَصِّر بالصواب، ومن يدور في تاريخ الأمم يعجب من ذلك الضلال الذي عاش فيه البشر حيث عبدوا الأشجار، والأحجار، والشموس، والأقمار، بل إن البعض ألَّه البشر، والبقر من دون الله ﵎.
والإيمان بالله والاستقامة على المنهج تحرر العبادة من هذه الفوضى؛ لأن ذلك يوجب على العبد ألا يلجأ إلا إلى الله، وأن يتوجه بجميع عبادته إلى ربه ومولاه، وأن يكون فيها مقتفيا أثر رسول الله ﵌ ومصطفاه، والذي يدفعه إلى ذلك هو الإيمان بالله ﵎ دون سواه.
الأثر الخامس من أثر الإيمان في الفرد والمجتمع: الثبات على خط واحد في اليسر والعسر، يشكر العبد ربه في النعمة، ويصبر في المصيبة، وقد أخبر النبي ﵌ أن أمر المؤمن كله له خير، في الحديث: ((عجبًا لأمر المؤمن أمره كله خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصبته ضراء صبر فكان خير له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)).
الأثر السادس: الوحدة والاتفاق، فأتباع هذا الدين تأتلف منهم القلوب، وتتفق منهم الأعمال، وكلما استمسكوا بهذا الدين ازدادوا اتحادا؛ لأن ربهم واحد، ولأن دينهم واحد، ووجهتهم واحدة، ومن أرسل إليهم رسول الله واحد ﵌ ونحن معشر أهل الإسلام نتوجه إلى قبلة واحدة، ونعتقد معتقد واحدًا، فلم تكون قلوبنا إذن متفرقة؟ فإذا آمن العبد بربه وموالاه أدى ذلك إلى أن يتحد كل من آمن بالله على الأمر الذي آمنوا به، وكل ما جاء في دين الله يدعو إلى
стр. 164
هذه الوحدة، وإلى هذا الاتفاق، والله قد أمرنا بأن نعتصم بحبله، ونهانا عن أن نتفرق، أو نختلف، أو أن يكون الأمر بيننا شيعًا وأحزابا قال جل ذكره: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: من الآية: ١٠٣).
الأثر السابع من أثر الإيمان في الفرد والمجتمع: الحفاظ على النفوس والأموال، فالإيمان بالله ﵎ هو الذي يغرس خوف الله وخشيته في القلوب، يردع النفوس عن الإفساد في الأرض، فتحفظ النفوس والأموال بذلك، وتحفظ من ناحية أخرى بسبب عدم بذلها في مسار يضيعها، فأهل الجاهلية كانوا ولا يزالون يبذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل آلهة باطلة لا تضر، ولا تنفع، ولا تزال مئات الملايين إلى اليوم تذهب في كل عام في سبيل المعتقدات الباطلة، والذي يؤمن بالله ﵎ ويعلم أن المال مال الله وحينما يقوم هذا المعتقد في القلب لن يخرج الإنسان مالًا إلا إذا كان ابتغاء وجه الله ﵎ لأنه يعلم أنه مستخلف في هذا المال، وأنه ليس فيه حق التصرف كما يشاء، بل له حق التصرف في حدود ما شرعه الله وبينه له.
الأثر الثامن: التوجه بالأعمال إلى الدار الآخرة، وهذا بعكس ما عليه الكفار الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، فإن هؤلاء لا ينظرون إلى أبعد من موطئ أقدمهم؛ تصوراتهم، وأعمالهم، وإرادتهم محكومة بإطار الحياة الدنيا، أما المؤمن بالله فهو ينظر نظرة أخرى، وينطلق انطلاقة أخرى، فهو يتوجه بأعماله إلى الله يقصد بها وجه الله ﵎ يقول الله -جل ذكره-: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: من الآية: ٧٧) فالإنسان الذي يعرف أصله الطيب، وربه الكريم العظيم، وغايته الكبيرة يشعر بالعزة والكرامة، أما الإنسان الذي يظن أن أصله قرد، أو جرثومة خبيثة، أو أن إلهه الشمس، أو القمر، أو البقر، أو أنه خلق عبثًا من غير غاية، فإنه مهين في نفسه،
стр. 165
يشعر بالضعة، والذلة، والهوان: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣) والله في كتابه قد أثبت هذه العزة لأهل الإيمان، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية: ٨)، فالعزة في الحقيقة هي لله وحده دون سواه، ثم لرسول الله ﷺ ثم لأهل الإيمان يعطيهم إياها رب العزة والجلال .
الأثر العاشر: من أثر الإيمان في الفرد والمجتمع: معرفة شيء من العوالم غير المنظورة كالملائكة، والجن، والجنة، والنار، وهي كلها من عالم الغيب، ذلك لأن المؤمن بالله يؤمن بجميع ما جاءه من عند الله ﵎ مما شاهد، ومما لم يشاهد، فالإيمان بالله ﵎ يجعل العبد يسلم بما جاء عن الله ﵎ من أمور الغيب، ومن ذلك أمر الملائكة الكرام الكاتبين الذين يراقبون أعمال العباد، وما إلى ذلك مما سبق أن أشرت إليه، وكذلك يؤمن بالجن، يؤمن بالجنة، يؤمن بالنار، يؤمن بما أخبر الله به في يوم القيامة ... وما إلى ذلك.
الأثر الذي يلي ذلك والأخير من أثر الإيمان على الفرد والمجتمع: العلم بعظمة الله ﵎ وقوة الله، وسلطانه وجبروته من خلال التعرف إلى صفات الله فأنت يا أيها المؤمن حينما تؤمن؛ تؤمن بالله وتتعرف على صفات الله ﵎ وتسلم بها كما جاءت في كتاب الله، وفي صحيح سنة النبي ﵌ وهذا يجعلك تعرف شيئًا عن عظمة الله ﵎ وعن قدرة الله، وعظيم قدرة الله، وصفات الكمال الثابتة لرب العزة والجلال .
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي ب- بعنوان: نتائج اتخاذ العقيدة الإسلامية أساسًا لنظام المجتمع:
سبق أن بينت أثر الإيمان والعقيدة في تكوين الفرد والمجتمع، وأود هنا أن أبين النتائج المترتبة على اتخاذ العقيدة الإسلامية أساسًا لنظام المجتمع؛ لأن المجتمع الذي يتخذ العقيدة الإسلامية أساسًا للنظام؛ يحقق النتائج التالية:
أولًا: الرباط الإيماني: الإسلام يعتبر المؤمنين بالعقيدة الإسلامية إخوة في الدين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ (الحجرات: من الآية: ١٠) وفي الحديث الشريف:
стр. 166
المسلم أخو المسلم، والإخوة الإيمانية من أعظم الروابط بين المسلمين، وعلى أساسها تكون الموالاة، وقد يشترك المسلم مع أخيه المسلم بروابط أخرى، كرابطة النسب، أو الإقليم، وهذه الروابط غير منكورة، ولا مرفوضة في الإسلام، ولكن بشرط: ألا تحمل شيئًا من الباطل، وألا تعلو على رابطة الإيمان، ومستلزماتها، والرابطة الإيمانية لا تقتضى بحال اضطهاد غير المسلمين، أو إيذائهم، ومن المعلوم أن الإسلام يقبل في عضوية المجتمع الإسلامي غير المسلمين، ويأمر بحمايتهم، فإذا فات غير مسلم رابطة الإيمان، وقوة الدين، فلن تفوته حماية المسلمين، ولن يفوته عدل الإسلام، وبر المجتمع الإسلامي، قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ (المائدة: من الآية: ٢) وقال سبحانه: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٨).
الأمر الثاني من نتائج اتخاذ العقيدة الإسلامية أساسًا لنظام المجتمع: زوال العصبية، والمقصود بالعصيبة التناصر بالحق والباطل لاشتراك المتناصرين بالنسب -أي نسب القبيلة، أو السلالة، أو الأسرة- وكان هذا المفهوم للعصبية هو الشائع عند العرب قبل الإسلام، فكان أفراد القبيلة ينصر بعضهم بعضًا في الحق وفي الباطل، لماذا؟ لانتسابهم إلى قبيلة واحدة، وقد أنكر الإسلام هذه العصبية، وأمر بنبذها فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي ﵌: ((ليس منًا من دعا إلى عصبية وليس منا من مات على عصبية)) وقال ﵊ عن العصبية: ((دعوها فإنها منتنة)).
وبعد أن كان شعار الجاهلية: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا بمعنى: كن بجانبه في الحالين أصبح الشعار في الإسلام: انصر أخاك ظالمًا بأن تمنعه من الظلم، أو
стр. 167
مظلومًا بأن تقف بجانبه ضد ظالمه، وذم العصبية في الإسلام لا يقف عند حد العصبية القائمة على أساس المشاركة في القبيلة، أو الجنس، وإنما تتعداها إلى كل عصبية قائمة على سبب آخر ما دام جوهر العصبية موجودًا، وهو نصرة الغير بالباطل بغير هذه المشاركة، وعلى هذا فانتصار أصحاب الإقليم الواحد، أو الحرفة الواحدة، أو المذهب الواحد بعضهم لبعض في الباطل هو من العصبية المقيتة المذمومة، إن خلو المجتمع الإسلامي من العصبية بأنواعها يقلل فرص الاعتداء والظلم، والبغي، ويساعد على شد الأفراد إلى معاني الحق والعدل، وفي هذا كله خير مؤكد للمجتمع ولأفراده.
الأمر الثالث والأخير من نتائج اتخاذ العقيدة الإسلامية أساسًا لنظام المجتمع: تقوى الله ﵎ لأنه بزوال العصبية تزول نتائجها، ومنها التفاخر بالأحساب والأنساب، والعظام البالية، فليس مجرد انتساب الفرد إلى قبيلة معينة مدعاة إلى الفخر، ولا إلى فضله، وعلو منزله، إذ لا علاقة بين فضل الإنسان وبين انتسابه إلى قوم معينين، أو إلى قبيلة معينة، وإنما المعقول أن يقدر فضل الإنسان بقدر ما تحمله نفسه من فضائل، وأخلاق كريمة، وبقدر ما يقدمه مصالح الأعمال، وهذا كله يحققه تقوى الله ومن هنا كان أساس التفاضل في الإسلام تقوى الله، وأما الانتساب إلى القبائل، فهو للتعارف فقط كانتسابه إلى بلدة معينة، أو حرفة معينة، أو بيت معين، أو تسميته باسم معين، فكل هذه الأشكال من الانتساب، أو الأسماء يقصد بها التعارف، وما يترتب عليه من تعاون أو تكاليف قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وبهذا الميزان الدقيق العادل لمعرفة أقدار الناس، وفضلهم أصبح المجال واسعًا للتنافس في الخير، وبلوغ المنزلة العالية التي يطمح إليها الإنسان، فلا يمنعه منها
стр. 168
مانع من فقر، أو لون، أو ذكورة، أو أنوثة، أو دمامة خلقة، أو ضعف، كما لا يرفع عن الإنسان أبدًا إذا فاتته التقوى، لا يرفع عنه شرف النسب، أو كثرة المال لا يرفع عنه بحال من الأحوال الذلة، والمهانة، وعدم التقدير، والاحترام؛ لأن تقوى الله ﵎ هي المدار الذي يدور رفعة الإنسان. هذه هي نتائج اتخاذ العقيدة الإسلامية أساسًا للنظام المجتمع.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي ج- بعنوان: الإيمان يدفع إلى المثل العليا:
في الحقيقة في ختام الحديث عن الإيمان وأركانه، والإسلام وأركانه- أود أن أبرز أمرًا مهما للغاية، وهو أن الإيمان يدفع إلى المثل العليا، وسأبين هذا إن شاء الله ﵎ بشيء من التفصيل؛ لأني أود، وأدعو، وأحب أن أركز في المستمعين أن الإيمان لا يختصر على القول، وإنما هو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، والأركان، وبالتالي فعلى المؤمن أن يترجم إيمانه إلى حياة عملية، واقعية، ومن هنا كانت هذه النقطة: الإيمان يدفع إلى المثل العليا.
المؤمن يعيش لرسالة كبيرة، ويعمل لهدف رفيع، ويحيا في ظل مثل عليا يعيش لها، ويموت عليها، هي القربى إلى الله، والعبد يسعى دائما في مرضاة الله ﵎ وهو في سبيل مثله يكبح جماح نفسه، ويقمع طغيان هواه، ويضغط على غرائزه وشهواته احتسابا لله، وإيثارا لما عنده، وابتغاء مرضاته، وإيمانا لحسن الثواب لديه، قد وضع نصب عينيه قول ربه -جل شأنه-: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: ١٤ - ١٧).
стр. 169
فهذه هي الثمرات الأخلاقية للإيمان، وهذه هي صفات المؤمن التقي الذي آثر ما عند الله على شهوات الحياة، إن هدف المؤمن أن يقترب من الله -جل في علاه- ويحصل على مثوبته ورضاه، وهذا يجعل حياته كلها موصولة الأسباب بالله، ويجعله يحيا دائما، وهو يرجو الله، والدار الآخرة، ثم إن أخطر شيء على أخلاق الناس هو هذه الدنيا بمتاعها، ومغرياتها بزخارفها، وشهواتها من النساء، والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب، والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث.
إن الغلو في حب الدنيا هو رأس كل خطيئة، والتنافس عليها أساس كل بلية من أجل متاع الدنيا يبيع الأخ أخاه، ومن أجل متاع الدنيا يقتل الابن أباه، ومن أجلها يخون الناس الأمانات، وينكصون العقود، ومن أجلها يجحد الناس الحقوق، وينسون الواجبات، ومن أجلها يبغي الناس بعضهم على بعض، ويعيشون كسباع الغابة، أو أسماك البحار، يفترس القوي الضعيف، ويلتهم الكبير الصغير من أجل شهوات الدنيا، ومفاتنها يغش التجار ويطففون، ويتجبر الرؤساء ويستكبرون، ويجور القضاة ويرتشون، ويطغى الأغنياء ويترفون، وينافق ضعفاء الناس ويتزلفون، من أجل الدنيا يكتم العالم ما يعلم أنه الحق، ويفتي بما يعتقد أنه الباطل، من أجل الدنيا يروج الصحفي الكذب والزور، ويخفي الحقائق، وهي أوضح من فلق الصبح، من أجل الدنيا يهجو الشاعر كل حليم رشيد، ويزف عرائس المديح إلى كل سكير وعربيد، من أجل الدنيا تسفك الدماء، وتستباح الحرمات، وتداس القيم، ويباع الدين، والشرف، والوطن، والعرض وكل معنى إنساني كريم، كل هذا من أجل الدنيا، ومتاع الدنيا، وشهوات الدنيا من أجل امرأة، أو كأس، أو عمارة، أو قطعة أرض، أو منصب يصغر أو يكبر، أو دنانير تقل أو تكثر، أو حظوة لدى رئيس، أو شهرة بين الناس، أو غير ذلك من هم البطن، وشهوة الفرج، وحب الجاه والمال.
стр. 170
إن حب الحياة والأمل فيها جزء من فطرة الإنسان، حب الحياة والأمل أمر فطري في الإنسان، ولولا ذلك ما عمرت الأرض، ولا ترعرعت شجرة الحياة فلم يكن ممن ينافي الحكمة أن يزين الله للناس حب الشهوات، ولكن الخطر كل الخطر أن يستغرق الناس في حب الدنيا، وطول الأمل فيها، وأن تكون هذه الحياة القصيرة هي أكبر همهم، ومبلغ علمهم، ومنتهى آمالهم، فالدنيا زينت لك، خذ من زينتها بالمعروف، وبقدر ما تحتاج إليه مع الالتزام بأوامر رب العزة والجلال ، وهذا هو ديدن المؤمن في موازنته كما قال الله فيما سبق أن ذكرته: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ فالدنيا مفتنة، وعلى الإنسان أن يأخذ حظه، ونصيبه منها، ولكن أن يجعل أكبر همه، وأن يجعل مبلغ علمه: هو إرضاء الحق ﵎ وابتغاء وجه الله سبحانه، والإيمان وحده هو الذي يعطي صاحبه القدرة على مقاومة إغراء الدنيا وفتنتها.
إن العبد قد لا يملك الدنيا، ولكنها لا تملكه، وقد تمتلئ بها يداه، ولكن لا يمتلئ بها قلبه، ذلك أنه يعيش في الدنيا بروح المرتحل، كأنه غريب، أو عابر سبيل، ومن عاش في الدنيا بهذه الروح، فلا خوف عليه من امتلاك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، إنه يحيا في الدنيا بقلب أهل الآخرة، ويمشي وقدمه في الأرض، وقلبه موصول بالسماء.
المؤمن وحده هو الذي امتلأ يقينًا بأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأنها قنطرة عبور إلى الحياة الباقية، وأن ركعتين خاشعتين لله عند الله خير من الدنيا وما فيها، وأن غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، وأن موضع قدم الإنسان في الجنة خير من الدنيا وما فيها، وحسب المؤمن أن يعلم أن أنبياء الله ورسله وأولياءه عاشوا في الدنيا معذبين مضطهدين، وأن أعداءه، وأعداء رسله من
стр. 171
الكفرة، والمكذبين، والملحدين كثيرًا ما عاشوا منعمين مترفين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: ٣٣: ٣٥).
إن الاستعلاء على متاع الدنيا والاستكبار على شهواتها، ومغرياتها ليس معناه أيضًا تحريم طيباتها، أو تحريم مصالحها، أو تعويق سيرها، إنما المقصود أن تكون الآخرة مراد المؤمن، وغاية سعيه، فلا يكون ممن يريد حرث الدنيا، لا ممن يريد حرث الآخرة لا ممن يكون، ولا أن يكون، ولا أن يفضل العاجلة التي وصف الله أهلها بالطغيان، فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (النازعات: ٣٧ - ٣٨)، والله خاطب الرسول ﵌ في شأن هؤلاء الذين اشتغلوا بالدنيا، وتركوا الآخرة: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ﴾ (النجم: ٢٩، من ٣٠). بل يجب أن يكون المؤمن ممن أراد الآخرة، وسعى لها سعيها، واتخذ الدنيا وسيلة لا غاية، وممرًّا لا مقرًّا.
إن الذي لا يوقن بالآخرة يقينًا جازمًا يصعب فطامه عن شهوات الدنيا، ويصعب صرفه عن مجونه، ولذاته، أما أهل الإيمان فالإيمان يغرس فيهم مثلًا عليًا هو ما أشير إليها الآن، ولا ريب أن للغرائز في دفع الإنسان سلطان لا ينكر، ولكن المثل العليا التي يعيش لها المؤمن تعلو به على الغرائز، وسلطانها الغريزة الجنسية بخاصة لعلها أعتى الغرائز وأقواها، حتى إن في علماء النفس من فسر بها السلوك البشري كله مثل فرويد، وهو تفسير حيواني يتجاهل غرائز الإنسان الأخرى، ويتجاهل سائر ملكاته الروحية، ودوافعه النفسية، وأننا لا أنافشه هنا الآن، ولكني لا أشك في أن الغريزة الجنسية تتجلى في الشباب على أشدها، ولا شيء يمنع الشباب من الوقوع فيما حرم الله تعالى إلا الإيمان بالله إن هذه القوة الغريزية التي هي في الشباب لا ينظمها، ولا يحل لدى الإنسان ما فيها من رغبة في إتيان المنكر إلا بالإيمان بالله ﵎.
لا يمنع الوقوع في المنكرات إلا الإيمان، وهذا
стр. 172
ما حدث ليوسف ﵇ شاب في ريعان الشباب شاب مكتمل الرجولة رائع الفتوة تدعوه إلى نفسها امرأة ذات منصب، وجمال ليست من عامة الناس، ولكنها امرأة العزيز الذي هو في بيتها، وهو عبدها، وخادمها، والأبواب مغلقة، والسبل ميسرة كما حكى القرآن: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ (يوسف: من الآية: ٢٣) فماذا كان موقفه أمام هذا الإغراء، وتلك الفتنة التي تخطف الأبصار، ألانت قناته فاستسلم وخان عرضًا ائتمن عليه؟ كلا، إنما قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (يوسف: من الآية: ٢٣).
ولقد حاولت المرأة بكيدها ومكرها، وبكل ما لديها من ألوان الإغراء والتهديد أن تذيب من صلابة يوسف ﵇ وأن تضعضع من شموخه، وأعلنت ذلك لنسوتها في ضيق وغيظ: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف: ٣٢) ومع كل ذلك انتصر يوسف ﵇ لأن المثل العليا تمثلت فيه نتيجة لإيمانه بالله ﵎.
كذلك أيضًا الإيمان ينتصر على غريزة الأنانية، أو حب الذات، غريزة الأنانية غريزة عاتية جبارة ربما تكون كامنة في كثير من النفوس، ولكن عنصر الإيمان إذا دخل هذه المعركة، ألا وهي هذه الغريزة العاتية عند بعض الناس، أطفأها، وصارت بردًا وسلامًا، الإسلام هو الذي يحطم طغيان الأنانية بين الناس، وفي القصة التي روتها أم سلمة زوج الرسول ﵌ مثل واضح على مبلغ أثر الإيمان في النفوس على مبلغ أثر الإيمان في تكوين العبد إلى مثل عليا رفيعة يرتفع بها إلى مصاف عالية كريمة. هذه القصة باختصار: رجلان أتيا إلى النبي ﵌ يختصمان في مواريث بينهما وليست لهما بينة إلا دعواهما، كلاهما يقول: هذا حقي، وينكر على صاحبه أن يقول له حقه، ويحتكم الرجلان إلى رسول الله ﵌ وفي صدر كل منهما فرديته، وأنانيته، وحبه لذاته، ونفسه، وحرصه على أن يكون ما عند آخيه له.
فالنبي ﵌ يسمعهما
стр. 173
هذه الكلمات: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه من شيء، فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار)).
سمع الرجلان المختصمان هذه الكلمات الهادئة من النبي ﵌ فلمست أوتار الإيمان من صدريهما، وأيقظت فيهما خشية الله والدار الآخرة، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما لصاحبه: "حقي لك" فقال النبي ﵌: ((أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما، وتوخيا الحق بينكما، ثم استهما، ثم تحالا)).
أي يحل كل منكم صاحبه، ويسامحه فيما عسى أن يكون من حقه هنا كانت كلمة الإيمان وكلمة الضمير الذي أيقظه هذا الإيمان، فالإيمان -باختصار شديد الإيمان- القوي يدفع إلى مثل عليَا رفيعة، ويقف أمام طغيان الغرائز الإنسانية، فيكفكف من غلوائها، ويحد من شرهها، ويقوم من انحرافها، ويوجهها وجهة الخير والسداد والصلاح، ولهذا أقول يجب علينا أن ننمي الإيمان في القلوب، يجب علينا أن نحرص على هذا الإيمان، وأن نترجمه إلى واقع عملي في المجتمع الذي نعيش فيه، وإذا كان أهل الإيمان بهذه المثابة وبهذا الفهم، وحققوا هذا الإيمان كما طلبه منهم رب العباد سادوا الدنيا بأكملها؛ لأن الله قد وعد أولياءه، ومن قام بشرعه بنصره وتمكينه في هذه الأرض.
أسأل الله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يحقق الإيمان في قلوبنا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأكتفي بهذا على أن ألتقي بكم -أيها الإخوة الكرام- في لقاء آخر، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 174
الدرس: ٥ الإعجاز في القرآن الكريم طريق من طرق أصول الدعوة .
стр. 175
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(الإعجاز في القرآن الكريم طريق من طرق أصول الدعوة)
المعجزة في زمانها ومكانها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
أواصل الحديث حول سلسلة محاضرات طرق الدعوة، وعنوان هذا اللقاء: "الإعجاز في القرآن الكريم: فائدته، وأهميته"، وهذه المحاضرة أيضًا أقسمها إلى عدة عناصر:
العنصر الأول بعنوان "المعجزة في زمانها ومكانها" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- تعريف المعجزة:
المعجزة في اللغة: اسم فاعل من الإعجاز، والإعجاز مصدر للفعل "أعجز"، يقال: عجز فلان عن الأمر، وأعجزه الأمر: إذا حاوله فلم يستطعه، ولم تتسع له مقدرته وجهده.
أما المعجزة في لسان الشرع فهي: أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة. يقول ابن خلدون -رحمه الله تعالى-: إن المعجزات هي أفعال يعجز البشر عن مثلها؛ فسميت بذلك معجزة، وليست من جنس مقدور العباد، وإنما تقع في غير محل قدرتهم. ولهذا أقول: سميت معجزة لذلك؛ لأن سائر البشر يعجز عن مثلها أو الإتيان بمثلها.
والمعجزة إما حسية تجابه الحواس وتتحدى القُدَر -أعني القدر: العباد الآخرين- وأغلب المعجزات التي سبقت معجزة نبي الإسلام كانت من هذا النوع -أعني: معجزات حسية- أي: أنها كانت تقع في مجال الحس، وخاصة حاسة النظر؛ حيث إنها في هذا المجال تنكشف للناس على صورة تكاد تكون واحدة، لا اختلاف عليها بينهم؛ لأن الناس لا يختلفون كثيرًا في مدلول المرئيات، على حين يختلفون اختلافًا بعيدًا في مدلول ما يقع للحواس الأخرى من مسموعات ومشمومات وملموسات، وما إلى ذلك، وإما أن تكون المعجزة
стр. 176
عقلية تواجه العقل، وتلقاه بكل ما فيه من قوى -من قوى الإدراك والاستبصار- وهذا النوع من المعجزات لا يقع من الناس موقعًا متقاربًا، وإنما يلقاه كل إنسان بما لديه من إدراك وفهم، وقدرة على التمييز بين المدركات والتفرقة بين الخير والشر.
يقول السيوطي ﵀: وأكثر معجزات بني إسرائيل كانت حسية لبلادتهم وقلة بصيرتهم، وأكثر معجزات هذه الأمة الإسلامية عقلية؛ لفرط ذكائهم وكمال أفهامهم، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خُصَّتْ بالمعجزة العقلية الباقية؛ ليراها ذوو البصائر.
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية: تعدد المعجزات واختلافها:
المعروف في تاريخ الأديان وفي نصوص الكتب المقدسة الباقية منها إلى اليوم شيء، وإن كانت قد حرفت وغيرت وبدلت، ولكن كما هي موجودة الآن بين يدي أصحابها المعروف فيها أن كل نبي كان يحمل بين يديه إلى قومه آية صدقه في معجزة يلقاهم بها متحديًا على صورة لم يسبقه إليها أحد قط، ولم ينكشف للناس شيء من وجهها قبل أن تطلع عليهم قاهرة متحدية، والقرآن الكريم قد شفى المقام في هذا، وأشار إلى بعض معجزات الأنبياء ممن ذكرهم رب العزة والجلال في كتابه، وكان بعض الأنبياء يحمل إلى قومه أكثر من معجزة، ويجيء إليهم بأكثر من دليل يدل على أنه مرسل من عند الله، وهذه المعجزات التي بين يديه هي شهود عدول على صدق ما يقول وما يدعي؛ فموسى ﵇ قد حمل إلى بني إسرائيل عصًا كانت تتفجر منها المعجزات يلقي بها من يده فتنقلب حية تسعى، ويضرب بها البحر فينفلق عن طريق يبس بين جبال عالية من الماء، ويضرب بها وجه الحجر فيتفجر منه الماء وتسيل العيون، ثم كان معه إلى جانب تلك العصا
стр. 177
ومعجزاتها معجزة أخرى هي يده؛ يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، ثم من معجزاته -صلوات الله وسلامه عليه- سوق آيات النقمة والبلاء على فرعون وقومه، كما أشار إلى ذلك ربنا في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ (الأعراف: ١٣٣).
وعيسى ﵇ كانت معجزته في يده وفي فمه؛ يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وبكلمة من فمه وإشارة من يده يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص.
واختلاف المعجزات في أجيال الناس مما اقتضته دواعي الحكمة التي جاءت المعجزات من أجلها؛ ذلك لأن الناس يختلفون باختلاف أزمنتهم وأمكنتهم، وإذ كانت غاية المعجزة أن يرى الناس فيها صدق الرسول، وقيام الدليل على صحة دعواه؛ فكان لا بد أن تكون هذه المعجزة جارية مع تفكير من تلقاهم وتتحداهم؛ آخذة بعقولهم وقلوبهم فيما يدور في هذه العقول، وما يختلج في تلك القلوب، وبهذا تستولي المعجزة على كيان الناس، وتخرس ألسنتهم.
وهذا، وإن يكن من الممكن أن يتحقق في المعجزة الواحدة تتكرر جيلًَا بعد جيل، فتظل أبدًا متحدية ظاهرة، إلا أن ذلك يذهب بكثير من تأثير المعجزة، وينزل بقدر كبير من قدرها في أعين الناس؛ فلو أن عصا موسى مثلًا كانت هي المعجزة التي يتناولها الرسل -رسولًا بعد رسول- وكانت في كل مرة وفي كل حال تطلع على الناس بتلك المعجزات التي كانت لها عند موسى، أو بمعجزات أخرى غيرها؛ لو أن ذلك كان لما كان لها على الناس ذلك السلطان الذي للمعجزة التي تجيء متفردة بوجودها، والتي تجيء إلى الناس على غير انتظار وعلى خلاف أية صورة يتصورنها، ذلك أن أقل ما يقع للناس من المعجزة الواحدة المتكررة أنها
стр. 178
ربما كانت وليدة الصدفة، توارثها أصحابها خلفًا عن سلف، أو أنها بنت تجربة ناجحة لرجل حاذق ماهر آثر بها نفسه، وجعل سرها مستغلقًا إلا على من يلقاه ويرضى من ورثته أو تلاميذه وحواريه.
ثم إن حَصْرَ أَمَارَاتِ السَّمَاءِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ فِيهِ اتِّهَامٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ، وفتح باب واسع للتشكك في صدق الرسول؛ إِذْ إِنَّ الْقُدْرَةَ الْإِلَهِيَّةَ لَا حُدودَ لَهَا؛ فَكَيْفَ لَا يَرَاهَا الناس إلا في صورة واحدة تتكرر على الأجيال؟ لهذا كان من تدبير الحكيم العليم القادر أن يكون في يد كل نبي دليل صدقه الذي لا يشاركه فيه غيره، وأن تكون معجزته التي يلقى بها الناس حدثًا فريدًا لم يقع لهم في خاطر، ولم يجل لهم في تفكير، وهذا يجعلنا نقول بأن المعجزات تعددت واختلفت لهذا السبب.
النقطة الثالثة: المعجزة لازمة للرسول:
إن الرسول يجيء إلى الناس محملًا برسالة فريدة بين الرسالات التي يحملها الناس إلى الناس فيما بينهم؛ إنه يحمل رسالة من الله إلى الناس، يدعوهم فيها إلى أمور تتغير بها معالم حياتهم الروحية والعقلية، بل والمادية، فهو يدعوهم -أول ما يدعوهم- إلى ترك ما يعبدون من معبودات باطلة فاسدة، وأن ينخلعوا انخلاعًا كاملًا عما بينهم وبين هذه المعبودات من صلة، وأن يوجهوا وجهوهم خالصة لله وحده لا شريك له، فهو يجيئهم أَوَّلًا بالمعجزة التي تَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ فَإِذَا اسْتَقَامَ لَهُ ذَلِكَ، وَعملتِ الْمُعْجِزَةُ عَمَلَهَا فِي النَّاسِ فَآمَنُوا لَهُ وَصَدقُوا بِهِ، دَخَلَ إِلَى نُفُوسِهِمْ وَإِلَى عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ الشريعة التي شرعها الله لهم، فدعاهم إليها، وأخذهم بها، وأقام وجودهم عليها.
وهذا الأمر العظيم الذي يجيء به الرسول إلى الناس مخبرًا إياهم أنه إنما يبلغهم رسالة من الله تلقاها عنه وأمره بتبليغها إليهم -هذا الأمر- لا يمكن أن يقبله الناس على
стр. 179
عِلَّاتِهِ وَأَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ بِلَا نَظَرٍ وَبِلَا مُرَاجَعَةٍ، وإنما يلقونه بالعجب والدهش، ويقفون منه موقف الريبة والحذر، أو التهمة والإنكار؛ إنه لأمر عظيم أن يجيء في الناس من يقول: إنه رسول الله؛ إنها دعوى عجيبة تحتاج إلى برهان، بل وإلى أكثر من برهان، يقوم إلى جوارها، يؤيدها ويفتح للناس الطريق إلى قبولها والتصديق بها.
من أجل هذا كان الرسول دائمًا مطالبًا من قومه بأن يقدم لهم الدليل القاطع الذي يشهد له أنه متصل بوحي الله ﵎ وأنه القائم بالسفارة بين الله والناس، وهذا الدليل ينبغي ألا يكون في طوق البشر أن يحصلوا على مثله، وإنما هو من خلق القدرة الإلهية التي يدعي الرسول المرسل الاتصال بها، قد اختصته به، وجعلته بين يدي دعواه، ومن هنا كان الدليل مُعْجِزَةً يَعْجَزُ النَّاسُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا، وَكَانَ آيةً -أَيْ: أَمَارَةً وَعَلَامَةً- على صدق الرسول وصدق ما جاء به.
إن السفير الذي يقوم بالسفارة بين دولة ودولة لا تُقْبَل سفارته، ولا يُعول عليها إلا إذا حمل بين يديه أوراقًا مختومة بخاتم دولته، موثقة بالأدلة التي تثبت شخصيته ومهمته، والسفارة بين الله والناس أعظم سفارة يقوم بها إنسان في هذا العالم، ولهذا اقتضت حكمة الله أن يؤيد رسله بالمعجزات والأمارات التي تشهد لهم أنهم رسل، وأنهم حملة رسالته إلى عباده.
النقطة الرابعة: الناس والمعجزات:
أقول: مع أن الرسل قد جاءوا إلى أقوامهم بالأمارات القاطعة والمعجزات القاهرة التي تشهد أنهم رسل الله، مع هذا فقد وقف كثير من الناس إزاء هذه المعجزات وقفة عناد وعنات، فاستقبلوا الرسول استقبال مكذب مرتاب، أو منابذٍ محارب.
إن الذي دخل على المكذبين الرسل والمعادين لهم لم يكن من جهة قصور في المعجزة، أو نقص في كفاية الأدلة المقنعة والبراهين المبينة، وإنما كان ذلك لما يقع في تفكير الناس من استكثار
стр. 180
هذا الأمر على بشر من بينهم، وتختلط عند الناس في هذا الأمر كثير من الأفكار المضطربة والعواطف المتضاربة من الغيرة والحسد إلى عظمة الأمر واستكثاره على إنسان أن يستقل به، وينفرد دون سائر الناس فقد كذب اليهود بكل المعجزات التي جاءهم بها أنبياؤهم، وهي معجزات قاهرة مبصرة، فموسى ﵇ قد فلق بهم البحر، ونجاهم من فرعون، وفجَّر لهم من الحجر عيونًا يستقون منها ويحيون عليها، وأنزل عليهم المن والسلوى، ومع هذا فلم يروا في ذلك كله دلائل صدقه؛ فقالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (البقرة: ٥٥).
وهذا يبين شدة عنت اليهود، وأنهم قوم -كما قال الله عنهم في كتابه- يكذبون الأنبياء والمرسلين ويقتلونهم كذلك.
وعيسى ﵇ جاء بالمعجزات التي أنطقت الجماد وأحيت الموات، فلم يكن فيها لليهود مقنع، ومحمد ﵊ جاء إلى قريش بالمعجزة الخالدة، فأسمعهم آيات الله التي أخذت بمجامع القلوب، واستولت على عقولهم، فما أذعنوا للحق ولا استجابوا له؛ وإن يكونوا قد عرفوه واستيقنوه، قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٠: ٩٢).
ولا شك أن هذا الموقف الذي يقفه الناس من معجزات الرسل هو موقف لم يحتكم فيه الناس إلى عقولهم، بقدر ما كانوا يحتكمون إلى أهوائهم الغالبة وعاداتهم المتحكمة، وإذا كان كثير من الناس لم يصدقوا بمعجزات الرسل، ولم ينتفعوا بما حملوا إليهم من خير وهدى؛ فإن كثيرًا من الناس أيضًا قد صدقوا الرسل، وآمنوا بما معهم، وانتفعوا به واستقاموا عليه، وقليل في الناس أولئك
следующие страницы →