← Общие книги

Общие книги · id 10369

أصول الدعوة وطرقها 4 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (490 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عقلية تواجه العقل، وتلقاه بكل ما فيه من قوى -من قوى الإدراك والاستبصار- وهذا النوع من المعجزات لا يقع من الناس موقعًا متقاربًا، وإنما يلقاه كل إنسان بما لديه من إدراك وفهم، وقدرة على التمييز بين المدركات والتفرقة بين الخير والشر. يقول السيوطي ﵀: وأكثر معجزات بني إسرائيل كانت حسية لبلادتهم وقلة بصيرتهم، وأكثر معجزات هذه الأمة الإسلامية عقلية؛ لفرط ذكائهم وكمال أفهامهم، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خُصَّتْ بالمعجزة العقلية الباقية؛ ليراها ذوو البصائر. أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية: تعدد المعجزات واختلافها: المعروف في تاريخ الأديان وفي نصوص الكتب المقدسة الباقية منها إلى اليوم شيء، وإن كانت قد حرفت وغيرت وبدلت، ولكن كما هي موجودة الآن بين يدي أصحابها المعروف فيها أن كل نبي كان يحمل بين يديه إلى قومه آية صدقه في معجزة يلقاهم بها متحديًا على صورة لم يسبقه إليها أحد قط، ولم ينكشف للناس شيء من وجهها قبل أن تطلع عليهم قاهرة متحدية، والقرآن الكريم قد شفى المقام في هذا، وأشار إلى بعض معجزات الأنبياء ممن ذكرهم رب العزة والجلال في كتابه، وكان بعض الأنبياء يحمل إلى قومه أكثر من معجزة، ويجيء إليهم بأكثر من دليل يدل على أنه مرسل من عند الله، وهذه المعجزات التي بين يديه هي شهود عدول على صدق ما يقول وما يدعي؛ فموسى ﵇ قد حمل إلى بني إسرائيل عصًا كانت تتفجر منها المعجزات يلقي بها من يده فتنقلب حية تسعى، ويضرب بها البحر فينفلق عن طريق يبس بين جبال عالية من الماء، ويضرب بها وجه الحجر فيتفجر منه الماء وتسيل العيون، ثم كان معه إلى جانب تلك العصا

стр. 177

ومعجزاتها معجزة أخرى هي يده؛ يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، ثم من معجزاته -صلوات الله وسلامه عليه- سوق آيات النقمة والبلاء على فرعون وقومه، كما أشار إلى ذلك ربنا في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ (الأعراف: ١٣٣). وعيسى ﵇ كانت معجزته في يده وفي فمه؛ يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وبكلمة من فمه وإشارة من يده يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. واختلاف المعجزات في أجيال الناس مما اقتضته دواعي الحكمة التي جاءت المعجزات من أجلها؛ ذلك لأن الناس يختلفون باختلاف أزمنتهم وأمكنتهم، وإذ كانت غاية المعجزة أن يرى الناس فيها صدق الرسول، وقيام الدليل على صحة دعواه؛ فكان لا بد أن تكون هذه المعجزة جارية مع تفكير من تلقاهم وتتحداهم؛ آخذة بعقولهم وقلوبهم فيما يدور في هذه العقول، وما يختلج في تلك القلوب، وبهذا تستولي المعجزة على كيان الناس، وتخرس ألسنتهم. وهذا، وإن يكن من الممكن أن يتحقق في المعجزة الواحدة تتكرر جيلًَا بعد جيل، فتظل أبدًا متحدية ظاهرة، إلا أن ذلك يذهب بكثير من تأثير المعجزة، وينزل بقدر كبير من قدرها في أعين الناس؛ فلو أن عصا موسى مثلًا كانت هي المعجزة التي يتناولها الرسل -رسولًا بعد رسول- وكانت في كل مرة وفي كل حال تطلع على الناس بتلك المعجزات التي كانت لها عند موسى، أو بمعجزات أخرى غيرها؛ لو أن ذلك كان لما كان لها على الناس ذلك السلطان الذي للمعجزة التي تجيء متفردة بوجودها، والتي تجيء إلى الناس على غير انتظار وعلى خلاف أية صورة يتصورنها، ذلك أن أقل ما يقع للناس من المعجزة الواحدة المتكررة أنها

стр. 178

ربما كانت وليدة الصدفة، توارثها أصحابها خلفًا عن سلف، أو أنها بنت تجربة ناجحة لرجل حاذق ماهر آثر بها نفسه، وجعل سرها مستغلقًا إلا على من يلقاه ويرضى من ورثته أو تلاميذه وحواريه. ثم إن حَصْرَ أَمَارَاتِ السَّمَاءِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ فِيهِ اتِّهَامٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ، وفتح باب واسع للتشكك في صدق الرسول؛ إِذْ إِنَّ الْقُدْرَةَ الْإِلَهِيَّةَ لَا حُدودَ لَهَا؛ فَكَيْفَ لَا يَرَاهَا الناس إلا في صورة واحدة تتكرر على الأجيال؟ لهذا كان من تدبير الحكيم العليم القادر أن يكون في يد كل نبي دليل صدقه الذي لا يشاركه فيه غيره، وأن تكون معجزته التي يلقى بها الناس حدثًا فريدًا لم يقع لهم في خاطر، ولم يجل لهم في تفكير، وهذا يجعلنا نقول بأن المعجزات تعددت واختلفت لهذا السبب. النقطة الثالثة: المعجزة لازمة للرسول: إن الرسول يجيء إلى الناس محملًا برسالة فريدة بين الرسالات التي يحملها الناس إلى الناس فيما بينهم؛ إنه يحمل رسالة من الله إلى الناس، يدعوهم فيها إلى أمور تتغير بها معالم حياتهم الروحية والعقلية، بل والمادية، فهو يدعوهم -أول ما يدعوهم- إلى ترك ما يعبدون من معبودات باطلة فاسدة، وأن ينخلعوا انخلاعًا كاملًا عما بينهم وبين هذه المعبودات من صلة، وأن يوجهوا وجهوهم خالصة لله وحده لا شريك له، فهو يجيئهم أَوَّلًا بالمعجزة التي تَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ فَإِذَا اسْتَقَامَ لَهُ ذَلِكَ، وَعملتِ الْمُعْجِزَةُ عَمَلَهَا فِي النَّاسِ فَآمَنُوا لَهُ وَصَدقُوا بِهِ، دَخَلَ إِلَى نُفُوسِهِمْ وَإِلَى عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ الشريعة التي شرعها الله لهم، فدعاهم إليها، وأخذهم بها، وأقام وجودهم عليها. وهذا الأمر العظيم الذي يجيء به الرسول إلى الناس مخبرًا إياهم أنه إنما يبلغهم رسالة من الله تلقاها عنه وأمره بتبليغها إليهم -هذا الأمر- لا يمكن أن يقبله الناس على

стр. 179

عِلَّاتِهِ وَأَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ بِلَا نَظَرٍ وَبِلَا مُرَاجَعَةٍ، وإنما يلقونه بالعجب والدهش، ويقفون منه موقف الريبة والحذر، أو التهمة والإنكار؛ إنه لأمر عظيم أن يجيء في الناس من يقول: إنه رسول الله؛ إنها دعوى عجيبة تحتاج إلى برهان، بل وإلى أكثر من برهان، يقوم إلى جوارها، يؤيدها ويفتح للناس الطريق إلى قبولها والتصديق بها. من أجل هذا كان الرسول دائمًا مطالبًا من قومه بأن يقدم لهم الدليل القاطع الذي يشهد له أنه متصل بوحي الله ﵎ وأنه القائم بالسفارة بين الله والناس، وهذا الدليل ينبغي ألا يكون في طوق البشر أن يحصلوا على مثله، وإنما هو من خلق القدرة الإلهية التي يدعي الرسول المرسل الاتصال بها، قد اختصته به، وجعلته بين يدي دعواه، ومن هنا كان الدليل مُعْجِزَةً يَعْجَزُ النَّاسُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا، وَكَانَ آيةً -أَيْ: أَمَارَةً وَعَلَامَةً- على صدق الرسول وصدق ما جاء به. إن السفير الذي يقوم بالسفارة بين دولة ودولة لا تُقْبَل سفارته، ولا يُعول عليها إلا إذا حمل بين يديه أوراقًا مختومة بخاتم دولته، موثقة بالأدلة التي تثبت شخصيته ومهمته، والسفارة بين الله والناس أعظم سفارة يقوم بها إنسان في هذا العالم، ولهذا اقتضت حكمة الله أن يؤيد رسله بالمعجزات والأمارات التي تشهد لهم أنهم رسل، وأنهم حملة رسالته إلى عباده. النقطة الرابعة: الناس والمعجزات: أقول: مع أن الرسل قد جاءوا إلى أقوامهم بالأمارات القاطعة والمعجزات القاهرة التي تشهد أنهم رسل الله، مع هذا فقد وقف كثير من الناس إزاء هذه المعجزات وقفة عناد وعنات، فاستقبلوا الرسول استقبال مكذب مرتاب، أو منابذٍ محارب. إن الذي دخل على المكذبين الرسل والمعادين لهم لم يكن من جهة قصور في المعجزة، أو نقص في كفاية الأدلة المقنعة والبراهين المبينة، وإنما كان ذلك لما يقع في تفكير الناس من استكثار

стр. 180

هذا الأمر على بشر من بينهم، وتختلط عند الناس في هذا الأمر كثير من الأفكار المضطربة والعواطف المتضاربة من الغيرة والحسد إلى عظمة الأمر واستكثاره على إنسان أن يستقل به، وينفرد دون سائر الناس فقد كذب اليهود بكل المعجزات التي جاءهم بها أنبياؤهم، وهي معجزات قاهرة مبصرة، فموسى ﵇ قد فلق بهم البحر، ونجاهم من فرعون، وفجَّر لهم من الحجر عيونًا يستقون منها ويحيون عليها، وأنزل عليهم المن والسلوى، ومع هذا فلم يروا في ذلك كله دلائل صدقه؛ فقالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (البقرة: ٥٥). وهذا يبين شدة عنت اليهود، وأنهم قوم -كما قال الله عنهم في كتابه- يكذبون الأنبياء والمرسلين ويقتلونهم كذلك. وعيسى ﵇ جاء بالمعجزات التي أنطقت الجماد وأحيت الموات، فلم يكن فيها لليهود مقنع، ومحمد ﵊ جاء إلى قريش بالمعجزة الخالدة، فأسمعهم آيات الله التي أخذت بمجامع القلوب، واستولت على عقولهم، فما أذعنوا للحق ولا استجابوا له؛ وإن يكونوا قد عرفوه واستيقنوه، قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٠: ٩٢). ولا شك أن هذا الموقف الذي يقفه الناس من معجزات الرسل هو موقف لم يحتكم فيه الناس إلى عقولهم، بقدر ما كانوا يحتكمون إلى أهوائهم الغالبة وعاداتهم المتحكمة، وإذا كان كثير من الناس لم يصدقوا بمعجزات الرسل، ولم ينتفعوا بما حملوا إليهم من خير وهدى؛ فإن كثيرًا من الناس أيضًا قد صدقوا الرسل، وآمنوا بما معهم، وانتفعوا به واستقاموا عليه، وقليل في الناس أولئك

стр. 181

الذين يؤمنون بالرسول وبالرسالة التي حملها دون أن يطالبوا بمعجزة تشهد لها وله؛ لأن الخير التي تحمله رسالات الرسل إلى أقوامهم خير شاهد على أنها حق، وأنها من عند الله ولكن لا يرى هذا الخير إلا ذوو القلوب السليمة والبصائر المنيرة، وهذا كل خير يسوقه الله إلى عباده، يقع من الناس كما يقع الغيث من الأرض، ينفع أقوامًا ويضر آخرين، وتحيا به الأرض على حين لا تُمسك منه أخرى قطرة واحدة, وبالتالي أقول: إن الناس اختلفوا في قبول معجزات الأنبياء بين مكذب ومصدق، وكان اليهود على رأس المكذبين بمعجزات الأنبياء والمرسلين، فكذبوا بما جاء به موسى ﵇ وبما جاء به عيسى ﵇ وبما جاء به نبي الهدى والرحمة محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه. المعجزة الخالدة القرآن الكريم أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني من عناصر هذا اللقاء، وهو بعنوان "المعجزة الخالدة: القرآن الكريم" ويشتمل على النقاط التالية: أ- القرآن الكريم معجزة النبي الأمين ﵌ لكل نبي آياته ومعجزاته التي يؤيد بها دعوى نبوته ورسالته؛ فما هي المعجزة أو المعجزات التي جاء بها خاتم الأنبياء وإمام المرسلين -سيدنا محمد ﵌ التي جاء بها لتقطع على الناس طريق الشك فيه وفيما يدعيه؟ لا شك عندنا في أن معجزة النبي ﵌ العظيمة الباقية الخالدة هي القرآن الكريم، كما صرح بذلك القرآن نفسه في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت: ٥٠، ٥١) فهذه الآية صريحة في قطع الكافرين عن البحث في آيات أخرى غير القرآن الكريم

стр. 182

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت: ٥١). وإن كان الله قد أيد نبيه وحبيبه ومصطفاه ﵌ بمعجزة أخرى إلا أن القرآن الكريم هو الرحمة والذكرى معًا، هو المعجزة وهو الشرعية ففي الشريعة يجدون الرحمة، وفي الآيات التي نزلت بهذه الشريعة يرون الذكرى والمعجزة لقوم يؤمنون، وكذلك يقول الله -تبارك تعالى- عن القرآن الكريم وموقف قريش منه-: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ (الشعراء: ١٩٧: ٢٠١). تلك هي معجزة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما نطق بها القرآن الكريم، ولذلك قال الإمام الباقلاني ﵀ ﵎: إن نبوة نبينا محمد ﵌ بُنِيَتْ على هذه المعجزة القرآن الكريم وإن كان قد أيد ﵌ بعد ذلك بمعجزات كثيرة إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات خاصة وأحوال خاصة وعلى أشخاص خاصة، ونُقِلَ بَعضها نقلًا متواترًا يقع العلم به وجودًا، وبعضها مما نُقِلَ خاصًّا -نُقِل نقلًا خاصًّا- إلا أنه حكي بمشهد من الجمع العظيم الذين شاهدوه؛ فلو كان الأمر على خلاف ما حكي لأنكروه أو لأنكره بعضهم، فحل محل المعنى الأول، وإن لم يتواتر أصل النقل فيه، وبعضها مما نُقل من جهة الآحاد، وكان وقوعه بين يدي الآحاد؛ فأما دلالة القرآن الكريم فهي معجزة أو عن معجزة عامة، عمت الثقلينِ، وبقيت بقاء العصرين، ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد، هكذا ذكر الإمام الباقلاني ﵀ وأقول تعقيبًا على كلامه: إن المعجزات الأخرى الثابتة للنبي ﵌ أيضًا تؤيد صدقه سواء ثبتت بالتواتر أو الآحاد إذا صح الخبر بذلك عن النبي ﵌ فكلاهما -أعني: الخبر المتواتر والآحاد- يفيد العلم والعمل فإذا صح الخبر وجب قبوله ووجب العمل به أيضًا.

стр. 183

ويقول ابن خلدون ﵀ ﵎ مبينًا أن معجزة النبي ﵌ هي أعظم معجزة أتى بها ﵊ يقول: واعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة "القرآن الكريم" المنزل على نبينا محمد ﵌ فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي، ويأتي بالمعجزة شاهدة على صدقه، ويريد ابن خلدون بذلك أن يقول إن الرسول من الرسل كان يحمل إلى الناس أمرين؛ شريعة يوحى إليه بها يدعوهم إليها، ومعجزة تشهد له بأنه رسول من عند الله، وأنه صادق فيما يدعو إليه. ثم يقول ابن خلدون: فالقرآن نفسه هو الوحي المدعى، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه، ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو واضح الدلالة؛ لاتحاد الدليل والمدلول فيه، ومعنى هذا الذي يقوله ابن خلدون: أن النبي ﵌ حمل إلى الناس أمرًا واحدًا فقط هو الشريعة، وفي الشريعة نفسها المعجزة التي تشهد له بأنه رسول الله ﵌ الصادق فيما يقول عن الله. ثم يقول ابن خلدون: وهذا معنى قول النبي ﵌: ((ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحي إلي، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)). وللنبي ﵌ كما أشرت سابقًا -له- معجزات أخرى حسية كثيرة؛ كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام، وهي معجزات عظيمة، ونحن نؤمن بالصحيح الثابت منها، ولكنها معجزات شاهدها الذين عاصروها، وبقي القرآن هو المعجزة الخالدة الأبدية؛ لأن القرآن الكريم آية فريدة بين آيات الرسل جميعًا؛ إذ هي آية باقية دائمة خالدة لا تزول بوفاة من نزلت عليه، كما هو الحال بالنسبة للرسل

стр. 184

السابقين، وهي آية تخاطب العقول والقلوب، كما تخاطب فطرة الإنسان عبر الزمان والمكان. لقد كانت معجزته الوحي المتلوَّ ألا وهو القرآن الكريم، ولم يشأِ الحق ﵎ أن يجعل معجزة الرسالة الأخيرة حسية؛ تُذْهِلُ من يراها؛ فلو شاء لأنزل معجزة قاهرة تلوي أعناق الذين يشاهدونها، فلا يملكون معها جدالًا ولا انصرافًا عن الإيمان بها، قال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٤). لقد شاء الله ﵎ أن تكون الرسالة رسالة مفتوحة إلى الأمم كلها وإلى الأجيال كلها، وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان، فناسب أن تكون معجزاتها مفتوحة كذلك، للبعيد والقريب، لكل أمة ولكل جيل، والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها، ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى لا واقعًا يشاهد، أما معجزة نبينا ﵌ وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان لا تزال إلى اليوم كتابًا مفتوحًا ومنهجًا مرسومًا يستمد منه أهل هذا الزمان ما يقوم حياتهم لو هُدُوا إلى اتخاذه إمامًا، ويلبي حاجاتهم كاملة، ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل وأفق أعلى ومصير أمثل. أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي في بيان بعض جوانب الإعجاز في كتاب الله ﵎ القرآن الكريم معجز في كل جانب من جوانبه، وفي كل ناحية من نواحيه، فهو معجز في بناءه التعبيري في استقامته على خصائص واحدة في مستوى واحد، لا يختلف ولا يتفاوت، ولا تتخلف خصائصه، كما هي الحال في أعمال البشر؛ إذ يبدو الارتفاع والانخفاض والقوة والضعف في عمل الفرد الواحد المتغير الحالات، بينما تستقيم خصائص هذا القرآن التعبيرية على نسق واحد، ومستوى واحد

стр. 185

ثابت لا يتخلف، يدل على أن مصدره هو رب العزة والجلال وهو معجز أيضًا في بنائه وتناسق أجزائه وتكاملها، فلا فلتة فيه ولا مصادفة، بل كل توجيهاته تلتقي وتتماسك وتتكامل، وتحيط بالحياة البشرية وتستوعبها، وتلبيها وتدفعها، دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهج الشامل الضخم مع جزئية أخرى، ودون أن تصطدم واحدة منها بالفطرة الإنسانية، وكلها مشدودة إلى محور واحد في اتساق لا يمكن أن تفطن إليه فطرة الإنسان المحدود، ولا بد أن يكون هناك علم شامل لا يتقيد بحدود الزمان والمكان، يدل على إعجاز هذا القرآن في بنائه وتناسق أجزائه. وهو معجز أيضًا في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس ولمس مفاتيحها وفتح مغاليقها واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها، وعلاج عقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين، وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات، دون تعقيد ولا التواء ولا مغالطة، وهو معجز في إخباره عن المغيبات التي وراء عالم الشهادة؛ كعالم الملائكة والجن واليوم الآخر، وما يكشف الإنسان عنه من تاريخ الإنسان، وما تأتي به الأحداث إلى اليوم يصدق ما جاء به النبي الأمي ﵌ الذي لم يخط بالقلم ولم يقرأ من كتاب، فقد أخبر القرآن الكريم عن أخبار سبقت، كما أخبر عن أمور لاحقة، وقد عرف العالم اليوم وقبل اليوم، من خلال ما أخبر الحق ﵎ أنه كتاب حق صادق فيما جاء به، وأن النبي ﵌ أيضًا صادق فيما جاء به من عند الله ﵎. وأيضًا القرآن الكريم معجز فيما أخبر به من حقائق الكون التي لم يهتدِ الإنسان إلى معرفتها، ولم يكتشف بعض أسرارها إلا حديثًَا، وسأبين شيئًا من ذلك إن شاء الله ﵎ في المحاضرة التالية، وهو أيضًا معجز في تشريعاته وأحكامه في شمولها وسموها وصلاحياتها للإنسان على مر العصور،

стр. 186

والله إن كتاب الله ﵎ بما جاء فيه من تشريعات ربانية وأحكام إلهية تشمل ما يحتاج الناس إليه في كل عصر ومصر، وتصلح حياتهم، لو تمسك الناس به وقاموا بما جاءهم به لوجدوا فيه الخير الكثير، ولأيقنوا أن القرآن حقًّا معجزة خالدة باقية؛ لأنه يلبي احتياجات كل عصر بما فيه من تشريعات أتت من عند الحكيم الخبير . ولهذا أقول وأكرر بأن القرآن الكريم هو المعجزة الكبيرة العظيمة للنبي ﵌ ولهذا تحدى الله العرب بالقرآن الكريم؛ فقال لهم ربنا في كتابه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٣، ٢٤). وهذه الآية أيضًا دليل على أن القرآن الكريم كتاب معجز، ذلك أن الله تحدى العرب، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة والبيان، والقرآن الكريم من جنس الكلام الذي يتكلمون به أن يأتوا بمثل هذا القرآن، والتحدي قائم إلى يوم القيامة، ومع ذلك ما استطاع أحد من البشر، بل من الإنس أو الجن أن يأتي بشيء، حتى ولو كان من مثل كتاب الله ﵎ لأن الله قال لهم في الآية السابقة: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣) فهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا إذًا بشيء حتى يقارب كتاب الله ﵎ أو يشبه كتاب الله -جل ذكره- والله قد كرر التحدي مرات ومرات؛ فما استطاعوا وما فعلوا ولن يفعلوا، كما قال لهم أيضًا سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (هود: ١٣، ١٤).

стр. 187

فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلًا على أنه منه -أعني: من عند الله ﵎ ودليلًا أيضًا على وحدانيته، وفي هذا أمران؛ أحدهما: التحدي الإلهي، والآخر: أنهم لم يأتوا إليه بمثله، والذي يدل على ذلك العلم المتواتر الذي يقع به العلم الضروري، فلا ينكر جحود واحد من هذين الأمرين -أعني: تحدي الله للعرب بالقرآن وأنهم لم يأتوا بشيء من مثل القرآن الكريم- فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم بعده أن تركهم الإتيان بمثله كان لعجزهم عنه، والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن الكريم أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ونبوته، فقد تضمنت أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم، وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا، وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه بأمر قريب هو عادتهم في لسانهم ومألوفٌ من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان وعن تسليم الأهل والذرية للسبي؛ فلما لم يحصل هناك معارضة منهم، عُلِم أنهم عاجزون عنها، ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره، وتكذيب قوله، وتفريق جمعه، وتشتيت أسبابه، وكان من صدق به يرجع على أعقابه، ويعود في مذهب أصحابه، فلما لم يفعلوا شيئًا من ذلك -مع طول المدة ووقوع الفسحة- وكان أمره يتزايد حالًا فحالًا، ويعلو شيئًا فشيئًا، وهم على العجز عن القدح في آياته والطعن في دلالته عاجزون، علم علمًا بينًا أنهم كانوا لا يقدرون على معارضته ولا على توهين حجته، وقد أخبر الله ﵎ أنهم قوم خصمون. وقال: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (مريم: ٩٧) وعلم أيضًا أنهم ما كانوا يقولون من وجوه اعتراضهم على القرآن مما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (الأنفال: ٣١) وقالوا أيضًا عن القرآن:

стр. 188

﴿مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ (القصص: ٣٦) وقالوا أيضًا: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (الحجر: ٦) وقالوا أيضًا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفرقان: ٤، ٥) .... إلى آيات كثيرة نحو هذا، تدل على أنهم كانوا متحيرين في أمورهم، متعجبين من عجزهم، يفزعون إلى نحو هذه الأمور من تعليل وتعذير، وموافقة بما وقع التحدي إليه، وعرف الحث عليه، وهذا أيضًا من أكبر الأدلة على عجزهم، وأن القرآن الكريم كتاب الله حقًّا المعجز الباقي الخالد. وقد عُلم أن العرب ناصبوا القرآن الحرب، وناصبوا النبي ﵌ العداء، وجاهروه ونابذوه وقطعوا الأرحام، وأخطروا بأنفسهم، وطالبوه بالآيات والإتيان بغير ذلك من المعجزات، يريدون تعجزيه؛ ليظهروا عليه بوجه من الوجوه؛ فكيف يجوز إذن أن يقدروا على معارضته القريبة السهلة عليهم، وذلك يدحض حجته، ويفسد دلالته، ويبطل أمره، فيعدلون عن ذلك إلى ما ساروا إليه من الأمور التي ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة؟ ويُترك الأمر الخفيف؟ هذا مما يمتنع وقوعه في العادات، ولا يجوز اتفاقه من العقلاء، ويمكن أن يقال: إنهم لو كانوا قادرين على المعارضة والإتيان بمثل ما أتى به لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة، وهم ما هم عليه من السلاقة والمعرفة بوجوه الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته، وأنهم يضعفون عن مجاراته، وكان ﵌ يقرِّعهم ويؤنبهم عليه، وكان ﵌ يطلب منهم كما أشرت وذكرت أن يعارضوه أو يأتوا بشيء من مثله، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. وقد ذكر الله عنهم فيما ذكر أنهم ما استطاعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولو اجتمع على ذلك الإنس والجن، وهذا فيه تفخيم لكتاب الله ﵎ وإعلاء من شأن هذا الكتاب المعجز، تأملوا قول الحق ﵎: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨)

стр. 189

ولذلك أثنى الله على كتابه، وبَيَّنَ أنه كتاب الحق والصدق، شرَّع فيه الشرائع، وبين فيه العقائد، وأخبر أنه نزل من عنده قال -جل ذكره-: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (النحل: ٢). ولقد حفظ الله كتابه من التغيير والتحريف والتبديل، وهذه منقبة عظيمة للقرآن الكريم، لم تنلها أي أمة من الأمم، فالكتب السابقة على القرآن الكريم حُرِّفت وغُيِّرت وبُدِّلَتْ، أما كتاب الله ﵎ فالأمر فيه ما قاله منزله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) وهو كتاب يشتمل على الذكر حقًّا، ولذلك أقول للمسلمين: عليكم بالاهتمام والعناية بكتاب الله ﵎ فهو والله، كتاب لم ينزل من عند رب العزة والجلال كتاب مثله بحال من الأحوال، فهو هدى للمتقين، وهو كتاب تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم، كما قال ربنا سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الزمر: ٢٣). والله قد أحكم آيات القرآن الكريم، وأشاد ربنا به في كتابه فقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: ١) وأخبر أنه من عنده -جل ذكره- وأنه لو كان من عند غير الله لوجد الناس فيه اختلافًا كثيرًا، أما القرآن فهو من عند الله ﵎ الحكيم الخبير ولذلك أحكم الله آياته فلا تجد فيه تناقضًا أو تعارضًا بحال من الأحوال، ولذلك أوجه القول في نهاية هذا اللقاء لعموم المسلمين، فأقول: عليكم بكتاب الله ﵎ الزموا كتاب الله قراءة وتأملًا وتدبرًا وعملًا بأحكام الله ﵎-

стр. 190

لأن القرآن الكريم فيه ما فيه من الخير العظيم الذي لو رجع إليه أهل الإيمان، وطبقوه كما نزل من عند الرحمن، لاعتلوا بذلك درجات في الدنيا والآخرة، وإن سلف هذه الأمة الصالح لما تمسك بكتاب الله ﵎ وساروا عليه، واقتفوا أثر النبي ﵌ دانت لهم الدنيا بأكملها، وإن أهل الإيمان اليوم لو سلكوا نفس الطريق، وتمسكوا بما كان عليه الصدر الأول لنالوا ما نال هؤلاء السابقين. ونحن اليوم وقد حفظ لنا الله لنا كتابه، وقامت هيئات علمية كثيرة على طباعة كتاب الله من أبرزها وأعلاها مجمع الملك فهد ﵀ ﵎ لطباعة المصحف الشريف، هذا المجمع الذي يسر وصول المصحف، ويسر وصول كتاب الله ﵎ إلى بيوت المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فانتهزوا يا أمة الإسلام وجود كتاب ربكم بينكم، واعملوا بأحكامه، واتلوه آناء الليل وأطراف النهار، تنالون بذلك خيرًا عظيمًا، ولكم بذلك جنة عرضها كعرض السماء والأرض، والله قد أعدها لعباده المتقين الذين يتمسكون بالقرآن الكريم وبهدي سيد المرسلين ﵌. وأكتفي في هذا اللقاء في هذا الختام الجميع ألا وهو الدعوة إلى الرجوع إلى القرآن الكريم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 191

الدرس: ٦ موقف الإسلام من العلم الكوني، والدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان .

стр. 192

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (موقف الإسلام من العلم الكوني، والدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان) العلاقة بين الإسلام والعلم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد: عنوان هذا اللقاء: "بيان موقف الإسلام من العلم الكوني، والدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان". وهذه المحاضرة تشتمل على العناصر التالية: العنصر الأول: العلاقة بين الإسلام والعلم، ويشتمل على النقاط التالية: النقطة الأولى: قواعد المنهج العلمي في القرآن الكريم؛ وأقول هذا لأن بعض الناس -خاصة من المفتونين- يباهي بما في هذا العصر من مكتشفات العلم، ومستحدثات الاختراع، ويتشدقون بالدعاوي الفارغة، ومنها: أن التفكير الديني تفكير غيبي لا يصلح نظامًا لحياة، ولا منهجًا لبناء أمة، وأن سواء الصراط في معتقدهم هو الفكر العلماني، واللا ديني، وأنا أريد هنا أن أبين لهؤلاء أن القرآن الكريم هو أعظم دعوة عرفتها الأرض وضعت العلم الصحيح في موضعه من نفع البشر وإصلاح حالهم، وإنك لواجد في كتاب الله العديد من آيات القرآن التي تأمر بالبحث والنظر، وتحض على الدرس والاختبار والتجريب، فإذا كان العلم لا يعتمد غير الدليل والبرهان فها هو القرآن الكريم يجعل البرهان هو الفيصل بينه وبين خصومه، فيقول الله رادًّا على دعاوي اليهود في أن الجنة حكر لهم: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ ثم يتحداهم أن يأتوا بالقرآن فيقول : ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أو نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١). بل إن أعظم قضية في الوجود كله هي التوحيد، وأكبر كبيرة هي الشرك، ومع ذلك فإن القرآن الكريم يطالب المشركين بالقرآن المصدق لزعمهم أن مع الله آلهة أخرى، فيقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٧)، وسدد الله مقالة أصحاب الكهف؛ إذ قالوا: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (الكهف: ١٥).

стр. 193

فهم يبينون أن النزاع بينهم وبين قومهم أنهم يعبدون من دون الله آلهة، وأن الذي يفصل في النزاع هو أن يأتوا بسلطان بين، يؤيد زعمهم، وتأملْ تسمية القرآن الكريم للقرآن بأنه سلطان، ووصفه لهذا السلطان بأنه يجب أن يكون بينًا، وأرسل الله أنبياءه بالمعجزات الملموسة القاطعة، وسمى هذه المعجزات آية وعلامة دالة على صدق هذا النبي، كما قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ (البقرة: ٢١٢)، وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ، وآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا، ومَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ (الإسراء: ٩٥). ولقد ذَكَرَتْ آيات القرآن الكريم العديد من الآيات الكونية؛ لتحرك العقول، ولتستلفت الأنظار إلى آيات الله في الكون كله، وأنا سأبسط لك القول في بعض هذه الآيات على النحو التالي؛ حيث إن هناك آيات تحث على النظر في الأرض، كما قال الله ﵎: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: ٢٠، ٢١)، ويقول -جل ذكره-: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (العنكبوت: ٢٠)؛ فهل يتصور متصور أن أمره تعالى إلى عباده: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ هي دعوه لهم أن يفتحوا أعينهم ويغمضوها، أو أن يقلبوا أبصارًا شاردة زائغة، أم أن القرآن بقوله: ﴿انْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ إنما دعاهم إلى النظرة العلمية الفاحصة المدققة، وتأمل قوله تعالى: ﴿بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ مع أنه تعالى يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ومَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (الكهف: ٥١) فهذه آيات تظهر فيها تكاملية الإسلام، وشمولية منهجه، وأنه الدين الذي يربي أتباعه على أن يأخذوا قسطًا من المادة، وألا يغفلوا نصيبهم من حقوق الروح، وهؤلاء هم الذين يبتغون فيما آتاهم الله الدار الآخرة، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا.

стр. 194

إذن المنهج العلمي في القرآن الكريم، وَضَعَ قاعدة هامة، وهي النظر في ملكوت السموات، والأرض، بل تقليب النظر، والاستفادة مما أودعه الله في هذا الكون، وأن يبحث الإنسان وأن يجتهد في التوصل إلى ما يفيده في هذه الحياة الدنيا، والقرآن الكريم أشار إلى ذلك في كثير من آياته. أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا اللقاء، وهي بعنوان "موقف أعداء الله من العلاقة بين القرآن والعلم": ولا بد عند حديثي عن موقف الإسلام من العلم الكوني أن أشير إلى هذا الأمر؛ لأن هذه المسألة هي قضية متجددة لدوام محاولات الفكر البشري فهم القرآن الكريم، وتدبر أسراره، والوقوف على بواطن إعجازه، والتتبع لمرامي غاياته، والباحثون في هذه القضية عمومًا عدة طرائق، فطائفة تجحد القرآن الكريم، وتناصبه العداء، وهي بالتالي تريد في قبح خبيث أن تتسلم موجة المد العلمي في عصرٍ فُتن فيه الناس بمعجزات العلم، وفتوحاته أيما فتون؛ لإظهار العلاقة بين القرآن، والعلم بأنها علاقة تناقض دائم، وتنافر موصول، وتريد إفساد عقائد المسلمين، وصرفهم عن دينهم باسم العلم، وهم دائمًا يعزفون نغمة، واحدة هي التشكيك في آيات القرآن الكريم باسم العلم، وصد الناس عن الأحكام باسم العلمانية، ويرددون بأن عصر المحراب قد انتهى، واستقبل الناس عهد المختبرات وغرف التشريح، وهؤلاء إما صليبي أو صهيوني يحمل في قلبه مواريث الحقد على الإسلام وأمجاده، وشر الثلاثة أبناء الشيوعية الذين أشربوا في قلوبهم عبادة الأوهام الماركسية، وذلوا خانعين لطواغيتها، ولعله من العدل هنا أن أذكر بعضًا من نماذج أقوال هؤلاء المجرمين.

стр. 195

يقول صاحب كتاب (الإسلام نشأته ومستقبله) عن العقائد التي تحاربها الشيوعية، وهو يدعو إليها، ويعتنقها، يقول: ومن ضمن هذه البقايا الخرافات الدينية المخالفة للعلوم، ويمثل الدين الإسلامي إحدى هذه البقايا!. تأمل كيف نص بالذات على الدين الإسلامي!! يقول: ويمثل الدين الإسلامي إحدى هذه البقايا المحافظ عليها من قبل جزء من سكان الجمهورية السوفيتية. ثم يقول أيضًا: فآراء القرآن والسنة عن الكون، وكذلك عن نشوء وتطور الحياة في الأرض، وعن أصل الإنسان، وليدة التأخر والجهل، وما هي إلا مقولات من الأساطير التي كُتِبَتْ في التوراة، وكتب في القرآن أن الله خلق جميع الحيوانات من الماء، وفي سبعة أماكنَ مختلفة يذكر القرآن الكريم كيف خُلِقَ الإنسان، ويناقض القرآن نفسه في هذه الخصوص؛ إذ يقول في المرة الأولى: إن الله خلق الإنسان من التراب، وفي الثانية: من الطين، وفي الثالثة: من خلاصة الطين. وهذا الكلام الباهت الذي صدر من حاقد على الإسلام ورسوله، وكتاب الله لا يحتاج إلى مناقشة، ولكني أردت أن أبين أن أعداء الله وقفوا موقفا عجيبًا من القرآن الكريم، وحاولوا أن يقولوا للناس وأن يثبتوا، وهم على عماية وضلالة أن القرآن الكريم لا علاقة له بالعلم، وزعموا -وبئس ما زعموا- أن القرآن الكريم يحارب العلم. وفي الحقيقة يمكنني أن أقول: المثل السائر في هؤلاء رمتني بدائها وانسلت. فهذا، وإن كان قد وُجِدَ عند الصليبيين فلن يوجد في الإسلام منه شيء، ولكني هنا قبل أن أشير إلى شيء من ذلك أيضًا أود أن أذكر أيضًا موقف التبشير، وأعني بذلك: الحملات الصليبية في القديم والحديث في هذه القضية. أقول: إن الأحقاد التي حملتها الصليبية -قديمًا وحديثًا- تجاه الإسلام جعلتها دائمًا وأبدًا تحاول النيل من الإسلام، وتسلك كل سبيل للقضاء عليه، ولقد

стр. 196

سلك الاستعمار الصليبي سبيل الحرب والمؤامرة، كما سلك عملاؤه وأذنابه -سلكوا جميعًا- بث الدسائس، وذرع الفتن بين المسلمين، أما أبواقه ودعاته، فقد شنوا -ولا يزالون- حربًا فكرية تستهدف صرف المسلمين عن دينهم إلى المسيحية أو حتى إلى الإلحاد؛ لأن القضاء على هذا الدين غاية الغايات عند هؤلاء، وارتداد أتباعه أطيب المنى، ولقد أنشئت المعاهد والإرساليات والجامعات بتخطيط استعماري بعيد النظر طويل النفس، وبقلب ملئ بغضًا للإسلام، وكانت الغاية من هذه المؤسسات العلمية هي تنشئة أبناء المسلمين على طعام الاستعمار وموائد الصليبية؛ حتى يشبوا وقد أصبح الإسلام زادًا لم يعرفوا له طعمًا، وغذاء لم يروا له شكلًا. واستهدفت الحملة الفكرية على الإسلام زعزعة عقائد المسلمين في الإسلام بشتى السبل، ومنها ادعاء مناقضة القرآن للعلم، وكانت كتابات كثير من المبشرين وصبيانهم تعرض بهذا وتصرح به وفق الأوضاع والظروف، وكانوا يصورون الإسلام على أنه عبارة عن أمور غيبية أو خرافات، وكانت العلمنة أو العلمانية هي الراية التي رُفِعت -وما زالت ترفع- في حرب الإسلام، ولقد وجد هؤلاء المجرمون العلم الحديث اليوم فرصة لكي يتحدثوا فيه عن القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم يناقضه ويعارضه، وبئس ما زعموا وقالوا، فهذا قد وجد عندهم، ودعا أتباع الكنيسة إلى أن يخرجوا عليها، ووجد فيما عرف بعد ذلك بالعلمانية. أما دين الإسلام فلا يتناقض، ولا يتعارض مع العلم بحال، وقد أشرت في النقطة السابقة أن القرآن الكريم يدعو إلى النظر وإلى التأمل، وإلى البحث في ملكوت السموات والأرض، ولتأكيد هذه الحقيقة أنتقل إلى النقطة التالية، وهي:

стр. 197

ج- بعنوان "آراء بعض علماء المسلمين في هذه القضية"، وسأسوق هنا بعضًا من أقوال علماء المسلمين؛ لأدلل بها على أن أهل الإسلام وعلماء المسلمين لم يقولوا أبدًا بأن القرآن يتعارض مع العلم الحديث، ولم يقفوا موقفًا عدائيًّا بحال من الأحوال مع العلم السليم الصحيح، أبدأ أولًا برأي الشيخ عبد الوهاب خلاف ﵀ ﵎ حيث تعرض لهذا الموضوع في كتابه "علم أصول الفقه" عند حديثه عن وجوه إعجاز القرآن الكريم، وكان مما قال: القرآن أنزله الله تعالى على رسوله ﵌ ليكون حجة له، ودستورًا للناس، وليس من مقصده -يعني: من مقصد القرآن الكريم- أن يقرر نظريات علمية، ولكنه في مقام الاستدلال على وجود الله، ووحدانيه، والتذكير بآلائه ونعمه، جاء بآيات تُفهم منها سنن كونية كشف العلم الحديث براهينها، فكان ذلك برهانًا جديدًا على أن القرآن الكريم من عند الله ﵎ وعلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز أرشد الله بقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ، وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، ولَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٢، ٥٣). ثم ذكر بعض الآيات الكريمة التي تتضمن صورًا من الإعجاز العلمي، وَرَدَّ على المحتجين بأن آيات القرآن الكريم لها مدلولات لا تتبدل، والنظريات العليمة عرضة للتغير والتبدل؛ بأنه يرى أن تفسير آية قرآنية بما كشفه العلم من سنن كونية ما هو إلا فهم للآية بوجه من وجوه الدلالة على ضوء العلم، وليس معناه أن الآية لا تفهم إلا لهذا الوجه من الوجوه.

стр. 198

أنتقل بعد ذلك إلى رأي علم آخر من علماء الإسلام، وهو الدكتور محمد جمال الدين الفندي ﵀ ﵎ والدكتور الفندي كان أستاذًا للطبيعة الجوية بكلية العلوم بجامعة القاهرة، وقد اتجه في سنواته الأخيرة إلى بحث العلاقة بين القرآن الكريم والعلم، وقد أصدر في ذلك عدة مؤلفات، منها: (روائع الإعجاز في القرآن الكريم)، و (القرآن والعلم)، و (الكون بين الدين والعلم)، وغير ذلك. وقد عني الدكتور المذكور انطلاقًا من دائرة تخصصه لخدمة العلاقة بين الدين والعلم، وأصدر في ذلك عدة مؤلفات، وسأنقل هنا نظرته إلى هذا المنهج من كتابه (الله والكون)؛ إذ يقول فيه: اتخذت من الكون مَعْلَمًا لي، منه أستمد حقائق، وإليه أرد تلك الحقائق مستخدمًا حواسي، وعقلي، ولقد شاءت إرادة الخالق -جل شأنه- أن يتخذ في الكون أعجب النظم، وأروعها لتنفيذ إرادته، وإظهار آياته، وهي نظم وآيات أقرب ما تكون لفهم المتخصصين من العلماء الذين اتخذوا من الكون مَعْلَمًا لَهُمْ، وَعِندما تكلم الخالق في القرآن الكريم -وهو كتاب الله المقروء- كان من الطبيعي أن يستمد أمثلته وحكمه من الكون الذي هو كتاب الله المنظور، وليس من المعقول أن يخالف الكلام العمل -أي: لا يمكن أن يتحدث القرآن الكريم عن ظاهرة كونية كالسحاب أو السماء أو الرياح بطريقة تخالف ما نراه، وما نلمسه بالعقل- ولهذا ننادي بضرورة إظهار تلك الآفاق الواسعة التي فتحها أمامنا عصر العلم بطريقة سليمة لكثير من معاني الآيات الكونية في القرآن الكريم، مع أننا نقول: إننا لا نُحَمِّلُ القرآن الكريم ولا آيات القرآن الكريم ما لا طاقه لها به، ولا نوغل أيضًا في العلم على غير أساس أو تخصص. وقد أشار الدكتور الفندي إلى خطئين منهجيين يقع فيهما كثير ممن نصبوا أنفسهم للكتابة عن علاقة القرآن بالحقائق والنظريات العلمية، وهذان الخطآن أو الخطيئتان هما ظلم اللغة عمدًا أو عن جهالة بتحويل ألفاظها دلالات ما عرفها عربي، ولا سمع بها أعجمي.

стр. 199

الأمر الثاني: القول علم العلم بغير علم؛ ادعاء وتعالمًا، وقد قال الرسول -صلوات الله وسلامه عليه-: ((المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور)). أنتقل أيضًا بعد ذلك إلى رأي الأستاذ عبد الوهاب حمودة -رحمه الله تعالى- وكان أستاذًا بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وله عدد من المؤلفات الإسلامية، وقد عالج الأستاذ هذا الموضوع، وناقش أدلة المانعين لاستخدام العلم، وَبَيَّنَ أن العلم لا يتعارض مع كتاب الله ﵎ طالما أنه علم صحيح مبني على أسس عليمة سليمة فقال: والرأي الذي نميل إليه هو أننا في حاجة شديدة إلى أضواء من العلم تكشف لنا عن حِكَمٍ، وأسرار جاءت بها الآيات الكريمة، ولا ضرر من عدم قَصْرِ فهمه على ما عند العرب في علمها ومألوف معارفها؛ لأن القرآن الكريم أنزل للناس كافة يأخذ منه كل على قدر استعداده وحاجته، ما دام لا يتنافى مع ما قصده القرآن الكريم من الهداية؛ فكم من حكمة فيه إذا مستها يد العلم أسفرت أسرارها، وأبانت عن سر إعجازها، وسحر بيانها، وكل ما يساعد من العلوم على الكشف عن الأسرار الكونية، والدلالة على قدرة الصانع الحكيم، والإبانة عن مبلغ آياته، ونعمه، ولا يتعارض مع أسلوب اللغة، ومألوف تعبيرها من غير إغراب ولا تكلف، ولا إغراق في التأويل، وإسراف في التحديد، فهو مما يجوز أن يستخدم في فهم آيات القرآن الكريم؛ لا تفنى عجائبه، ولا تُحْصَى أسراره. هذه أقوال بعض أهل العلم من المسلمين، سقتها هنا؛ لأرد بها على موقف أعداء الله من العلاقة بين القرآن الكريم والعلم، وأرد عليهم دعوتهم؛ بأن القرآن يتعارض مع العلم، وقد يسأل سائل: ما هو القول الفصل في هذه القضية، وقد اختلف فيها بعض المسلمين؟

стр. 200

النقطة رابعة: فيصل القول في علاقة القرآن الكريم بالعلم: وبعد قراءة وبحث في هذا الموضوع رأيت أن النظرة العلمية إلى آي القرآن الكريم تنقسم إلى ثلاثة أنواع؛ النوع الأول: بيان وجه الإعجاز العلمي، ومن نافلة القول أن أقول: إن إعجاز القرآن الكريم ليس قاصرًا على وجه واحد من وجوه الإعجاز، بل الصحيح أن الإعجاز وجوه شتى، منها: هذا الوجه العلمي، وبيان هذا الوجه من الإعجاز العلمي يتضح في بعض آيات القرآن الكريم، خاصة تلك التي يتعلق موضوعها بالأكوان، وبالخلق العامل لهذه الأكوان، ويجد القارئ لتلك الآيات الكريمة أنها تقرر حقيقة علمية مستقرة لا يعتورها الزيف، ولا التغيير، وأن هذه الحقيقة لم تكن معروفة في عصر التنزيل، وهي لا تتعلق بأمر اعتقادي يجب أن يكون قاطعًا، ولا بحكم شرعي لا ينبغي أن يكون مفصلًا، ولا ينتقص من قدر أصحاب رسول الله ﵌ أنهم لم يعرفوا تفاصيل هذا السر من أسرار الكون الذي جاءت آيات قرآنية تشير إليه في إيجاز. فهو -كما ذكرت الآن- أمر لا تتعلق به عقيدة ولا شريعة، وقد ظهر لهؤلاء السابقين في حياتهم من وجوه إعجاز القرآن ما ظهر من وجوه كثيرة، وأولها: الإعجاز البياني، وهو يكفي أن يكون حجة ناهضة، ودليلًا رائعا، ومطمعًا رادعًا لمن لم يؤمن، ثم شَاءَتْ حكمة العليم الخبير سبحانه أن يكون هذا الوجه من الإعجاز مخبوءًا في هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه لهذا الجيل من الناس الذي فتن فتونًا كبيرًا بمبتكرات العلم التجريبي ومخترعاته، وهذا من رحمة الله بعباده، وقد أنزل الله كتابه هاديًا للبشر في كل عصر كافيًا لحاجاتهم القلبية، والعقلية، والنفسية، والتشريعية، والسياسية، والاقتصادية في كل مصر، ومن صور هذا

стр. 201

الإعجاز، وهي كثيرة أنك تقرأ قول الله ﵎: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (القيامة: ٣، ٤) ففي هذه الآية الأخيرة صورة من صور الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ذلك أنه قد أضحى من المسلمات القطعية أن بصمات أصابع أي إنسان لا تتشابه مع بصمات أي إنسان آخر من هذه الملايين التي عاشت أو تعيش أو ستحيا على هذه الأرض حتى أصبحت هذه البصمات دليلًا لا يرقى إليه الشك في كثير من المعاملات الرسمية، فتوقيع إنسان ما على صك مالي أو وثيقة بيع قد يداخله التزييف والتزوير، ونحن نسمع عن هذا كثيرًا. وأما أمر البصمة فهو يستعصي على التزييف، وعلى التزوير، ولهذه الأسرار في البصمة الإنسانية جاء قول الله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (القيامة: ٤)، ومعنى نسوي بنانه هنا هي كمعنى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار: ٦: ٨) فمعناها في الموضعين: أنه جعل خلقته عل النحو الأتم الأكمل السواء، وتمام تسوية البنان، وهو طرف الإصبع أن يكون على النحو المعجز الذي ذكرناه من قبل، وقد جاء هذا الإعجاز في كتاب الله ﵎ وتوصل العلم الحديث إليه. النوع الثاني من نظرتنا العلمية للقرآن الكريم: هو التفسير العلمي، ونعني بالتفسير العلمي أن يقوم المفسر بشرح بعض التفصيلات العلمية لشيء ذكره القرآن الكريم، وذكر آية الله فيه، وفهم الذين استمعوا القرآن الكريم من رسول الله ﵌ نعمة الله فيما ذكر على سبيل الإجمال، وأفصل هذا الإجمال الآن بمثال شارح: قال الله ﵎: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (النحل: ٦٦) فالله يمتن على عباده

стр. 202

بهذا اللبن السائغ، وكل من سمع هذه الآية، وقت نزولها من مؤمن أو كافر لا يشك في فائدة هذا اللبن، وما فيه من سكريات، وما فيه من فيتامينات، وما ماثل ذلك بالكميات المحددة، والمقادير المفصلة؛ فهل يكون ذكر هذه المعارف حول هذه الآية الكريمة إلا إظهارًا لأسرار آيات الله في الخلق، وبيانًا لمزيد فضله على عباده، وردًّا على بعد المولعين بتقدم العلوم في عصرهم، وهذا ما أعنيه بالتفسير العلمي. والفرق بين بيان الإعجاز العلمي في الآية، وتفسيرها تفسيرًا علميًّا أن الأول: هو كشف المغطى، والثاني: هو تفسير المجمل، وبيان وجه الإعجاز العلمي، والتفسير العلمي صحيح ومقبول. النوع الثالث من نظرتنا العلمية إلى آي القرآن الكريم: ما يعرف بالتأويل العلمي، والتأويل العلمي هو التعسف في فهم آيات القرآن الكريم، وبترها من سياقاتها؛ لتخدم معاني بعيدة عن أغراضها، فتأول آيات القرآن الكريم بالمزعزع من النظريات، والمضطرب من التخمينات، وهذا التأويل في الحقيقة سفه في الرأي، وقول على الله بغير علم، وعدوان على بيان القرآن الكريم، ومسخ لدلالات الألفاظ اللغوية، وهذا هو المردود والمرفوض والمرذول، وأمثلته كثيرة، وفي كل يوم ترى منها جديدًا؛ لأن التأويل تفسير بالهوى، وقول بالظن، والهوى لا ضابط له، والظن لا يقمعه إلا اليقين، والذي أود تقريره هنا في هذه القضية هو أن القرآن الكريم لا يوجد فيه نص من النصوص يناقض حقيقة علمية ثابتة بحال من الأحوال، وهذه ناحية من نواحي إعجازه، كما أن الذي أشار إليه القرآن الكريم من الحقائق العلمية يُعَدّ أيضًا دليلًا من دلائل هذا الإعجاز، وهذا القدر من التدليل على إعجاز القرآن الكريم من هذه الناحية يكفي، ويشفي،

стр. 203

وما وراءه تزيد بغير يقين، وتعريض للنص القرآني لبلبلة الآراء والنظريات والأفكار، فالقرآن الكريم -ولا شك- يشتمل على آيات معجزة في هذا الكون توصل العلم إليها، فما توصل العلم إليه من حقائق علمية ثابتة وافقت ما جاء سلفا في كتاب الله قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان نقبله، ونقول بأن القرآن الكريم قد سَبَقَ إلى ذلك، وهذا لون يكشف عن إعجاز كتاب الله ﵎. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم أنتقل إلى العنصر الثاني من عناصر هذه المحاضرة، وهو بعنوان: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ويشتمل على النقاط التالية: أ- نماذج من الإعجاز العلمي في كتاب الله: طالما أنني قلت بأن القرآن الكريم لا يتناقض مع العلم، وأن الله قد ذكر آيات في كتابه كونية كثيرة وعلمية تَوَصَّلَ العلم الحديث اليوم إلى شيء منها، وأصبحت لدى العلماء اليوم حقائق علمية ثابتة، أود هنا أن أذكر شيئًا من نماذج -أو من النماذج- التي تدل على ذلك، من هذه النماذج مراحل خلق الجنين؛ القرآن الكريم فصل هذه المراحل تفصيلًا دقيقًا، ولم يعرف العلماء هذه التفصيلات إلا قريبًا، وبعد اكْتُشِفَتْ وعرفت العلوم الحديثة، قال الله ﵎ مثلًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ (الحج: ٥) ثم قال في موطن آخر: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: ١٢: ١٤). ولو رجعنا إلى أوثق المصادر الطبية التي تتحدث عن خلق الجنين لوجدناها لا تتناقض أبدًا مع هذه الحقائق التي ذكرها العزيز العليم، ومن الأمثلة أيضًا الأذى

стр. 204

الذي في المحيض، فقد نهى الله ﵎ في الكتاب نهى الرجال عن معاشرة أزواجهم في المحيض، وعلل ذلك بأن المحيض أذًى قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة: ٢٢٢)، وقد تَبَيَّنَ للعلماء في هذا العصر أن دَمَ الحيض دم فاسد يحتوي على مايكروبات عديدة، وجراثيم متنوعة؛ فإذا عاشر الرجل زوجته أثناء فترة الحيض فلا يأمن أن يصاب بالتهابات وأمراض مؤذية، أضف إلى هذا أن الأعضاء التناسلية في المرأة تكون محتقنة أثناء فترة الحيض، وبخاصة الرحم الذي يكون محتقنًا إلى درجة أنه ينزف، فإذا خالط الرجل زوجته فإن هذا قد يؤدي إلى تمزيق أغشية رحم المرأة، فتنتشر العدوى بواسطة المايكروبات الموجودة في الأغشية مما يؤثر في صحة المرأة، ثم هناك أذى من نوع ثالث، وهو الأذى النفسي الذي يصيب الزوجين، فكثير من الرجال والنساء يصابون باشمئزاز، ونفور نفسي ينتج عنه ضعف جنسي قد يكون شديدًا. ومن الأمثلة أيضًا على جوانب أو نماذج الإعجاز العلمي في القرآن الكريم مكان الأعصاب التي تحس بالحرق أو الإصابة، هذه الأعصاب لا توجد إلا في الجلد فقط، ولذلك لو قطعت أمعاء إنسان بعد فتح بطنه ما أحس بقطعها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ٥٦)، ولا يعترض على هذا بإحساس الإنسان بالبرودة والحرارة في أمعائه؛ لأن الذي في الجلد هو أعصاب الإحساس بالإصابة والحرق، وهناك أعصاب أخرى كثيرة منتشرة في أجزاء الجسم. ومن أمثلة الإعجاز العلمي أيضًا الشمس الجارية في الفضاء، وقد كان الناس يظنون أن الشمس تدور حول الأرض، ثم ثَبَتَ لدى العلماء أن الأرض هي التي

стр. 205

تدور حول الشمس، ولكن العلماء أيضا أخطئوا عندما زعموا أن الشمس واقفة، وأخيرًا تبين لهم أنها تسير بسرعة خارقة، وأفضل تعبير عن حركتها هو الجريان، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (يس: ٣٨). ومن الأمثلة أيضًا العسل الذي فيه شفاء للناس، فقبلَ نصفِ قرنٍ تقريبًا كان الشائع في أمريكا أن العسل ناقل للجراثيم، ولم يظهر للعلماء فوائد العسل الطبية إلى منذ عهد قريب، واليوم يدخل العسل في أكثر من خمسينَ دواء، وتبين للعلماء أن العسل قاتل للجراثيم، وتبين لهم أيضا أنه علاج جيد لكثير من الأمراض كفقر الدم، وأمراض الرئة، وأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض العين، والأمراض الجلدية، وغيرها كثير، وصدق الله إذ يقول: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (النحل: ٦٩). أنتقل إلى النقطة الأخرى التالية، وهي: الإعجاز العلمي دليل صدق النبي ﵌: أقول في هذا: العجيب في أمر هذا القرآن أن إعجازه متجدد على مر الزمان، فكل قوم يصل إليهم هذا القرآن، وينظرون فيه نظر معتبر متبصر يجدون فيه من الآيات والدلائل ما يؤكد لهم أنه من عند الله، ونحن اليوم في هذا العصر نبغنا في العلوم التي كشفت عن شيء من أسرار هذا الكون، فتطلعنا نبحث عن في مواقع النجوم، ومساراتها، وأحجامها، وأجوائها، كما بحث العلماء في تكوين الخلق، وأسرار المخلوقات، فبحثوا في الذرات والخلية، وغاصوا في أعماق الأرض وقيعان البحار، وإذا بنا نفاجأ بأن كثيرًا من الحقائق التي توصل إليها العلماء بعد دراسات طويلة وجهود مضنية قد تحدث عنها هذا القرآن العظيم، أو أشار إليها إشارات موضحة، وكل هذا مما يزيد في الإيمان ويعمقه، وهذا ما أود أن أصل

стр. 206

إليه أن الإعجاز العلمي اليوم يدعو إلى تصديق النبي ﵌ ويؤكد رسالته، ويدل على أن هذا القرآن العظيم منزل من عند الله الحكيم العليم الخبير، فهذا القرآن قول الله وأمره، والخلق خلقه، فإذا تحدث الخالق عن الكون، وذكر شيئًا من حقائق الخلق فلا بد أن يتطابق الخبر القولي مع الخلق الكوني، فالقول قوله، والخلق خلقه، كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ والأَمْرُ﴾ (الأعراف: ٥٤)، والنفوس الإنسانية تخضع خضوعًا عظيمًا عندما تعلم أسرارًا مذهلة لم يكن للبشر علم بها، ثم تجد أن النبي العربي الأمي -صلوات الله وسلامه عليه- الذي لم يخط بقلم، ولا قرأ من كتاب، ولا درس في جامعة، ولا تعلم من معلم من بني آدم تحدث عن تلك الحقيقة العلمية، وأشار إليها. فلو لم يكن هذا القرآن وحيًا من الخالق لما استطاع محمد ﵌ أن يقرر هذه الحقائق المجهولة، والأسرار الخفية التي لم يتطلع عليها البشر قبل هذا العصر؛ قال الله ﵎: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٨)، وأزيد القول هنا تفصيلًا، فأقول: إن هذا القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي وجوه إعجازه، وقد جعل الله القرآن معجزة رسوله الخالدة الباقية، وإذا كان سبحانه قد أعطى كل نبي من الأنبياء من المعجزات ما يناسب حال قومه، كما قال -صلوات الله وسلامه عليه-: ((ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا يوحى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)). ولذلك أقول: إن إعجاز القرآن المتجدد يظهر منه في كل عصر وجه، لم يكن قد بدا من قبل، فالمعاصرون للنبي ﵌ قد بدا لهم من وجوه إعجازه ما دفعهم أن يخروا لجلال الله ساجدين، وكل من تدبر القرآن الكريم على اختلاف الأعصار، وتباين الأمصار، لا يملك إلا هذا الإجلال وهذا السجود.

стр. 207

الدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان أنتقل بعد ذلك إلى عنصر أخير في كلمات سريعة، وهو بعنوان: الدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان: وأقول هذا؛ لأن العلم الحديث بعد ما توصل إلى ما توصل إليه، ومن توصلوا كان معظمهم؛ إما من المنكرين لوجود الله بالكلية، والمكذبين برسالة النبي ﵌ وأقول لهؤلاء وهؤلاء الذين ينكرون خالق الأرض والسموات: إن الذي كون هذه الكائنات، والذي خلق الإنسان هو رب العزة، والجلال والأدلة على ذلك كثيرة منَ الكون المفتوح أيضًا إلى جانب ما جاء في كتاب الله . وإن الذي ينظر في كتاب الله ويستخدم عقله استخدامًا صحيحًا يصل إلى أن الإيمان بوجود الله يقوم على أسس ثلاثة شَهِدَ بِهَا العقل، ودل عليها الكتاب والسنة، وهي أن العدم لا يخلق شيئًا، تأمل مثلًا قول الله ﵎: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ (الطور: ٣٥، ٣٦) لو تأمل الإنسان المنكر لخالق هذه الآية، وسأل نفسه سؤالًا عقليًّا؛ هل خلق الإنسان نفسه؟ الجواب: لا. لأن الإنسان كان عدمًا، ولا يمكن لمن كان كذلك أن يوجد نفسه، فلا بد إذن أن يكون هناك من أوجد هذا الإنسان، ولذلك قال الله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فكل موجود لا بد له من موجد أوجده، أنت إذا دخلت بيتك، ووجدت شيئًا لم تأتِ به من قبل، لا شك أنك ستوقن، وتعتقد أن هناك من أَتَى بِهَذَا الشَّيْءِ، لذلك نحن وجدنا جميعًا، فلا بد أن نكون قد وجدنا من شيء، نرجع وننظر؛ ما هو هذا الشيء الذي أوجدنا هل نحن أوجدنا أنفسنا؟

стр. 208

ما يقول هذا قائل بحال؛ لماذا؟ لأننا أضعف من خلق السموات والأرض، ولم نكن قبل أن نوجد شيئًا مذكورًا بل كنا عدمًا، وبالتالي لابد أن يكونَ من أوجدنا وخلقنا ولا يكون ألا أن نسلم لرب العزة والجلال . الأساس الثاني: أن الفعل مرآة لقدرة فاعله وبعض صفاته: هذا الكون الفسيح -هذا الكون الذي يحير الألباب إذا نظرت فيه- بنظامه وإتقانه، الله خلق الكون وأحكم خلقه وصنعه ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت﴾ هذا الكون بما فيه ألا يدل على قدرة من أوجده، وعلى قدرة الحكيم الخبير. إن هذا الكون -يا أيها الناس- يشير إلى وجود الله ﵎، وإلى أنه هو الخالق وحده، وبالتالي أنادي الجميع إلى أن يعبدوه وحده دون سواه. أما الأساس الثالث الذي أبرهن به على وجود الله ﵎ ووحدانيته: هو أن فاقد الشيء لا يعطيه، فالبشر جميعًا، والناس جميعًا كانوا عدمًا، ولا يملكون شيئًا، والعدم لا يوجد نفسه فضلًا عن أن يوجد غيره، وبالتالي فكل ما في هذا الكون وما توصل إليه العلم الحديث اليوم يدعو إلى الإيمان بوجود الله تعالى، وبوحدانيته. وأكتفي بهذا، وصلِّ اللَّهُمَّ، وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته.

стр. 209

الدرس: ٧ المسجد والمدرسة ودورهما في الدعوة .

стр. 210

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (المسجد والمدرسة ودورهما في الدعوة) ١ - المسجد؛ مكانته في الإسلام، ودوره في تبليغ الدعوة المسجد، ورسالته بين المسلمين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد: وعنوان هذا اللقاء: "المسجد؛ مكانته في الإسلام، ودوره في تبليغ الدعوة" وتشتمل هذه المحاضرة على العناصر التالية: العنصر الأول: بعنوان: "المسجد، ورسالته بين المسلمين" ويشتمل على النقاط التالية: أ- التعريف بالمسجد، وفضل بنائه: إن المسجد في الإسلام: هو كل موضع يُتعبد فيه رب العزة والجلال وذلك لقول رسول الهدى والرحمة -صلوات الله وسلامه عليه-: ((وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)) والمسجد في لغة العرب: اسم لمكان السجود، وعرفًا: اسم للمكان الذي أعد للصلاة، وعندما تقام صلاة الجمعة أو الجماعة في المسجد، يطلق عليه المسجد الجامع، وقد اختصر في الصدر الأول للإسلام على إطلاق كلمة المسجد أو المسجد الجامع عليها، وأرض المسجد لا بد وأن تكون أرض طيبة طاهرة من النجاسات، ومما ينفر من القرار فيه، وألا تكون مغتصبة، ولا يجوز بناء المساجد على القبور. ويجوز أن تكون أرض المسجد متبرعًا بها من مالك ملكًا صحيحًا شرعيًّا، أو موهوبة أو موقوفة لإقامة المسجد عليها، أو مشتراة كذلك بمال مكتسب من حلال؛ لأنه آنَ إِذْ إنفاقٌ في سبيل الله، وقد حث القرآن الكريم على الإنفاق من طيب الكسب، وذلك في قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٦٧). وكان المسجد أول ما بادر الرسول ﷺ إلى بنائه، حتى تظهر فيه شعائرُ الإسلام، وتقام الصلوات التي تجمع المسلمين وتربطهم برب العالمين، وتألف بين قلوبهم. ففي كتب السيرة وفي الصحيحين وغيرهما: أن الرسول ﵌ بنى مسجده الجامع بالمدينة، حيث بركت ناقته ﵊ في مكان مملوك لغلامين، يكفلهما

стр. 211

أسعد بن زرارة ﵁ ورغب الغلامان في النزول على المكان لله تعالى، فأبَى رسول الله ﵌ إلا ابتياعه بثمنه، وكان في هذا الموضع نخيل وشجر، فأمر رسول الله ﵌ بقطع النخيل والشجر، وبُني باللبن وجذوع النخل والشجر، وشارك رسول الله ﵌ أصحابَه في حمل اللبنات والأحجار. وأقيم المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء، وسقفه الجريد، وأعمدته اللبنات والأحجار، وأقيم المسجد بهذه الهيئة -كما ذكرت- إلا أنه خرج رجالًا، ألا وهم أصحاب النبي ﵌. وعلى كلٍّ، فما ذكرته يفيد بعد تعريف المسجد في اللغة والعرف، أن المسجد ينبغي أن يقام على أرض مكتسبة أعدت لهذا الغرض بطريق مشروع، وذلك عن طريق الشراء أو الكراء أو الهبة أو التبرع، وأن يكون الإنفاق عليه من أطيب الكسوب، ولقد ظل مسجد رسول الله ﵌ بهذه البساطة مدة حياته، وأيضًا في خلافة أبو بكر ﵁. وزاد في بنائه عمر ﵁ ثم زاد فيه زيادة كبيرة وغيره عثمان ﵁ وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والجير، وجعل أعمدته من حجارة منقوشة، وكان -رضي الله تعالى عنه- يحرص على أن يكون أيضًا بناء المسجد بناءً غير متوسع فيه ولا متكلف، وليس في نصوص الإسلام -القرآن والسنة- شروط محددة لبناء المسجد، ولكن البيان العملي للرسول ﵌ يفيد أنه لا بد من أرض طاهرة غير مغتصبة على نحو ما سبق من بيان لمصدرها بتصرف شرعي، وأن تكون الأموال التي أنفقت كسوبًا حلالًا مبرأة من المحرمات، ومن أي شبهة. أما نموذج المسجد، فإنه غير محدد، فقد يكون مسجدًا صغيرًا للقبيلة أو للقرية الصغيرة، وقد يكون مسجدًا جامعًا لقرى أو لقبائل عديدة، ومواد بنائه تختلف

стр. 212

من عصر إلى عصر، ومن مصر إلى مصر، أو إلى قرية أو إقليم أو قارة، وما إلى ذلك. وقد ثبت أن عمر وعثمان ﵄ أعادَا بناءَ مسجد الرسول ﵌ وزادَا فيه كل حسبما وسعته القدرة، مع مراعاة ما استحدث من فنون العمارة، وفِقه هذا التطور للسعة في المسجد، وفي تغير مواد البناء في عهد عثمان ﵁ يفيد أنه ينبغي للمسلمين ألا يتخلفوا في عمارة المساجد ومنشآتها، ع ما اتخذه المسلمون في بيوتهم ومنازلهم من مواد البناء، وفنون إقامتها، ووفائها بمهامها، واستحداث ما استحدث من أنواع الفرش دون سرف أو ترف، فإذا كانت المساجد اليوم تحتاج إلى فراش نظيف فلا بد منه، وإلى دورات مختلفة معدة مهيئة نظيفة، فهو أمر ضروري ومطلوب، وإن كان الناس اليوم يحرصون على أن يكيفوا بيوتهم، فبيوت الله أولى بذلك. والشاهد من كل هذا: أنه لا ينبغي على المسلمين أن يتخلفوا في إنشاء المساجد والاهتمام والعناية بها، عما يقيمونه لأنفسهم في حياتهم الدنيوية. ويشير إلى تجميل المسجد وتنظيفه وتطهيره وتطيبه، قول الحق ﵎: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: من الآية: ٣١) إذ في أمر هذا النص بأخذ الزينة عند الذهاب إلى المسجد، إشارة إلى تزيين المساجد وتنظيفها وتطيبها كذلك بما يتعارفه الناس. ولقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ بعد الفتوحات الإسلامية في خلافته إلى كل من أبي موسى الأشعري والي البصرة، وسعد بن أبي وقاص والي الكوفة، وعمرو بن العاص والي مصر ﵃، يأمرهم أن يتخذوا مسجدًا للجماعة، كما يتخذوا مسجدًا للقبائل، فإذا كان يوم الجمعة انضم أهل مساجد القبائل إلى مسجد الجماعة، وكان صلاة الجمعة تُؤدى في المسجد الجامع.

стр. 213

ومن المعلوم: أن المسجد بُني ليعبد الله ﵎ فيه، وأن يعبد وحده دون سواه، وقد نص الله على ذلك فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨). وقد ورد في بناء المساجد وفضل بنائها أحاديث كثيرة عن النبي ﵌ منها: ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: ((من بنى مسجدًا لله تعالى، بنَى الله له بيتًا في الجنة)). أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي: ب- بعنوان: المسجد المدرسة الأولى في الإسلام: المسجد أول مدرسة في الإسلام، تبني الأجيال وتصنع الأبطال، وتعدهم خير إعداد، وعن طريقهم يقوم كيان الأمة الروحي، كما أنه الأساس لدعم وجودها المادي، وقد أخبر الله أن المسجد يقوم فيه الرجال، قال تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (التوبة: ١٠٨، ١٠٩). والمسلم من سماته الطهارة الحسية والمعنوية، فهو مطالب في صلاته بأن يكون طاهرَ الثوب والبدن والمكان، كما أن الله يحبه طاهرًا على كل حال، وفي كل شيء، ونعني بذلك: النظافة، وحسب المصلي أن يتطهر لكل صلاة، بحيث لا تقبل صلاته إلا إذا كان طاهر الثوب والبدن والمكان، إلي جانب طهارته من الحدث الأصغر للوضوء والأكبر بالغسل، كما يندب الإسلام إلى احترام شعور الغير في المجتمعات، فلا تقع حواسهم على ما يسوؤهم، وذلك بالاغتسال في يوم الجمعة، والتجميل بالثياب الحسنة للمساجد، إلى غير ذلك من الآداب الإسلامية العظيمة.

стр. 214

وإلى جانب ذلك: الطهارة المعنوية التي تتعلق بالجوارح؛ كيلا يقترف المسلم إثمًا، أو يرتكب منكرًا، أو يدنس نفسه بمعصية، كما تتعلق أيضًا بالقلوب، بحيث لا يحمل المسلم المؤمن المصلي لربه غِلًّا ولا حقدًا ولا حسدًا لأحد من خلق الله تعالى. وفي المسجد يتدارس المسلمون كتاب الله، ويتلونه، ويؤدون الشعائر الدينية بإقامة الصلاة، وذكر الله وتبصير المترددين على المسجد في شئون الدين والدنيا، وصبغتهم بالصبغة الإسلامية؛ لتكون لهم سلوكًا في حياتهم، وحتى لا يجرفهم تيار الرزيلة، فيقضي عليهم. فرسالة المسجد إذن -على كل حال- تعليمية، تخلص الإنسان من عار الجهل، وتخلع عليه لباس الفضيلة، وتنقيه من الرزيلة، وهنا ندرك معنى قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (العنكبوت: من الآية: ٤٥) فالصلاة تطهر الإنسان الذي يعتادها، ويحب التشرف بأداء هذه الصلاة في المسجد، تطهره من الأنانية وحب الذات، وهذا أيضًا أثر بالغ الخطورة في حياة المجتمع، حين يتخلص من هاتين الرزيلتين. وقد سبق أن ذكرت لكم أن رب العزة والجلال سبحانه أخبر في كتابه: أن الذين يقومون في المساجد في بيوت الله ﵎ إنما هم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﵎ فهم يذكرون جلال الله وعظمته في كل شأنهم، ويراقبونه في جميع أعمالهم، وذلك مدعاة الإحسان والإتقان، كما أن ذلك أثر على الإنتاج ونجاح الأعمال وانتشار ألوية الحب، التي تظلل المجتمع، لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد. وكان للمسجد رسالته وله دوره، الذي يَصِلَ المسلمَ بربه أيضًا، كما كان له دوره الاجتماعي الذي يحقق له حياة عزيزة كريمة، ويصله بكل الحب والود ببني جنسه؛ بل وبالحياة كلها من حوله.

стр. 215

أنتقل إلى النقطة الثالثة في هذا العنصر، وهي: جـ- بعنوان: دور المسجد لا يتعارض مع المؤسسات التربوية الأخرى: وأقول هذا؛ حتى لا يظن ظان عندما تحدثت عن دور المسجد، وأنه هو المدرسة الأولى في الإسلام، أن هناك تعارضًا وتناقضًا أو انتقاصًا من دور الجامعات ومعاهد العلم والتعليم الأخرى، عندما تحدثت عن دور المسجد ومكانته، أو يظن ظان أن الدعوة إلى التعليم المسجدي الذي كان سائدًا في بعض المساجد الإسلامية ولا يزال سائدًا في بعضها الآخر حتى الآن، يتعارض أيضًا مع المؤسسات التربوية الأخرى، وتوضيح ذلك في كلمات أقول فيها: إن المسجد رُوح قبل كل شيء، ومتى وجدت هذه الروح في الجامعات والمعاهد والمدارس في العالم الإسلامي، فهي قادرة - بحول الله وقوته- على أداء دورها في إحداث النهضة، وبث اليقظة، ومحاربة الانحراف الديني والخلقي والسياسي والتربوي، وغيرها من الانحرافات الأخرى في أوساط المسلمين، وعندما يصبح معلمو المدارس ومديروها والمشرفون عليها على درجة عليا من الخلق والاستقامة والكفاءة، فإنها سوف تؤدي رسالة المسجد على أفضل وجه، مهما كان نوع العلوم التي تدرس بها، سواء كانت هي من علوم الدين أو من علوم الدنيا. فالعلم على كلٍّ هو أساس العملية التربوية، وفي حديث طويل عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله ﵌: ((إن الله تعالى لم يبعثنِ معنتًا ولا متعنتًا)) ((معنتا)): يعني: شقاءً على العباد. ((ولا متعنتا)): يعني: طالبًا العنت والمشقة عليهم، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا. والجامعات هي الأخرى مشتقة من الجامع؛ لأن الجامع في الإسلام هو المؤسسة الأولى للتربية والتعليم بعد دار الأرقم بن أبي الأرقم، وفيما سبق أشرت إلى دور المساجد الجامعة في الإسلام، في التربية والتعليم والتوجيه الديني والخلقي، وكيف كانت تلك الجوامع هي محور الحياة المدنية الإسلامية. إذن، فالفارق بين المدرسة وبين المسجد، وبين الجامعة وبين الجامع، هو فارق في الشكل فقط، وإلا فالمدرسة في الإسلام مسجد، والمسجد في الإسلام مدرسة،
следующие страницы →