Полный текст (490 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وتعالى- في بيان ذلك: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: ٢١: ٢٣).
وقال سبحانه مبينًا دفع الناس بعضهم ببعض: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٤٠).
ويمكن إرجاع الحرب التي تحدث بين الشعوب والأمم إلى أسباب، هي:
السبب الأول: المنافسة التي تحدث بين القبائل المتجاورة عادة، ولعل الحروب الطاحنة التي دارت رحاها بين القبائل العربية قبل الإسلام تؤيد هذا السبب، وتبرز صحته، وأذكر على سبيل المثال من ترك الحروب حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس.
السبب الثاني: العدوان الذي ينشأ بين الأمم المتأخرة في الثقافة والحضارة، وكثيرًا ما تستهدف تلك الأمم استغلال الشعوب المستضعفة، وبسط سلطانها عليها لتسخيرها لأغراضها العدوانية، وللاستفادة من منافع بلادها بغير حق.
السبب الثالث: الغضب لله ولدينه، وهو الجهاد المشروع في الإسلام، ومن أنواعه: الدفاع عن كلمة التوحيد، والسعي لعبادة الله في الأرض، وإقامة شعائر الدين، وهذا ما سأتحدث عنه بتفصيل -إن شاء الله ﵎ فيما سيأتي بعد.
стр. 282
السبب الرابع: غضبٌ للسلطان، وهي الحرب التي يخوضها صاحب السلطان ضد المتمردين على حكمه الخارجين على سلطانه.
أما الجهاد في الإسلام، فهو جهاد إنساني لم يشهد المؤرخون أنبل من أغراضه، ولا أسمى من أهدافه، ولا أرفع من مقاصده، فهو يجنح للسلم إن طلب العدو ذلك، وهو رحيم رفيق لا يعتدي ولا يأخذ على حين غرة، ولا يقتل شيخًا مُسِنًّا، ولا امرأة، ولا طفلًا، ولا آمنًا غير باغٍ ولا آثم، وشريعة الإسلام في الجهاد شريعة عادلة غير معتدية كغيرها من الشرائع الإسلامية التي جاءت لتحمي لا لتبدد، ولتعدل لا لتبغي لا لتفرق، ولتنشر السلام والأمن لا لترهب الضعيف الآمن.
ولقد ظل رسول الهدى والرحمة ﵌ في مكة المكرمة ثلاثة عشرة سنة يدعو إلى عقيدة التوحيد بالحسنى، ويصبر على أذى المؤذين واعتداء المعتدين، ولم تمتد يده الشريفة لرد الأذى، أو لدفع العدوان بعدوان مثله، وإنما ﵌ صبر وصابر، وحث المسلمين على الثبات والتحمل والدفع بالحسنى، ورد الإيذاء بالقول الحكيم حتى ضاقت نفوس الصحابة -رضوان الله عليهم- مما عانوا ومما لاقوا من عنت المشركين، ومن مضايقة الضالين، ومن اعتداء المعتدين، فما كان منهم إلا أن تركوا الديار والأهل والأوطان والمال أيضًا، تركوا ملاعب الصبًا ومرتع الشباب، تركوا الأحبة والأصحاب، وهان عليهم المال والممتلكات؛ فهاجروا من مكة إلى الحبشة مرتين فرارًا بدينهم، وإيثارًا لما عند الله من ثواب وأجر، ولقد كانت الآيات في هذه المرحلة تتنزّل على النبي ﵌ وتأمره بالصبر والعفو عن هؤلاء الجاهلين المكذبين، وبيان ذلك في قول الله تعالى مثلًا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) وكقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصّلت: ٣٤).
стр. 283
وقال -جل من قائل- مبينًا شيئًا من صفات عباد الرحمن، وكيف كانوا يواجهون أهل البغي والعدوان، يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (الفرقان: ٦٣).
وقال -جل شأنه-: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٣٥).
ونزلت الآيات تطرى في تثبيت جلال الرسول ﵌ وفي الصبر على تحمل واجبات الدعوة، وفي احتمال الأذى في سبيل الله، ولِمَ لا يكون ذلك وقد أمره ربه بذلك في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٤).
وقد كانت الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة تنفذ من وراء الحجب، وتدخل إلى النفوس والقلوب؛ فتلين لها القلوب، وتخضع لها النفوس، وتهذب بها الأخلاق، وتسمو بها الأرواح، وتطمئن لها الضمائر، وتنشط الأجسام، وتستنير العقول، وكان كل مَنْ يعرف الإسلام ويقتنع بهذه الدعوة المثلى يذهب إلى قومه، ويبشرهم بجنة عرضها السموات والأرض، إن هم نطقوا بالشهادتين إيمانًا واحتسابًا، وإن هم اطمئنوا بالتوحيد، وإن صدقت قلوبهم رسول الله ﵌ فيما يدعو إليه؛ ولهذا رأينا أن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، ولكن الشر وأعوانه، والشرك وأتباعه، والباطل وأهله ساءهم ظهور الحق، وساءهم أن يروا الناس مؤمنين موحدين، فأوقعوا الأذى المادي والمعنوي، والعذاب بكل أصنافه وبشتى مراتبه في النفوس الأبية الموحدة، وانتفش الضلال، وازداد المكر، وظن الكفر أن الصولة والجولة له فتعمق في غوايته، وتفنن في مفاسده، وكانت حربًا نكراء على المسلمين المؤمنين؛ إذ أن وجود الإسلام والمسلمين المتمسكين به يرعب الكافرين، ويخيف أعداء الدين، والله ﵎ كما أخبر في كتابه
стр. 284
مع الذين آمنوا، ومع الذين اتقوا، والذين هم محسنون، واتجهت إرادة الله ﵎ لابتلاء المؤمنين ولتمحيصهم، ولإظهار حقيقة تمسكهم بالحق وثباتهم عليه، وتفانيهم في سبيله؛ ففرض الجهاد بعد الهجرة إلى المدينة المنورة.
ولعلي بهذا قد أوضحت أمرًا مهمًا بين حديثي عن الجهاد في سبيل الله، هو أن الصراع قائمٌ بين الحق والباطل، وأن الجهاد في سبيل الله تطلبته مواقف، ودعت إليه أمور، وهو أمرٌ يختلف تمامًا عن الحروب التي كانت تقوم وتدور رحاها بين الكافرين والجاهلين قبل بعثة النبي الأمين ﵌.
ب- تعريف الجهاد:
عَرّفَ العلماء الجهاد لغة بأنه: المشقة، فيقال: جَهدت جهادًا أي: بلغت المشقة، وجاهد العدو مجاهدة وجهادًا قاتله، وجاهد في سبيل الله كذلك، وفي الحديث: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)) والجهاد محاربة الأعداء، وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قولٍ أو فعلٍ، والمراد بالنية التي يشير إليها العلماء عند تعريفهم للجهاد، أو قولهم: بأن الجهاد في سبيل الله لا بد أن يكون كذلك، أو ما جاء في الحديث: ((ولكن جهاد ونية)) المراد بالنية هنا: إخلاص العمل لله، والمعنى: أنه لم يبق بعد فتح مكة هجرة؛ لأنها قد صارت دار إسلام، وإنما هو الإخلاص في الجهاد وقتال الكفار، وإن بقيت الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وأيضًا هجران المعاصي والذنوب والآثام، وما إلى ذلك.
وعلى هذا فالجهاد هو المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب واللسان، أو ما أطاق من شيء، وفي حديث الحسن -رضي الله تعالى عنه-: "لا يجهد الرجل ماله ثم يقعد يسأل الناس" قال النضر: قوله: "لا يجهد الرجل ماله" أي: يعطيه ويفرقه جميعًا ها هنا وها
стр. 285
هنا، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (البقرة: من الآية: ٢١٩) هذا هو معنى الجهاد في اللغة.
أما الجهاد في الشرع، فهو: بذل الجهد في جهاد الكفار؛ لأن الكفر بالله يعتبر من أكبر الجرائم الشنيعة التي يرتكبها مخلوقٌ في حقِّ خالقه؛ لما فيه من عقوقٍ وجحودٍ للفضل والجَميل، ويُطلق الجهاد في الشرع أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، وتتحقق مجاهدة النفس بتعلم أمور الدين؛ لقول الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (محمد: من الآية: ١٩) ولقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية: ٢٨).
ولقول رسول الله ﵌: ((من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين)) ولقوله ﵌: ((العلماء ورثة الأنبياء)) كما يتحقق بأمور الدين بالعمل وتعليم الدين ونشره مصداقًا لقول الرسول ﵌: ((مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث كثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مَثَلُ مَنْ فَقِه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومَثَلُ مَنْ لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به)).
وقال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: "كونوا ربانيين حلماء فقهاء" ويقال الرباني: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ إذن الجهاد يكون أيضًا بتعلم أمور الدين ونشره والدعوة إليه.
أما مجاهدة الشيطان فإنها تتحقق بدفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات؛ إذ أن الشيطان متوعد لآدم وبنيه، وذلك واضح من قول الله -تبارك
стр. 286
وتعالى-: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: ١٦، ١٧).
وأما مجاهدة الفساق فتحقق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبإلزامهم على الحق واتباعه، واجتناب المنكر والتبري منه؛ لقول الرسول ﵌: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) وفي رواية: ((وليس بعد ذلك من حبة خردل من إيمان)).
وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وتكون مجاهدتهم أكبر وآكد إذا اعتدوا على حرمات المسلمين وأوطانهم ومقدساتهم إلى أن يعود الأمن إلى ديار المسلمين، وتعلو كلمة الله دون أن تَحُدّ منها فتنة المفتنين وضلالة المضلين، قال الله ﵎: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: من الآية: ١٩٣).
وسيأتي توضيحٌ لذلك أكثر -إن شاء الله ﵎ فيما سيأتي بعد، ولكني أردت هنا أن أبين عند تعريفي للجهاد في الشرع أنه يشمل الجهاد بالسيف والسنان، ويشمل أيضًا الجهاد في سبيل دفع الشيطان، وفي نشر رسالة الإسلام، ورد المعتدين من الفساق والظالمين، وما إلى ذلك.
جـ- أنواع الجهاد في سبيل الله ﵎:
للجهاد أنواع كثيرة منها:
النوع الأول: الجهاد بالنفس، أي: أن يذهب المؤمن بنفسه، ويقاتل أعداء العقيدة وأعداء الدين، والجهاد بالنفس أعلى مراتب الجهاد وأعظمها قدرًا وأعلاها شأنًا، وهل يملك الإنسان أغلى من روحه فيجود بها في سبيل الله، قال رسول الله ﵌ مشيرًا ومبينًا عظمة الجهاد بالنفس في سبيل الله ﵎ يقول: ((انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يُخرِجه إلا إيمانٌ وتصديقٌ برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل)).
стр. 287
النوع الثاني من أنواع الجهاد: الجهاد بالمال، فالمسلم القادر يجهز نفسه بماله، ويجاهد كذلك في سبيل الله بنفسه، فيكون قد جمع بين فضيلتين عظيمتين: الجهاد بالنفس، والجهاد بالمال، وقد يكون غير قادر جسميًا على القتال، ولكنه قادر ماليًّا فينفق من ماله لمساعدة المجاهدين بالنفس في سبيل الله ﵎.
وفي عهد الرسول ﵌ كان المجاهد المسلم يجهز نفسه بعدة القتال، وبمركب القتال، وبزاد القتال، ولم تكن هناك رواتب يتناولها القادة والجند، وإنما كان العمل تطوعًا بالنفس وتطوعًا بالمال، وهذا شأن العقيدة حين تسكن في القلب، وكان كثيرٌ من الفقراء المسلمين الراغبين في الجهاد في سبيل الله تعالى والزود عن منهج الله في أرضه وراية العقدية، لا يجدون ما يزودون به أنفسهم، ولا ما يتجهزون به من عِدة ومركب؛ فيلجئون إلى النبي ﵌ يطبلون منه الوسيلة التي تحملهم إلى ميدان المعركة البعيد الذي لا يبلغه على الأقدام، فإذا لم يجدوا ذلك ﴿تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ (التوبة: من الآية: ٩٢).
النوع الثالث من أنواع الجهاد في سبيل الله ﵎: المساعدة على الجهاد:
وأود من إخواني المستمعين أن ينتبهوا لهذه المسألة؛ لأن البعض قد يغفل عنها، وقد يظن أن الجهاد بالنفس أو بالمال فقط، فإذا لم يحب أن يجاهد بنفسه، أو ضعف عن ذلك لسببٍ ما، أو كان ليس عنده مال ظن أنه قد برئ بذلك، ولم يفعل شيئًا، ولم يقدم خيرًا للمجاهدين في سبيل الله ﵎ وهذا في الحقيقة أمرٌ غير صحيح، بل إن المساعدة على الجهاد في سبيل الله نوعٌ من أنواع الجهاد في سبيل الله ﵎ ويكون ذلك بالإسهام في كل عملٍ من شأنه التمكين من أسباب النصر، ويتحقق هذا بمضاعفة الجهد في الإنتاج الحربي، سواء كان ذلك بالصناعة أو
стр. 288
الزراعة أو التجارة، وبالمساهمة في جلب المعدات الحربية، أو العمل على إنتاجها وترقية مستواها؛ لتضارع أرقى الأسلحة وأقواها.
ويتحقق الجهاد أيضًا بإعداد الجنود إعدادًا دينيًّا تربويًّا وخلقيٌّا وعسكريًّا، ومن ثَمّ تدريبهم على أحدث الأسلحة وأجودها؛ حتى يكونوا مسلمين مجاهدين، فالتربية والخُلق مطلبٌ ديني حري أن يتحقق، بل يجب أن يكون الخُلق قبل التدريب على حمل السلاح والدعوة إلى الجهاد، وقبل التحام الجيشين للقتال؛ لأننا نحن المسلمين نقاتل من أجل عقيدة لها قيمها، ولها مبادئها ومثلها، وإذا أردنا أن ننتصر على قوى الشر فعلينا أن نقف على قاعدة صلبة من الإيمان والتقوى، والخُلق الكريم، فإننا بهذه المُثل وبتحقيقها نستطيع -إن شاء الله ﵎ أن ننتصر، والله ينجز وعده للمتقين الذين يحيون بالعقيدة، ومن أجلها قال الله -جل ذكره- مبينًا وعده هذا لعباده المؤمنين: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية: ٤٠).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر: ٥١).
وقال -جل ذكره-: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج: ٤١) تأملوا قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ ... ﴾ إلى آخره، فلا بد إذن من الاعتقاد الصحيح، ومن العمل بهذا الدين، ومن الخُلق القويم؛ حتى ننال وعد الله ﵎ بالنصر والتمكين، أما أولئك القوم الذين يتركون العبادات، ويفعلون المنكرات، ويرتكبون ما حرم الله ﵎ ففيم يريدون أن يجاهدوا إذن؟
هؤلاء في الحقيقة قومٌ فاسقون يجب جهادهم أولًا، وهم في حقيقة الأمر ليسوا جنودًا للإسلام، وإنما هم جنودٌ للأهواء والشهوات، إن الجندي المسلم هو الذي يحمل المصحف بيد ويحمل السلاح باليد الثانية، هذا المجاهد حقًّا، وهذا الذي وعده الله بإحدى الحسنيين: إما النصر وإما الجنة.
стр. 289
ومن المساعدة على الجهاد أيضًا -أيها الإخوة الكرام-: أن يتبرع الإنسان بالدم، فالتبرع بالدم كالتبرع بالمال سواء بسواء، وهو من المساعدة على الجهاد في سبيل الله ﵎.
ومن المساعدة أيضًا: حراسة أجهزة الدولة من تخريب العدو، والتصدي لدعايات العدو وإشاعات المنافقين والمغرضين، ومن ثَمّ كشفها والرد عليها بالكلمة الواضحة.
ويتحقق الجهاد أيضًا بالعمل البناء لإقامة التضامن الإسلامي، وتكتيل جهود المسلمين، وتوطيد أواصر المحبة بينهم، وتوجيه قواهم المادية والمعنوية لمقاومة العدو المتربص بالمسلمين الدوائر، وعلى المؤمنين أن يحفظوا أسرار المجاهدين كي لا تتسرب للعدو، وأن يعملوا رعاية أسر المقاتلين والشهداء بأي نوعٍ من أنواع الحماية والإحسان، وذلك تصديقًا لقول رسول الله ﵌: ((من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخيرٍ فقد غزا)) وكان النبي ﵌ لم يكن يدخل بيتًا بالمدينة غير بيت أم سُليمٍ -رضي الله تعالى عنها- إلا على أزواجه؛ فقيل له في ذلك -يعني: قيل له: لِمَ تدخل بيت أم سُليمٍ؟ - فقال: ((إني أرحمها، قُتِلَ أخوها معي)) وهذا أيضًا لون من المساعدة في سبيل الله ﵎ وذلك بالمواساة، وتقديم المساعدة بأي لونٍ من ألوان التقديم.
وأحب أن أشير للمستمع الكريم إلى أن الإمام ابن القيم ﵀ ﵎ ذكر كلمات عن مراتب الجهاد في سبيل الله وهي تدخل تحت أنواع الجهاد، وسأشير إليها الآن إشارة يسيرة خفيفة كي أبصر إخواني بأن الجهاد لا يقتصر على الجهاد بالنفس فقط كما ذكرت آنفًا، وإنما يتعداه إلى أمورٍ أُخر.
يقول الإمام ابن القيم ﵀ ﵎: "الجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين".
стр. 290
ثم ذكر أن جهاد النفس يقع أيضًا في أربع مراتب: إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق، والثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، والثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه مَنْ لا يعلم، ورابعها: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله ﵎ أذى الخلق.
ثم أشار إلى جهاد الشيطان، وذكر أنه مرتبتان: إحداهما: جهاده على دفع ما يُلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان، والثانية: جهاده على دفع ما يُلقي إليه الشيطان من الإرادات الفاسدة والشهوات.
ثم قال: "وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخص باليد وجهاد المنافقين أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.
ثم قال ﵀: وأما جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات فثلاث مراتب: الأولى باليد إذا قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقلبه".
فهذه ثلاث عشر مرتبة من الجهاد في سبيل الله ﵎ هذه كلمات يسيرة ذكرها الإمام ابن القيم ﵀ ﵎ وهي تفيدنا هنا عند حديثي عن أنواع الجهاد في سبيل الله .
مشروعية الجهاد وسببه ومراحله وفضله
مشروعية الجهاد، وسببه، ومراحله، وفضله، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- تاريخ تشريع الجهاد في الإسلام:
قال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ ﵎ في تفسيره: شرع الله ﵎ الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأن المسلمين كانوا بمكة أقل عددًا، وكان المشركين أكثر عُدة وعددًا، فلو أمر الله المسلمين، وهم أقل من العشر
стр. 291
بقتال الباقين لشق عليهم ذلك، فلما بغى المشركون، وأخرجوا النبي ﵌ من بين أظهرهم وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شذر مذر؛ فذهبت طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة، فلما استقر بالمدينة ووافاهم رسول الله ﵌ واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وسارت لهم دار إسلام ومعقلٍ يلجئون إليه، شرع الله جهاد الأحزاب.
ويرى بعض العلماء أن هناك حكمة أخرى من وراء تأخير تشريع الجهاد إلى ما بعد الهجرة، وهي: أن الإسلام يحرص كل الحرص على تربية نفوس المؤمنين كي يصبحوا أهلًا لتحمل الأمانة، وأهلًا للدافع عن العقيدة، فأصّل فيهم الفضائل، وبذر فيهم بذور الصبر والمصابرة، والثبات والمجاهدة، واحتمال المكاره، وأعدهم إعدادًا جعل منهم نماذج فريدة للشجاعة والثبات، والنضج والوعي يهابهم المشركون، ويحتسبون منهم، ويخافون من مواجهتهم رغم قلة عددهم، والإيمان يفعل الأعاجيب، ويورث في النفس البشرية شحنة عالية من الطاقة المتدفقة، ورصيدًا هائلًا من القوة الفاعلة الدافعة، وهذا في الحقيقة ثمرة جليلة من ثمرة العقيدة الإسلامية الصحيحة.
فالإسلام إذن ما شرع الجهاد إلا بعد أن ربى هؤلاء الفتية تربية صحيحة سليمة، دفعتهم إلى الاستجابة لأمر الله ﵎ حينما طُلِبَ منهم الجهاد في سبيل الله وقد اتفقت كلمة علماء المسلمين على أن الجهاد إنما شُرِعَ بعد الهجرة؛ حيث واصل المشركون عدوانهم على المؤمنين، وذلك بتعزير مَنْ بقي منهم بمكة، وملاحقة مَنْ هاجر إلى المدينة، وبحبك المؤامرات للقضاء على الدعوة في مهدها، ونجد أن صاحب الدعوة ﵌ إزاء هذا العدوان المرير المتواصل، وإزاء تجاوز قريش لحدود العقل والمنطق، وذلك في إيقاعها الضرر تلو الضرر بالمسلمين المؤمنين البررة الأتقياء، كان يتطلع إذن إلى أن يرد هذا العدوان
стр. 292
عنه وعن أصحابه؛ ولذلك أذن الله ﵎ لرسوله ﵌ بالقتال ردًّا للعدوان، وتثبيتًا لدعائم الدولة الإسلامية، وفي ذلك يقول الحق ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٣٩، ٤٠).
قال الإمام ابن القيم ﵀ ﵎ في كتابه (زاد المعاد): إن الله ﵎ لم يأذن للمسمين في القتال بمكة، إذ لم يكن لهم يوم ذاك شوكة يتمكنون بها من القتال، وإن سياق الآية يدل على أن الإذن كان بعد الهجرة، وبعد إخراجهم من ديارهم، فإنه قال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وهؤلاء هم المهاجرون، وإن الله سبحانه أمر المؤمنين بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد والسيف والآلة وغير ذلك، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة.
فأما جهاد الحجة فهو يختلف عن القتال اختلافًا بينًا، والفرق بينهما جليٌّ وظاهر، وقد أُمر الرسول ﵌ بجهاد الحجة في مكة المكرمة بقول الله ﵎: ﴿فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٥٢) فهذه الآية الكريمة مكية، والمراد بالجهاد فيها: جهاد التبليغ والبيان، وجهاد الحجة والدليل والبرهان.
ب- سبب تشريع الجهاد:
الإسلام دين حجة وبرهان، الإسلام -كما نعلم جميعًا- دينٌ نزل من عند الله ﵎ ليحق الحق ويبطل الباطل، وهو دينٌ يقوم على الاقتناع العقلي والفهم لكل من يدخل
стр. 293
فيه، ولم يلزم الإسلام أحدًا على الدخول فيه إلزامًا، ولم يرغم أحدًا على قَبُولِه، فكيف يتهم بعد ذلك بأنه دين يلزم الناس بالدخول فيه، أو أنه يكرههم عليه؟! والجهاد في سبيل الله ﵎ لم يُشرع إلزام الناس على الدخول في دين الله، أو إكراههم على ذلك؛ ولهذا نقول بكل ثقة وبكل يقين في سبب مشروعية الجهاد في سبيل الله:
إن الجهاد في سبيل الله إنما شرع لرد العدوان، ودفع الشر، وللدفاع عن النفس، وهو مبدأ لا يمكن أن يجادل فيه عاقل منصف نزيه مهما كان معتقده، وقد واصل المشركون كيدهم اللئيم، ومكرهم الخبيث، وعدوانهم المتزايد على المسلمين أينما حلوا وفوق أي أرض نزلوا، وفي أي البلدان وُجِدوا وإلى أي الأقطار اتجهوا يوقعون بهم شتى أنواع الأذى، ومختلف ضروب العذاب؛ ليفتنوهم عن دينهم، وليردوهم على أعقابهم، وقد هموا بما لم ينالوا، هموا بقتل الرسول ﵌ صاحب الدعوة وحامل الرسالة لولا أن تدخلت عناية الله ورحمته من اليد الآثمة الشريرة، وصدق الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ (المائدة: من الآية: ٦٧).
وأمام تزايد ظلم قريش تطلع المؤمنون بالأمل الوثاب إلى يوم عزيز، يأذن الله به بقتال الكافرين ليجدوا طريقًا مشروعًا وسبيلًا سليمًا، يرفعون به ما لحقهم من ضيم وهوان، ويردون به ما نالهم من أذى وعذاب، ويستردون ما غُصِبَ منهم من حقٍّ ومالٍ وممتلكات، وعلى هذا فإن الإسلام دين عزة وقوة ومنعة، وليس بدين استسلام واستكانة، ورضى بالهوان، وطلب معيشة ذليلة، وهو لا يرضى للمسلمين الخنوع والجبن، وقبول واقع مرير وحياة وضعية، والفضيلة كل الفضيلة تتجلى في رد الاعتداء، ومنع الخضوع للأقوياء المشركين، ولو تُرِكَ الأشرار وشأنهم يعيثون فسادًا من غير رادعٍ يردعهم، ولا مانع يمنع طغيانهم وبغيهم لعم الفساد في البر والبحر، ومصداق ذلك في قول الله ﵎:
стр. 294
﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥١).
ولعل الحكمة من مشروعية الجهاد في الإسلام قد استبانت إذن، ويمكن إرجاعها إلى العوامل التالية:
أولًا: الدفاع عن النفس.
ثانيًا: رد العدوان.
ثالثًا: تأمين حرية العقيدة، وإقامة الشعائر الدينية.
يقول الشيخ عبد الله بن زيد المحمود ﵀ ﵎ في كتابه (الجهاد المشروع في الإسلام): لقد عشنا زمنًا طويلًا، ونحن نعتقد ما يعتقده بعض العلماء وأكثر العوام من أن قتال الكفار سببه الكفر، وأن الكفار يُقاتَلون حتى يسلموا، لكننا بعد أن توسعنا في علم الكتاب والسنة، والوقوف على سيرة الرسول ﵌ تحققنا بأن القتال في الإسلام إنما شرع دفاعًا عن الدين، وعن أذى المعتدين على المؤمنين، وليس ذلك بالظن ولكنه اليقين، ثم استشهد ﵀ بقول الإمام ابن تيمية: الصحيح أن القتال شرع لأجل الحرب لا لأجل الكفر، وهذا الذي يدل عليه الكتاب والسنة، وهو مقتضى الاعتبار، وذلك أنه لو كان الكفر هو الموجب للقتال لم يجز إقرار كافر بالجزية، وأعتقد بعد ذلك يتضح لكل بصير ومتأمل أسباب تشريع الجهاد في الإسلام.
جـ- مراحل تشريع الجهاد:
إن المتتبع لآيات الجهاد وزمن نزولها، وأقوال علماء التفسير فيها، يرى أن فريضة الجهاد قد مرت بمراحل تشريعية يمكن إجمال الكلام عنها في نقاط أساسية، هي -
стр. 295
وأنا ذكرتها هنا بتفصيل، وسيتضح ذلك بعد قليل عند ذكري لهذه المراحل الخمسة-:
المرحلة الأولى: تتمثل في الرد على عدوان كفار مكة، والتصدي لإيذائهم وظلمهم، وهذا ما يُفهم من قول الله ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: ٣٩) ويؤيد هذا المعنى ما رُوي عن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: "إن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- قال حين نزلت هذه الآية: فعرفت أنه سيكون قتال" وهذا بمعنى التهيؤ والاستعداد لفريضة الجهاد في سبيل الله ﵎.
المرحلة الثانية: السماح للمسلمين بقتال مَنْ يعتدي عليهم، ولعل هذا المعنى هو الذي يشير إليه قول الله ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٩٠) وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٤).
المرحلة الثالثة: الإذن بقتال اليهود وإخراجهم من ديارهم، ذلك لأنهم نقضوا ما كان بينهم وما بين المسلمين من عهود ومواثيق، وتآزروا مع أعداء الدعوة لقتال المسلمين وقتال رسول الله ﵌ فأنزل الله سبحانه قوله الكريم: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال: ٥٦، ٥٧).
المرحلة الرابعة: الإذن بقتال قوى الشر متمثلة باليهود والنصارى الذين تكتلوا ووقفوا ضد الدعوة الإسلامية، ومنعوا الناس من الدخول في دين الله، وهذا المعنى يفيده قول الله ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩).
المرحلة الخامسة: الإذن بقتال أعداء الإسلام عامة من مشركين ووثنيين وأهل كتاب؛ نظرًا لتكتل هذه الطوائف، ومحاربتها للإسلام والمسلمين.
стр. 296
وقد ذكرت هذه المراحل السابقة لأبين أن هناك تنويع جاء في كتاب الله ﵎ للقتال في سبيل الله يتمثل في التهيئة، والإعداد، والسماح بالاعتداء على من يعتدي عليك، والإذن بقتال اليهود والنصارى خاصة، وقوى الشر، ثم بعد ذلك يأتي الإذن بصورة عامة للقتال في سبيل الله ﵎ لكل- الوثنيين والمشركين والمنافقين واليهود والنصارى وغير ذلك، وفي هذه المرحلة الأخرى أصبح الجهاد عامًّا غير مقيد بزمن، ولا بوقت، ولا بفئة من الكافرين.
يقول الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ ﵎ في تفسيره: ثم أمر الله بقتال الكفار حتى لا يكون فتنة -أي: شرك- ويكون الدين لله -أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان.
وبهذه الكلمات أنهي هذا اللقاء، وأصلي وأسلم على النبي المختار ﵌ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - تابع الحديث عن الجهاد في سبيل الله
فضل الجهاد، وثمراته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين. وبعد:
نتابع الحديث عن الجهاد في سبيل الله ﵎. والعنصر الأول: فضل الجهاد وثمراته، ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- فضل الجهاد:
الجهاد في سبيل الله عزة وكرامة، وهو من أفضل الأعمال على الإطلاق عند الله ﵎ وثوابه يربو عن ثواب الحج والعمرة والصيام والقيام، ويكفيه فضيلة أن الله ﵎ قد تكفل للمجاهدين إما بالنصر والظفر، أو بالجنة والعاقبة الحسنى، وقد فاز الجهاد بالعديد من الآيات التي تشهد له بالفضل، والتي تَعدُ المجاهدين بالمثوبة التي لا تعادلها مثوبة، وإن الجهاد تجارة رابحة مع الله الديان الكريم الغني المعطي الرحيم قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
стр. 297
وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف: ١٠: ١٢).
وقال -جل من قائل-: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (النساء: ٩٥).
وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ (التوبة: ١١١).
كما حظي الجهاد بالجم الكثير من الأحاديث الشريفة التي تشيد بفضل الجهاد، وتجعله في مقدمة ركب صالح الأعمال ثوابًا وأجرًا وفضيلة، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه بابًا قال فيه: "الجنة تحت بارقة السيوف"، وهو نص حديث مرفوع إلى النبي ﵌ قال فيه: ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)).
وقد ((جاء رجل إلى رسول الله ﵌ فقال: دلني على عمل يعدلُ الجهاد؟ قال: لا أجده، هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومَنْ يستطيع ذلك؟!)).
وقال ﵌: ((مَثَلُ المجاهد في سبيل الله -والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة)).
وعلى هذا، فإن الجهاد يعتبر أفضل الأعمال الصالحة المطلقة، وفضيلته أعظم الفضائل باعتباره وسيله إلى إعلان الدين ونصره ونشره، وإخماد الكفر ودحضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك.
قال الإمام ابن تميمة ﵀ ﵎ في كتابه (السياسة الشرعية): لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد في الجهاد، فهو ظاهرٌ عند الاعتبار، فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أعمال
стр. 298
العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتمل من محبة الله تعالى والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد وذكر الله، وسائر أنواع الأعمال على ما يشتمل عليه عمل آخر، والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائمًا إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة.
وقد جعل الله للمجاهد منزلة رفيعة في مقياس الناس، وفي ميزان العدالة الإلهية، وإن الشهيد في مقامٍ كريمٍ عند رب العزة والجلال سبحانه، والشهداء في حواصل طيور خضر عند جنة المأوى، وليس أحدًا من أهل الجنة يتمنى أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يود أن يقاتل ويُقتل مرة ثانية، لماذا؟ ليحظى بما حظي به في المرة الأولى من روعة الاستقبال وبهجة اللقاء.
يقول رسول الهدى والرحمة ﵌: ((طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث أغبر إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شَفَعَ لم يُشفّع)).
وقد شهدت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالحياة المنعمة التي لا موت فيها لمن قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله، قال رب العزة والجلال سبحانه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٩).
وقال رسول الله ﵌: ((عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله تعالى، وعين باتت تحرس في سبيل الله)).
وقال ﵌: ((إن في الجنة لمائة درجة لمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله)).
وقال ﵊: ((مَنْ أغبر قدماه في سبيل الله حرّمه الله على النار)).
وقال ﵌: ((رباط يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات أُجري عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمِنَ الفتان)).
وعن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه-:
стр. 299
((أن أم الربيع بنت البراء، وهي أم حارثة بن سراقة -رضي الله عن الجميع- أتت النبي ﵌ فقالت: يا نبي الله ﵌ ألا تحدثني عن حارثة -وكان قُتِلَ يوم بدر أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء؟ فقال لها النبي ﵌: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنكِ أصاب الفردوس الأعلى)).
وللإمام ابن القيم ﵀ له كلمات جليلة عن الجهاد في سبيل الله ومنزلته يقول فيها: لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كان لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة، وكان رسول الله ﵌ في الذروة العليا منه، واستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجَنان والدعوة والبنان والسيف والسنان -صلوات الله وسلامه عليه- وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده؛ ولهذا كان أرفع العالمين ذِكرًا، وأعظمهم عند الله قدرًا، وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه، فقال له: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٥١، ٥٢) وهذه صورة مكية أُمِرَ فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن.
وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر الإسلام قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (التوبة: ٧٣) فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه، وإن كانوا هم الأقلين عددًا، فهم الأعظمون عند الله قدرًا.
стр. 300
ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض مثل: أن تتكلم به عند مَنْ تخاف سطوته وأذاه، كان للرسل -صلوات الله عليهم وسلامه- من ذلك الحظ الأوفر، وكان لنبينا -صلوات الله وسلامه عليه- من ذلك أكمل الجهاد وأتمه، ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي ﵌: الجهاد ١٣:١٧ ((المجاهد مَنْ جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر مَنْ هجر ما نهى الله عنه)).
ولهذا كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أُمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له، متسلط عليه، لم يجاهده ولم يحاربه في الله، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج، فهذان عدوان قد امتحنا العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذله ويرجف به، ولا يزال يُخيل له ما في جهادهما من المشاق، وترك الحظوظ، وفوت اللذات والشهوات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر: من الآية: ٦) والأمر باتخاذه عدوًا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، كأنه عدو لا يفتر، ولا يقصر على محاربة العبد على عدد الأنفاس، فهذه ثلاثة أعداء أُمِرَ العبد بمحاربته وجهادها، وقد بُلي بمحاربتها في هذه الدار، وسُلطت عليه امتحانًا من الله له وابتلاءً، فأعطى الله العبد مددًا وعُدة وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأعطى أعداءه مددًا وعدة وأعوانًا وسلاحًا، وبلى أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم
стр. 301
لبعض فتنة ليبلو أخبارهم، ويمتحن مَنْ يتولاه، ويتولى رسله ممن يتولى الشيطان وحزبه، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (الفرقان: من الآية: ٢٠).
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (محمد: من الآية: ٤).
وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: ٣١).
وقال الله ﵎ لعباده المؤمنين: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الأنفال: من الآية: ١٢).
وكل هذا يدل على فضل الجهاد في سبيل الله، وأن الله ﵎ مع المجاهدين في سبيله.
والخلاصة: أن الجهاد في سبيل الله ﵎ له فضلٌ عظيمٌ، ومكانة عالية رفيعة، والمسلم لا ينفك عن الجهاد في سبيل الله أبدًا، فهو في جهادٍ دائمٍ، وأقول هذه الكلمة لأنني ما ذكرته من كلمات عن الإمام ابن القيم سابقًا تدعو الحاجة إلى أن أذكر ذلك، وقد ذكرت ما ذكرته لأشير إلى هذه المسألة، وهي: أن العبد في جهادٍ دائمٍ مع نفسه، ومع الشيطان، ومع عدوه المتربص به من الكفار والمنافقين، يجاهد نفسه ليحملها على الطاعة، وعلى بذل المال، والنفس في سبيل مرضاة الله ﵎ ويجاهد بلسانه وقلمه؛ ليبين معاني الإسلام ويرد على افتراءات المبطلين، ويجاهد في جميع أحواله في الرخاء والشدة، وفي حالة الضعف والقوة، وفي حالة الفقر والغنى، كما قال تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: ٤١).
وإذا فعل العبد ذلك كان له عند الله العاقبة الحسنى، وقد تلوت فيما مضى بعضًا من آيات كتاب الله، وبعضًا من أحاديث النبي ﵌ التي تشير إلى ذلك، وقد توسعت شيئًا ما في ذِكر فضل الجهاد في سبيل الله ﵎ لأدفع المؤمنين إليه، ولأبين لهم أنهم إن أرادوا الخير، ونشر الإسلام والدعوة إليه، أن يجاهد في سبيل الله بجميع أنواع الجهاد المشروعة والمطلوبة،
стр. 302
ولهم إن فعلوا ذلك عند الله ﵎ عظيم الخير والفضل.
ب- ثمرات الجهاد في سبيل الله ﵎:
إن ثمرات إقامة الجهاد في سبيل الله كثيرة أذكر منها هنا ما يلي:
أولًا: إعزاز المسلمين وإذلال الكافرين، وهذه ثمرة مهمة للغاية، إن الجهاد في سبيل الله يُعد قمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصف المولى هذه الأمة بصفات القيادة الرشيدة في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠).
قال الإمام القرطبي ﵀: قوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم.
وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أُخرجت لتكون طليعة وتكون لها القيادة بما أنها هي خير أمة، والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض، إن هذه الأمة تعمل على نشر الخير، وعلى صيانة المجتمعات من عناصر الفساد، وهي تسعى جاهدة كي تبني مجتمعات صالحة على أسس من القيم والمبادئ، والاعتقادات، والنظم، والأخلاق، والمعارف، والعلوم المستمدة من المنهج الرباني الحكيم، وهذه الأهداف النبيلة تجعل قيادة الأمة تنازل قوى البغي في ميادين الجهاد؛ لأن القوى الكافرة دائمًا وأبدًا تُعد العدة وتبذل جهدها للقضاء على الإسلام والمسلمين؛ ولهذا تركب الأمة صهوات المجد، وتسل سيفها ضد أعداء البشرية مما يعتقدون الكفر والضلال والفساد، فتكون ثمرة هذا الجهاد المبارك هي القضاء على شوكة الكفار وإذلالهم، وإنزال الرعب في قلوبهم، وتطهير الأرض من سيطرتهم.
стр. 303
إن المشركين والكفار لا يراعون في المسلمين إذا قدروا عليهم عهدًا ولا قرابة، كما قال ربنا في كتابه: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًًا وَلا ذِمَّةً﴾ (التوبة: من الآية: ٨).
وقال سبحانه: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًًا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ (التوبة: ١٠).
وقال -جل مَنْ قائل-: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية: ١٢٠).
لهذا كان الجهاد في سبيل الله هو الفيصل بين المسلمين وأعدائهم؛ لأنه يثمر بإذن الله ﵎ القضاء على قوة الكفر وإذلال طغاته، وإذلال حزبه، وخزيهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، كما قال ﵎: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢٥: ٢٧).
إن الله ﵎ قد رتب على الجهاد قتال الكافرين، وتعذيب أعداء الله وخزيهم، ونصر المجاهدين عليهم، وشفاء صدور المؤمنين الذي أوغر أعداء الله صدورهم، وإذهاب غيظ قلوبهم بما يدخل عليهم من السرور بكسر شوكة أعداء الله والقضاء على قوتهم، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ١٤، ١٥).
لقد قام النبي ﵌ بحركة الجهاد، واستطاع أن يقضي على شوكة الكفر في الجزيرة، وأن يرد كيد اليهود، ووجه ضربات موفقة للنصارى، وسار الصديق -رضي الله تعالى عنه- على نفس المنهج، وخاض حروب الرِّدة، وقضى على مُسيلمة الكذاب، فكانت
стр. 304
معاركه -رضي الله تعالى عنه- ضد المرتدين من أكبر الأسباب على نصر الإسلام وأهله، وبعد انتهاء حروب الرِّدة قام بحركة الجهاد ضد الفرس والروم، واستمر الخلفاء من بعده على نفس المنوال، وامتدت رقعة الإسلام من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، وأخذت جيوش الإسلام تدق معاقل النصرانية في أوروبا، وبسطت نفوذها على بلدان كثيرة، وهذا إعزازٌ للمسلمين وإذلال للكافرين، وهذه هي الثمرة الأولى من ثمرات إقامة الجهاد في سبيل الله.
الثمرة الثانية: دخول الناس في دين الله أفواجًا، إن أهل الباطل يستهينون بأهل الحق ويستضعفونهم ما لم يكونوا أعزة، والتاريخ يشهد على أن الناس يحترمون الحق الذي تحرسه القوة، وعندما يكونوا أهل الحق أعزة يدخل الناس في دين الله أفواجًا، والنبي ﵌ عندما أسس دولة للإسلام، واكتملت لها المقومات اللازمة، وشرعت في بعث السرايا والقيام بالغزوات ضد أعداء الإسلام، ووقعت بينهم وبين المسلمين معارك كان الانتصار في الغالب للمسلمين على المشركين، وبلغت قوة المسلمين ذروتها عندما وقع الصلح بينهم وبين المشركين في الحديبية؛ حيث اعترف أهل الكفر بدولة تعقد المعاهدات وتفاوض وتصالح، وكثر الداخلون في الإسلام، وعندما نقضت قريش الصلح غزا رسول الله ﷺ مكة ففتحها، ودخلها منتصرًا مظفرًا، فماذا كان بعد هذا الفتح المبين؟
قال محمد بن إسحاق ﵀ ﵎: ولما افتتح رسول ﵌ مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، قال ابن هشام حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تُسمى الوفود، وإنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش؛ لأن قريشًا كانوا إمام الناس وهاديتهم، وأهل البيت والحرم، وقادة العرب لا ينكرون
стр. 305
ذلك، وكانت قريش هي التي نصرت الحرب لرسول الله ﵌ وخلافه، فلما افتتحت مكة، ودانت لهم قريش ودخلت في الإسلام عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﵌ ولا على عداوته، فدخلوا في دين الله، كما قال الله -جل ذكره-: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (النصر: ١: ٣).
فكان دخول الناس في دين الله أفواجًا بسبب هذا الفتح المبين، وهذا النصر العظيم، والجهاد في سبيل الله ﵎ واستمر الأمر كذلك بعد انتقال النبي ﵌ للرفيق الأعلى، فكان الجهاد هو الذي يقضي على حركات التمرد والشقاق، ويجبر المتمردين على الخضوع للإسلام والانقياد لشرعه، واحترام أهله، وقد أدرك ذلك أبو بكر الصديق -رضي الله ﵎ عنه- حينما قام بمواجهة المرتدين.
الثمرة الثالثة من ثمرات إقامة الجهاد في سبيل الله: إسعاد الناس بنور الإسلام وعدله ورحمته:
إن الجهاد في سبيل الله يحقق الرحمة للبشرية في الأرض، ويدفع الظلم والاعتداء، ويسعد الناس بهذا الدين الذي هو نور كله، ويُخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور العلم والهداية والتوحيد، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٢٥٧).
وما أروع جهاد ذي القرنين في القرآن الكريم؛ حيث تحرك بجيوشه لدعوة الله الخالدة، ووظف كل إمكاناته من أجل نشر التوحيد وتعريف الناس بخالقهم، ولقد جمع بين الفتوحات العظيمة بحد السف، وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان، فكان إذا ظفر بأمة أو شعب دعاهم الحق والإيمان بالله تعالى قبل العقاب أو الثواب، وكان حريصًا على الأعمال الإصلاحية في كافة الأقاليم
стр. 306
والبلدان التي فتحها، ولقد وجد في إحدى رحلاته الجهادية للدعوة قومًا لا يكادون يفقهون قولًا، وقد وقع عليهم ظلم عظيم، وتخوفوا من قدوم يأجوج ومأجوج عليهم، فعرضوا عليه المال من أجل أن يبني لهم سدًّا؛ فقام بمدافعة الظلم المتوقع، واعتذر عن أخذ الخراج، وشرع في نقلهم من الجهل إلى العلم، والتخلف إلى التقدم، والكسل إلى العمل، والضعف إلى القوة، ومصداق ذلك في قول الله: ﴿قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (الكهف: ٩٥: ٩٧).
كان ذو القرنين حريصًا على مصلحة الناس ناصحًا لهم فيما يعود عليهم بالنفع؛ ولهذا طلب منهم المعونة الجسدية بما في ذلك تنشيط لهم، ورفع لمعنوياتهم، ومن نصحه وإخلاصه لهم: أنه بذل ما في الوسع والخدمة أكثر مما كانوا يطلبون، فهم طلبوا منه أن يجعل بينهم وبين القوم المفسدين سدًّا، أما هو فقد وعد بأن يجعل بينهم ردمًا، والردم هو الحاجز الحصين، والحجاب المتين، وهو أكبر من السد وأوثق، فوعدهم بفوق ما يرجون، إن قول الله تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ فيه مَعْلَمٌ بارز في تضافر الجهود وتوحيد الطاقات والقدرات والقوى؛ لأن الأمة التي تنام ولا تتحرك، ولا تعمل على دفع الذل والمهانة وتسلط أعدائها عليها هذه الأمة تُعد أمة ضائعة، لقد استطاع ذو القرنين أن يفجر طاقات المستضعفين، ووجههم نحو التكامل؛ لتحقيق الخير والغايات المنشودة.
إن المجتمعات البشرية غنية بالطاقات المتعددة في المجالات المتنوعة، ويأتي دور القيادة الربانية في الأمة لتربط بين كل الخيوط والخطوط، والتنسيق بين المواهب والطاقات، وتتجه بها نحو خير الأمة ورفعتها، إن أمتنا الإسلامية مليئة بالمواهب
стр. 307
الضائعة، والطاقات المعطلة، والأموال والأوقات المبددة، والشباب الحيارى، وهي تنظر مَنْ يأخذ بأيديها ويوجهها إلى الأخذ والعمل بقاعدة ذي القرنين في الجمع والتنسيق والتعاون، ومحاربة الجهل والكسل والتخلف ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ لقد كان ذو القرنين يستخدم جيوشه وقوته كوسيلة من وسائل الدعوة، ونشر العدل بين الناس، ورفع الظلم عنهم، ومحاربة أهل الفساد، هذه في الحقيقة هي أهم ثمرات الجهاد في سبيل الله ﵎.
مسائل هامة تتعلق بالجهاد في سبيل الله
مسائل هامة تتعلق بالجهاد في سبيل الله ﵎:
بعد أن بينت في هذا اللقاء وفي اللقاء السابق تعريف الجهاد، وبينت هنا فضل الجهاد، وأنه يكون على أنواع متعددة، وما إلى ذلك، أود أن أبين بعض المسائل المهمة المتعلقة بهذه الشعيرة العظيمة في الإسلام؛ ولذلك اخترت أن يكون عنوان عنصر هذا الموضوع مسائل هامة تتعلق بالجهاد في سبيل الله تعالى، ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- بيان المطلوب من المسلمين عند إرادة الجهاد:
عند إرادة الجهاد في سبيل الله لا بد من مراعاة ما يلي:
أولًا: إعداد العُدة، والقرآن الكريم صريح في دعوته في هذا الأمر؛ إذ يقول الله ﵎: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: من الآية: ٦٠) وقد فسر النبي ﵌ القوة بالرمي، كما في (صحيح مسلم)، والتنكير هنا يفيد العموم لجميع القوى المادية والروحية كالإيمان والصبر والثبات.
الأمر الثاني: الثبات وطاعة القائد، وترك النزاع والخلاف مهما كانت النتائج:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: ٤٥، ٤٦).
الأمر الثالث من الأمور المطلوبة من المسلمين عند إرادة الجهاد: هو حفظ السر:
فإن كشف أسرار الجيش جريمة كبرى، وهو من أسباب الهزيمة، وقد نهى الله المسلمين عن ذلك لما فيه من موالاة الأعداء والتجسس
стр. 308
على المسلمين، ويظهر ذلك من قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ عندما بعث بكتاب إلى قريش يخبرهم فيه بخروج رسول الله ﵌ إلى مكة، وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الممتحنة: من الآية: ١) إلى آخر ما جاء في هذه الآيات.
وكذلك النبي ﵌ كان إذا أراد أن يغزو جهة مر بغيرها، ثم انطلق إلى الجهة التي يريدها، وقصة النبي ﵌ في غزة بدر مع الأعرابي لما طلبوا منه أن يخبراه عن نشأته، وعن أصله، ومَنْ هو؟ فقال ﵌: ((نحن من ماء)) ثم انصرف؛ لأنه يريد- صلوات الله وسلامه عليه- أن لا يفشي سر جماعته، ولا قومه، ولا أصحابه الذين يقاتلون في سبيل الله، يريد أن لا يخبرهم بأي أمرٍ عن المسلمين كي يحفظ سرهم، ولا يعرف العدو شيئًا عن أخبارهم.
الأمر الرابع الذي يجب أن نأتي به قبل إرادة الجهاد في سبيل الله: اختيار المكان المناسب، وهو ما يُعرف في النظم الحديثة بالاستراتيجية العسكرية:
وقد تحدّث التاريخ عن موقف الحباب بن المنذر في غزوة بدر، قد نزل النبي ﷺ بمكان، فقال: يا رسول الله ﵌ أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله ﵌: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله إن هذا المكان ليس لنا بمنزل، وأشار عليه بأرضٍ تصلح للحرب، فقال ﵌: لقد أشرت بالرأي، ونهض رسول الله ﵌ بمن معه من المسلمين.
الأمر الخامس الذي يجب أن يعتني به المسلمون عند إرادتهم الجهاد: دعوة الكفار للإسلام قبل الحرب، وعدم التمثيل بالأعداء، أو قتل النساء والأطفال والشيوخ، وقد كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرًا على جيشٍ أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ﵎ وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قاله: اغز في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا ... إلى آخر ما كان يذكره ﵌.
стр. 309
الأمر السادس الذي يجب أن نتنبه له، وأن نعمل به عند إرادتنا القتال: ما يعرف في الحروب الحديثة بالحرب النفسية:
وهذه من أخطر الأسلحة التي يمكن أن يستخدمها كل فريق ضد الآخر، والقرآن الكريم أشار إلى أن إعداد العُدة المادية والمعنوية فيه إرهاب للأعداء، وتمكين للرعب في قلوبهم، وهو هدفٌ من أهداف إزهاق الباطل وإذلاله قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: من الآية: ٦٠).
وهناك قصص كثير يبين بعض ما كان يفعله الصحابة فيما يعرف بالحرب النفسية، فكان أبو دجانة -رضي الله تعالى عنه- يختال في مشيته أمام المشركين، ويتبختر وفي يده السيف الذي أعطاه له رسول الله ﵌ ولما قالت قريش: إنه سيقدم عليكم محمدٌ وأصحابه وقد أنهكتهم حمى يثرب، فلما بلغ النبي ﵌ مقالة المشركين حصر عن كتفه وعن عضده الأيمن مطبعًا بردائه، ورمل في الأشواط الثلاثة الأولى، وقال لأصحابه: ((رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة)) هذا في الحقيقة يبين أن الحرب النفسية لها أمورها النفسية أيضًا، وأن على العبد أن ينتبه لمثل ذلك.
هذه ستة أمور ذكرتها لكم الآن -أيها الإخوة الكرام- تحت هذه النقطة ألا وهي: بيان المطلوب من المسلمين عند إرادة الجهاد.
أنتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى مهمة أيضًا، وهو بعنوان:
ب- تمييز الصفوف عند القتال، وأن يكون تحت راية الإمام:
يجب تمييز الصفوف ومعرفتها عند القتال، وأما القول بأنه يجوز قتالٌ دون أن يتميز صف المسلمين من صفوف الكفار، فهو حرام، وقولٌ لا دليل عليه، ولا ينبني على فقه أو دين أو عقل، وهذه آيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول ﵌ وتاريخ الصحابة الكرام والمسلمين كله شاهد أنه لا قتال إلا بعد تميز الصفوف، وانحياز أهل الإسلام إلى إمامهم وعلمهم، وانحياز أهل الكفر إلى قوادهم وجيشهم، فلم
стр. 310
يأمر الله تعالى الرسول ﵌ بالقتال إلا بعد أن تميز جيشه، وكانت له قاعدته في المدينة، وجماعته المستقلة التي تخرج وتبرز وحدها، رافعة لواءها، معلنة أهدافها، معروفة أوصافها.
هذا هو الجهاد الإسلامي صفٌّ مميزٌ له هدف معلوم، وراية مرفوعة، وجماعة ظاهرة، وإمام قائم، وأرجو من إخواني المستمعين أن يتنبهوا لهذه الكلمات: لا بد في الجهاد من صف مميز له هدف معلوم، وراية مرفوعة، وجماعة ظاهرة، وإمام قائم، وأما المجموعات السرية المختبئة في الجحور التي تخرج على الناس فجأة فتغدر وتقتل، وتضرب على غير هدى فليسوا دعاة إسلام، وليس لفعلهم هذا شبه ولا مثال في كل تاريخ مَنْ يقتدى به من أهل الإسلام؛ ولذلك أنا أحذر الشباب غاية الحذر في الاغتيالات التي تتم بين الحين والآخر، وأدعوهم إلى أن ينظروا في قول النبي ﵌ لحذيفة بن اليمان لما أرسله في غزوة الخندق ليأتيه بخبر الكفار: ((اعرف الخبر، ولا تحدِث حدثًا حتى تأتني)) كيف أن حذيفة أتاهم، والريح تضربهم، والظلام يلفهم، وقد قال لهم أبو سفيان وقد كان قائدهم: إني مرتحل، ثم ركب ناقته ولم يفك وثاقها إلا بعد أن ركبها، وقال حذيفة: لم يكن بيني وبينه شيء، وأردت أن أقتله بسهم، ولكني تذكرت كلام رسول الله ﵌: ((لا تحدِث حدثًا حتى تأتني)) فأمسكت، أرأيت لو قتل حذيفة بن اليمان ﵁ أبا سفيان ماذا كان سيكون؟ فكيف يتناسب ذلك إذن مع ما يفعله أفراد من الشباب الأغرار تختمر عندهم فكرة ما بأن فلانًا عدوًا لله ﵎ فيقومون بقتله، وما إلى ذلك دون أن يتأملوا، أو يعرفوا العواقب، أو يقيموا الحجة على أحد، وبالتالي لا بد أن يتميز قبل القتال صف المسلمين من المشركين والكافرين، وأن يكون القتال تحت راية إمام.
أنتقل بعد ذلك في صورة سريعة إلى نقطة أخرى، وهي نقطة (ج) وهي بعنوان:
جـ- دفع افتراءات على الإسلام في تشريع الجهاد:
افترى المستشرقون وأعداء الإسلام عليه في شريعة الجهاد، وزعموا أن الإسلام يحب القتل وسفك الدماء، وما فهموا أن
стр. 311
الجهاد في سبيل الله ﵎ ضروري لقيام الدعوة واستمرارها، وهو وسيلة من وسائلها، ونحن -معشر أمة الإسلام- لا نريد القتال أساسًا لأجل القتال ولا من أجل الحرب، وكذلك فلسنا أعداءً لأحدٍ من الناس من حيث الابتداء، ولكن لنا من بين الناس أعداء، الذين هم أعداء الله، والذين يوقدون نار الحرب ويسعون الفساد في الأرض، ويفتنون الناس عن الإيمان، ويصدون عن سبيل الله، والمؤمن يمضي بدعوته جاهدًا كي يفوت فرصة الفساد والإفساد، ويطفئ نار الفتنة والهلاك حتى تمضي الدعوة الإسلامية تشق طريقها، فإن أبوا إلا المضي في إشعال الفتنة والسعي في الفساد، فإنه لا مفر عندئذٍ من القتال، وكما يقولون: آخر الدواء الكي، فالجهاد في سبيل الله تعالى ليس هدفًا منفصلًا عن الدعوة إلى الله، بل هو مرتبطٌ بها ارتباطًا كاملًا، يدور القتال لأجل الدعوة ويتوقف لأجل الدعوة، فهو إذن وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله، وقوة من قواها لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبارة الله الواحد الأحد، وليمض الجيل المؤمن بالدعوة بكل قواها وسلامة نهجها حتى تكون كلمة الله هي العليا، وهو كذلك وسيلة من وسائل حماية الدعوة، وحماية المسلمين أنفسًا ودارًا وثروات ومنهاجًا، وهو كذلك وسيلة لدفع الدعوة في الأرض حتى تبلغ الناس كافة حين لا تنفع الحكمة والموعظة الحسنة، ولا يكفي جهاد اللسان والبيان، وحين تصد الدعوة عن غايتها، وتقفل الدروب والمسالك أمامها، وتبذل الجهود لخنقها، عندئذٍ يكون الجهاد في سبيل الله، وقد كانت الحروب وما تزال في غير العالم الإسلامي لا يُقصد بها إلا الغزو والفتك والاستعباد، كانت تقوم على رغبة أمة في قهر غيرها من الأمم، وتوسيع رقعتها على حسابها، أو لاستغلال مواردها، وحرمان أهلها منها، أو لشهوة شخصية
стр. 312
تقوم في نفس مَلِكٍ أو قائد حربي ليُرضي غروره الشخصي، وينتفش كبرًا وخيلاء، أو لشهوة الانتقام، ولم يكن لهذه الحروب تقاليد تمنع من هتك الأعراض، أو تخريب المدن المسالمة، أو قتل النساء والأطفال والشيوخ، ولما جاء الإسلام أبطل ذلك كله، وحرّم الحروب كلها إلا أن تكون جهادًا في سبيل الله جهادًا لدفع اعتداء عن المسلمين، أو لتحطيم القوى الباغية التي تفتن الناس عن دينهم بالقهر والعنف، أو لإزالة القوى الضالة التي تقف في سبيل الدعوة وإبلاغها للناس؛ ليروا الحق ويسمعوه، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٩٠) وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٩٣).
فهي دعوة سلمية لا تكره أحدًا: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥٦) وبهذا تندفع افتراءات كثيرة على الإسلام في تشريع الجهاد، ولولا ضيق الوقت لذكرت أكثر من ذلك.
وأنتقل إلى نقطة لا بد من الإشارة إليها، وهي النقطة (د) بعنوان:
د- التفجيرات في بلاد المسلمين ليست من الجهاد في سبيل الله تعالى:
التفجيرات عملٌ إجراميٌّ بإجماع المسلمين، وفيه هتكٌ لحرمات الإسلام المعلومة بالضرورة، وهتكٌ لحرمة الأنفس المعصومة، وهتكٌ لحرمات الأمن والاستقرار.
أقول هذا؛ لأن بعض الأغرار خرجوا في بلاد المسلمين وبدءوا يفجرون فيها، وقد وقع التفجير حتى في بلاد الحرمين الشريفين التي تحكم بالقرآن، وترفع سُنة سيد الأنام ﵌.
وأنا أتساءل: ماذا ينقم هؤلاء المجرمين على المملكة العربية السعودية، وهي تطبق شرع الله وتنشر دين الله في أرضه، كيف يسوغ لهم بعد ذلك أن يقتلوا فيها مَنْ يشهدوا لله بالوحدانية، ولنبيه ﵌ بالرسالة، ثم يزعمون بعد ذلك أنهم مجاهدون في سبيل الله، كلا والله إنهم يجاهدون في سبيل الشيطان، وأحذرهم من ذلك.
وأكتفي بهذه الكلمات، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 313
الدرس: ١٠ بعض مواقف الخلفاء الراشدين والصحابة وأثرها في الدعوة .
стр. 314
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(بعض مواقف الخلفاء الراشدين والصحابة وأثرها في الدعوة)
١ - دراسة لبعض مواقف الخلفاء الراشدين وأثرها في الدعوة
أبو بكر الصديق ﵁
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين. وبعد:
عنوان هذا اللقاء هو: دراسة لبعض مواقف الخلفاء الراشدين وأثرها على الدعوة، وسأقدم -إن شاء الله تعالى كالعادة- عناصر تحت هذا العنوان من المحاضرة.
والعنصر الأول بعنوان: أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- ويشتمل على النقاط التالية:
أ- التعريف به وذكر بعض مناقبه:
أبو بكر هو: عبد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي، أبو بكر الصديق بن أبي قحافة -رضي الله تعالى عنه- ولد بمنى، وهو يلتقي في النسب مع رسول الله ﵌ في "مرة" وقد كان الصديق ﵁ مثاليًّا في كل شيء، حتى في أيام الجاهلية، فلا عجب أن تراه بعد إسلامه أفضل رجل بعد رسول الله ﵌ فقد قال ﵊: ((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)) ولذلك قال ابن إسحاق ﵀ ﵎ في حديثه عن أبي بكر، قال: وكان أبو بكر رجلًا مؤلفًا -يعني يألفه الإنسان- لكونه محببًا سهلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر.
وكان رجلًا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قريش يألفونه ويأتونه لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الله ﵎ وإلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، ولم يسجد -رضي الله تعالى عنه- لصنم قط. قال أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- في مجمع من أصحاب رسول الله ﵌: "ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما نهزت الحلم، أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مكان فيه أصنام، فقال لي: هذه آلهتك الشم العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني. فلم يجبني، فقلت: إن عار فاكسني فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخر لوجهه" وهذه أمارة عن فطنة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- وأنه أدرك قبل أن يوحى للنبي ﵌-
стр. 315
بالنبوة والرسالة أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، ولا تكسو عاريًا ولا تطعم جائعًا، وهذا توفيق من رب العزة والجلال .
ولذلك قال الإمام السيوطي ﵀ ﵎: إن أول من أسلم علي، وقيل: خديجة، وجمع بين الأقوال بأن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- أول من أسلم من الرجال، وعليًّا أول من أسلم من الصبيان، وخديجة أول من أسلمت من النساء. وأول من ذكر هذا الجمع الإمام أبو حنيفة ﵀ ﵎ وما إن أسلم أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- حتى حمل أمانة الدين على أعانقه، وخرج يدعو الناس إلى دين الله -جل وعلا- فأسلم على يديه ستة من العشرة الذين بشرهم النبي ﵌ بالجنة فيما بعد، وأجر هؤلاء يعود أيضًا منه على أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- لأن الدال على الخير كفاعله، ولذلك أقول: بأن الصديق ﵁ يأتي يوم القيامة وهم في ميزان حسناته، وقد أسلم أيضًا على يديه خلق كثير سوى هؤلاء الأطهار الأبرار.
وهكذا يجب أن يكون الداعية إلى الله -تعالى- يحمل هم الناس من حوله ويخشى عليهم من عذاب الله ويأخذ بأيديهم إلى مرضات الله وجنته، ومن المناقب الجميلة أن الذي لقب أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- عتيقًا هو النبي الصادق الأمين ﵌ فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: ((إني لفي بيت رسول الله ﵌ وكان أصحاب النبي ﵊ في الفناء، وبيني وبينهم الستر، إذ أقبل أبو بكر فقال رسول الله ﵌: من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا))، وكان المعني هو أبو بكر -رضي الله تعالى عنه.
وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: ((دخل أبو بكر الصديق على رسول الله ﵌ فقال له رسول الله ﵌: أبشر فأنت عتيق الله من النار)). قلت فمن يومئذ سمي عتيقًا.
وقال الإمام ابن القيم ﵀ ﵎ عن فضائل الصديق -رضي الله تعالى عنه- قال: فهو خير من مؤمن آل فرعون لأن ذلك كان يكتم إيمانه، والصديق أعلن به، وخير من مؤمن آل يس؛ لأن ذلك جاهد ساعة، والصديق -رضي الله تعالى عنه- جاهد سنين.
стр. 316
وقد ذكر النبي ﵌ له فضائل كثيرة، منها ما جاء عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﵌: ((إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر)).
وعن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﵌: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر -أي أكثرهم رحمة- وأشدهم في أمر الله عمر، وأشدهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي)) وفي رواية قال ﵌: ((أرأف أمتي بأمتي أبو بكر)).
وقال النبي ﵌: ((ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه بها إلا الصديق، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبو بكر، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن صاحبكم خليل الله)). هكذا يصرح النبي ﵌.
ولذلك ورد عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أسلم أبو بكر ﵁ وله أربعون ألفًا فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله، أعتق بلالًا، وعامر بن فهيرة، وزنيرة والنهدية وابنتها، وجارية بني مؤمل، وأم عميس. وقد قال الإمام القرطبي ﵀ ﵎ في قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ (الليل: من الآية: ١٧) قال فيها ﵁: والأكثر أن السورة نزلت في أبي بكر ﵁ فأي منقبة إذن أعظم من هذه المنقبة، وأي وسام أغلى من هذا الوسام، أن ينزل قرآن على النبي ﵌ فيه إشادة بمواقف الصديق -رضي الله تعالى عنه.
وأختم الحديث عن بعض مناقبه -رضي الله تعالى عنه- بما جاء عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت -وهذا يبين شدة ورعه رضي الله تعالى عنه- قالت أم المؤمنين عائشة: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراج، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر ﵁-
стр. 317
فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: ما هو؟ قال: كنت قد تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل الصديق ﵁ أدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه. وهذا موقف فعلًا يعجز الإنسان عن وصفه وتأمل حاله، لشدة الورع التي كان عليها -رضي الله تعالى عنه.
ب- مواقف من حياته، وجهاده في الدعوة -رضي الله تعالى عنه-:
الصديق -رضي الله تعالى عنه- أولًا من الذين استجابوا لله وللرسول ﵌ استجابوا له مجاهدًا في سبيل الله، استجابوا له منفقًا في سبيل الله، استجابوا له في نشر دعوة الله ﵎ ولذلك جاء -كما ذكر البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى- عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- في قول الله -جل ذكره-: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيم﴾ (آل عمران: ١٧٢) قالت أم المؤمنين ﵂ لعروة: يا ابن أختي! كان أبواك منهم؛ الزبير وأبو بكر، وذلك لما أصاب رسول الله ﵌ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في إثرهم فانتدب منهم سبعون رجلًا كان فيهم أبو بكر والزبير.
وقال الإمام ابن القيم ﵀ وتعالى-: وثبت أبو بكر ﵁ ثبوت الجبال يوم أحد حول رسول الله ﵌ يدافع، وبعث رسول الله ﵌ سرية إلى بني فزارة سنة سبع للهجرة بقيادة أبي بكر ﵁ فوردت الماء وغنمت وسبت، وعادت سالمة. وفي غزوة تبوك كان راية المسلمين بيد أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- ويوم حنين أعجب المسلمون بكثرتهم فلم تغنهم شيئًا وولوا مدبرين بعد أن كمن لهم أعداء الله في شعاب الوادي، وكان أول من ثبت حول رسول الله ﵌ أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه.
стр. 318
ومن ثباته وجاهده وحنكته -رضي الله تعالى عنه- إنفاذه لجيش أسامة ﵁ ولقد ظهر فقه الصديق وظهرت حكمته عند إصراره على إرسال وبعث جيش أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنهما- من عدة وجوه:
منها: تنفيذه بعث أسامة ﵁ على الرغم من شدة الأحوال ومعارضة بعض الصحابة وذلك امتثالًا لأمر النبي ﵌ ففي ذلك أولًا الامتثال الكريم لأمر النبي ﵌ وأصر ﵁ على أن تستمر الحملة العسكرية في تحركها إلى الشام مهما كانت الظروف والأحوال والنتائج، وفشلت كافة المحاولات الهادفة لإقناع الصديق ﵁ كي يتخلى عن فكرة إرسال جيش أسامة، وعندما كثر الإلحاح على أبي بكر دعا عامة المهاجرين والأنصار إلى اجتماع المجلس لمذاكرة هذا الأمر معهم، وبين لهم أن إنفاذ جيش أسامة هو مشروع وضعه رسول الله ﵌ وعلينا تنفيذه مهما بلغت الصعاب والمتاعب، وقال: "أيها الناس! والله، لو خطفتني الكلاب والذئاب لأنفذت أسامة وجيشه كما أراد رسول الله ﵌ لا راد لقضاء قضى به رسول الله ﵌".
ولما أشار بعض الناس على أبي بكر أن يولي أمر الجيش رجلًا أقدم سنًا من أسامة غضب لذلك؛ لأن رسول الله ﵌ هو الذي أمر أسامة على هذا الجيش، فلا يريد ﵁ أن يغير شيئًا فعله رسول الله ﵌ وسار أسامة حتى انتهى لما أمره به رسول الله ﵌ فبعث الجنود إلى بلاد قضاعة، وأغار أسامة على "أبنا" فسبى وغنم ورجع المدينة ظافرًا بعد أن غاب عنها أربعين يومًا، وكان إنفاذ جيش أسامة من أعظم الأمور نفعًا للمسلمين، فإن العرب قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين.
стр. 319
لقد أثبتت الأيام والأحداث سلامة رأي الصديق وصواب قراره الذي اعتزم تنفيذه معتمدًا في ذلك على الدقة التامة في التزام المنهج النبوي والأمر النبوي، والتصميم الملهم في وقته المناسب، والنظر البعيد إلى المستقبل. رضي الله تعالى عنك يا أبا بكر، لقد كنت تدرك ما وراء خروج هذا الجيش بعد وفاة رسول الله ﵌.
كما قام الصديق ﵁ بحرب المرتدين، وجهز الجيوش لكل ناحية من نواحي الجزيرة العربية، فنصر الله الإسلام وأذل الكفر، وكانت النتيجة خلال سنة واحدة -كما قال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀: استهلت هذه السنة -يعني سنة اثنتي عشرة للهجرة- وجيوش الصديق وأمراءه الذين بعثهم لقتال أهل الردة جوالون في البلاد يمينًا وشمالًا، لتمهيد قواعد الإسلام وقتال الطغاة من الأنام، حتى رد شاردَ الدين بعد ذهابه، ورجع الحق إلى نصابه، وتمهدت جزيرة العرب، وصار البعيد الأقصى كالقريب الأدنى، إن كل واقعة من حروب الردة تشهد بأن أهل الباطل لا يحترمون أهل الحق إلا بالقوة والجهاد، ولقد ترتب على حروب الردة عدة نتائج، من أهمها:
لقد تكسرت وتحطمت قوى الشر من يهود ونصارى ووثنيين الذين تستروا تحت شعارات عدة أمام صلابة التوحيد وحقيقة التصور السليم والقيادة الحكيمة، وتركت لنا الأحداث الجسيمة ثروة ضخمة في معاملة المرتدين وأحكامهم، وفي المنهج الصحيح لمعاملة الخارجين عن دولة الإسلام العظيمة، كانت حروب الردة إعدادًا ربانيًّا للفتوحات الإسلامية، حيث تميزت الرايات وظهرت القدرات، وتفجرت الطاقات، واكتشفت قيادات ميدانية، وتفنن القادة في الأساليب والخطط الحربية، وبرزت مؤهلات الجندية الصادقة، المطيعة المنضبطة الواعية، التي تقاتل وهي تعلم
стр. 320
على ماذا تقاتل، وتقدم كل شيء وهي تعلم من أجل ماذا تضحي وتبذل؛ ولذا كان الأداء فائقًا والتفاني عظيمًا؛ ولذلك بعد أن انتهت حروب الردة وتوحدت كلمة المسلمين، وأصبحت لهم قاعدة صلبة في جزيرة العرب تحركت قيادة الأمة بزعامة الصديق ﵁ لتحقيق وعد الله بنصر دينه وإقامة شرعة ودعوة الناس لعبادة الله وتحقيق عبوديته الشاملة في كل نواحي الحياة والممات، وكان لا بد من تحرك المسلمين لإزالة كل العقبات التي تقف في وجه أداء هذه الأمانة للناس أجمعين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وبذلك تتحقق سيادة شرع الله الحكيم على كل بني البشر، ويصبح الجميع يدينون بحاكمية الله وألوهيته المطلقة المتمثلة في خضوع الجميع لأحكام الله ﵎ وأحكام رسوله ﵌ لقد كان المسلمون بقيادة الصديق ﵁ على يقين بما أخبر الله ورسوله من النصر والتمكين، وهذا اليقين من أخلاق النصر في جيل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- انطلاقًا من قوله -سبحانه-: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: ٨) ويقول -سبحانه-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ (الصف: ٩) وقال -سبحانه-: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد﴾ (غافر: ٥١).
لقد كان التحرك نحو العراق والشام من أجل نشر دين الله تعالى مرحلة طبيعية بعد انتهاء حروب الردة، فشرع الصديق ﵁ في إرسال الجيوش إلى العراق بقيادة خالد، وإزاحة الطواغيت من على رقاب الناس، واستجاب العباد لدين الفطرة ودخلوا فيه أفواجًا، ووجه جيوشه نحو الشام، وواصل الخلفاء الراشدون من بعده المسيرة التي ساهمت في إدخال أمم وشعوب في دين الله تعالى، حتى انتشر الخير وعم الرخاء، وتوجه الناس بالعبادة لله ﵎ لأنه سبحانه هو المستحق للعبادة وحده دون سواه.
следующие страницы →