← Общие книги

Общие книги · id 10369

أصول الدعوة وطرقها 4 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (490 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ب- الإعلام قديم قدم الإنسان: لقد عرف الإعلام إلى كل البيئات، واحتل مكانه في كل العصور، ذلك أن مطالب الإنسان لا تقتصر على تزويده بالحاجات المادية: كالطعام والشراب والمأوى، ولكنها تتعدى ذلك إلى رغبته في الاتصال بأمثاله من ذوي البشر، وتعتبر هذه الرغبة في الاتصال، من المطالب الأساسية التي أصبحت ضرورة حيوية للحفاظ على الجنس البشري. والإعلام لم يكن وليد عصر من العصور أو حضارة من الحضارات؛ فلا يوجد مجتمع من المجتمعات مهما تفاوتت درجة تقدُّمه أو تخلُّفه، كما لا يوجد زمن من الأزمنة قديمًا كان أو حديثًا أو وسيطًا، إلا واحتل الإعلام مكانة فيه ذلك لأن الإنسان بطبيعته لا يستطيع الاكتفاء بأخباره الشخصية فقط، أو أخبار المجتمع المحدود الذي يحيا بداخله: كمجتمع القرية أو القبيلة أو الأسرة؛ ذلك أنه من الصعب أن تسير الحياة دون أن يتصل الناس بعضهم ببعض. وقد كان الإنسان في المناطق النائية -كما كان العربي في الصحراء على سبيل المثال- يعرف بخبرته وتجاربه الضيقة مواضع الكلأِ، ومنابع المياه، ومطالع النجوم الذي يهتدي بها السائرون في البر والبحر، كما يعرف -بطريقة بدائية أيضًا- أخبار القبائل المجاورة من قبيلته، وطبيعة هذه القبائل، وعاداتها وتقاليدها، ونوع العلاقات التي بينها وبين القبائل المجاورة، وكانت لديه معلومات حصل عليها بهذه الوسيلة، وتركزت أهم وظائف الإعلام في ذلك الوقت، في تبليغ المنشورات والأوامر التي كانت يصدرها الحاكم أو السلطان، كما كانت الدعوة العامة إلى الجهاد إحدى الوظائف الأساسية للإعلام في ذلك الحين. وهكذا عرفت المجتمعات البدائية الإعلام بأساليبه البسيطة الأولى، وكان الإنسان يمارس الإعلام بطرق فطرية لم يبذل فيها مجهودًا كبيرًا: كالحفر على الأحجار

стр. 247

والأشجار، والمناداة في الطرق أو من أعلى الجبال والتلال، وعلى ظهر الدواب أو من أعلى المآذن والمنابر. والفرق بين الإعلام في العصور التي أشرت إليها الآن، والإعلام في العصر الحديث: هو ما استحدثته المدنية من مخترعات غيرت شكل العمل الإعلامي، وجعلت الحكومات توليه من الاهتمام ما لا يقل عن اهتمامها بأهم المرافق الأخرى في الدولة: كمرفق الصحة، أو المواصلات، أو الجيش، أو غير ذلك، ووضعت من الخطط ورصدت له من الإمكانيات ما يتناسب مع أهميته، وأصبح الإعلام علمًا له نظريات ونظمه، وارتقى إلى مستوى العلوم الحديثة: كالطب، والهندسة؛ بل إن الإعلام في العصر الحاضر أصبح ملزَمًا بأن يسبق ويواكب ويلحق بأي مشروع تنوي الدولة القيام به؛ يهدف إقناع المواطنين بجدوى هذا المشروع؛ حتى يتم له النجاح المأمول. وأصبحت كلمة "إعلام" في هذه الأيام كلمة شائعة ومألوفة يرددها الكثيرون. وهكذا أصبح للإعلام قوة تأثير في العصر الحديث، وغدت مختلف الحكومات تضعه في اعتبارها دائمًا، وأصبح الإنسان في كل يوم وفي كل مكان: سواء في العمل أو في المنزل أو في الشارع أو في النادي، يعتمد على وسائل الإعلام كمصادر رئيسية للحصول على معلوماته. جـ- أهداف الإعلام: : إن الهدف من الإعلام، هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والحقائق الثابتة، التي تساعدهم على تكوين رأيٍ صائب في واقعة من الوقائع أو مشكلة من المشكلات؛ بحيث يعبر هذا الرأي تعبيرًا موضوعيًّا عن عقلية الجماهير وميولهم واتجاهاتهم.

стр. 248

وهذا يعني: أن الغاية الوحيدة من الإعلام هي توسيع مدارك الجماهير، عن طريق تزويدهم بالمعارف، وإقناعهم بأن يسلكوا سلوكًا معينًا، ولا يتم إقناع الجمهور بالرسالة الإعلامية إلا بتزويده بالمعلومات والحقائق والأرقام والإحصاءات وغير ذلك. ويشترط لتقديم الأرقام والإحصاءات أن تكون كاملة غير منقوصة، أي أن التحريف أو العبث في الأرقام والإحصاءات والحقائق والمعلومات لا يخدم أهداف الإعلام، ولكنه يحقق أهداف المغرضين، الذين يقومون بهذا الزيف أو العبث؛ لغاية في نفوسهم، على حين أن رجل الإعلام -بالمعنى الصحيح- يجب أن يقدم الأرقام الصحيحة والإحصاءات الدقيقة في الموضوع الذي يريد أن ينقله إلى الآخرين. فالهدف من الإعلام إذًا: هو توصيل فكرة معينة إلى المرسل إليه، وهو إما فرد أو جماعة أو شعب، وهذا -أعتقد أنه- واضح غاية الوضوح، ولا بد من التأكيد على ذكر هذه الأهداف في الإعلام؛ حتى يتنبه المشتغلون بالإعلام إليها، وحتى يكون الإعلام سليمًا صادقًا صحيحًا دقيقًا، لا يقدم معلومات كاذبة ولا يقدم أهواء عند بعض الناس يريدون أن ينشروها، وما إلى ذلك مما نشاهد بعضه في العصر الحاضر. د- مكانة الإعلام في الإسلام: وهذه نقطة مهمة؛ لأن حديثنا يدور ويتعلق بالإسلام، ونحن نتحدث عن ميادين الدعوة الإسلامية، وعن الإعلام كوسيلة من وسائل تبليغ دعوة الله ﵎ إلى الناس، وما ذكرته آنفًا من مقدمات، يخدم ما أود أن أشير إليه في هذه النقطة؛ فمكانة الإعلام في الإسلام مهمة للغاية، فعلى الرغم من أن الإعلام

стр. 249

بأجهزته ووسائله ونظرياته وتقنياته الحديثة كان غير معروف وقت نزول الوحي على صاحب الرسالة ﵌ إلا أنه بتطبيق المقاييس العلمية الحالية على الدور الملقى على عاتق الدعوة الإسلامية. نستطيع أن نقول: إن الإعلام كان -ولا يزال- أداة هذا الدين ودعامته الرئيسية، ولم نتجاوز الحقيقة -إذا سمينا الأشياء بمسمياتها الصحيحة- حين أقول: إن الدين الإسلامي دين دعوة، والدعوة عمل إعلامي، بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى في أذهان أساتذة وخبراء الإعلام والاتصال بالجماهير؛ ذلك أن الدعوة ما هي إلا عمل إعلامي، يخاطب العقل ويستند إلى المنطق والبرهان، ويعمل على الكشف عن الحقيقة. وإذا استعرضنا التعريف العلمي للإعلام؛ نجد أنه يكاد يكون متطابقًا مع مفهوم الدعوة بمعناها الأصيل: فالإعلام هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة، والمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة؛ بهدف تكوين رأي عام صائب في واقعة من الوقائع، أو حادثة من الحوادث، أو مشكلة من المشكلات. ولكي تتضح لنا مكانة الإعلام في الدين الإسلامي؛ فإننا لن نذهب بعيدًا لنؤكد هذه الحقيقة، ولكنها ستبرز لنا من خلال استعراضنا للحقائق الإعلامية الحديثة والحقائق الدينية الثابتة، التي تؤكد المكانة المرموقة والأهمية البارزة للعمل الإعلامي في الإسلام، وذلك بشيء من التفصيل ويمكن ذكر ذلك والإشارة إليه في الحقائق التالية: أولًا: الحياة الإعلامية الحافلة، التي عاشها رسول الإسلام محمد بن عبد الله ﵌ والداعي الأول لهذا الدين، قد حقق منجزات مذهلة في حقل الدعوة الإسلامية؛ وذلك استجابة لنداء ربه، وتحقيقًا للمهمة التي كلفه به، وقد أنجز الرسول ﵌ في عشرين عامًا من حياته، ما عجزت عن إنجازه قرون من جهود غيره.

стр. 250

وعلى الرغم من أنه كان أمام الرسول ﵌ تراث أجيال من الوثنية، والجهل والخرافات، واضطهاد الضعفاء، وكثرة الحروب بين القبائل، ومئات من الشرور الأخرى، إلا أنه استطاع ﵊ بحياته الدعوية والإعلامية، أن يوصل دين الله ﵎ إلى عدد كبير من الناس، وأن يحمل أتباعه هذا الدين؛ كي يبلغوه إلى الناس ولم يُقْبَضْ ﵌ إلا وقد وصل صوته إلى آفاق بعيدة من العالم، وقد أرسل في ذلك رسلًا وكتبًا، ووقف في مواقف متعددة يدعو الناس إلى رب العزة والجلال . والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف أنجز الرسول ﵌ كل هذا في هذا الزمن القياسي؟! ويجيبنا القرآن الكريم على هذا السؤال من واقع المهمة التي كلفه الله بها -وهي مهمة إعلامية بالدرجة الأولى- فقد حدد الله له هذه المهمة في كلمات دقيقة واضحة لا تحتمل لبسًا أو غموضًا وذلك في عديدٍ من الآيات الكريمة، كما قال تعالى -مثلًا- في سور الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب: من الآية: ٤٥ - ٤٦) وتؤكد هذه الآية أن الرسول ﵌ كان داعيًا للإسلام؛ فالدعوة إلى دين الله كانت مهمته الرئيسية التي كلفه ربه بها. ويحدد الله مهمة الرسول ﵌ في سورة المائدة، في قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (المائدة: من الآية: ٩٢) والبلاغ هنا: هو الأخبار أو الإعلام برسالة الحق -جل وعلا- وقد قال الله في نفس السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: من الآية: ٦٧). ويتضح لنا من هذه الآيات، أن مهمة الرسول ﵌ هنا، قاصرة على إعلام الناس بالرسالة التي كلفه بها ربه، ثم هو -بعد ذلك- غير مكلف بشيء أكثر من

стр. 251

هذا، وغير مسئول عن هدايتهم، ولم يطلب منه ربه فرض دعوته على الغير، ويؤكد ذلك قول الحق ﵎: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: من الآية: ٥٦). أي أن مهمة رسول الله ﵌ مركزة في التبليغ والدعوة فقط، قال الله له: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٧٢) وقال -جل وعلا- في سورة الرعد: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (الرعد: من الآية: ٤٠) وفي سورة: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ (الشورى: من الآية: ٢٧٢). فهل بعد استعراضنا للآيات الكريمة، نستطيع أن نجادل في أن المهمة التي حملها الرسول ﵌ على عاتقه، كانت مهمة إعلامية بالدرجة الأولى، تقوم على الإقناع وليس على الإكراه، تعتمد على الكلمة الطيبة والدعوة بالحسنى. ثانيًا: تتأكد لنا المكانة السامية التي يتبوؤها العمل الإعلامي في الإسلام أيضًا؛ إذا أدركنا أن المهمة الإعلامية لم تكن قاصرة على صاحب الرسالة وحده ﵌ أو على الدعاة المتخصصين والمتفرغين لشئون الدعوة الإسلامية فقط؛ ولكن هذه المهمة تمتد لتشمل المسلمين جميعًا؛ ذلك: أن الله قد كلف بها كل مسلم عاقل؛ والمقصود بالدعوة إلى الله: الدعوة إلى دينه وإبلاغ رسالته إلى الناس. إن المهمة الإعلامية هي التي ميز الله بها أمة الإسلام على سائر الأمم الأخرى، وذلك انطلاقًا من قول الله في سورة آل عمران: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١١٠) ولن يتأتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا حينما يأخذ كل مسلم على عاتقه أداء المهمة الإعلامية التي كلفه بها ربه، والتي تتمثل في الدعوة إلى الله، والتي فضل الله بها الذين يتصدرون لها وميزهم وقربهم إليه عمن سواهم، وفي ذلك يقول سبحانه

стр. 252

في سورة فصلت: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: من الآية: ٣٣ - ٣٥). الأمر الثالث -الذي يبين مكانة الإعلام في الإسلام- هو: أن التقصير في الدعوة إلى الله من قبل أي مسلم عاقل، أو بعبارة أخرى: إن التقصير في تحمل المسئولية الإعلامية الإسلامية؛ يعني عدم الامتثال لأوامر الله ﵎ وهذا ينذر بغضب من الله وبسوء العاقبة لأصحابه: قال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: من الآية: ١٥٩، ١٦٠). ويظهر من هذا أن المسئولية الإعلامية في الإسلام تلقي على كاهل كل مسلم ضرورة أن يتفقه في أمر دينه، وتدفعه إلى البحث والدرس؛ لمعرفة ما لم يكن يعرفه، فإذا كان مطلوبًا منه أن يدعو إلى دين ربه؛ فإن عليه أن يسعى إلى معرفة أصول وأحكام هذا الدين، بقدر ما تسمح له بذلك قدراته وإمكاناته؛ حتى لا يقع في ما لا يحمد عقباه. رابعًا: وهي الحقيقة الرابعة، التي تؤكد مكانة الإعلام في الإسلام وأهميته وهي تتمثل في تكريم الله للعلماء، والتأكيد على أنهم يتمتعون بمنزلة أرفع من منزلة غيرهم من المسلمين العاديين ذلك أن الله -جل شأنه- قد كرم العلماء ورفع منزلتهم؛ لأنهم ورثة الأنبياء في الدعوة إلى دينه وهداية الناس إلى طريق الخير.

стр. 253

هـ- من أبرز خصائص الإعلام الإسلامي ومميزاته: للإعلام الإسلامي خصائص كثيرة، من أبرزها: أن الإعلام الإسلامي يعمل في مجال العقيدة بالدرجة الأولى، وهذا يختلف عن مجال الأخبار والمعلومات، التي قد تتفوق فيه وسائل الاتصال الجماهيرية، ذلك: أن هذا المجال يتطلب المواجهة المباشرة بين المرسل والمستقبل؛ بما لا يسمح للمستقبل بتجاهل هذا المرسل الذي أمامه، وقد مارس الرسول ﵌ الاتصال الشخصي، بل إن الاتصال الشخصي هو أول خطوة من خطوات العمل الإعلامي الكبير، الذي قام به والتزم به رسول الهدى والرحمة ﵌ إلى أن توفاه الله ﵎. وكان في ممارسته لهذه الوسيلة لا يفرق بين غني وفقير، أو أبيض وأسود، أو قوي وضعيف، ومن أبرز الشواهد على اهتمام الرسول ﵌ بهذه الوسيلة واعتماده عليها واهتمامه بها ما يلي: الاتصالات التي كان يجريها مع أصدقاءه وخلصائه وأفراد أسرته، في مراحل الدعوة الأولى، والرسل الذين بعث بهم إلى الملوك والأباطرة، في الممالك المجاورة بعد عودتهم من صلح الحديبية في العام السادس الهجري، حاملين معهم رسائله وتعليماته إلى هؤلاء الملوك؛ يدعونهم فيها للإسلام، وأيضًا لقاءاته الشخصية ﵌ مع أفراد القبائل التي تفد إلى مكة في مختلف المواسم، وأشهرها لقاءه مع طائفة من أهل الخزرج في يثرب، حيث تمت على إثر هذه المقابلة البيعة الأولى، والتي كانت مقدمة لهجرته إلى المدينة فيما بعد. ولا أنسى هنا أن أشير إلى رحلته الشهيرة إلى الطائف، لعله يجد هناك من يستجيب لدعوته من أهل ثقيف -سادة القوم هناك- ولكنه ﵌ عانى من عنت هؤلاء

стр. 254

القوم، وصدهم عن دعوته، واضطهادهم له، معاناة شديدة، وكان الهدف من وراء كل ما فعل ﵌ هو نشر العقيدة الصحيحة. الخاصية الثانية من خصائص الإعلام الإسلامي: القدوة الحسنة: القدوة الحسنة طريق يجب أن يسلكه من يتصدى للإعلام الإسلامي في أي موقع؛ حتى لا تأتي أفعاله متناقضة مع أقواله، قال الله ﵎ محذرًا من ذلك: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ (البقرة: من الآية: ٤٤) وإذا تعود وتزود دعاة الإسلام بهذه الصفة؛ فإنهم سيحققون الكثير ويختصرون الطريق ويوفرون على أنفسهم جهودًا كبيرة يمكن أن تضيع إذا فقد الداعي المسلم هذه الصفة، ذلك أن رجل الإعلام الديني أو الداعي المسلم في نظر الجماهير يمثل الدين، وعلى دعاة الإسلام أن يدركوا هذه الحقيقة. فإلى جانب المواصفات اللازمة لخلق رجل الإعلام بصفة عامة، فإنه لابد أن يتصف رجل الإعلام الإسلامي -إضافة إلى ذلك- بصفات خاصة تجعله قدوة حسنة لجماهيره، وقد قال رب العزة والجلال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: من الآية: ٢ - ٣) وهذا يشير إلى أهمية هذه الخاصية، مما يؤكد أن القدوة الحسنة في حد ذاتها تعتبر واحدة من أهم الوسائل الإعلامية، وقد كانت نبينا ﵌ مضرب الأمثال في هذا الصدد، وكان به من الصفات النبيلة ما تفيض به كتب السيرة، ولسنا في مجال تعداد صفات الرسول ﵌ التي كانت سببًا مباشرًا في دخول الكثيرين دين الإسلام، وهو الذي اشتهر بين قومه قبل نزول الوحي والرسالة بأنه الصادق الأمين، وهما صفتان يجب توافرهما في رجل الإعلام الإسلامي؛ حتى يكون موضع ثقة جماهيره واحترامهم له.

стр. 255

الأجهزة الإعلامية الإسلامية المتخصصة بعد إن ذكرت ما سبق من مقدمات أرى أنها ضرورية قبل هذا العنصر أود أن أشير هنا في هذا العنصر إلى وسائل الأجهزة الإعلامية التي تفيد الدعوة الإسلامية، والتي يقوم على عاتقها نشر الإسلام والدعوة إليه، وهذه مسألة مهمة وأبدأ بالنقطة الأولى في هذا العنصر وهي: أ- جهاز الدعوة بوزارات الأوقاف: يعتبر جهاز الدعوة الإسلامية بوزارات الأوقاف واحدًا من أبرز أجهزة الإعلام الإسلامي، ووسائل الإعلام التي يمارس جهاز الدعوة الإسلامية نشاطه من خلالها كثيرة ومتعددة في داخل هذه الوزارة، منها: الوسائل الشفوية وتتمثل هذه الوسائل في الأشكال التالية: أ- خطبة الجمعة. ب- الدروس الدينية التي تتم غالبًا ما بين صلاة المغرب والعشاء، أو في أوقات أخرى يتم تحديدها حسب طبيعة وظروف العمل في كل مسجد، كما يتم عقد هذه الدروس غالبًا بعد صلاة المغرب، وتكثر أكثر وأكثر في شهر رمضان، وتعقد هذه الدروس عادة في بيوت الله ﵎ أو في أماكن التجمعات المختلفة للناس. جـ- الندوات والمحاضرات الدينية: سواء أكانت في المساجد أم خارجها في الأماكن العامة. الوسيلة الثانية التي يمارس جهاز الدعوة الإسلامية في وزارات الأوقاف عمله الإعلامي

стр. 256

من خلالها -بعد الوسائل الشفوية-: الوسائل المطبوعة: وتتمثل في نشرات ومطويات ومجلات تصدر في أوقات مختلفة، إلى جانب المكتبة الدينية التي توجد في معظم المساجد، وهي تسهم في نشر الثقافة الدينية، وتضم المصاحف والمراجع الدينية المختلفة: من كتب التفسير والحديث والسيرة النبوية والبطولات الإسلامية إلى غير ذلك، وكذلك النشرات والمجلات الدينية ويختلف حجم وثقل هذه المكتبات باختلاف درجة المسجد ومكانته ودوره في المنطقة التي يخدمها، وتعمل هذه المكتبات لخدمة غرضين: الغرض الأول: نشر الثقافة الدينية لدى الجماهير. الغرض الثاني: تعميق الثقافة والفكر لدى أئمة وخطباء المساجد. وفي المساجد أيضًا يتم مقارئ للقرآن الكريم، وهي أحدى الوسائل الإعلامية؛ بل أقول: إن القرآن الكريم من أهم الدعائم التي يقوم عليها الإعلام الإسلامي، وأكثرها فعالية لدى الرأي العام، ذلك: أنه دستور الإسلام، وتنتشر مقارئ كثيرة للقرآن الكريم التابعة لجهاز الدعوة الإسلامية بوزارات الأوقاف في بلدان العالم الإسلامي وفي المساجد التابعة للوزارة. ب- محطات إذاعة القرآن الكريم: محطات إذاعة القرآن الكريم من أبرز الوسائل السمعية للإعلام الإسلامي، وهي تحقق الأهداف التالية: ١ - إذاعة القرآن الكريم بطريقة مرتبة من مشاهير القراء. ٢ - التزود بمعاني الخير والفضيلة والتقوى والصلاح وغير ذلك من الآثار العميقة، التي يحدثها دوام الاستماع إلى القرآن الكريم.

стр. 257

٣ - حفظ القرآن الكريم من التحريف الذي تقوم به بعض الجهات المغرضة والمعادية للإسلام. ٤ - تزويد المستمعين بالثقافة القرآنية المختلفة من برامج تدور حول القرآن الكريم، باعتباره مصدر الحياة الدينية للإنسان المسلم. ٥ - ربط المستمع عن طريق تقدم نماذج له في حياته التي يعيشها، من خلال القصص والأمثال التي بالقرآن الكريم، ومن خلال التوجيهات والأحاديث النبوية الشريفة. ٦ - نشر الثقافة القرآنية باعتبارها أساسًا للسلوك الإنساني القويم، ومنبعًا لتوجيه جميع عناصر الثقافة الإسلامية: فمحطات إذاعة القرآن الكريم إذًا، لها أهداف عظيمة ومكانة جليلة، وهي منتشرة وموجودة في بلاد العالم الإسلامي -ولله الحمد والفضل- وتعمل في غالب البلاد الإسلامية على مدار اليوم نهارًا وليلًا. جـ- القنوات التلفزيونية: لقد كان للإعلام المرئي دور كبير بين عموم الناس اليوم، وقد برزت في العصر الحاضر قنوات فضائية متعددة، وكثرت وانتشرت بشكل سريع وكبير، ولها دورها وأثرها في عموم الناس، وقد تنبه المسلمون إلى أهمية هذه القنوات؛ فأنشئوا قنوات فضائية كثيرة تبث الخير للعالم أجمع، وما زال المسلمون إلى يومنا هذا يحتاجون -وأقولها نصيحة لله ﵎ إلى بذل مزيدٍ من الجهد في استغلال هذه الوسيلة الإعلامية الكبيرة، التي وصلت اليوم إلى كل بيت، وإن كان -وللحق أقول- هناك قنوات متخصصة في تعليم الدين الإسلامي تعليمًا صحيحًا على منهج السلف الصالح وأهل السنة والجماعة، ولكن أيضًا نحتاج إلى المزيد.

стр. 258

وأود أن أشير في هذا الصدد إلى قناة المجد الفضائية، التي تحتوي اليوم تسع قنوات فضائية، تغني المسلم عن أن يسمع غيرها مما يحتاج إليه: ففيها بث إخباري، وفيها عمل إعلامي جيد، وتوجيه برامج للأطفال، إلى جانب ما يتعلق بمسائل الدين والشريعة من دروس علمية متخصصة، بل فيها أكاديمية علمية يمكن أن تخرج رجال يحملون شهادات علمية متقدمة، وهي في الحقيقة تسير بخطى ثابتة؛ لتحقيق أهداف نبيلة، وأهم ما يميز هذه القناة صفاؤها واعتناؤها، واهتمامها بنشر عقيدة السلف الصالح، ولا زلت أكرر وأطلب المزيد وأناشد المسئولين في الدول الإسلامية أن يهتموا بهذه القنوات، وأن يجعلوا منها أداة خير وبركة، تنشر الخير للعالم أجمع. إننا -معشر المسلمين- بحاجة إلى أن نحمل هذا الدين إلى البشرية كلها، وإن العمل الإعلامي النبيل يجب أن يحتل مكانة في نشر هذا الدين الإسلامي؛ لخطورته ولأهميته ولانتشاره في كل مكان؛ ولإقبال الناس عليه؛ فيجب أن تجند الطاقات، وأن تخلص الدول، سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الهيئات: المسئولية فيها على الجميع، أن يهتم وأن يعتني بهذا الأمر غاية الاعتناء. وأيضًا -وأذكر هذا من باب تبليغ الدعوة وإبراء الذمة أمام رب العزة والجلال سبحانه- أناشد المسئولين في الإعلام في جميع بلاد العالم الإسلامي أن يخلصوا عملهم لله ﵎ وأن تكون قنواتهم وبرامجهم نظيفة خالية مما يثير الشهوات، أو يدفع إلى الشبهات؛ لأننا في الحقيقة في عصرٍ يوجد فيه صراع كبير بين الخير والشر، وبين الحق والباطل.

стр. 259

د- المجلات الدينية المتخصصة: الصحافة الدينية واحدة من أهم وسائل الإعلام الإسلامي المتخصصة والمباشرة؛ ذلك أنها تتناول مختلف الموضوعات، وتتميز الصحافة الدينية بما تتميز به مختلف الوسائل المطبوعة من خصائص إعلامية، وهي قدرتها على الاحتفاظ بالمعلومات التي لديها أطول مدة ممكنة، وبالتالي؛ فهي تتيح فرصة للقارئ لكي يعرض نفسه على المطبوع أكثر من مرة، لكي يثبت أو يتثبت من بعض النقاط التي يود أن يركز عليها. والمطبوعات، هي وسائل الإعلام الوحيدة التي يستطيع القارئ أن يعرض نفسها عليها في الوقت الذي يناسبه ويتفق مع ظروفه، وهذه الوسائل -أعني: المطبوعات والمجلات الدينية المتخصصة- تمتاز بالقدرة على التصرف في محتوياتها في أي حجم وبأية تفصيلات تظهر الحاجة إليها؛ ومن هذا المنطلق فهي أفضل وسيلة لتقديم الموضوعات الدينية الطويلة والآراء المتعددة والتفسيرات المطولة التي يمكن للإنسان العادي أن يحتفظ بها -كما ذكرت وأشرت- للرجوع إليها في الوقت الذي يحتاج أو يريد ذلك. هـ- مكانة القرآن الكريم والحديث الشريف في الإعلام الإسلامي: وأخرت الحديث عن ذلك؛ لأختم كلامي بكلمات عن هذين المصدرين العظيمين، وفي الحقيقة هما الأساس الذي يقوم عليهما الدين الإسلامي. القرآن الكريم: كان القرآن الكريم -ولا يزال- هو المصدر الذي تعتمد عليه الدعوة الإسلامية في استقاء موضوعاتها، وفي تحديد أساليبها ومنهجها ومنه تأخذ حججها وبراهينها، وهو الرافد الحيوي لدعاة الإسلام.

стр. 260

والقرآن الكريم هو الدستور الشامل الجامع المنظم لشئون المسلمين في الدنيا والآخرة، مصداقًا لقول الله -جل ذكره-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: من الآية: ٣٨) فهو الرسالة الإعلامية المقدسة، معجزة الإسلام الخالدة، والمصدر الأول للتشريع، وأهم عوامل نجاح الرسالة الإعلامية الإسلامية؛ ذلك أن القرآن الكريم يحوي كل ما يهم المسلمين ويرد على تساؤلاتهم، كما أنه ينظم للرسول ﵌ ولدعاة المسلمين من بعده أساليب الدعوة ومجالاتها وجماهيرها. ولست هنا في معرض ذكر الميادين التي تناولها القرآن الكريم؛ ولكن رجل الإعلام الإسلامي سيجد فيه بغيته إذا أراد معالجة أي أمر من أمور المسلمين، فإذا كان -مثلًا- يعالج موضوع الجهاد في سبيل الله؛ فسيجد من آيات القرآن الكريم ما تعرضت له وحددت أصوله، وإذا أراد تناول قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو علمية؛ فسيجد هذا الكتاب قد تعرض لها بصورة واضحة ومحددة، فهو إذًا، له مكانة إعلامية عالية ورفيعة. أما الحديث الشريف: فالأحاديث النبوية تلعب دورًا إعلاميًّا بارزًا في نشر الدعوة الإسلامية؛ وتتضح أهميتها الإعلامية في أنها جاءت في مجملها تأكيدًا وتفسيرًا للمعاني التي وردت في القرآن الكريم، وتتأكد القيمة الإعلامية الكبيرة للحديث النبوي الذي يتلوه المسلم في أنه جاء تبيانًا أو تخصيصًا لكثير من آيات القرآن الكريم التي جاءت مجملة أو مطلقة أو عامة. فالقرآن الكريم -مثلًا- لم يبين تفاصيل الصلاة التي أمر الله بها مجملة، وجاء حديث النبي ﵌ وفعله؛ فأوضح أوقاتها وكيفياتها، وحينما حرم القرآن الكريم الخمر؛ جاء الحديث الشريف فبين المراد بالخمر وما إلى ذلك.

стр. 261

كذلك تعرض رسول الله ﵌ لكثير من الحوادث التي قضى فيها، وكثير من الأسئلة التي أجاب عليها، وكان ﵌ ينطق بالحق ويتكلم بالصدق، وقد قال الله له وعنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: من الآية: ٣ - ٤). ولذلك أقول: إن كل حديث من أحاديث الرسول ﵌ يعتبر شعارًا للإسلام، ويؤدي وظيفة مهمة إعلامية أراد النبي ﵌ أن يبلغها للأمة، وكان يشرح من خلال ذلك الآيات القرآنية، ويوجه الأمة الإسلامية إلى العقيدة الصحيحة والعبادات القويمة، وكيف أنها لا تقبل عند رب العزة والجلال إلا إذا اتبع المسلم فيها هدي رسول الله ﵌. كما كان النبي ﵌ بكلماته ورسائله وأفعاله دعوة إعلامية إلى الخير وإلى الهدى وإلى النور وإلى الضياء، فهو ﵌ مثال حي للسلوك الحسن وللخلق القويم وللرجل النبيل -صلوات الله وسلامه عليه- فحياته ﵊ نموذج إعلامي كبير. والشاهد من كل ذلك هو: أنني أدعو عموم المسلمين وأدعو عموم الإعلاميين أن يعتنوا بكتاب الله ﵎ وحديث النبي ﵌ وأن تكون الوسيلة الإعلامية التي يقومون بها مستمدة من هدي هذين المصدرين الكريمين، وبالتالي سنقدم إلى العالم الإسلامي مادة سليمة صحيحة من خلال برامج إعلامية إسلامية متميزة. أسأل الله ﵎ للجميع التوفيق والسداد، وصلّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - تابع الحديث عن وسائل الإعلام مع ذكر بعض ميادين الدعوة في التجمعات والمناسبات الإسلام في مواجهة الإعلام الكاذب الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه. وبعد: فهذه المحاضرة: تابع الحديث عن وسائل الإعلام، مع ذكر بعض ميادين الدعوة إلى الله في التجمعات والمناسبات، وهذه المحاضرة تنقسم إلى العناصر التالية: العنصر الأول: الإسلام في مواجهة الإعلام الكاذب، ويشتمل على النقاط التالية: أ- الحرب الإعلامية ضد الإسلام: تكلمت في اللقاء السابق عن الإعلام الإسلامي ومكانته وما يميزه، وأشرت إلى أبرز الوسائل التي يمكن أن نستفيد منها في تقديم الإسلام إلى الناس ودعوتهم إليه، وأشرت إلى ضرورة أن تكون وسائل الإعلام نظيفة خالية من الشبهات والشهوات، وأتكلم في بداية هذا اللقاء عما يواجهه المسلمون من حرب إعلامية فاسدة ضد الإسلام. ولذلك أقول: نعيش اليوم في عصر الحروب الإعلامية والصراع البارد لنشر الأفكار والمبادئ، ولقد كان هذا من ثمرات الحرب العالمية الثانية واكتشاف الأسلحة الرهيبة الجديدة، ولقد عرف العالم منذ وجد الإنسان صراع الخير والشر والحق

стр. 262

والباطل، هذا الصراع الذي كان نتيجة لاختلاف البشر وتباين عقائدهم واختلاف مصالحهم، وحب كل منهم -إلا من رحم الله- للعلو في الأرض وتحصيل أكبر قد من الخير لنفسه ولو على حساب الآخرين، ورغبة كل منهم في إبعاد الشر عن نفسه ولو على رءوس الآخرين. ولقد أرسل الله رسله إلى أهل الأرض مبشرين ومنذرين ومعلمين للناس طريق ربهم ﵎ ليعبدوا الله وحده دون سواه؛ وليقيموا العدل فيما بينهم، وقام الصراع بين حق وباطل: قام الصراع بين حق الرسل وأتباعهم، وباطل المكذبين ومن على شاكلتهم، وسيظل هكذا إلى قيام الساعة، كما قال رب العزة والجلال سبحانه: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: من الآية: ١١٨، ١١٩). ولقد حارب البشر بعضهم بعضًا؛ لاستلاب أموالهم واحتلال أراضيهم واستعبادهم، ولقد وجدوا أنفسهم في مأزق خطير بعد اختراع آلات الدمار الحديثة؛ ولذلك فكر هؤلاء الشياطين في حروب أخرى يصلون من خلالها إلى مآربهم، في استلاب خيرات الآخرين وعلوهم عليهم، وكانت هذه الحرب الجديدة هي الحرب الإعلامية؛ وهذه الحرب تزداد أهميتها يومًا بعد يوم للأمور التالية: أولًا: أنها أصبحت بديلًا لا مفر منه للحروب التقليدية القديمة، فلقد كانت الحروب الساخنة هي الملجأ الذي يلجأ الأقوياء إليه؛ لفرض أفكارهم وعقائدهم أو سلطانهم أو احتلال أراضي الآخرين وسلب الخيرات التي بين أيديهم، ولقد تصارع الأقوياء في الأرض فيما بينهم تسابقًا على الفريسة وتسلطًا على الآخرين، واليوم وجد الأقوياء من الدولة الغاشمة أنهم على شفا الهلاك إن استخدموا ما بأيديهم من السلاح الذري وغيره ضد بعضهم البعض، في سبيل

стр. 263

الاستعمار والسيطرة ونشر المبادئ والأفكار والأنظمة؛ ولهذا كان الإعلام بديلًا عن الحروب. ثانيًا: لقد توسعت معاني الحرية الشخصية والسياسية في حياتنا الراهنة، وتبع ذلك كثرة المذاهب والأفكار والعقائد، ووجد كل مذهب وعقيدة وفكرة نفسه مرغمًا إلى إجادة فن الإعلان والدعاية؛ ليجد لنفسه مكانًا تحت الشمس في هذا العالم، وبذلك أصبحت الحرب الإعلامية من الأفكار والمبادئ قائمة على قدم وساق؛ ولذلك ازدهرت سوق الإعلام والدعاية. ثالثًا: أن توق الناس ولهفتهم إلى جديد من الاختراعات المادية عودهم التبرم بالقديم والثورة عليه، وهيأ نفوسهم إلى الاحتفال بالجديد دائمًا، وفي غمرة هذه الانقلابات الخلقية تجددت المفاهيم والقيم والعقائد تجدد النماذج الحديثة للمخترعات والسيارات والملابس، وهذا من ألوان وأنواع الحرب الإعلامية. رابعًا: الوسائل الضخمة للإعلام التي يسرتها المخترعات الحديثة جعلت للدعاية والإعلام شيئًا آخر، فقد أصبح العالم الآن كقرية صغيرة أمام الموجات التي تنقل ليس الصوت فقط؛ بل الصوت الصورة؛ ولذلك تخطت الحروب الإعلامية الحدود السياسية، لتدخل إلى عقر دار المخالفين بل إلى مخادع الزوجات. وهكذا خلقت الآلات الحديثة كالراديو والتلفاز والصحافة عالمًا جديدًا هو عالم الصراع الفكري والإعلامي؛ لأن كل واحد يقدم ما لديه، وقد أشرت سابقًا إلى أن الصراع بين الحق والخير أو بين الحق والباطل، والشر والخير قائمًا على قدم وساق. والإسلام -كعقيدة ونظام يتصل بحياة الناس صغيرها وكبيرها- يجد اليوم نفسه في صراع رهيب مع هذه الأنظمة والعقائد والأفكار الكثيرة، التي تملأ الأرض شرقًا

стр. 264

وغربًا. وقد سبق أعداء الإسلام إلى استخدام وسائل الإعلام المختلفة ضد دين الله ﵎ وقد تنبه المسلمون اليوم لذلك؛ فدخلوا في الميدان ولا بد من إتقان المواجهة ضد هؤلاء الأعداء: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: من الآية: ٨). ب- موقف المسلم من الحرب الإعلامية ضد الإسلام: الشبهات والاعتراضات ضد الإسلام كثيرة ومتعددة، وهي مسموعة ومقروءة، ولأن هذه الشبهات والاعتراضات تشكل عند بعض الناس عقبة حقيقية، تمنعهم من الإذعان للإسلام والإيمان به والدخول في سلك المؤمنين؛ كان لا بد من رد علمي شامل لأصول هذه الشبهات، ولأن كثير من مثيري هذه الشبهات والاعتراضات لا يريدون بها إلا إشغال للمسلمين وإنهاكًا لقواهم وإهدارًا لإمكانياتهم ورفعتهم؛ كان الواجب أن يقابل هؤلاء بما أمر الله به حيث يقول: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (الفرقان: من الآية: ٦٣). وأعني بذلك أن إشغال الأوقات بالردود على كل جاهل مضيعة للوقت؛ ولذلك لا بد من مسلكين ضروريين لكل داع إلى الله وهذان المسلكان يعبران عن موقف المسلم من الحرب العدائية والإعلامية ضد الإسلام. المسلك الأول: هو الرد العلمي الذي يعتمد الدليل والبرهان على شبهات المضللين واعتراضات المعترضين. الأمر الثاني أو المسلك الثاني: الصفح الجميل والإعراض بالحسنى عن جهالات الجهلاء، وسفاهة السفهاء، وكلا الموقفين ثابتان بالكتاب والسنة. فدليل الموقف الأول: هو هذا الحشد الهائل من آيات القرآن الكريم؛ التي نزلت جميعها ردًّا على شبهات واعتراضات المشركين واليهود والنصارى، فلم يترك

стр. 265

رب العزة والجلال شبهة لهم إلا وكشف زيفها وبطلانها، ولا اعتراضًا إلا ودمغ القائلين به بالحق. من هذا على سبيل المثال: اتهام النبي ﵌ بافتراء القرآن وقد قال تعالى ردًّا عليهم في ذلك: ﴿قُلْ فَأْتُوا بعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (هود: من الآية: ١٣) وقال -جل ذكره- للنبي ﵌ مبينًا مكانته واستحالة أن يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه؛ مشيرًا إلى بعض الأدلة التي يعرفها عنه من عرفه وعايشه وشاهده، وذلك فيما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: من الآية: ٤٨) أي ما كنت قارئًا ولا كاتبًا حتى تنقل مثل هذه الإخبار عن الأمم السابقة. وقال الله ﵎: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس: الآية: ١٦) أي: كيف أمكث فيكم أربعين سنة من عمري لا أنطق بكلمة من هذا ثم أبدأ في الكذب المطلق والافتراء على الله ﵎ وقول هذه الآيات التي لم يكن عندي علم بشيء منها قط. وهكذا نجد أن الله ﵎ لم يترك مناسبة إلا وردَّ فيها على هذا الاعتراض الذي يتوجه إلى صلب رسالة الرسول ﵌ أو من يشكك في أمانته وصدقه، وتحدى الله المجادلين والمكذبين له أن يأتوا بدليل واحد يثبت دعواهم في كذب الرسول ﵌ ولذلك لم يعد أمامهم إلا الإذعان أو الكفر والنكران؛ ولذلك قال الله ﵎ عن المكذبين: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: من الآية: ٣٣).

стр. 266

وفي الاعتراض على البعث ناقشهم الله وآتاهم الدليل تلو الدليل لإثبات البعث والنشور؛ فقال لهم ما معناه أن البعث الذي تكذبون به لا يختلف عن النشأة الأولى التي تنسبونها إلى الله، وأن الذي تقرون له بخلق السموات والأرض -وهي أكبر من خلقكم- قادر على إعادتكم للحياة مرة ثانية بعد أن تموتوا، وأن إحياء الأرض بعد موتها لا يختلف عن خلق الحياة في الأجساد المَيْتَة، ثم أن الرب قد أعاد إلى الحياة أناسًا وبهائمَ وطيورًا بأعيانها إلى الحياة مرة ثانية: كقتيل بني إسرائيل. وهكذا في كل الشئون العقائدية والإيمانية جادل القرآن الكريم أرباب الشبهات، ودمغ باطلهم، وصدق الله في قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: من الآية: ١٨). وفي الأوقات التي يضعف فيها المسلمون يتعالى استهزاء الكفار بالإسلام وأهله، ويؤدبنا الله ﵎ في مثل هذه الأوقات بآداب الإسلام من الصفح الجميل والتذرع بالصبر والإعراض عن الجاهلين، والفزع إلى الصلاة والاستئناس في هذه الفرية بحب الله ومرضاته، وحسن التضرع إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر: ٨٥) وكون الساعة آتية يعني أن كل مستهزئ سيبلغ جزاءه، وقال تعالى أيضًا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (المزمل: ١٠) وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩). وكل من لم يعرف ربه وخالقه وخالق هذا الكون، وفيما خلق، وإلى أين يسير؛ فهو جاهل، وما أكثر هؤلاء الجهلة في عصرنا الحاضر، وإن كانوا أمام الناس يحملون شهادات عليا. وهم في الحقيقة من أجهل الناس وأكفرهم، وذلك

стр. 267

بجحودهم لخالقهم وهل هناك أظلم قلبًا وأعمى فؤادًا ممن لم يعرف خالقه وربه، وهل هناك أشد غباوة وإثمًا مما لم يقدم شيئًا لآخرته ينجو به من عذاب الله وسخطه. والشاهد أن مقابلة هؤلاء الجاهلين بالصبر والصفح الجميل أحيانًا، وبدمغ باطلهم والرد عليهم أحيانًا أخرى هو المنهج الرباني الذي يجب أن يلتزمه الدعاة إلى الله وعلى الدعاة أن يعلموا أن لكل حادث حديث، وبالتالي يظهر موقف الإسلام من الحرب الإعلامية الموجهة ضد الإسلام. أنتقل إلى نقطة أخرى: جـ- مسئولية المسلم الإعلامية: إنني في الحقيقة لا أود أن أنتقل من هذا العنصر، ولا أن أنهي حديثي عن الإعلام إلا بذكر مسئولية المسلم الإعلامية؛ كي تقوم الأمة كلها بالدعوة إلى الله ﵎ والنبي ﵌ لم يخصص أناس للوعظ والإرشاد وآخرين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو للدعوة والتعليم، وإنما جعل من كل مسلم داعية ومعلمًا وآمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وحمَّل أمانة تبليغ العلم لكل من حمل علمًا. وبهذا عبأ ﵌ المسلمين جميعًا إعلاميًّا، فقال رسول الله ﵌: ((نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع)) وقال: ((بلغوا عني ولو آية)) وقال: ((من رأى منكم منكرًا؛ فيلغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)). وجاء القرآن الكريم كتاب الله ليعلن للمسلمين أنهم جميعًا أمة مرسلة، وأن شأنهم هو الدعوة إلى الله ﵎، فهم مسئولون عن تعليم الناس دين الله ﵎ كما قال -جل ذكره-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

стр. 268

وقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ هنا: ليس معناه التبعيض؛ بل معناه: ابتداء الغاية، كما هو معلوم في القواعد، أي: لتكونوا أمة يدعون إلى الخير، كما أقول لك مثلًا: ليكن منك رجل صالح، أعني: لتكن أنت رجلًا صالحًا، وجاء أيضًا قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: هذه صفتكم، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله. ومعلوم أن الموصوف بصفة بها لا يكون موصوفًا بها؛ إلا إذا كانت ملازمة له، فإذا انفكت عنه؛ لم يوصف بهذا الوصف، ومعنى هذا: أن الأمة الإسلامية لا تكون خير أمة إلا بتحقيق هذه الأوصاف الثلاثة الآنفة. وكذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ والشهادة على الناس من لوازمها العلم بما عند الناس وإقامة الحجة عليهم، ولا تقوم الحجة إلا بالعلم والدعوة والجهاد والصبر. وهكذا عبأ القرآن الكريم المؤمنين جميعًا للجهاد والدعوة، وحمل كل مسلم أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحكم على الذي لا ينكر المنكر بوسيلة من وسائل الإنكار الثلاث: اليد واللسان والقلب، أنه ليس على شيء من الدين؛ بل جرده من أقل الإيمان المنجي من عذاب الله، وهو مقدار حبة الخردل، وبهذا جعل الله من كل فرد آمن مع الرسول ﵌ داعية، ولم يحتج النبي ﵌ إلى أن يجعل فئة خاصة تتولى هذا الأمر. وهذه التعبئة الإعلامية جعلت من كل فرد حارسًا للشريعة، وقائمًا بأمر الله ويقول النبي ﵌: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن عليكم ذلًا فلا يرفعه عنكم؛ حتى تعودوا إلى دينكم)) فجعل الذل نتيجة ترك جهاد

стр. 269

الكلمة، وجعل العودة إلى جهاد الكلمة هو العودة إلى الدين، فهل يقدر دعاة الإسلام اليوم جهاد الكلمة؟! وهل يعلم المسلمون أن الدعوة واجبة على كل فرد فيهم؟! وهل يعلم الذين يكتمون العلم ويشترون به الدنيا أن الله ﵎ قال فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؟! الدعوة إلى الله في التجمعات الإسلامية والمناسبات المختلفة "الدعوة إلى الله في التجمعات الإسلامية والمناسبات المختلفة": ويشتمل على النقاط التالية: أ- صلاة الجمعة والجماعة: إن الشارع الحكيم قد فرض علينا صلاة الجمعة، وحض عليها لحكم منها: اجتماع كلمة المسلمين ووجود التآلف بينهم؛ حيث في هذا اليوم المبارك يتركون أشغالهم عند حلول وقت الصلاة، ويجتمعون في مسجد واحد، أو مساجد متعددة. كما أن في صلاة الجمعة والجماعة معنى الاتحاد واتفاق الكلمة، وفيها معنى المساواة التي تترنم بها الأمم الأخرى، وهي تتحقق في صلاة الجمعة والجماعة، وفي سائر فرائض الإسلام الأخرى أيضًا؛ لأن المسلم الفقير يقف بجانب المسلم الغني بلا فارق ولا تمييز بينهما، ويقف الخادم بجانب السيد؛ ليعرفوا أنهم عند الله سواء، والنبي ﵌ قد أرسى هذه القاعدة: ((لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)).

стр. 270

وفي الجمعة أيضًا يسمعون من الخطيب الحكم والمواعظ والنصائح، التي تدعوهم إلى إصلاح أمورهم وأمور دينهم ودنياهم، ومن فوائد الجمعة أيضًا: أن الحاضرين يسمعون من الخطيب الحكم والمواعظ ويتعلمون تعليمًا ربما لا يتيسر لكثير منهم -خاصة أهل البوادي والقرى- ربما لا يتيسر لهم التعليم إلا في هذه الخطب واللقاءات، فإذا حضروا الجامع، سمعوا من الخطيب من العقائد الدينية والإرشادات السنية في شتى النواحي، من العبادات والأخلاق، كما يسمعون النهي والزواجر عن المنكرات والفواحش، وعن البدع والضلالات والعادات السيئة والأمراض الاجتماعية، وما عليه المسلمون اليوم من سائر الأقطار من عزة ورفعة، أو تفرق وتخاذل، إنما هو في الحقيقة بسبب عدم التعلم والإهمال في هذه الاجتماعات. ولذلك على الخطيب أن يشخص الداء في خطبته، وأن يرشد إلى الدواء النافع بأسلوب حكيم وعبارات أخاذة جذابة؛ يستفيد منها المستمعون. وصلاة الجمعة والجماعة من أكبر الشعائر الإسلامية، التي تعطي قوة التبشير بالإسلام للأمم الأخرى، وبيان ذلك كالتالي: إذا شاهد غير المسلم صلاة الجماعة والجمعة بهذا الاجتماع، وشاهد المسلمين حالة كونهم خاشعين ضارعين مستقبلين قبلة واحدة، مظهرين المساواة التامة، تاركين الفوارق العنصرية واللغوية والوطنية، ومتوجهين إلى رب البرية مستمعين إلى الإمام الخطيب، الذي يوجههم إلى الحق والخير- قد يدفعه ذلك إلى أن يدخل في دين الله ﵎ أو أن يتطلع إلى معرفة المحاسن التي اشتمل عليها الدين، وكيف أنه يفوق جميع الأديان من خلال هذه الشعائر. وهذا يبين لنا شيئًا من أهمية الجمعة والجماعة، وقد يجيب على سؤال: لماذا شرع الشارع الحكيم وفرض علينا هذه الصلاة في الجماعة؟

стр. 271

وطالما أنني أتحدث عن الجمعة لا بد أن أتحدث عن خطبة الجمعة، حيث كانت الخطابة -ولا تزال- تؤدي دورها الفعال في حقل الاتصال بالناس دون أن تستطيع وسائل الاتصال الجماهيرية التي أتت بها المدنية الحديثة أن تقضي عليها، أو أن تنال من قوتها المؤثرة في الإعلام والإقناع وذلك لما يلي: أولًا: تتميز الرسالة الإسلامية التي تحملها الخطبة الدينية الناجحة بقدرتها على إحداث تأثير خاص لدى الرأي العام المتلقي لهذه الخطبة، بحكم ما ترتبط به الخطبة الدينية في أذهان الناس من مفهوم خاص، فهي تنهل من لغة القرآن الكريم والأحاديث النبوية في أغلب الأحيان. ثانيًا: إن الإسلام يضع الخطبة في مكانة سامية، ويقدرها حق قدرها، وخطبة الجمعة هي واحدة من أبرز وسائل الإعلام الديني، وليس من قبيل المبالغة إذا اعتبرناها من أهم عوامل نجاح هذا النوع من العمل الإعلامي، الذي مارس دوره على مر العصور منذ انبثاق نور الدعوة الإسلامية، في عهد الرسول ﵌ إلى يومنا هذا، فلم تستطع ولن تستطيع عوامل الزمن وتعاقب الدول والحكومات أن تنال من قدرتها الفائقة على الإقناع والمواجهة. وترجع أهمية خطبة الجمعة إلى أنها مرتبطة بفريضة صلاة الجماعة ذاتها، بل أن خطبة الجمعة هي التي تميز صلاة الجمعة عن بقية الصلوات الخمس اليومية على مدار الأسبوع؛ فأصبح لزامًا على كل مسلم أن يشهد هذه الخطبة؛ انطلاقًا من قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (الجمعة: من الآية: ٩) والنداء أي: الآذان يسبق الخطبة كما يسبق الصلاة، وقد أشار النبي ﵌ إلى ذلك، وحث ورغب في الحضور المبكر إلى المسجد في يوم الجمعة، وأخبر أن هناك ملائكة

стр. 272

يكتبون الداخل على حسب الوقت الذي جاء فيه، فإذا صعد الخطيب على المنبر؛ طوت الملائكة الصحف التي يسجلون فيها الأسماء وانصرفوا يستمعون إلى خطبة الجمعة. ويتوقف نجاح الخطبة الدينية على ما يلي: ١ - حسن اختيار موضوع الخطبة، بما يجعلها تمس بشكل مباشر مشاكل الجماهير، وتعالج قضاياهم الحاضرة، وتخوض في أحوالهم وشئونهم المعاصرة، وتحديد وقت زمني ملائم لكل خطبة أمر مهم وضروري؛ لأنه يبعد عن الملل، كذلك أيضًا الابتعاد قدر الإمكان عن الخوض في حوادث وقضايا قديمة لم يعد لها وجود بين الناس، في حين أن عصرنا الحاضر يعج بمشاكل أو يفجر قضايا تهز المجتمعات هزًّا عنيفًا، ولا يجد الناس تبريرًا لها في انتظار أن يقول الدين كلمته الحاسمة، لشفاء أمراض قلوبهم، والقضاء على الحيرة والشك المسيطريْن على عقولهم. على أن يدعم الخطيب أقواله بالآيات البينات والأحاديث النبوية الصادقة، والمواقف الخالدة لرسول الله ﵌ التي تتلاءم مع موضوع الخطبة، دون إقحام آيات لا تربطها علاقة مباشرة بموضوع الخطبة؛ ذلك أن الآية القرآنية، والحديث الشريف الصحيح، والموقف الخالد للرسول ﵌ أو لأحد صحابته، إذا أحسن الخطيب اختياره، وتم وضعه في مكانه المناسب؛ سوف يدعم وجه نظر الخطيب، ويعطي خطبته قوة وتأثيرًا يسري كالسحر في النفوس. ٢ - البعد عن السجع المتكلف والمحسنات المرذولة، والألفاظ المبتذلة الجوفاء، وعدم الإكثار من المجازات والاستعارات، التي كثيرًا ما تخفي المعاني وتطمس

стр. 273

الأغراض، وتأخذ بصاحبها عن سواء القصد، وتبعده عن الهدف؛ بل يجب أن تتميز الرسالة الإعلامية التي تحملها خطبة الجمعة بالبساطة والوضوح؛ حتى يفهمها جميع الحاضرين، ومن المعلوم أن المستويات العلمية للناس متفاوتة، وأن يستبعد الخطيب العبارات والألفاظ الغامضة، واستعراض الخطيب قدراته اللغوية، والتعالي على الجماهير؛ بهدف كسب احترامهم -في الحقيقة- يضيع كثيرًا من الفوائد، التي يجب أن تحويها الخطبة، وأن يحويها أسلوبها من بساطة ويسر. ٣ - أن تكون الخطبة متنوعة الأساليب متعددة الأغراض، كثيرة المعاني، جامعة شاملة، صادرة عن قلوب مؤمنة بما تقول، تعرف ماذا وكيف ومتى تقول، وعلى الخطيب ألا يطيل في خطبته؛ بما يسبب مللًا أو نومًا للناس، فقد كانت خطب النبي ﵌ معقولة متوسطة، وهو الذي أخبر بأن من مئنة فقه الرجل: قصر الخطبة وطول الصلاة. ٤ - يجب أن تتضمن خطبة الجمعة ما يفهم منه: أن الناس سوف يحصدون في الحياة الدنيا -أيضًا- ثمار أعمالهم الطيبة وليس في الآخرة وحسب؛ لأن في إبراز هذا المعنى ما يشرح الصدور، ويجدد الآمال، ويشحذ العزائم، وهو منطق الحياة وقانون الوجود، فلكل شيء ثمن ولكل عمل أجر، وهذا من سنن الله التي لا تتخلف في حياة الأفراد أو الجماعات أو الأمم. أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية: ب- الحج والدعوة إلى الله فيه: لا شك أنه لا يوجد تجمع كبير للمسلمين كما يوجد في الحج، ومن مقاصد الحج، تنمية الترابط بين المسلمين: فالإحرام يستهدف إعلان المساواة بين

стр. 274

العابدين، ولهذه الفريضة أثر مباشر آخر، هو: إيجاد الترابط بين هؤلاء المؤمنين على أساس من الصفاء والنقاء، بعد أن ارتفع من بينهم التمايز في الاعتبارات البشرية، ويتجلى هذا الترابط بطوافهم حول الكعبة؛ بل إن هذا الترابط غير قاصر على أولئك الطائفين المؤدين للفريضة في عام من الأعوام، وإنما هو تواصل بما كان منذ نبي الله إبراهيم ﵇ إلى رسول الله محمد بن عبد الله ﵌ ممتدًا هذا التواصل والترابط بين أجيال المؤمنين، الذين يفدون إلى هذا البيت، الذي جعله الله مثابة للناس وآمنًا، وقبلة يتجهون إليها في الصلاة. فاستمرار الطواف -كواحد من شعائر الحج- يسهم في تذكير المؤمنين بالله، بالصلة القوية التي تربط بين أجيالهم ألا وهي: صلة الإيمان بالله، وهي صلة تاريخية تبرزها عبادة الحج، وتضيفها إلى صلة الترابط بين المؤمنين؛ اتباعًا لرسالة النبي ﵌ التي جاءت بهذه العبادة. وصلة الإيمان بالله التي تربط بين قلوب المؤمنين في الأجيال المتتابعة، ينبغي أن تشدهم دائمًا إلى أن يكونوا قوة في مواجهة الإلحاد، الذي يعمل دائمًا على تمييع العقيدة؛ بل ومحاولة حجبها وربما سحبها من القلوب، فهل لنا أن نحرص نحن المسلمين على أن يمتد هذا الترابط بيننا ويشتد؟! وأن نتواصى بالحق؛ حتى يتوافر لهذه الأمة الأمن والأمان؟! ومن مقاصد الحج أيضًا: تنمية فضيلتي الصبر والمثابرة؛ بل والمبادرة وسرعة الاستجابة على هذا النمط الملحوظ في أداء السعي بين الصفا والمروة، باعتبار أن الاستجابة السريعة هنا، عبادة وقربى إلى الله الذي شرعها. ولا شك أن حيوية الأمة تقاس بصبرها وجلدها في المحن والأزمات، ومواجهات الشدائد برباطة الجأش وحسن التدبير؛ وذلك يكون بالمثابرة على دقة الفكر ونقاء

стр. 275

الإيمان، وسرعة الحركة لمواجهة الخطر مع الحذر، ذلك الصبر مع البدار إلى المواجهة، هو ما يوحي به السعي بين الصفا والمروة؛ طلبًا لفضل الله ورحمته وهدايته، فقد كان سعي هاجر أم إسماعيل ﵍ في هذا المكان، سعيًا مبرورًا مشكورًا ما أتمته؛ طلبًا للنجدة وارتقابًا للإغاثة، حتى كانت رحمة الله وثوابه استجابة لدعوة إبراهيم. وذلك ما ينبغي أن يكون عليه الحجاج؛ استجابة لما يطلبه الله سبحانه من المؤمنين: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية: ١٥٨). وفي الحج ينعقد المؤتمر العام للمسلمين؛ ذلك أن هذا اللقاء الجماعي لأمة الإسلام على اختلاف أوطانهم وألسنتهم وألوانهم لا يقوي فحسب الشعور بالقوة وبالعزة وبترابط المؤمنين برسالة الرسول ﵌ ولا يذكرهم بالمؤمنين السابقين منذ رسالة إبراهيم ﵇ في محاربة الشرك فحسب؛ وإنما يذكرهم بأبي البشرية آدم ﵇ ورسالته الأولى؛ تعزيزًا لروابط الإخوة بين المؤمنين على اختلاف الأزمنة وتعاقب الرسالات السماوية. ولعل ارتباط الحج بأمكنة وأزمنة معينة؛ كان لأن هذه الأمكنة تحدد ذكريات من شأنها أن تطهر النفوس وتزكيها، وتقوي الصلات وتنميها، فهذه الأمكنة لا تقصد لذاتها؛ بل لما يتصل بها من ذكريات العمل والرحمة من أجل الإنسانية ووحدتها، بل وتوحدها بالإيمان والعمل الصالح. وفي الوقوف بعرفات إشارة إلى اجتماع قوى الحق والإيمان، وثباتهم في وجه الباطل، وتجديد عزائمهم المتحدية لصروف الإفك والإثم والعدوان، فالوقوف بعرفات في واقعه، مؤتمر عام تتجمع فيه قوى الخير وتتضامن وتتواصى بالحق والصبر، ولقد كانت خطبة رسول الله ﵌ في حجة الوداع، في مؤتمر عام للمؤمنين، تقرر وتعلن على الملأ حقوق الإنسان وكل الحقوق المتنوعة، وقد أبان

стр. 276

فيها الحلال والحرام، وحذر من الاختلاف، ودعا إلى التآخي بين المؤمنين والتضامن والتعاون؛ حتى ينتصر الحق ويزهق الباطل. وبهذه المناسبة لا أنسى أن أشير وأن أنوه وأن أشيد بجهود المملكة العربية السعودية الدعوية وغير ذلك في الحج، ويطول الحديث عن ذكر ما تقوم به المملكة خدمة لحجاج بيت الله في جميع المجالات، ولكنني -هنا- أشير إلى جهودهم في الدعوة إلى الله فدار الإفتاء وما تقوم به، ووزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، والجامعة والرابطة، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، كل هذه الأجهزة تعمل في الدعوة إلى الله وتعلن على الملأ؛ مبينة لهم الدين القويم الذي بعث به سيد الأنبياء والمرسلين ﵌ فتنتشر وسائل الدعوة إلى الله في كل مكان في المشاعر والمنافذ التي يدخل إليها الحجاج. فهناك إذاعات داخلية وإرشادات ومكاتب وأماكن للفتوى ومطبوعات توزع، وأثناء منى وعرفات تقام السرادقات والأماكن التي تجمع المسلمين؛ لتلقيهم والترحيب بهم، وعقد ندوات ومحاضرات لهم، كل ذلك في الحقيقة استغلال جميل لهذه التجمعات؛ نشرًا لدين الله ﵎ وهذه إشارة يسيرة أشكر بها القائمين على الدعوة في هذا البلد الطيب المبارك، الذي يحمل -بحق وصدق- لواء الدعوة إلى الله على بصيرة من دين الله حيث يعرف هؤلاء الرجال هناك العقيدة الصحيحة التي بعث بها النبي ﵌ ويرفعون راية سنة النبي ﵌. جـ- النوادي والمحافل: والنوادي والمحافل: أماكن يتجمع فيها الناس بعضوية أو لمناسبات بعينها، وما دامت أماكن يتجمع فيها الناس؛ فإن على الدعاة أن يغشوها، وأن يكون لهم حضور فيها، وتأثير في جمهورها، وذلك بالدعوة إلى الإسلام وقيمه وآدابه وسلوكياته الراشدة الهادفة. ولست هنا بصدد مناقشة كيف يصل الدعاة إلى الله إلى هذه النوادي والمحافل؛ لأن أنظمة النوادي أيًّا كان اتجاهها، فلن تعجز الداعية المتفتح عن الوصول إليها، بما أوتيه من لباقة وشخصية وقدرة على تخطي العقبات. وأود أن أشير هنا ببعض المسائل والأمور، أو أن اقترح بعض الأعمال التي يجب أن يقوم بها الدعاة إلى الله مع المدعوين في النوادي والمحافل، وأشير بما يلي:

стр. 277

أولًا: على الدعاة إلى الله أن يعقدوا في هذه النوادي محاضرات جيدة، ويعدونها إعدادًا مناسبًا؛ يتناسب مع رواد النوادي، وأن يعقدوا أيضًا الدروس الأخلاقية المعدة إعدادًا جيدًا كذلك، وأن يشاركوا في بعض أنشطة النادي الرياضية التي تلائم الداعية وتحفظ عليه احترامه وهيبته. وعلى الدعاة أيضًا أن يشاركوا في الرحلات التي يعدها النادي؛ ليكونوا على مقربة من كل نشاط يمارس في هذه النوادي وأن يوجهوا وأن ينصحوا الذين يمارسون هذه الأنشطة ويقومون بهذه الرحلات. وعلى الدعاة إلى الله أن يوثقوا الصلات ببعض أعضاء النادي الذين يتمتعون بتأثير في عضوية النادي، أو تأثير في الرأي العام؛ لاستثمار هذه الصلة في صالح الدعوة إلى الله . وعلى الدعاة أن يشجعوا رواد النوادي على ارتياد مسجد النادي، وإذا لم يكن فيه مسجد؛ عليهم أن يسعوا في إيجاد مكان للصلاة فيه. وهذه مسائل مهمة أود من الدعاة إلى الله ﵎ أن يستفيدوا منها لأنها أماكن يتجمع فيها الناس وقد تكون فيها الاتجاهات متوجهة وجهة غير سليمة. أنتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى وهي المؤتمرات: وأعني بالمؤتمرات: الدعوة إلى الله من خلال المؤتمرات التي تعقد؛ لأن المؤتمر تجميع يدعى إليه أكبر عدد ممكن من مختلف المناطق المهتمة بالعمل الإسلامي، ويغلب على المدعوين في هذه المؤتمرات الثقافة كما يغلب عليهم الاهتمام بقضايا المسلمين إن كانوا مسلمين. ويستهدف المؤتمر التقريب بين أرجاء العالم الإسلامي المترامي الأطراف، وعلى الدعاة أن يهتموا بالدعوة إلى الله في هذه المؤتمرات ليس في قطر بعينة، ولكن

стр. 278

في أي قطر يمكن أن يعقد فيه مؤتمر؛ توثيقًا للأخوة الإسلامية، ودعمًا لفكرة أن المؤمنين إخوة؛ وذلك يساعد على وحدة المسلمين ويحي فكرة الأمة الإسلامية الواحدة بينهم، ويوصل دين الله ﵎ إلى هذه الجموع الموجودة، فعلى الدعاة إذًا، الاستفادة من هذه التجمعات التي يلتقي فيها أرباب الثقافة ورموز الأمة، وأن يساهموا في توجيه برامج هذه المؤتمرات بما يعود على المسلمين بالفوائد العاجلة والآجلة. أنتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى أخيرة وهي التجمعات النسائية: للمرأة دورًا كبير ومكانة عالية في المجتمع؛ فهي الأم، والزوجة، والبنت، وعليه: فيجب الاهتمام بهن والدعوة بينهن، كما يجب الاهتمام بالتجمعات النسائية، ومهما تنوعت الاجتهادات وتغيرت الاتجاهات؛ فإن ذلك لا يخفي حقيقة أن المرأة كان لها وجود مكثف في الأسرة وفي المجتمع، وكان النساء في عهد النبي ﵌ يقمن بدور فعال في الدعوة إلى الله . وبالتالي: على الدعاة أن يوجهوا قسطًا كبيرًا من الدعوة إلى الله في وسط النساء، وأن يهتم الدعاة بهن؛ حتى يخرجن من بين هؤلاء النسوة فضليات يدعون إلى الله ﵎ ولقد كانت أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- عالمة فقيهة تدعو إلى الله بنور من كتاب الله وهدي النبي ﵌. وفي هذا الإطار أود أن أشير إلى ضرورة إيجاد داعيات إلى الله ينتشرن بين النساء وفي التجمعات النسائية؛ ليقمن بالدعوة إلى الله ﵎. وختامًا أصلي وأسلم على خير الورى محمد بن عبد الله ﵌ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 279

الدرس: ٩ الجهاد في سبيل الله تعالى .

стр. 280

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (الجهاد في سبيل الله تعالى) ١ - الجهاد في سبيل الله تعريف الجهاد وذكر أنواعه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين. وبعد: فأحييكم أيها الإخوة الكرام في بداية هذا اللقاء، وعنوان هذا اللقاء الجهاد في سبيل الله تعالى، ويشتمل على العناصر التالية العنصر الأول تعريف الجهاد، وذكر أنواعه، ويشتمل على النقاط التالية: أ- كلمة عن الحروب بصورة عامة: قبل أن أفصّل القول في موضوع الجهاد في الإسلام أود أن أتكلم عن الحرب بصورة عامة، فأقول -وبالله التوفيق-: منذ أن وُجِدَتْ البشرية على سطح الكرة الأرضية، وهناك صراعٌ بين الحق والباطل، بين قوى الخير وقوى الشر، ولعل هذا ما يشير إليه قول الله ﵎: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (المائدة: ٢٧: ٣١). فهذه الآيات تبين ما جرى بين ابني آدم، وهذا كان في أول الخلق كما نعلم ذلك؛ لأن آدم ﵇ هو أبو البشر، وأبو المخلوقات من بني آدم، وقد حصل هذا مع اثنين من أولاده، فدل هذا على أن الصراع بين الحق والباطل قديمٌ جدًّا. كما يذكر لنا القرآن الكريم موقف موسى ﵇ من بني إسرائيل، وقد طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة ويقاتلوا القوم الجبارين، فجبنوا وتخاذلوا وتقاعسوا، وهذا هو شأنهم دائمًا، النكس بالعهود، وعدم الاستجابة للأوامر، وظهورهم على حقيقتهم الجبانة إذا داهمهم خطرٌ محققٌ، قال الله -تبارك

стр. 281

وتعالى- في بيان ذلك: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: ٢١: ٢٣). وقال سبحانه مبينًا دفع الناس بعضهم ببعض: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٤٠). ويمكن إرجاع الحرب التي تحدث بين الشعوب والأمم إلى أسباب، هي: السبب الأول: المنافسة التي تحدث بين القبائل المتجاورة عادة، ولعل الحروب الطاحنة التي دارت رحاها بين القبائل العربية قبل الإسلام تؤيد هذا السبب، وتبرز صحته، وأذكر على سبيل المثال من ترك الحروب حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس. السبب الثاني: العدوان الذي ينشأ بين الأمم المتأخرة في الثقافة والحضارة، وكثيرًا ما تستهدف تلك الأمم استغلال الشعوب المستضعفة، وبسط سلطانها عليها لتسخيرها لأغراضها العدوانية، وللاستفادة من منافع بلادها بغير حق. السبب الثالث: الغضب لله ولدينه، وهو الجهاد المشروع في الإسلام، ومن أنواعه: الدفاع عن كلمة التوحيد، والسعي لعبادة الله في الأرض، وإقامة شعائر الدين، وهذا ما سأتحدث عنه بتفصيل -إن شاء الله ﵎ فيما سيأتي بعد.

стр. 282

السبب الرابع: غضبٌ للسلطان، وهي الحرب التي يخوضها صاحب السلطان ضد المتمردين على حكمه الخارجين على سلطانه. أما الجهاد في الإسلام، فهو جهاد إنساني لم يشهد المؤرخون أنبل من أغراضه، ولا أسمى من أهدافه، ولا أرفع من مقاصده، فهو يجنح للسلم إن طلب العدو ذلك، وهو رحيم رفيق لا يعتدي ولا يأخذ على حين غرة، ولا يقتل شيخًا مُسِنًّا، ولا امرأة، ولا طفلًا، ولا آمنًا غير باغٍ ولا آثم، وشريعة الإسلام في الجهاد شريعة عادلة غير معتدية كغيرها من الشرائع الإسلامية التي جاءت لتحمي لا لتبدد، ولتعدل لا لتبغي لا لتفرق، ولتنشر السلام والأمن لا لترهب الضعيف الآمن. ولقد ظل رسول الهدى والرحمة ﵌ في مكة المكرمة ثلاثة عشرة سنة يدعو إلى عقيدة التوحيد بالحسنى، ويصبر على أذى المؤذين واعتداء المعتدين، ولم تمتد يده الشريفة لرد الأذى، أو لدفع العدوان بعدوان مثله، وإنما ﵌ صبر وصابر، وحث المسلمين على الثبات والتحمل والدفع بالحسنى، ورد الإيذاء بالقول الحكيم حتى ضاقت نفوس الصحابة -رضوان الله عليهم- مما عانوا ومما لاقوا من عنت المشركين، ومن مضايقة الضالين، ومن اعتداء المعتدين، فما كان منهم إلا أن تركوا الديار والأهل والأوطان والمال أيضًا، تركوا ملاعب الصبًا ومرتع الشباب، تركوا الأحبة والأصحاب، وهان عليهم المال والممتلكات؛ فهاجروا من مكة إلى الحبشة مرتين فرارًا بدينهم، وإيثارًا لما عند الله من ثواب وأجر، ولقد كانت الآيات في هذه المرحلة تتنزّل على النبي ﵌ وتأمره بالصبر والعفو عن هؤلاء الجاهلين المكذبين، وبيان ذلك في قول الله تعالى مثلًا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) وكقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصّلت: ٣٤).

стр. 283

وقال -جل من قائل- مبينًا شيئًا من صفات عباد الرحمن، وكيف كانوا يواجهون أهل البغي والعدوان، يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (الفرقان: ٦٣). وقال -جل شأنه-: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٣٥). ونزلت الآيات تطرى في تثبيت جلال الرسول ﵌ وفي الصبر على تحمل واجبات الدعوة، وفي احتمال الأذى في سبيل الله، ولِمَ لا يكون ذلك وقد أمره ربه بذلك في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٤). وقد كانت الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة تنفذ من وراء الحجب، وتدخل إلى النفوس والقلوب؛ فتلين لها القلوب، وتخضع لها النفوس، وتهذب بها الأخلاق، وتسمو بها الأرواح، وتطمئن لها الضمائر، وتنشط الأجسام، وتستنير العقول، وكان كل مَنْ يعرف الإسلام ويقتنع بهذه الدعوة المثلى يذهب إلى قومه، ويبشرهم بجنة عرضها السموات والأرض، إن هم نطقوا بالشهادتين إيمانًا واحتسابًا، وإن هم اطمئنوا بالتوحيد، وإن صدقت قلوبهم رسول الله ﵌ فيما يدعو إليه؛ ولهذا رأينا أن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، ولكن الشر وأعوانه، والشرك وأتباعه، والباطل وأهله ساءهم ظهور الحق، وساءهم أن يروا الناس مؤمنين موحدين، فأوقعوا الأذى المادي والمعنوي، والعذاب بكل أصنافه وبشتى مراتبه في النفوس الأبية الموحدة، وانتفش الضلال، وازداد المكر، وظن الكفر أن الصولة والجولة له فتعمق في غوايته، وتفنن في مفاسده، وكانت حربًا نكراء على المسلمين المؤمنين؛ إذ أن وجود الإسلام والمسلمين المتمسكين به يرعب الكافرين، ويخيف أعداء الدين، والله ﵎ كما أخبر في كتابه

стр. 284

مع الذين آمنوا، ومع الذين اتقوا، والذين هم محسنون، واتجهت إرادة الله ﵎ لابتلاء المؤمنين ولتمحيصهم، ولإظهار حقيقة تمسكهم بالحق وثباتهم عليه، وتفانيهم في سبيله؛ ففرض الجهاد بعد الهجرة إلى المدينة المنورة. ولعلي بهذا قد أوضحت أمرًا مهمًا بين حديثي عن الجهاد في سبيل الله، هو أن الصراع قائمٌ بين الحق والباطل، وأن الجهاد في سبيل الله تطلبته مواقف، ودعت إليه أمور، وهو أمرٌ يختلف تمامًا عن الحروب التي كانت تقوم وتدور رحاها بين الكافرين والجاهلين قبل بعثة النبي الأمين ﵌. ب- تعريف الجهاد: عَرّفَ العلماء الجهاد لغة بأنه: المشقة، فيقال: جَهدت جهادًا أي: بلغت المشقة، وجاهد العدو مجاهدة وجهادًا قاتله، وجاهد في سبيل الله كذلك، وفي الحديث: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)) والجهاد محاربة الأعداء، وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قولٍ أو فعلٍ، والمراد بالنية التي يشير إليها العلماء عند تعريفهم للجهاد، أو قولهم: بأن الجهاد في سبيل الله لا بد أن يكون كذلك، أو ما جاء في الحديث: ((ولكن جهاد ونية)) المراد بالنية هنا: إخلاص العمل لله، والمعنى: أنه لم يبق بعد فتح مكة هجرة؛ لأنها قد صارت دار إسلام، وإنما هو الإخلاص في الجهاد وقتال الكفار، وإن بقيت الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وأيضًا هجران المعاصي والذنوب والآثام، وما إلى ذلك. وعلى هذا فالجهاد هو المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب واللسان، أو ما أطاق من شيء، وفي حديث الحسن -رضي الله تعالى عنه-: "لا يجهد الرجل ماله ثم يقعد يسأل الناس" قال النضر: قوله: "لا يجهد الرجل ماله" أي: يعطيه ويفرقه جميعًا ها هنا وها

стр. 285

هنا، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (البقرة: من الآية: ٢١٩) هذا هو معنى الجهاد في اللغة. أما الجهاد في الشرع، فهو: بذل الجهد في جهاد الكفار؛ لأن الكفر بالله يعتبر من أكبر الجرائم الشنيعة التي يرتكبها مخلوقٌ في حقِّ خالقه؛ لما فيه من عقوقٍ وجحودٍ للفضل والجَميل، ويُطلق الجهاد في الشرع أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، وتتحقق مجاهدة النفس بتعلم أمور الدين؛ لقول الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (محمد: من الآية: ١٩) ولقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية: ٢٨). ولقول رسول الله ﵌: ((من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين)) ولقوله ﵌: ((العلماء ورثة الأنبياء)) كما يتحقق بأمور الدين بالعمل وتعليم الدين ونشره مصداقًا لقول الرسول ﵌: ((مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث كثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مَثَلُ مَنْ فَقِه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومَثَلُ مَنْ لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به)). وقال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: "كونوا ربانيين حلماء فقهاء" ويقال الرباني: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ إذن الجهاد يكون أيضًا بتعلم أمور الدين ونشره والدعوة إليه. أما مجاهدة الشيطان فإنها تتحقق بدفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات؛ إذ أن الشيطان متوعد لآدم وبنيه، وذلك واضح من قول الله -تبارك
следующие страницы →