← Общие книги

Общие книги · id 10369

أصول الدعوة وطرقها 4 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (490 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أسعد بن زرارة ﵁ ورغب الغلامان في النزول على المكان لله تعالى، فأبَى رسول الله ﵌ إلا ابتياعه بثمنه، وكان في هذا الموضع نخيل وشجر، فأمر رسول الله ﵌ بقطع النخيل والشجر، وبُني باللبن وجذوع النخل والشجر، وشارك رسول الله ﵌ أصحابَه في حمل اللبنات والأحجار. وأقيم المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء، وسقفه الجريد، وأعمدته اللبنات والأحجار، وأقيم المسجد بهذه الهيئة -كما ذكرت- إلا أنه خرج رجالًا، ألا وهم أصحاب النبي ﵌. وعلى كلٍّ، فما ذكرته يفيد بعد تعريف المسجد في اللغة والعرف، أن المسجد ينبغي أن يقام على أرض مكتسبة أعدت لهذا الغرض بطريق مشروع، وذلك عن طريق الشراء أو الكراء أو الهبة أو التبرع، وأن يكون الإنفاق عليه من أطيب الكسوب، ولقد ظل مسجد رسول الله ﵌ بهذه البساطة مدة حياته، وأيضًا في خلافة أبو بكر ﵁. وزاد في بنائه عمر ﵁ ثم زاد فيه زيادة كبيرة وغيره عثمان ﵁ وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والجير، وجعل أعمدته من حجارة منقوشة، وكان -رضي الله تعالى عنه- يحرص على أن يكون أيضًا بناء المسجد بناءً غير متوسع فيه ولا متكلف، وليس في نصوص الإسلام -القرآن والسنة- شروط محددة لبناء المسجد، ولكن البيان العملي للرسول ﵌ يفيد أنه لا بد من أرض طاهرة غير مغتصبة على نحو ما سبق من بيان لمصدرها بتصرف شرعي، وأن تكون الأموال التي أنفقت كسوبًا حلالًا مبرأة من المحرمات، ومن أي شبهة. أما نموذج المسجد، فإنه غير محدد، فقد يكون مسجدًا صغيرًا للقبيلة أو للقرية الصغيرة، وقد يكون مسجدًا جامعًا لقرى أو لقبائل عديدة، ومواد بنائه تختلف

стр. 212

من عصر إلى عصر، ومن مصر إلى مصر، أو إلى قرية أو إقليم أو قارة، وما إلى ذلك. وقد ثبت أن عمر وعثمان ﵄ أعادَا بناءَ مسجد الرسول ﵌ وزادَا فيه كل حسبما وسعته القدرة، مع مراعاة ما استحدث من فنون العمارة، وفِقه هذا التطور للسعة في المسجد، وفي تغير مواد البناء في عهد عثمان ﵁ يفيد أنه ينبغي للمسلمين ألا يتخلفوا في عمارة المساجد ومنشآتها، ع ما اتخذه المسلمون في بيوتهم ومنازلهم من مواد البناء، وفنون إقامتها، ووفائها بمهامها، واستحداث ما استحدث من أنواع الفرش دون سرف أو ترف، فإذا كانت المساجد اليوم تحتاج إلى فراش نظيف فلا بد منه، وإلى دورات مختلفة معدة مهيئة نظيفة، فهو أمر ضروري ومطلوب، وإن كان الناس اليوم يحرصون على أن يكيفوا بيوتهم، فبيوت الله أولى بذلك. والشاهد من كل هذا: أنه لا ينبغي على المسلمين أن يتخلفوا في إنشاء المساجد والاهتمام والعناية بها، عما يقيمونه لأنفسهم في حياتهم الدنيوية. ويشير إلى تجميل المسجد وتنظيفه وتطهيره وتطيبه، قول الحق ﵎: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: من الآية: ٣١) إذ في أمر هذا النص بأخذ الزينة عند الذهاب إلى المسجد، إشارة إلى تزيين المساجد وتنظيفها وتطيبها كذلك بما يتعارفه الناس. ولقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ بعد الفتوحات الإسلامية في خلافته إلى كل من أبي موسى الأشعري والي البصرة، وسعد بن أبي وقاص والي الكوفة، وعمرو بن العاص والي مصر ﵃، يأمرهم أن يتخذوا مسجدًا للجماعة، كما يتخذوا مسجدًا للقبائل، فإذا كان يوم الجمعة انضم أهل مساجد القبائل إلى مسجد الجماعة، وكان صلاة الجمعة تُؤدى في المسجد الجامع.

стр. 213

ومن المعلوم: أن المسجد بُني ليعبد الله ﵎ فيه، وأن يعبد وحده دون سواه، وقد نص الله على ذلك فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨). وقد ورد في بناء المساجد وفضل بنائها أحاديث كثيرة عن النبي ﵌ منها: ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: ((من بنى مسجدًا لله تعالى، بنَى الله له بيتًا في الجنة)). أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي: ب- بعنوان: المسجد المدرسة الأولى في الإسلام: المسجد أول مدرسة في الإسلام، تبني الأجيال وتصنع الأبطال، وتعدهم خير إعداد، وعن طريقهم يقوم كيان الأمة الروحي، كما أنه الأساس لدعم وجودها المادي، وقد أخبر الله أن المسجد يقوم فيه الرجال، قال تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (التوبة: ١٠٨، ١٠٩). والمسلم من سماته الطهارة الحسية والمعنوية، فهو مطالب في صلاته بأن يكون طاهرَ الثوب والبدن والمكان، كما أن الله يحبه طاهرًا على كل حال، وفي كل شيء، ونعني بذلك: النظافة، وحسب المصلي أن يتطهر لكل صلاة، بحيث لا تقبل صلاته إلا إذا كان طاهر الثوب والبدن والمكان، إلي جانب طهارته من الحدث الأصغر للوضوء والأكبر بالغسل، كما يندب الإسلام إلى احترام شعور الغير في المجتمعات، فلا تقع حواسهم على ما يسوؤهم، وذلك بالاغتسال في يوم الجمعة، والتجميل بالثياب الحسنة للمساجد، إلى غير ذلك من الآداب الإسلامية العظيمة.

стр. 214

وإلى جانب ذلك: الطهارة المعنوية التي تتعلق بالجوارح؛ كيلا يقترف المسلم إثمًا، أو يرتكب منكرًا، أو يدنس نفسه بمعصية، كما تتعلق أيضًا بالقلوب، بحيث لا يحمل المسلم المؤمن المصلي لربه غِلًّا ولا حقدًا ولا حسدًا لأحد من خلق الله تعالى. وفي المسجد يتدارس المسلمون كتاب الله، ويتلونه، ويؤدون الشعائر الدينية بإقامة الصلاة، وذكر الله وتبصير المترددين على المسجد في شئون الدين والدنيا، وصبغتهم بالصبغة الإسلامية؛ لتكون لهم سلوكًا في حياتهم، وحتى لا يجرفهم تيار الرزيلة، فيقضي عليهم. فرسالة المسجد إذن -على كل حال- تعليمية، تخلص الإنسان من عار الجهل، وتخلع عليه لباس الفضيلة، وتنقيه من الرزيلة، وهنا ندرك معنى قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (العنكبوت: من الآية: ٤٥) فالصلاة تطهر الإنسان الذي يعتادها، ويحب التشرف بأداء هذه الصلاة في المسجد، تطهره من الأنانية وحب الذات، وهذا أيضًا أثر بالغ الخطورة في حياة المجتمع، حين يتخلص من هاتين الرزيلتين. وقد سبق أن ذكرت لكم أن رب العزة والجلال سبحانه أخبر في كتابه: أن الذين يقومون في المساجد في بيوت الله ﵎ إنما هم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﵎ فهم يذكرون جلال الله وعظمته في كل شأنهم، ويراقبونه في جميع أعمالهم، وذلك مدعاة الإحسان والإتقان، كما أن ذلك أثر على الإنتاج ونجاح الأعمال وانتشار ألوية الحب، التي تظلل المجتمع، لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد. وكان للمسجد رسالته وله دوره، الذي يَصِلَ المسلمَ بربه أيضًا، كما كان له دوره الاجتماعي الذي يحقق له حياة عزيزة كريمة، ويصله بكل الحب والود ببني جنسه؛ بل وبالحياة كلها من حوله.

стр. 215

أنتقل إلى النقطة الثالثة في هذا العنصر، وهي: جـ- بعنوان: دور المسجد لا يتعارض مع المؤسسات التربوية الأخرى: وأقول هذا؛ حتى لا يظن ظان عندما تحدثت عن دور المسجد، وأنه هو المدرسة الأولى في الإسلام، أن هناك تعارضًا وتناقضًا أو انتقاصًا من دور الجامعات ومعاهد العلم والتعليم الأخرى، عندما تحدثت عن دور المسجد ومكانته، أو يظن ظان أن الدعوة إلى التعليم المسجدي الذي كان سائدًا في بعض المساجد الإسلامية ولا يزال سائدًا في بعضها الآخر حتى الآن، يتعارض أيضًا مع المؤسسات التربوية الأخرى، وتوضيح ذلك في كلمات أقول فيها: إن المسجد رُوح قبل كل شيء، ومتى وجدت هذه الروح في الجامعات والمعاهد والمدارس في العالم الإسلامي، فهي قادرة - بحول الله وقوته- على أداء دورها في إحداث النهضة، وبث اليقظة، ومحاربة الانحراف الديني والخلقي والسياسي والتربوي، وغيرها من الانحرافات الأخرى في أوساط المسلمين، وعندما يصبح معلمو المدارس ومديروها والمشرفون عليها على درجة عليا من الخلق والاستقامة والكفاءة، فإنها سوف تؤدي رسالة المسجد على أفضل وجه، مهما كان نوع العلوم التي تدرس بها، سواء كانت هي من علوم الدين أو من علوم الدنيا. فالعلم على كلٍّ هو أساس العملية التربوية، وفي حديث طويل عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله ﵌: ((إن الله تعالى لم يبعثنِ معنتًا ولا متعنتًا)) ((معنتا)): يعني: شقاءً على العباد. ((ولا متعنتا)): يعني: طالبًا العنت والمشقة عليهم، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا. والجامعات هي الأخرى مشتقة من الجامع؛ لأن الجامع في الإسلام هو المؤسسة الأولى للتربية والتعليم بعد دار الأرقم بن أبي الأرقم، وفيما سبق أشرت إلى دور المساجد الجامعة في الإسلام، في التربية والتعليم والتوجيه الديني والخلقي، وكيف كانت تلك الجوامع هي محور الحياة المدنية الإسلامية. إذن، فالفارق بين المدرسة وبين المسجد، وبين الجامعة وبين الجامع، هو فارق في الشكل فقط، وإلا فالمدرسة في الإسلام مسجد، والمسجد في الإسلام مدرسة،

стр. 216

حيث لم تظهر المدارس في تاريخ التربية الإسلامية إلا في حدود القرن الرابع الهجري، وكانت في البداية نشأتها فرعًا من فروع المسجد، ثم تطورت إلى أن أصبحت هي من الأصول، وأصبح في بعض الأحيان المسجد جزءًا منها. وأقول -بناء على هذا الارتباط الوثيق بين المسجد وبين التعليم والعلم في الإسلام، ابتداءً من المدرسة الابتدائية، وانتهاء بالجامعة والمدارس والمعاهد العليا-: ينبغي علينا عند تكوين الأجيال الإسلامية وبناء شخصياتهم العلمية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، ألا نجعل مَن نعلمهم تفارقهم روح المسجد في هذا البناء وذلك التكوين، وأن يستحضر العاملون في التعليم أعمال المسجد التربوية، وأنشطته الثقافية؛ لأن الإسلام يدعو إلى العلم والعمل، وإلى معرفة ما ينفع من علوم الدين، وما يحتاج إليه المسلم من العلوم المادية الدنيوية، بما لا يتعارض في ذلك مع الإسلام؛ لأن الإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والدنيا، أو بين العبادة وبين التعليم، أو بين مطالب الروح ومطالب الجسم. ومن هنا ينبغي علينا أن نعيد معاهدنا ومدارسنا وجامعتنا ما فقدته من روح المسجد في أعمالها العلمية والتربوية في وقتنا الحاضر، وقد تأثر بعض الناس بالحضارة الأوربية التي تجعل التعليم في مدارسها تعليمًا مدنيًّا خالصًا، ولا علاقة له بالدين لا من قريب ولا من بعيد، وتحصر تعليم الدين في مدارس خاصة، ومعاهد خاصة، لمن يشاء أو يريد. أما العالم الإسلامي، فلم يمر بالترجمة التي مرت بها أوربا لسبب بسيط، وهو أنه لا رهبانية في الإسلام، أو أنه لا تعارض بين العلم وبين الدين، حتى ولو كانت هذه العلوم من العلوم المادية الدنيوية النافعة، كما أنه لا يوجد في الإسلام الفصل التام بين التعليم الديني والتعليم المدني؛ لأن الإسلام يعتبر التعليمين

стр. 217

متكاملين، يجب على المسلم أن يتعلمهما معًا في وقت واحد، فالعلم في الإسلام علم مطلق، ينطبق على علوم الدين وعلوم الدنيا النافعة في وقت واحد. لقد أصبحت المدارس في مختلف مراحل التعليم في البلاد العربية وكذلك الجامعات العربية، تضم أعدادًا هائلة من الطلاب، وهذه الأعداد الهائلة من المتعلمين في المدارس والمعاهد والجامعات، وهم في ازدياد مطرد عامًا بعد عام، إذا ما وجدت التوجيه الإسلامي الرشيد في التعليم الذي يتلقونه حسب روح المسجد، فإنه يكون منهم مجتهدون في الدين، والمبدعون في علوم الدنيا، والدعاة إلى الله ﵎ على هدًى وبصيرة. إذن، فالدعوة إلى إعادة الاعتبار لدور المسجد التربوي في الإسلام، ليس معناه إغلاق الجامعات والمدارس، ولا إغلاق ثانويات التعليم العام أو الفني، والاستعاضة عنها بالتعليم المسجدي وحده؛ إذ لا يمكن أن يفكر في هذا أحد، وإنما المقصود هو نقل روح المسجد ورسالته التربوية والأخلاقية والتوجيهية إلى المعاهد المذكورة؛ حتى تستطيع أداء رسالتها في التربية والتكوين والإعداد لأبناء المسلمين على الوجه الأفضل. دور المسجد في المجتمع المسلم "دور المسجد في المجتمع المسلم" ويشتمل على النقاط التالية: أ- دور المسجد في الدعوة إلى الله -تبارك تعالى-: عمّار المساجد هم -بفضل الله ورحمته- خيرة المسلمين، وأحرصهم على إرضاء الله ﵎ وارتيادهم لبيوت الله دليل خير وصلاح، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (التوبة: ١٨). فهؤلاء صفوة المسلمين، فماذا يجب على الدعاة نحوهم؟

стр. 218

يجب أن يذهب إليهم الدعاة في بيوت الله، وأن يخالطوهم ويصادقوهم ويتحببوا إليهم، ويشجعوهم على الاستزادة من هذا الخير، وللدعاة مع عمار المساجد جهود وأعمال تتنوع إلى ما يلي: إ لقاء دروس عليهم في تجويد القرآن وأدب تلاوته وتفسيره، وإلقاء دروس عليهم في السنة النبوية، وتحفيظهم ما أمكن من الأحاديث النبوية، مع شرح مبسط لها؛ ليستفيدوا من ذلك، وأيضًا إعطاؤهم دروسًا في السيرة النبوية المطهرة، وفي تاريخ الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم- وفي تاريخ الإسلام، وإعطاؤهم دروسًا وتوعيةً في خدمة البيئة التي تحيط بالمسجد، ومعاونتهم وتشجيعهم على تكوين مكتبة للمسجد، أو تزويد مكتبته إن كانت فيه مكتبة بالكتب النافعة. كما عليهم عقد محاضرات وندوات على فترات مناسبة، وعليهم أن يصطحبوا رواد المسجد إلى زيارات العلماء والمستقيمين من سكان الحي الذي فيه المسجد؛ حتى يعودوهم على تفقد أحوال الناس، وأحوال رواد المساجد، وعليهم أن يتعاونوا في أن يكون المسجد دائمًا على أحسن صورة، من حيث نظافته ونظامه وأساسه وإنارته ومكتبته ومرافقه. كل ذلك يتعاون رواد المسجد على القيام به؛ حسبةً لوجه الله ﵎ وتقربًا إليه، وكل ذلك داخل في إعمار المسجد وتعهده، وهو واجب كل مسلم يتردد عليه، وإن فعل الدعاة ذلك، أصبح للمسجد دور عظيم في الدعوة إلى الله ﵎ واستفاد الذين يترددون على المسجد فائدة عظيمة من هؤلاء الدعاة إلى الله ﵎ وكان بحق المسجد منارة إشعاع في المكان الذي يوجد فيه.

стр. 219

ب- دور المسجد في التوجيه الاجتماعي للمجتمع المسلم: المسجد يؤدي في المجال الاجتماعي دورًا هامًّا بالنسبة للمجتمع الإسلامي، حيث كان -ولا يزال- يعمل على المحافظة على تماسك الأسرة الإسلامية، والأمة الإسلامية كذلك، عن طريق ما يلقى فيه من محاضرات وخطب تتناول اهتمامات الشعوب الإسلامية في كل شأن من شئون الحياة، ولعل من أبرز المجالات التي ينبغي أن يقوم بها المسجد في العصر الحديث، هو أن يكون محورًا لمجموعة من الخدمات الخيرية؛ لحاجة الناس إلى ذلك، خاصة في البلاد الفقيرة أو التي يوجد فيها قوم دخولهم محدودة. وعليه يجب على الدعاة أن يحاولوا أن يُوجِدوا إلى جوار المسجد خدمات اجتماعية خيرية، كأن يوجِدوا -مثلًا- مستوصفًا طبيًّا؛ لمعالجة المرضى أو يوجدوا ناديًا للشباب، يمارسون فيه الرياضة البدنية الخفيفة، والنشاطات الثقافية والترفيهية البريئة من المنكرات، وقد أشرت إلى ضرورة وجود مكتبة في المسجد، وعليهم أيضًا أن يحاولوا إيجاد مكان يجتمع فيه رواد المسجد؛ ليعرضوا عليهم الأفلام العلمية والاجتماعية والتربوية الهادفة، حتى نستفيد من التقنية الحديثة الموجودة، وإلى غير ذلك من النشاطات الأخرى. وبذلك يَسترجع المسجد دوره التوجيهي الهام في المجتمع، حسب متطلبات العصر الحديث. ولذلك ينبغي إعادة النظر في هندسة بناء المساجد في وقتنا الحاضر؛ حتى تكون وافية بالأغراض الاجتماعية النافعة للجماعة الإسلامية، بالإضافة إلى وظيفتها الأساسية وهى العبادة والتوجيه الديني. وأود أن ألفت النظر هنا إلى أمر آخر، وهو: أنه قد انتشر في عصرنا ظاهرة الدروس الخصوصية للطلاب في مختلف المراحل التعليمية، وأولى بالمسجد أن ينشط إلى

стр. 220

مساعدة الطلاب، باستقطاب الأساتذة والمدرسين في كافة المراحل حتى الجامعية؛ تيسيرًا على الطلاب، وجمعًا لهم في مكان آمن، يستظهرون فيه دروسهم، ويجدون فيه المرجع من الكتاب في المكتبة، وكذلك الأستاذ المتخصص. ويرتبط هؤلاء الطلاب أيضًا بالمسجد، وإذا حان وقت الصلاة صلوا جماعة فيه، فكان في هذا خير وبركة. ولقد كان المسجد في صدر الإسلام هو المكان الذي يتخرج منه العلماء والفقهاء والقادة الصالحون، كان المسجد هو المركز الذي تُدار فيه حياة المجتمع، وعلى نور رسالته تسير خطى حياة الناس، وقد أجمل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎ وظائف المساجد على عهد رسول الله ﵌ بقوله: "وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي ﵌ أسس مسجده المبارك على التقوى، ففيه الصلاة والقراءة والذكر والتعليم والخطب، وفيه السياسة، وعقد الألوية، وتأمير الأمراء، وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون لِمَا أهمهم من أمر دينهم ودنياهم". ولذلك أقول لأبنائي الطلاب: إن أداء الصلوات في جماعة وظيفة من وظائف المسجد، تنمي في الإنسان المسلم صفات وخصائص تقربه من الله -تبارك تعالى- وتقيه ارتكاب المعاصي، وتحي الوازع الديني لديه، وتعينه على أن يصلح نفسه، وأن يصلح ما بينه وبين الناس، والصلاة في جماعة تحقق التآلف والتراحم والمساواة بين المسلمين. وفي السنة الشريفة الأحاديث الصحيحة الوفيرة، التي تحث على صلاة الجماعة، حيث تفضل صلاة الفرد في بيته وسوقه بسبع وعشرين درجة، وفي المساجد الجامعة تقام صلاةُ الجُمَعِ بما فيها من خطبة يتعلم منها المسلمون ما ينفعهم في

стр. 221

دينهم ودنياهم، ويتداولون فيما يهمهم من الأمور، وتتواصل المجتمعات الصغيرة، ويتعاطفون ويتآزرون، وفي المساجد ذكر الله الذي يدخل فيه تلقي العلم، وتعليمه، والدعوة إلى البر، ومزاولته من أجل رضا الله، والتماس رحمته ومغفرته. لقد تلقى الصحابة -رضوان الله عليهم- في المسجد القرآن وعلومه، والسنة الشريفة قولًَا وتقريرًا وأفعالًا، فكان المسجد بهذا ميزانًا لشخصية المسلم الكامل والمجتمع الفاضل، الذي وصفه الله ﵎ في وقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران: ١٦٤). إنه ﵌ معلم يقرأ القرآن على المسلمين، ويشرح آياته، ويعمل على تطهير نفوسهم، ويعلمهم الحكمة، ويعلمهم -صلوات الله وسلامه عليه- أمورًا شتى لم يكونوا على علم بها، والنبي ﵌ يعرف وظيفته، ويستشعر مهمته ومسئوليته التي حملها إياه ربه ﵎ فيقول: ((إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني)). وفي كتب السنة الشريفة الأحاديث الصحيحة الوفيرة في الحث على طلب العلم والتعليم، وعلى حضور مجالس العلم في المسجد، من هذا ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تبارك تعالى، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده)). جـ- بعنوان: دور المسجد في القيادة: كان المسجد في صدر الإسلام -أيضًا- مركز القيادة، تصدر عنه الوصايا والعطايا والأوامر والتعليمات، وتنطلق منه السرايا والغزوات، وكان الإمامُ إمامًا في

стр. 222

الصلاة والإدارة والقيادة والسياسة، وكان من وظائف المسجد الهامة تنمية المجتمع، وهي وظيفة عامة شاملة، وهو بهذه الوظيفة قائدُ التغيير والتطوير والتقدم، والداعي إلى الصلاح والإصلاح للأحوال الاجتماعية والاقتصادية والصحية والثقافية والسياسية، فهو بهذا ضرورة دينية اجتماعية ودنيوية، وهو منتدى طاهر وظاهر وضاء، لا إثم فيه ولا فجور، ويسمو بكل هذا على نوادي أو منتديات العصر الحاضر. وهذه الوظيفة -تنمية المجتمع- متنوعة المسالك، لها مثيل من عمل الرسول ﵌ وإن لم تعرف في عهده الشريف بهذا العنوان السائد الآن في علم الاجتماع، ففي المسجد كانت الأموال توزع على المستحقين من الفقراء، وفي المسجد كان يوجد مكان أهل الصفة، أي: أولئك الفقراء الذين لا مأوى لهم ولا مورد. ولقد امتدت مكانة المسجد ووظائفه منذ كان الإسلام، وتتابعت حاجات المسلمين، فاشتهرت بعض المساجد في أقطار مختلفة بأن صارت جامعات الإسلام، فآوى إليها الطلاب؛ رغبةً في العلوم المختلفة في الدين والشريعة واللغة والطب، وغير هذا مما علمه الله الإنسان. وعلى تعاقب الأجيال، وانعقدت حلقات العلم، ورصد المحسنون من المسلمين الأوقاف على طلاب العلم، فكانت المساجد أهم المراكز الثقافية في العالم الإسلامية؛ بل في العالم أجمع. فهذا الحرم المكي، وهذا الحرم المدني، وهؤلاء شيوخ الحرمَين الذين فاقت شهرتهم في العلم وذاعت، وهذا مسجد عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط بمصر، وفيه جلس الإمام للشافعي للعلم، وهذا جامع قرطبة الذي توافد إليه طلاب أوربا وإفريقيا، مسلمون وغير مسلمين.

стр. 223

وإذا كانت وظائف المسجد قد انكمشت في هذا العصر بعد أن زاحمته المؤسسات المعاصرة، وبسبب فتور التدين لدى بعض المسلمين، أو انحرافهم أو قعودهم عن سلوك الطريق المستقيم، والانخداع بزخرف الحياة المادية التي سادت في المجتمعات غير الإسلامية، وبسبب الضعف السياسي والاقتصادي الذي شاب الأقطار الإسلامية، التي وقعت فريسة للاستعمار السياسي بعد الاستعمار العسكري والفكري، ومع الهيمنة الاقتصادية للغير، ثم شيوع البدع والخرافات التي باعدت بين الكثيرين من المسلمين وبين الدين الصحيح. إذا كان ذلك، كان على أمة الإسلام أن تعود إلى استعادة أعباء ووظائف المساجد، وإبراز العمل بها، فلا تظل مقصورة أو محصورة في أداء الصلوات، وإنما تمتد وتعود إلى التعليم وغيره على نحو ما سبق، وبهذا يظهر دور المسجد في التوجيه الاجتماعي. بعض وظائف المسجد "وظائف المسجد" ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية: أ- المسجد دار للإفتاء: تحدث -فيما مضى- عن دور المسجد في الدعوة إلى الله، وفي خدمة المجتمع عمومًا، وأود هنا أن أضيف إلى ذلك أمورًا أخرى يقوم بها المسجد، ومن ذلك أنه دار للإفتاء، ذلك أنه يقع للناس في أمور دينهم ودنياهم أشياء فيها غموض، تقلق بَالَهُم، فتهفو نفوسهم لإزالتها، فيتوجهون إلى المسجد حيث لا يخلو من عالم يفتيهم في أمور دينهم ودنياهم. فعن أنس بن مالك ﵁ يقول: ((بينما نحن جلوس مع النبي ﵌ في المسجد، دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئًا بين ظَهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ؟ فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ قال له النبي ﵌: قد أجبتك.

стр. 224

فقال الرجل للنبي ﵌: إني سائلك فمشددٌ عليك في المسألة، فلا تجد عليَّ في نفسك، فقال ﷺ له: سَلْ ما بدا لك، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم، فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﵌: اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأَنَا رسول مَن ورائي مِن قومي، وأنا ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر)). والشاهد من ذلك أن النبي ﷺ كان يجلس في المسجد، وكان يأتي إليه أصحاب الحاجات ومن يودون أن يتعلمون العلم، فيسألون رسول الهدى والرحمة ﵌. وقد روى عبد الله بن عمر ﵁: ((أن رجلًا قام في المسجد فقال: يا رسول الله ﵌ من أين تأمرنا أن نهل؟ فقال رسول الله ﵌: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن)). ب- المسجد دار للقضاء: أقول: إن كان المسجد دار إفتاء، فهو أيضًا دار للفصل بين المتخاصمين، وللقضاء العادل بين المتنازعين، حيث يأمن فيه كل إنسان على نفسه، ويطمئن إلى أخذ حقه، قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ (ص: ٢١، ٢٢). قال الإمام القرطبي ﵀ ﵎ في تفسيره: ليس في القرآن ما يدل على القضاء في المسجد إلا هذه الآيات، وبها استدل من قال بجواز القضاء في

стр. 225

المسجد، ولو كان ذلك لا يجوز -كما قال الشافعي ﵀ لَمَا أقرهم داود ﵇ على ذلك، ويقول: "انصرفا إلى موضع القضاء". وكان النبي ﵌ والخلفاء يقضون في المسجد، وقد قال مالك ﵀ ﵎: القضاء في المسجد من الأمر القديم -يعني: في أكثر الأمور- ولا بأس أن يجلس في رحبته؛ ليصل إليه الضعيف والمشرك والحائض، ولا يقيم فيه الحدود، ولا بأس بخفيف الأدب. وقد قال أشهب: يقضي في منزله، وأين أحبَّ. وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: ((أتى رجلٌ رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه ﷺ فلمَّا شهد على نفسه أربعة، قال: أبِكَ جنون؟ قال: لا، قال: اذهبوا به، فارجموه)) قال ابن شهاب فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: كنت فيمن رجمه بالمصلى. والشاهد من ذلك: أن النبي ﷺ قضى بالرجم على هذا الرجل وهو في المسجد لما أتَى إليه وناداه وأخبره بما أخبره به. أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي آخر نقطة فيه وفي هذا اللقاء، وهي بعنوان: "المسجد دار للرعاية الاجتماعية والصحية": لقد كان النبي ﵌ يقسم الأموال الواردة إليه على ذوي الحاجات، فإن لم تكن هناك أموال وكان الناس في حاجة، دعا الأغنياء إلى البذل والإنفاق، وقام بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين في المسجد أيضًا، وفي أوقات الحرب يمكن أن يتخذ المسجد مأوًى لمن يلجأ إليه ويحتمي فيه، ودار للإسعاف عند الضرورة. وعن المنذر بن جرير، عن أبيه ﵁ قال: ((كنا في صدر النهار عند رسول الله ﵌ فجاءه قوم عراة مجتاب النمار -والنمار: كساء من صوف مخطط، أو العباء-

стр. 226

متقلدي السيوف، عامتهم بل كلهم من مضر، فتمعَّر وجه النبي ﵌ لِمَا رأى بهم من الفاقة فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى، ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره -حتى قال ﷺ : ولو بشق تمرة، فجاء رجل من الأنصار بِصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﵌ يتهلل كأنه مُذهبه ﵌ وذلك من الصفاء والاستنارة، فقال رسول الله ﵌: مَن سن في الإسلام سنه حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليها وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا)) وهذا الحديث في مسلم. وعن عائشة ﵂ قالت: ((أصيب سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه- يوم الخندق، رماه رجلٌ من قريش -يقال له: ابن العرقة- في الأكحل -والأكحل: عرق في اليد- فضرب عليه رسول الله ﵌ خيمة في المسجد؛ ليعوده من قريب)). وهذا يدل على أن المسجد في عهد النبي ﵌ كان دارًا للرعاية الاجتماعية والصحية. وهكذا يجب أن تكون مساجد المسلمين اليوم، تشفي وتغلي، وتقدم النافع والمفيد للمسلمين في شتى مجالات الحياة، وعلى أهل الإسلام -وعلى الدعاة منهم بوجه أخص- أن يعتنوا برواد المساجد، وبالأحياء التي تكون حول هذه المساجد، وأن يقدموا لها الخدمات الجليلة النافعة.

стр. 227

وأود أن أنبه عموم المسلمين إلى ضرورة أن تكون المساجد خالصة لوجه الله وحده دون سواه، فلا يذكر فيها سوى اسم الله ﵎ ولا يتقرب العبد بعمل هناك إلا إذا أراد به وجه الحق ﵎ والدار الآخرة. وأكتفي بهذا، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - المدرسة، وأهميتُها في الدعوة والتربية دعوة الطلاب إلى الله في المدارس والجامعات: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آلة وأصحابه، ومن اهتد بهديهم إلى يوم الدين وبعد: عنوان المحاضرة: "المدرسة، وأهميتها في الدعوة والتربية" وهذا العنوان يدخل تحت العنوان الكبير: "أهم ميادين الدعوة إلى الله". وقد تكلمت في اللقاء السابق عن المسجد وعن دوره في ذلك، وأتكلم في هذا اللقاء -إن شاء الله كما ذكرت- عن المدرسة وأهميتها في الدعوة والتربية. وهذه المحاضرة تشتمل على عناصر، العنصر الأول بعنوان: "دعوة الطلاب إلى الله في المدارس والجامعات" ويشتمل على النقاط التالية: أ- أهمية الدعوة إلى الله بين طلاب المدارس والجامعات: تظهر أهمية الدعوة إلى الله مع هذا القطاع من الناس - أعني: بهم الطلاب في المدارس والجامعات- لأنهم من أهم قطاعات المجتمع، وذلك أنهم هم مثقفو الأمة وعقلها الناضج، وهم مستقبل الأمة وعناصر القيادة والتوجيه فيها، وهم نبض الأمة ووعيها وقدرتها على التطور، ولو ربي هؤلاء الشباب، وعلِّموا على المستوى الذي يلائم طموح كل بلد إسلامي، لقفزت هذه البلدان خطوات واسعة في ركب التقدم والعلم، تجعلها قادرة على مواكبة المتغيرات المستمرة في حياة البشر، المتجهة إلى أن يستريح الإنسان بالآلة، وأن يحقق أكبرَ قدر من الربح بأقل قدر من الجهد في أقل وقت من الزمان، وبأدنى قدر من التكاليف. إن العلم يتجه بالناس هذا الاتجاه منذ ما سمي بعصر النهضة، ولا يزال يوالي بلوغ هذه الأهداف، ولن يستطيع العالم الإسلامي مواكبة ركب التقدم العلمي بهذه الصورة السريعة، إلا إذا عُني بتربية الطلاب في مدارسهم وجامعتهم، العناية التي تجعل منهم علماء ومكتشفين لا مجردَ متلقين، يحشون أذهانهم بمعلومات ومعارف لا تفتق ذهنًا ولا تدعو عقلًا إلى التفكير والابتكار.

стр. 228

وإن ذلك ليقتضي إعادة النظر بصدق وإخلاص في كل ما يتصل بالتعليم على كافة مستوياته وأنواعه، ابتداء من ضرورة إعداد المعلم إعدادًا جيدًّا على كل مستوى من مستويات عمله، ومرورًا بتوفير التمويل اللازم للتعليم، وإعطاء هذا التمويل أولوية على كل شيء في المجتمع؛ لأنه الاستثمار الحقيقي، وتوفير الأمكنة الملائمة، والارتفاع بالمستوى الكيفي للتعليم، مع العمل الدائب على محو الأمية محوًا كاملًا، وإعادة النظر بناء على ذلك في المناهج التعليمية بالمعنى الواسع للمنهج الذي يتناول كلَّ ما له صلة بعملية التعليم والتعلم؛ ذلك لأن الإسلام يدعو إلى العلم، وأول الآيات نزولًا فيه كانت دعوة إلى القراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: ١، ٢). وإن إعادة النظر هذه -أعني: في عملية التعليم والتعلم والاهتمام بها- تتطلب وضوح السياسة التعليمية التي يتم وفق أهدافها كل هذا التغيير. ب- عناية الدعاة بأهداف السياسة التعليمية: إن عناية الدعاة بأهداف السياسة التعليمية مهم للغاية في تكوين الجيل الذي يبني أمته ويفيد مجتمعه؛ لأنه يساهم في أن تكون هذه المناهج سليمة صحيحة، تخرِّج أجيالًا تعرف مكانتها ومهمتها بعد أن تلقت التعليم المناسب للعصر الذي تعيش فيه، ويمكنني هنا أن أجمل السياسة التعليمية فيما يلي: أولًا: اعتبار العالم الإسلامي وحدة واحدة، يجب أن تسودها ثقافة إسلامية معينة، وما يترتب على هذا الاعتبار. ثانيًا: بناء الشخصية الإسلامية القادرة على التفاعل مع قضايا المجتمع التي تعيش فيه، وقضايا العالم الإسلامي كله، وعلى مواجهة كل المتغيرات. ثالثًا: العمل على إقامة المجتمعات الإسلامية الملتزمة بخلق الإسلام وأدبه ومنهجه

стр. 229

ونظامه. رابعًا: العمل على بناء المجتمعات الواعية المنتجة المسهمة في التنمية الشاملة. خامسًا: العمل على تكوين أجيال من العلماء. هذه -باختصار شديد- أهداف السياسة التعليمية، الذي يجب على الدعاة أن يحرصوا على تحقيقها والعناية بها، ويجب أن يكون التعليم وفق هذه السياسة، وأن يتم بناءً على تصورها؛ لأن هؤلاء الطلاب هم عصب الأمة الإسلامية، عصب فكرها، وعصب عملها، وعماد نهضتها، ومؤشرات مستقبلها، وإن أي مجهود يبذل في مجال إعداد الطلاب سواء أكان ذلك من الدول أم من الدعاة، لهو المجهود الطيب الذي يحقق أفضلَ النتائج على مستوى العالم الإسلامي كله. ولذلك فإنني أدعو الدعاة إلى الله أن يهتموا بأهداف السياسة التعليمية وصياغتها، وأن يفقهوا معناها، والمقتضيات التي تحتاج إليها. جـ- تواصل الدعاة مع الطلاب، ودعوتهم إلى الخير: على الدعاة إلى الله تعالى أن يعتنوا كل العناية بالطلاب، وأن يكونوا دائمًا على مقرُبة منهم، يذهبون إليهم في مدارسهم وجامعاتهم، ولا يدعون فرصة يتجمع فيها الطلاب إلا ويكونوا لهم فيها حضور؛ بل رعاية وتوجيه. ويمكنني هنا أن أطرح سؤالًا وأجيب عليه، وهو: كيف يستطيع الدعاة إلى الله أن يصلوا إلى أماكن تجمع الطلاب؟ والجواب: إن زيارة الدعاة إلى الله للمدارس بالتفاهم مع مديريها إحدى فرص هذا الاتصال، وإن كون أحد الدعاة وليًّا لأمر طالب في المدرسة فرصة ثانية، وإن عمل أحد الدعاة بالتدريس في المدرسة أو الجامعة فرصة ثالثة، وإن توثيق الصلة ببعض المدرسين والعاملين في المدرسة فرصة رابعة، وإن هناك فرص عديدة يعرفها الدعاة، وتكون أنسب لظروف المدرسة وظروف الجامعة وظروف

стр. 230

البيئة المحيطة بهما، وعلى الدعاة إلى الله أن يذهبوا إلى هؤلاء الطلاب في مدارسهم وفي جامعاتهم وفي أماكن وجودهم المختلفة، وأن يسلكوا السبل والطرق والوسائل المؤدية إلى تحقيق ذلك. وإن عمل الدعاة مع الطلاب، يجب على أن يكون على النحو التالي، أو ما هو قريب من هذا النحو: يعني: بعد أن يصل الداعي إلى الله ماذا يجب عليه أن يفعله بعد ذلك مع عموم الطلاب؟ يجب عليه التوعية العامة بالإسلام، وذلك في باب العقيدة والشريعة والأخلاق والآداب والسلوك، ويجب عليه أن يوجه هؤلاء الطلاب إلى ضرورة الاهتمام بالعلم والتفوق فيه، وأن يرشدهم إلى تحسين الصلة بالأساتذة وبالطلاب وبكل العاملين في المدرسة، وأن يؤكد عليهم على ضرورة حب القراءة والاطلاع والثقافة العامة، والإلمام بقضايا الوطن وقضايا العالم الإسلامي، والعالم كله، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية. وعلى الدعاة إلى الله ﵎ أن يشجعوا الطلاب على ارتياد المكتبة في المدرسة أو الكلية أو المكتبات العامة، وأن يهتموا بالقضايا الفكرية والثقافية على مستوى العالم العربي والعالم الإسلامي كله؛ حتى يعرفوا ما حولهم، وحتى يفقهوا القضايا التي تدور في مجتمعاتهم، أو في المجتمعات البعيدة عنهم. وعلى الدعاة أيضًا إلى الله ﵎ أن يشجعوا الطلاب على أن يهتموا بالأحياء التي يقيمون فيها أو المدينة الجامعية، من حيث الاهتمام بالنظام والنظافة وبخاصة المساجد، وما يجب أن تلقاه من رعاية وعناية؛ لأن تلك هي التي تجعل الطالب إيجابيًّا نحو نفسه، وزملائه، وبيئته، ووطنه، والعالم الإسلامي كله. الدعوة إلى الله بين المدرسين، وأساتذة الجامعات "الدعوة إلى الله بين المدرسين وأساتذة الجامعات" ويشتمل على العناصر التالية: أ- أهمية الدعوة بين المدرسين والمدرسات: للدعوة بين المدرسين والمدرسات أهمية قصوى تزيد على أهمية أي فئة من الفئات التي تحدثنا عنها آنفًا، لماذا؟ لأنهم هم الذين يتولون تربية الأجيال،

стр. 231

وصياغة الأطفال، واليافعين والشباب، صياغةً تجعلهم صالحين لممارسة الحياة الاجتماعية السليمة، وصالحين لمواصلة طلب العلم والتفوق فيه، وصالحين لأداء واجبهم في الحياة على نحو جيد، يحققوا أملَ الوطن والأمة الإسلامية كلها. إنَّ على هؤلاء المدرسين عبئًا ضخمًا وعملًا جليلًا في بناء هذه الأجيال بناءً صحيحًا، لا للمواطنة الصالحة فحسب -وإن كان هذا أمرًا مطلوبًا- ولكن أيضًا لبناء الإنسان الصالح للتعامل مع وطنه وعالمه الإسلامي كله، وقبل ذلك كيف يتوجه إلى رب العزة والجلال سبحانه، وأن يسير في كون الله وفق ما أراد الله ﵎ منه، وإن هذا البناء لعمل عظيم متشابك متعدد الأبعاد، يبدأ ببناء العقيدة الإيمانية الصحيحة، ثم الأخلاق الإسلامية المستقيمة على جادة الحق دائمًا، ثم بناء العقول القادرة على الفهم والتعمق فيه، والبحث والعلم، ثم بناء الأبدان الصحيحة التي تستطيع أداء الواجب الشخصي والاجتماعي والعالمي. ثم إن هذه أيضًا تبني بعد ذلك -أعني: العقيدة الإيمانية الصحيحة - النفسية السوية التي تتجاوب مع أداء الواجب، وتقبل عليه بسعادة ورضا، وتخلو من الأمراض النفسية وما يسمى بالعقد، إنه بناء الإنسان المسلم، وكفى. إن المدرسين إذا كانوا قادرين على هذه العطاء، فإنهم يسهمون بقدر ضخم في بناء الإنسان المسلم والوطن المسلم والأمة المسلمة، وإذا عجزوا عن ذلك، ضيعوا على الأمة الإسلامية خيرًَا كثيرًًا؛ بل عوقوها عن الوصول إلى أهدافها، وحالوا بينها وبين التقدم والرقي، وأخذ المكان اللائق بالمسلمين في الحياة. ومن نافلة القول: التنبيه على أن المدرسات -وهن كثرة كاسرة في مجتمعاتنا الإسلامية- عليهن نفس العبء، ولهن نفس الأهمية والمكانة، وما ينبغي أن يكون هذا محل جدل أو نقاش، فلا شك أن التعليم للرجل وللمرأة، وهو للمرأة بشروط

стр. 232

معلومة لدى أهل العلم، وهي بينة بفضل الله -تبارك تعالى- وإن العناية بالمدرسات تستلزم أن يكون للحركة الإسلامية عدد ملائم من الداعيات إلى الله يسد فراغ الاحتياج إلى العمل مع المرأة في مجالات عملها المتعددة، وهذا أيضًا واجب من واجبات الدعاة إلى الله أن يوجهوا دعوتهم إلى قطاع كبير في المجتمع من النساء؛ حتى ينشَأن على الفضيلة، ويتعلمن الخير، ويفقهن العقيدة والشريعة، ويعملن بما جاء في كتاب الله ﵎ وفي سنة النبي الكريم -صلى الله عليه وآله سلم. إن المدرسين والمدرسات إذا صلحوا بإحسان إعدادهم، وبحسن أدائهم، تخلص المجتمع المسلم من كثير من سلبياته؛ بل يمكن أن أقول من كل سلبياته. ب- واجب الدعاة نحو المدرسين والمدرسات: ذكرت في النقطة الأولى أهمية الدعوة بين المدرسين والمدرسات، وبعد أن بينت أهمية الدعوة أيضًا لهذا القطاع، وبينت أن على عاتق هؤلاء -على عاتق المدرسين والمدرسات- يقوم بناء المجتمع، وتربية الأجيال، ومن هنا المهمة معهم والعمل معهم عظيم عظيم عظيم. فإذا أدركنا أن العمل مهم بين المدرسين والمدرسات -وأعني بذلك: العمل الدعوي- أنتقل؛ لأذكر في هذه النقطة ما هو واجب الدعاة نحو المدرسين والمدرسات. إن الدعاة إلى الله ﵎ بما منحهم الله من ثقافة وعلم وحسن تأتي للأمور، عليهم واجب ضخم مع المدرسين، لا يقل أهمية عن واجبهم نحو الطلاب، ويزيد عليه هنا فوق ما ذكرناه نحو الطلاب ما يلي: أ- التوعية بواجب المدرسين، من حيث ما أمرهم الله به نحو أبنائهم الطلاب، ونحو عملهم الجليل الذي هو التربية، على الدعاة أن يوصلوا هذا للمدرسين والمدرسات، وأن يحثوهم على ما أمرهم الله به من إحسان العمل وإتقانه، ورعاية تربية هؤلاء الطلاب. ب- توعيتهم بقضايا المجتمع وقضايا العالم الإسلامي، الذي يهيئون له الأبناء؛ لأنهم إذا ما عرفوا قضايا المجتمع كيف يعدون الأبناء لمواجهة القضايا.

стр. 233

جـ- توعيتهم بقضاياهم الفنية، مثل: المشكلات المدرسية من حيث بناء المدرسة، وكثافة الفصول، والمشكلات المتعلقة بالمناهج والمقررات الدراسية، والمشكلات المتعلقة بوسائل الإيضاح، والمشكلات المتعلقة بالنشاط المدرسي، والمشكلات المتعلقة بمجالس الآباء، كل ذلك يشارك الدعاة فيه إلى الله توعيةَ المدرسين والمدرسات بهذه المسائل، ولا شك أن هذا يحتاج إلى أن يعد الداعي نفسه أولًا لمثل هذه القضايا. د - توعيتهم بقضاياهم المهنية، مثل: كليات إعداد المعلمين والمعلمات، ونظم القبول فيها، ونظم التعليم بها، ومثل: العبء المدرسي الملقى عليهم، وهل هو مناسب أو أكثر أو أقل مما ينبغي مثلًا، يعني: يعرف الداعي العبء التدريسي لدى كل مدرس، ويحرص على أن يكون العبء مناسبًا لكل مدرس من خلال التوجيهات التي يصلون بها إلى المسئولين عن التربية والتعليم؛ كي يفسحوا المجال للأستاذ للعناية والاهتمام بالطلاب، لأننا نتحدث في مثل ذلك عن المدرسة، وأهمية المدرسة في الدعوة والتربية. هـ- من واجب الدعاة نحو المدرسين والمدرسات، تزويدهم بحصيلة إسلامية ثقافية، يواجهون بها حياتهم في المدرسة، وفي خارجها، من حيث هم أفراد مسلمون عليهم كثير من واجبات الدين. وتوجيه عدد منهم من أهل الاستعداد إلى الانخراط في سلك العمل الإسلامي، على الدعاة إلى وهم يعملون مع المدرسين والمدرسات، أن يقتنصوا منهم ما يجدون فيه استعدادًا للعمل الدعوي، وعليهم أن يجعلوا هذا المدرس يمر بمراحل في الدعوة إلى الله، فيعرفوه بالدعوة، وبطرق تنفيذها، والأساليب التي يصلون من خلال دعوتهم بها إلى الناس، كذلك

стр. 234

أيضًا على الدعاة إلى الله ﵎ أن يختاروا العناصر الأكثر استعدادًا وصلاحًا من المدرسين والمدرسات؛ لترشيحهم لعمل أكبر في مجال الدعوة إلى الله ﵎. جـ- مكانة أساتذة الجامعات في المجتمع: أساتذة الجامعات هم صفوة أهل الفكر في المجتمع كله، ولذلك أود أن أفصِّل الحديث عنهم بصورة خاصة مستقلة، رغم أنهم يدخلون في الجملة في المدرسين والمدرسات، وما ذاك إلا لمكانتهم وأهميتهم، فهم -كما ذكرت- صفوة أهل الفكر في المجتمع كله، وعلى أيديهم تتم عملية التوجيه لقيم المجتمع ومعنوياته، وببحوثهم ودراساتهم يتم تطوير ماديات المجتمع، وحاجات هذا المجتمع. وإن اندماج أساتذة الجامعات في مشكلات المجتمع وقضاياه كلها، وتصديهم لدراستها وتشخيصها، ووضع الخطط لحلولها، لهو الوضع الأمثل لقادة الفكر والعلم في أي مجتمع؛ بل هو النظرة الدقيقة للأشياء، ووضعها في موضعها الملائم. إن المجتمعات المتقدمة الآن يشارك فيها أساتذة الجامعة مشاركة نظرية عملية في تطوير كل قطاع من قطاعاتها، زراعة أو صناعة أو خدمات أو استثمار أو مصارف، أو كل ما له علاقة بحياة الناس؛ بل إن هذه المجتمعات ما تقدمت إلى هذا الحد الذي نرى إلا باستعانتها بهؤلاء العلماء، ولن تستطيع هذه البُلدان أن تخطو في سبيل التنمية والتقدم، إلا إذا استعانت بأبنائها، لا بالأجانب من العلماء. إن كثيرًا من الشركات والمصانع والمؤسسات في بلدان أوربا وأمريكا، لا تخطط لتطوير عملها وتحسينه إلا بمساعدة أساتذة الجامعات، ولهذا تتقدم هذه البلدان، وتستمر في التقدم الذي نسمع عنه ونشاهده.

стр. 235

إن تنسيقًا ضروريًّا يجب أن يتم بين المؤسسات والشركات والمصانع؛ بل الحكومات وأساتذة الجامعات، يفضي إلى تعاون يحقق صالح المجتمعات الإسلامية، إن هذه المؤسسات لا بد أن ترصد في موازنتها مبالغ لتطوير إنتاجها نحو الأحسن، وإن هذه المبالغ ينبغي أن توجه إلى الجامعات، أو إلى أقسام علمية بعينها فيها؛ لتتم الدراسات والبحوث في هذا المجال الحيوي من قطاعات المجتمع نفسه، ولا يمكن للدول بحال أن تجد مثلَ أساتذة الجامعات في العلم والفقه والتصرف في الأمور، وبناء المجتمع، والتخطيط المستمر، وما إلى ذلك مما يحتاج إليه المجتمع. ولذلك يجب على الدعاة أن يقوموا بأعمال كبيرة مع أساتذة الجامعات، وهذا ما سأبينه في النقطة التالية في هذا العنصر، وهي: د- عمل الدعاة مع أساتذة الجامعات: بعد أن بينت مكانة أساتذة الجامعات في المجتمع، أود هنا أن أوجه كلمة للدعاة إلى الله ﵎ فأقول: إن رجال الجامعات -بحكم عملهم- ينتمون إلى العلم والفكر والبحث على أعلى المستويات، وإن للدعاة إلى الله معهم لعملًا جليلَ القدر، عظيمَ النفع، يتمثل فيما يلي: أ- إقناعهم بضرورة الانتماء إلى الإسلام، لا الاكتفاء بانتمائهم للعلم وحده، فإذا كان أساتذة الجامعات مؤمنين بدين ومبدأ، وينتمون إلى هذا الدين وذاك المبدأ، فإن إخلاصهم للعلم والعمل سيكون أكبر وأحسن، وإن تفانيهم في خدمة دينهم عن طريق العلم وفي خدمة أوطانهم وأمتهم الإسلامية كلها، ستكون أكثر إثراءً للعمل والإنتاج، وسوف يسهمون بذلك في تقدم ونهضة ملحوظين. وهذا هو أول أمر أوجه فيه الدعاة إلى الله من عمل مع أساتذة الجامعات، إن الانتماء إلى دين الإسلام أمر مهم للغاية بين أساتذة الجامعات، ولا أعني انتماء باللسان فقط، وإنما أعني بذلك الانتماء الحقيقي الفعل، المبني على طاعة الله وطاعة كتابه، واتباع وطاعة رسول الهُدى والرحمة -صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 236

ب- تنبيههم إلى أن أسلافنا من العلماء الأفذاذ هم الذين أقاموا صرح علم وحضارة، لم تكن البشرية قد وصلت إلى مستواها إلا على أيديهم، وأن هذا العلم وتلك الحضارة هي التي بنت عليها أوربا نهضتها الحديثة في مجال العلم والتقنية، إن المنصف من الأوربيين وأهل الحضارة الغربية بصورة عامة، يعلمون أنهم أقاموا حضارتهم اليوم على ما كان عند المسلمين في السابق، وهذا يدعو أهل الإسلام اليوم إلى أن يسعوا سعي آبائهم السابقين، وأن يخططوا تخطيط السابقين، وأن يتفوقوا على المجتمعات المعاصرة كلها اليوم، وهم أولى بذلك، ودينهم يدعو إلى هذا. وقد كان السابقون من المسلمين علماء في كل فن، وبرعوا في كل اتجاه نافع ومفيد، ودلالة ذلك واضحة من التاريخ. جـ- عقد الصلات الطيبة بهم، أعني: أن يعقد الدعاة إلى الله صلات طيبة مع أساتذة الجامعات، وأن يقتربوا منهم اقترابًا شديدًا، وأن يتعرفوا على أنشطتهم المتعددة العلمية وغير العلمية، التي يمارسونها في جامعاتهم، وفي أنديتهم، وملتقياتهم، ورحلاتهم، والعلة في ذلك أن يحرص الدعاة إلى الله إلى توجيه أساتذة الجامعات إلى النافع المفيد في هذه الأنشطة، وأن يتركوا ما لا فائدة منه، وأن يوجهوهم توجيهًا سليمًا عندما يذهبون إلى المنتديات أو يخرجون في رحلات، فلا يرتكبون منكرًا، ولا يقولون زورًا؛ بل عليهم أن يقوموا في ملتقياتهم كلها بمراقبة رب العزة والجلال .

стр. 237

د- المشاركة بالمحاضرات والندوات في مختلف الأنشطة الثقافية التي يمارسها أساتذة الجامعات في مختلف المناسبات، إن على الدعاة إلى الله ﵎ أن يشاركوا أساتذة الجامعات في المحاضرات والندوات التي تقام في الملتقيات والأنشطة الثقافية، وهذا يدعوني إلى أن أقول للدعاة: عليكم بإعداد أنفسكم إعدادًا جيدًّا؛ حتى تتمكنوا من مشاركة هؤلاء العلماء الأفذاذ في هذا المجتمع، كي ينهض الجميع بهذا المجتمع إلى ما يرضي رب العزة والجلال . دور المدرسة في تحقيق أهداف التربية الإسلامية "دور المدرسة في تحقيق أهداف التربية الإسلامية" ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية: أ- المقصود بالتربية: التربية: هي كل المؤثرات الموجه التي يُراد منها أن تصوغ كيان الإنسان، وتهدي سلوكه في كل نواحي الحياة، جسدية كانت، أم عاطفية، أم اجتماعية، أم فكرية، أم فنية، أم أخلاقية، أم روحية، فالتربية تشمل كل المنظمات والعوامل والأساليب والطرق التي تدخل في نطاق الفعاليات التهذيبية، التي تهذب سلوكَ أبناء المجتمع. هذا هو تعريف التربية باختصار. أنتقل بعد ذلك إلى نقطة مهمة للغاية، وهي بعنوان: ب- أهداف التربية الإسلامية: وعندما أتحدث عن أهداف التربية الإسلامية، أود أن أوجه أنظار المدرسين والمدرسات والدعاة إلى الله ﵎ أن يهتموا بها، وأن يعتنوا بها، وأن يوجهوا إليها الأساتذة والطلاب أيضًا. أهداف التربية الإسلامية كثيرة، أذكر منها: أولًا: إخلاص العبادة لله ﵎ وتثبيت أسس العقيدة الإسلامية: الله ﵎ يحدد مهمة وجود الخلق، فيقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: من الآية: ٥٦) وهذه العبادة لا تصرف إلا الله ﵎ وحدَه دون سواه، قال الله ﵎: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (النساء: من الآية: ٣٦) ووصف عبادَه الذين يمكنهم في الأرض بأنهم يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وقال جل ذكره: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: من الآية: ١١٠) وقال : ﴿أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (يوسف: ٤٠).

стр. 238

فالعبادة في مظهرها العام هي الترجمة العملية لمشاعر الفرد نحو خالقه، وخضوعه واستسلامها له، وهي التي تربط الفرد بمجتمعه؛ لأن العبادات كلها تهدف إلى تماسك المسلمين، وترابطهم واتحادهم في المنهج والمصير، ولا أعني أن العبادة قاصرة على مناسك التعبد المعروفة من صلاة وصيام وزكاة، وإنما هي أعمق من ذلك، إنها العبودية لله وحده، والتلقي من الله ﵎ في أمر الدنيا والآخرة، أو هي إسلام الوجه لله ﵎ في جميع مناحي الحياة، أن يسلم العبد وجهه لله بالكلية، فلا يعمل عملًا من أمور الدنيا إلا إذا قصد به وجه الله ﵎ وأدرك أن هذا العمل يحتاج إليه المجتمع المسلم، وينفعه ويفيده. فالعبودية لله تقتضي الخضوع الكامل لله وأن يتلقى العبد من ربه ومولاه، ثم هي صلة دائمة بالله ﵎ وهذه الصلة في الحقيقة هي منهج التربية كلها. والعبادة بهذا المعنى الواسع إنما قيمتها أن تكون منهج حياة، يشمل كل الحياة. وهذا الهدف الذي تسعى التربية على تأصله وتعميقه، هو هدف مستمد من طبيعة المجتمع المسلم وسماته، ذلك المجتمع الذي يقوم على إخلاص العبادة لله وحده، وتحرير الإنسان من عبادة غير الله، ذلك المجتمع القائم على حكم الله وشريعته، فلا يصدر المجتمع في أمر من أموره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والتنظيمية، إلا من منهج الله وشريعته، والاستسلام له، وهذا هو معنى لا إله إلا الله. وعلى الدعاة إلى الله ﵎ أن يعرفوا معناها، وأن يعملوا بمقتضاها، وأن يبينوها للأمة، وأن يعرفوا أن تثبيت أسس العقيدة الإسلامية هدف أصيل من أهداف التربية الإسلامية، يضعه الدعاة نصب أعينهم، ويعرفون به الأساتذة، ويدعون الأساتذة في سائر مجالات التعليم المختلفة إلى أن يعرفوا هذه

стр. 239

الأهداف، وأن يتمسكوا بها، وأن يبينوها للطلاب، وعلى رأس الأهداف -كما ذكرت- الهدف السامي النبيل، ألا وهو إخلاص العبادة لله ﵎. الهدف الثاني من أهداف التربية الإسلامية تربية الأخلاق: والأخلاق أيضًا من أسمى أهداف التربية الإسلامية الصحيحة، وقد وصف الله ﵎ نبينا ﵌ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ (القلم: ٤) وقال الرسول ﵊: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) وقال ﵌: ((إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقًا)) تأملوا فضيلة الخُلُق، وكيف أنه هدف نبيل من أهداف التربية الإسلامية. على الدعاة أن يعتنوا به، وكانت عناية المسلمين منصبة على دراسة العلوم الدينية، وأولها القرآن والحديث وغيرهما؛ لأنها أساس الأخلاق، وجماع الفضائل، وبها تتعمق المعاني الطيبة في النفوس، ونجد مثلًا عبد الملك بن مروان يحدد لمؤدب ولده الوسائلَ المؤدية لحسن الخلق، وكمال النفس، فيقول: علمهم الصدقة كما تعلمه القرآن، وجنبهم السفلة، فإنهم أسوأ الناس ورعًا، وأقلهم أدبًا، إلى آخر ما ذكر له من ذلك. ومن الأخلاق تتفرع الحكمة، وحسن التدبير، والفطنة لدقائق الأمور، وجودة الرأي والشجاعة، والكرم والشهامة، والمروءة وقوة الاحتمال، والثبات وكظم الغيط، والوقار، والعفة والحياء، والصبر والورع، والقناعة والعفو، وعزة النفس وقلة الطمع، وبالأخلاق الحسنة يتجنب الحمق والتهور، والتجبر والصرف والخوف والجزع، ودناءة النفس، وقبول المهانة، والذل والبخل، وغلظته في معاملة الناس، وإساءة الظن بهم، والحسد والمن والشماتة واستحقار الآخرين، وقد كان ﵌ من أحسن الناس خلقًا، قال الله ﵎ عنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: من الآية: ١٢٨).

стр. 240

لذلك لا بد من تدريس الأخلاق نظريًّا، وممارستها واقعيًّا، وعدم التهاون فيها، ومراقبة السلوك الحسن والخلق الحميد داخل المدارس والمؤسسات، وجميع مناشط الحياة، بل لا بد أن تختم المواد كلها هذا الهدف السامي، وتؤكده، ولا بد أن تسود المناشط التربوية كلها؛ لتعميق معانيه، وترسيخ أسسه، وعلى الدعاة أن يهتموا بذلك غاية الاهتمام. ثالثًا: نشر العلم والثقافة: نشر العلم والثقافة من أهداف التربية الإسلامية، والملاحظ أن المجتمعات الإنسانية كلها في الشرق والغرب، تتخذ نشرَ الثقافة ونقلها بين الأجيال هدفًا أساسيًّا في نظامها التربوي، والإسلام دعا أول ما دعا إلى جعل التعليم فريضة على كل مسلم رجلًا كان أو امرأة، فالتعليم كما هو هدف فهو وسيلة إلى الهدفين السابقين - أعني: إخلاص العبادة لله، وتربية الأخلاق- لا شك أن هذا الهدف السامي النبيل ألا وهو نشر العلم والثقافة هدف نبيل أيضًا، ووسيلة إلى تحقيق الهدفين السابقين، ووسيلة أيضًا لفهم الحقائق الاجتماعية والسياسية والروحية. فقد كانت الأمة الإسلامية كلها أول الأمر في مدرسة واحدة، هي مدرسة محمد -صلوات الله وسلامه عليه- التي كانت تعلم وتثقف، وترسل الدعاة والمعلمين، وتفتدى الأسرى إذا ساهموا في نشر التعليم، ويحث المتعلمين على القيام بواجب التعليم والتثقيف، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم؛ لعلهم يحذرون، وقال الرسول -صلى الله عليه وآله سلم- لمعاذ: ((لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النَّعم)). والقرآن يحث على طلب العلم والسعي في سبيله، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) وقال ﵎: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣)

стр. 241

وقد ورد عن الرسول ﵌: ((من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا إلى الجنة)) وقال: ((إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؛ رضا بما يصنع)) وكلنا نعلم مكانة العلماء، فهم الذين يحققون أسبابَ وجودهم في الحياة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨) وقال -جل ذكره-: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١). وقد ذكر الله العلماء بعده وبعد الملائكة؛ تشريفًا وإجلالًا، فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١٨) والعلماء هم ورثة الأنبياء، يستغفر لهم ما في السموات والأرض، وتشتغل الملائكة بالاستغفار لهم، وهم مفضلون على العباد. وفي الآثار قال أبو الأسود الدؤلي: ليس بشيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك. رابعًا: من أهداف التربية الإسلامية العمل، والحث عليه: إن احترام العمل والتشجيع على ممارسته من أهم أهداف التربية الإسلامية ومقوماتها، فقد كان الرسول ﵊ يدفع أصحابه للعمل، ويحثهم عليه، ويخبرُ بأن الله يحب اليد العاملة: ((ولئن يأخذ المسلم حبله فيحتطب، خيرًا له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه)) والتدريب على العمل المهني لا بد من ربطه ببناء العقول والأخلاق: ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه)). ومن أهم ثمار الأهداف السابقة احترام العمل وإتقانه؛ لارتباط ذلك بالتقوى وخشية الله ومراقبته، وبالأمانة وتقدير المسئولية، لذا فلا بد من أن يتضمن المنهج إلى جانب الناحية النظرية فيه، برامج تكليفية في أيام من السنة أو أشهر الصيف؛

стр. 242

لممارسة وتعلم مهنة صناعية أو زراعية أو تجارية، وعلى الدعاة إلى الله ﵎ أن يعتنوا بهذا الجانب في المدرسة، وأن يوجهوا إلى ذلك المسئولين فيها والإداريين، وأن يعتنوا بصورة خاصة بالمدرسين والمدرسات. جـ- أهمية دراسة علوم التربية الإسلامية: وأنا أتحدث هنا عن المدرسة وأهميتها في الدعوة والتربية، أرى - لزامًا عليَّ- أن ألفت النظر إلى دراسة وأهمية دراسة علوم التربية الإسلامية، وأدعو الدعاة إلى الله ﵎ أن يعرفوا ذلك، وأن يبينوه لغيرهم. وأهمية دراسات علوم الإسلامية تكمن في أن علوم التربية الإسلامية توجه الطالب نحو معرفة دين الإسلام، فهو الشريعة التي ارتضاه الله ﵎ لخلقه، فإن عملوا به واتبعوا ما جاء فيها نالوا السعادة الدنيوية والأخروية، وإن تركوها وراء ظهورهم ولم يعملوا بها، أدركهم الشقاء في الدنيا، وأدركهم كذلك العقاب الشديد في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٣). وأيضًا علوم التربية الإسلامية تغرس في الطالب العقائد الصحيحة، فيعلم أن الله تعالى خالقه ورازقه، وهو المنعم المتفضل عليه، ويؤمن بأن الرب هو المتفرد بالخلق والملك والتدبير، ويؤمن أيضًا بأن الله تعالى هو المعبود المستحق للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: ٦) ويؤمنوا بكل ما ورد في القرآن الكريم والحديث الصحيح من صفات الله تعالى التي وصف نفسه بها، ووصفه بها رسوله ﵌ على الحقيقة، من غير تأويل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، ويؤمن بأركان الإيمان، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. ودراسة علوم التربية الإسلامية أيضًا تصون فطرة الولد من الزيغ والانحراف، حيث يُولد على الفطرة النقية الصافية وهي الإسلام، قال الله تعالى مبينا

стр. 243

ذلك: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٣٠) وقال ﵌: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)). وهذه الفطرة التي زودها الله تعالى لخلقه هي براءة المولود وسلامته واستعداده للتوحيد والإسلام، ومعرفة الله تعالى، وأن يكون مؤهلًا لقبول الحق. وأيضًا من أهمية دراسة علوم التربية الإسلامية أنها تكسب الطالب الأخلاقَ الحميدة، والسجايا الرفيعة، والفضائل الكريمة، التي تمكنه من إقامة العلاقات الحسنة مع كافة الناس، بالأخلاق الحسنة تقوي صلة الطالب بربه ﵎ والتربية الإسلامية هي التي تكسب الطالب ذلك، ولهذا على الدعاة أن يهتموا غاية الاهتمام بهذا الأمر، حيث يرى علماء الإسلام أهميةَ تدريس علوم التربية الإسلامية للناشئ وضرورتها وفرضيتها؛ لأنه العلم العيني الفرضي الذي يجب على المسلم معرفته، والتفقه فيه. وقد قال رسول الله ﵌: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) وبدون علوم التربية الإسلامية يصبح الإنسان ميتًا لا حياةَ فيه، أو جسدًا لا روحَ فيه، وقد ذكر العلماء من ضمن قواعدهم: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". وعلى هذا الأساس أدعو إلى الاهتمام بتدريس علوم التربية الإسلامية، وأدعو الدعاة إلى الله ﵎ أن يكونوا على علم وبصيرة بهذا الأمر، وأن يزيلوا الجهل عن الطالب، وأن يعلموه النافع المفيد. وعمومًا أدعو جميعَ المسئولين في التربية والتعليم إلى إخلاص القصد لرب العزة والجلال سبحانه، وأن يضعوا نصبَ أعينهم فائدة هؤلاء الطلاب، وأن هؤلاء الطلاب هم سواعد الأمة، عليهم بعد الله تقوم. أسأل الله ﵎ للجميع التوفيق والسداد، وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 244

الدرس: ٨ أهم ميادين الدعوة والإعلام الإسلامي .

стр. 245

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (أهم ميادين الدعوة والإعلام الإسلامي) ١ - من أهم ميادين الدعوة إلى الله "وسائل الإعلام" مقدمات في الإعلام الحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد: فأرحب بكم أيها الأخوة الكرام، في بداية المحاضرة الخامسة عشرة في سلسلة محاضرات مادة: أصول الدعوة وطرقها، وعنوان هذه المحاضرة من أهم ميادين الدعوة إلى الله: وسائل الإعلام. وتشتمل على عدة عناصر؛ العنصر الأول: بعنوان مقدمات في الإعلام ويشتمل على النقاط التالية: أ- تعريف الإعلام الإسلامي: الإعلام الإسلامي: هو تزويد الجماهير بصفة عامة بحقائق الدين الإسلامي، المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﵌ بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، من خلال وسيلة إعلامية دينية متخصصة، أو عامة، وبواسطة قائم بالاتصال لديه خلفية واسعة ومتعمقة في موضوع الرسالة التي يتناولها؛ وذلك بغية تكوين رأي عامٍّ صائبٍّ، يعي الحقائق الدينية، ويدركها، ويتأثر بها في معتقداته وعباداته ومعاملاته. والمفروض أن الإعلام يقوم على الوضوح والصراحة، ودقة الأخبار مع ذكر مصادرها، كما أنه يشترط الالتزام بمعايير الصدق والأمانة، فالإعلام: هو تزويد الجماهير بأكبر قدر ممكن من المعلومات الصحيحة، والحقائق الواضحة، التي يمكن التثبت من صحتها أو دقتها بالنسبة للمصدر الذي تنبع منه، أو تنتسب إليه. وبقدر ما في الإعلام من حقائق صحيحة، ومعلومات دقيقة، منبثقة من مصادر أمينة؛ بقدر ما يكون هذا الإعلام سليمًا وقويًّا؛ لذلك نجد أن الصحف والإذاعاتِ، وغيرها من أجهزة الإعلام، تحرص دائمًا على ذكر المصادر التي استقت منها الأخبار، مثل وكالات الأنباء أو غيرها من المصادر؛ حتى يكون الجمهور على بينة من الأمر.

стр. 246

ب- الإعلام قديم قدم الإنسان: لقد عرف الإعلام إلى كل البيئات، واحتل مكانه في كل العصور، ذلك أن مطالب الإنسان لا تقتصر على تزويده بالحاجات المادية: كالطعام والشراب والمأوى، ولكنها تتعدى ذلك إلى رغبته في الاتصال بأمثاله من ذوي البشر، وتعتبر هذه الرغبة في الاتصال، من المطالب الأساسية التي أصبحت ضرورة حيوية للحفاظ على الجنس البشري. والإعلام لم يكن وليد عصر من العصور أو حضارة من الحضارات؛ فلا يوجد مجتمع من المجتمعات مهما تفاوتت درجة تقدُّمه أو تخلُّفه، كما لا يوجد زمن من الأزمنة قديمًا كان أو حديثًا أو وسيطًا، إلا واحتل الإعلام مكانة فيه ذلك لأن الإنسان بطبيعته لا يستطيع الاكتفاء بأخباره الشخصية فقط، أو أخبار المجتمع المحدود الذي يحيا بداخله: كمجتمع القرية أو القبيلة أو الأسرة؛ ذلك أنه من الصعب أن تسير الحياة دون أن يتصل الناس بعضهم ببعض. وقد كان الإنسان في المناطق النائية -كما كان العربي في الصحراء على سبيل المثال- يعرف بخبرته وتجاربه الضيقة مواضع الكلأِ، ومنابع المياه، ومطالع النجوم الذي يهتدي بها السائرون في البر والبحر، كما يعرف -بطريقة بدائية أيضًا- أخبار القبائل المجاورة من قبيلته، وطبيعة هذه القبائل، وعاداتها وتقاليدها، ونوع العلاقات التي بينها وبين القبائل المجاورة، وكانت لديه معلومات حصل عليها بهذه الوسيلة، وتركزت أهم وظائف الإعلام في ذلك الوقت، في تبليغ المنشورات والأوامر التي كانت يصدرها الحاكم أو السلطان، كما كانت الدعوة العامة إلى الجهاد إحدى الوظائف الأساسية للإعلام في ذلك الحين. وهكذا عرفت المجتمعات البدائية الإعلام بأساليبه البسيطة الأولى، وكان الإنسان يمارس الإعلام بطرق فطرية لم يبذل فيها مجهودًا كبيرًا: كالحفر على الأحجار

стр. 247

والأشجار، والمناداة في الطرق أو من أعلى الجبال والتلال، وعلى ظهر الدواب أو من أعلى المآذن والمنابر. والفرق بين الإعلام في العصور التي أشرت إليها الآن، والإعلام في العصر الحديث: هو ما استحدثته المدنية من مخترعات غيرت شكل العمل الإعلامي، وجعلت الحكومات توليه من الاهتمام ما لا يقل عن اهتمامها بأهم المرافق الأخرى في الدولة: كمرفق الصحة، أو المواصلات، أو الجيش، أو غير ذلك، ووضعت من الخطط ورصدت له من الإمكانيات ما يتناسب مع أهميته، وأصبح الإعلام علمًا له نظريات ونظمه، وارتقى إلى مستوى العلوم الحديثة: كالطب، والهندسة؛ بل إن الإعلام في العصر الحاضر أصبح ملزَمًا بأن يسبق ويواكب ويلحق بأي مشروع تنوي الدولة القيام به؛ يهدف إقناع المواطنين بجدوى هذا المشروع؛ حتى يتم له النجاح المأمول. وأصبحت كلمة "إعلام" في هذه الأيام كلمة شائعة ومألوفة يرددها الكثيرون. وهكذا أصبح للإعلام قوة تأثير في العصر الحديث، وغدت مختلف الحكومات تضعه في اعتبارها دائمًا، وأصبح الإنسان في كل يوم وفي كل مكان: سواء في العمل أو في المنزل أو في الشارع أو في النادي، يعتمد على وسائل الإعلام كمصادر رئيسية للحصول على معلوماته. جـ- أهداف الإعلام: : إن الهدف من الإعلام، هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والحقائق الثابتة، التي تساعدهم على تكوين رأيٍ صائب في واقعة من الوقائع أو مشكلة من المشكلات؛ بحيث يعبر هذا الرأي تعبيرًا موضوعيًّا عن عقلية الجماهير وميولهم واتجاهاتهم.

стр. 248

وهذا يعني: أن الغاية الوحيدة من الإعلام هي توسيع مدارك الجماهير، عن طريق تزويدهم بالمعارف، وإقناعهم بأن يسلكوا سلوكًا معينًا، ولا يتم إقناع الجمهور بالرسالة الإعلامية إلا بتزويده بالمعلومات والحقائق والأرقام والإحصاءات وغير ذلك. ويشترط لتقديم الأرقام والإحصاءات أن تكون كاملة غير منقوصة، أي أن التحريف أو العبث في الأرقام والإحصاءات والحقائق والمعلومات لا يخدم أهداف الإعلام، ولكنه يحقق أهداف المغرضين، الذين يقومون بهذا الزيف أو العبث؛ لغاية في نفوسهم، على حين أن رجل الإعلام -بالمعنى الصحيح- يجب أن يقدم الأرقام الصحيحة والإحصاءات الدقيقة في الموضوع الذي يريد أن ينقله إلى الآخرين. فالهدف من الإعلام إذًا: هو توصيل فكرة معينة إلى المرسل إليه، وهو إما فرد أو جماعة أو شعب، وهذا -أعتقد أنه- واضح غاية الوضوح، ولا بد من التأكيد على ذكر هذه الأهداف في الإعلام؛ حتى يتنبه المشتغلون بالإعلام إليها، وحتى يكون الإعلام سليمًا صادقًا صحيحًا دقيقًا، لا يقدم معلومات كاذبة ولا يقدم أهواء عند بعض الناس يريدون أن ينشروها، وما إلى ذلك مما نشاهد بعضه في العصر الحاضر. د- مكانة الإعلام في الإسلام: وهذه نقطة مهمة؛ لأن حديثنا يدور ويتعلق بالإسلام، ونحن نتحدث عن ميادين الدعوة الإسلامية، وعن الإعلام كوسيلة من وسائل تبليغ دعوة الله ﵎ إلى الناس، وما ذكرته آنفًا من مقدمات، يخدم ما أود أن أشير إليه في هذه النقطة؛ فمكانة الإعلام في الإسلام مهمة للغاية، فعلى الرغم من أن الإعلام

стр. 249

بأجهزته ووسائله ونظرياته وتقنياته الحديثة كان غير معروف وقت نزول الوحي على صاحب الرسالة ﵌ إلا أنه بتطبيق المقاييس العلمية الحالية على الدور الملقى على عاتق الدعوة الإسلامية. نستطيع أن نقول: إن الإعلام كان -ولا يزال- أداة هذا الدين ودعامته الرئيسية، ولم نتجاوز الحقيقة -إذا سمينا الأشياء بمسمياتها الصحيحة- حين أقول: إن الدين الإسلامي دين دعوة، والدعوة عمل إعلامي، بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى في أذهان أساتذة وخبراء الإعلام والاتصال بالجماهير؛ ذلك أن الدعوة ما هي إلا عمل إعلامي، يخاطب العقل ويستند إلى المنطق والبرهان، ويعمل على الكشف عن الحقيقة. وإذا استعرضنا التعريف العلمي للإعلام؛ نجد أنه يكاد يكون متطابقًا مع مفهوم الدعوة بمعناها الأصيل: فالإعلام هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة، والمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة؛ بهدف تكوين رأي عام صائب في واقعة من الوقائع، أو حادثة من الحوادث، أو مشكلة من المشكلات. ولكي تتضح لنا مكانة الإعلام في الدين الإسلامي؛ فإننا لن نذهب بعيدًا لنؤكد هذه الحقيقة، ولكنها ستبرز لنا من خلال استعراضنا للحقائق الإعلامية الحديثة والحقائق الدينية الثابتة، التي تؤكد المكانة المرموقة والأهمية البارزة للعمل الإعلامي في الإسلام، وذلك بشيء من التفصيل ويمكن ذكر ذلك والإشارة إليه في الحقائق التالية: أولًا: الحياة الإعلامية الحافلة، التي عاشها رسول الإسلام محمد بن عبد الله ﵌ والداعي الأول لهذا الدين، قد حقق منجزات مذهلة في حقل الدعوة الإسلامية؛ وذلك استجابة لنداء ربه، وتحقيقًا للمهمة التي كلفه به، وقد أنجز الرسول ﵌ في عشرين عامًا من حياته، ما عجزت عن إنجازه قرون من جهود غيره.

стр. 250

وعلى الرغم من أنه كان أمام الرسول ﵌ تراث أجيال من الوثنية، والجهل والخرافات، واضطهاد الضعفاء، وكثرة الحروب بين القبائل، ومئات من الشرور الأخرى، إلا أنه استطاع ﵊ بحياته الدعوية والإعلامية، أن يوصل دين الله ﵎ إلى عدد كبير من الناس، وأن يحمل أتباعه هذا الدين؛ كي يبلغوه إلى الناس ولم يُقْبَضْ ﵌ إلا وقد وصل صوته إلى آفاق بعيدة من العالم، وقد أرسل في ذلك رسلًا وكتبًا، ووقف في مواقف متعددة يدعو الناس إلى رب العزة والجلال . والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف أنجز الرسول ﵌ كل هذا في هذا الزمن القياسي؟! ويجيبنا القرآن الكريم على هذا السؤال من واقع المهمة التي كلفه الله بها -وهي مهمة إعلامية بالدرجة الأولى- فقد حدد الله له هذه المهمة في كلمات دقيقة واضحة لا تحتمل لبسًا أو غموضًا وذلك في عديدٍ من الآيات الكريمة، كما قال تعالى -مثلًا- في سور الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب: من الآية: ٤٥ - ٤٦) وتؤكد هذه الآية أن الرسول ﵌ كان داعيًا للإسلام؛ فالدعوة إلى دين الله كانت مهمته الرئيسية التي كلفه ربه بها. ويحدد الله مهمة الرسول ﵌ في سورة المائدة، في قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (المائدة: من الآية: ٩٢) والبلاغ هنا: هو الأخبار أو الإعلام برسالة الحق -جل وعلا- وقد قال الله في نفس السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: من الآية: ٦٧). ويتضح لنا من هذه الآيات، أن مهمة الرسول ﵌ هنا، قاصرة على إعلام الناس بالرسالة التي كلفه بها ربه، ثم هو -بعد ذلك- غير مكلف بشيء أكثر من
следующие страницы →